← Тафсир

Тафсир · id 23627

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف

الزمخشري

Полный текст (2 890 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضى الله عنهما: سكرة الحق بالموت، على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة، والباء للتعدية، لأنها سبب زهوق الروح لشدتها، أو لأنّ الموت يعقبها، فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت. وقيل سكرة الحق سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعا لشأنها وتهويلا. وقرئ: سكرات الموت ذلِكَ إشارة إلى الموت، والخطاب للإنسان في قوله وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ على طريق الالتفات. أو إلى الحق والخطاب للفاجر تَحِيدُ تنفر وتهرب. وعن بعضهم: أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال: الخطاب لرسول الله ﷺ ، فحكاه لصالح بن كيسان فقال: والله ما سنّ عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال: أخالفهما جميعا: هو للبر والفاجر ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ على تقدير حذف المضاف، أى: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر نفخ سائِقٌ وَشَهِيدٌ ملكان: أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله. أو ملك واحد جامع بين الأمرين، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها، ومحل مَعَها سائِقٌ النصب على الحال من كل لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة. قرئ: لقد كنت. عنك غطاءك فبصرك، بالكسر على خطاب النفس، أى: يقال لها لقد كنت. جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق. ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته: حديدا لتيقظه. [سورة ق (٥٠) : آية ٢٣] وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) وَقالَ قَرِينُهُ هو الشيطان الذي قيض له في قوله نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يشهد له قوله تعالى قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ. هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ هذا شيء لدىّ وفي ملكتي عتيد لجهنم. والمعنى: أن ملكا يسوقه وآخر يشهد عليه، وشيطانا مقرونا به، يقول: قد أعتدته لجهنم وهيأته لها بإغوائى وإضلالى. فإن قلت: كيف إعراب هذا الكلام؟ قلت: إن جعلت ما موصوفة، فعتيد: صفة لها: وإن جعلتها موصولة، فهو بدل، أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦)

стр. 2452

أَلْقِيا خطاب من الله تعالى للملكين السابقين: السائق والشهيد: ويجوز أن يكون خطابا للواحد على وجهين: أحدهما قول المبرد: أن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لا تحادهما، كأنه قيل: ألق ألق: للتأكيد. والثاني: أنّ العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: خليلىّ وصاحبيّ، وقفا وأسعدا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسى، اضربا عنقه. وقرأ الحسن: ألقين، بالنون الخفيفة. ويجوز أن تكون الألف في أَلْقِيا بدلا من النون: إجراء للوصل مجرى الوقف عَنِيدٍ معاند مجانب للحق معاد لأهله مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ كثير المنع للمال عن حقوقه، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه شيئا قط. أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يمنع بنى أخيه من الإسلام، وكان يقول: من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت مُعْتَدٍ ظالم متخط للحق مُرِيبٍ شاك في الله وفي دينه الَّذِي جَعَلَ مبتدأ مضمن معنى الشرط، ولذلك أجيب بالفاء. ويجوز أن يكون الَّذِي جَعَلَ منصوبا بدلا من كُلَّ كَفَّارٍ ويكون فَأَلْقِياهُ تكريرا للتوكيد. [سورة ق (٥٠) : آية ٢٧] قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى؟ قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت، فأين التقاول هاهنا؟ قلت: لما قال قرينه هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ وتبعه قوله قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وتلاه لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ: علم أنّ ثم مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال: رب هو أطغانى، فقال قرينه: ربنا ما أطغيته. وأمّا الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعنى مجيء كل نفس مع الملكين: وقول قرينه ما قال له ما أَطْغَيْتُهُ ما جعلته طاغيا، وما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى كقوله تعالى: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) قالَ لا تَخْتَصِمُوا استئناف مثل قوله قالَ قَرِينُهُ كأن قائلا قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال لا تختصموا. والمعنى: لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم

стр. 2453

حجة علىّ، ثم قال: لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدى فأعفيكم عما أوعدتكم به وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فأعذب من ليس بمستوجب للعذاب. والباء في بِالْوَعِيدِ مزيدة مثلها في وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أو معدية، على أن «قدّم» مطاوع بمعنى «تقدّم» ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ويكون بِالْوَعِيدِ حالا، أى: قدّمت إليكم هذا ملتبسا بالوعيد مقترنا به. أو قدّمته إليكم موعدا لكم به. فإن قلت: إنّ قوله وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ واقع موقع الحال من لا تَخْتَصِمُوا والتقديم بالوعيد في الدنيا والخصومة في الآخرة واجتماعها في زمان واحد واجب. قلت: معناه ولا تختصموا وقد صح عندكم أنى قدمت إليكم بالوعيد، وصحة ذلك عندهم في الاخرة. فإن قلت: كيف قال بِظَلَّامٍ على لفظ المبالغة «١» ؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون من قولك: هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده. والثاني: أن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاما مفرط الظلم، فنفى ذلك. [سورة ق (٥٠) : آية ٣٠] يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) قرئ: نقول، بالنون والياء. وعن سعيد بن جبير: يوم يقول الله لجهنم. وعن ابن مسعود والحسن: يقال. وانتصاب اليوم بظلام أو بمضمر، نحو: أذكر وأنذر. ويجوز أن ينتصب بنفخ، كأنه قيل. ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم. وعلى هذا يشار بذلك إلى يوم نقول، ولا يقدّر حذف المضاف. وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل «٢» الذي يقصد به تصوير

