قرئ: إنّ شجرت الزقوم، بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها وشيرة، بالياء. وروى أنه لما نزل أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال: تزقموا فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ وهو الفاجر الكثير الآثام. وعن أبى الدرداء أنه كان يقرئ رجلا فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر «١» يا هذا.
وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدى القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا. قالوا: وهذه الشربطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة، لأنّ في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بإذائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة ﵀ يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر وروى على بن الجعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية كَالْمُهْلِ قرئ بضم الميم وفتحها، وهو دردى «٢» الزيت. ويدل عليه قوله تعالى يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ مع قوله فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس، والكاف رفع خبر بعد خبر، وكذلك يَغْلِي وقرئ بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. والْحَمِيمِ الماء الحار الذي انتهى غليانه: يقال للزبانية خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب «٣» الرجل فيجر إلى حبس أو قتل. ومنه: العتلّ وهو الغليظ الجافي. وقرئ بكسر التاء وضمها إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ إلى وسطها ومعظمها. فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله تعالى يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت: إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أن صب العذاب طريقة الاستعارة، كقوله:
стр. 2347
صبّت عليه صروف الدّهر من صبب «١»
وكقوله تعالى أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً فذكر العذاب معلقا به الصب، مستعارا له، ليكون أهول وأهيب يقال ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه.
وروى أنّ أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : ما بين جبليها أعز ولا أكرم منى، فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بى شيئا. وقرئ: إنك، بمعنى: لأنك. وعن الحسن ابن على رضى الله عنهما أنه قرأ به على المنبر إِنَّ هذا العذاب. أو إن هذا الأمر هو ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ أى تشكون. أو تتمارون وتتلاجون.
[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٧]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)
قرئ: في مقام، بالفتح: وهو موضع القيام، والمراد المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملا في معنى العموم. وبالضم: وهو موضع الإقامة. وأَمِينٍ من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين. وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة، لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. قيل: السندس: ما رق من الديباج. والإستبرق:
ما غلظ منه وهو تعريب استبر. فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمى؟ قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجميا، لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب كَذلِكَ الكاف مرفوعة على:
الأمر كذلك. أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم وَزَوَّجْناهُمْ وقرأ عكرمة: بحور عين، على الإضافة: والمعنى: بالحور من العين، لأن العين إما أن تكون حورا أو غير حور، فهؤلاء
стр. 2348
من الحور العين «١» لا من شهلهن مثلا. وفي قراءة عبد الله: بعيس عين: والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد بن عمير: لا يذاقون فيها الموت. وقرأ عبد الله: لا يذوقون فيها طعم الموت. فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى- المذوقة قبل دخول الجنة- من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها «٢» . وقرئ ووقاهم بالتشديد فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ عطاء من ربك وثوابا، يعنى: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ: فضل، أى. ذلك فضل.
[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ فذلكة للسورة. ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أى: سهلناه، حيث أنزلناه عربيا بلسانك بلغتك إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا فَارْتَقِبْ فانتظر ما يحل بهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ما يحل بك متربصون الدوائر.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» «٣» وعنه ﵇:» من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورا له» «٤» .
стр. 2349
سورة الجاثية
مكية [إلا آية ١٤ فمدنية] وآياتها ٣٧ وقيل ٣٦ آية [نزلت بعد الدخان] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
حم إن جعلتها اسما مبتدأ مخبرا عنه ب تَنْزِيلُ الْكِتابِ لم يكن بدّ من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب. ومِنَ اللَّهِ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تَنْزِيلُ الْكِتابِ مبتدأ، والظرف خبرا إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يجوز أن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى، إنّ في خلق السماوات لقوله وَفِي خَلْقِكُمْ فإن قلت: علام عطف وَما يَبُثُّ أعلى الخلق المضاف؟ أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه: استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد. قرئ: آيات لقوم يوقنون، بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيدا في الدار وعمرا في السوق. أو عمرو في السوق. وأمّا قوله آياتٌ لِقَوْمٍ «١» يَعْقِلُونَ فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: إن، وفى: أقيمت الواو مقامهما، فعملت «٢» الجر في اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ،
стр. 2350
والنصب في آياتٌ. وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء وفي: عملت الرفع في آياتٌ، والجر في وَاخْتِلافِ وقرأ ابن مسعود: وفي اختلاف الليل والنهار. فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقام فيه. وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟
قلت: فيه وجهان عنده. أحدهما: أن يكون على إضمار في. والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها. ويعضده قراءة ابن مسعود. والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي: وقرئ: واختلاف الليل والنهار بالرفع. وقرئ: آية. وكذلك وما يبث من دابة آية. وقرئ وتصريف الريح. والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بدّ لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيمانا، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم، وسمى المطر رزقا، لأنه سبب الرزق تِلْكَ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أى: تلك الآيات آيات الله. ونَتْلُوها في محل الحال، أى: متلوة عَلَيْكَ بِالْحَقِّ والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة. ونحوه: هذا بَعْلِي شَيْخاً وقرئ: يتلوها، بالياء بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ أى بعد آيات الله كقولهم: أعجبنى زيد وكرمه، يريدون: أعجبنى كرم زيد. ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ. وقرئ يُؤْمِنُونَ بالتاء والياء.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٧ الى ١٠]
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)
الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام يُصِرُّ يقبل على كفره ويقيم
стр. 2351
عليه. وأصله من إصرار الحمار على العانة «١» وهو أن ينحى عليها صارّا أذنيه مُسْتَكْبِراً عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدريا لها معجبا بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن.
