ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم وأراد الدخول إليهم، ولم يدخل معاوية الأندلس قط، وأيضا فإن الموتى التي في غار لوشة يراهم الناس، ولم يدرك أحد منهم الرعب، الذي ذكر الله في أصحاب الكهف
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ عبارة عن إلقاء النوم عليهم، وقال الزمخشري: المعنى ضربنا على آذانهم حجابا ثم حذف هذا المفعول سِنِينَ عَدَداً أي كثيرة ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أي أيقظناهم من نومهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً أي لنعلم علما يظهر في الوجود، لأن الله قد كان علم ذلك، والمراد، بالحزبين الذين اختلفوا في مدة لبثهم، فالحزب الواحد: أصحاب الكهف والحزب الآخر القوم الذين بعث الله أصحاب الكهف في مدتهم وقيل: إن الحزبين معا أصحاب الكهف إذ كان بعضهم قد قال: لبثنا يوما أو بعض يوم، وقال بعضهم: ربكم أعلم بما لبثتم، وأحصى فعل ماض، وأمدا مفعول به، وقيل: أحصى اسم للتفضيل، وأمدا تمييز، وهذا ضعيف، لأن أفعل من التي للتفضيل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ.
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر، يحتمل أن يريد قيامهم من النوم بين يدي الملك الكافر لما آمنوا ولم يبالوا به لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً أي لو دعونا من دونه إلها لقلنا قولا شططا، والشطط الجور والتّعدي لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ تحضيض بمعنى التعجيز، أنهم لا يأتون بحجة بينة على عبادة غير الله وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ خطاب من بعضهم لبعض حين عزموا على الفرار بدينهم وَما يَعْبُدُونَ عطف على المفعول في اعتزلتموهم: أي تركتموهم وتركتم ما يعبدون إِلَّا اللَّهَ أي ما يعبدون من دون الله، وإلا هنا بمعنى غير، وهذا استثناء متصل إن كان قومهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ومنقطع إن كانوا لا يعبدون الله، وفي مصحف ابن مسعود «وما يعبدون من دون الله» فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ هذا الفعل هو العامل في إذ اعتزلتموهم، والمعنى أن بعضهم قال لبعض إذا فارقنا الكفار فلنجعل الكهف لنا مأوى، ونتكل على الله فهو يرحمنا ويرفق بنا مِرفَقاً بفتح الميم وكسرها ما يرتفق به وينتفع
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ قيل: هنا كلام محذوف تقديره فأوى القوم إلى الكهف ومكثوا فيه، وضرب الله على آذانهم، ومعنى تزاور تميل وتزوغ، ومعنى:
стр. 457
تقرضهم تقطعهم: أي تبعد عنهم، وهو بمعنى القطع، وذات اليمين والشمال أي جهته، ومعنى الآية: أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها لئلا يحترقوا بحرها، فقيل: إن ذلك كرامة لهم وخرق عادة، وقيل: كان باب الكهف شماليا يستقبل بنات نعش، فلذلك لا تصيبهم الشمس، والأول أظهر لقوله ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي في موضع واسع، وذلك مفتح لإصابة الشمس، ومع ذلك حجبها الله عنهم ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإشارة إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرق عادة، وإن كان لكون بابهم إلى الشمال فالإشارة إلى أمرهم بجملته وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ أيقاظا جمع يقظ، وهو المنتبه، كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فيحسبهم من يراهم أيقاظا وفي قوله: أيقاظا ورقود مطابقة، وهي من أدوات البيان وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ أي نقلبهم من جانب إلى جانب، ولولا ذلك لأكلتهم الأرض، وكان هذا التقليب من فعل الله وملائكته، وهم لا ينتبهون من نومهم، وروي أنهم كانوا يقلبون مرتين في السنة، وقيل من سبع سنين إلى مثلها وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ قيل إنه كان كلبا لأحدهم يصيد به، وقيل كان كلبا لراع فمروا عليه فصحبهم وتبعه كلبه وأعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيّ لأنه حكاية حال.
بِالْوَصِيدِ أي بباب الكهف، وقيل عتبته وقيل البناء وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظافرهم وشعورهم وعظم إجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم، وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف، فأراد الدخول إليه فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله لمن هو خير منك: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا، فبعث ناسا إليهم، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحا فأحرقتهم
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ أي كما أنمناهم، كذلك بعثناهم ليسأل بعضهم بعضا، واللام في ليتساءلوا لام الصيرورة قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هذا قول من استشعر منهم أن مدة لبثهم طويلة، فأنكر على من قال يوما أو بعض يوم، ولكنه لم يعلم مقدارها فأسند علمها إلى الله. فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ الورق: الفضة، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف، ويستدل بذلك على أن التزود للمسافر أفضل من تركه، ويستدل ببعث أحدهم على جواز الوكالة، فإن قيل: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟.
فالجواب أنهم كانوا قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، ولا سبيل لكم إلى العلم بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفع لكم فابعثوا أحدكم إِلَى الْمَدِينَةِ قيل: أنها طرسوس
стр. 458
أَزْكى طَعاماً قيل: أكثر، وقيل: أحل، وقيل: إنه أراد شراء زبيب، وقيل: تمر وَلْيَتَلَطَّفْ في اختفائه وتحيله إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أي: إن يظفروا بكم يقتلوكم بالحجارة، وقيل: المعنى يرجموكم بالقول، والأول أظهر وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أي كما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا الناس عليهم لِيَعْلَمُوا الضمير للقوم الذين أطلعهم الله على أصحاب الكهف: أي أطلعناهم على حالهم من انتباههم من الرقدة الطويلة ليستدلوا بذلك على صحة البعث من القبور إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ العامل في إذ أعثرنا أو مضمر تقديره أذكر، والمتنازعون هم القوم الذين كانوا قد تنازعوا فيما يفعلون في أصحاب الكهف، أو تنازعوا هل هم أموات أو أحياء، وقيل: تنازعوا هل تحشر الأجساد أو الأرواح بالأجساد؟ فأراهم الله حال أصحاب الكهف ليعلموا أن الأجساد تحشر فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً أي على باب كهفهم إما ليطمس آثارهم أو ليحفظهم ويمنعهم ممن يريد أخذهم أو أخذ تربتهم تبركا، وإما ليكون علما على كهفهم ليعرف به.
قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ قيل: يعني الولاة «وقيل: يعني المسلمين لأنهم كانوا أحق بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف مسجدا لعبادة الله
سَيَقُولُونَ الضمير لمن كان في زمان النبي ﷺ من اليهود أو غيرهم ممن تكلم في أصحاب الكهف رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا وهو مستعار من الرجم بمعنى الرمي سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قال قوم: إن الواو واو الثمانية لدخولها هنا وفي قوله: سبع ليال وثمانية أيام، وفي قوله في أهل الجنة:
«وفتحت أبوابها» وفي قوله في براءة «والناهون عن المنكر» وقال البصريون: لا تثبت واو الثمانية وإنما الواو هنا كقوله: جاء زيد وفي يده سيف.
قال الزمخشري: وفائدتها التوكيد. والدلالة على أن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم صدقوا وأخبروا بحق، بخلاف الذين قالوا ثلاثة ورابعهم كلبهم، والذين قالوا خمسة وسادسهم كلبهم، وقال ابن عطية: دخلت الواو في آخر إخبار عن عددهم لتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، وكذلك دخلت السين في قوله سيقولون الأول، ولم تدخل في الثاني والثالث استغناء بدخولها في الأول ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أي لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس، وهم من أهل الكتاب، قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، لأنه قال في الثلاثة والخمسة: رجما بالغيب ولم يقل ذلك في سبعة وثامنهم كلبهم فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً لا تمار: من المراء وهو
стр. 459
الجدال والمخالفة والإحتجاج، والمعنى لا تمار أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف إلا مراء ظاهرا، أي غير متعمق فيه من غير مبالغة ولا تعنيف في الردّ عليهم وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي لا تسأل أحدا من أهل الكتاب عن أصحاب الكهف، لأن الله قد أوحى إليك في شأنهم ما يغنيك عن السؤال وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ سببها أن قريشا سألوا اليهود عن أمر رسول الله ﷺ فقالوا لهم: اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمان الأول وهم أصحاب الكهف، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين، وعن الروح، فإن أجابكم في الإثنين وسكت عن الروح فهو نبي، فسألوه فقال غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله، فأمسك عنه الله الوحي خمسة عشر يوما، فأوجف به كفار قريش وتكلموا في ذلك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، ثم جاء جبريل بسورة الكهف فقص عليه فيها قصة أصحاب الكهف وذي القرنين، وأنزل الله عليه هذه الآية تأديبا لهم وتعليما، فأمره بالاستثناء بمشيئة الله في كل أمر يريد أن يفعله فيما يستقبل، وقوله: غدا يريد به الزمان المستقبل، لا اليوم الذي بعد يومه خاصة، وفي الكلام حذف يقتضيه المعنى وتقديره: ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: إن شاء الله أو تقول إلّا أن يشاء الله، والمعنى أن يعلق الأمر بمشيئة الله وحوله وقوته، ويبرأ هو من الحول والقوة، وقيل: إن قوله إلا أن يشاء الله بقوله لا تقولنّ. والمعنى لا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه، فالمشيئة على هذا راجعة إلى القول لا إلى الفعل، ومعناها إباحة القول بالإذن فيه، حكى ذلك الزمخشري، وحكاه ابن عطية، وقال إنه من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكي. وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ. قال ابن عباس:
الإشارة بذلك إلى الاستثناء، أي استثن بعد مدة إذا نسيت الاستثناء أولا، وذلك على مذهبه، فإن الاستثناء في اليمين ينفع بعد سنة، وأما مذهب مالك والشافعي فإنه لا ينفع إلا إن كان متصلا باليمين، وقيل معنى الآية: اذكر ربك إذا غضبت، وقيل اذكر إذا نسيت شيئا ليذكرك ما نسيت، والظاهر أن المعنى اذكر ربك إذا نسيت ذكره أي إرجع إلى الذكر إذا غفلت عنه، واذكره في كل حال، ولذلك قالت عائشة ﵂:
كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً هذا كلام أمر النبي ﷺ أن يقوله، والإشارة بهذا إلى خبر أصحاب الكهف، أي عسى الله أن يؤتيني من الآيات والحجج ما هو أعظم في الدلالة على نبوّتي، من خبر أصحاب الكهف اللفظ يقتضي أن المعنى: يعني أن يوقفني الله تعالى من العلوم والأعمال الصالحات لما هو أرشد من خبر أصحاب أهل الكهف وأقرب إلى الله، وقيل: إن الإشارة بهذا إلى المنسي أي إذا نسيت شيئا فقل عسى أن يهديني الله إلى
стр. 460
شيء آخر هو أرشد من المنسيّ
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً في هذا قولان أحدهما: أنه حكاية عن أهل الكتاب يدل على ذلك ما في قراءة ابن مسعود: وقالوا لبثوا في كهفهم. وهو معطوف على سيقولون ثلاثة فقوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا رد عليهم في هذا العدد المحكي عنهم، القول الثاني أنه من كلام الله تعالى، وأنه بيان لما أجمل في قوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ومعنى قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا على هذا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم، وقد أخبر بمدة لبثهم، فإخباره هو الحق لأنه أعلم من الناس، وكان قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ احتجاجا على صحة ذلك الإخبار، وانتصب سنين على البدل من ثلاثمائة أو عطف بيان، أو على التمييز وذلك على قراءة التنوين في ثلاثمائة وقرئ بغير تنوين «١» على الإضافة ووضع الجمع موضع المفرد أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي ما أبصره وما أسمعه، لأن الله يدرك الخفيات كما يدرك الجليات ما لَهُمْ الضمير لجميع الخلق أو للمعاصرين للنبي ﷺ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً هو خبر في قراءة من قرأ بالياء، والرفع وقرئ بالتاء والجزم «٢» على النهي لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يحتمل أن يراد بالكلمات هنا القرآن، فالمعنى لا يبدل أحد القرآن ولا يغيره، ويحتمل إن يريد بالكلمات القضاء والقدر مُلْتَحَداً أي ملجأ تميل إليه.
