← Тафсир

Тафсир · id 23627

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف

الزمخشري

Полный текст (2 890 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

سورة الكهف (مكية [إلا آية ٣٨ ومن آية ٨٣ إلى غاية آية ١٠١ فمدنية] وآياتها ١١٠ [نزلت بعد الغاشية] ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفى الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه. فإن قلت: بم انتصب قَيِّماً؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب، لأنّ قوله وَلَمْ يَجْعَلْ معطوف على أنزل، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذى الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوضا جعله قيما، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الاخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السير والتصفح. وقيل: قيما على سائر الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع. وقرئ قيما. «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً فاقتصر على أحدهما، وأصله

стр. 1402

لِيُنْذِرَ الذين كفروا بَأْساً شَدِيداً والبأس من قوله بِعَذابٍ بَئِيسٍ وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسا وبآسة مِنْ لَدُنْهُ صادرا من عنده. وقرئ: من لدنه، بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون وَيُبَشِّرَ بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي أنذر؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه. والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً استغناء بتقدّم ذكره. والأجر الحسن: الجنة ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أى بالولد أو باتخاذه، يعنى أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد اشتملته «١» آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت: اتخاذ الله ولدا في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم «٢» ؟ قلت: معناه ما لهم به من علم، لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. قرئ: كبرت كلمة، وكلمة: بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ. وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة. وتَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا «٣» من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟ وقرئ كبرت بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟ قلت: إلى قولهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها. [سورة الكهف (١٨) : آية ٦] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا

стр. 1403

على فراقهم. وقرئ: باخع نفسك، على الأصل، وعلى الإضافة: أى قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ: إن لم يؤمنوا. وللمضى فيمن قرأ: أن لم يؤمنوا، بمعنى: لأن لم يؤمنوا بِهذَا الْحَدِيثِ بالقرآن أَسَفاً مفعول له، أى: لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالا. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧ الى ١١] إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ما عَلَى الْأَرْضِ يعنى ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وحسن العمل: الزهد فيها وترك الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها من هذه الزينة صَعِيداً جُرُزاً يعنى مثل أرض بيضاء لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به كان زينة: من إماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض مما خلق «١» فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال أَمْ حَسِبْتَ يعنى أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة. والكهف: الغار الواسع في الجبل وَالرَّقِيمِ اسم كلهم. قال أمية ابن أبى الصلت: وليس بها إلّا الرّقيم مجاورا … وصيدهم والقوم في الكهف همّد «٢» وقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل: الجبل. وقيل:

стр. 1404

قريتهم. وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين كانُوا آية عَجَباً من آياتنا وصفا بالمصدر، أو على: ذات عجب مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أى رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رَشَداً حتى تكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، كقولك: رأيت منك أسدا فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أى ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال: بنى على امرأته، يريدون: بنى عليها القبة سِنِينَ عَدَداً ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة، لأن الكثير قليل عنده، كقوله: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ. وقال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد [سورة الكهف (١٨) : آية ١٢] ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) أَيُّ يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه لِنَعْلَمَ فلم يعمل فيه. وقرئ، ليعلم، وهو معلق عنه أيضا، لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم» إليه، وفاعل «يعلم» مضمون الجملة، كما أنه مفعول «نعلم» أَيُّ الْحِزْبَيْنِ المختلفين منهم في مدّة لبثهم، لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم: هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول. أو أى الحزبين المختلفين من غيرهم، وأَحْصى فعل ماض أى أيهم ضبط «١» أَمَداً لأوقات لبثهم. فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس، ونحو «أعدى من الجرب» ، و «أفلس من ابن المذلق» شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن أَمَداً لا يخلو: إما أن ينتصب بأفعل «٢» فأفعل لا يعمل. وإما أن ينصب بلبثوا، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أنى

стр. 1405

أنصبه بإضمار فعل يدل عليه أحصى، كما أضمر في قوله: وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا «١» على: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره. فإن قلت: كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضا في الضرب على آذانهم؟ قلت: الله لم يزل عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيمانا واعتبارا، ويكون لطفا لمؤمنى زمانهم، وآية بينة لكفارة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٣ الى ١٥] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥)