стр. 2454

المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان، أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء «١» ولا يزاد على امتلائها، لقوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع للمزيد. ويجوز أن يكون هَلْ مِنْ مَزِيدٍ استكثارا للداخلين فيها واستبداعا للزيادة «٢» عليهم لفرط كثرتهم. أو طلبا للزيادة غيظا على العصاة. والمزيد: إما مصدر كالمحيد والمميد، وإما اسم مفعول كالمبيع. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣١ الى ٣٥] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) غَيْرَ بَعِيدٍ نصب على الظرف، أى: مكانا غير بعيد. أو على الحال، وتذكيره لأنه على زنة المصدر، كالزئير والصليل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث. أو على حذف الموصوف، أى: شيئا غير بعيد، ومعناه التوكيد، كما تقول: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل. وقرئ: توعدون بالتاء والياء، وهي جملة اعتراضية. ولِكُلِّ أَوَّابٍ بدل من قوله للمتقين، بتكرير الجارّ كقوله تعالى لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وهذا إشارة إلى الثواب. أو إلى مصدر أزلفت. والأوّاب: الرجاع إلى ذكر الله تعالى، والحفيظ: الحافظ لحدوده تعالى. ومَنْ خَشِيَ بدل بعد بدل تابع لكل. ويجوز أن يكون بدلا عن موصوف أوّاب وحفيظ، ولا يجوز أن يكون في حكم أوّاب وحفيظ، لأنّ من لا يوصف به

стр. 2455

ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي وحده. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: يقال لهم ادخلوها بسلام، لأنّ مَنْ في معنى الجمع. ويجوز أن يكون منادى كقولهم: من لا يزال محسنا أحسن إلىّ، وحذف حرف النداء للتقريب بِالْغَيْبِ حال من المفعول، أى: خشيه وهو غائب لم يعرفه، وكونه معاقبا إلا بطريق الاستدلال. أو صفة لمصدر خشي، أى خشيه خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، أو خشيه بسبب الغيب الذي أوعده به من عذابه. وقيل: في الخلوة حيث لا يراه أحد. فإن قلت: كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ «١» قلت: للثناء البليغ على الخاشى وهو خشيته، مع علمه أنه الواسع الرحمة، كما أثنى عليه بأنه خاش، مع أنّ المخشى منه غائب، ونحوه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات. وصف القلب بالإنابة وهي الرجوع إلى الله تعالى، لأنّ الاعتبار بما ثبت منها في القلب. يقال لهم ادْخُلُوها بِسَلامٍ أى سالمين من العذاب وزوال النعم. أو مسلما عليكم يسلم عليكم الله وملائكته ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أى يوم تقدير الخلود، كقوله تعالى فَادْخُلُوها خالِدِينَ أى مقدرين الخلود وَلَدَيْنا مَزِيدٌ هو ما لم يخطر ببالهم ولم تبلغه أمانيهم، حتى يشاؤه. وقيل: إن السحاب تمرّ بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد الذي قال الله : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ. [سورة ق (٥٠) : آية ٣٦] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) فَنَقَّبُوا وقرئ بالتخفيف: فخرقوا في البلاد ودوّخوا «٢» . والتنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب. قال الحرث بن حلزة: نقّبوا في البلاد من حذر الموت … وجالوا في الأرض كلّ مجال «٣» ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً أى: شدّة بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه. ويجوز أن يراد: فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون،

стр. 2456

فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، والدليل على صحته قراءة من قرأ فَنَقَّبُوا على الأمر، كقوله تعالى فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ وقرئ بكسر القاف مخففة من النقب وهو أن يتنقب خف البعير. قال: ما مسّها من نقب ولا دبر «١» والمعنى: فنقبت أخفاف إبلهم. أو: حفيت أقدامهم ونقبت، كما تنقب أخفاف الإبل لكثرة طوفهم في البلاد هَلْ مِنْ مَحِيصٍ من الله، أو من الموت. [سورة ق (٥٠) : آية ٣٧] إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أى قلب واع، لأنّ من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له. وإلقاء السمع: الإصغاء وَهُوَ شَهِيدٌ أى حاضر بفطنته، لأنّ من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من يأخذ عنه: ما شئت من زهزهة والفتى … بمصقلاباذ لسقى الزروع «٢»

стр. 2457

أو: وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحى من الله، أو وهو بعض الشهداء في قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده وقرأ السدى وجماعة: ألقى السمع، على البناء للمفعول. ومعناه: لمن ألقى غيره السمع وفتح له أذنه فحسب ولم يحضر ذهنه وهو حاضر الذهن متفطن. وقيل: ألقى سمعه أو السمع منه. [سورة ق (٥٠) : آية ٣٨] وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) اللغوب: الإعياء. وقرئ بالفتح بزنة القبول والولوع. قيل: نزلت في اليهود لعنت تكذيبا لقولهم: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أوّلها الأحد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت واستلقى على العرش. وقالوا: إنّ الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٩ الى ٤٣] فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أى اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه. وقيل: فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: الصبر مأمور به في كل حال بِحَمْدِ رَبِّكَ حامدا ربك، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة، فالصلاة قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ الفجر وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ العشا آن. وقيل التهجد وَأَدْبارَ السُّجُودِ التسبيح في آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل النوافل بعد المكتوبات. وعن على رضى الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وروى عن النبي ﷺ «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين» «١» وعن ابن عباس رضى الله

стр. 2458

عنهما: الوتر بعد العشاء. والأدبار: جمع دبر. وقرئ: وأدبار، من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت. ومعناه: ووقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك خفوق النجم وَاسْتَمِعْ يعنى واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة. وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه، كما يروى عن النبي ﷺ أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: «يا معاذ اسمع ما أقول لك» ، ثم حدّثه بعد ذلك «١» . فإن قلت: بم انتصب اليوم؟ قلت: بما دل عليه ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ أى: يوم ينادى المنادى يخرجون من القبور. ويوم يسمعون: بدل من يَوْمَ يُنادِ والْمُنادِ إسرافيل ينفخ في الصور وينادى: أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرّقة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادى بالحشر مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء باثنى عشر ميلا، وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة: أيتها العظام البالية- والصَّيْحَةَ النفخة الثانية بِالْحَقِّ متعلق بالصيحة، والمراد به البعث والحشر للجزاء. [سورة ق (٥٠) : آية ٤٤] يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) وقرئ: تشقق، وتشقق بإدغام التاء في الشين، وتشقق على البناء للمفعول، وتنشق سِراعاً حال من المجرور عَلَيْنا يَسِيرٌ تقديم الظرف يدل على الاختصاص، يعنى: لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال تعالى ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. [سورة ق (٥٠) : آية ٤٥] نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ تهديد لهم وتسلية لرسول الله ﷺ بِجَبَّارٍ كقوله تعالى بِمُصَيْطِرٍ حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث «٢» . وقيل: أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم. ويجوز أن يكون من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه، أى: ما أنت