والآية عامّة في كل ما كان مضارّا لدين الله. فإن قلت: ما معنى ثم في قوله ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً؟
قلت: كمعناه في قول القائل:
يرى غمرات الموت ثمّ يزورها «٢»
وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها. وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها. فأمر مستبعد، فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعد ما رآها وعاينها، شيء يستبعد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها: كان مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها كَأَنْ مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها: والضمير ضمير الشأن، كما في قوله:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم «٣»
ومحل الجملة النصب على الحال. أى: يصير مثل غير السامع وَإِذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها اتَّخَذَها أى اتخذ الآيات هُزُواً ولم يقل: اتخذه، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد ﷺ : خاض في الاستهزاء بجميع الآيات. ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئا
стр. 2352
يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملا يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزوا، وذلك نحو افتراص ابن الزبعرى قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ومغالطته رسول الله ﷺ ، وقوله: خصمتك. ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء، لأنه في معنى الآية كقول أبى العتاهية:
نفسي بشيء من الدنيا معلّقة … الله والقائم المهدي يكفيها «١»
حيث أراد عتبة. وقرئ: علم أُولئِكَ إشارة إلى كل أفاك أثيم، لشموله الأفاكين. والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام. قال:
أليس ورائي أن تراخت منيّتى … أدب مع الولدان أزحف كالنّسر «٢»
ومنه قوله مِنْ وَرائِهِمْ أى من قدّامهم ما كَسَبُوا من الأموال في رحلهم ومتاجرهم وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان.
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ١١]
هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)
هذا إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لأنّ آيات ربهم هي القرآن، أى هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد كامل في الرجولية.
وأيما رجل. والرجز: أشد العذاب. وقرئ بجر أليم ورفعه.
стр. 2353
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٢ الى ١٣]
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. فإن قلت: ما معنى مِنْهُ في قوله جَمِيعاً مِنْهُ وما موقعها من الإعراب، قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، يعنى: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف، تقديره: هي جميعا منه، وأن يكون وَسَخَّرَ لَكُمْ تأكيدا لقوله تعالى سَخَّرَ لَكُمْ ثم ابتدئ قوله: ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ وأن يكون ما فِي الْأَرْضِ مبتدأ، ومِنْهُ خبره. وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما: منة، وقرأ سلمة بن محارب: منه، على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازى. أو على أنه خبر مبتدإ محذوف، أى: ذلك.
أو هو منه.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٤ الى ١٥]
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)
حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه. والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. وقيل: نزولها في عمر رضى الله عنه- وقد شتمه رجل من غفار فهمّ أن يبطش به.
وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزي عمر بما صنع لِيَجْزِيَ تعليل الأمر بالمغفرة، أى: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. فإن قلت: قوله قَوْماً ما وجه تنكيره وإنما أراد الذين آمنوا وهم معارف؟ قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل. ليجزي أيما قوم وقوما «١» مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا
стр. 2354
يجرعونهم من الغصص بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ومعنى قوله عمر: ليجزي عمر بما صنع: ليجزي بصبره واحتماله. وقوله لرسول الله ﷺ عند نزول الآية: والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهى. وقرئ: ليجزي قوما، أى: الله . وليجزي قوم. وليجزي قوما، على معنى: وليجزي الجزاء قوما.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)
الْكِتابَ التوراة وَالْحُكْمَ الحكمة والفقه. أو فصل الخصومات بين الناس، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة مِنَ الطَّيِّباتِ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم بَيِّناتٍ آيات ومعجزات مِنَ الْأَمْرِ من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم. وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم، أو لعداوة وحسد.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٨ الى ١٩]
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)
عَلى شَرِيعَةٍ على طريقة ومنهاج مِنَ الْأَمْرِ من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال. ودينهم المبنى على هوى وبدعة، وهم رؤساء قريش حين قالوا. ارجع إلى دين آبائك. ولا توالهم، إنما يوالى الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون: فوليهم الله وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين.
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٠]
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
هذا القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب. كما جعل روحا وحياة وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن.
وقرئ: هذه بصائر، أى: هذه الآيات.
