← Тафсир

Тафсир · id 23626

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط الأرقم

ابن جزي الكلبي

Полный текст (1 013 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

خلق الله في الأرض، ولأن فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى بأن بعث سيدنا محمدا ﷺ في أم القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد البيان لهم، وإقامة الحجة عليهم وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية: تحقير للدنيا وتزهيد فيها وترغيب في الآخرة أَفَمَنْ وَعَدْناهُ الآية: إيضاح لما قبلها من البون بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه للمؤمنين، وبمن متعناه الكافرين، وقيل: سيدنا محمدا ﵌ وأبو جهل، وقيل حمزة وأبو جهل، والعموم أحسن لفظا، ومعنى من المحضرين أي من المحضرين في العذاب وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ العامل في الظرف مضمر، وفاعل ينادي: الله تعالى، ويحتمل أن يكون نداؤه بواسطة أو بغير واسطة، والمفعول به المشركون أَيْنَ شُرَكائِيَ توبيخ للمشركين ونسبهم إلى نفسه على زعمهم، ولذلك قال: الذين كنتم تزعمون، فحذف المفعول وتقديره: تزعمون أنهم شركاء لي أو تزعمون أنهم شفعاء لكم. قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا معنى حق عليهم القول: وجب عليهم العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم، والإشارة بقولهم: هؤلاء الذين أغوينا: إلى أتباعهم من الضعفاء، فإن قيل: كيف الجمع بين قولهم أغوينا وبين قولهم: تبرأنا إليك، فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرأوا مع ذلك منهم؟ فالجواب أن إغواءهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك، والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا إنما كانوا يعبدون غيرنا، من الأصنام وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا، فتحصل من كلام هؤلاء الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم آلهتهم فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلف بعيد لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ فيه أربعة أوجه: الأول أن المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام، والثاني لو أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة لحيلة يدفعون بها العذاب لفعلوا، فلو على هذه الأقوال حرف امتناع وجوابها محذوف، والرابع أن يكون لو للتمني: أي تمنوا لو كانوا مهتدين. ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ أي هل صدقتم المرسلين أو كذبتموهم؟ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ عميت عبارة عن حيرتهم، والأنباء الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الأنباء لأنهم قد تساووا

стр. 597

في الحيرة والعجز عن الجواب وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قيل: سببها استغراب قريش لاختصاص سيدنا محمد ﵌ بالنبوة، فالمعنى أن الله يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ولفظها أعم من ذلك، والأحسن حمله على عمومه: أي يختار ما يشاء من الأمور على الإطلاق، ويفعل ما يريد ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ما نافية، والمعنى ما كان للعباد اختيار إنما الاختيار، والإرادة لله وحده. فالوقف على قوله ويختار، وقيل: إن ما مفعولة بيختار، ومعنى الخيرة على هذا الخير والمصلحة، وهذا يجري على قول المعتزلة، وذلك ضعيف لرفع الخيرة على أنها اسم كان، ولو كانت ما مفعولة: لكان اسم كان مضمرا يعود على ما وكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان، وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ما مفعولة بأن يقال: تقدير الكلام: يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار والمجرور وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدرنا كان تامة، ويوقف على قوله ما كان: أي يختار كل كائن، ويكون «لهم الخيرة» جملة مستأنفة، وهذا بعيد جدا يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ أي ما تخفيه قلوبهم وعبر عن القلب بالصدر، لأنه يحتوي عليه. لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ قيل إن الحمد في الآخرة قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ [الزمر: ٧٤] أو قولهم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] ، وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة سَرْمَداً أي دائما، والمراد بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك، فإن قيل: كيف قال يأتيكم بضياء، وهلا قال: يأتيكم بنهار في مقابلة قوله يأتيكم بليل؟ فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع والعبر لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي في النهار، ففي الآية لف ونشر وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي أخرجنا من كل أمة شهيدا منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيهم، لأن كل نبي يشهد على أمته هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز.

стр. 598

إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أي من بني إسرائيل، وكان ابن عم موسى وقيل ابن عمته، وقيل ابن خالته فَبَغى عَلَيْهِمْ أي تكبر وطغى، ومن ذلك كفره بموسى ﵇ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ المفاتح هي التي يفتح بها، وقيل: هي الخزائن، والأول أظهر، والعصبة جماعة الرجال من العشرة إلى الأربعين، وتنوء معناه تثقل، يقال ناء به الحمل: إذا أثقله، وقيل: معنى تنوء تنهض بتحامل وتكلف، والوجه على هذا أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح، لكنه قلب كما جاء قلب الكلام عن العرب كثيرا، ولا يحتاج إلى قلب على القول الأول لا تَفْرَحْ الفرح هنا هو الذي يقود إلى الإعجاب والطغيان، ولذلك قال: إن الله لا يحب الفرحين، وقيل السرور بالدنيا، لأنه لا يفرح بها إلا من غفل عن الآخرة ويدل على هذا قوله: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الحديد: ٢٣] وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أي اقصد الآخرة بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك للآخرة، وقيل: معناه لا تضيع عمرك بترك الأعمال الصالحات، فإن حظ الإنسان من الدنيا إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى قال إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استوجبته به، واختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء، وقيل: التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان كافرا، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ هذا ردّ عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر. وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ في معناه قولان: أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم لكونهم يدخلون النار من غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها

стр. 599

لقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه لكن يسألون على وجه التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ومنه قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ. [الرحمن: ٣٩] . فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ في ثياب حمر، وقيل: في عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك وَيْلَكُمْ زجر للذين تمنوا مثل حال قارون وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ الضمير عائد على الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم: أي لا تصدر الكلمة إلا عن الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى دعا موسى ﵇ عليه، فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه وفي أتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا بموسى فقال: يا أرض خذيهم حتى تمّ بهم الخسف مَكانَهُ أي منزلته في المال والعزة بِالْأَمْسِ يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب وَيْكَأَنَّ مذهب سيبويه أن وي حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في قولهم: يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون، ثم قالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: أي ما أشبه الحال بهذا، وقال الكوفيون: ويك هو ويلك حذفت منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها أن، والمعنى ألم يعلموا أن الله. وقيل: ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم. عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ أي تكبرا وطغيانا لا رفعة المنزلة، فإن إرادتها جائزة فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي أنزله عليك وأثبته، وقيل المعنى أعطاك القرآن، والمعنى متقارب، وقيل فرض عليك أحكام القرآن، فهي على حذف مضاف لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ المعاد الموضع

стр. 600

الذي يعاد إليه، فقيل: يعني مكة، والآية نزلت حين الهجرة، ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها، وقيل: يعني الآخرة فمعناها إعلام بالحشر، وقيل يعني الجنة وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ أي ما كنت تطمع أن تنال النبوّة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك ورحم الناس بنبوّتك، والاستثناء بمعنى لكن فهو منقطع. ويحتمل أن يكون متصلا. والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لك ورحمة للناس، ورحمة على هذا مفعول من أجله أو حال، وعلى الأول منصوب على الاستثناء وَادْعُ إِلى رَبِّكَ يحتمل أن يكون من الدعاء بمعنى الرغبة، أو من دعوة الناس إلى الإيمان بالله، فالمفعول محذوف على هذا تقديره: ادع الناس وَلا تَدْعُ أي لا تعبد مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ الآية. أي إلا إياه، والوجه هنا عبارة عن الذات.

стр. 601

سورة العنكبوت مكية إلا من آية ١ إلى غاية ١١ فمدنية وآياتها ٦٩ نزلت بعد الروم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة العنكبوت) الم ذكر في البقرة أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا بمكة مستضعفين منهم عمار بن ياسر وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك. فآنسهم الله بهذه الآية، ووعظهم وأخبرهم أن ذلك اختبار، ليوطنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبوت على الإيمان، فأعلمهم الله تعالى أن تلك سيرته في عباده، يسلط الكفار على المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، ولفظها مع ذلك عام، فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة، من مصيبة أو مضرة في النفس والمال وغير ذلك، ومعنى حسب ظنّ، وأن يتركوا مفعولها، والهمزة للإنكار، وهم لا يفتنون في موضع الحال من الضمير في يتركوا تقديره غير مفتونين، وأن يقولوا: تعليل في موضع المفعول من أجله فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا أي يعلم صدقهم علما ظاهرا في الوجود، وقد كان علمه في الأزل والصدق والكذب في الآية يعني بهما صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضدّ ذلك. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا أم معادلة لقوله: أحسب الناس، والمراد بالذين يعملون السيئات الكفار، الذين يعذبون المؤمنين، ولفظها مع ذلك عام في كل كافر أو عاص، ومعنى يسبقونا: يفوتون من عقابنا ويعجزوننا، فمعنى الكلام نفي سبقهم. كما أن معنى الآية قبلها، نفي ترك المؤمنين بغير فتنة مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ الآية: تسلية المؤمنين، ووعد لهم بالخير في الدار الآخرة، والرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، وأجل الله هو الموت، ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر في الدنيا، على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله، فيجازيه فإن لقاء الله قريب الإتيان، وكل ما هو آت قريب وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي منفعة جهاده فإنما هي لنفسه،

