← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكاف أيضا، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت: هو في الموضعين عائد على الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله كهيئة فتقديره في التأنيث صورة، وفي التذكير شخصا أو خلقا وشبه ذلك، وقيل: المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير، والطين، وهو بعيد في المعنى بِإِذْنِي كرره مع كل معجزة ردّا على من نسب الربوبية إلى عيسى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ يعني اليهود حين همّوا بقتله فرفعه الله إليه وَإِذْ أَوْحَيْتُ معطوف على ما قبله، فهو من جملة نعم الله على عيسى والوحي هنا يحتمل أن يكون وحي إلهام أو وحي كلام وَاشْهَدْ يحتمل أن يكون خطابا لله تعالى أو لعيسى ﵇ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ نداؤهم له باسمه: دليل على أنهم لم يكونوا يعظمونه كتعظيم المسلمين لمحمد صلّى الله عليه واله وسلّم، فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه، وإنما يقولون: يا رسول الله يا نبي الله، وقولهم ابن مريم: دليل على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح من نسبته إلى أمّ دون والد، بخلاف ما اعتقده النصارى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ظاهر هذا اللفظ أنهم شكّوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة وعلى هذا أخذه الزمخشري، وقال ما وصفهم الله بالإيمان، ولكن حكى دعواهم في قولهم: آمنا. وقال ابن عطية وغيره: ليس كذلك لأنهم شكوا في قدرة الله، لكنه بمعنى هل يفعل ربك هذا، وهل يقع منه إجابة إليه، وهذا أرجح، لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه، مع أنّ في اللفظ بشاعة تنكر، وقرئ تستطيع «١» بتاء الخطاب ربك بالنصب أي هل تستطيع سؤال ربك، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكوا، وبها قرأت عائشة ﵂، وقالت: كان الحواريون أعرف بربهم من أن يقولوا: هل يستطيع ربك أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ موضع أن مفعول بقوله يستطيع على القراءة بالياء، ومفعول بالمصدر، وهو السؤال المقدّر على القراءة بالتاء، والمائدة هي التي عليها طعام، فإن لم يكن عليها طعام فهي خوان قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فقوله لهم: اتقوا الله يحتمل أن يكون زجرا عن طلب المائدة، واقتراح الآيات، ويحتمل أن يكون زجرا عن الشك الذي يقتضيه قولهم: هل يستطيع ربك على مذهب الزمخشري، أو عن البشاعة التي في اللفظ وإن لم يكن فيه شك، وقوله: إن كنتم مؤمنين: هو على ظاهره على مذهب الزمخشري، وأما على مذهب ابن عطية وغيره، فهو تقرير لهم كما تقول: افعل كذا إن كنت رجلا، ومعلوم أنه رجل، وقيل: إنّ هذه

стр. 247

المقالة صدرت منهم في أوّل الأمر قبل أن يروا معجزات عيسى قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أي أكلا نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا أي نعاين الآية فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض في الاستدلال وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ظاهره يقوي قول من قال إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكن إيمانهم، ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علما ضروريا لا يحتمل الشك وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، وروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا قيل: نتخذ يوم نزولها عيدا يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمن بعدهم، وقال ابن عباس: المعنى تكون مجتمعا لجميعنا أوّلنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة لا عيدا يدور وَآيَةً مِنْكَ أي علامة على صدقي قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً عادة الله عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمر: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون.. وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال ابن عباس والجمهور: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ليرى الكفار تبرئة عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل، وقال السدّي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالوا، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، وسأل الله حينئذ عن ذلك، فقال: سبحانك الآية، فعلى هذا يكون إذ قال ماضيا في معناه كما هو لفظه، وعلى قول ابن عباس يكون بمعنى المستقبل ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ نفي يعضده دليل العقل لأنّ المحدث لا يكون إلها إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ اعتذار وبراءة من ذلك القول، ووكل العلم إلى الله لتظهر براءته، لأن الله علم أنه لم يقل ذلك تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك باللفظ مسلك المشاكلة، فقال في نفسك مقابلة لقوله في نفسي، وبقية قوله تعظيما لله، وإخبار بما

стр. 248

قال الناس في الدنيا أَنِ اعْبُدُوا أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية بدل من الضمير في به إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم؟ والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه، لأن الخلق عباده، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزته، وفرق بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب لعيسى ﵇ حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حيّ معرض للتوبة، السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم، لقوله: وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور الرحيم؟ والجواب من ثلاثة أوجه. الأول يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. الجواب الثاني: قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم. فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب. إذ لا تطلب المغفرة للكفار، وهذا قريب من قولنا. الثالث حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ويجعل فإنك أنت العزيز استئنافا وجواب إن في قوله فإنهم عبادك كأنه قال إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال. هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ عموم في جميع الصادقين، وخصوصا في عيسى ابن مريم فإن في ذلك إشارة إلى صدقه في الكلام الذي حكاه الله عنه، وقرأ غير نافع بقية القراء هذا يوم بالرفع على الابتداء أو الخبر، وقرأ نافع بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون يوم ظرف لقال، فعلى هذا لا تكون الجملة معمول القول، وإنما معموله هذا خاصة والمعنى قال الله هذا القصص أو الخبر في يوم، وهذا بعيد مزيل لرونق الكلام، والآخر أن يكون هذا مبتدأ، ويوم في موضع خبره والعامل فيه محذوف تقديره هذا واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولا يجوز أن يكون يوم مبنيا على قراءة نافع، لأنه أضيف إلى معرب، قاله الفارسي والزمخشري.

стр. 249

سورة الأنعام مكية إلا الآيات ٢٠ و ٢٣ و ٩١ و ٩٣ و ١١٤ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٥٣ فمدنية وآياتها ١٦٥ نزلت بعد الحجر (سورة الأنعام) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال كعب «١» : أول الأنعام هو أول التوراة وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل، والنور النهار، والضوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي الآية رد على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشر من الظلمة فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلا لشيء من الحوادث ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي يسوون ويمثلون من قولك: عدلت فلانا بفلان، إذا جعلته نظيره وقرينه. ودخلت ثم لتدل على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: ثم أنتم تمترون استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم والذين كفروا هنا عام في كل مشرك. وقد يختص بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعبدة الأصنام، لأنهم المجاورون للنبي ﷺ ، وعليهم يقع الردّ في أكثر القرآن خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أي خلق أباكم آدم من طين ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ الأجل الأوّل الموت، والثاني يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن القضاء متقدم على الخلق وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يتعلق في السموات بمعنى اسم الله، فالمعنى كقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: ٨٤] ، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب، ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر: فيتعلق باسم فاعل محذوف، والمعنى على هذا قريب من الأوّل، وقيل: المعنى أنه