стр. 2355
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢١]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)
أَمْ
منقطعة. ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح: الاكتساب. ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله، أى: كاسبهم أَنْ نَجْعَلَهُمْ
أن نصيرهم. وهو من جعل المتعدي إلى مفعولين فأوّلهما الضمير، والثاني: الكاف، والجملة التي هي سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
بدل من الكاف، لأنّ الجملة تقع مفعولا ثانيا، فكانت في حكم المفرد. ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم: كان سديدا، كما تقول: ظننت زبدا أبوه منطلق. ومن قرأ سَواءً
بالنصب: أجرى سواء مجرى مستويا، وارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية، وكان مفردا غير جملة. ومن قرأ:
ومماتهم بالنصب، جعل محياهم ومماتهم: ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم. أى: سواء في محياهم وفي مماتهم. والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن يستووا مماتا، لافتراق أحوالهم أحياء. حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي. ومماتا، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم. وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل: سواء محياهم ومماتهم: كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم: كل يموت على حسب ما عاش عليه. وعن تميم الداري رضى الله عنه أنه كان يصلى ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكى ويردّد إلى الصباح: ساء ما يحكمون.
وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكى ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أى الفريقين أنت.
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٢]
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)
وَلِتُجْزى معطوف على بالحق، لأنّ فيه معنى التعليل. أو على معلل محذوف تقديره:
خلق الله السماوات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس.
стр. 2356
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٣]
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)
أى: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
وقرئ: آلهة هواه، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى: يعبد كل وقت واحدا منها وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وتركه عن الهداية «١» واللطف وخذله على علم، عالما بأنّ ذلك لا يجدى عليه، وأنه ممن لا لطف له.
أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة «٢» فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ إضلال اللَّهُ وقرئ: غشاوة، بالحركات الثلاث. وغشوة، بالكسر والفتح.
وقرئ: تتذكرون
[سورة الجاثية (٤٥) : آية ٢٤]
وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤)
نَمُوتُ وَنَحْيا نموت نحن ويحيا أولادنا. أو يموت بعض ويحيا بعض. أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك. أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة. وقرئ: نحيا، بضم النون. وقرئ: إلا دهر يمرّ، وما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين: كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان.
ومنه قوله ﵇: «لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر» «٣» أى: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)
وقرئ: حجتهم بالنصب والرفع، على تقديم خبر كان وتأخيره. فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته وساقوه مساقها، فسميت حجة
стр. 2357
على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله:
تحيّة بينهم ضرب وجيع «١»
كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد: نفى أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت:
كيف وقع قوله قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ جوابا لقولهم ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت. ألزموا ما هو مقرّون به:
من أنّ الله هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)
عامل النصب في يَوْمَ تَقُومُ يخسر، ويَوْمَئِذٍ بدل من يَوْمَ تَقُومُ جاثِيَةً باركة مستوفزة على الركب. وقرئ: جاذية. والجذوّ: أشد استيفازا من الجثوّ، لأن الجاذى هو الذي يجلس على أطراف أصابعه: وعن ابن عباس رضى الله عنهما: جاثية مجتمعة. وعن قتادة:
جماعات من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثى. وفي الحديث «٢» «من جثى جهنم» «٣» وقرئ
стр. 2358
كُلَّ أُمَّةٍ على الابتداء: وكل أمة: على الإبدال من كل أمة إِلى كِتابِهَا إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله تعالى وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ.
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ محمول على القول. فإن قلت: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله ؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لا بسهم ولا بسه، أما ملابسته إياهم، فلأن أعمالهم مثبتة فيه. وأما ملابسته إياه، فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ يشهد عليكم بما عملتم بِالْحَقِّ من غير زيادة ولا نقصان إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ الملائكة ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى نستكتبهم أعمالكم فِي رَحْمَتِهِ في جنته. وجواب أما محذوف تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣)
وقرئ: والساعة، بالنصب عطفا على الوعد، وبالرفع عطفا على محل إن واسمها مَا السَّاعَةُ أىّ شيء الساعة؟ فإن قلت: ما معنى إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنا.
ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء، ليفاد إثبات الظن مع نفى ما سواء وزيد نفى ما سوى الظن توكيدا بقوله وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ...... سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أى قبائح أعمالهم. أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها.
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)
نَنْساكُمْ نترككم في العذاب كما تركتم عدة لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسى غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال، كالشىء الذي يطرح نسيا منسيا. فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أى نسيتم لقاء الله في يومكم هذا ولقاء جزائه. وقرئ: لا يخرجون، يفتح الياء وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أى يرضوه.
стр. 2359
[سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ فاحمدوا الله لذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فان مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد والثناء على كل مربوب، وكبروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وحق مثله أن يكبر ويعظم.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب» «١» .