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ أي احبسها صابرا مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ هم فقراء المسلمين:
كبلال وخباب وصهيب وكان الكفار قد قالوا له: اطرد هؤلاء نجالسك نحن، فنزلت الآية بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ قيل: المراد الصلوات الخمس، وقيل: الدعاء على الإطلاق وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا، وقال الزمخشري: يقال عداه إذا جاوزه، فهذا الفعل يتعدى بنفسه دون حرف، وإنما تعدى هنا بعن لأنه تضمن معنى: نبت عينه عن الرجل إذا احتقره تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا جملة في موضع الحال فهي متصلة بما قبلها، وهي في معنى تعليل الفعل المنهي عنه في قوله: ولا تعد عيناك عنهم: أي لا تبعد عنهم من أجل إرادتك لزينة الدنيا أَغْفَلْنا قَلْبَهُ أي جعلناه غافلا أو وجدناه غافلا، وقيل: يعني أنه عيينة بن حصن الفزاري، والأظهر أنها مطلقة من غير تقييد فُرُطاً من التفريط والتضييع، أو من الإفراط والإسراف
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي هذا هو الحق فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ
стр. 461
لفظه أمر وتخيير: ومعناه أن الحق قد ظهر فليختر كل إنسان لنفسه: إما الحق الذي ينجيه، أو الباطل الذي يهلكه، ففي ضمن ذلك تهديد سُرادِقُها السرادق في اللغة: ما أحاط بالشيء كالسور والجدار، وأما سرادق جهنم فقيل: حائط من نار، وقيل: دخان كَالْمُهْلِ وهو دردي الزيت إذ انتهى حره روى ذلك عن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم وقيل:
ما أذيب من الرصاص وشبهه مُرْتَفَقاً أي شيء يرتفق به، فهو من الرفق، وقيل: يرتفق عليه فهو من الارتفاق بمعنى الاتكاء أُولئِكَ لَهُمْ خبر إن، وإنا لا نضيع: اعتراض، ويجوز أن يكونا خبرين أو يكون إنا لا نضيع الخبر، وأولئك استئناف، ويقوم العموم في قوله: من أحسن مقام الضمير الرابط أو يقدر من أحسن عملا منه، وروى أن النبي ﷺ قال: إنها نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ أَساوِرَ جمع أسوار وسوار، وهو ما يجعل في اليد، وقيل: أساور جمع أسورة وأسورة جمع سوار مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ السندس: رقيق الديباج، والإستبرق الغليظ منه الْأَرائِكِ الأسرة والفرش.
وَاضْرِبْ لَهُمْ الضمير للكفار الذين قالوا: أطرد فقراء المسلمين، وللفقراء الذين أرادوا طردهم: أي مثل هؤلاء وهؤلاء كمثل هذين الرجلين، وهما أخوان من بني إسرائيل:
أحدهما مؤمن، والآخر كافر: ورثا مالا عن أبيهما، فاشترى الكافر بماله جنتين، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله حتى افتقر، فعيره الكافر بفقره فأهلك الله مال الكافر، وروي أن اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر فطروس، وقيل: كانا شريكين اقتسما المال، فاشترى أحدهما بماله جنتين وتصدق الآخر بماله أُكُلَها بضم الهمزة اسم لما يؤكل، ويجوز ضم الكاف وإسكانها وَلَمْ تَظْلِمْ أي لم تنقص وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ بضم الثاء والميم، أصناف المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل: هو الذهب والفضة خاصة، وهو من ثمّر ماله إذا أكثره ويجوز إسكان الميم تخفيفا، وأما بفتح الثاء والميم، فهو المأكول من الشجر، ويحتمل المعنى الآخر وَهُوَ يُحاوِرُهُ أي يراجعه في الكلام وَأَعَزُّ نَفَراً يعني الأنصار والخدم وَدَخَلَ جَنَّتَهُ أفرد الجنة هنا، لأنه إنما دخل الجنة الواحدة من الجنتين، إذ لا يمكن دخول الجنتين دفعة واحدة وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ إما بكفره وإما بمقابلته لأخيه، فإنها تتضمن الفخر والكبر والاحتقار لأخيه
стр. 462
قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً يحتمل أن تكون الإشارة إلى السموات والأرض وسائر المخلوقات، فيكون قائلا ببقاء هذا الوجود كافرا بالآخرة أو تكون الإشارة إلى جنته، فيكون قوله إفراطا في الاغترار وقلة التحصيل
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي إن كان هذا على سبيل الفرض والتقدير كما يزعم أخي:
لأجدن في الآخرة خيرا من جنتي في الدنيا، وقرئ خيرا منهما «١» . بضمير الإثنين للجنتين، وبضمير الواحد للجنة مُنْقَلَباً أي مرجعا أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ أي خلق منه أباك آدم، وإنما جعله كافرا لشكه في البعث سَوَّاكَ رَجُلًا كما تقول سوّاك إنسانا، ويحتمل أن يقصد الرجولية على وجه تعديد النعمة في أن لم يكن أنثى لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي قرأ الجمهور بإثبات الألف في الوقف وحذفها في الوصل، والأصل على هذا لكن أنا، ثم ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها، وحذفت ثم أدغمت النون في النون، وقرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف، ويتوجه ذلك بأن تكون لحقتها نون الجماعة التي في خرجنا وضربنا، ثم أدغمت النون في النون وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ الآية: وصية من المؤمن للكافر، ولولا تحضيض فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ يحتمل أن يريد في الدنيا أو الآخرة حُسْباناً أي أمرا مهلكا كالحر والبرد ونحو ذلك صَعِيداً زَلَقاً الصعيد: وجه الأرض، والزلق الذي لا يثبت فيه قدم يعني أنه تذهب أشجاره ونباته.
غَوْراً أي غائرا ذاهبا وهو مصدر وصف به وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ عبارة عن هلاكها يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عبارة عن تلهفه وتأسفه وندمه وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يريد أن السقف وقعت وهي العروش، ثم تهدمت الحيطان عليها، والحيطان على العروش وقيل: إن كرومها المعروشة سقطت على عروشها، ثم سقطت الكروم عليها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ قال ذلك على وجه التمني لما هلك بستانه، أو على وجه التوبة من الشرك هُنالِكَ ظرف يحتمل أن يكون العامل فيه منتصرا، أو يكون في موضع خبر الْوَلايَةُ لِلَّهِ بكسر الواو «٢» بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها من الموالاة والمودة وَخَيْرٌ عُقْباً «٣»
стр. 463
أي عاقبة
فَاخْتَلَطَ الباء سببية، والمعنى: صار به النبات مختلطا: أي ملتفا بعضه ببعض من شدة تكاثفه فَأَصْبَحَ هَشِيماً أي متفتتا، وأصبح هنا بمعنى صار تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي تفرقه ومعنى المثل: تشبيه الدنيا في سرعة فنائها بالزرع في فنائه بعد خضرته.
الْمالُ وَالْبَنُونَ الآية: هذا من الجمع بين شيئين في خبر واحد، وذلك من أدوات البيان، وقرئ زينتا بالتثنية لأنه خبر عن اثنين، وأما قراءة الجمهور فأفردت فيه الزينة لأنها مصدر وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. هذا قول الجمهور، وقد روى ذلك عن النبي صلّى الله عليه واله وسلّم، وقيل الصلوات الخمس، وقيل: الأعمال الصالحات على الإطلاق «١» نُسَيِّرُ الْجِبالَ أي نحملها، ومنه قوله: وهي تمر مر السحاب، وبعد ذلك تصير هباء وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً أي ظاهرة لزوال الجبال عنها وَحَشَرْناهُمْ قال الزمخشري: إنما جاء حشرناهم بلفظ الماضي بعد قوله: نسير للدلالة على أن حشرناهم قبل تسيير الجبال ليعاينوا تلك الأهوال فَلَمْ نُغادِرْ أي لم نترك فًّا
أي صفوفا فهو إفراد تنزل منزلة الجمع، وقد جاء في الحديث: إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون صفا «٢» قَدْ جِئْتُمُونا
يقال هذا للكفار على وجه التوبيخ ما خَلَقْناكُمْ
أي حفاة عراة غرلا [غير مختونين] وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني صحائف الأعمال، فالكتاب اسم جنس كانَ مِنَ الْجِنِّ كلام مستأنف جرى مجرى التعليل لأباية إبليس عن السجود، وظاهر هذا الموضع يقتضي أن إبليس لم يكن من الملائكة، وأن استثناءه منهم استثناء منقطع، فإن الجن صنف غير الملائكة، وقد يجيب عن ذلك من قال: إنه كان من الملائكة بأن كان هنا بمعنى صار: أي خرج من صنف الملائكة إلى صنف الجن، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن وهم الذين خلقوا من نار فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ: أي خرج عن ما أمر به، والفسق في اللغة: الخروج أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ: هذا توبيخ ووعظ، وذرية إبليس هم الشياطين واتخاذهم أولياء بطاعتهم في
стр. 464
عصيان الله والكفر به
ما أَشْهَدْتُهُمْ الضمير للشياطين على وجه التحقير لهم أو للكفار أو لجميع الخلق، فيكون فيه ردّ على المنجمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف المتخرصة وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي معينا ومعنى المضلين: الذين يضلون العباد وذلك يقوّي أن المراد الشياطين وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ يقول هذا للكفار على وجه التوبيخ لهم، وأضاف تعالى الشركاء إلى نفسه على زعمهم، وقد بين هذا بقوله: الذين زعمتم مَوْبِقاً أي مهلكا، وهو اسم موضع أو مصدر من: وبق الرجل إذا هلك، وقد قيل: إنه واد من أودية جهنم، والضمير في بينهم للمشركين وشركائهم فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها الظن هنا بمعنى اليقين مَصْرِفاً أي معدلا ينصرفون إليه جَدَلًا أي مخاصمة ومدافعة بالقول ويقتضي سياق الكلام ذم الجدل، وسببها فيما قيل مجادلة النضر بن الحارث، على أن الإنسان هنا يراد به الجنس.