стр. 2459

بوال عليهم تجبرهم على الإيمان. وعلى بمنزلته في قولك: هو عليهم، إذا كان واليهم ومالك أمرهم مَنْ يَخافُ وَعِيدِ كقوله تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها لأنه لا ينفع إلا فيه دون المصر على الكفر. عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ سورة ق هوّن الله عليه تارات «١» الموت وسكراته» «٢» . سورة الذاريات مكية وآياتها ٦٠ [نزلت بعد الأحقاف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالذَّارِياتِ الرياح لأنها تذرو التراب وغيره. قال الله تعالى: تَذْرُوهُ الرِّياحُ وقرئ بإدغام التاء في الذال فَالْحامِلاتِ وِقْراً السحاب، لأنها تحمل المطر. وقرئ: وقرأ، بفتح الواو على تسمية المحمول بالمصدر. أو على إيقاعه موقع حملا فَالْجارِياتِ يُسْراً الفلك. ومعنى يُسْراً: جريا ذا يسر، أى ذا سهولة فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً الملائكة، لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها. أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك. وعن مجاهد: تتولى تقسيم أمر العباد: جبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة. وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. وعن علىّ رضى الله عنه أنه قال وهو على المنبر: سلوني قبل أن لا تسألونى، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكوّاء فقال: ما الذاريات ذروا؟ قال: الرياح. قال: فالحاملات وقرا؟

стр. 2460

قال السحاب. قال: فالجاريات يسرا؟ قال: الفلك. قال فالمقسمات أمرا؟ قال: الملائكة «١» وكذا عن ابن عباس. وعن الحسن فَالْمُقَسِّماتِ السحاب، يقسم الله بها أرزاق العباد، وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد: الرياح لا غير، لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه، وتجرى في الجوّ جريا سهلا، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. فإن قلت: ما معنى الفاء على التفسيرين؟ قلت: أمّا على الأوّل فمعنى التعقيب فيها أنه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه. وأمّا على الثاني، فلأنها تبتدئ بالهبوب «٢» ، فتذرو التراب والحصباء، فتنقل السحاب، فتجرى في الجوّ باسطة له فتقسم المطر إِنَّ ما تُوعَدُونَ جواب القسم، وما موصولة أو مصدرية، والموعود: البعث. ووعد صادق: كعيشة راضية. والدين: الجزاء، والواقع: الحاصل. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٧ الى ٩] وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) الْحُبُكِ الطرائق، مثل حبك الرمل والماء: إذا ضربته الريح، وكذلك حبك الشعر: آثار تثنيه وتكسره. قال زهير: مكلّل بأصول النّجم تنسجه … ريح خريق لضاحى مائه حبك «٣»

стр. 2461

والدرع محبوكة: لأنّ حلقها مطرق طرائق. ويقال: إنّ خلقة السماء كذلك. وعن الحسن: حبكها نجومها. والمعنى: أنها تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي. وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها، من قولهم: فرس محبوك المعاقم، «١» أى محكمها. وإذا أجاد الحائك الحياكة قالوا: ما أحسن حبكه، وهو جمع حباك، كمثال ومثل. أو حبيكة، كطريقة وطرق. وقرئ: الحبك، بوزن القفل. والحبك، بوزن السلك. والحبك، بوزن الجبل. والحبك بوزن البرق. والحبك بوزن النعم. والحبك بوزن الإبل إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ قولهم في الرسول: ساحر وشاعر ومجنون، وفي القرآن: شعر وسحر وأساطير الأولين. وعن الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستويا، إنما هو متناقض مختلف. وعن قتادة: منكم مصدّق ومكذب، ومقرّ ومنكر يُؤْفَكُ عَنْهُ الضمير للقرآن أو للرسول، أى: يصرف عنه، من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه «٢» وأعظم، كقوله: لا يهلك على الله إلا هالك. وقيل: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أى: علم فيما لم يزل أنه مأفوك عن الحق لا يرعوى. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين: أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاك، ومنهم جاحد. ثم قال: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك. ووجه آخر: وهو أن يرجع الضمير إلى قول مختلف وعن مثله في قوله: ينهون عن أكل وعن شرب «٣» أى: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. وحقيقته: يصدر تناهيهم في السمن عنهما،

стр. 2462

وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف. وقرأ سعيد بن جبير: يؤفك عنه من أفك، على البناء للفاعل. أى: من أفك الناس عنه وهم قريش، وذلك أنّ الحي كانوا يبعثون الرجل ذا العقل والرأى ليسأل عن رسول الله ﷺ ، فيقولون له: احذره، فيرجع فيخبرهم. وعن زيد بن على: يأفك عنه من أفك، أى: يصرف الناس عنه من هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضا: يأفك عنه من أفك، أى: يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب. وقرئ: يؤفن عنه من أفن، أى: يحرمه من حرم، من أفن الضرع إذا نهكه حلبا. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٠ الى ١٤] قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ دعاء عليهم، كقوله تعالى قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن وقبح. والخرّاصون: الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم، كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون. وقرئ: قتل الخراصين، أى: قتل الله فِي غَمْرَةٍ في جهل يغمرهم ساهُونَ غافلون عما أمروا به يَسْئَلُونَ فيقولون أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أى متى يوم الجزاء. وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة. فإن قلت: كيف وقع أيان ظرفا لليوم، وإنما تقع الأحيان ظروفا للحدثان؟ قلت: معناه: أيان وقوع يوم الدين. فإن قلت: فبم انتصب اليوم الواقع في الجواب؟ قلت: بفعل مضمر دل عليه السؤال، أى: يقع يوم هم على النار يفتنون. ويجوز أن يكون مفتوحا لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة. فإن قلت: فما محله مفتوحا؟ قلت: يجوز أن يكون محله نصبا بالمضمر الذي هو يقع، ورفعا على هو يوم هم على النار يفتنون. وقرأ ابن أبى عيلة بالرفع يُفْتَنُونَ يحرقون ويعذبون. ومنه الفتين: وهي الحرّة، لأن حجارتها كأنها محرقة ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ في محل الحال، أى: مقولا لهم هذا القول هذَا مبتدأ، والَّذِي خبره، أى: هذا العذاب هو الذي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ويجوز أن يكون هذا بدلا من فتنتكم، أى: ذوقوا هذا العذاب. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ١٩] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)