سورة الأحقاف
مكية [إلا الآيات ١٠ و ١٥ و ٣٥ فمدنية] وآياتها ٣٤ وقيل ٣٥ آية [نزلت بعد الجاثية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)
إِلَّا بِالْحَقِّ إلا خلقا ملتبسا بالحكمة والغرض الصحيح وَبتقدير أَجَلٍ مُسَمًّى ينتهى إليه وهو يوم القيامة وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه مُعْرِضُونَ لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له. ويجوز أن تكون ما مصدرية، أى: عن إنذارهم ذلك اليوم.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٤]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)
стр. 2360
بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أى من قبل هذا الكتاب وهو القرآن، يعنى: أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك. وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين، من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أى: على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. وقرئ: أثرة، أى: من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرئ: أثرة بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة بالكسر بمعنى الأثرة. وأما الأثرة فالمرّة من مصدر: أثر الحديث إذا رواه. وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر، كالخطبة: اسم ما يخطب به
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٥]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥)
وَمَنْ أَضَلُّ معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالا من عبدة الأصنام، «١» حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس: كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضدا، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم. وإنما قيل مَنْ وهُمْ لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلا وغباوة. ويجوز أن يريد: كلّ معبود من دون الله من الجن
стр. 2361
والإنس والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها. وقرئ: ما لا يستجيب. وقرئ: يدعو غير الله من لا يستجيب، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٦ الى ٧]
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
بَيِّناتٍ جمع بينة: وهي الحجة والشاهد. أو واضحات مبينات. واللام في لِلْحَقِّ مثلها في قوله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً أى لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا «١» . والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين، للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق لَمَّا جاءَهُمْ أى: بادوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر. ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحرا مبينا ظاهرا أمره في البطلان لا شبهة فيه.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٨]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر قولهم: إن محمدا افتراه. ومعنى الهمزة في أم: الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضى منه العجب، وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفتريا. والضمير للحق، والمراد به الآيات قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ على سبيل الفرض عاجلني الله تعالى لا محالة بعقوبة الافتراء عليه. فلا تقدرون
стр. 2362
على كفه عن معاجلتى ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عنى، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه.
يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ومنه قوله ﵇ «لا أملك لكم من الله شيئا» «١» ثم قال هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أى تندفعون فيه من القدح في وحى الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إليهم «٢» في قوله تعالى فلا تملكون لي؟ قلت: كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والإشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم: إن افتريته وأنا أريد بذلك التنصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عنى أيها المنصوحون إن أخذنى الله بعقوبة الافتراء عليه.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٩]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)
البدع، بمعنى: البديع، كالخف بمعنى الخفيف. وقرئ: بدعا، بفتح الدال، أى: ذا بدع
стр. 2363
ويجوز أن يكون صفة على فعل، كقولهم: دين قيم، ولحم زيم «١» : كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم. ولقد أجاب موسى صلوات الله عليه عن قول فرعون: فما بال القرون الأولى؟ بقوله: علمها عند ربى وَما أَدْرِي لأنه لا علم لي بالغيب- ما يفعل الله بى وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقذر لي ولكم من قضاياه إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وعن الحسن: وما أدرى ما يصير إليه أمرى وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي: قال له أصحابه- وقد ضجروا من أذى المشركين-: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم، أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها- يعنى في منامه- ذات نخيل وشجر؟ وعن ابن عباس: ما يفعل بى ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويجوز أن يكون نفيا للدراية المفصلة «٢» . وقرئ: ما يفعل، بفتح الياء، أى: يفعل الله . فإن قلت: إنّ يُفْعَلُ مثبت غير منفي، فكان وجه الكلام: ما يفعل بى وبكم. قلت: أجل، ولكن النفي في ما أدرى لما كان مشتملا عليه لتناوله ما وما في حيزه: صح ذلك وحسن.
ألا ترى إلى قوله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ كيف دخلت الياء في حيز أنّ وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها. وما في ما يُفْعَلُ يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. وقرئ: يوحى، أى الله .
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
стр. 2364
جواب الشرط محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين.
ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ والشاهد من بنى إسرائيل:
عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب. وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال له: إنى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبىّ: ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال ﵊ «١» . أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامى قبل أن تسألهم عنى بهتوني «٢» عندك. فجاءت اليهود فقال لهم النبي ﷺ : أى رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبى وقاص ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشى على وجه الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام «٣» ، وفيه نزل وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ «٤» الضمير للقرآن، أى: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. ويدل عليه قوله تعالى وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ، إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعنى كونه من عند الله. فإن قلت:
أخبرنى عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة «٥» النظم. قلت: الواو الأولى عاطفة
стр. 2365
لكفرتم على فعل الشرط، كما عطفته ثُمَّ في قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد، وأما الواو في وَشَهِدَ شاهِدٌ
فقد عطفت جملة قوله. شهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم: على جملة قوله كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ونظيره قولك: إن أحسنت إليك وأسأت، وأقبلت عليك وأعرضت عنى، لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما، والمعنى: قل أخبرونى إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بنى إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ وقد جعل الإيمان في قوله فَآمَنَ مسببا عن الشهادة على مثله، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحى وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)
لِلَّذِينَ آمَنُوا لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمدا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل:
لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار: قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضر بها حتى يفتر ثم يقول لولا أنى فترت لزدتك ضربا، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه. فإن قلت: لا بدّ من عامل في الظرف «١» في قوله وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ومن متعلق لقوله فَسَيَقُولُونَ وغير
стр. 2366
مستقيم أن يكون فَسَيَقُولُونَ هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتى المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟ قلت: العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف من قوله فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وقولهم: حينئذ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف وكان قوله فَسَيَقُولُونَ مسببا عنه كما صحّ بإضمار أنّ قوله حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ لمصادفة حَتَّى مجرورها، والمضارع ناصبه. وقولهم إِفْكٌ قَدِيمٌ كقولهم: أساطير الأوّلين كِتابُ مُوسى مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبرا مقدما عليه، وهو ناصب إِماماً على الحال، كقولك: في الدار زيد قائما.