стр. 1406

وَزِدْناهُمْ هُدىً بالتوفيق والتثبيت وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام إِذْ قامُوا بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ … شَطَطاً قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من شط: إذا بعد. ومنه: أشط. في السوم وفي غيره هؤُلاءِ مبتدأ، وقَوْمُنَا عطف بيان واتَّخَذُوا خبر وهو إخبار في معنى إنكار لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ وهو تبكيت، لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه. [سورة الكهف (١٨) : آية ١٦] وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم وَما يَعْبُدُونَ نصب، عطف على الضمير، يعنى: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم إِلَّا اللَّهَ يجوز أن يكون استثناء متصلا، على ما روى: أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. وأن يكون منقطعا. وقيل: هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله مِرفَقاً قرئ بفتح الميم وكسرها، وهو ما يرتفق به: أى ينتفع. إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوّة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبىّ في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم نبيا. [سورة الكهف (١٨) : آية ١٧] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) تَتَزاوَرُ أى تمايل، أصله: تتزاور، فخفف بإدغام التاء في الزاى أو حذفها. وقد قرئ بهما. وقرئ: تزورّ. وتزوارّ: بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل. ومنه زاره إذا مال إليه. والزور: الميل عن الصدق ذاتَ الْيَمِينِ جهة اليمين. وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين تَقْرِضُهُمْ تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو الرمة:

стр. 1407

إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف … شمالا وعن أيمانهنّ الفوارس «١» وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم. وقيل: في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسبون كرب الغار ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أى ما صنعه الله بهم- من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة- آية من آياته، يعنى: أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة «٢» أبدا. ومعنى ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله. [سورة الكهف (١٨) : آية ١٨] وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَتَحْسَبُهُمْ بكسر السين وفتحها: خطاب لكل أحد. والأيقاظ: جمع يقظ، كأنكاد في نكد. قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقيل: لكثرة تقلبهم

стр. 1408

وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وقرئ: ويقلبهم. بالياء والضمير لله تعالى. وقرئ: وتقلبهم، على المصدر منصوبا، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً كأنه قيل: وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم أى وصاحب كلبهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ حكاية حال ماضية، لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة. وقيل: الباب. وأنشد: بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها … علىّ ومعروفى بها غير منكر «١» وقرئ: ولملئت، بتشديد اللام للمبالغة. وقرئ بتخفيف الهمزة وقلبها ياء. ورُعْباً بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أى يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضى الله عنه: ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً فقال معاوية، لا أنتهى حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم «٢» . وقرئ: لو اطلعت، بضم الواو. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠] وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إذكارا بقدرته على الإنامة والبعث

стр. 1409

جميعا، ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ جواب مبنى على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله. وروى أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت: كيف وصلوا قولهم فَابْعَثُوا بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب «١» فاتخذ أنفا من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب «٢» . وقرئ: بورقكم، بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير: بورقكم، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. وقيل: المدينة طرسوس. قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأى المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة رضى الله عنها- لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه-: أوثق عليك نفقتك «٣» . وما حكى عن بعض صعاليك العلماء» أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن أَيُّها أىّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، أَزْكى طَعاماً أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص وَلْيَتَلَطَّفْ وليتكلف اللطف والنيقة «٥» فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً

стр. 1410

يعنى: ولا يفعلنّ ما يؤدى من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعارا منه بهم، لأنه سبب فيه الضمير في إِنَّهُمْ راجع إلى الأهل المقدر في أَيُّها. يَرْجُمُوكُمْ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم أَوْ يُعِيدُوكُمْ أو يدخلوكم فِي مِلَّتِهِمْ بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا. يريدون ابتداء الفعل وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً إن دخلتم في دينهم. [سورة الكهف (١٨) : آية ٢١] وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهو البعث، لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. وإِذْ يَتَنازَعُونَ متعلق بأعثرنا. أى: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت فَقالُوا حين توفى الله أصحاب الكهف ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً أى على يأب كهفهم. لئلا يتطرّق إليهم الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم لَنَتَّخِذَنَّ على باب الكهف مَسْجِداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أى: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. روى أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون منى، أنا أحبّ أحباء الله، فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم «١»

стр. 1411

على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقيل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس: اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب. [سورة الكهف (١٨) : آية ٢٢] سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) سَيَقُولُونَ الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضى الله عنه: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين. وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبريل ﵇. وعن علىّ رضى الله عنه: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره.