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا الآية: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن يأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب يعني عذاب الآخرة، ومعنى قبلا معاينة وقرئ بضمتين «١» وهو جمع قبيل: أي أنواعا من العذاب لِيُدْحِضُوا أي ليبطلوا وَما أُنْذِرُوا هُزُواً يعني العذاب وما موصلة، والضمير محذوف تقديره: أنذروه أو مصدرية إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً هذه عقوبة على الإعراض المحكي عنهم، أو تعليل لهم والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، والوقر الصمم وهما على وجه الاستعارة، في قلة فهمهم للقرآن وعدم استجابتهم للإيمان فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً يريد به من قضى الله أنه لا يؤمن
لَوْ يُؤاخِذُهُمْ الضمير لكفار قريش أو لسائر الناس لقوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ [النحل: ٦١] والجملة خبر المبتدأ والغفور ذو الرحمة صفتان اعترضتا بين المبتدأ والخبر توطئة لما ذكر بعد من ترك المؤاخذة، ويحتمل أن يكون الغفور هو الخبر، ويؤاخذهم بيان لمغفرته ورحمته، والأول أظهر بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ قيل:
стр. 465
هو الموت وقيل: عذاب الآخرة وقيل: يوم بدر مَوْئِلًا أي ملجأ يقال: وئل الرجل إذا لجأ.
وَتِلْكَ الْقُرى يعني: عادا وثمود وغيرهم من المتقدمين، والمراد هنا: أهل القرى ولذلك قال: أهلكناهم وفي ضمن هذا الإخبار تهديد لكفار قريش وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً أي وقتا معلوما، والمهلك هنا بضم الميم وفتح اللام اسم مصدر من أهلك، فالمصدر على هذا على مضاف للمفعول لأن الفعل متعدي، وقرئ «١» بفتح الميم من هلك، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ هذا ابتداء قصة موسى مع الخضر، وهو موسى بن عمران نبي الله، وفتاه هو يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وهو من ذرية يوسف ﵇، والفتى هنا بمعنى الخديم وسبب القصة فيما روي عن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم في الحديث الصحيح: أن موسى ﵇ خطب يوما في بني إسرائيل فقيل له:
هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال لا: فأوحى الله إليه أن بل عبدنا الخضر أعلم منك فقال: يا رب دلني على السبيل إلى لقائه فأوحى الله إليه أن يحمل حوتا في مكتل [زنبيل] ويسير بطول سيف [شاطئ] البحر حتى يبلغ مجمع البحرين، فإذا فقد الحوت فإن الخضر هناك، ففعل موسى ذلك حتى لقيه لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ قال موسى هذا الكلام وهو سائر أي: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، فحذف؟؟؟ خبر لا أبرح اختصارا لدلالة المعنى عليه، ومعنى لا أبرح هنا لا أزال، لأن حقيقة لا أبرح تقتضي الإقامة في الموضع، وكان موسى حين قالها على سفر لا يريد إقامة، ومجمع البحرين: عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس وقيل: هو مجمع بحر فارس وبحر الروم في المشرق أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أي زمانا طويلا، والحقب بضم القاف وإسكانها ثمانون سنة، وقيل زمان غير محدود وقيل: هي جمع حقبة وهي السنة فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما الضمير في بلغا لموسى وفتاه والضمير في بينهما للبحرين نَسِيا حُوتَهُما نسب النسيان إليهما، وإنما كان النسيان من الفتى وحده كما تقول فعل بنو فلان كذا: إذا فعله واحد منهم وقيل: نسى الفتى أن يقدمه ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً فاعل اتخذ الحوت، والمعنى أنه سار في البحر فقيل: إن الحوت كان ميتا مملوحا ثم صار حيا بإذن الله، ووقع في الماء فسار فيه.
стр. 466
وقال ابن عباس: إنما حيي الحوت لأنه مسه ماء عين يقال لها عين الحياة ما مست قط شيئا إلا حيي، وفي الحديث أن الله أمسك جرية الماء عن الحوت فصار مثل السراب، وهو المسلك في جوف الأرض، وذلك معجزة لموسى ﵇ وقيل: اتخذ الحوت سبيله في البحر سربا حتى وصل إلى البحر فعام على العادة، ويرد هذا ما ورد في الحديث
فَلَمَّا جاوَزا أي جاوزا الموضع الذي وصف له، وهو الصخرة التي نام عندها فسار الحوت في البحر، بينما كان موسى نائما وكان ذهاب الحوت أمارة لقائه للخضر، فلما استيقظ موسى أصابه الجوع، فقال لفتاه: آتنا غداءنا نَصَباً أي تعبا قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ قال الزمخشري:
أرأيت هنا بمعنى أخبرني ثم قال، فإن قلت ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من أرأيت وإذ أوينا وفإني نسيت الحوت لا متعلق له؟ فالجواب أنه لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك فكأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت فحذف بعض الكلام نَسِيتُ الْحُوتَ أي نسيت أن أذكر لك ما رأيت من ذهابه في البحر وتقديره: نسيت ذكر الحوت أَنْ أَذْكُرَهُ بدل من الهاء في أنسانيه وهو بدل اشتمال.
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً يحتمل أن يكون هذا من كلام يوشع، أي اتخذ الحوت سبيله في البحر عجبا للناس أو اتخذ موسى سبيل الحوت عجبا أي تعجب هو منه وإعراب عجبا مفعول ثان لاتخذ مثل سربا وقيل: إن الكلام تم عند قوله في البحر ثم ابتدأ التعجب فقال عجبا وذلك بعيد قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي فقد الحوت هو ما كنا نطلب لأنه أمارة على وجدان الرجل فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي رجعا في طريقهما يقصان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا هو الخضر آتَيْناهُ رَحْمَةً يعني النبوة على قول من قال: إن الخضر نبيّ. وقيل: إنه ليس بنبيّ ولكنه وليّ، وتظهر نبوته من هذه القصة. أنه فعل أشياء لا يعملها إلا بوحي، واختلف أيضا هل مات أو هو حيّ إلى الآن؟ ويذكر كثير من الصلحاء أنهم يرونه ويكلمهم وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً في الحديث أن موسى وجد الخضر مسجّى بثوبه فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال:
وأنى بأرضك السلام قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال: نعم قال: أو لم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا؟ قال: بلى. ولكني أحببت لقاءك وأن أتعلم منك. قال: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه أنا قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ الآية: مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه رُشْداً قرئ
стр. 467
بضم الراء وإسكان الشين وبفتحها «١» والمعنى واحد، وانتصب على أنه مفعول ثان بتعلمني أو حال من الضمير في أتبعك.
فَانْطَلَقا الضمير لموسى والخضر. وفي الحديث أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر، حتى مرت بهما سفينة فعرفها الخضر فحمل فيها بغير نوال أي بغير أجرة خَرَقَها روي أن الخضر أزال لوحين من ألواحها شَيْئاً إِمْراً أي عظيما وقيل: منكرا فَانْطَلَقا يعني بعد نزولهما من السفينة فمرا بغلمان يلعبون، وفيهم غلام وضيء الصورة فاقتلع الخضر رأسه، وروي أن اسم الغلام جيسورا بالجيم، وقيل بالحاء المهملة قال الزمخشري:
إن قلت لم قال خرقها بغير فاء، وقال فقتله بالفاء والجواب أن خرقها جواب الشرط، وقتله من جملة الشرط معطوف عليه والخبر: قال أقتلت نفسا، فإن قيل: لم خولف بينهما؟
فالجواب: أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب القتل لقاء الغلام نفسا زاكية «٢» قيل: إنه كان لم يبلغ، فمعنى زكية ليس له ذنب وقيل: إنه كان بالغا، ولكنه لم ير له الخضر ذنبا بِغَيْرِ نَفْسٍ يقتضي أنه لو كان قد قتل نفسا لم يكن بقتله بأس على وجه القصاص، وهذا يدل على أن الغلام كان بالغا فإن غير البالغ لا يقتل وإن قتل نفسا شَيْئاً نُكْراً أي منكرا وهو أبلغ من قوله: إمرا ويجوز ضم الكاف وإسكانها قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ بزيادة لك فيه من الزجر والإغلاظ ما ليس في قوله أولا: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً بَعْدَها الضمير للقصة وإن لم يتقدم لها ذكر، ولكن سياق الكلام يدل عليها قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي قد أعذرت إليّ فأنت معذور عندي، وفي الحديث كانت الأولى من موسى نسيانا
أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قيل: هي أنطاكية، وقيل برقة.
وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس ويذكر أنها الجزيرة الخضراء وذلك على قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة اسْتَطْعَما أَهْلَها أي طلبا منهم طعاما جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أن يسقط وإسناده الإرادة إلى الجدار مجاز، ومثل ذلك كثير في كلام العرب،
стр. 468
وحقيقته أنه قارب أن ينقضّ ووزن ينقضّ ينفعلّ وقيل: يفعلّ بالتشديد كيحمرّ فَأَقامَهُ قيل: إنه هدمه ثم بناه وقيل مسحه بيده وأقامه فقام لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي قال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي طعاما نأكله قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ إنما قال له هذا لأجل شرطه في قوله: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني» على أن قوله «لو شئت لاتخذت عليه أجرا» ليس بسؤال ولكن في ضمنه أمر بأخذ الأجرة عليه لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام، والبين هنا ليس بظرف وإنما معناه الوصلة والقرب، وقال الزمخشري: الأصل هذا فراق بيني وبينك بتنوين فراق ونصب بيني على الظرفية، ثم أضيف المصدر إلى الظرف والإشارة بقوله هذا إلى السؤال الثالث، الذي أوجب الفراق.
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ قيل: إنهم تجار، ولكنه قال فيهم: مساكين على وجه الإشفاق عليهم، لأنهم كانوا يغصبون سفينتهم أو لكونهم في لجج البحر، وقيل:
كانوا إخوة عشرة منهم خمسة عالمون بالسفينة، وخمسة ذوو عاهات لا قدرة لهم وقرئ مسّاكين بتشديد السين، أي يمسكون السفينة وَكانَ وَراءَهُمْ قيل: معناه قدامهم، وقرأ ابن عباس أمامهم، وقال ابن عطية: إن وراءهم على بابه ولكن روعي به الزمان فالوراء هو المستقبل والأمام هو الماضي كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً عموم معناه الخصوص في الجياد والصحاح من السفن، ولذلك قرأ ابن مسعود: يأخذ كل سفينة صالحة، وقيل: إن اسم هذا الملك هدد بن يدد وهذا يفتقر إلى نقل صحيح، وفي الكلام تقديم وتأخير، لأن قوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها. مؤخر في المعنى عن ذكر غصبها لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها وإنما قدم للعناية به.