стр. 602

فإن الله لا تنفعه طاعة العباد، والجهاد هنا يحتمل أن يراد به القتال، أو جهاد النفس حُسْناً منصوب بفعل مضمر تقديره: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسنا، أو مصدرا من معنى وصينا أي وصية حسنة وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه لما أسلم حلفت أمه: أن لا تستظل بظل حتى يكفر، وقيل: نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك، فأمرهم الله بالثبات على الإسلام، وألا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم بالكفر، وعبّر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ نزلت في قوم كانوا مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله المؤمنين قالوا: إنا كنا معكم، فمعنى أوذي في الله أوذي بسبب إيمانه بالله، وفتنة الناس، تعذيبهم، وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه اتَّبِعُوا سَبِيلَنا أي قال الكفار للمؤمنين: اكفروا كما كفرنا، ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان، وروي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة حكاه المهدوي، وقولهم: ولنحمل خطاياكم: جزاء قولهم: اتبعوا سبيلنا، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر للمبالغة، ولما كان معنى الخبر صحة تكذيبهم فيه أخبره الله أنهم كاذبون: أي لا يحملون أوزار هؤلاء، بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من الكفار. فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً الظاهر أنه لبث هذه المدة بعد بعثه، ويحتمل أن يكون ذلك من أول ولادته، وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة، وأنه عمر بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن قيل: لم قال ألف سنة، ثم قال إلا خمسين عاما؟ فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى؟ فالجواب أن ذلك كراهة لتكرار لفظ السنة، فإن التكرار مكروه إلا إذا قصد به تفخيم أو تهويل وَجَعَلْناها آيَةً يحتمل أن يعود الضمير على السفينة، أو على النجاة، أو على القصة بكمالها وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً هو من الخلقة يريد به

стр. 603

نحت الأصنام فسماه خلقة على وجه التجوّز، وقيل هو من اختلاق الكذب لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً الآية: احتجاج على الوحدانية ونفي الشركاء، فإن قيل: لم نكّر الرزق أولا، ثم عرّفه في قوله: فابتغوا عند الله الرزق؟ فالجواب: أنه نكره في قوله: لا يملكون لكم رزقا لقصد العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم. ثم عرّفه بعد ذلك لقصد العموم في طلب الرزق كله من الله، لأنه لا يقتضي العموم، في سياق الإثبات إلا مع التعريف فكأنه قال: ابتغوا الرزق كله عند الله وَإِنْ تُكَذِّبُوا الآية يحتمل أن تكون من كلام إبراهيم أو من كلام الله تعالى، ويحتمل مع ذلك أن يراد به وعيد الكفار وتهديدهم، أو يراد به تسلية النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه له، بالتأسي بغيره من الأنبياء، الذين كذبهم قومهم. أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ يقال بدأ الله الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة، والمعنى: أو لم ير الكفار أن الله خلق الخلق فيستدلون بالخلقة الأولى على الإعادة في الحشر، فقوله: ثم يعيده ليس بمعطوف على يبدأ، لأن المعنى فيهما مختلف، لأن رؤية البداءة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة فإنها تعلم بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها، وقد قيل: إنه يريد إعادة النبات، وإبدائه، وعلى هذا يكون ثم يعيده عطفا على يبدئ لاتفاق المعنى، والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني إعادة الخلق وهي حشرهم، ثم أمرهم بالسير في الأرض ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها بقوله: إن الله على كل شيء قدير وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ أي ترجعون وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي لا تفوتون من عذاب الله وليس لكم مهرب في الأرض ولا في السماء أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي يحتمل أن يكون يأسهم في الآخرة، أو يكون وصف لحالهم في الدنيا، لأن الكافر يائس من رحمة الله، والمؤمن راج خائف، وهذا الكلام من قوله: أو لم يروا، إلى هنا: يحتمل أن يكون خطابا لمحمد ﷺ معترضا بين قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون

стр. 604

خطابا لإبراهيم وبعد ذلك ذكر جواب قومه له مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ نصب مودة على أنها مفعول من أجله أو مفعول ثان لاتخذتم، ورفعها «١» على أنها خبر ابتداء مضمر أو خبر إن، وتكون ما موصولة ونصب بينكم على الظرفية، وخفضه بالإضافة فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ تضمن آمن معنى انقاد، ولذلك تعدّى باللام وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي القائل لذلك إبراهيم، وقيل: لوط، وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أكثر الأنبياء من ذرية إبراهيم، وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ قيل أراد قطع الطرق للسلب والقتل، وقيل: أراد قطع سبيل النسل بترك النساء وإتيان الرجال وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ النادي المجلس الذي يجتمع فيه الناس، والمنكر فعلهم بالرجال، وقيل: إذايتهم للناس وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى الرسل هنا الملائكة والبشرى بشارة إبراهيم بالولد وهو قوله: «فبشروه بغلام حليم» أو بشارته بنصر سيدنا لوط، والأول أظهر أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني قرية سيدنا لوط، قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً ليس إخبارا بأنه فيها، وإنما قصد نجاة سيدنا لوط من العذاب الذي يصيب أهل القرية، وبراءته من الظلم الذي وصفوه به، فكأنه قال: كيف تهلكون أهل القرية وفيها لوط، وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط مِنَ الْغابِرِينَ قد ذكر «٢» وكذلك سيء بهم رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أي عذابا وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ قيل: الرجاء هنا الخوف،

стр. 605

وقيل: هو على بابه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ يعني نقصهم المكيال والميزان الرَّجْفَةُ هي الصيحة وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ أي آثار مساكنهم باقية تدل على ما أصابهم وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ قيل: معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به، وقيل: لهم بصيرة في الإيمان، ولكنهم كفروا عنادا، وقيل: معنى: مستبصرين عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، ولكنهم لم يفعلوا وَما كانُوا سابِقِينَ أي لم يفوتونا فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً الحاصب الحجارة، والحاصب أيضا الريح الشديدة، ويحتمل عندي أنه أراد به المعنيين، لأن قوم سيدنا لوط أهلكوا بالحجارة، وعاد أهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين كقوله: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» ويقوي ذلك هنا لأن المقصود هنا ذكر عموم أخذ أصناف الكفار وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ يعني ثمود ومدين وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ يعني قارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا يعني قوم نوح وفرعون وقومه مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً شبه الله الكافرين في عبادتهم للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيفا، فكان ما اعتمدت عليه العنكبوت في بيتها ليس بشيء، فكذلك ما اعتمدت عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء لأنهم لا ينفعون ولا يضرون أَوْهَنَ الْبُيُوتِ أي أضعفها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ما موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذي قبلها وقيل: هي نافية، والفعل معلق عنها والمعنى على هذا: لستم تدعون من دون الله شيئا له بال، فلا يصلح أن يسمى شيئا بِالْحَقِّ أي بالواجب لا على وجه العبث واللعب. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ إذا كان المصلي خاشعا في صلاته، متذكرا لعظمة من وقف بين يديه، حمله ذلك على التوبة من الفحشاء والمنكر فكأن الصلاة ناهية عن ذلك وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قيل: فيه ثلاثة معان الأول أن المعنى أن الصلاة أكبر من

стр. 606

غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، لأن ذكر الله أعظم ما فيها، كأنه أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر، لأن ذكر الله فيها هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر: الثاني أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة، لأنها في بعض الأوقات دون بعض: الثالث أن ذكر الله أكبر أجرا من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في الحديث ألا أنبئكم بخير أعمالكم قالوا: بلى قال: ذكر الله «١» وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلا بالتي هي أحسن، لا بضرب ولا قتال، وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نسخ بالسيف، ومعنى إلا الذين ظلموا: أي ظلموكم، وصرحوا بإذاية نبيكم محمد ﷺ ، وقيل: معنى الآية لا تجادلوا من أسلم من أهل الكتاب فيما حدثوكم به من الأخبار إلا بالتي هي أحسن، ومعنى إلا الذين ظلموا على هذا من بقي منهم على كفره، والمعنى الأول أظهر وَقُولُوا آمَنَّا هذا وما بعده يقتضي مواعدة ومسالمة، وهي منسوخة بالسيف، ويقتضي أيضا الأعراض عن مكالمتهم، وفي الحديث: لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، فإن كان باطلا لم تصدقوهم، وإن كان حقا لم تكذبوهم «٢» . وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي كما أنزلنا الكتاب على من قبلك أنزلناه عليك فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، ممن أسلم من اليهود والنصارى وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أراد بالذين أوتوا الكتاب أهل التوراة والإنجيل، وأراد بقوله: من هؤلاء من يؤمن به كفار قريش، وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدّمين من أهل التوراة والإنجيل، وأراد بهؤلاء المعاصرين لمحمد ﷺ منهم كعبد الله بن سلام وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ هذا احتجاج على أن القرآن من عند الله، لأن النبي ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بالقرآن. فإن قيل: ما فائدة قوله بيمينك؟ فالجواب أن ذلك تأكيد للكلام، وتصوير للمعنى المراد إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ أي لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرق الشك إلى الكفار، فكانوا يقولون: لعله تعلم هذا الكتاب أو قرأه، وقيل: وجه الاحتجاج أن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن النبي ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلما جعله الله