стр. 1412

والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس. واسم كلبهم: قطمير. فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له رَجْماً بِالْغَيْبِ رميا بالخبر الخفي وإتيانا به كقوله وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أى يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير: وما هو عنها بالحديث المرجّم «١» أى المظنون. وقرئ: ثلاتّ رابعهم، بإدغام الثاء في تاء التأنيث. وثَلاثَةٌ خبر مبتدإ محذوف، أى: هم ثلاثة. وكذلك خَمْسَةٌ وسَبْعَةٌ ورابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ جملة من مبتدإ وخبر واقعة صفة لثلاثة، وكذلك سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ. فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين «٢» ؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت

стр. 1413

مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم. والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رَجْماً بِالْغَيْبِ وأتبع القول الثالث قوله ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وقال ابن عباس رضى الله عنه: حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أى: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها. وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في سَيَقُولُونَ على هذا لأهل الكتاب خاصة، أى: سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين فَلا تُمارِ فِيهِمْ فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وَلا تَسْتَفْتِ ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيف ما عنده، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد، لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ الشيء غَداً أى فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ متعلق بالنهى لا بقوله: إنى فاعل، لأنه لو قال: إنى فاعل كذا إلا أنّ يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون «١» فعله، وذلك مما لا مدخل فيه للنهى، وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أى: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا:

стр. 1414

إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهى تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذى القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحى حتى شق عليه وكذبته قريش وَاذْكُرْ رَبَّكَ أى مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر «٢» . وعن ابن عباس رضى الله عنه: ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاوس: هو على ثنياه «٣» ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء: يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضى الله عنه في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضى عنه. ويجوز أن يكون المعنى: واذكر «٤» ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديدا في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسى، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. وهذا إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف. ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبىّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربى أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسى أقرب منه رَشَداً وأدنى خيرا ومنفعة. ولعل النسيان كان خيرة، كقوله أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها.

стр. 1415

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ومعنى قوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب. وقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ رد عليهم. وقال في حرف عبد الله: وقالوا لبثوا. وسنين: عطف بيان لثلثمائة. وقرئ: ثلاثمائة سنين، بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا وفي قراءة أبىّ: ثلاثمائة سنة. تِسْعاً تسع سنين، لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن: تسعا بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما غاب في السموات والأرض وخفى فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به. وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يذرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر ما لَهُمْ الضمير لأهل السموات والأرض مِنْ وَلِيٍّ من متول لأمورهم وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ في قضائه أَحَداً منهم. وقرأ الحسن: ولا تشرك، بالتاء والجزم على النهى. [سورة الكهف (١٨) : آية ٢٧] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) كانوا يقولون له: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، فقيل له وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكلمات ربك، أى: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، إنما يقدر على ذلك هو وحده وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ. وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك. [سورة الكهف (١٨) : آية ٢٨] وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)

стр. 1416

وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ : نحّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال قوم نوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ فنزلت: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ واحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب: فصبرت عارفة لذلك حرّة … ترسو إذا نفس الجبان تطلّع «١» بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقرئ: بالغدوة، وبالغداة أجود، لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال، وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال: ...... والزّيد زيد المعارك «٢» ونحوه قليل في كلامهم. يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيدا. وإنما عدى بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أى غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أى ولا تضموها إليها أكلين لها. وقرئ: ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك، من أعداه وعدّاه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله: فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له «٣»