وَأَمَّا الْغُلامُ روي أنه كان كافرا، وروي أنه كان يفسد في الأرض، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما المتكلم بذلك الخضر وقيل: إنه من كلام الله وتأويله على هذا فكرهنا، وقال ابن عطية: إنه من نحو ما وقع في القرن «١» من عسى ولعل، وإنما هو في حق المخاطبين ومعنى: يرهقهما طغيانا وكفرا: يكلفهما ذلك، والمعنى أن يحملهما حبه على اتباعه أو يضر بهما لمخالطته مع مخالفته لهما خَيْراً مِنْهُ أي غلاما آخرا خيرا من الغلام المذكور المقتول زَكاةً أي طهارة وفضيلة في دينه وَأَقْرَبَ رُحْماً أي رحمة وشفقة، فقيل: المعنى أن يرحمهما، وقيل يرحمانه
لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ اليتيم من فقد أبويه قبل البلوغ، وروي أن اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح وهذا
стр. 469
يحتاج إلى صحة نقل كَنْزٌ لَهُما قيل مال عظيم، وقيل: كان علما في صحف مدفونة، والأول أظهر وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً قيل: إنه الأب السابع، وظاهر اللفظ أنه الأقرب فَأَرادَ رَبُّكَ أسند الإرادة هنا إلى الله لأنها في أمر مغيب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلا الله، وأسند الخضر إلى نفسه في قوله فأردت أن أعيبها لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لا يسندها إلى الله وذلك كقول إبراهيم ﵇ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠] فأسند المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تأدبا، واختلف في قوله: فأردنا أن يبدلهما هل هو مسند إلى ضمير الخضر أو إلى الله، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي هذا دليل على نبوّة الخضر، لأن المعنى أنه فعل بأمر الله أو بوحي.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ السائلون اليهود، أو قريش بإشارة اليهود، وذو القرنين هو الإسكندر الملك، وهو يوناني وقيل رومي «١» وكان رجلا صالحا، وقيل كان نبيا، وقيل كان ملكا بفتح اللام والصحيح أنه ملك بكسر اللام واختلف لم سمي ذو القرنين فقيل: كان له ضفيرتان من شعرهما قرناه، فسمى بذلك وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب وكأنه حاز قرني الدنيا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ التمكين له أنه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلهم آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً أي علما وفهما، يتوصل به إلى معرفة الأشياء والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو غير ذلك فَأَتْبَعَ سَبَباً أي طريقا يوصله وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرئ بالهمز على وزن فعلة أي ذات حمأة وقرئ بالياء «٢» على وزن فاعلة وقد اختلف في ذلك معاوية وابن عباس فقال ابن عباس: حمئة وقال معاوية حامية فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهما بالأمر فقال: أما العربية فأنتما أعلما بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين، فوافق ذلك قراءة ابن عباس ومعنى حامية حارة، ويحتمل أن يكون بمعنى حمية ولكن سهلت همزته ويتفق معنى القراءتين. وقد قيل: يمكن أن يكون فيها حمئة ويكون حارة لحرارة الشمس فتكون جامعة للموضعين، ويجتمع معنى القراءتين قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ استدل بهذا من قال إن ذا القرنين نبيّ لأن هذا القول وحي ويحتمل أن يكون بإلهام فلا يكون فيه دليل على نبوته إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً كانوا كفارا فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام، فيحسن إليهم وقيل: الحسن هنا هو الأسر، وجعله حسنا بالنظر إلى القتل
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ اختار أن يدعوهم إلى الإسلام، فمن تمادى على الكفر قتله ومن أسلم
стр. 470
أحسن إليه، والظلم هنا الكفر والعذاب القتل وأراد بقوله: عذابا نكرا عذاب الآخرة فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى المراد بالحسنى الجنة أو الأعمال الحسنة وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً وعدهم بأن ييسر عليهم وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً هؤلاء القوم هم الزنج وهم أهل الهند ومن وراءهم، ومعنى لم نجعل الآية أنهم ليس لهم بنيان إذ لا تحمل أرضهم البناء وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب تحت الأرض وقال ابن عطية: الظاهر أنها عبارة عن قرب الشمس منهم وقيل: الستر اللباس فكانوا على هذا لا يلبسون الثياب كَذلِكَ أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره وقيل:
إن كذلك راجع لما قبله أي لم نجعل لهم سترا، كما جعلنا لكم من المباني والثياب، وقيل: المعنى وجد عندها قوما كذلك، أي مثل القوم الذين وجدوا عند مغرب الشمس وفعل معهم مثل فعله بَيْنَ السَّدَّيْنِ أي الجبلين وهما جبلان في طرف الأرض، وقرئ بالفتح «١» والضم وهما بمعنى واحد، وقيل ما كان من خلقة الله فهو مضموم وما كان من فعل الناس فهو مفتوح وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً قيل هم الترك لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، فهم لا يفقهون القول إلا بالإشارة أو نحوها يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويه، منهم مفرط الطول ومفرط القصر مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ لفسادهم بالقتل والظلم وسائر وجوه الشر، وقيل: كانوا يأكلون بني آدم.
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا هذا استفهام في ضمنه عرض ورغبة، والخرج الجباية يقال فيه خراج وقد قرئ بهما، فعرضوا عليه أن يجعلوا له أموالا ليقيم بها السد قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما بسط الله لي من الملك خير من خرجكم، فلا حاجة لي به ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل الأيدي رَدْماً أي حاجزا حصيبا، والردم أعظم من السد ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي بين الجبلين قالَ انْفُخُوا يريد نفخ الكير أي أوقدوا النار على الحديد قِطْراً أي نحاسا مذابا وقيل هو الرصاص، وروى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل البنيان من زبر الحديد حتى ملأ به ما بين
стр. 471
الجبلين ثم أفرغ عليه النحاس المذاب
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أصل اسطاعوا استطاعوا حذفت التاء تخفيفا، والضمير في يظهروه للسدّ، ومعنى يظهروه يعلوه ويصعدوا على ظهره فالمعنى أن يأجوج ومأجوج لا يقدرون أن يصعدوا على السدّ لارتفاعه ولا ينقبوه لقوته قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي القائل ذو القرنين وأشار إلى الردم فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي يعني القيامة جعله دكا أي مبسوطا مسوى بالأرض وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ الضمير في تركنا لله ، ويومئذ يحتمل أن يريد به يوم القيامة، لأنه قد تقدم ذكره فالضمير في قوله بعضهم على هذا لجميع الناس، أو يريد بقوله يومئذ يوم كمال السد، والضمير في قوله: بعضهم على هذا ليأجوج ومأجوج، والأول أرجح لقوله بعد ذلك:
ونفخ في الصور فيتصل الكلام ويموج عبارة عن اختلاطهم واضطرابهم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الصور هو القرن الذي ينفخ فيه يوم القيامة حسبما جاء في الحديث، ينفخ فيه إسرافيل نفختين إحداهما للصعق والأخرى للقيام من القبور وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ أي أظهرناها كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عبارة عن عمى بصائرهم وقلوبهم، وكذلك لا يستطيعون سمعا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ يعني أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم أنهم يقولون أنت ولينا من دونهم، والعباد هنا من عبد مع الله ممن لا يريد ذلك كالملائكة وعيسى ابن مريم أَعْتَدْنا أي يسرنا نُزُلًا ما ييسر للضيف والقادم عند نزوله، والمعنى أن جهنم لهم بدل النزل كما أن الجنة نزل في قوله «كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا» ويحتمل أن يكون النزل موضع النزول.
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الآية في كفار العرب كقوله: كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ وقيل: في الرهبان لأنهم يتعبدون يظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل منهم، وفي قوله: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ تجنيس وهو الذي يسمى تجنيس التصحيف فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً أي ليس لهم حسنة توزن لأن أعمالهم قد حبطت جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ هي أعلى الجنة حسبما ورد في الحديث ولفظ الفردوس أعجمي معرب حِوَلًا أي تحوّلا وانتقالا قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية إخبار عن اتساع علم الله تعالى
стр. 472
والكلمات هي المعاني القائمة بالنفس وهي المعلومات، فمعنى الآية لو كتب علم الله بمداد البحر لنفد البحر ولم ينفد علم الله، وكذلك لو جيء ببحر آخر مثله وذلك لأن البحر متناه وعلم الله غير متناه بِمِثْلِهِ مَدَداً أي زيادة والمدد هو ما يمد به الشيء أي يكثر
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ إن كان الرجاء هنا على بابه فالمعنى يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، وإن كان الرجاء بمعنى الخوف فالمعنى يخاف سوء لقاء ربه، وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً يحتمل أن يريد الشرك بالله وهو عبادة غيره فيكون راجعا إلى قوله يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أو يريد الرياء لأنه الشرك الأصغر واللفظ يحتمل الوجهين، ولا يبعد أن يحمل على العموم في المعنيين والله أعلم.
стр. 473
سورة مريم
مكية إلا آيتي ٥٨ و ٧١ فمدنيتان وآياتها ٩٨ نزلت بعد فاطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(سورة مريم) كهيعص قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء، وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه: يا كهيعص، فيحتمل أن تكون الجملة عنده اسما من أسماء الله تعالى، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه الحروف ذِكْرُ تقديره هذا ذكر عَبْدَهُ زَكَرِيَّا وصفه بالعبودية تشريفا له، وإعلاما له بتخصيصه وتقريبه، ونصب عبده على أنه مفعول لرحمة، فإنها مصدر أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر، تقديره: رحمة عبده وعلى هذا يوقف على ما قبله وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير حاجة إليه، وقطع العامل عن العمل بعد تهيئته له إِذْ نادى رَبَّهُ يعنى دعاه نِداءً خَفِيًّا أخفاه لأنه يسمع الخفي كما يسمع الجهر، ولأن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، ولئلا يلومه الناس على طلب الولد وَهَنَ الْعَظْمُ أي ضعف وَاشْتَعَلَ استعارة للشيب من اشتعال النار وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أي قد سعدت بدعائي لك فيما تقدم، فاستجب لي في هذا، فتوسل إلى الله بإحسانه القديم إليه وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ يعنى: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده مِنْ وَرائِي أي من بعدي عاقِراً أي عقيما فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يعنى وارثا يرثني، قيل: يعنى وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة، وهو أرجح لقوله صلّى الله تعالى عليه واله وسلّم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» «١» وكذلك يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح رَضِيًّا أي مرضيا فهو فعيل: بمعنى مفعول سَمِيًّا يعنى من سمي باسمه، وقيل: مثيلا ونظيرا،
стр. 474
والأول أحسن هنا
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولا لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ عِتِيًّا قيل:
يبسا في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر كَذلِكَ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقا له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.
كذلك. ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة على حمل امرأته سَوِيًّا أي سليما غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سويا يرجع إلى الليالي أي مستويات فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام أَنْ سَبِّحُوا قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله يا يَحْيى التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: خُذِ الْكِتابَ يعنى التوراة بِقُوَّةٍ أي في العلم به والعمل به وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة وَحَناناً قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان وَزَكاةً أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ
خطاب لمحمد ﷺ والكتاب القرآن إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها
أي اعتزلت منهم وانفردت عنهم مَكاناً شَرْقِيًّا
أي إلى جهة الشرق فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعنى جبريل، وقيل: عيسى، والأول هو الصحيح لأن جبريل هو الذي تمثل لها باتفاق قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
لما رأت الملك الذي تمثل لها في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه:
إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، وقيل: إن تقيا اسم رجل معروف بالشرّ عندهم وهذا ضعيف وبعيد لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
الغلام الزكيّ هو عيسى عليه
стр. 475
السلام، وقرئ ليهب «١» بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب ، وقرئ بهمزة التكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي أرسله الله بها، أو يكون قال ذلك حكاية عن الله تعالى
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا البغيّ هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيّ فعول وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً الضمير للولد واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آية فعلنا ذلك فَحَمَلَتْهُ يعنى: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن عباس: حملته وولدته في ساعة مَكاناً قَصِيًّا أي بعيدا، وإنما بعدت حياء من قومها أن يظنوا بها الشر فَأَجاءَهَا معناه: ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية الْمَخاضُ أي النفاس إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ روي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ إنما تمنت الموت خوفا من إنكار قومها، وظنهم بها الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه.