стр. 250

في السموات والأرض بعلمه كقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤] ، والأول أرجح وأفصح لأنّ اسم الله جامع للصفات كلها من العلم والقدرة والحكمة، وغير ذلك، فقد جمعها مع الإيجاز، ويترجح الثاني بأن سياق الكلام في اطلاع الله تعالى وعلمه، لقوله بعدها: يعلم سركم وجهركم، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره: المعبود في السموات وفي الأرض وهذا المحذوف صفة لله: واسم الله على هذا القول، وعلى الأول هو خبر المبتدأ، وأما إذا كان المجرور الخبر فاسم الله بدل من الضمير وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من الأولى زائدة، والثانية للتبعيض، أو لبيان الجنس بِالْحَقِّ يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه واله وسلّم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ الآية: وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا حض للكفار على الاعتبار بغيرهم، والقرن مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ الضمير عائد على القرن، لأنه في معنى الجماعة ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً السماء هنا المطر والسحاب أو السماء حقيقة، ومدرارا: بناء مبالغة وتكثير من قولك درّ المطر إذا غزر فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ التقدير: فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية: إخبار أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات، والمراد بقوله: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لو بالغوا في تمييزه وتقليبه ليرتفع الشك لعاندوا بذلك، يشبه أن يكون سبب هذه الآية قول بعضهم للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم: لا أومن بك حتى تأتي بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا أصدقك وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ حكاية عن طلب بعض العرب، وروي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي ﷺ : يا محمد، لو كان معك ملك وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عباس: المعنى لو أنزلنا ملكا فكفروا بعد ذلك لعجل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذف، وقضي الأمر على هذا: تعجيل أخذهم، وقيل: المعنى لو أنزلنا ملكا لماتوا من هول رؤيته، فقضي الأمر على هذا: موتهم وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أي لو جعلنا الرسول ملكا لكان في صورة رجل، لأنهم لا

стр. 251

طاقة لهم على رؤية الملك في صورته وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية: إخبار قصد به تسلية النبي ﷺ عما كان يلقى من قومه فَحاقَ أي أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ الآية: حض على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا منازل الكفار الذين هلكوا قبلهم ثُمَّ انْظُرُوا قال الزمخشري: إن قلت أي فرق بين قوله: فانظروا وبين قوله: ثم انظروا؟ قلت: جعل النظر سببا عن السير في قوله: فانظروا. كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: فسيروا في الأرض ثم انظروا: فمعناه إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين رتّبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب والمباح قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ القصد بالآية إقامة البرهان على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصفة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار فسأل أولا، لمن ما في السموات والأرض؟ ثم أجاب عن السؤال بقوله قل لله، لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحق هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبا عن سؤاله، إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي قضاها، وتفسير ذلك بقول النبي صلّى الله عليه واله وسلّم: إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه «إن رحمتي سبقت غضبي» «١» ، وفي رواية: تغلب غضبي لَيَجْمَعَنَّكُمْ مقطوع مما قبله، وهو جواب لقسم محذوف، وقيل: هو تفسير الرحمة المذكورة تقديره: أن يجمعكم، وهذا ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلا في القسم أو في غير الواجب إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قيل: هنا إلى بمعنى في وهو ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الذين مبتدأ وخبره لا يؤمنون ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط قاله الزجاج وهو حسن، وقال الزمخشري الذين نصب على الذم أو رفع بخبر ابتداء مضمر، وقيل: هو بدل من الضمير في ليجمعنكم وهو ضعيف، وقيل: منادى وهو باطل وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ عطف على قوله قل:

стр. 252

لله، ومعنى سكن: حل، فهو من السكنى، وقيل: هو من السكون وهو ضعيف لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة فلا يعم، والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا إقامة حجة على الكفار، ورد عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي من هذه الأمة لأن النبي ﷺ سابق أمته إلى الإسلام وَلا تَكُونَنَّ في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، أو يكون معطوفا على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ أي من يصرف عنه العذاب يوم القيامة فقد ﵀، وقرئ يصرف «١» بفتح الياء وفاعله الله وَذلِكَ إشارة إلى صرف العذاب أو إلى الرحمة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ معنى يمسسك: يصبك، والضر: المرض وغيره على العموم في جميع المضرات، والخير: العافية وغيرها على العموم أيضا، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً سؤال يقتضي جوابا ينبني عليه المقصود، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله مبتدأ وشهيد خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: قل الله، بمعنى أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم، والأول أرجح لعدم الإضمار، والثاني أرجح لمطابقته للسؤال، لأنّ السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب، فلان وتقديره فلان أكبر، والمقصود بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله ﷺ ، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد ﷺ ، وإظهار معجزته الدالة على نبوّته وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير المفعول في لأنذركم والفاعل ببلغ ضمير القرآن، والمفعول محذوف يعود على من تقديره: ومن بلغه والمعنى أوحى إليّ هذا القرآن لأنذر به المخاطبين، وهم أهل مكة، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمدا ﷺ ، وقيل: المعنى ومن بلغ الحلم وهو بعيد أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ الآية: تقرير

стр. 253

المشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: لا أشهد، ثم شهد الله بالوحدانية، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلها آخر يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ تقدّم في البقرة [١٤٦] الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الذين مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقيل: الذين نعت للذين آتيناهم الكتاب وهو فاسد، لأن أوتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلا ليقيم الحجة على الكفار وَمَنْ أَظْلَمُ لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ وذلك تنصل من الكذب على الله، وإظهاره لبراءة رسول الله ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله ما نسب إليه الكفار من الشركاء والأولاد أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أي علاماته وبراهينه أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ تَزْعُمُونَ أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى الكفر، أي لم تكن عاقبة كفرهم إلا جحوده والتبرؤ منه، وقيل: فتنتهم معذرتهم، وقيل: كلامهم، وقرئ فتنتهم بالنصب «١» على خبر كان واسمها أن قالوا، وقرئ بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ جحود لشركهم، فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله ولا يكتمون الله حديثا؟ فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر، لأن يوم القيامة طويل وقد قال ابن عباس لما سئل عن هذا السؤال: إنهم جحدوا طمعا في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثا وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الضمير عائد على الكفار، وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملا على لفظ من وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ أكنة جمع كنان، وهو الغطاء، وأن يفقهوه في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكنة والوقر مبالغة، وهي استعارة أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي قصصهم وأخبارهم، وهو جمع أسطار وأسطورة قال

стр. 254

السهيلي: حيث ما ورد في القرآن أساطير الأولين، فإن قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول حديثي أحسن من حديث محمد وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ هم عائد على الكفار، والضمير في عنه عائد على القرآن، والمعنى وهم ينهون الناس عن الإيمان، وينأون هم عنه أي يبعدون، والنأي هو البعد، وقيل الضمير في عنه يعود على النبي ﷺ ، ومعنى ينهون عنه ينهون الناس عن أذاه، وهم مع ذلك يبعدون عنه، والمراد بالآية على هذا أبو طالب ومن كان معه: يحمي النبي ﷺ ، ولا يسلم وفي قوله: ينهون وينأون ضرب من ضروب التجنيس وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمرا شنيعا هائلا، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوها وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ قرئ «١» برفع نكذب ونكون على الاستئناف والقطع على التمني، ومثّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالا تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد ﷺ ، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ تقرير لهم وتوبيخ قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى

стр. 255

يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ قرأ نافع يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن، إلا قوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ، وقرأ الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة والذي يقولون: قولهم إنه ساحر، شاعر، كاهن فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ من قرأ بالتشديد فالمعنى: لا يكذبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون بالحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف «١» ، فقيل: معناه لا يجدونك كاذبا، يقال: أكذبت فلانا إذا وجدته كاذبا، كما يقال: أحمدته إذا وجدته محمودا، وقيل: هو بمعنى التشديد، يقال: كذب فلان فلانا وأكذبه بمعنى واحد، وهو الأظهر لقوله بعد هذا يجحدون، ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال لرسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم: إنا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به، وأنه قال للأخنس بن شريق: والله إن محمدا لصادق، ولكني أحسده على الشرف وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ أي: ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ الآية: تسلية للنبي ﷺ ، وحضّ له على الصبر، ووعد له بالنصر وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لمواعيده لرسله كقوله: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصافات: ١٧٢] ، وفي هذا تقوية للوعد وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي من أخبارهم ويعني بذلك صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضا تقوية للوعد والحض على الصبر، وفاعل جاءك محذوف تقديره نبأ أو خلاف، وقيل هو المجرور وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ الآية: مقصودها حمل النبي ﷺ على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية يؤمنون بسببها، فافعل وأنت لا تقدر

стр. 256

على ذلك، فاستسلم لأمر الله، والنفق في الأرض معناه: منفذ تنفذ منه إلى ما تحت الأرض، وحذف جواب إن لفهم المعنى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى حجة لأهل السنة على القدرية فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ المعنى إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويعقلون وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ فيها ثلاث تأويلات: أحدهما أن الموتى عبارة عن الكفار بموت قلوبهم، والبعث يراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون، والآخر أن الموتى عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسمع والثالث أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ الضمير في قالوا للكفار، ولولا عرض، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي ﷺ بآية على نبوّته، فإن قيل: فقد أتى بآية ومعجزاته كثيرة فلم طلبوا آية؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنهم لم يعتدوا بما أتى به، وكأنه لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم، والآخر أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً جواب على قولهم، وقد حكي هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وأجيب عليه بأجوبة مختلفة، منها ما يقتضي الردّ عليهم في طلبهم الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ، وكقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥١] ، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم، لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، ويحتمل أيضا أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما لا يعلمون أن الله قادر، والآخر لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب بِجَناحَيْهِ تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال: طائر للسعد والنحس أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك، ومناسبة ذكر هذا لما قبله من وجهين: أحدهما أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكروا في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات، والآخر: تنبيه على البعث، كأنه يقول: جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر لقوله بعده: ثم إلى ربهم يحشرون ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي ما غفلنا، والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام

стр. 257

على هذا عام، وقيل: هو القرآن والكلام على هذا خاص: أي ما فرطنا فيه من شيء فيه هدايتكم، والبيان لكم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ أي تبعث الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم، وقوله: في الظلمات يقوم مقام الوصف بالعمى قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟ ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك إِنْ شاءَ استثناء أي يكون من النسيان أو الترك فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ كان ذلك على وجه التخفيف والتأديب فَلَوْلا هذا عرض وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد فَلَمَّا نَسُوا الآية: أي لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من الشدائد، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا فأخذهم الله مُبْلِسُونَ آيسون من الخير دابِرُ الْقَوْمِ آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية وَالْحَمْدُ لِلَّهِ شكر على هلاك الكفار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل: إنه إخبار على ما تقدم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر ليزدجروا، أو بالخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار قُلْ أَرَأَيْتُمْ الآية. احتجاج على الكفار أيضا يَأْتِيكُمْ بِهِ الضمير عائد على المأخوذ يَصْدِفُونَ أي يعرضون قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايله، وقيل بغتة بالليل، وجهرة بالنهار قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الآية: أي لا ادعى شيئا منكرا

стр. 258

ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثال للضال والمهتدي وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدّم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يتعلق بأنذر. وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية: نزلت في ضعفاء المؤمنين. كبلال، وعمار ابن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب وصهيب، وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلّى الله عليه واله وسلّم: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك، فنزلت هذه الآية بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قيل: هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس وكانت غدوة وعشية، وقيل: هي عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية قيل: الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل: للمشركين، والمعنى على هذا لا تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، والأوّل أرجح، لقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود: ٢٩] وقوله: إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [الشعراء: ١١٣] ، والمعنى على هذا أنّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم فَتَطْرُدَهُمْ هذا جواب النفي في قوله ما عليك فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ هذا جواب النهي في قوله ولا تطرد أو عطف على فتطردهم وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء منّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ردّ على الكفار في قولهم المتقدّم وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هم الذين نهي النبي ﷺ عن طردهم بل أمر بأن يسلم عليهم إكراما لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي حتّمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي «١»

стр. 259

أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً الآية، وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في [النساء: ١٦] وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية، وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على الاستئناف وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ بتاء الخطاب ونصب السبيل «١» على أنه مفعول به، وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالياء والرفع على تذكير السبيل، لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث الَّذِينَ تَدْعُونَ أي تعبدون قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أي إن اتبعت أهواءكم ضللت عَلى بَيِّنَةٍ أي على أمر بيّن من معرفة ربي والهاء في بينة للمبالغة أو للتأنيث وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير عائد على الرب أو على البينة ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي العذاب الذي طلبوه في قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: الآيات التي اقترحوها والأول أظهر يَقُصُّ الْحَقَّ من القصص «٢» وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح لقوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أي الحاكمين قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لو كان عندي العذاب على التأويل الأوّل، والآيات المقترحة على التأويل الآخر، لوقع الانفصال وزال النزاع لنزول العذاب أو لظهور الآيات مَفاتِحُ الْغَيْبِ استعارة وعبارة عن التوصل إلى الغيب كما يتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح وهو المخزن وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ تنبيه بها على غيرها لأنها أشدّ تغييبا من كل شيء فِي كِتابٍ مُبِينٍ اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي

стр. 260

ما جَرَحْتُمْ أي ما كسبتم من الأعمال يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل أَجَلٌ مُسَمًّى أجل الموت حَفَظَةً جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي الملائكة الذين مع ملك الموت ثُمَّ رُدُّوا خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم «١» ، وهذا بعيد أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً أي يخلطكم فرقا مختلفين وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟ وروي أنه لما نزلت أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم، قال رسول الله ﷺ : أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت أو يلبسكم شيعا، قال النبي ﷺ : هذا أهون، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك متاركة نسختها آية القتال لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي في غاية يعرف عندها صدقه من كذبه يَخُوضُونَ فِي آياتِنا في الاستهزاء بها والطعن فيها فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي قم ولا تجالسهم وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، والمعنى إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الذين يتقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفار والمستهزئين، والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب

стр. 261

المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ [١٣٩] ، الآية، وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فيه وجهان أحدهما أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكيرا لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدإ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار: أي يذكرونهم رجاء أن يتقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله. الوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير وَذَرِ الَّذِينَ قيل إنها متاركة منسوخة بالسيف، وقيل: بل هي تهديد فلا متاركة ولا نسخ فيها اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً أي اتخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعبا ولهوا لأنهم سخروا منا واتخذوا الدين الذي يعتقدونه لعبا ولهوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون وَذَكِّرْ بِهِ الضمير عائد على الدين أو على القرآن أَنْ تُبْسَلَ قيل: معناه أن تحبس، وقيل: تفضح، وقيل: تهلك وهو في موضع مفعول من أجله أي ذكر به كراهة أن تبسل نفس وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ أي: وإن تعط كل فدية لا يؤخذ منها قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية: إقامة حجة وتوبيخ للكفار وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي نرجع من الهدى إلى الضلال وأصل الرجوع على العقب في المشي، ثم استعير في المعاني، وهذه جملة معطوفة على أندعو، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نرد: أي كيف نرجع مشبهين من استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف تقديره ردا كرد الذي، ومعنى استهوته الشياطين: ذهبت به في مهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق فهو: استفعال من هوى يهوى في الأرض إذا ذهب فيها، وقال الفارسي: استهوى بمعنى: أهوى ومثل استذل بمعنى أذل حَيْرانَ أي ضال عن الطريق، وهو نصب على الحال من المفعول في استهوته لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا أي لهذا المستهوي

стр. 262

أصحاب وهم رفقة يدعونه إلى الهدى، أي إلى أن يهدوه إلى الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد تاه وبعد عنهم فلا يجيبهم وهذا كله تمثيل لمن ضل في الدين عن الهدى، وهو يدعى إلى الإسلام فلا يجيب، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان أبوه يدعوه إلى الإسلام، ويبطل هذا قول عائشة ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي وَأَنْ أَقِيمُوا عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا قَوْلُهُ الْحَقُّ مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدم عليه والعامل فيه معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقول لشيء كن: فيكون ذلك الشيء يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ظرف لقوله: لَهُ الْمُلْكُ كقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ٦٦] وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليط عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ خبر ابتداء مضمر لِأَبِيهِ آزَرَ هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأن وزنه فاعل نحو عابر وشالح، وقرئ «١» بالرفع على النداء، وقيل: إنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قيل: إنه فرج الله السموات، والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج إلى صحة نقل، وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه وَلِيَكُونَ متعلق بمحذوف تقديره: وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي ستره يقال: جنّ عليه الليل وأجنه رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي يحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن يكون قبل البلوغ والتكليف. وقد روي أن أمه ولدته في غار خوفا من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على

стр. 263

وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح لقوله بعد ذلك إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ولا يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردّا على قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحدا منها إلها، لقيام الدليل على حدوثها. وأن الذي أحدثها ودبر طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربي قول من ينصف خصمه، مع علمه أنه مبطل لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليهم الحجة بقوله. لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ: أي لا أحب عبادة المتغيرين لأن التغير دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك، فإن قيل: لم احتج بالأفول دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟ فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ أي في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، وبالتخفيف «١» على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم لأنهم لا يقدرون على شيء إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئا وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ أي كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء؟ وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله وأنتم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ثم أوقفهم على ذلك بقوله فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟ يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله الَّذِينَ آمَنُوا الآية وقيل: إن الذين آمنوا: استئناف وليس من

стр. 264

كلام إبراهيم وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ لما نزلت هذه الآية أشفق منها أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى اله وسلّم: إنما ذلك كما قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] وَتِلْكَ حُجَّتُنا إشارة إلى ما تقدم من استدلاله واحتجاجه وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ الضمير لإبراهيم أو لنوح ﵉، والأول هو الصحيح لذكر لوط وليس من ذرية إبراهيم داود عطف على نوحا أي وهدينا داود وَعِيسى فيه دليل على أن أولاد البنات يقال فيهم ذرية، لأن عيسى ليس له أب فهو ابن ابنة نوح «١» وَمِنْ آبائِهِمْ في موضع نصب عطف على كلا أي وهدينا بعض آبائهم فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ أي أهل مكة وَكَّلْنا بِها قَوْماً هم الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كل مؤمن. والأول أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها: توفيقهم للإيمان بها والقيام بحقوقها أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ إشارة إلى الأنبياء المذكورين فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ استدل به من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فاتفقت فيه جميع الأمم والشرائع، وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع والخلاف هل يقتدي النبي صلّى الله عليه واله وسلّم فيها بمن قبله أم لا؟ والهاء في اقتده للوقف فينبغي أن تسقط في الوصل، ولكن من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خط المصحف وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عرفوه حق معرفته، في اللطف بعباده والرحمة لهم إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب، والقائلون هم: اليهود بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الضيف، فرد الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة على موسى، وقيل: القائلون قريش،

стр. 265

ولزموا ذلك لأنهم كانوا مقرين بالتوراة وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا الخطاب لليهود أو لقريش على وجه إقامة الحجة والرد عليهم في قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فإن كان لليهود، فالذي علموه التوراة، وإن كان لقريش فالذي علموه ما جاء به محمد ﷺ قُلِ اللَّهُ جواب من أنزل واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره أنزله الله أو مرفوع بالابتداء وَلِتُنْذِرَ عطف على صفة الكتاب أُمَّ الْقُرى مكة، وسميت أم القرى، لأنها مكان أوّل بيت وضع للناس، ولأنه جاء أن الأرض دحيت منها ولأنها يحج إليها أهل القرى من كل فج عميق أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ هو مسيلمة وغيره من الكذابين الذين ادّعوا النبوّة وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ هو النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين وَلَوْ تَرى جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما، والظالمون: من تقدّم ذكره من اليهود والكذابين والمستهزئين، فتكون اللام للعهد، وأعم من ذلك فتكون للجنس باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أي تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، وهذه عبارة عن التعنيف في السياق والشدّة في قبض الأرواح الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ يحتمل أن يريد ذلك الوقت بعينه أو الوقت الممتد من حينئذ إلى الأبد الْهُونِ الذلة فُرادى منفردين عن أموالكم وأولادكم أو عن شركائكم، والأول يترجح لقوله: تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ أي ما أعطيناكم من الأموال والأولاد، ويترجح الثاني بقوله: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ تفرق شملكم ومن قرأه بالرفع «١» أسند الفعل إلى الظرف واستعمله استعمال الأسماء، ويكون البين بمعنى الفرقة، أو بمعنى الوصل، ومن قرأه بالنصب: فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطع الاتصال بينكم فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها وقيل: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، والأول أرجح لعمومه في أصناف