стр. 1417

لأن معناه: فعد همك عما ترى. نهى رسول الله ﷺ أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زىّ الأغنياء وحسن شارتهم «١» تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا في مرضع الحال مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ من جعلنا قلبه غافلا «٢» عن الذكر بالخذلان «٣» . أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته «٤» وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها «٥» بغير سمة، أى: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة «٦» بقوله وَاتَّبَعَ هَواهُ وقرئ: أغفلنا قلبه، بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من أغفلته إذا وجدته غافلا فُرُطاً متقدّما للحق والصواب «٧» نابذا له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدّم للخيل. [سورة الكهف (١٨) : آية ٢٩] وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩)

стр. 1418

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الحق خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل «١» فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم «٢» يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ كقوله: ...... فأعتبوا بالصّيلم «٣» وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردىّ الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي ﷺ : هو كعكر الزيت «٤» ، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه بِئْسَ الشَّرابُ ذلك وَساءَتْ النار مُرْتَفَقاً متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله: إنىّ أرقت فبتّ اللّيل مرتفقا … كأنّ عينى فيها الصّاب مذبوح «٥» [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٠ الى ٣١] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)

стр. 1419

أُولئِكَ خبر إن وإِنَّا لا نُضِيعُ اعتراض، ولك أن تجعل إِنَّا لا نُضِيعُ وأُولئِكَ خبرين معا. أو تجعل أُولئِكَ كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ينتظمهما معنى واحد، فقام مَنْ أَحْسَنَ مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين. وتنكير أَساوِرَ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٤] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أى ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بنى إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في سورة والصافات في قوله قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخى اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال: اللهم إنى أشترى منك دارا في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إنى جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف، فقال: اللهم إنى اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله. وقيل: هما مثل لأخوين من بنى مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله ﷺ . وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد جَنَّتَيْنِ مِنْ

стр. 1420

أَعْنابٍ بستانين من كروم وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين «١» في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم. أى جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد «فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه، وغشيته به وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً جعلناها أرضا جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف وَلَمْ تَظْلِمْ ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ كِلْتَا لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ: وفجرنا، على التخفيف. وقرأ عبد الله: كل الجنتين آتى أكله بردّ الضمير على كل وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أى أنواع من المال، من ثمر ماله «٢» إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أى: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة «٣» من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء وَأَعَزُّ نَفَراً يعنى أنصارا وحشما. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث. يحاوره: يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) يعنى قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه

стр. 1421

بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلا الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. وقرئ: خيرا منهما، ردّا على الجنتين مُنْقَلَباً مرجعا وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أى: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية. [سورة الكهف (١٨) : آية ٣٧] قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ أى خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول ﷺ كافرا [سورة الكهف (١٨) : آية ٣٨] لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل: وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب … وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى «١» أى: لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربى، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبى عمرو أنه وقف بالهاء:

стр. 1422

لكنه. وقرئ: لكن هو الله ربى، بسكون النون وطرح أنا. وقرأ أبىّ بن كعب: لكن أنا على الأصل. وفي قراءة عبد الله: لكن أنا لا إله إلا هو ربى. فإن قلت: هو استدراك لماذا؟ قلت: لقوله أَكَفَرْتَ قال لأخيه: أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب، لكن عمرا حاضر. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٩ الى ٤١] وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) ما شاءَ اللَّهُ يجوز أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدإ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أى شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب لَوْ في قوله وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ أَقَلَّ بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولا. ثانيا لترنى. وفي قوله وَوَلَداً نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله وَأَعَزُّ نَفَراً والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى، فيرزقنى لإيمانى جنة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أى: مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق صَعِيداً زَلَقاً أرضا بيضاء يزلق عليها لملامتها زلقا. وغَوْراً كلاهما وصف بالمصدر.