وَكُنْتُ نَسْياً النسي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، ويقال بفتح النون «٢» وكسرها فَناداها مِنْ تَحْتِها قرئ من بفتح الميم «٣» وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها أَلَّا تَحْزَنِي تفسير للنداء، فأن مفسرة سَرِيًّا جدولا وهي ساقية من ماء كان قريبا من جذع النخلة، روي أن النبي ﷺ فسره بذلك، وقيل: يعنى عيسى فإن السري الرجل الكريم وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ كان جذعا يابسا، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها وتأنيسا، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا الفاعل بتساقط النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطبا تمييز، والجني معناه: الذي طاب وصلح لأن يجتنى
فَكُلِي وَاشْرَبِي أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السري وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا بما جعل الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب فَإِمَّا تَرَيِنَّ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين
стр. 476
فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا عن الكلام، وقيل: يعنى الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها لما رأت الآيات:
علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصي إلى قومها شَيْئاً فَرِيًّا أي شنيعا وهو من الفرية.
يا أُخْتَ هارُونَ كان هارون عابدا من بني إسرائيل، شبهت به مريم في كثرة العبادة فقيل لها أخته بمعنى أنها شبهه، وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلا صالحا، وقيل: هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ذريته، فأخت على هذا كقولك: أخو بني فلان أي واحد منهم، ولا يتصور على هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقة، فإن بين زمانهما دهرا طويلا فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أي إلى ولدها ليتكلم وصمتت هي كما أمرت كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا كان بمعنى يكون، والمهد هو المعروف، وقيل المهد هنا حجرها آتانِيَ الْكِتابَ يعنى الإنجيل، أو التوراة والإنجيل مُبارَكاً من البركة وقيل: نفاعا، وقيل: معلما للخير. واللفظ أعم من ذلك وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ هما المشروعتان، وقيل: الصلاة هنا الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب وَبَرًّا معطوف على مباركا، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال على عادة البشر، وفي كلامه هذا ردّ على النصارى، لأنه اعترف أنه عبد الله، وردّ على اليهود لقوله: وجعلني نبيا وَالسَّلامُ عَلَيَّ أدخل لام التعريف هنا لتقدّم السلام المنكر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل، وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريض بلغة من اتهم مريم كأنه قال: السلام كله عليّ لا عليكم، بل عليكم ضدّه قَوْلَ الْحَقِّ بالرفع خبر مبتدإ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل أو خبر بعد خبر، وبالنصب «١» على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدم فِيهِ يَمْتَرُونَ أي يختلفون فهو من المراء، أو يشكون فهو من المرية، والضمير لليهود والنصارى
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي من كلام عيسى وقرئ بفتح الهمزة «٢» تقديره ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وبكسرها لابتداء
стр. 477
الكلام، وقيل: هو من كلام النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم، والمعنى: يا محمد قل لهم ذلك عيسى ابن مريم، وأن الله ربي وربكم، والأول أظهر فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب اليهود والنصارى، لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافا شديدا، فكذبه اليهود وعبده النصارى، والحق خلاف أقوالهم كلها مِنْ بَيْنِهِمْ معناه من تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعنى قوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة، على أنهم في الدنيا في ضلال مبين.
يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت «١» ، وقيل: هو يوم القيامة وانتصاب يوم على المفعولية، لا على الظرفية وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ يعنى في الدنيا، فهو متعلق بقوله في ضلال مبين أي بأنذرهم صِدِّيقاً بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق، ووصفه بأنه صدّيق قبل الوحي نبّئ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
يعنى الأصنام صِراطاً سَوِيًّا أي قويما لَأَرْجُمَنَّكَ قيل: يعنى الرجم بالحجارة وقيل: الشتم وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أي حينا طويلا، وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ وداع مفارقة، وقيل: مسالمة لا تحية لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ وعد، وهو الذي أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إيّاه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز، وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه بذلك، ويقوى هذا القول قوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٨٦] ، ومثل
стр. 478
هذا قول النبي ﷺ لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك حَفِيًّا أي بارّا متلطفا
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ أي ما تعبدون إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ هما ابنه وابن ابنه، وهبهما الله له عوضا من أبيه وقومه الذين اعتزلهم مِنْ رَحْمَتِنا النبوّة، وقيل: المال والولد، واللفظ أعم من ذلك، لسان صدق يعنى الثناء الباقي عليهم إلى آخر الدهر مُخْلَصاً بكسر اللام أي أخلص نفسه وأعماله لله وبفتحها أي أخلصه الله للنبوّة والتقريب وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا النبي أعم من الرسول، لأن النبي كل من أوحى الله إليه، ولا يكون رسولا حتى يرسله الله إلى الناس مع النبوّة، فكل رسول نبيّ وليس كل نبي رسولا وَنادَيْناهُ هو تكليم الله له الطُّورِ وهو الجبل المشهور بالشام الْأَيْمَنِ صفة للجانب، وكان على يمين موسى حين وقف عليه ويحتمل أن يكون من اليمن نَجِيًّا النجي فعيل وهو المنفرد بالمناجاة وقيل: هو من المناجاة، والأول أصح مِنْ رَحْمَتِنا من سببية أو للتبعيض، وأخاه على الأول مفعول وعلى الثاني بدل إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ روي أنه وعد رجلا إلى مكان فانتظره فيه سنة، وقيل: الإشارة إلى صدق وعده في قصة الذبح في قوله سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] ، وهذا يدل على قول من قال: إن الذبيح هو إسماعيل.
إِدْرِيسَ هو أول نبيّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح ﵇ وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا في حديث الإسراء: وإنه في السماء الرابعة «١» ، وقيل: يعنى رفعة النبوة وتشريف منزلته. والأول أشهر ورجحه الحديث أُولئِكَ إشارة إلى كل من ذكر في هذه السورة، من زكريا إلى إدريس مِنَ النَّبِيِّينَ من هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ يعنى نوحا وإدريس وَمِمَّنْ حَمَلْنا يعنى إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ يعنى إسماعيل وإسحاق ويعقوب وَإِسْرائِيلَ يعنى أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى وَمِمَّنْ هَدَيْنا يحتمل العطف على من الأولى أو الثانية بُكِيًّا جمع باك ووزنه فعول فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يقال في عقب الخير
стр. 479
خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعني هنا. واختلف فيمن المراد بذلك، فقيل: النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقل: كل من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل أَضاعُوا الصَّلاةَ قيل: تركوها، وقيل أخرجوها عن أوقاتها يَلْقَوْنَ غَيًّا الغي: الخسران، وقد يكون بمعنى الضلال فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ
إِلَّا مَنْ تابَ استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع بِالْغَيْبِ أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم مَأْتِيًّا وزنه مفعول، فقيل: إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي وقيل إنه على بابه لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها لَغْواً يعنى ساقط الكلام إِلَّا سَلاماً استثناء منقطع بُكْرَةً وَعَشِيًّا قيل: المعنى أن زمانهم يقدر بالأيام والليالي، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، وقيل: المعنى أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبر عن ذلك بالبكرة والعشي على عادة الناس في أكلهم.
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى اله وسلّم فقال له: أبطأت عني واشتقت إليك فقال: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست. ونزلت هذه الآية لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي له ما قدامنا وما خلفنا، وما نحن فيه من الجهات والأماكن، فليس لنا الانتقال من مكان إلى مكان إلا بأمر الله، وقيل ما بين أيدينا: الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين وقيل: ما مضى من أعمارنا وما بقي منها، والحال التي نحن فيها، والأول أكثر مناسبة لسياق الآية وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا هو فعيل من النسيان بمعنى الذهول وقيل بمعنى الترك، والأول أظهر هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي مثيلا ونظيرا فهو من المسامي والمضاهي، وقيل: من تسمى باسمه، لأنه لم يتسم باسم الله غير الله تعالى وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا هذه حكاية قول من أنكر البعث من القبور، والإنسان هنا جنس يراد به الكفار، وقيل: إن القائل لذلك أبيّ بن خلف، وقيل أمية بن خلف، والهمزة التي دخلت على أإذا ما مت للإنكار والاستبعاد، واللام في قوله لسوف: سيقت على الحكاية لقول من قال بهذا المعنى، والإخراج يراد به البعث أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ احتجاج على صحة البعث، وردّ على من أنكره، لأن النشأة الأولى دليل على الثانية لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ يعنى قرناءهم من الشياطين الذين أضلوهم، والواو للعطف أو بمعنى مع فيكون الشياطين مفعول معه جِثِيًّا جمع جاث، ووزنه مفعول من قولك: جثا الرجل إذا جلس جلسة الذليل الخائف
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على
стр. 480
مذهب أو اتباع إنسان، ومعنى الآية أن الله ينزع من كل طائفة أعتاها فيقدمه إلى النار، وقال بعضهم: المعنى نبدأ بالأكبر جرما فالأكبر جرما أَيُّهُمْ اختلف في إعرابه، فقال سيبويه: هو مبني على الضم لأنه حذف العائد عليه من الصلة، وكأن التقدير: أيهم أشدّ فوجب البناء، وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية تقديره: الذي قال له أشدّ، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء أَوْلى بِها صِلِيًّا الصلي: مصدر صلّى النار، ومعنى الآية: أن الله يعلم من هو أولى بأن يصلّى العذاب وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها خطاب لجميع الناس عند الجمهور، فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تخمد فلا تضرهم، فالورود على هذا بمعنى الدخول كقوله:
حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] ، وأوردهم النار، وقيل: الورود بمعنى القدوم عليها كقوله وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] ، والمراد بذلك جواز الصراط وقيل: الخطاب للكفار، فلا إشكال حَتْماً أي أمرا لا بدّ منه ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا إن كان الورود بمعنى الدخول، فنجاة الذين اتقوا بكون النار عليهم بردا وسلاما، ثم بالخروج منها، وإن كان بمعنى المرور على الصراط فنجاتهم بالجواز والسلامة من الوقوع فيها أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا الفريقان هم المؤمنون والكفار، والمقام اسم مكان من قام، وقرئ بالضم «١» من أقام، والنديّ المجلس، ومعنى الآية: أن الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقاما: أي أحسن حالا في الدنيا، وأجمل مجلسا فنحن أكرم على الله منكم.