стр. 2463

آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، يعنى أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو متلقى بالقبول مرضى غير مسخوط، لأن جميعه حسن طيب. ومنه قوله تعالى وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أى يقبلها ويرضاها مُحْسِنِينَ قد أحسنوا أعمالهم، وتفسير إحسانهم ما بعده ما مزيدة. والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلت قليلا ظرفا، ولك أن تجعله صفة للمصدر، أى: كانوا يهجعون هجوعا قليلا. ويجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة، على: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه. وارتفاعه بقليلا على الفاعلية «١» . وفيه مبالغات لفظ الهجوع، وهو الفرار من النوم «٢» . قال: قد حصت البيضة رأسى فما … أطعم نوما غير تهجاع «٣» وقوله قَلِيلًا ومِنَ اللَّيْلِ لأن الليل وقت السبات والراحة، وزيادة ما المؤكدة لذلك:

стр. 2464

وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقوله هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه. فإن قلت: هل يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم، وأن يكون المعنى: أنهم لا يهجعون من الليل قليلا، ويحيونه كله؟ قلت: لا، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول: زيدا لم أضرب، ولا تقول. زيدا ما ضربت: السائل: الذي يستجدى وَالْمَحْرُومِ الذي يحسب غنيا فيحرم الصدقة لتعففه. وعن النبي ﷺ : «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» قالوا: فما هو؟ قال «الذي لا يجد ولا يتصدق عليه» «١» وقيل: الذي لا ينمى له مال. وقيل: المحارف «٢» الذي لا يكاد يكسب. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٠ الى ٢١] وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث هي مدحوّة كالبساط لما فوقها كما قال الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها، وهي مجزأة: فمن سهل وجبل وبر وبحر: وقطع متجاورات: من صلبة ورخوة، وعذاة «٣» وسبخة، وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدواب المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال: من الوحشي والإنسى والهوام، وغير ذلك لِلْمُوقِنِينَ الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وإيقانا إلى إيقانهم وَفِي أَنْفُسِكُمْ في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق: ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وخصت به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها: من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر، دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوّى في الأعضاء

стр. 2465

من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا «١» شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ هو المطر، لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد بن جبير: هو الثلج وكل عين دائمة منه. وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم وَما تُوعَدُونَ الجنة: هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش. أو أراد: أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدر مكتوب في السماء. قرئ: مثل ما بالرفع صفة للحق، أى حق مثل نطقكم، وبالنصب على: إنه لحق حقا مثل نطقكم. ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن. وما مزيدة بنص الخليل، وهذا كقول الناس: إن هذا لحق، كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما إنك هاهنا. وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي ﷺ ، أو إلى ما توعدون. وعن الأصمعى: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابى على قعود له فقال: من الرجل؟ قلت: من بنى أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علىّ، فتلوت وَالذَّارِياتِ فلما بلغت قوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بى بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابى قد نحل واصفر، فسلم علىّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: فورب السماء والأرض إنه لحق، فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين، قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٤ الى ٣٠] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)

стр. 2466

هَلْ أَتاكَ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله ﷺ ، وإنما عرفه بالوحي. والضيف للواحد والجماعة كالزور والصوم، لأنه في الأصل مصدر ضافه، وكانوا اثنى عشر ملكا. وقيل: تسعة عاشرهم جبريل. وقيل ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وملك معهما. وجعلهم ضيفا، لأنهم كانوا في صورة الضيف: حيث أضافهم إبراهيم. أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. وإكرامهم: أنّ إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القرى أو أنهم في أنفسهم مكرمون. قال الله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. إِذْ دَخَلُوا نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم، وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل. أو بإضمار اذكر سَلاماً مصدر سادّ مسدّ الفعل مستغنى به عنه. وأصله: نسلم عليكم سلام، وأمّا سَلامٌ فمعدول به إلى الرفع على الابتداء. وخبره محذوف، معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذا بأدب الله تعالى. وهذا أيضا من إكرامه لهم. وقرئا مرفوعين. وقرئ: سلاما قال سلما. والسلم: السلام. وقرئ: سلاما قال سلم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام. أو أراد: أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم، كما لو أبصر العرب قوما من الخزر «١» أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالا لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يخفى أمره «٢» ، وأن يباده بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره. قال قتادة: كان عامة مال نبى الله إبراهيم: البقر فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ. والهمزة في أَلا تَأْكُلُونَ للإنكار: أنكر عليهم ترك الأكل. أو حثهم عليه فَأَوْجَسَ فأضمر. وإنما خافهم لأنهم لم يتحرّموا بطعامه «٣»