стр. 1423

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) وَأُحِيطَ به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدوّ، لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ومثله قولهم: أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعليا عليهم. وتقليب الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كما كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أى أنفق في عمارتها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يعنى أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم. قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها يا لَيْتَنِي تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان. وقرئ: وَلَمْ تَكُنْ بالياء والتاء، وحمل يَنْصُرُونَهُ على المعنى دون اللفظ، كقوله فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ. فإن قلت: ما معنى قوله يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قلت: معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أى: هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل وَما كانَ مُنْتَصِراً وما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام الله. [سورة الكهف (١٨) : آية ٤٤] هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) الْوَلايَةُ بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد قرئ بهما. والمعنى هنالك، أى: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريرا لقوله وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أو: هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطرّ. يعنى أنّ قوله يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم، ويشفى صدورهم من أعدائهم، يعنى: أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدّق قوله فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ ويعضده قوله خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً أى لأوليائه. وقيل هُنالِكَ إشارة إلى الآخرة أى في تلك الدار

стр. 1424

الولاية لله، كقوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ. وقرئ «الحق» بالرفع والجرّ صفة للولاية والله «١» . وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم. وقرئ عُقْباً بضم القاف وسكونها، وعقبى على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة. [سورة الكهف (١٨) : آية ٤٥] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا. وقيل: نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف «٢» رفيفا، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم: ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة. وقرئ: تذروه الريح. وعن ابن عباس: تذريه الرياح، من أذرى: شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفا «٣» ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإنشاء والإفناء مُقْتَدِراً. [سورة الكهف (١٨) : آية ٤٦] الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل هي الصلوات الخمس. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعن قتادة: كل ما أريد به وجه الله خَيْرٌ ثَواباً أى ما يتعلق بها من

стр. 1425

الثواب وما يتعلق بها من الأمل، لأنّ صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٨] وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) قرئ: تسير، من سيرت- ونسير، من سيرنا. وتسير، من سارت، أى: تسير في الجو. أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثا. وقرئ: وترى الأرض على البناء للمفعول بارِزَةً ليس عليها ما يسترها مما كان عليها وَحَشَرْناهُمْ وجمعناهم إلى الموقف. وقرئ: فلم نغادر، بالنون والياء، يقال: غادره وأغدره إذا تركه. ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير: ما غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان فًّا مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداقَدْ جِئْتُمُونا أى قلنا لهم: لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار اذكر. والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم وَّلَ مَرَّةٍ وقيل جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلا، كقوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى. فإن قلت لم جيء بحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك وْعِداً وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور. [سورة الكهف (١٨) : آية ٤٩] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) الْكِتابُ للجنس وهو صحف الأعمال يا وَيْلَتَنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً هنة صغيرة ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعنى: لا يترك شيئا من المعاصي إلا أحصاه، أى: أحصاها كلها كما تقول: ما أعطانى قليلا ولا كثيرا، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار. ويجوز أن يريد: وإما كان عندهم صغائر وكبائر. وقيل: لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر إِلَّا أَحْصاها

стр. 1426

إلا ضبطها وحصرها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً في الصحف عتيدا. أو جزاء ما عملوا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظلم الله «١» في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٠ الى ٥١] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) كانَ مِنَ الْجِنِّ كلام مستأنف «٢» جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ والفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا، ثم ورّكه «٣» على ابن عباس. ومعنى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ خرج عما أمره به ربه من السجود. قال: فواسقا عن قصدها جوائرا «٤» أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله اسْجُدُوا لِآدَمَ. أَفَتَتَّخِذُونَهُ الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وتستبدلونهم بى، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته ما أَشْهَدْتُهُمْ وقرئ: ما أشهدناهم، يعنى: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء

стр. 1427

فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأعتضد بهم في خلقها «١» وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ أى ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ بمعنى وما كنت متخذهم عَضُداً أى أعوانا، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّا لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟ وقرئ: وما كنت، بالفتح: الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ على رضى الله عنه: وما كنت متخذا المضلين، بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن: عضدا، بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرئ: عضدا، بالفتح وسكون الضاد. وعضدا، بضمتين وعضدا بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، من عضده: إذا قواه وأعانه، [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) يَقُولُ بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم: توبيخا لهم وأراد الجن. والموبق: المهلك، من وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا: إذا هلك. وأو بقه غيره. ويجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد، يعنى: وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا. وعن الحسن مَوْبِقاً عداوة. والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. وقال الفراء: البين الوصل أى: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. ويجوز أن يريد الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أى: وجعلنا بينهم أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان فَظَنُّوا فأيقنوا مُواقِعُوها مخالطوها واقعون فيها مَصْرِفاً معدلا. قال. أزهير هل عن شيبة من مصرف «٢»