وقرئ: ومن قبله كتاب موسى، على: وآتينا الذين قبله التوراة. ومعنى إِماماً: قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام وَرَحْمَةً لمن آمن به وعمل بما فيه وَهذا القرآن كِتابٌ مُصَدِّقٌ لكتاب موسى. أو لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب. وقرئ:
مصدق لما بين يديه. ولِساناً عَرَبِيًّا حال من ضمير الكتاب في مصدق، والعامل فيه مُصَدِّقٌ ويجوز أن ينتصب حالا عن كتاب «١» لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة. وجوّز أن يكون مفعولا لمصدق، أى: يصدق ذا لسان عربى وهو الرسول. وقرئ: لينذر بالياء والتاء، ولينذر: من نذر ينذر إذا حذر وَبُشْرى في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه مفعول له.
стр. 2367
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٥ الى ١٦]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦)
قرئ: حسنا، بضم الحاء وسكون السين. وبضمهما. وبفتحهما. وإحسانا. وكرها، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر. وانتصابه على الحال: أى: ذات كره.
أو على أنه صفة للمصدر، أى: حملا ذا كره وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ومدّة حمله وفصاله ثَلاثُونَ شَهْراً وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين لقوله حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بقيت للحمل ستة أشهر. وقرئ: وفصله.
والفصل والفصال: كالفطم والفطام، بناء ومعنى. فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟ قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهى به ويتم:
سمى فصالا، كما سمى المدّة بالأمد من قال:
كل حى مستكمل مدّة العمر … ومود إذا انتهى أمده «١»
وفيه فائدة وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته. وقرئ: حتى إذا استوى وبلغ أشدّه. وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين. وقيل: لم يبعث نبىّ قط إلا بعد أربعين سنة.
والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكرى النعمة عليه وعلى والديه، لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل المرضى: هو الصلوات الخمس.
فإن قلت: ما معنى فِي في قوله وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي؟ قلت: معناه: أن يجعل ذرّيته موقعا للصلاح «٢» ومظنة له كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتى وأوقعه فيهم ونحوه:
يجرح في عراقيبها نصلى «٣»
مِنَ الْمُسْلِمِينَ من المخلصين. وقرئ: يتقبل، ويتجاوز، بفتح الياء، والضمير فيهما لله عز
стр. 2368
وجل. وقرئا بالنون. فإن قلت: ما معنى قوله فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ؟ قلت: هو نحو قولك:
أكرمنى الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمنى في جملة من أكرم منهم، ونظمنى في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر مؤكد، لأن قوله: يتقبل، ويتجاوز: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل:
نزلت في أبى بكر رضى الله عنه وفي أبيه أبى قحافة وأمّه أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل: لم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبى بكر.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨)
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ مبتدأ خبره: أولئك الذين حق عليهم القول. والمراد بالذي قال:
الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعا. وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل:
نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر «١» قبل إسلامه وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده حتى أسألهما
стр. 2369
عما يقول محمد، ويشهدوا لبطلانه أن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله الذين حق عليهم القول: هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وعن عائشة رضى الله عنها إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن:
لقد جئتم بها هرقلية: تبايعون لأبنائكم، فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته «١» ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله «٢» . وقرئ: أف، بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع، واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غير كما. وقرئ: أتعدانني: بنونين. وأ تعداني: بأحدهما. وأ تعداني:
بالإدغام. وقد قرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحريا للتخفيف، كما تحراه من أدغم ومن أطرح أحدهما أَنْ أُخْرَجَ أن ابعث وأخرج من الأرض. وقرئ: أخرج وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي يعنى: ولم يبعث منهم أحد يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله وَيْلَكَ دعاء عليه بالثبور: والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك فِي أُمَمٍ نحو قوله فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وقرئ: أن، بالفتح، على معنى: آمن بأن وعد الله حق.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ١٩]
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩)
وَلِكُلٍّ من الجنسين المذكورين دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أى منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منهما «٣» . فإن قلت: كيف قيل: درجات، وقد جاء:
الجنة درجات والنار دركات؟ قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب، لاشتمال كل على الفريقين وَلِيُوَفِّيَهُمْ وقرئ: بالنون تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل:
стр. 2370
وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم: قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٠]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)
ناصب الظرف هو القول المضمر قبل أَذْهَبْتُمْ وعرضهم على النار: تعذيبهم بها، من قولهم: عرض بنو فلان على السيف «١» إذا قتلوا به. ومنه قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس رضى الله عنه: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ أى: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضى الله عنه:
لو شئت لدعوت بصلائق وصناب «٢» وكراكر وأسنمة، ولكنى رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا «٣» . وعنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا، ولكنى أستبقى طيباتى: «٤» وعن رسول الله ﷺ أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا، فقال: أأنتم اليوم خير أم يوم
стр. 2371
يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة. قالوا: نحن يومئذ خير. قال. بل أنتم اليوم خير «١» وقرئ: أذهبتم بهمزة الاستفهام. وآ أذهبتم بألف بين همزتين، الهون. والهوان: وقرئ عذاب الهوان، وقرئ يفسقون بضم السين وكسرها.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢١]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)
الأحقاف: جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من احقوقف الشيء إذا اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنُّذُرُ جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ من قبله وَمِنْ خَلْفِهِ ومن بعده. وقرئ: من بين يديه ومن بعده. والمعنى: أنّ هودا ﵇ قد أنذرهم فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم العذاب، وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره وعن ابن عباس رضى الله عنه: يعنى الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى وَمِنْ خَلْفِهِ على هذا التفسير ومن بعد إنذاره، هذا إذا علقت، وقد خلت النذر بقوله: أنذر قومه، ولك أن تجعل قوله تعالى وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ اعتراضا بين أنذر قومه وبين أَلَّا تَعْبُدُوا ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٢]
قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)
الإفك: الصرف. يقال أفكه عن رأيه عَنْ آلِهَتِنا عن عبادتها بِما تَعِدُنا من معاجلة العذاب على الشرك إِنْ كُنْتَ صادقا في وعدك.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٣]
قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣)
فإن قلت: من أين طابق قوله تعالى إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ جوابا لقولهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا؟
стр. 2372
قلت: من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب. ألا ترى إلى قوله تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ فقال لهم: لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابا، إنما علم ذلك عند الله، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟ ومعنى:
وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وقرئ بالتخفيف: أن الذي هو شأنى وشرطي: أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين لا مقترحين، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)
فَلَمَّا رَأَوْهُ في الضمير وجهان: أن يرجع إلى ما تعدنا، وأن يكون مبهما قد وضح أمره بقوله عارِضاً إما تمييزا وإما حالا. وهذا الوجه أعرب وأفصح. والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء. ومثله: الحبى والعنان، من حبا وعنّ: إذا عرض. وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفا للنكرة بَلْ هُوَ القول قبله مضمر، والقائل: هود ﵇، والدليل عليه قراءة من قرأ: قال هود، بل هو. وقرئ: قل بل ما استعجلتم به هي ريح، أى قال الله تعالى: قل تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية. وقرئ يدمر كل شيء من دمر دمارا إذا هلك لا تَرى الخطاب للرائى من كان. وقرئ: لا يرى، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء وهي عن الحسن رضى الله عنه: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنهم. ومنه بيت ذى الرمّة:
وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع»
وليست بالقوية. وقرئ: لا ترى إلا مسكنهم، ولا يرى إلا مسكنهم. وروى أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة. وقيل:
أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار. وروى:
أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح
стр. 2373
الأبواب وصرعتهم، وأما الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم، فاحتملتهم فطرحتهم في البحر. وروى أنّ هودا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا مايلين على الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وعن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: اللهم إنى أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت «١» به، وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله ما تخاف؟ فيقول: إنى أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: «هذا عارض ممطرنا» . فإن قلت: ما فائدة إضافة الرب إلى الريح؟ قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده. وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته : يعضد ذلك ويقوّيه،
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٦]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦)
إِنْ نافية، أى: فيما ما مكنا كم فيه، إلا أنّ إِنْ أحسن في اللفظ، لما فيه مجامعة ما مثلها من التكرير المستبشع. ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في «مهما» :
«ماماز» لبشاعة التكرير: قلبوا الألف هاء. ولقد أغث «٢» أبو الطيب في قوله:
لعمرك ماما بان منك لضارب «٣»
وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال:
لعمرك ما إن بان منك لضارب «٤»
стр. 2374
وقد جعلت إن صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش:
يرجّى المرء ما إن لا يراه … وتعرض دون أدناه الخطوب «١»
وتؤوّل بإنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه: والوجه هو الأوّل، ولقد جاء عليه غير آية في القرآن هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار مِنْ شَيْءٍ أى من شيء من الإغناء، وهو القليل منه. فإن قلت بم انتصب إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ؟ قلت: بقوله تعالى فَما أَغْنى. فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟ قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته وضربته إذا أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته، فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلا أن «إذ، وحيث، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.