стр. 607

كذلك قامت عليهم الحجة، ولو كان يقرأ أو يكتب لكان مخالفا للصفة التي وصفه الله بها عندهم، والمذهب الصحيح أن رسول الله ﷺ لم يقرأ قط ولا كتب. وقال الباجي وغيره: أنه كتب لظاهر حديث الحديبية، وهذا القول ضعيف بَلْ هُوَ آياتٌ الضمير للقرآن، والإضراب ببل عن كلام محذوف تقديره: ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ المعنى كيف يطلبون آية والقرآن أعظم الآيات، وأوضحها دلالة على صحة النبوة، فهلا اكتفوا به عن طلب الآيات قُلْ كَفى بِاللَّهِ ذكر معناه في [الرعد: ٤٣] وفي الأنعام «١» وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ الضمير للكفار يعني قولهم: ائتنا بما تعدنا، وقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء وشبه ذلك وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى أي لولا أن الله قدّر لعذابهم أجلا مسمى لجاءهم به حين طلبوه وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً يحتمل أن يريد القتل الذي أصابهم يوم بدر، أو الجوع الذي أصابهم بهم بتوالي القحط، أو يريد عذاب الآخرة، وهذا أظهر لقوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ أي يحيط بهم، والعامل في الظرف محذوف، أو محيطة إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ تحريض على الهجرة من مكة، إذ كان المؤمنون يلقون فيها أذى الكفار، وترغيبا في غيرها من أرض الله، فحينئذ هاجروا إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة لَنُبَوِّئَنَّهُمْ أي ننزلنهم وقرأ حمزة والكسائي: نثوينهم بالثاء المثلثة من الثوى وهو الإقامة في المنزل وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي: كم من دابة ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها، ولكن الله يرزقها مع ضعفها، والقصد بالآية: تقوية لقلوب المؤمنين، إذ خافوا الفقر والجوع في الهجرة إلى بلاد الناس: أي كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا

стр. 608

هاجرتم من بلدكم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ في الموضعين: إقامة حجة عليهم فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي كيف يصرفون عن الحق. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حمدا لله على ظهور الحجة، ويكون المعنى إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إضراب عن كلام محذوف تقديره: يجب عليهم أن يعبدوا الله لما اعترفوا به ولكنهم لا يعقلون لَهِيَ الْحَيَوانُ أي الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ الحيوان مصدر كالحياة فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ الآية: إقامة حجة عليهم بدعائهم حين الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء. لِيَكْفُرُوا «١» أمر على وجه التهديد، أو على وجه الخذلان والتخلية، كما تقول لمن تنصحه فلا يقبل نصحك: اعمل ما شئت أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً الضمير لكفار قريش، والحرم الآمن: مكة، لأنها كانت لا تغير عليها العرب كما تغير على سائر البلاد، ولا ينتهك أحد حرمتها وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ عبارة عما يصيب غير أهل مكة من القتال أو أخذ الأموال وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا يعني: جهاد النفس من الصبر على إذاية الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك، وقيل: يعني القتال، وذلك ضعيف لأن القتال لم يكن مأمورا به حين نزول الآية لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي لنوفقنهم لسبيل الخير وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ المعنى أنه معهم بإعانته ونصره.

стр. 609

سورة الروم مكية إلا آية ١٧ فمدنية وآياتها ٦٠ نزلت بعد الانشقاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الروم) الم، غُلِبَتِ الرُّومُ أي هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم، وسميت الروم باسم جدهم وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم «١» فِي أَدْنَى الْأَرْضِ قيل: هي الجزيرة، وهي بين الشام والعراق وهي أدنى أرض الروم إلى فارس، وقيل في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ إخبار بأن الروم سيغلبون الفرس فِي بِضْعِ سِنِينَ البضع ما بين الثلاث إلى التسع وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ روي أن غلب الروم فارس وقع يوم بدر، وقيل: يوم الحديبية ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفار قريش وقيل: فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس، لأن الروم أهل كتاب فهم أقرب إلى الإسلام، كذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم، لأن الفرس ليسوا بأهل كتاب، فهم أقرب إلى كفار قريش، وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج إليهم أبو بكر الصديق ﵁، فقال: إن نبينا ﷺ قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون، وراهنهم على عشرة قلاص [القلاص مفردها: قلوص وهي الناقة الشابة] إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال له رسول الله ﷺ : زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل، فجعل القلاص مائة، والأجل تسعة أعوام، وجعل معه أبيّ بن خلف مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبيّ بن خلف، إذ كان قد مات وجاء بها إلى النبي ﷺ فقال له: تصدق بها وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد كقوله: له علي ألف درهم عرفا، لأن معناه اعترفت له بها اعترافا. يَعْلَمُونَ ظاهِراً قيل: معناه يعلمون ما يدرك بالحواس دون ما يدرك بالعقول فهم في

стр. 610

ذلك مثل البهائم، وقيل: الظاهر ما يعلم بالنظر بأوائل العقول، والباطن ما يعلم بالنظر والدليل، وقيل: هو من الظهور بمعنى العلو في الدنيا، وقيل: ظاهر بمعنى زائل ذاهب، والأظهر أنه أراد بالظاهر المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها، لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن الآخرة، وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها، وانظر كيف نفى العلم عنهم أولا، ثم أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة، وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة لاجتماع النفي والإثبات، وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم لقلة منفعته، فهو على هذا بيان للنفي أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يحتمل معنيين: أحدهما أن تكون النفس ظرفا للفكرة في خلق السموات والأرض كأنه قال: أو لم يتفكروا بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، والثاني أي يكون المعنى أو لم يتفكروا في ذواتهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق، ويكون قوله: ما خلق الآية: استئناف كلام، والمعنى الأول أظهر وَأَثارُوا الْأَرْضَ أي حرثوها ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى معنى السوءى: هلاك الكفار، ولفظ السوءى تأنيث الأسوأ: كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، وقرأ [أهل الحجاز والبصرة] عاقبة بالرفع على أنه اسم كان، والسوءى خبرها، وقرئ «١» بنصب عاقبة على أنها خبر كان، والسوءى اسمها، وأن كذبوا مفعول من أجله، ويحتمل أن تكون السوءى مصدر أساءوا يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ الإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير يَتَفَرَّقُونَ معناه في المنازل والجزاء تُحْبَرُونَ تنعمون من الحبور وهو السرور والنعيم، وقيل: تكرمون. فَسُبْحانَ اللَّهِ هذا تعليم للعباد أي: قولوا سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ أي حين تدخلون في وقت الظهيرة وهي وسط النهار، وقوله: وله الحمد في السموات والأرض: اعتراض بين المعطوفات وقيل: أراد بذلك الصلوات الخمس، فحين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشيا: العصر، وحين تظهرون الظهر يُخْرِجُ الْحَيَّ ذكر في آل عمران وَيُحْيِ الْأَرْضَ أي ينبت فيها النبات وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ

стр. 611

أي كما يخرج الله النبات من الأرض، كذلك يخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة تَنْتَشِرُونَ أي تنصرفون في الدنيا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً أي صنفكم وجنسكم، قيل أراد خلقة حواء من ضلع آدم، وخاطب الناس بذلك لأنهم ذرية آدم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قيل: بسبب المصاهرة، والعموم أحسن وأبلغ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي لغاتكم وَأَلْوانِكُمْ «١» يعني البياض والسواد، وقيل: يعني أصنافكم، والأول أظهر. خَوْفاً وَطَمَعاً ذكر في الرعد: ١٢ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ معناه تثبت أو يقوم تدبيرها ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ إذا الأولى شرطية، والثانية فجائية وهي جواب الأولى، والدعوة في هذه الآية قوله للموتى: قوموا بالنفخة الثانية في الصور، ومن الأرض يتعلق بقوله مخرجون أو بقوله دعاكم، على أن تكون الغاية بالنظر إلى المدعوّ كقولك: دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل قانِتُونَ ذكر في [البقرة: ١١٦] وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي الإعادة يوم القيامة أهون عليه من الخلقة الأولى، وهذا تقريب لفهم السامع وتحقيق للبعث، فإن من صنع صنعة أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة، ولكن الأمور كلها متساوية عند الله، فإن كل شيء على الله يسير وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي الوصف الأعلى الذي يصفه به أهل السموات والأرض هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ هذا هو المثل المضروب معناه: أنكم أيها الناس لا يشارككم عبيدكم في أموالكم، ولا يستوون معكم في أحوالكم، فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في ملكه، ولا يماثله أحد في ربوبيته، فذكر حرف الاستفهام ومعناه: التقرير على النفي، ودخل في النفي قوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ: أي لستم في أموالكم سواء مع عبيدكم، ولستم تخافونهم