стр. 1428

[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٤] وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب جَدَلًا على التمييز، يعنى: أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [سورة الكهف (١٨) : آية ٥٥] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) أَنْ الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره وَما مَنَعَ النَّاسَ الإيمان والاستغفار إِلَّا انتظار أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وهي الإهلاك أَوْ انتظار أن يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ يعنى عذاب الآخرة قُبُلًا عيانا. وقرئ «قبلا» أنواعا: «١» جمع قبيل. و «قبلا» بفتحين: مستقبلا. [سورة الكهف (١٨) : آية ٥٦] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) لِيُدْحِضُوا ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن، موطئها وَما أُنْذِرُوا يجوز أن تكون ما موصولة، ويكون الراجع من الصلة محذوفا، أى: وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم. وقرئ: هزأ، بالسكون، أى: اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم: قولهم للرسل ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً وما أشبه ذلك. [سورة الكهف (١٨) : آية ٥٧] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) بِآياتِ رَبِّهِ بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكرا في قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ.

стр. 1429

فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر وَنَسِيَ عاقبة ما قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي، غير مفكر فيها ولا ناظر في أنّ المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الافراد حملا على لفظ من ومعناه فَلَنْ يَهْتَدُوا فلا يكون منهم اهتداء البتة، كأنه محال منهم لشدة تصميمهم أَبَداً مدة التكليف كلها. وإِذاً جزاء وجواب، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله: مالى لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا. [سورة الكهف (١٨) : آية ٥٨] وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) الْغَفُورُ البليغ المغفرة ذُو الرَّحْمَةِ الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلا من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم بدر لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا منجى ولا ملجأ. يقال: «وأل» إذا نجا، و «وأل إليه» إذا لجأ إليه. [سورة الكهف (١٨) : آية ٥٩] وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) وَتِلْكَ الْقُرى يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا. تِلْكَ مبتدأ، والْقُرى صفة، لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، وأَهْلَكْناهُمْ خبر. ويجوز أن يكون تِلْكَ الْقُرى نصبا بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لَمَّا ظَلَمُوا مثل ظلم أهل مكة وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر. والمهلك: الإهلاك ووقته. وقرئ لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أى: لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد: وقت، أو مصدر. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٠ الى ٦٥] وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)

стр. 1430

لِفَتاهُ لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتأتي، ولا يقل: عبدى «١» وأمتى. وقيل: هو يوشع ابن نون. وإنما قيل: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. فإن قلت: لا أَبْرَحُ إن كان بمعنى لا أزول- من برح المكان- فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بد من الخبر. قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر ﵉، وهو ملتقى بحرى فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: إفريقية. ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرئ مَجْمَعَ بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق والمطلع من يفعل أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بنى إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له: قد علمنا هذا، فأى الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أىّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأىّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضى بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأىّ عبادك

стр. 1431

أعلم؟ قال: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأنى بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنّيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمى وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر نَسِيا حُوتَهُما أى نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة. وقيل: نسى يوشع أن يقدّمه، ونسى موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل: إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروى: أنهما أكلا منها. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء سَرَباً أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب «١» معجزة لموسى أو للخضر فَلَمَّا جاوَزا الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه. ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وقيل: سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقى على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه. وقوله مِنْ سَفَرِنا هذا إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت: كيف نسى يوشع ذلك، ومثله لا ينسى «٢» لكونه أمارة لهما على الطلبة التي