стр. 2375
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٧]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)
ما حَوْلَكُمْ يا أهل مكة مِنَ الْقُرى من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما. والمراد:
أهل القرى. ولذلك قال لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٢٨]
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)
القربان: ما تقرب به إلى الله تعالى، أى: اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله، حيث قالوا:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين «١» المحذوف «٢» ، والثاني:
آلهة. وقربانا: حال ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا وآلهة بدلا منه لفساد المعنى. وقرئ قربانا بضم الراء. والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أى غابوا عن نصرتهم وَذلِكَ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أى: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء. وقرئ:
إفكهم: والأفك والإفك: كالحذر والحذر. وقرئ: وذلك إفكهم، أى: وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق. وقرئ: أفكهم على التشديد للمبالغة. وآفكهم:
جعلهم آفكين. وآفكهم، أى: قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول قول كاذب، وذلك إفك مما كانوا يفترون، أى: بعض ما كانوا يفترون من الإفك.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)
стр. 2376
صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك. وقرئ: صرفنا بالتشديد، لأنهم جماعة. والنفر: دون العشرة. ويجمع أنفارا. وفي حديث أبى ذر رضى الله عنه: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا «١» فَلَمَّا حَضَرُوهُ الضمير للقرآن. أى: فلما كان بمسمع منهم. أو لرسول الله ﷺ . وتعضده قراءة من قرأ فَلَمَّا قُضِيَ أى أتمّ قراءته وفرع منها قالُوا قال بعضهم لبعض أَنْصِتُوا اسكتوا مستمعين. يقال: أنصت لكذا واستنصت له. روى أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا: ما هذا إلا لنبإ حدث، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين أو نينوى: منهم زوبعة، فضربوا حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادى نخلة، فوافقوا «٢» رسول الله ﷺ وهو قائم في جوف الليل يصلى أو في صلاة الفجر، فاستمعوا لقراءته، وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاء ثقيف «٣» . وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم «٤» . وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجنّ ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال: إنى أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فمن يتبعني: قالها ثلاثا، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: لم يحضره ليلة الجنّ أحد غيرى، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطا وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت
стр. 2377
على رسول الله ﷺ ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله ﷺ : هل رأيت شيئا؟ قلت: نعم رجالا سودا مستثفري ثياب بيض «١» ، فقال: أولئك جنّ نصيبين» «٢» وكانوا اثنى عشر ألفا، والسورة التي قرأها عليهم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. فإن قلت: كيف قالوا مِنْ بَعْدِ مُوسى؟ قلت: عن عطاء رضى الله عنه: أنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى ﵇، فلذلك قالت: من بعد موسى. فإن قلت: لم بعّض في قوله مِنْ ذُنُوبِكُمْ؟ قلت: لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم «٣» ونحوها.
ونحوه قوله أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ. فإن قلت:
هل للجنّ ثواب كما للإنس؟ قلت: اختلف فيه فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، لقوله تعالى وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وإليه كان يذهب أبو حنيفة ﵀. والصحيح أنهم في حكم بنى آدم، لأنهم مكلفون مثلهم فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أى: لا ينجى منه مهرب، ولا يسبق قضاءه سابق. ونحوه قوله تعالى وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً.
стр. 2378
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٣]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)
بِقادِرٍ محله الرفع، لأنه خبر أن، يدل عليه قراءة عبد الله: قادر، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على أن وما في حيزها. وقال الزجاج: لو قلت: ما ظننت أنّ زيدا بقائم: جاز، كأنه قيل: أليس الله بقادر. ألا ترى إلى وقوع بلى مقرّرة للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم. وقرئ: يقدر. ويقال: عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه.
ومنه أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٤]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)
أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ محكي بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ناصب الظرف. وهذا إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى فَذُوقُوا الْعَذابَ والمعنى: التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.
[سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٥]
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)
أُولُوا الْعَزْمِ أولوا الجد والثبات والصبر. ومِنَ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولى العزم: بعض الأنبياء. قيل: هم نوح، صبر على أذى قومه: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه: إنا لمدركون، قال: كلا إنّ معى ربى سيهدين، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وفي يونس وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ ويجوز أن تكون للبيان، فيكون أولو العزم صفة الرسل كلهم وَلا تَسْتَعْجِلْ لكفار قريش بالعذاب، أى: لا تدع لهم بتعجيله، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ
стр. 2379
أى هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة. أو هذا تبليغ من الرسول ﵇ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه. ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ: بلغ فهل يهلك: وقرئ: بلاغا، أى بلغوا بلاغا: وقرئ: يهلك، بفتح الياء وكسر اللام وفتحها، من هلك وهلك. ونهلك بالنون إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا» «١» .
سورة محمد ﷺ
مدنية عند مجاهد. وقال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية. وهي سورة القتال وهي تسع وثلاثون آية. وقيل ثمان وثلاثون [نزلت بعد الحديد] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢)
وَصَدُّوا. وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام: أو صدّوا غيرهم عنه. قال ابن عباس رضى الله عنه: هم المطعمون يوم بدر. وعن مقاتل: كانوا اثنى عشر رجلا من أهل الشرك يصدّون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر. وقيل: هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقيل: هو عامّ في كل من كفر وصدّ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أبطلها وأحبطها. وحقيقته: جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها
стр. 2380
ويثيب عليها، كالضالة من الإبل «١» التي هي بمضيعة لا ربّ لها يحفظها ويعتنى بأمرها. أو جعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في اللبن. وأعمالهم: ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم: من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار.
وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ والصدّ عن سبيل الله: بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله وَالَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل: هم ناس من قريش. وقيل: من الأنصار. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هو عام. وقوله وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله ﷺ من بين ما يجب به الإيمان تعظيما لشأنه وتعليما، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وقيل: معناها إنّ دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره. وقرئ:
نزل وأنزل، على البناء للمفعول. ونزّل على البناء للفاعل، ونزل بالتخفيف كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أى حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
[سورة محمد (٤٧) : آية ٣]
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣)
ذلِكَ مبتدأ وما بعده خبره، أى: ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني: كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدإ محذوف، أى. الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوبا على هذا، ومرفوعا على الأوّل والْباطِلَ ما لا ينتفع به. وعن مجاهد: الباطل الشيطان: وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير كَذلِكَ مثل ذلك الضرب يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس
стр. 2381
ليعتبروا بهم. فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين.