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ كم مفعول بأهلكنا، ومعنى الآية: رد على الكفار في قولهم المذكور: أي ليس حسن الحال في الدنيا دليلا على الكرامة عند الله، لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالا منكم في الدنيا هُمْ أَحْسَنُ قال الزمخشري هذه الجملة في موضع نصب صفة لكم أَثاثاً أي متاع البيت، وقال ابن عطية هو اسم عام، في المال العين والعروض والحيوان، وهو اسم جمع، وقيل هو جمع، واحده أثاثة وَرِءْياً بهمزة ساكنة قبل الياء: معناه منظر حسن، وهو من الرؤية، والرئي اسم المرئي، وقرئ بتشديد «٢» الياء من غير همز، وهو تخفيف من الهمز، فالمعنى متفق، وقيل هو من ريّ الشارب أي التنعم بالمشارب والمآكل، وقرأ ابن عباس زيا بالزاي
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا أي يمهله ويملي له، واختلف هل هذا الفعل دعاء أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيدا حَتَّى هنا غاية للمدّ في الإضلال إِمَّا الْعَذابَ يعنى عذاب الدنيا
стр. 481
شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً في مقابلة قولهم خير مقاما وأحسن نديا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ذكر في [الكهف: ٤٧] خَيْرٌ مَرَدًّا أي مرجعا وعاقبة أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ هو العاصي بن وائل وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً كان قد قال: لئن بعثت كما يزعم محمد ليكونن لي هناك مال وولد أَطَّلَعَ الْغَيْبَ الهمزة للإنكار، والردّ على العاصي في قوله كَلَّا ردّ له عن كلامه سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ إنما جعله مستقبلا لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا أي نزيد له فيه وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي نرث الأشياء التي قال إنه يؤتاها في الآخرة، وهي المال والولد، ووراثتها هي بأن يهلك العاصي ويتركها، وقد أسلم ولداه هشام وعمرو ﵄ وَيَأْتِينا فَرْداً أي بلا مال ولا ولد ولا ولي ولا نصير.
سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ قيل: إن الضمير في يكفرون للكفار وفي عبادتهم للمعبودين، فالمعنى كقولهم: ما كنا مشركين، وقيل: إن الضمير في يكفرون للمعبودين، وفي عبادتهم للمعبودين، فالمعنى كقولهم: ما كنا مشركين، وقيل: إن الضمير في يكفرون للمعبودين، وفي عبادتهم للكفار، فالمعنى كقولهم: ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا معناه يكون لهم خلاف ما أمّلوه منهم فيصير العز الذي أمّلوه ذلة، وقيل: معناه: أعداء أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تضمن معنى سلطانا، ولذلك تعدّى بعلى تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تزعجهم إلى الكفر والمعاصي فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي لا تستبطئ عذابهم وتطلب تعجيله إنما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي نعد مدّة بقائهم في الدنيا، وقيل: نعدّ أنفاسهم وَفْداً قيل: معناه ركبانا، ومعنى الوفد لغة: القادمون وعادتهم الركوب فلذلك قيل ذلك، وقيل مكرمون، لأن العادة إكرام الوفود وِرْداً معناه عطاشا، لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ الضمير يحتمل أن يكون للكفار، والمعنى لا يملكون أن يشفعوا لهم، ويكون من اتخذ: استثناء منقطعا بمعنى لكن، أو يكون الضمير للمتقين فالاستثناء متصل، والمعنى: لا يملكون أن يشفعوا إلا لمن اتخذ عهدا أو لا يملكون أن يشفع منهم إلا من اتخذ عهدا، أو يكون الضمير للفريقين إذ قد ذكروا قبل ذلك فالاستثناء أيضا متصل، ومن اتخذ: يحتمل أن يراد به الشافع أو المشفوع له عَهْداً يريد به الإيمان والأعمال الصالحة، ويحتمل أن يريد به الإذن في الشفاعة. وهذا أرجح لقوله:
لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن، والظاهر أن ذلك إشارة إلى شفاعة سيدنا محمد ﷺ في
стр. 482
الموقف حين ينفرد بها، ويقول غيره من الأنبياء: نفسي نفسي
شَيْئاً إِدًّا أي شيئا صعبا يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن من قول الكفار: اتخذ الله ولدا هَدًّا أي انهداما أَنْ دَعَوْا أي من أجل أن دعوا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وقرئ ولدا «١» بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ردّ على مقالة الكفار، والمعنى أن الكل عبيده، فكيف يكون أحد منهم ولدا له، وإن نافية، وكل مبتدأ وخبره آتى الرحمن سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا هي المحبة والقبول الذي يجعله الله في القلوب لمن شاء من عباده، وقيل: إنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ الضمير للقرآن وبلسانك أي بلغتك قَوْماً لُدًّا جمع ألد، وهو الشديد الخصومة والمجادلة، والمراد بذلك قريش، وقيل: معناه فجارا أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً هو الصوت الخفي، والمعنى أنهم لم يبق منهم أثر، وفي ذلك تهديد لقريش.
стр. 483
فهرس المحتويات
مقدمة المحقق ٥ مقدمة ٩ المقدمة الأولى ١٢ المقدمة الثانية ٢٨ تمهيد في القراءات وتأريخها ٥٠ سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع ٦٣ سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان ٦٨ سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان ١٤٤ سورة النساء مدنية وآياتها ست وسبعون ومائة ١٧٦ سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة ٢١٩ سورة الأنعام مكية وآياتها خمس وستون ومائة ٢٥٣ سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان ٢٨٤ سورة الأنفال مدنية وآياتها خمس وسبعون ٣٢٠ سورة التوبة مدنية وآياتها تسع وعشرون ومائة ٣٣١ سورة يونس مكية وآياتها تسع ومائة ٣٥٢ سورة هود مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة ٣٦٥ سورة يوسف مكية وآياتها إحدى عشر ومائة ٣٨١ سورة الرعد مدنية وآياتها ثلاث وأربعون ٣٩٩ سورة إبراهيم مكية وآياتها ثنتان وخمسون ٤٠٨ سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون ٤١٥ سورة النحل مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة ٤٢٢ سورة الإسراء مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة ٤٤٠ سورة الكهف مكية وآياتها عشر ومائة ٤٥٨ سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعون ٤٧٧
стр. 484
الجزء الثاني
سورة طه
مكية إلا آيتي ١٣ و ١٣١ فمدنيتان وآياتها ١٣٥ نزلت بعد مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة طه)
قيل في طه إنه من أسماء النبي ﷺ وقيل: معناه يا رجل، وانظر الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قيل: إن النبي ﷺ قام في الصلاة حتى تورّمت قدماه، فنزلت الآية تخفيفا عنه، فالشقاء على هذا إفراط التعب في العبادة، وقيل: المراد به التأسف على كفر الكفار، واللفظ عام في ذلك كله، والمعنى أنه نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة إِلَّا تَذْكِرَةً نصب على الاستثناء المنقطع، وأجاز ابن عطية أن يكون بدلا من موضع لتشقى إذ هو في موضع مفعول من أجله، ومنع ذلك الزمخشري لاختلاف الجنسين، ويصح أن ينتصب بفعل مضمر تقديره أنزلناه تذكرة تَنْزِيلًا نصب على المصدرية، والعامل فيه مضمر وما أنزلنا وبدأ السورة بلفظ المتكلم في قوله:
ما أنزلنا ثم رجع إلى الغيبة في قوله تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ الآية: وذلك هو الالتفات وَالسَّماواتِ الْعُلى جمع عليا عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى تكلمنا عليه في [الأعراف: ٥٣] الثَّرى هو في اللغة التراب النديّ، والمراد به هنا الأرض وَإِنْ تَجْهَرْ مطابقة هذا الشرط لجوابه كأنه يقول: إن جهرت أو أخفيت فإنه يعلم ذلك، لأنه يعلم السرّ وأخفى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى السر الكلام الخفيّ، والأخفى ما في النفس، وقيل: السر ما في نفوس البشر، والأخفى ما انفرد الله بعلمه.
الْأَسْماءُ الْحُسْنى تكلمنا عليها في [الأعراف: ١٧٩] وَهَلْ أَتاكَ لفظ استفهام والمراد به التنبيه
إِذْ رَأى العامل في إذ حديث لأن فيه معنى الفعل، وكان من قصة موسى أنه رحل بأهله من مدين يريد مصر، فسار بالليل واحتاج إلى نار، فقدح بزناده فلم ينقدح، فرأى نارا فقصد إليها فناداه الله، وأرسله إلى فرعون آنَسْتُ ناراً أي رأيت بِقَبَسٍ هو
стр. 485
الجذوة من النار تكون على رأس العود والقصبة ونحوها أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني هدى إلى الطريق من دليل أو غيره فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قيل: إنما أمر بخلع نعليه، لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلع النجاسة، واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ليتأدب، ويعظم البقعة المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله وهذا أحسن بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي المطهر طُوىً في معناه قولان: أحدهما أنه اسم للوادي، وإعرابه على هذا بدل، ويجوز تنوينه على أنه مكان، وترك صرفه على أنه بقعة، والثاني: أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر: أي قدس الوادي مرة بعد مرة، أو نودي موسى مرة بعد مرة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بها، فالمصدر على الأول مضاف للمفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، وقيل: معنى لذكري: عند ذكري كقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: ٧٨] أي عند دلوك الشمس، وهذا أرجح لأن النبي ﵌ استدل بالآية: على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها أَكادُ أُخْفِيها اضطرب الناس في معناه، فقيل: أخفيها بمعنى أظهرها، وأخفيت هذا من الأضداد.
وقال ابن عطية: هذا قول مختل، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى بالألف من الإخفاء، وخفي بغير ألف بمعنى أظهر، فلو كان بمعنى الظهور لقال: أخفيها بفتح همزة المضارع، وقد قرئ بذلك في الشاذ، وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفي: أي أظهر، فلا يكون هذا القول مختلا على هذه اللغة، وقيل: أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها وقيل: إن المعنى إن الساعة آتية أكاد، وتم هنا الكلام بمعنى أكاد أنفذها لقربها، ثم استأنف الإخبار فقال أخفيها، وقيل: المعنى أكاد أخفيها عن نفسي فكيف عنكم، وهذه الأقوال ضعيفة، وإنما الصحيح أن المعنى أن الله أبهم وقت الساعة فلم يطلع عليه أحدا، حتى أنه كاد أن يخفي وقوعها لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذا أخبر بوقوعها، فالأخفى على معناه المعروف في اللغة، وكاد على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه وهذا المعنى هو اختيار المحققين لِتُجْزى يتعلق بآتية بِما تَسْعى أي بما تعمل فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها الضمير للساعة: أي لا يصدنك عن الإيمان بها والاستعداد لها، وقيل: الضمير للصلاة وهو بعيد، والخطاب لموسى ﵇، وقيل: لمحمد ﷺ وذلك بعيد فَتَرْدى معناه تهلك، والردى هو الهلاك وهذا الفعل منصوب في جواب: لا يصدّنك.