стр. 266

الحبوب يُخْرِجُ الْحَيَّ تقدّم في آل عمران وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ معطوف على فالق فالِقُ الْإِصْباحِ أي الصبح فهو مصدر سمي به الصبح، ومعنى فلقه: أخرجه من الظلمات، وقيل: إن الظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير فالق ظلمة الإصباح سَكَناً أي يسكن فيه عن الحركات ويستراح حُسْباناً أي يعلم بهما حساب الأزمان والليل والنهار ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ما أحسن ذكر هذين الاسمين هنا لأن العزيز يغلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمة إليها لملابستها لهما، أو شبه الطرق المشتبهة بالظلمات فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ من كسر القاف من مستقر فهو اسم فاعل، ومستودع اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقرّ ومستودع، ومن فتحها فهو اسم مكان أو مصدر، ومستودع مثله، والتقدير على هذا لكم مستقرّ ومستودع، والاستقرار في الرحم والاستيداع في الصلب، وقيل: الاستقرار فوق الأرض والاستيداع تحتها فَأَخْرَجْنا بِهِ الضمير عائد على الماء فَأَخْرَجْنا مِنْهُ الضمير عائد على النبات خَضِراً أي أخضر غضا، وهو يتولد من أصل النبات من الفراخ نُخْرِجُ مِنْهُ الضمير عائد على الخضر حَبًّا مُتَراكِباً يعني السنبل لأن حبه بعضه على بعض، وكذلك الرمان وشبهه قِنْوانٌ جمع قنو، وهو العنقود من التمر، وهو مرفوع بالابتداء وخبره من النخل، ومن طلعها بدل، والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه دانِيَةٌ أي قريبة سهلة التناول، وقيل: قريبة بعضها من بعض وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ بالنصب عطف على نبات كل شيء وقرئ «١» في غير السبع بالرفع عطف على قنوان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ نصب على الحال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، والمشتبه والمتشابه بمعنى واحد أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضا في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ

стр. 267

أي انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة فيه، ثم ينتقل من حال إلى حال حتى يينع أي ينضج ويطيب شُرَكاءَ الْجِنَّ نصب الجنّ على أنه مفعول أول لجعلوا وشركاء مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو شركاء مفعول أول، والله في موضع المفعول الثاني والجنّ بدل من شركاء والمراد بهم هنا: الملائكة، وذلك ردا على من عبدهم وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم طاعتهم وَخَلَقَهُمْ الواو للحال، والمعنى الرد عليهم: أي جعلوا لله شركاء، وهو خلقهم، والضمير عائد على الجنّ، أو على الجاعلين، والحجة قائمة على الوجهين وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ أي اختلقوا وزوّروا، والبنين: قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة بِغَيْرِ عِلْمٍ أي قالوا ذلك بغير دليل ولا حجة بل مجرد افتراء بَدِيعُ ذكر معناه في [البقرة: ١١٧] ورفعه على أنه خبر ابتداء مضمر أو مبتدأ وخبره: أنى يكون، وفاعل تعالى، والقصد به الرد على من نسب لله البنين والبنات، وذلك من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس والده، والله تعالى متعال عن الأجناس، لأنه مبدعها، فلا يصح أن يكون له ولد والآخر: أن الله خلق السموات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء فَاعْبُدُوهُ مسبب عن مضمون الجملة أي من كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يعني في الدنيا وأما في الآخرة، فالحق أن المؤمنين يرون ربهم بدليل قوله: إلى ربها ناظرة، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل التأويل، وقالت الأشعرية إن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزة عقلا، لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال، وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلّم ربه ليلة الإسراء أم لا «١» وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته، فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية وحسن على هذا قوله: وهو يدرك الأبصار لإحاطة علمه تعالى بالخفيات اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أي لطيف عن أن تدركه الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك الأبصار قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي ﷺ وما أنا عليك بحفيظ

стр. 268

وَلِيَقُولُوا متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات دَرَسْتَ بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته [وهي قراءة الكوفة والمدينة] ، ودارست «١» بالألف أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت هذه الآيات ودبرت وَلِنُبَيِّنَهُ الضمير للآيات وجاء مذكرا لأن المراد بها القرآن وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه أو عن مجادلتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ. وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي لا تسبوا آلهتهم فيكون ذلك سببا لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي هي بيد الله لا بيدي وَما يُشْعِرُكُمْ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم. وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف. ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون كَما لَمْ يُؤْمِنُوا الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة. وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ الآية: رد عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية ليؤمننّ بها أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها، وكل آية لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله قُبُلًا بكسر القاف وفتح الباء «٢» أي معاينة فنصبه على الحال، وقرئ بضمتين «٣» ، ومعناه مواجهة: كقوله قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: ٢٦] ، وقيل: هو جمع قبيل بمعنى كفيل، أي

стр. 269

كفلاء بتصديق رسول الله ﷺ وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا الآية: تسلية للنبي ﷺ بالتأسي بغيره شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أي المتمردين من الصنفين، ونصب شياطين على البدل من عدوا، إذ هو بمعنى الجمع أو مفعول أول، وعدوا مفعول ثان يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي يوسوس ويلقي الشر زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ما يزينه من القول وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة الكفار فَذَرْهُمْ وعيد وَما يَفْتَرُونَ ما في موضع نصب على أنها مفعول معه أو عطف على الضمير وَلِتَصْغى أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة إِلَيْهِ الضمير لوحيهم وَلِيَقْتَرِفُوا يكتسبوا أَفَغَيْرَ اللَّهِ معمول لقول محذوف أي: قل لهم وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي صحت «١» والكلمات ما نزل على عباده من كتبه صِدْقاً وَعَدْلًا أي صدقا فيما أخبر وعدلا فيما حكم فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرح به في قوله الآتي: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا المعنى أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم الحلال من الحرام إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ استثناء بما حرم وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ لفظ يعم أنواع المعاصي: لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر وقيل:

стр. 270

الظاهر الأعمال، والباطن الاعتقاد وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ الضمير لمصدر ولا تأكلوا وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ سببها أن قوما من الكفار قالوا: إنا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ الموت هنا عبارة عن الكفر، والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر فهي استعارات وفي قوله: مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ مطابقة وهي من أدوات البيان، ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في الظلمات أبو جهل، ولفظها أعم من ذلك كَمَنْ مَثَلُهُ مثل هنا بمعنى صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمن هو وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم والمقصود تسلية النبي ﷺ مُجْرِمِيها إعرابه مضاف إليه عند الفارسي وغيره وقال ابن عطية وغيره: إنه مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثان مقدم وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أكابر جمع أكبر وهو من أفعل فلا يستعمل إلا بمن أو بالإضافة وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ الآية: قائل هذه المقالة أبو جهل، وقيل الوليد بن المغيرة، لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن الله علم أن محمدا صلّى الله عليه وعلى اله وسلّم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ليسوا بأهل لها فحرمهم إياها، وفي الآية من أدوات البيان الترديد لكونه ختم كلامهم باسم الله ثم رده في أول كلامه صَغارٌ أي ذلة يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ مستعارة ومن قرأ حرجا «١» بفتح الراء فهو مصدر وصف به كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدد يتصعد، وقرئ بالتخفيف «٢» دارُ السَّلامِ الجنة، والسلام هنا يحتمل أن يكون اسم الله، فأضافها إليه:

стр. 271

لأنها ملكه وخلقه، أو بمعنى السلامة والتحية وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره: قلنا، ويكون على هذا عاملا في يوم وفي يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي أضللتم منهم كثيرا، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول: استكثر الأمير من الجيش اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦] ، فإن الرجل كان إذا نزل واديا قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن وَبَلَغْنا أَجَلَنَا هو الموت وقيل: الحشر إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا: من آمن منهم، وقيل: الاستثناء من مدّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار، وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزمهرير، وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي نجعل بعضهم وليا لبعض، وقيل: يتبع بعضهم بعضا في دخول النار، وقيل: نسلط بعضهم على بعض لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ تقرير للجن والإنس، فقيل: إن الجن بعث فيهم رسل منهم لظاهر الآية، وقيل: إنما الرسل من الأنس خاصة، وإنما قال: رسل منكم لأنه جمع الثقلين في الخطاب شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تنافي بينه وبين قولهم: ما كنا مشركين، لما تقدّم هناك فإن قيل: لم كرّر شهادتهم على أنفسهم؟ فالجواب أن قولهم: شهدنا على أنفسنا قول قالوه هم، وقوله: شهدوا على أنفسهم ذل لهم وتقبيح لحالهم ذلِكَ خبر ابتداء مضمر تقديره الأمر ذلك أو مفعول لفعل مضمر تقديره فعلنا ذلك، والإشارة إلى بعث الرسل أَنْ لَمْ يَكُنْ تعليل لبعث الرسل، وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدل من ذلك بِظُلْمٍ فيه وجهان: أحدهما أن الله لم يكن ليهلك القرى دون بعث الرسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلما إذ لم ينذرهم، فهو كقوله: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: ١٥] ، والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلمهم إذا ظلموا، دون أن ينذرهم، ففاعل الظلم على هذا أهل القرى وغفلتهم عدم إنذارهم، حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري، والوجه الأول صحيح على مذهب المعتزلة، ولا يصح على مذهب أهل السنة، لأن الله لو أهلك عباده

стр. 272

بغير ذنب: لم يكن ظالما عندهم وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ أي من ذرية أهل سفينة نوح أو من كان قبلهم إلى آدم اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ الأمر هنا للتهديد، والمكانة التمكن فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تهديد مَنْ تَكُونُ لَهُ يحتمل أن تكون من موصولة في موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع بالابتداء عاقِبَةُ الدَّارِ أي الآخرة أو الدنيا، والأول أرجح لقوله: عُقْبَى الدَّارِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ [الرعد: ٢٢] وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً الضمير في جعلوا لكفار العرب. قال السهيلي: هم حيّ من خولان، يقال لهم: الأديم «١» كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيبا لله ونصيبا لأصنامهم. ومعنى ذرأ: خلق وأنشأ، ففي ذلك ردّ عليهم، لأن الله الذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا رب غيره بِزَعْمِهِمْ أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب، وقرئ بفتح الزاي والكسائي بالضم وهما لغتان فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ الآية كانوا إذا هبت الريح فحملت شيئا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله وتحاموا نصيب شركائهم وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم، قربانا إلى الأصنام. وشركاؤهم هنا هم: الشياطين، أو القائمون على الأصنام. وقرأ الجمهور بفتح الزاي من زين على البناء للفاعل، ونصب قتل على أنه مفعول وخفض أولادهم بالإضافة ورفع شركاؤهم على أنه فاعل بزين، والشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عباس «٢» بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع قتل على أنه مفعول لم يسم فاعله، ونصب أولادهم على أنه مفعول بقتل، وخفض شركائهم على الإضافة إلى قتل إضافة المصدر إلى فاعله، وفصل بين المضاف والمضاف

стр. 273

إليه بقوله: أولادهم، وذلك ضعيف في العربية وقد سمع في الشعر، والشركاء على هذه القراءة هم القاتلون للأولاد لِيُرْدُوهُمْ أي ليهلكوهم وهو من الردى بمعنى الهلاك وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ أي حرام، وهو فعل بمعنى مفعول، نحو ذبح، فيستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ أي لا يأكلها إلا من شاءوا وهم القائمون على الأصنام، والرجال دون النساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها أي لا تركب، وهي السائبة وأخواتها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا قيل معناه لا يحج عليها فلا يذكر اسم الله بالتلبية، وقيل: لا يذكر اسم الله عليها إذا ذبحت افْتِراءً عَلَيْهِ كانوا قد قسموا أنعامهم على هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله افتراء وكذبا، ونصب على الحال أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكد وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ الآية: كانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسائبة: ما ولد منها حيا فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتا اشترك فيه الرجال والنساء وأنث خالصة للحمل على المعنى، وهي الأجنة وذكر محرم حملا على لفظ ما، ويجوز أن تكون التاء للمبالغة وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي البحيرة والسائبة وشبهها جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ مرفوعات على دعائم وشبهها وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ متروكات على وجه الأرض، وقيل: المعروشات ما غرسه الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قيل: حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار، وقيل: حقه ما يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبا ثم نسخ بالعشر، وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب حَمُولَةً وَفَرْشاً عطف على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل جمع عجل والفصلان وقيل: الحمولة الإبل لأنها

стр. 274

يحمل عليها، والفرش: الغنم لأنها تفرش للذبح ويفرش ما ينسج من صوفها ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بدل من حمولة وفرشا، وسماها أزواجا، لأن الذكر زوج للأنثى والأنثى زوج للذكر مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ يريد الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده قُلْ آلذَّكَرَيْنِ يعني الذكر من الضأن والذكر من المعز، ويعني بالأنثيين الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز، وكذلك فيما بعده من الإبل والبقر والهمزة للإنكار نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ تعجيز وتوبيخ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني في تحريم ما لم يحرم الله، وذلك إشارة إلى العرب في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها. قُلْ لا أَجِدُ الآية تقتضي حصر المحرمات فيما ذكر، وقد جاء في السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر الأهلية فذهب قوم إلى أن السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهى عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم أَوْ فِسْقاً معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما أهلّ به لغير الله سماه فسقا لتوغله في الفسق، وقد تقدم الكلام على هذه المحرمات في [البقرة: ١٧٣] كُلَّ ذِي ظُفُرٍ هو ماله إصبع من دابة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطية: يراد به الإبل والأوز والنعام ونحوه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، أو له ظفر وقال الماوردي مثله، وحكى النقاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ذو مخلب، وهذا غير مطرد، لأن الأسد ذو ظفر إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما يعني ما في الظهور والجنوب من الشحم أَوِ الْحَوايا هي المباعر، وقيل: المصارين والحشوة ونحوهما مما يتحوّى في البطن، وواحد حوايا حوية على وزن فعيلة فوزن حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، وقيل: واحدها حاوية على وزن فاعلة فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، وهو معطوف على ما في قوله: إلا ما حملت ظهورهما، فهو من المستثنى من التحريم، وقيل: عطف على الظهور، فالمعنى إلا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا، وقيل: عطف على الشحوم، فهو من المحرم أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ يريد ما في جميع الجسد وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي فيما أخبرنا به

стр. 275

من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي إن كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم الله! تريد لإمهاله عن مثل ذلك ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أي لا تغتروا بسعة رحمته، فإنه لا يرد بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك بإرادة الله له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفون مأمورون ألا يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: «لو شاء الله» قولا يقولونه في الآخرة على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إذا ندمت على شيء: لو شاء الله ما كان هذا. أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ توقيف لهم وتعجيز قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ لما أبطل حجتهم أثبت حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل هَلُمَّ قيل: هي بمعنى هات فهي متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواحد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة الشهداء فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي إن كذبوا في شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.. قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أمر الله نبيه صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم أنه يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم عليهم وذكر في هذه الآيات المحرمات التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تنسخ قط في ملة، وقال ابن عباس: هي الكلمات [أو الوصايا العشر] التي أنزل الله على موسى أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً قيل: أن «١» هنا حرف