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٦]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦)
لَقِيتُمُ من اللقاء وهو الحرب فَضَرْبَ الرِّقابِ أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وقدّم المصدر فأنيب منابه مضافا إلى المفعول. وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون:
ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه «١» إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه «٢» من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من الشيء الثخين: وهو الغليظ. أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض فَشُدُّوا الْوَثاقَ فأسروهم.
والوثاق بالفتح والكسر: - اسم ما يوثق به مَنًّا وفِداءً منصوبان بفعليهما مضمرين، أى: فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء. والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم. فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت: أمّا عند أبى حنيفة وأصحابه فأحد أمرين: إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم: أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية: نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق. ويجوز أن يراد بالمنّ: أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا.
стр. 2382
أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة. وبالفداء أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين، فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبى حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين، وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو: القتل، والاسترقاق «١» ، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن رسول الله ﷺ منّ على أبى عروة الحجبي «٢» ، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، «٣» وفادى رجل برجلين من المشركين «٤» : وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأى. وقرئ: فدى، بالقصر مع فتح الفاء. أوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها … رماحا طوالا وخيلا ذكورا «٥»
وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها. وقيل. أوزارها آثامها، يعنى: حتى يترك أهل الحرب. هم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا. فإن قلت: حَتَّى بم تعلقت؟ قلت: لا تخلو إما أن تتعلق بالضرب والشد: أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رضى الله عنه: أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين. وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل:
إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇. وعند أبى حنيفة ﵀: إذا علق بالضرب والشد، فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها
стр. 2383
إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل ذلِكَ أى الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ لانتقم منهم ببعض أسباب الهلك: من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق. أو موت جارف، وَلكِنْ أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين: أن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقرئ: قتلوا، بالتخفيف والتشديد: وقتلوا. وقاتلوا. وقرئ:
فلن يضل أعمالهم، وتضل أعمالهم: على البناء للمفعول. ويضل أعمالهم من ضل. وعن قتادة:
أنها نزلت في يوم أحد عَرَّفَها لَهُمْ أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال مجاهد: يهتدى أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل: إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشى بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله. أو طيبها لهم، من العرف: وهو طيب الرائحة. وفي كلام بعضهم:
عزف كنوح القمارى «١» ، وعرف كفوح القمارى. أو حددها لهم، فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من: عرف الدار وارفها. والعرف والارف، الحدود.
[سورة محمد (٤٧) : آية ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧)
إِنْ تَنْصُرُوا دين اللَّهَ ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوكم ويفتح لكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام.
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٨ الى ٩]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره فَتَعْساً لَهُمْ كأنه قال:
أتعس الذين كفروا. فإن قلت: علام عطف قوله وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ؟ قلت: على الفعل الذي نصب تعسا، لأنّ المعنى فقال: تعسا لهم، أو فقضى تعسا لهم. وتعسا له: نقيض «لعاله» قال الأعشى:
فالتّعس أولى لها من أن أقول لعا «٢»
стр. 2384
يريد: فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار كَرِهُوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٠]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠)
دمره: أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به. والمعنى: دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة، لأن التدمير يدل عليها. أو للسنة، لقوله عزّ وعلا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١١]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١)
مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وليهم وناصرهم. وفي قراءة ابن مسعود: ولى الذين آمنوا. ويروى أن رسول الله ﷺ كان في الشعب يوم أحد وقد فشت فيهم الجراحات، وفيه نزلت، فنادى المشركون: اعل هبل: فنادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فنادى المشركون:
يوم بيوم والحرب سجال، إن لنا عزى ولا عزى لكم فقال رسول الله ﷺ :
«قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون «١» . فإن قلت: قوله تعالى وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ مناقض لهذه الآية. قلت:
لا تناقض بينهما، لأن الله مولى عباده جميعا على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم وأما على معنى الناصر فهو مول المؤمنين خاصة.
стр. 2385
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٢]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)
يَتَمَتَّعُونَ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل وَيَأْكُلُونَ غافلين غير مفكرين في العاقبة كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح مَثْوىً لَهُمْ منزل ومقام.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٣]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)
وقرئ: وكائن، بوزن كاعن «١» . وأراد بالقرية أهلها، ولذلك قال أَهْلَكْناهُمْ كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك: كانوا سبب خروجك. فإن قلت: كيف قال فَلا ناصِرَ لَهُمْ؟ وإنما هو أمر قد مضى. قلت:
مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال أهلكناهم فهم لا ينصرون.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٤]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)
من زين له: هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ومن كان على بينة من ربه أى على حجة من عنده وبرهان: وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله ﷺ . وقرئ: أمن كان على بينة من ربه. وقال تعالى سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا للحمل على لفظ مِنْ ومعناه.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٥]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)