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى إنما سأله ليريه عظيم ما يفعله في العصا من قلبها حية، فمعنى السؤال تقرير أنها عصا فيتبين له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها، وبعد أن قلبها،
стр. 486
وقيل: إنما سأله ليؤنسه ويبسطه بالكلام
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي معناه أضرب بها الشجر لينتشر الورق للغنم مَآرِبُ أي حوائج حَيَّةٌ تَسْعى أي تمشي سِيرَتَهَا الْأُولى يعني أنه لما أخذها عادت كما كانت أول مرة، وانتصب سيرتها على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط حرف الجر وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ الجناح هنا الجنب أي تحت الإبط، وهو استعارة من جناح الطائر تَخْرُجْ بَيْضاءَ روي أن يده خرجت وهي بيضاء كالشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يريد من غير برص ولا عاهة لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يحتمل أن تكون الكبرى مفعول لنريك، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك اشْرَحْ لِي صَدْرِي إن قيل: لم قال اشرح لي ويسر لي، مع أن المعنى يصح دون قوله لي؟ فالجواب: أن ذلك تأكيد وتحقيق للرغبة وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي العقدة هي التي اعترته بالجمرة حين جعلها في فيه وهو صغير، حين أراد فرعون أن يجرّبه، وإنما قال: عقدة بالتنكير لأنه طلب حلّ بعضها ليفقهوا قوله، ولم يطلب الفصاحة الكاملة وَزِيراً أي معينا، وإعراب هارون بدل أو مفعول أول أَزْرِي أي ظهري والمراد القوة ومنه: فآزره أي قوّاه.
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ أي قد أعطيناك كل ما طلبت من الأشياء المذكورة إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ يحتمل أن يكون وحي كلام بواسطة ملك، أو وحي إلهام كقوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨] ما يُوحى إبهام يراد به تعظيم الأمر أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ الضمير الأول لموسى، والثاني للتابوت أو لموسى واليم البحر، والمراد به هنا النيل، وكان فرعون قد ذكر له أن هلاكه وخراب ملكه على يد غلام من بني إسرائيل، فأمر بذبح كل ولد ذكر يولد لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في التابوت وتلقي التابوت في البحر ففعلت ذلك، وكان فرعون في موضع يشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسيق، إليه وامرأته معه ففتحه فأشفقت عليه امرأته، وطلبت أن تتخذه ولدا فأباح لها ذلك يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ هو فرعون مَحَبَّةً مِنِّي أي أحببتك، وقيل: أراد محبة الناس فيه إذ كان لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل: أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له، وقوله
стр. 487
مني: يحتمل أن يتعلق بقوله ألقيت، أو يكون صفة لمحبة فيتعلق بمحذوف وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي تربى ويحسن إليك بمرأى مني وحفظ، والعامل في لتصنع محذوف
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ العامل في إذ تصنع أو ألقيت، أو فعل مضمر تقديره ومننا عليك فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ كان لا يقبل ثدي امرأة فطلبوا له مرضعة، فقالت أخته ذلك ليرد إلى أمه وَقَتَلْتَ نَفْساً يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ يعني الخوف من أن يطلب بثأر المقتول وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي اختبرناك اختبارا حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوة والرسالة، وقيل: خلصناك من محنة بعد محنة، لأنه خلصه من الذبح ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل، والفتون: يحتمل أن يكون مصدرا أو جمع فتنة فَلَبِثْتَ سِنِينَ يعني الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب جِئْتَ عَلى قَدَرٍ أي بميقات محدود قدره الله لنبوتك وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي عبارة عن الكرامة والتقريب أي استخلصتك وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني وَلا تَنِيا أي لا تضعفا ولا تقصرا، والونى هو الضعف عن الأمور والتقصير فيها أَنْ يَفْرُطَ أي يعمل بالشر فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي سرحهم، وكانوا تحت يد فرعون وقومه، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني إسرائيل وَلا تُعَذِّبْهُمْ كان يعذبهم بذبح أبنائهم وتسخيرهم في خدمته وإذلالهم.
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ يعني قلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء، وإنما وحّدهما وهما آيتان، لأنه أراد إقامة البرهان وهو معنى واحد، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أن يريد التحية أو السلامة قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع أخيه، لأنه الأصل في النبوة وأخوه تابع له الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ المعنى أن الله أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه، فخلقه على هذا بمعنى المخلوقين، وإعرابه مفعول أول، وكل شيء مفعول ثان، وقيل: المعنى أعطى كل شيء خلقته وصورته: أي أكمل ذلك وأتقنه، فالخلق على هذا بمعنى الخلقة وإعرابه مفعول ثان، وكل شيء مفعول أول، والمعنى الأول أحسن ثُمَّ هَدى أي هدى خلقه إلى التوصل لما أعطاهم، وعلمهم كيف ينتفعون به قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يحتمل أن يكون سؤاله عن القرون الأولى محاجة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟ أو ما بالها لم تكن على دين موسى أو ما بالها كذبت ولم
стр. 488
يصبها عذاب كما زعم موسى في قوله: أن العذاب على من كذب وتولى، ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعا للكلام الأول، وروغانا عنه وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها، فقال علمها عند ربي، ثم عاد إلى وصف الله رجوعا إلى الكلام الأول
فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي فراشا، وانظر كيف وصف موسى ربه تعالى بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتصف بها، لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولو قال له هو القادر أو الرازق وشبه ذلك لأمكن فرعون أن يغالطه ويدعي ذلك لنفسه وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي نهج لكم فيها طرقا تمشون فيها فَأَخْرَجْنا يحتمل أن يكون من كلام موسى على تقدير يقول الله فأخرجنا، ويحتمل أن يكون كلام موسى ثم عند قوله وأنزل من السماء ماء ثم ابتدأ كلام الله.
فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى أي أصنافا مختلفة كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ المعنى أنها تصلح لأن تؤكل وترعاها الأنعام، وعبر عن ذلك بصيغة الأمر لأنه أذن في ذلك فكأنه أمر به لِأُولِي النُّهى أي العقول واحدها نهية مِنْها خَلَقْناكُمْ الضمير للأرض يريد خلقة آدم من تراب وَفِيها نُعِيدُكُمْ يعني بالدفن عند الموت وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ يعني عند البعث أَرَيْناهُ آياتِنا يعني الآيات التي رآها فرعون وهي تسع آيات، وليس يريد جميع آيات الله على العموم، فالإضافة في قوله آياتنا تجري مجرى التعريف بالعهد: أي آياتنا التي أعطينا موسى كلها، وإنما أضافها الله إلى نفسه تشريفا فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً يحتمل أن يكون الموعد اسم مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان، ويدل على أنه اسم مكان قوله مكانا سوى، ولكن يضعف بقوله: موعدكم يوم الزينة، لأنه أجاب بظرف الزمان، ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله يوم الزينة ولكن يضعف بقوله: مكانا سوى. ويدل على أنه اسم مصدر بمعنى الوعد قوله: لا نخلفه، لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا الزمان ولا المكان.
ولكن يضعف ذلك بقوله مكانا وبقوله يوم الزينة، فلا بد على كل وجه من تأويل أو إضمار، ويختلف إعراب قوله: مكانا باختلاف تلك الوجوه. فأما إن كان الموعد اسم مكان فيكون قوله موعدا ومكانا مفعولين لقوله اجعل، ويطابقه قوله: يوم الزينة من طريق المعنى، لا من طريق اللفظ، وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد اسم زمان فينتصب قوله: مكانا على أنه ظرف زمان، والتقدير: موعدا كائنا في مكان وإن كان الموعد اسم مصدر فينتصب مكانا على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد، أو بفعل من
стр. 489
معناه، ويطابقه قوله: يوم الزينة على حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة، وقرأ الحسن يوم الزينة بالنصب وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف مَكاناً سُوىً معناه: مستوفي القرب منا ومنكم، وقيل: معناه مستوي الأرض ليس فيه انخفاض ولا ارتفاع، وقرئ بكسر السين وضمها، والمعنى متفق
يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عيد لهم وقيل يوم عاشوراء وَأَنْ يُحْشَرَ عطف على الزينة، فهو في موضع خفض أو على اليوم فهو في موضع رفع وقصد موسى أن يكون موعدهم عند اجتماع الناس على رؤوس الأشهاد لتظهر معجزته ويستبين الحق للناس فَيُسْحِتَكُمْ معناه يهلككم، يقال سحت وأسحت، وقد قرئ بفتح الياء وضمها، والمعنى متفق قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ [أبو عمرو] إن هذين بالياء ولا إشكال في ذلك، وقرأ [حفص] بتخفيف إن وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها هذان بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إنّ ورفع هذان، فقيل إن هنا بمعنى نعم فلا تنصب، ومنه ما روي في الحديث أن الحمد لله بالرفع، وقيل: اسم إن ضمير الأمر والشأن تقديره: إن الأمر، وهذان لساحران مبتدأ وخبر في موضع خبر إن.
وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحرث بن كعب وهو إبقاء التثنية بالألف حال النصب والخفض، وقالت عائشة ﵂، هذا مما لحن فيه كتاب المصحف وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى أي يذهب بسيرتكم الحسنة فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أي اعزموا وأنفذوه يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى استدل بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة، وقال بعضهم «١» : إن حيلة السحرة في سعي الحبال والعصيّ هو أنهم حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها نارا وغطوا النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيهم، وقيل: جعلوها للشمس، فلما أحسّ الزئبق بحر النار أو الشمس سال، وهو في حشو الحبال والعصيّ فحملها، فتخيل للناس أنها تمشي، فألقى موسى عصاه فصارت ثعبانا فابتلعتها إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ما هنا موصولة وهي اسم إن وكيد خبرها آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قدم
стр. 490
هارون لتعادل رؤوس الآي
مِنْ خِلافٍ أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وَالَّذِي فَطَرَنا معطوف على ما جاءنا من البينات، وقيل: هي واو القسم هذِهِ الْحَياةَ نصب على الظرفية أي: إنما قضاؤك في هذه الدنيا إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً قيل: إن هنا وما بعده من كلام السحرة لفرعون على وجه الموعظة، وقيل: هو من كلام الله أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي يعني ببني إسرائيل، وأضافهم إلى نفسه تشريفا لهم، وكانوا فيما قيل ستمائة ألف يَبَساً أي يابسا، وهو مصدر وصف به لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى أي لا تخاف أن يدركك فرعون وقومه، ولا تخشى الغرق في البحر ما غَشِيَهُمْ إبهام لقصد التهويل وَما هَدى إن قيل:
إن قوله وأضل فرعون قومه يغني عن قوله وما هدى، فالجواب أنه مبالغة وتأكيد، وقال الزمخشري: هو تهكم بفرعون في قوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ [غافر: ٣٨] .
يا بَنِي إِسْرائِيلَ خطاب لهم بعد خروجهم من البحر، وإغراق فرعون، وقيل: هو خطاب لمن كان منهم في عصر رسول الله ﷺ ، والأول أظهر وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ لما أهلك الله فرعون وجنوده أمر موسى وبني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه ربه، والطور هو الجبل، واختلف هل هذا الطور هو الذي رأى فيه موسى النار في أول نبوّته، أو هو غيره وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ذكر في [البقرة: ٥٧] فَقَدْ هَوى أي هلك، وهو استعارة من السقوط من علو إلى سفل وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ المغفرة لمن تاب حاصلة ولا بد، والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: لا يغفر إلا لمن تاب ثُمَّ اهْتَدى أي استقام ودام على الإيمان والتوبة والعمل الصالح، ويحتمل أن يكون الهدى هنا عبارة عن نور وعلم يجعله الله في قلب من تاب وآمن وعمل صالحا.