стр. 612

كما تخافون الأحرار مثلكم، لأن العبيد عندكم أقل وأذل من ذلك بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ الإضراب ببل عما تضمنه معنى الآية المتقدمة كأنه يقول: ليس لهم حجة في إشراكهم بالله بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ هو دين الإسلام، وإقامة الوجه في الموضعين من السورة عبارة عن الإقبال عليه والإخلاص فيه في قوله: أقم، والقيم ضرب من ضروب التجنيس فِطْرَتَ اللَّهِ منصوب على المصدر: كقوله: صبغة الله أو مفعولا بفعل مضمر تقديره: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، ومعناه خلقة الله، والمراد به دين الإسلام، لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته، كما قال رسول الله ﵌: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه «١» . لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يعني بخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها، أي لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى، أو يكون المعنى أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدلوها، فالنفي على هذا حكم لا خبر وقيل: إنه على الخصوص في المؤمنين أي لا تبديل لفطرة الله في حق من قضى الله أنه يثبت على إيمانه، وقيل: إنه نهى عن تبديل الخلقة كخصاء الفحول من الحيوان، وقطع آذانها وشبه ذلك مُنِيبِينَ إِلَيْهِ منصوب على الحال من قوله: أقم وجهك لأن الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته، ولذلك جمعهم في قوله منيبين، وقيل: هو حال من ضمير الفاعل المستتر في الزموا فطرة الله، وقيل: هو حال من قوله: فطر الناس وهذا بعيد وَاتَّقُوهُ وما بعده معطوف على أقم وجهك أو على العامل في فطرة الله وهو الزموا المضمر مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ المجرور بدل من المجرور قبله، ومعنى فرقوا دينهم: جعلوه فرقا أي اختلفوا فيه، وقرئ: فارقوا من المفارقة أي تركوه، والمراد بالمشركين هنا أصناف الكفار، وقيل: هم المسلمون الذي تفرقوا فرقا مختلفة، وفي لفظ المشركين هنا تجوّز بعيد، ولعل قائل هذا القول إنما قاله في قول الله في [الأنعام: ١٥٩] «إن الذين فرقوا دينهم» فإنه ليس هناك ذكر المشركين وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ بالآية: إنحاء على المشركين، لأنهم يدعون الله في

стр. 613

الشدائد ويشركون به في الرخاء لِيَكْفُرُوا ذكر في [النحل: ٥٥] أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً أم هنا منقطعة بمعنى بل، والسلطان الحجة، وكلامه مجاز كما تقول نطق: بكذا، والمعنى ليس لهم حجة تشهد بصحة شركهم وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً إنحاء على من يفرح ويبطر إذا أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشر، وانظر كيف قال هنا إذا، وقال في الشر إن تصبهم سيئة، لأن إذا للقطع بوقوع الشرط، بخلاف إن فإنها للشك في وقوعه، ففي ذلك إشارة إلى أن الخير الذي يصيب به عباده أكثر من الشرّ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ المعنى أن ما يصيب الناس من المصائب، فإنه بسبب ذنوبهم فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ يعني صلة رحم القرابة بالإحسان والمودّة، ولو بالكلام الطيب. وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ الآية: معناها كقوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: ٢٧] أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند الله، وما آتيتم من الصدقات: فهو الذي يزكو عند الله وينفعكم به، وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك، فهذا وإن كان جائزا فإنه لا ثواب فيه. وقرئ «وما آتيتم» بالمد بمعنى أعطيتم «١» وبالقصر يعني: جئتم أي فعلتموه، [وقرأ نافع] لتربوا بالتاء المضمومة [والباقون] ليربوا بالياء مفتوحة ونصب الواو فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ المضعف ذو الإضعاف من الحسنات، وفي هذه الجملة التفات لخروجه من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وما آتيتم من زكاة فأنتم المضعفون، وفيه أيضا حذف، لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى ما، وتقديره المضعفون به أو فمؤتوه هم المضعفون. ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ «٢» قيل: البر البلاد البعيدة من البحر، والبحر هو البلاد التي على ساحل البحر، وقيل: البر اللسان والبحر القلب وهذا ضعيف، والصحيح أن البر والبحر المعروفان، فظهور الفساد في البر بالقحط والفتن وشبه ذلك، وظهور الفساد في البحر بالغرق وقلة الصيد وكساد التجارات وشبه ذلك، وكل ذلك بسبب ما يفعله الناس من

стр. 614

الكفر والعصيان لا مَرَدَّ لَهُ أي لا رجوع له ولا بد من وقوعه مِنَ اللَّهِ يتعلق بقوله: يأتي أو بقوله لا مردّ له أي لا يرده الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ من الصدع وهو الفرقة أي يتفرقون: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧] فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أي يوطنون وهو استعارة من تمهيد الفراش ونحوه، والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة لِيَجْزِيَ يتعلق بيمهدون أو يصدعون، أو بمحذوف مُبَشِّراتٍ أي تبشر بالمطر وَلِيُذِيقَكُمْ عطف على مبشرات كأنه قال: ليبشركم وليذيقكم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف تقديره: ليذيقكم مِنْ رَحْمَتِهِ أرسلها كانَ حَقًّا انتصب حقا لأنه خبر كان واسمها نصر المؤمنين، وقيل: اسمها مضمر يعود على مصدر انتقمنا: أي وكان الانتقام حقا، فعلى هذا يوقف على حقا ويكون نصر المؤمنين مبتدأ وهذا ضعيف. فَتُثِيرُ سَحاباً أي تحركها وتنشرها كِسَفاً أي قطعا، وقرئ بإسكان السين وهما بناءان للجمع، وقيل: معنى الإسكان أن السحاب قطعة واحدة الْوَدْقَ هو المطر مِنْ خِلالِهِ الخلال الشقاق الذي بين بعضه وبعض، لأنه متخلل الأجزاء والضمير يعود على السحاب مِنْ قَبْلِهِ كرر للتأكيد وليفيد سرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار لَمُبْلِسِينَ أي قانطين كقوله: ينزل الغيث من بعد ما قنطوا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر، والمعنى لئن أرسل الله ريحا فاصفر به النبات لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على الله، وقيل: الضمير للريح، وقيل: للسحاب والأول أحسن في المعنى فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الآية: استعارة في عدم سماع الكفار للمواعظ والبراهين، فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ الضعف الأول كون الإنسان من

стр. 615

ماء مهين، وكونه ضعيف في حال الطفولية، والضعف الثاني الأخير الهرم، وقرئ «١» بفتح الضاد وضمها وهما لغتان. ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ هذا جواب القسم، ومعناه أنهم يحلفون أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلا ساعة، أي ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة، وذلك لاستقصار تلك المدّة كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي مثل هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق، والتحقيق حتى يروا الأشياء على ما هي عليه وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ردّوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها فِي كِتابِ اللَّهِ يعني اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق بقوله: لبثتم، وقيل: يعني القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور بقوله أوتوا العلم، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره على هذا: قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله أي العلماء بكتاب الله وقولهم: لقد لبثتم: خطاب للكفار، وقولهم: فهذا يوم البعث: تقرير لهم، وهو في المعنى جواب لشرط مقدّر تقديره: إن كنتم تنكرون البعث فهذا يوم البعث وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ من العتبى بمعنى الرضا: أي ولا يرضون وليست استفعل هنا للطلب إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني ما وعد من النصر على الكفار وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ من الخفة: أي لا تضطرب لكلامهم.

стр. 616

سورة لقمان مكية إلا الآيات ٢٧ و ٢٨ و ٢٩ فمدنية وآياتها ٣٤ نزلت بعد الصافات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة لقمان) الْكِتابِ الْحَكِيمِ ذكر في يونس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ هو الغناء، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال «١» : شراء المغنيات وبيعهنّ حرام، وقرأ هذه الآية، وقيل: نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله ﷺ ، فالشراء على هذا حقيقة، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان قد تعلم أخبار فارس، فذلك هو لهو الحديث، وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وقيل لهو الحديث: الطبل، وقيل: الشرك، ومعنى اللفظ يعم ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهو مضاف إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية، وأن المراد شخص معين، لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ذكر في [الرعد: ٢] أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لئلا تميد بكم. لُقْمانَ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟ وفي الحديث لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، روي أنه كان

стр. 617

ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجارا وقيل: خياطا، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافرا فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ هذه الآية والتي بعدها اعتراض في أثناء وصية لقمان لابنه على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بالله، ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه حسبما ذكرنا في العنكبوت حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما عظم ازدادت الحامل به ضعفا، وانتصاب وهنا بفعل مضمر تقديره: تهن وهنا وَفِصالُهُ أي فطامه، وأشار بذلك إلى غاية مدة الرضاع أَنِ اشْكُرْ تفسير للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله: وفصاله في عامين ليبين ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم حقها، ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب. يا بُنَيَّ الآية: رجع إلى كلام لقمان، والتقدير: وقال لقمان يا بنيّ «١» مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي وزنها، والمراد بذلك أن الله يأتي بالقليل والكثير، من أعمال العباد فعبّر بحبة الخردل ليدل على ما هو أكثر فِي صَخْرَةٍ قيل: معنى الكلام أن مثقال خردلة من الأعمال أو من الأشياء ولو كانت في أخفى موضع كجوف صخرة، فإن الله يأتي بها يوم القيامة، وكذلك لو كانت في السموات أو في الأرض وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ أمر بالصبر على المصائب عموم، وقيل: المعنى ما يصيب من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يريد مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب، أو من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم والجد، ولفظ العزم مصدر يراد به المفعول أي: من معزومات الأمور وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ «٢» الصعر في اللغة: الميل أي لا تول الناس خدك وتعرض عنهم تكبرا عليهم مَرَحاً ذكر في [الإسراء: ٣٧] مُخْتالًا من الخيلاء وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي اعتدل فيه ولا تتسرع