стр. 1432

تناهضا من أجلها ولكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة المأكول منها- وقيل: ما كانت إلا شق سمكة- وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى ﵇ الحوت؟ قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب، حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضرى بمشاهدة أمثاله عند موسى ﵇ من العجائب، واستأنسا بإخوانه فأعان الإلف «١» على قلة الاهتمام أَرَأَيْتَ بمعنى أخبرنى. فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام؟ فإن كل واحد من أَرَأَيْتَ وإِذْ أَوَيْنا وفَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ لا متعلق له؟ قلت: لما طلب موسى ﵇ الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى ﵇ عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإنى نسيت الحوت، فحذف ذلك. وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت. وأَنْ أَذْكُرَهُ بدل من الهاء في أَنْسانِيهُ أى: وما أنسانى ذكره إلا الشيطان. وفي قراءة عبد الله: أن أذكركه. وعَجَباً ثانى مفعولي اتخذ، مثل سَرَباً يعنى: واتخذ سبيله سبيلا عجبا، وهو كونه شبيه السرب. أو قال: عجبا في آخر كلامه، تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وقيل: إن عَجَباً حكاية لتعجب موسى ﵇، وليس بذاك ذلِكَ إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أى: ذلك الذي كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر ﵇. وقرئ نَبْغِ بغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبى عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط المصحف فَارْتَدَّا فرجعا في أدراجهما «٢» قَصَصاً يقصان قصصا، أى: يتبعان آثارهما اتباعا. أو فارتدّا مقتصين رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هي الوحى والنبوة مِنْ لَدُنَّا مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب. [سورة الكهف (١٨) : آية ٦٦] قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) رُشْداً قرئ بفتحتين، وبضمة وسكون، أى: علما ذا رشد، أرشد به في دينى. فإن قلت: أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه- كما قيل- موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران

стр. 1433

لأنّ النبىّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين؟ قلت: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبىّ مثله: وإنما بغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد ابن جبير أنه قال لابن عباس: إنّ نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا، فقال: كذب عدوّ الله «١» . [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٨] قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، «٢» كأنها مما لا يصح ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح- فكيف إذا كان نبيا- لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار. وخُبْراً تمييز، أى: لم يحط به خبرك بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر. [سورة الكهف (١٨) : آية ٦٩] قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) وَلا أَعْصِي في محل النصب، عطف على صابِراً أى: ستجدني صابرا وغير عاص. أولا في محل، عطفا على ستجدني. رجا موسى ﵇ لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله، علما منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، برىّ من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم. [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٠] قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)

стр. 1434

قرئ فَلا تَسْئَلْنِي بالنون الثقيلة، يعنى: فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت منى شيئا- وقد علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت «١» وأنكرت في نفسك- أن لا تفاتحنى بالسؤال ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧١ الى ٧٢] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) فَانْطَلَقا على ساحل البحر يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها: هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه ويقول أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وقرئ: لتغرّق، بالتشديد. وليغرق أهلها. من غرق وأهلها مرفوع جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر: إذا عظم، قال: داهية دهياء إدّا إمرا «٢» [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٣] قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) بِما نَسِيتُ بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني: أراد أنه نسى وصيته ولا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهى عن المؤاخذة بالنسيان، يوهمه أنه قد نسى ليبسط عذره في الإنكار، وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختى، وإنى سقيم. أو أراد بالنسيان: الترك، أى: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرّة. يقال: رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أى: ولا تغشني عُسْراً من أمرى، وهو اتباعه إياه، يعنى: ولا تعسر علىّ متابعتك، ويسرها علىّ بالإغضاء وترك المناقشة. وقرئ: عسرا، بضمتين.