стр. 2467

فظن أنهم يريدون به سوءا. وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. وعن عون بن شداد: مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمّه بِغُلامٍ عَلِيمٍ أى يبلغ ويعلم. وعن الحسن: عليم: نبىّ، والمبشر به إسحاق، وهو أكثر الأقاويل وأصحها، لأن الصفة صفة سارّة لا هاجر، وهي امرأة إبراهيم وهو بعلها. وعن مجاهد: هو إسماعيل فِي صَرَّةٍ في صيحة، من: صر الجندب، وصرّ القلم والباب، ومحله النصب على الحال، أى: فجاءت صارّة. قال الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل: فأخذت في صرة، كما تقول: أقبل يشتمني. وقيل: صرتها قولها: أوه. وقيل: يا ويلتا. وعن عكرمة: رنتها «١» فَصَكَّتْ فلطمت ببسط يديها. وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب عَجُوزٌ أنا عجوز، فكيف ألد كَذلِكَ مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به قالَ رَبُّكِ أى إنما نخبرك عن الله، والله قادر على ما تستبعدين. وروى أنّ جبريل قال لها: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣١ الى ٣٧] قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلا في بعض الأمور قالَ فَما خَطْبُكُمْ أى: فما شأنكم وما طلبكم إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلى قوم لوط حِجارَةً مِنْ طِينٍ يريد: السجيل، وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة مُسَوَّمَةً معلمة، من السومة وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به. وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا. سماهم مسرفين، كما سماهم عادين، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم: حيث لم يقنعوا بما أبيح لهم. الضمير في فِيها للقرية، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة. وفيه دليل على أنّ الإيمان والإسلام واحد، وأنهما صفتا مدح. قيل: هم لوط وابنتاه. وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. وعن قتادة: لو كان فيها

стр. 2468

أكثر من ذلك لأنجاهم، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ضيعة على أهله عند الله آيَةً علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم. قال ابن جريج: هي صخر منضود فيها. وقيل: ماء أسود منتن. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي مُوسى عطف على وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ أو على قوله وَتَرَكْنا فِيها آيَةً على معنى: وجعلنا في موسى آية كقوله: علفتها تبنا وماء باردا فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ فازورّ وأعرض، كقوله تعالى وَنَأى بِجانِبِهِ وقيل: فتولى بما كان يتقوّى به من جنوده وملكه. وقرئ: بركنه، بضم الكاف وَقالَ ساحِرٌ أى هو ساحرلِيمٌ آت بما يلام عليه من كفره وعناده، والجملة مع الواو حال من الضمير في فأخذناه. فإن قلت: كيف وصف نبى الله يونس صلوات الله عليه بما وصف به فرعون في قوله تعالى فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ؟ قلت: موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله تعالى وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ لأنّ الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) الْعَقِيمَ التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، وهي ريح الهلاك. واختلف فيها: فعن على رضى الله عنه: النكباء. وعن ابن عباس: الدبور. وعن ابن المسيب: الجنوب. الرميم: كل ما رم أى بلى وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)

стр. 2469

حَتَّى حِينٍ تفسيره قوله تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فاستكبروا عن امتثاله. وقرئ: الصعقة وهي المرّة، من مصدر صعقتهم الصاعقة: والصاعقة النازلة نفسها وَهُمْ يَنْظُرُونَ كانت نهارا يعاينونها. وروى أن العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرّتهم فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ كقوله تعالى فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ وقيل: هو من قولهم: ما يقوم به، إذا عجز عن دفعه مُنْتَصِرِينَ ممتنعين من العذاب. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٤٦] وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) وَقَوْمَ قرئ بالجر على معنى: وفي قوم نوح وتقوّيه قراءة عبد الله: وفي قوم نوح. وبالنصب على معنى: وأهلكنا قوم نوح، لأنّ ما قبله يدل عليه. أو واذكر قوم نوح. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٧ الى ٤٨] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) بِأَيْدٍ بقوّة. والأيد والآد: القوّة. وقد آد يئيد وهو أيد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ لقادرون، من الوسع وهو الطاقة. والموسع: القوى على الإنفاق. وعن الحسن: لموسعون الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة فَنِعْمَ الْماهِدُونَ فنعم الماهدون نحن. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٤٩] وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ أى من كل شيء من الحيوان خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ذكرا وأنثى. وعن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة، فعدّد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أى فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٠ الى ٥١] فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أى إلى طاعته وثوابه «١» من معصيته وعقابه، ووحدوه ولا تشركوا به

стр. 2470

شيئا، وكرّر قوله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ عند الأمر بالطاعة والنهى عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أنّ العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً والمعنى: قل يا محمد: ففرّوا إلى الله. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) كَذلِكَ الأمر، أى مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرا ومجنونا، ثم فسر ما أجمل بقوله ما أَتَى ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بأتى، لأنّ ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو قيل: لم يأت، لكان صحيحا، على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا أَتَواصَوْا بِهِ الضمير للقول، يعنى: أتواصى الأوّلون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أى لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٤ الى ٥٥] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فأعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أى تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانا. وروى أنه لما نزلت فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حزن رسول الله ﷺ واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أنّ الوحى قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله. وذكر. [سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٦] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦)

стр. 2471

أى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها «١» . فإن قلت: لو كان مريدا «٢» للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا؟ قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٧ الى ٥٨] ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) يريد: أنّ شأنى مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفي ربحا. أو مرتب في فلاحة ليعتلّ أرضا. أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأمّا مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنىّ عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي الْمَتِينُ الشديد القوة. قرئ بالرفع صفة لذو، وبالجر صفة للقوّة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. وقرئ: الرازق. وفي قراءة النبي ﷺ : إنى أنا الرازق.

стр. 2472

[سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٥٩ الى ٦٠] فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال: لنا ذنوب ولكم ذنوب … فإن أبيتم فلنا القليب «١» ولما قال عمرو بن شاس: وفي كل حى قد خبطت بنعمة … فحقّ لشاس من نداك ذنوب «٢» قال الملك: نعم وأذنبه. والمعنى: فإنّ الذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون. وعن قتادة: سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم مِنْ يَوْمِهِمُ من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر. عن رسول الله ﷺ : من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا «٣» .