стр. 618

إسراعا يدل على الطيش والخفة، ولا تبطئ إبطاء يدل على الفخر والكبر نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها ستر القبيح من الأعمال، وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى، واللفظ أعم من ذلك كله. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ يسلم أي يخلص أو يستسلم أو ينقاد، والوجه هنا عبارة عن القصد بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ذكر في البقرة قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وما بعده ذكر في العنكبوت. وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية إخبار بكثرة كلمات الله، والمراد اتساع علمه ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت أقلاما، والبحر لو كان مدادا يصب فيه سبعة أبحر صبّا دائما وكتبت بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية، فإن قيل: لم لم يقل والبحر مدادا كما قال في الكهف قل لو كان البحر مدادا؟ فالجواب: أنه أغنى عن ذلك قوله: يمدّه لأنه من قولك مدّ الدواة وأمدّها، فإن قيل لم قال: من شجرة ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟ فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن قيل: لم قال كلمات الله ولم يقل كلم الله بجمع الكثرة؟ فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنه جمع قلة، فكيف ينفد الجمع الكثير. وروي أن سبب الآية أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة وفيها العلم كله فنزلت الآية لتدل أن ما عندهم قليل من كثير، والآية على هذا مدنية، وقيل: إن سببها أن قريشا قالوا إن القرآن سينفد. ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بيان لقدرة الله على بعث الناس وردّ على

стр. 619

من استبعد ذلك يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي يدخل كلا منهما في الآخر بما يزيد في أحدهما وينقص من الآخر، أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني يوم القيامة ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يحتمل أن تكون الباء سببية، أو يكون المعنى ذلك بأن الله شاهد هو الحق بِنِعْمَتِ اللَّهِ يحتمل أن يريد بذلك ما تحمله السفن من الطعام والتجارات، والباء للإلصاق أو للمصاحبة، أو يريد الريح فتكون الباء سببية صَبَّارٍ شَكُورٍ مبالغة في صابر وشاكر كَالظُّلَلِ جمع ظلة وهو ما يعلوك من فوق، شبّه الموج بذلك إذا ارتفع وعظم حتى علا فوق الإنسان فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ المقتصد المتوسط في الأمر، فيحتمل أن يريد كافرا متوسطا في كفره لم يسرف فيه أو مؤمنا متوسطا في إيمانه، لأن الإخلاص الذي عليه في البحر كان يزول عنه، وقيل: معنى مقتصد مؤمن ثبت في البر على ما عاهد الله عليه في البحر خَتَّارٍ أي غدّار شديد الغدر، وذلك أنه جحد نعمة الله غدرا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ أي لا يقضي عنه شيئا، والمعنى: أنه لا ينفعه ولا يدفع عنه مضرة وَلا مَوْلُودٌ أي ولد فكما لا يقدر الوالد لولده على شيء، كذلك لا يقدر الولد لوالده على شيء الْغَرُورُ الشيطان وقيل: الأمل والتسويف عِلْمُ السَّاعَةِ أي متى تكون، فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه، ولذلك جاء في الحديث: مفاتح الغيب خمس «١» وتلا هذه الآية ماذا تَكْسِبُ غَداً يعني من خير أو شر أو مال أو ولد أو غير ذلك.

стр. 620

سورة السجدة مكية إلا من آية ١٦ إلى غاية ٢٠ فمدنية وآياتها ٣٠ نزلت بعد المؤمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة السجدة) تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني القرآن لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك أنه من عند الله ، ونفي الريب على اعتقاد أهل الحق، وعلى ما هو الأمر في نفسه، لا على اعتقاد أهل الباطل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يتعلق بتنزيل أَمْ يَقُولُونَ الضمير لقريش وأم بمعنى بل، والهمزة لِتُنْذِرَ يتعلق بما قبله أو بمحذوف ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ يعني من الفترة من زمن عيسى، وقد جاء الرسل قبل ذلك إبراهيم وغيره، ولما طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله رسولا ينذرهم ليقيم الحجة عليهم اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قد ذكر في [الأعراف: ٥٣] ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ نفي الشفاعة على وجهين أحدهما الشفاعة للكفار وهي معدومة على الإطلاق، والآخر: أن الشفاعة للمؤمنين لا تكون إلا بإذن الله كقوله: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي واحد الأمور، وقيل: المأمور به من الطاعات، والأول أصح مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ أي ينزل ما دبره وقضاه من السماء إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال ابن عباس: المعنى ينفذ الله ما قضاه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره لو سير فيه السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، فالألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء، وقيل: إن الله يلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من أعوام البشر وهو يوم من أيام الله، فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدّة، ثم تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور إليه، فالعروج على هذا عبارة عن مصير الأمور إليه عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الغيب ما غاب عن

стр. 621

المخلوقين، والشهادة ما شاهدوه أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أي أتقن جميع المخلوقات، وقرئ [خلقه] بإسكان اللام على البدل وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ يعني آدم ﵇ نَسْلَهُ يعني ذريته مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني المنيّ، والسلالة مشتقة من سل يسل، فكأن الماء يسل من الإنسان، والمهين الضعيف ثُمَّ سَوَّاهُ أي قوّمه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ عبارة عن إيجاد الحياة فيه، وأضيفت الروح إلى الله إضافة ملك إلى ملك، وقد يراد بها الاختصاص، لأن الروح لا يعلم كنهه إلى الله أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي تلفنا وصرنا ترابا، ومعنى هذا الكلام المحكي عن الكفار استبعاد البعث، والعامل في إذا معنى قولهم: إنا لفي خلق جديد تقديره: نبعث يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ اسمه عزرائيل وتحت يده ملائكة وَلَوْ تَرى يحتمل أن تكون لو للتمني، وتأويله في حق الله كتأويل الترجي، وقد ذكر، أو تكون للامتناع وجوابها محذوف تقديره: ولو ترى حال المجرمين في الآخرة لرأيت أمرا مهولا ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عبارة عن الذل والغم والندم رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا تقديره: يقولون ربنا قد علمنا الحقائق لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها يعني أنه لو أراد أن يهدي جميع الخلائق لفعل، فإنه قادر على ذلك بأن يجعل الإيمان في قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات، ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ أي يقال لهم: ذوقوا، والنسيان هنا بمعنى الترك. تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي ترتفع والمعنى يتركون مضاجعهم بالليل من كثرة صلاتهم النوافل، ومن صلى العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه من هذا فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ يعني: أنه لا يعلم أحد مقدار ما يعطيهم الله من النعيم وقرأ حمزة أخفي بإسكان الياء على أن يكون فعل المتكلم وهو الله تعالى أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً الآية: يعني المؤمنين والفاسقين على العموم، وقيل: يعني عليّ بن أبي طالب

стр. 622

وعقبة بن أبي معيط ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ الذي نعت بالعذاب، ولذلك أعاد عليه الضمير المذكور في قوله به، فإن قيل: لم وصف هنا العذاب وأعاد عليه الضمير، ووصف في سبأ النار وأعاد عليها الضمير، وقال عذاب النار التي كنتم بها تكذبون؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في قوله: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، والثاني: أنه قدم في السجدة ذكر النار، فكان الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر فكما لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار، ووصف العذاب ولم يصف النار، الثالث وهو الأقوى أنه امتنع في السجدة وصف النار فوصف العذاب، وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز وصفه، كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل، فلا يجوز وصفه لئلا يفهم أنه غيره. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى يعني الجوع ومصائب الدنيا وقيل: القتل يوم بدر، وقيل: عذاب القبر وهذا بعيد لقوله «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ هذا وعيد لمن ذكّر بآيات ربه فأعرض عنها، وكان الأصل أن يقول: إنا منه منتقمون، ولكنه وضع المجرمين موضع المضمر ليصفهم بالإجرام، وقدّم المجرور في منتقمون للمبالغة فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ المرية الشك، والضمير لموسى: أي لا تمتر في لقائك موسى ليلة الإسراء وقيل: المعنى لا تشك في لقاء موسى، والكتاب الذي أنزل عليه، والكتاب على هذا التوراة، وقيل: الكتاب هنا جنس، والمعنى: لقد آتينا موسى الكتاب فلا تشك أنت في لقائك الكتاب الذي أنزل عليك، وعبر باللقاء عن إنزال الكتاب كقوله: «وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ» [النمل: ٦] يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ الضمير لجميع الخلق، وقيل: لبني إسرائيل خاصة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ذكر في [طه: ١٢٨] يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ الضمير في يمشون لأهل مكة: أي يمشون في مساكن القوم المهلكين: كقوله وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨] وقيل: الضمير للمهلكين: أي أهلكناهم وهم يمشون في

стр. 623

مساكنهم، والأول أحسن، لأن فيه حجة على أهل مكة الْأَرْضِ الْجُرُزِ يعني التي لا نبات فيها من شدّة العطش مَتى هذَا الْفَتْحُ أي الحكم بين المسلمين والكفار في الآخرة، وقيل: يعني فتح مكة، وهذا بعيد لقوله قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وذلك في الآخرة، وقيل: يعني فتح مكة، لأن من آمن يوم فتح مكة نفعه إيمانه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ منسوخ بالسيف وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ أي انتظر هلاكهم إنهم ينتظرون هلاكك، وفي هذا تهديد لهم.