стр. 1435

[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) فَقَتَلَهُ قيل: كان قتله قتل عنقه. قيل: ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت: لم قيل حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها بغير فاء؟ وحَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفا عليه، والجزاء قالَ أَقَتَلْتَ. فإن قلت: فلم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء الغلام. وقرئ: زاكية، وزكية، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث بِغَيْرِ نَفْسٍ يعنى لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل «١» نُكْراً وقرئ بضمتين وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل: معناه جئت شيئا أنكر من الأوّل، لأن ذلك كان خرقا يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه. فإن قلت: ما معنى زيادة لَكَ؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٦] قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) بَعْدَها بعد هذه الكرة أو المسألة فَلا تُصاحِبْنِي فلا تقاربنى، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرى «فلا تصحبنى» فلا تكن صاحبي. وقرئ «فلا تصحبنى» أى فلا تصحبنى إياك ولا تجعلني صاحبك مِنْ لَدُنِّي عُذْراً قد أعذرت. وقرئ: لدنى، بتخفيف النون. ولدني، بسكون الدال وكسر النون، كقولهم في عضد: عضد. وعن رسول الله ﷺ : رحم الله أخى موسى استحيا فقال «٢» ذلك، وقال: رحمة الله علينا وعلى أخى موسى، لو لبث

стр. 1436

مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب «١» . [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٧] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) أَهْلَ قَرْيَةٍ هي أنطاكية. وقيل: الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء أَنْ يُضَيِّفُوهُما وقرئ: يضيفوهما. يقال: ضافه إذا كان له ضيفا. وحقيقته: مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره، من الازورار. وأضافه وضيفه: أنزله وجعله ضيفه. وعن النبي ﷺ : كانوا أهل قرية لئاما «٢» . وقيل شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك. قال الراعي: في مهمه قلقت به هاماتها … قلق الفئوس إذا أردن نصولا «٣» وقال: يريد الرّمح صدر أبى براء … ويعدل عن دماء بنى عقيل «٤» وقال حسان: إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل … لزمان يهمّ بالإحسان «٥»

стр. 1437

وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعارة للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ قال: إذا قالت الأنساع للبطن الحق «١» تقول سنّى للنّواة طنّى لا ينطق الّلهو حتّي ينطق العود «٢» وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم «٣» فإن يك ظنّى صادقا وهو صادقي «٤»

стр. 1438

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ تمرّد مارد وعزّ الأبلق «١» ولبعضهم: يأبى على أجفانه إغفاءه … همّ إذا انقاد الهموم تمرّدا» أبت الرّوادف والثّدىّ لقمصها … مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا «٣» قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر، لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتحمل ليردّه إلى ما هو عنده أصح وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز. وانقض: إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر وهو يفعلّ، مطاوع قضضته. وقيل: افعلّ

стр. 1439

من النقض، كاحمرّ من الحمرة. وقرئ: أن ينقض من النقض، وأن ينقاص، من انقاصت السن إذا انشقت طولا. قال ذو الرمة: ......... منقاص ومنكثب «١» بالصاد غير معجمة فَأَقامَهُ قيل: أقامه بيده. وقيل: مسحه بيده فقام واستوى. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وقيل كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً وطلبت على عملك جعلا حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ: لتخذت، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء. [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٨] قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: قد تصوّر فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى ﵇: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون «هذا» إشارة إلى غير الأخ ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أى: هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك. وقد قرأ به ابن أبى عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به. [سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) لِمَساكِينَ قيل كانت لعشرة إخوة، خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون في البحر وَراءَهُمْ أمامهم، كقوله تعالى وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ وقيل: خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندى» «٢» . فإن قلت: قوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها

стр. 1440

مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب «١» ، فلم قدّم عليه؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأنّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك: زيد ظنى مقيم. وقيل في قراءة أبىّ وعبد الله: كل سفينة صالحة. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٠ الى ٨٢] وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) وقرأ الجحدري: وكان أبواه مؤمنان، على أن «كان» فيه ضمير الشأن فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما، وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أيعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان وإنما خشي الخضر منه ذلك، لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته. وفي قراءة أبىّ: فخاف ربك. والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره. ويجوز أن يكون قوله فَخَشِينا حكاية لقول الله تعالى، بمعنى: فكرهنا، كقوله لِأَهَبَ لَكِ . وقرئ: يبدّلهما، بالتشديد. والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب. والرحم: الرحمة والعطف. وروى أنه ولدت لهما جارية تزوّجها نبىّ، فولدت نبيا هدى الله على يديه أمّة من الأمم. وقيل: ولدت سبعين نبيا. وقيل: أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. قيل:
следующие страницы →