стр. 2473

سورة الطور مكية، وهي تسع وأربعون، وقيل: ثمان وأربعون آية [نزلت بعد السجدة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين. والكتاب المسطور في الرق المنشور، والرق: الصحيفة. وقيل: الجلد الذي يكتب فيه الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال. قال الله تعالى وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وقيل: هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله تعالى وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الضراح «١» في السماء الرابعة. وعمرانه: كثرة غاشيته من الملائكة. وقيل: الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار والمجاورين وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ السماء وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ المملوء. وقيل: الموقد، من قوله تعالى وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ وروى أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا تسجر بها نار جهنم. وعن على رضى الله عنه أنه سأل يهوديا: أين موضع النار في كتابكم؟ قال: في البحر. قال على: ما أراه إلا صادقا، «٢» لقوله تعالى وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ. لَواقِعٌ لنازل. قال

стр. 2474

جبير بن مطعم: أتيت رسول الله ﷺ أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة الطور، فلما بلغ: إن عذاب ربك لواقع: أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب «١» تَمُورُ السَّماءُ تضطرب وتجيء وتذهب. وقيل: المور تحرك في تموّج، وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة في الركبة «٢» . [سورة الطور (٥٢) : الآيات ١١ الى ١٦] فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله تعالى وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ، وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا الدع: الدفع العنيف، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم وزخا في أقفيتهم «٣» . وقرأ زيد بن علىّ: يدعون، من الدعاء أى يقال لهم: هلموا إلى النار، وادخلوا النار دَعًّا مدعوعين، يقال لهم: هذه النار أَفَسِحْرٌ هذا يعنى كنتم تقولون للوحى هذا سحر، أفسحر هذا؟ يريد: أهذا المصداق أيضا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعنى: أم أنتم عمى عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم سَواءٌ خبر محذوف، أى: سواء عليكم الأمران: الصبر وعدمه، فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ قلت: لأنّ الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازى عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. [سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)

стр. 2475

فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ في أية جنات وأى نعيم، بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة. وقرئ: فاكهين وفكهين وفاكهون: من نصبه حالا جعل الظرف مستقرا، ومن رفعه خبرا جعل الظرف لغوا، أى: متلذذين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ. فإن قلت: علام عطف قوله وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ؟ قلت: على قوله فِي جَنَّاتٍ أو على آتاهُمْ رَبُّهُمْ على أن تجعل ما مصدرية، والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال وقد بعدها مضمرة. يقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا أكلا وشربا هَنِيئاً أو طعاما وشرابا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه. ويجوز أن يكون مثله في قوله: هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزّة من أعراضنا ما استحلّت «١» أعنى: صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل مرتفعا به ما استحلت كما يرتفع بالفعل» كأنه قيل: هناء عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك معنى هَنِيئاً هاهنا: هناءكم الأكل والشرب. أو هناءكم ما كنتم تعملون، أى: جزاء ما كنتم تعملون. والباء مزيدة كما في كَفى بِاللَّهِ والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وقرئ: بعيس «٢» عين. [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢١ الى ٢٤] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)

стр. 2476

وَالَّذِينَ آمَنُوا معطوف على بِحُورٍ عِينٍ أى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أى: بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقرّبهم «١» عينه» ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أى بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلا عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم. فإن قلت: ما معنى تنكير الايمان؟ قلت: معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة. ويجوز أن يراد: إيمان الذرية الداني المحل: كأنه قال: بشيء من الإيمان، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. وقرئ: وأتبعتهم ذريتهم واتبعتهم ذريتهم. وذرياتهم: وقرئ: ذرياتهم، بكسر الذال. ووجه آخر: وهو أن يكون وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ خبره بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما بينهما اعتراض وَما أَلَتْناهُمْ وما نقصناهم. يعنى: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم بهم على سبيل التفضل. قرئ: ألتناهم، وهو من بابين: من ألت يألت، ومن ألات يليت، كأمات يميت. وآلتناهم، من آلت يؤلت، كآمن يؤمن. ولتناهم، من لات يليت. وولتناهم، من ولت يلت. ومعناهنّ واحد كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أى مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فكها وخلصها، وإلا أوبقها وَأَمْدَدْناهُمْ وزدناهم في وقت بعد وقت يَتَنازَعُونَ يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم كَأْساً خمرا لا لَغْوٌ فِيها في شربها وَلا تَأْثِيمٌ أى لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وما لا طائل تحته كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أى: ينسب إلى الإثم

стр. 2477

لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين بذلك، لأنّ عقولهم ثابتة غير زائلة، وهم حكماء علماء. وقرئ: لا لغو فيها ولا تأثيم غِلْمانٌ لَهُمْ أى مملوكون لهم مخصوصون بهم مَكْنُونٌ في الصدف، لأنه رطبا أحسن وأصفى. أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. وقيل لقتادة: هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» «١» وعنه ﵇: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادى الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه: لبيك لبيك» «٢» . [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) يَتَساءَلُونَ يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله وما استوجب به نيل ما عند الله مُشْفِقِينَ أرقاء القلوب من خشية الله. وقرئ، ووقانا، بالتشديد عَذابَ السَّمُومِ عذاب النار ووهجها ولفحها. والسموم: الريح الحارّة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم لأنها بهذه الصفة مِنْ قَبْلُ من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، يعنون في الدنيا نَدْعُوهُ نعبده ونسأله الوقاية إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ المحسن الرَّحِيمُ العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب. وقرئ: أنه بالفتح، بمعنى: لأنه. [سورة الطور (٥٢) : آية ٢٩] فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) فَذَكِّرْ فاثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم: كاهن أو مجنون، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض، لأنّ الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه عليك بصدق النبوّة ورجاحة العقل أحد هذين. [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٣٠ الى ٤٣] أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)

стр. 2478

وقرئ: يتربص به ريب المنون، على البناء للمفعول. وريب المنون. ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر. قال: أمن المنون وريبه أتوجّع «١» وقيل: المنون الموت، وهو في الأصل فعول، من منه إذا قطعه، لأن الموت قطوع، ولذلك سميت شعوب. قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكى أَحْلامُهُمْ عقولهم وألبابهم. ومنه قولهم: أحلام عاد. والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم مجنون. وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم. فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟ قلت:

стр. 2479

هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وقرئ: بل هم قوم طاغون. تَقَوَّلَهُ اختلقه من تلقاء نفسه بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقوّل لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب. وقرئ بحديث مثله على الإضافة، والضمير لرسول الله ﷺ ، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادرا عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل: أَمْ خُلِقُوا أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ من غير مقدّر أَمْ هُمُ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق بَلْ لا يُوقِنُونَ أى: إذا سئلوا من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاءوا. أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟ وقرئ: المصيطرون بالصاد أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم. المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أى: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم «١» فزهدهم ذلك في اتباعك؟ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أى اللوح المحفوظ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث. وإن بعثنا لم نعذب «٢» أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله ﷺ وبالمؤمنين فَالَّذِينَ كَفَرُوا إشارة اليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله هُمُ الْمَكِيدُونَ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم. وذلك أنهم قتلوا يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته. [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٤ الى ٤٧] وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧)

стр. 2480

الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً يريد: أنهم لشدّة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا: هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. وقرئ: حتى يلقوا ويلقوا يُصْعَقُونَ يموتون. وقرئ: يصعقون. يقال. صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا وإن. لهؤلاء الظلمة عَذاباً دُونَ ذلِكَ دون يوم القيامة: وهو القتل ببدر، والقحط سبع سنين، وعذاب القبر. وفي مصحف عبد الله: دون ذلك قريبا. [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا مثل، أى: بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين لأنّ الضمير بلفظ ضمير الجماعة. ألا ترى إلى قوله تعالى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. وقرئ: وبأعينا، بالإدغام حِينَ تَقُومُ من أى مكان قمت. وقيل: من منامك وَإِدْبارَ النُّجُومِ وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. وقرئ: وأدبار، بالفتح بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، والمراد الأمر بقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل: صلاة العشاءين، وأدبار النجوم: صلاة الفجر. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الطور كان حقا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» «١» .

стр. 2481

سورة النجم مكية [إلا آية ٣٢ فمدنية] وآياتها ٦٢ وقيل ٦١ آية [نزلت بعد الإخلاص] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها. قال: إذا طلع النّجم عشاء … ابتغى الرّاعى كساء «١»

стр. 2482

أو جنس النجوم. قال: فباتت تعد النّجم … في مستحيرة «١» يريد النجوم إِذا هَوى إذا غرب أو انتثر يوم القيامة. أو النجم الذي يرجم به إذا هوى: إذا انقض. أو النجم من نجوم القرآن، وقد نزل منجما في عشرين سنة، إذا هوى: إذا نزل. أو النبات إذا هوى: إذا سقط على الأرض. وعن عروة بن الزبير أنّ عتبة بن أبى لهب وكانت تحته بنت رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتين محمدا فلأوذينه، فأتاه فقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ وردّ عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله ﷺ : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وكان أبو طالب حاضرا، فوجم «٢» لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخى عن هذه الدعوة! فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر

стр. 2483

قريش هذه الليلة، فإنى أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، حتى ضرب عتبة فقتله «١» . وقال حسان: من يرجع العام إلى أهله … فما أكيل السّبع بالرّاجع «٢» ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ يعنى محمدا ﷺ : والخطاب لقريش، وهو جواب القسم، والضلال: نقيض الهدى، والغى نقيض الرشد، أى: هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغى، وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، وإنما هو وحى من عند الله يوحى إليه. ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأنّ الله تعالى إذا سوّغ لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى شَدِيدُ الْقُوى ملك شديد قواه، والإضافة غير حقيقية، لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل ﵇، ومن قوّته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف «٣» ، ورأى إبليس يكلم عيسى ﵇ على

стр. 2484

بعض عقاب الأرض المقدّسة، فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند ذُو مِرَّةٍ ذو حصافة في عقله «١» ورأيه ومتانة في دينه فَاسْتَوى فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل في صورة دحية، وذلك أنّ رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق «٢» . وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد ﷺ مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء «٣» ثُمَّ دَنا من رسول الله ﷺ فَتَدَلَّى فتعلق عليه في الهواء. ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه من السرير. والدوالي: الثمر المعلق. قال: تدلّى عليها بين سب وخيطة «٤» ويقال: هو مثل القرلى: إن رأى خيرا تدلى، وإن لم يره تولى قابَ قَوْسَيْنِ مقدار قوسين عربيتين: والقاب والقيب، والقاد والقيد، والقيس: المقدار. وقرأ زيد بن على: قاد. وقرئ: قيد، وقدر. وقد جاء التقدير بالقوس والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والأصبع. ومنه «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» «٥» . وفي الحديث «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قدّه خير من الدنيا وما فيها «٦» » والقدّ: السوط. ويقال: بينهما خطوات يسيرة. وقال:

стр. 2485

وقد جعلتني من حزيمة أصبعا «١» فإن قلت: كيف تقدير قوله فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ؟ قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين «٢» ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو على في قوله: وقد جعلتني من حزيمة أصبعا أى: ذا مقدار مسافة أصبع أَوْ أَدْنى أى على تقديركم، كقوله تعالى أَوْ يَزِيدُونَ. إِلى عَبْدِهِ إلى عبد الله، وإن لم يجر لاسمه ذكر، لأنه لا يلبس، كقوله عَلى ظَهْرِها. ما أَوْحى تفخيم للوحى الذي أوحى «٣» إليه: قيل أوحى إليه «إنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» ما كَذَبَ فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أى: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا، لأنه عرفه، يعنى: أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه، ولم يشك في أنّ ما رآه حق وقرئ: ما كذب، أى صدقه ولم يشك أنه جبريل ﵇ بصورته أَفَتُمارُونَهُ من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مرى الناقة، «٤» كأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه. وقرئ: أفتمرونه: أفتغلبونه في المراء، من ماريته فمريته، ولما فيه من معنى الغلبة عدّى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا: وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه. وأنشدوا: لئن هجوت أخا صدق ومكرمة … لقد مريت أخا ما كان يمريكا «٥»