стр. 276

عبارة وتفسير فلا موضع لها من الإعراب، ولا ناهية جزمت الفعل، وقيل: أن مصدرية في موضع رفع تقديره: الأمر ألا تشركوا، فلا على هذا نافية، وقيل: أن في موضع نصب بدلا من قوله ما حرم، ولا يصح ذلك إلا إن كانت لا زائدة وإن لم تكن زائدة فسد المعنى لأن الذي حرم على ذلك يكون ترك الإشراك، والأحسن عندي أن تكون أن مصدرية في موضع نصب على البدل ولا نافية ولا يلزم ما ذكر من فساد المعنى، لأن قوله ما حرم ربكم: معناه ما وصاكم به ربكم بدليل قوله في آخر الآية: ذلكم وصاكم به فضمن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمّ من التحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ولا ينكر أن يريد بالتحريم الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، إذ تقرر هذا، فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان، فقال: أن لا تشركوا به شيئا، أي وصاكم ألا تشركوا به شيئا ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك ويؤيد هذا التأويل الذي تأولنا: أن الآيات اشتملت على أوامر: كالإحسان بالوالدين وقول العدل والوفاء في الوزن، وعلى نواهي: كالإشراك وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلا بد أن يكون اللفظ المقدم في أولها لفظا يجمع الأوامر والنواهي، لأنها أجملت فيه، ثم فسرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك جعلنا التحريم بمعنى الوصية ويدل على ذلك ذكر لفظ الوصية بعد ذلك، وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكال، وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طلب فعلها، والنواهي طلب تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصح ذلك إلا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك. وتحتمل الآية عندي تأويلا آخر، وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعم فعل المحرمات، وترك الواجبات لأن ترك الواجبات حرام وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ الإملاق الفاقة، ومن هنا للتعليل تقديره: من أجل إملاق، وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ قيل ما ظهر: الزنا، وما بطن: اتخاذ الأخدان والصحيح أن ذلك عموم في جميع الفواحش وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ فسره قول رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:

стр. 277

زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس «١» وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النهي عن القرب يعم وجوه التصرف، وفيه سدّ الذريعة، لأنه إذا نهى عن أن يقرب المال، فالنهي عن أكله أولى وأحرى. والتي هي أحسن منفعة اليتيم وتثمير ماله حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ هو البلوغ مع الرشد، وليس المقصود هنا السن وحده، وإنما المقصود معرفته بمصالحه لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقق الوصول إليه أمر بما في الوسع من ذلك وعفا عما سواه وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل، فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص بل يعدل. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً الإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوصايا أو إلى جميع الشريعة، وأنّ بفتح الهمزة والتشديد «٢» عطف على ما تقدم أو مفعول من أجله: أي فاتبعوه لأن هذا صراطي مستقيما، وقرئ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح والتخفيف على العطف، وهي على هذا مخففة من الثقيلة وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضا البدع والأهواء المضلة، وفي الحديث «أن النبي ﷺ خط خطا، ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال هذه كلها سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» «٣» فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي تفرقكم عن سبيل الله والفعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة ولذلك شدده أبو الحسن أحمد بن محمد البزي ثُمَّ آتَيْنا معطوف على وصاكم به، فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدم على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بثم؟ فالجواب أن هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيها، فصح الترتيب، وقيل: إنها هنا لترتيب الأخبار والقول، لا لترتيب الزمان تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ فيه ثلاث تأويلات: أحدها أن المعنى تماما للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى، ففاعل أحسن ضمير يعود على الذي،

стр. 278

والذي أحسن يراد به جنس المحسنين، والآخر: أن المعنى تماما أي تفضلا، أو جزاء على ما أحسن موسى ﵇ من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى ﵇ والذي صفة لعمل موسى، والثالث تماما أي إكمالا على ما أحسن الله به إلى عباده، فالعامل على هذا ضمير الله تعالى أَنْ تَقُولُوا في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن تقولوا عَلى طائِفَتَيْنِ أهل التوراة والإنجيل وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أي لم ندرس مثل دراستهم ولم نعرف ما درسوا من الكتب فلا حجة علينا، وأن هنا مخففة من الثقيلة فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ إقامة حجة عليهم صَدَفَ أي أعرض هَلْ يَنْظُرُونَ الآية: تقدّمت نظيرتها في [البقرة: ٢١٠] بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر ولا توبة عاص، فقوله: لا ينفع نفسا إيمانها يعني أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ وقوله أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يعني أن من كان مؤمنا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت: لم ينفعه لأن باب التوبة يغلق حينئذ قُلِ انْتَظِرُوا وعيد إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ هم اليهود والنصارى، وقيل أهل الأهواء والبدع، وفي الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه واله وسلّم قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟ قال من كان على ما أنا وأصحابي عليه «١» ، وقرئ فارقوا أي تركوا وَكانُوا شِيَعاً جمع شيعة أي متفرّقين كل فرقة تتشيع لمذهبها لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي أنت بريء منهم عَشْرُ أَمْثالِها فضل عظيم على العموم في الحسنات، وفي العاملين، وهو أقل التضعيف للحسنات فقد تنتهي إلى سبعمائة وأزيد دِيناً قِيَماً بدل من موضع إلى صراط مستقيم،

стр. 279

لأن أصله هداني صراطا بدليل اهدنا الصراط، والقيّم فيعل من القيام وهو أبلغ من قائم وقرئ قيما بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها «١» ، وهو على هذا مصدر وصف به مِلَّةَ إِبْراهِيمَ بدل من دينا، أو عطف بيان وَنُسُكِي أي عبادتي وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حجي، والأول أعم وأرجح وَمَحْيايَ وَمَماتِي «٢» أي أعمالي في حين حياتي وعند موتي لِلَّهِ أي خالصا لوجهه وطلب رضاه، ثم أكد ذلك بقوله لا شريك له: أي لا أريد بأعمالي غير الله، فيكون نفيا للشرك الأصغر وهو الرياء، ويحتمل أن يريد لا أعبد غير الله فيكون نفيا للشرك الأكبر وَبِذلِكَ أُمِرْتُ إشارة إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لأنه ﷺ سابق أمته قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا تقرير وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم دعوه إلى عبادة آلهتهم وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ برهان على التوحيد ونفي الربوبية عن غير الله وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ردّ على الكفار لأنهم قالوا له: أعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت هذه الآية: أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كل نفس عليها خاصة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ألا يحمل أحد ذنوب أحد، وأصل الوزر الثقل، ثم استعمل في الذنوب خَلائِفَ جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضا في السكنى في الأرض أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا لجميع الناس، وقيل: لأمة محمد صلّى الله عليه واله وسلّم لأنهم خلفوا الأمم المتقدمة وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ عموم في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالكم فيما مكنكم فيه إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ جمع بين التخويف والترجية، وسرعة عقابه تعالى: إما في الدنيا بمن عجل أخذه، أو في الآخرة لأن، كل آت قريب، ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته.