стр. 624

سورة الأحزاب مدنية وآياتها ٧٣ نزلت بعد آل عمران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة الأحزاب) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ نداء فيه تكريم له، لأنه ناداه بالنبوّة، ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم اتَّقِ اللَّهَ أي دم على التقوى وزد منها وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي لا تقبل أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، ويعني بالكافرين المظهرين للكفر، وبالمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، وروي أن الكافرين هنا. أبيّ بن خلف، والمنافقين هنا: عبد الله بن أبيّ بن سلول، والعموم أظهر. ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال ابن عباس: كان في قريش رجل يقال له ذو القلبين لشدّة فهمه، فنزلت الآية نفيا لذلك وقيل: إنما جاء هذا اللفظ توطئة لما بعده من النفي، أي كما لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه، كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم أبناءكم اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أي تقولون للزوجة: أنت عليّ كظهر أمي، وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم، ويأتي حكمه في سورة المجادلة، وإنما تعدى هذا الفعل بمن لأنه يتضمن معنى يتباعدون منهنّ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ الأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدعى ولد فلان وليس بولده، وسببها أمر زيد بن حارثة: وذلك أنه كان فتى من [قبيلة] كلب، فسباه بعض العرب وباعه من خديجة، فوهبته للنبي ﷺ فتبناه «١» فكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزلت هذه الآية ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ الإشارة إلى نسبة الدعي إلى غير أبيه، أو إلى كل ما تقدم من

стр. 625

المنفيات، وقوله: بِأَفْواهِكُمْ تأكيد لبطلان القول ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الضمير للأدعياء، أي انسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يقتضي أن يحبوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ جعل الله تعالى لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حرمة الأمهات في تحريم نكاحهن ووجوب مبرتهن، ولكن أوجب حجبهن عن الرجال. وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ هذا نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بأخوة الإسلام، وبالهجرة وقد تكلمنا عليها في الأنفال فِي كِتابِ اللَّهِ يحتمل أن يريد القرآن، أو اللوح المحفوظ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يحتمل أن يكون بيانا لأولى الأرحام أو يتعلق بأولي: أي أولو الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين، الذين ليسوا بذوي أرحام إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً يريد الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة، ونفعهم في الحياة والوصية لهم عند الموت فذلك جائز، ومندوب إليه، وإن لم يكونوا قرابة، وأما الميراث فللقرابة خاصة، واختلف هل يعني بالأولياء المؤمنين خاصة، أو المؤمنين والكافرين؟ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً يعني القرآن أو اللوح المحفوظ وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ هو الميثاق بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع، وقيل: هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج بني آدم من صلب آدم كالذر، والأول أرجح لأنه هو المختص بالأنبياء وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ قد دخل هؤلاء في جملة النبيين، ولكنه خصهم بالذكر تشريفا لهم، وقدم محمدا ﵌ تفضيلا له مِيثاقاً غَلِيظاً يعني الميثاق المذكور، وإنما كرره تأكيدا، وليصفه بأنه غليظ أي وثيق ثابت يجب الوفاء به لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ اللام تحتمل أن تكون لام كي أو لام الصيرورة، والصدق هنا يحتمل أن يكون الصدق في الأقوال، أو الصدق في الأفعال والعزائم ويحتمل أن يريد بالصادقين الأنبياء وغيرهم من المؤمنين. اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق، والجنود المذكورة هم قريش ومن كان معهم من الكفار، وسماهم الله في هذه السورة الأحزاب، وكانوا نحو عشرة آلاف، حاصروا المدينة وحفر رسول الله ﵌ الخندق حولها ليمنعهم من دخولها فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً أرسل الله عليهم ريح الصبا، فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار فانصرفوا خائبين

стр. 626

وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي حصروا المدينة من أعلاها ومن أسفلها، وقيل: معنى من فوقكم أهل نجد، لأن أرضهم فوق المدينة ومن أسفل منكم أهل مكة وسائر تهامة وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ أي مالت عن مواضعها وذلك عبارة عن شدة الخوف وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ جمع حنجرة وهي الحلق وبلوغ القلب إليها مجاز، وهو عبارة عن شدّة الخوف وقيل: بل هي حقيقة، لأن الرئة تنتفخ من شدة الخوف، فتربو ويرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا أي: تظنون أن الكفار يغلبونكم، وقد وعدكم الله بالنصر عليهم، فأما المنافقون فظنوا ظن السوء وصرحوا به، وأما المؤمنون فربما خطرت لبعضهم خطرة مما لا يمكن البشر دفعها، ثم استبصروا ووثقوا بوعد الله، وقرأ نافع [وابن عامر] الظنونا، والرسولا، والسبيلا، بالألف في الوصل وفي الوقف، وقرأ [ابن كثير والكسائي وحفص] بإسقاطها في الوصل دون الوقف، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإسقاطها في الوقف دون الوصل فأما إسقاطها فهو الأصل وأما إثباتها فلتعديل رؤوس الآي لأنها كالقوافي، وتقتضي هذه العلة أن تثبت في الوقف خاصة، وأما من أثبتها في الحالين، فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي اختبروا أو أصابهم بلاء، والعامل في الظرف ابتلى وقيل: ما قبله وَزُلْزِلُوا أصل الزلزلة شدة التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ روي أنه معتب بن قشير وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ قال السهيلي: الطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والمراد هنا أوس بن قبطي يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا يثرب اسم المدينة وقيل: اسم البقعة التي المدينة في طرف منها، ومقام اسم موضع من القيام، أي: لإقرار لكم هنا يعنون موضع القتال وقرئ «١» بالضم وهو اسم موضع من الإقامة، وقولهم: فارجعوا أي إلى منازلكم بالمدينة ودعوا القتال وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ أي يستأذنه في الانصراف والمستأذن أوس بن قبطي وعشيرته وقيل: بنو حارثة إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أي منكشفة للعدوّ وقيل: خالية للسراق فكذبهم الله في ذلك وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها أي لو دخلت عليهم المدينة من جهاتها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يريد بالفتنة الكفر أو قتال المسلمين لَآتَوْها قرئ «٢» بالقصر بمعنى جاءوا إليها وبالمدّ بمعنى

стр. 627

أعطوها من أنفسهم وَما تَلَبَّثُوا بِها الضمير للمدينة قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ دخلت قد على الفعل المضارع بمعنى التهديد، وقيل: للتعليل على وجه التهكم الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أي الذين يعوّقون الناس عن الجهاد، ويمنعونهم منه بأقوالهم وأفعالهم وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا هم المنافقون الذين قعدوا بالمدينة عن الجهاد، وكانوا يقولون لقرابتهم أو للمنافقون مثلهم: هلم إلى الجلوس معنا بالمدينة وترك القتال، وقد ذكر هلم في [الأنعام: ١٥٠] . وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا البأس القتال، وقليلا صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إتيانا قليلا، أو مستثنى من فاعل يأتون: أي إلا قليلا منهم أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أشحة جمع شحيح بوزن فعيل، معناه يشحون بأنفسهم فلا يقاتلون، وقيل: يشحون بأموالهم، وقيل: معناه أشحة عليكم وقت الحرب، أي يشفقون أن يقتلوا. ونصب أشحة على الحال من القائلين، أو على المعوقين، أو من الضمير في يأتون، أو نصب على الذم فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ أي إذا اشتدّ الخوف من الأعداء. نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدة خوفهم تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ عبارة عن شدة خوفهم فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ السلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره، ومعنى حداد: فصحاء قادرين على الكلام، وإذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسب وتنقيص الشريعة، وقيل: إذا غنمتم طلبوا من الغنائم أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي يشحون بفعل الخير وقيل: يشحون بالمغانم، وانتصابه هنا على الحال من الفاعل في سلقوكم لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها، وإنما المعنى أنها لم تقبل، لأن الإيمان شرط في قبول الأعمال، وقيل: إنهم نافقوا بعد أن آمنوا، فالإحباط على هذا حقيقة. يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا الأحزاب هنا هم كفار قريش، ومن معهم، فالمعنى أن المنافقين من شدة جزعهم يظنون أن الأحزاب لم ينصرفوا عن المدينة، وهم قد انصرفوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ معنى يودّوا يتمنوا، وبادون: خارجون في البادية، والأعراب: هم أهل البوادي من العرب، فمعنى الآية: أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرة أخرى تمنى هؤلاء المنافقون من شدة جزعهم أن يكونوا في البادية