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى قصص هذه الآية أن موسى ﵇، لما أمره الله أن يسير هو وبنو إسرائيل إلى الطور، تقدم هو وحده مبادرة إلى أمر الله، وطلبا
стр. 491
لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، واستخلف عليهم أخاه هارون، فأمرهم السامريّ حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل موسى إلى الطور دون قومه قال الله تعالى: ما أعجلك عن قومك؟ وإنما سأل الله موسى عن سبب استعجاله دون قومه ليخبره موسى بأنهم يأتون على أثره، فيخبره الله بما صنعوا بعده من عبادة العجل، وقيل: سأله على وجه الإنكار لتقدّمه وحده دون قومه فاعتذر موسى بعذرين: أحدهما أن قومه على أثره: أي قريب منه، فلم يتقدّم عليهم بكثير فيوجب العتاب، والثاني أنه إنما تقدم طلبا لرضا الله
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ كان السامريّ رجلا من بني إسرائيل يقال: إنه ابن خال موسى، وقيل: لم يكن منهم وهو منسوب إلى قرية بمصر يقال لها سامرة، وكان ساحرا منافقا فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ يعني رجع من الطور بعد إكمال الأربعين يوما التي كلمه الله بها أَسِفاً ذكر في [الأعراف: ١٤٩] .
أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً يعني ما وعدهم من الوصول إلى الطور أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ يعني المدة وهذا الكلام توبيخ لهم بِمَلْكِنا قرئ بالفتح والضم والكسر «١» ، ومعناه ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، ولكن غلبنا بكيد السامريّ، فيحتمل أنهم اعتذروا بقلة قدرتهم وطاقتهم ويناسب هذا المعنى القراءة بضم الميم، واعتذروا بقلة ملكهم لأنفسهم في النظر وعدم توفيقهم للرأي السديد، ويناسب هذا المعنى القراءة بالفتح والكسر حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الأوزار هنا الأحمال سميت أوزارا لثقلها، أو لأنهم اكتسبوا بسببها الأوزار أي الذنوب، وزينة القوم هي: حليّ القبط قوم فرعون كان بنو إسرائيل قد استعاروه منهم قبل هلاكهم، وقيل: أخذوه بعد هلاكهم فقال لهم السامريّ اجمعوا هذا الحلّي في حفرة حتى يحكم الله فيه، ففعلوا ذلك وأوقد السامريّ نارا على الحلّي وصاغ منه عجلا وقيل: بل خلق الله منه العجل من غير أن يصنعه السامري، ولذلك قال لموسى قد فتنا قومك من بعدك فَقَذَفْناها أي قذفنا أحمال الحلّي في الحفرة فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ كان السامريّ قد رأى جبريل ﵇، فأخذ من وطء فرسه قبضة من تراب، وألقى الله في نفسه أنه إذا جعلها على شيء مواتا صار حيوانا فألقاها على العجل فجار العجل أي: صاح صياح العجول. فالمعنى أنهم. قالوا كما ألقينا الحلي في الحفرة ألقى السامريّ قبضة التراب
جَسَداً أي جسما بلا روح، والخوار صوت البقر فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ أي
стр. 492
قال ذلك بنو إسرائيل بعضهم لبعض فَنَسِيَ يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون من كلام بني إسرائيل والفاعل موسى: أي نسي موسى إلهه هنا، وذهب يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى الذهول، والوجه الثاني: أن يكون من كلام الله تعالى، والفاعل على هذا السامريّ: أي نسي دينه وطريق الحق، والنسيان على هذا المعنى: الترك أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا معناه لا يردّ عليهم كلاما إذا كلموه وذلك ردّ عليهم في دعوى الربوبية له، وقرئ يرجع بالرفع، وأن مخففة من الثقيلة، وبالنصب وهي مصدرية قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ لا زائدة للتأكيد، والمعنى ما منعك أن تتبعني في المشي إلى الطور، أو تتبعني في الغضب لله، وشدّة الزجر لمن عبد العجل، وقتالهم بمن لم يعبده؟
لَ يَا بْنَ أُمَ
ذكر في [الأعراف: ١٥٠] تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدّة غضبه، لما وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أي: لو قاتلت من عبد العجل منهم بمن لم يعبده، لقلت فرقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى قوله:
تتبعني في الزجر والقتال، ولو أتبعتك في المشي إلى الطور لا تبعني بعضهم دون بعض، فتفرقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى تتبعني في المشي إلى الطور لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
يعني قوله له: اخلفني في قومي وأصلح.
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ أي قال موسى ما شأنك؟ ولفظ الخطب يقتضي الانتهار، لأنه يستعمل في المكاره قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي رأيت ما لم يروه يعني:
جبريل ﵇ وفرسه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أي قبضت قبضة من تراب من أثر فرس الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود «من أثر فرس الرسول» وإنما سمى جبريل بالرسول، لأن الله أرسله إلى موسى، والقبضة مصدر قبض، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ويقال: قبض بالضاد المعجمة إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع وقد قرئ كذلك في الشاذ فَنَبَذْتُها أي ألقيتها على الحلي، فصار عجلا أو على العجل فصار له خوار
فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ عاقب موسى ﵇ السامري بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: لا مساس أي لا مماسة ولا إذاية، وروي أنه كان
стр. 493
إذا مسه أحد أصابت الحمى له وللذي مسه، فصار هو يبعد عن الناس وصار الناس يبعدون عنه وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً يعني العذاب في الآخرة وهذا تهديد ووعيد ظَلْتَ أصله ظللت، حذفت إحدى اللامين والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدأب على الشيء ليلا ونهارا لَنُحَرِّقَنَّهُ من الإحراق بالنار، وقرئ بفتح النون وضم الراء بمعنى نبرده بالمبرد، وقد حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى، لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار، والصحيح أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصح حمل قراءة الجماعة على ذلك ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً أي نلقيه في البحر، والنسف تفريق الغبار ونحوه إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الآية: من كلام موسى لبني إسرائيل.
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مخاطبة من الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأنباء ما قد سبق: أخبار المتقدمين ذِكْراً يعني القرآن مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ يعني إعراض تكذيب به وِزْراً الوزر في اللغة الثقل، ويعني هنا العذاب لقوله «خالدين فيه» أو الذنوب لأنها سبب العذاب وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا شبه الوزر بالحمل لثقله، قال الزمخشري: ساء تجري مجرى بئس، ففاعلها مضمر يفسره حملا، وقال غيره: فاعلها مضمر يعود على الوزر يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي ينفخ الملك في القرن، وقرأ [أبو عمرو] ننفخ بالنون أي بأمرنا زُرْقاً أي زرق الألوان كالسواد، وقيل: زرق العيون من العمى يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً أي يقول بعضهم لبعض في السرّ: إن لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال وذلك لاستقلالهم مدّة الدنيا، وقيل: يعنون لبثهم في القبور يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً أي يقول أعلمهم بالأمور، فالإضافة إليهم إن لبثتم إلا يوما واحدا فاستقل المدّة أشد مما استقلها غيره يَنْسِفُها رَبِّي أي يجعلها كالغبار ثم يفرّقها فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً الضمير في يذرها للجبال، والمراد موضعها من الأرض، والقاع الصفصف:
المستوي من الأرض الذي لا ارتفاع فيه لا تَرى فِيها عِوَجاً المعروف في اللغة أن العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأشخاص والأرض شخص، فكان الأصل أن يقال فيها بالفتح، وإنما قاله بالكسر مبالغة في نفيه، فإن الذي في المعاني أدق من الذي في الأشخاص، فنفاه ليكون غاية في نفي العوج من كل وجه وَلا أَمْتاً الأمت: هو الارتفاع
стр. 494
اليسير
يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ يعني الذي يدعو الخلق إلى الحشر لا عِوَجَ لَهُ أي لا يعوج أحد عن اتباعه والمشي نحو صوته، أو لا عوج لدعوته لأنها حق هَمْساً هو الصوت الخفيّ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ يحتمل أن يكون الاستثناء متصلا، ومن في موضع نصب بتنفع وهي واقعة على المشفوع له، فالمعنى لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن له الرحمن في أن يشفع له، وأن يكون الاستثناء منقطعا ومن واقعة على الشافع، والمعنى لكن من أذن له الرحمن يشفع وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا إن أريد بمن أذن له الرحمن المشفوع فيه، فاللام في له بمعنى لأجله، أي رضي قول الشافع لأجل المشفوع فيه، وإن أريد الشافع فالمعنى رضي له قوله في الشفاعة يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته إذ لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأوّل لقال ولا يحيطون بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا.
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ أي ذلت يوم القيامة وَلا هَضْماً أي بخسا ونقصا لحسناته أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي تذكرا، وقيل: شرفا وهو هنا بعيد وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي إذا أقرأك جبريل القرآن فاستمع إليه واصبر حتى يفرغ، وحينئذ تقرأه أنت. فالآية: كقوله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
[القيامة: ١٦] ، وقيل كان النبي ﵌ إذا أوحي إليه القرآن يأمر بكتبه في الحين، فأمر بأن يتأنى حتى تفسر له المعاني، والأول أشهر.
عَهِدْنا إِلى آدَمَ أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة فَنَسِيَ يحتمل أن يكون النسيان الذي هو ضدّ الذكر، فيكون ذلك عذرا لآدم أو يريد الترك، وقال ابن عطية: ولا يمكن غيره، لأن الناسي لا عقاب عليه، وقد تقدّم الكلام على قصة آدم وإبليس في البقرة فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أي لا تطيعاه فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبب
стр. 495
موضع السبب وخص آدم بقوله فتشقى لأنه كان المخاطب أولا، والمقصود بالكلام، وقيل:
لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختص بالرجال
لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى الظمأ هو العطش، والضحى هو البروز للشمس يَخْصِفانِ ذكر في [الأعراف: ٢١] وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في [البقرة: ٣٥] اهْبِطا
خطاب لآدم وحواء فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها فمن اتبع فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة مَعِيشَةً ضَنْكاً أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدّة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه، وقيل: إن ذلك في البرزخ، وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة وعذاب الآخرة وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى أي يعني أعمى البصر فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى من الترك لا من الذهول وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى أي عذاب جهنم أشدّ وأبقى من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى.
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ معناه: أفلم يتبين لهم، والضمير لقريش والفاعل بيهد مقدر تقديره:
أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر، وقال الزمخشري: الفاعل الجملة التي بعده، وقيل: الفاعل ضمير الله ، ويدل عليه قراءة أفلم نهد بالنون، وقال الكوفيون: الفاعل كم يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ يريد أن قريشا يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار هلاكهم لِأُولِي النُّهى أي ذوي العقول وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً الكلمة هنا القضاء السابق، والمعنى لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزاما: أي واقعا بهم وَأَجَلٌ مُسَمًّى معطوف على كلمة: أي لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزاما، وإنما أخره لتعتدل رؤوس الآي، والمراد بالأجل المسمى يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره في البخاري، وقيل: المراد به أجل الموت، وقيل القيامة
وَسَبِّحْ يحتمل أن يريد بالتسبيح الصلاة، أو قول سبحان الله وهو ظاهر اللفظ بِحَمْدِ رَبِّكَ في موضع الحال