стр. 280

سورة الأعراف مكية إلا من آية ١٦٣ إلى غاية آية ١٧٠ فمدنية وآياتها ٢٠٦ نزلت بعد ص (سورة الأعراف) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة حَرَجٌ مِنْهُ أي ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله فلا تكن من الممترين [آل عمران/ ٦٠] لِتُنْذِرَ متعلق بأنزل وَذِكْرى منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذكر ذكرى، لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفا على موضع لتنذر أي للإنذار والذكرى قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ انتصب قليلا بتذكرون أي تذكرون تذكرا قليلا، وما زائدة للتوكيد أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا قيل: إنه من المقلوب تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، لأن مجيء البأس قبل الإهلاك فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن فجاءها بأسنا استئنافا على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل أو هم قائلون بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ بياتا مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل، وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع دَعْواهُمْ أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم إلا للاعتراف بأنهم ظالمون، وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أسند الفعل إلى الجار والمجرور، ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا به فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي على الرسل والأمم وَالْوَزْنُ يعني وزن الأعمال يَوْمَئِذٍ أي

стр. 281

يوم يسأل الرسل وأممهم وهو يوم القيامة بِآياتِنا يَظْلِمُونَ أي يكذبون بها ظلما خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف أَلَّا تَسْجُدَ لا زائدة للتوكيد إِذْ أَمَرْتُكَ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ تعليل علّل به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ ليس كفره كفر جحود فَاهْبِطْ مِنْها أي من السماء قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر صِراطَكَ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيّئات مَذْؤُماً من ذأمه بالهمز إذا ذمه مَدْحُوراً أي مطرودا حيث وقع فَوَسْوَسَ إذا تكلم كلاما خفيا يكرره، فمعنى وسوس لهما: ألقى لهما هذا الكلام لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي ليظهر ما ستر من عوراتهما واللام في قوله ليبدي للتعليل إن كان في انكشافهما غرض لإبليس، أو للصيرورة إن وقع ذلك بغير قصد منه إليه الشَّجَرَةِ ذكرت في [البقرة: ٣٥] إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أي كراهة أن تكونا ملكين، واستدل به من قال: إن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقرئ ملكين بكسر اللام «١» ، ويقوي هذه القراءة قوله: وملك لا يبلى وَقاسَمَهُما أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه

стр. 282

اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: وأقسما له أن يقبلا نصيحته فَدَلَّاهُما أي أنزلهما إلى الأكل من الشجرة بِغُرُورٍ أي غرّهما بحلفه لهما لأنهما ظنّا أنه لا يحلف كاذبا بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به وَناداهُما رَبُّهُما يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ملك، أو بغير واسطة رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي الكلمات التي تاب الله عليه بها اهْبِطُوا وما بعده مذكور في البقرة فِيها تَحْيَوْنَ أي في الأرض لِباساً أي الثياب التي تستر، ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلنا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة رِيشاً أي لباس الزينة وهو مستعار من ريش الطائر وَلِباسُ التَّقْوى لباسا كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقى به في الحرب من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع «١» على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك خير ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما أي كان سببا في نزع لباسهما عنهما مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يعني في غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا يرون وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر جمعا بينها وبين الأحاديث وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قيل: هي ما كانت العرب تفعله من الطواف بالبيت عراة الرجال والنساء، ويحتمل العموم في الفواحش قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها اعتذروا بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله،

стр. 283

وقيل: فعل الصلاة والتوجه فيها عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي في كل مكان سجود أو في وقت كل سجود، والأول أظهر، والمعنى إباحة الصلاة في كل موضع كقوله ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدا «١» كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ احتجاج على البعث الأخروي بالبدأة الأولى فَرِيقاً الأول منصوب بهدى، والثاني منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده خُذُوا زِينَتَكُمْ قيل: المراد به الثياب الساترة، واحتج به من أوجب ستر العورة في الصلاة، وقيل: المراد به الزينة زيادة على الستر كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الأمر فيهما للإباحة، لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل وَلا تُسْرِفُوا أي لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال الأطباء: إن الطب كله مجموع في هذه الآية، وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ إنكار لتحريمها هو ما شرعه الله لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حجوا يجرّدون الثياب ويطوفون عراة، ويحرّمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردّا عليهم خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ «٢» أي الزينة والطيب في الدنيا للذين آمنوا ولغيرهم، وفي الآخرة خالصة لهم دون غيرهم، وقرئ خالصة بالنصب على الحال، والرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر وَالْإِثْمَ عام في كل ذنب وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ أي تفتروا عليه في التحريم وغيره ف إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب الشرط فمن اتقى الآية فَمَنْ أَظْلَمُ ذكر في الأنعام يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ أي يصل إليهم ما كتب لهم من الأرزاق وغيرها ضَلُّوا عَنَّا أي غابوا ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ

стр. 284

أي ادخلوا النار في جملة أمم أو مع أمم ادَّارَكُوا تلاحقوا واجتمعوا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ المراد بأولاهم الرؤساء والقادة، وأخراهم الأتباع والسفلة، والمعنى: أن أخراهم طالبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم لأنهم أضلوهم، وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطابا لهم، إنما هو كقولك قال فلان لفلان كذا: أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى، يوجب أن يكون عذابنا أشدّ من عذابكم بل: نحن وأنتم سواء فَذُوقُوا الْعَذابَ من قول أولاهم لأخراهم أو من قول الله تعالى لجميعهم لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: لا يصعد عملهم إلى السماء، والثاني لا يدخلون الجنة، فإن الجنة في السماء، والثالث لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا كما تفتح لأرواح المؤمنين حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة، والمعنى لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا، فلا يدخلونها أبدا مِهادٌ فراش غَواشٍ أغطية لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي من كان في صدره غل لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخوانا أحبابا، وإنما قال: نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ وهي تقع في الآخرة كقوله: نادى أصحاب الجنة، ونادى أصحاب الأعراف، ونادى أصحاب النار، وغير ذلك هَدانا لِهذا إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ وأن قد وجدنا، وأن لعنة، وأن سلام: يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميرا أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا حذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب

стр. 285

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أي أعلم معلم وهو ملك وَبَيْنَهُما حِجابٌ أي بين الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: فضرب بينهم بسور الْأَعْرافِ. قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة رِجالٌ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة «١» يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها من بعد وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يعني من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ جَمْعُكُمْ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أي استكباركم على النار أو استكباركم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله «ما أغنى» استفهامية أو نافية أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ من كلام أصحاب الأعراف خطابا لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا يعبأ بهم فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطابا لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ خطابا لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطابا لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ دليل على أنّ الجنة فوق النار أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من سائر الأطعمة والأشربة فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ أي نتركهم كَما نَسُوا الكاف للتعليل وَما كانُوا عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم جِئْناهُمْ بِكِتابٍ
следующие страницы →