стр. 2486

وقالوا: يقال مريته حقه إذا جحدته، وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب التضمين نَزْلَةً أُخْرى مرة أخرى من النزول، نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة، لأنّ الفعلة اسم للمرّة من الفعل، فكانت في حكمها، أى: نزل عليه جبريل ﵇ نزلة أخرى في صورة نفسه، فرآه عليها، وذلك ليلة المعراج. قيل في سدرة المنتهى: هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش: ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في كتابه، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل: لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهى علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء جَنَّةُ الْمَأْوى الجنة التي يصير إليها المتقون: عن الحسن. وقيل: تأوى إليها أرواح الشهداء. وقرأ على وابن الزبير وجماعة: جنة المأوى، أى ستره بظلاله ودخل فيه. وعن عائشة: أنها أنكرته وقالت: من قرأ به فأجنه الله ما يَغْشى تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله: أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف. وقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها. وعن رسول الله ﷺ : «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله» «١» . وعنه ﵇: يغشاها رفرف من طير خضر «٢» . وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش من ذهب «٣» ما زاغَ بصر رسول الله ﷺ وَما طَغى أى أثبت ما رآه إثباتا مستيقنا صحيحا، من غير أن يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها، وما طغى: وما جاوز ما أمر برؤيته لَقَدْ رَأى والله لقد رأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الآيات التي هي كبراها وعظماها «٤» ، يعنى: حين رقى ربه إلى السماء فأرى عجائب الملكوت.

стр. 2487

[سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٢٣] أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ أصنام كانت لهم، وهي مؤنثات، فاللات كانت لثقيف بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى، لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. أو يلتوون عليها «١» : أى يطوفون. وقرئ: اللات، بالتشديد. وزعموا أنه سمى برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج. وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا، والعزى كانت لغطفان وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عزّ كفرانك لا سبحانك … إنى رأيت الله قد أهانك «٢»

стр. 2488

ورجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال ﵇ تلك العزى ولن تعبد أبدا «١» . ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لثقيف. وقرئ: ومناءة، وكأنها سميت مناة لأنّ دماء النسائك كانت تمنى عندها، أى: تراق، ومناءة مفعلة من النوء، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. والأخرى ذمّ، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله تعالى قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ أى وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم. ويجوز أن تكون الأوّلية والتقدّم عندهم للات والعزى. كانوا يقولون إنّ الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع وأدهم البنات، فقيل لهم أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ويجوز أن يراد: أنّ اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهنّ لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا لله وتسمونهنّ آلهة قِسْمَةٌ ضِيزى جائرة، من ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل: ضوزى «٢» . ففعل بها ما فعل ببيض، لتسلم الياء. وقرئ: ضئزى، من ضأزه بالهمز. وضيز: بفتح الضاد هِيَ ضمير الأصنام، أى ما هي إِلَّا أَسْماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشدّه منافاة لها. ونحوه قوله تعالى ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أو ضمير الأسماء وهي قولهم، اللات والعزى ومناة، وهم يقصدون بهذه الأسماء الآلهة، يعنى: ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به. ومعنى سَمَّيْتُمُوها سميتم بها، يقال: سميته زيدا، وسميته بزيد إِنْ يَتَّبِعُونَ وقرئ بالتاء إِلَّا الظَّنَّ إلا توهم أنّ ما هم عليه حق، وأنّ آلهتهم شفعاؤهم، وما تشتهيه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل على أنّ دينهم باطل.

стр. 2489

[سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٤ الى ٢٥] أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها لإنكار، أى: ليس للإنسان ما تمنى، والمراد طمعهم في شفاعة الآلهة، وهو تمنّ على الله في غاية البعد، وقيل: هو قولهم: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وقيل: هو قول الوليد بن المغيرة «لأوتين مالا وولدا» وقيل هو تمنى بعضهم أن يكون هو النبي ﷺ فلله الآخرة والأولى أى هو مالكهما. فهو يعطى منهما من يشاء ويمنع من يشاء، وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما. [سورة النجم (٥٣) : آية ٢٦] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) يعنى: أنّ أمر الشفاعة ضيق وذلك أنّ الملائكة مع قربتهم وزلفاهم وكثرتهم واغتصاص السماوات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئا قط ولم تنفع، إلا إذا شفعوا من بعد أن بأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه بعبدتهم «١» . [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٢٧ الى ٣٠] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أى كل واحد متهم تَسْمِيَةَ الْأُنْثى لأنهم إذا قالوا: الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم بنتا وهي تسمية الأنثى بِهِ مِنْ عِلْمٍ أى بذلك وبما يقولون «٢» . وفي قراءة أبىّ: بها، أى: بالملائكة. أو التسمية لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يعنى إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظنّ والتوهم فَأَعْرِضْ عن دعوة من رأيته معرضا عن ذكر الله عن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا، ولا تتهالك على إسلامه، ثم قال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ

стр. 2490

أى إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، وأنت لا تعلم، فخفض على نفسك ولا تتعنها، فإنك لا تهدى من أحببت، وما عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ اعتراض أو فأعرض عنه ولا تقابله، إنّ ربك هو أعلم بالضال والمهتدى، وهو مجازيهما بما يستحقان من الجزاء. [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) قرئ: ليجزي. ويجزى، بالياء والنون فيهما. ومعناه: أنّ الله إنما خلق العالم وسوّى هذه الملكوت لهذا الغرض: وهو أن يجازى المحسن من المكلفين والمسيء منهم. ويجوز أن يتعلق بقوله هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى لأنّ نتيجة العلم بالضال والمهتدى جزاؤهما بِما عَمِلُوا بعقاب ما عملوا من السوء. وبِالْحُسْنَى بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى كَبائِرَ الْإِثْمِ أى الكبائر من الإثم، لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر: الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة. وقيل: التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها وَالْفَواحِشَ ما فحش من الكبائر، كأنه قال: والفواحش منها خاصة: وقرئ: كبير الإثم، أى: النوع الكبير منه وقيل: هو الشرك بالله. واللمم: ما قل وصغر. ومنه: اللمم المس من الجنون، واللوثة منه. وألم بالمكان إذا قل فيه لبثه. وألم بالطعام: قل منه أكله: ومنه: لقاء أخلّاء الصّفاء لمام «١»
следующие страницы →