стр. 628

مع الأعراب، وأن لا يكونوا في المدينة بل غائبين عنها يسألون من ورد عليهم على أنبائكم. لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أي قدوة تقتدون به ﷺ في اليقين والصبر وسائر الفضائل، وقرئ «١» أسوة بضم الهمزة والمعنى واحد هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ قيل: إن هذا الوعد ما أعلمهم رسول الله ﷺ حين أمر بحفر الخندق من أن الكفار ينزلون، وأنهم ينصرفون خائبين، وقيل: إنه قول الله تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ [البقرة: ٢١٤] الآية، فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرون فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني: قتل شهيدا قال أنس بن مالك: يعني عمي أنس بن النضر، وقيل: يعني حمزة بن عبد المطلب، وقضاء النحب عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره، وقيل: قضى نحبه: وفي العهد الذي عاهد الله عليه، ويدل على هذا ما ورد أن رسول الله ﵌ قال «طلحة ممن قضى نحبه» وهو لم يقتل حينئذ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ المفعول محذوف: أي ينتظر أن يقضي نحبه، أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس، أو ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ الصياصي هي الحصون، ونزلت الآية في يهود بني قريظة، وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله ﷺ فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انصرفت قريش عن المدينة حصر رسول الله بني قريظة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بأن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذريتهم فَرِيقاً تَقْتُلُونَ يعني الرجال وقتل منهم يومئذ كل من أنبت «٢» وكانوا بين ثمانمائة أو تسعمائة وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً يعني النساء والذرية وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ يعني أرض بني قريظة قسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها هذا وعد بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطئوها حينئذ، وهي مكة واليمن والشام والعراق ومصر، فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المشرق والمغرب، ويحتمل عندي

стр. 629

أن يريد أرض بني قريظة، لأنه قال: أورثكم بالفعل الماضي، وهي التي كانوا أخذوها حينئذ، وأما غيرها من الأرضين، فإنما أخذوها بعد ذلك فلو أرادها لقال: يورثكم إنما كررها بالعطف ليصفها بقوله: لَمْ تَطَؤُها: أي لم تدخلوها قبل ذلك. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها الآية: سببها أن أزواج رسول الله ﷺ تغايرن حتى غمه ذلك وقيل: طلبن منه الملابس ونفقات كثيرة، وكان أزواجه يومئذ تسع نسوة خمس من قريش وهنّ: عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵁، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁ وسودة بنت زمعة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية المخزومي وأربع من غير قريش وهنّ ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حييّ من بني إسرائيل وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا أصل: تعال أن يقوله من كان في موضع مرتفع لمن في موضع منخفض، ثم استعملت بمعنى أقبل في جميع الأمكنة وأمتعكن من المتعة وهي الإحسان إلى المرأة إذا طلقت والسراح الطلاق، فمعنى الآية: أن الله أمر رسوله ﷺ أن يخيّر نساءه بين الطلاق والمتعة إن أرادوا زينة الدنيا، وبين البقاء في عصمته إن أرادوا الآخرة، فبدأ ﷺ بعائشة: فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعها سائرهن في ذلك، فلم يقع طلاق، وقالت عائشة: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه ولم يعد ذلك طلاقا، وإذا اختارت المخيرة الطلاق: فمذهب مالك أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة، وقيل: طلقة رجعية ووصف السراح بالجميل: يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو يريد أنه ثلاث، وجماله: حسن الرعي والثناء وحفظ العهد لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ من للبيان لا للتبعيض، لأن جميعهنّ محسنات بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قيل: يعني الزنا، وقيل: يعني عصيان زوجهن ﵊، أو تكليفه ما يشق عليه، وقيل: عموم في المعاصي يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ أي يكون عذابها في الآخرة مثل عذاب غيرها مرتين، وإنما ذلك لعلوّ رتبتهن، لأن كل أحد يطالب على مقدار حاله، وقرأ أبو عمرو يضعّف بالياء ورفع العذاب على البناء للمفعول، وقرأ ابن عامر وابن كثير: نضعّف ونصب العذاب على البناء للفاعل وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قرئ «١» بالياء حملا على لفظ من وبالتاء حملا على المعنى، وكذلك تعمل، والقنوت هنا بمعنى الطاعة نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي يضاعف لها

стр. 630

ثواب الحسنات رِزْقاً كَرِيماً يعني الجنة، وقيل: في الدنيا، والأوّل هو الصحيح. لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فضلهن الله على النساء بشرط التقوى، وقد حصل لهن التقوى فحصل التفضيل على جميع النساء، إلا أنه يخرج من هذا العموم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون لشهادة رسول الله ﷺ لكل واحدة منهن بأنها سيدة نساء عالمها فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ نهى عن الكلام، اللين الذي يعجب الرجال ويميلهن إلى النساء فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي فجور وميل للنساء، وقيل: هو النفاق، وهذا بعيد في هذا الموضع وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً هو الصواب من الكلام أو الذي ليس فيه شيء مما نهى عنه وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرئ بكسر القاف، ويحتمل وجهين: أن يكون من الوقار أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام في ظلت، وأما القراءة بالفتح «١» فمن القرار في الموضع على لغة من يقول قررت بالكسر أقر بالفتح، والمشهور في اللغة عكس ذلك، وقيل: هي من قار يقار إذا اجتمع، ومعنى القرار أرجح، لأن سودة ﵂ قيل لها: لم لا تخرجين؟ فقالت: أمرنا الله بأن نقرّ في بيوتنا، وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي على خروجها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عبد الله بن عمر: إن الله أمرك أن تقري في بيتك وَلا تَبَرَّجْنَ التبرج إظهار الزينة تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، من الانكشاف والتعرض للنظر، وجعلها أولى بالنظر إلى حال الإسلام، وقيل: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين موسى وعيسى. الرِّجْسَ أصله النجس، والمراد به هنا النقائص والعيوب أَهْلَ الْبَيْتِ منادى أو منصوب على التخصيص، وأهل بيت النبي ﷺ : هم أزواجه وذريته وأقاربه كالعباس وعليّ وكل من حرمت عليه الصدقة، وقيل: المراد هنا أزواجه خاصة، والبيت على هذا المسكن، وهذا ضعيف لأن الخطاب بالتذكير، ولو أراد ذلك لقال: عنكن وروي أن النبي ﷺ قال نزلت هذه الآية في خمسة: في ولد عليّ وفاطمة والحسن والحسين وَاذْكُرْنَ خطاب لأزواج النبي ﵌، خصهن بعد دخولهن مع أهل البيت، وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة أو التذكر بالقلب، وآيات الله هي القرآن والحكمة هي السنة. إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية: سببها أن بعض النساء قلن: ذكر الله الرجال ولم

стр. 631

يذكرنا، فنزل فيها ذكر النساء وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الإسلام هو الانقياد، والإيمان هو التصديق، ثم إنهما يطلقان بثلاثة أوجه باختلاف المعنى كقوله: «لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا» وبالاتفاق لاجتماعهما كقوله: «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» الآية، وبالعموم فيكون الإسلام أعم، لأنه بالقلب والجوارح، والإيمان أخص لأنه بالقلب خاصة، وهذا هو الأظهر في هذا الموضع وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ يحتمل أن يكون بمعنى العبادة أو الطاعة وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ يحتمل أن يكون من صدق القول أو من صدق العزم. وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ الآية: معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله، والضمير في قوله من أمرهم: راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله لمؤمن ولا مؤمنة لأن معناه العموم في جميع المؤمنين والمؤمنات، وهذه الآية توطئة للقصة المذكورة بعدها، وقيل: سببها أن رسول الله ﷺ خطب امرأة ليزوجها لمولاه زيد بن حارثة، فكرهت هي وأهلها ذلك، فلما نزلت الآية قالوا: رضينا يا رسول الله، واختلف هل هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها، وقد قيل: إنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ هو زيد بن حارثة الكلبي، وإنعام الله عليه بالإسلام وغيره، وإنعام النبي ﷺ بالعتق وكانت عند زيد زينب بنت جحش وهي بنت أميمة عمة النبي ﷺ ، فشكا زيد إلى رسول الله ﷺ سوء معاشرتها وتعاظمها عليه، وأراد أن يطلقها، فقال له رسول الله ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله، يعني فيما وصفها به من سوء المعاشرة، واتق الله ولا تطلقها فيكون نهيا عن الطلاق على وجه التنزيه، كما قال ﵊: أبغض المباح إلى الله الطلاق «١» وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ الذي أخفاه رسول الله ﷺ أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب، ولكنه خاف أن يسلط الله عليه ألسنتهم وينالوا منه، فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه، وذلك أنه روي أن النبي ﷺ كان حريصا على أن يطلق زيد زينب ليتزوجها هو ﷺ لقرابتها منه ولحسبها، فقال: أمسك عليك زوجك وهو يخفي الحرص عليها خوفا من كلام الناس، لئلا يقولوا: تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه، فالذي أخفاه ﷺ هو إرادة تزوجها، فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوّجها، فقالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه،

стр. 632

وقيل: إن الله كان أوحى إلى رسول الله ﷺ أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد، فالذي أخفاه رسول الله ﷺ : ما أعلمه الله به من ذلك فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لم يذكر أحد من الصحابة في القرآن باسمه غير زيد بن حارثة، والوطر الحاجة، أي لما لم يبق لزيد فيها حاجة زوجها الله من نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأسند الله تزويجها إليه تشريفا لها، ولذلك كانت زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ وتقول: إن الله زوجني نبيه من فوق سبع سموات، واستدل بعضهم بقوله: زوجناكها على أن الأولى أن يقال في كتاب الصداق: أنكحه إياها بتقديم ضمير الزوج على ضمير الزوجة كما في الآية لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ المعنى أن الله زوّج زينب امرأة زيد من رسول الله ﷺ ، ليعلم المؤمنين أن تزوج نساء أدعيائهم حلال لهم، فإن الأدعياء ليسوا لهم بأبناء حقيقة. ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ المعنى أنّ تزوّج النبي ﷺ لزينب بعد زيد حلال، لا حرج فيه ولا إثم ولا عتاب، وفي ذلك ردّ على من تكلم في ذلك من المنافقين. وفرض هنا بمعنى قسم له سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي عادة الله في الأنبياء المتقدمين أن ينالوا ما أحل الله لهم، وقيل: الإشارة بذلك إلى داود في تزوجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى، والعموم أحسن، ونصب سنة على المصدر، أو على إضمار فعل أو على الإغراء الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ صفة للذين خلوا من قبل، وهم الأنبياء أو رفع على إضمار مبتدإ، أو نصب بإضمار فعل. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ هذا ردّ على من قال في زيد بن حارثة: زيد بن محمد، فاعترض على النبي ﷺ تزوّج امرأة زيد، وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن والحسين، لأنه ﷺ ليس أبا لهما في الحقيقة لأنهما ليسا من صلبه، وإنما كانا ابني بنته، وأما ذكور أولاده فماتوا صغارا فليسوا من الرجال وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أي آخرهم فلا نبيّ بعده ﷺ وقرئ «١» بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم فهو خاتم، وبالفتح بأنهم ختموا به فهو كالخاتم والطابع لهم، فإن قيل: إن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكون بعده ﵊، فالجواب أن النبوّة أوتيت عيسى قبله ﵊، وأيضا فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته ﵊، فكأنه واحد من أمته.

стр. 633

اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً اشترط الله الكثرة في الذكر حيثما أمر به بخلاف سائر الأعمال، والذكر يكون بالقلب وباللسان وهو على أنواع كثيرة من التهليل والتسبيح والحمد والتكبير وذكر أسماء الله تعالى وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قيل: إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح والعصر، والأظهر أنه أمر بالتسبيح في أول النهار وآخره، وقال ابن عطية: أراد في كل الأوقات فحد النهار بطرفيه هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ هذا خطاب للمؤمنين، وصلاة الله عليهم رحمة لهم، وصلاة الملائكة عليهم دعاؤهم لهم، فاستعمل لفظ يصلي في المعنيين على اختلافهما وقيل: إنه على حذف مضاف تقديره وملائكته يصلون تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قيل: يعني يوم القيامة، وقيل: في الجنة وهو الأرجح لقوله: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [يونس: ١٠] ، ويحتمل أن يريد تسليم بعضهم على بعض أو قول الملائكة لهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [الزمر: ٧٣] إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً أي يشهد على أمته وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أي بأمر الله وإرساله وَسِراجاً مُنِيراً استعارة للنور الذي يتضمنه الدين. وَدَعْ أَذاهُمْ يحتمل وجهين أحدهما لا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين بآية السيف، والآخر احتمل إذايتهم لك، وأعرض عن أقوالهم، فالمصدر على هذا مضاف للفاعل إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ الآية: معناه سقوط العدّة عن المطلقة قبل الدخول، فالنكاح في الآية هو العقد، والمس هو الجماع، وتعتدونها من العدد فَمَتِّعُوهُنَّ هذا يقتضي متعة المطلقة قبل الدخول، سواء فرض لها أو لم يفرض لها صداق، وقوله تعالى في البقرة: ٢٣٧ «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ» يقتضي أن المطلقة قبل الدخول وقد فرض لها، يجب لها نصف الصداق ولا متعة لها، وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها؟ ويمكن الجمع بينهما بأن تكون آية البقرة مبينة لهذه، مخصصة لعمومها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ في معناها قولان أحدهما أن المراد أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان قد أعطاهن مهورهن، والآخر أن المراد جميع النساء، فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطى مهرها، وهذا أوسع من الأول وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ أباح الله له مع الأزواج السراري بملك اليمين

стр. 634

ويعني بقوله: أفاء الله عليك: الغنائم وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ يعني قرابته من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكان له ﵊ أعمام وعمات إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه ﵊ أخ ولا أخت، وإنما يعني بخاله وخالاته عشيرة أمه وهم بنو زهرة، ولذلك كانوا يقولون نحن أخوال رسول الله ﷺ . فمن قال: إن المراد بقوله أحللنا لك أزواجك: من كانت في عصمته: فهو عطف عليهن، وإباحة لأن يتزوج قرابته زيادة على من كان في عصمته، ومن قال: إن المراد جميع النساء، فهو تجريد منهن على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء في العموم اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ تخصيص تحرز به ممن لم يهاجر، كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ أباح الله له ﷺ من وهبت له نفسها من النساء، واختلف هل وقع ذلك أم لا؟ فقال ابن عباس: لم تكن عند النبي ﷺ امرأة إلا بنكاح أو ملك يمين، لا بهبة نفسها، ويؤيد هذا قراءة الجمهور إن وهبت بكسر الهمزة أي إن وقع، وقيل: قد وقع ذلك، وهو على هذا القول قرئ «١» أن وهبت بفتح الهمزة، واختلف على هذا القول فيمن هي التي وهبت نفسها فقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل زينب بنت خزيمة أم المساكين، وقيل: أم شريك الأنصارية، وقيل أم شريك العامرية. خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي هبة المرأة نفسها مزية خاصة بالنبي ﷺ دون غيره، وانظر كيف رجع من الغيبة إلى الخطاب ليخص المخاطب وحده، وقيل: إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم، من النساء المباحات له ﷺ ، لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأبيح له ﵊ أكثر من ذلك، ومذهب مالك أن النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد بخلاف أبي حنيفة، وإعراب: خالصة مصدر أو حال أو صفة لامرأة قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ يعني أحكام النكاح من الصداق والوليّ والاقتصار على أربع وغير ذلك لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ يتعلق بالآية التي قبله أي: بينا أحكام النكاح لئلا يكون عليك حرج، أو لئلا يظن بك أنك فعلت ما لا يجوز، وقال الزمخشري: يتعلق بقوله خالصة لك تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي «٢» إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ معنى ترجي تؤخر وتبعد، ومعنى: تؤوي تضم وتقرب. واختلف في المراد بهذا الإرجاء والإيواء، فقيل إن ذلك في القسمة بينهنّ: أي تكثر لمن شئت، وتقلل لمن شئت، وقيل: إنه في الطلاق أي تمسك

стр. 635

من شئت وتطلق من شئت وقيل: معناه تتزوج من شئت، وتترك من شئت، والمعنى على كل قول توسعة على النبي ﷺ ، وإباحة له أن يفعل ما يشاء، وقد اتفق الناقلون على أنه ﷺ كان يعدل في القسمة بين نسائه: أخذا منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له، والضمير في قوله منهنّ: يعود على أزواجه ﵌ خاصة أو على كل ما أحل الله له على حسب الخلاف المتقدم وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في معناه قولان: أحدهما من كنت عزلته من نسائك فلا جناح عليك في ردّه بعد عزله، والآخر من ابتغيت ومن عزلت سواء في إباحة ذلك، فمن للتبعيض على القول الأول، وأما على القول الثاني فنحو قولك: من لقيك ومن لم يلقك سواء ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أي إذا علمن أن هذا حكم الله قرّت به أعينهن ورضين به، وزال ما كان بهنّ من الغيرة، فإن سبب نزول هذه الآية ما وقع لأزواج النبي ﷺ من غيرة بعضهن على بعض. لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فيه قولان: أحدهما لا يحل لك النساء غير اللاتي في عصمتك الآن ولا تزيد عليهن، قال ابن عباس لما خيرهنّ رسول الله ﷺ فاخترن الله ورسوله جازاهن الله على ذلك، بأن حرّم غيرهنّ من النساء كرامة لهنّ، والقول الثاني: لا يحل لك النساء غير الأصناف التي سميت، والخلاف هنا يجري على الخلاف في المراد بقوله: إنا أحللنا لك أزواجك: أي لا يحل لك غير من ذكر حسبما تقدم، وقيل: معنى لا يحل لك النساء: لا يحل لك اليهوديات والنصرانيات من بعد المسلمات المذكورات وهذا بعيد، واختلف في حكم هذه الآية، فقيل: إنها منسوخة بقوله إنا أحللنا لك أزواجك على القول بأن المراد جميع النساء، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لتلك على القول بأن المراد من كان في عصمته، وهذا هو الأظهر لما ذكرنا عن ابن عباس، ولأن التسع في حقه ﵊ كالأربع في حق أمته وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ معناه لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن وتتزوج غيرها بدلا منها وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ في هذا دليل على جواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ المعنى أن الله أباح له الإماء، والاستثناء في موضع رفع على البدل من النساء، أو في موضع نصب على الاستثناء من الضمير في حسنهن. لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ سبب هذه الآية ما رواه أنس أن رسول الله ﷺ ، لما تزوج زينب بنت جحش أو لم عليها فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل ذلك على النبي ﷺ ، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حجر
следующие страницы →