← Тафсир

Тафсир · id 23627

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف

الزمخشري

Полный текст (2 890 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

فما كذب نفسه فيما حدثته به. من إطاقته له وإقدامه عليه. قال زهير: ............... .. إذا … ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا «١» أى: إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد خافِضَةٌ رافِعَةٌ على: هي خافضة رافعة، ترفع أقواما وتضع آخرين: إما وصفا لها بالشدّة، لأنّ الواقعات العظام كذلك: يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس، وإما لأنّ الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات، وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارّها، فتخفض بعضا وترفع بعضا: حيث تسقط السماء كسفا وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمرّ في الجوّ مرّ السحاب، وقرئ: خافضة رافعة بالنصب على الحال رُجَّتِ حرّكت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء وَبُسَّتِ الْجِبالُ وفتت «٢» حتى تعود كالسويق، أو سيقت من بس العنم إذا ساقها، كقوله وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ، مُنْبَثًّا متفرقا. وقرئ بالتاء أى: منقطعا. وقرئ: رجت وبست، أى: ارتجت وذهبت. وفي كلام بنت الخس «٣» : عينها هاج، وصلاها راج. وهي تمشى وتفاج. فإن قلت: بم انتصب إذا رجت؟ قلت: هو بدل من إذا وقعت. ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة. أى: تخفض وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض أَزْواجاً أصنافا، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض: أزواج. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨ الى ٩] فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ الذين يؤتونها بشمائلهم. أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية، من قولك: فلان منى باليمين، فلان منى بالشمال: إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل،

стр. 2522

ولتفاؤلهم بالسانح «١» وتطيرهم من البارح، ولذلك اشتقوا لليمين الاسم من اليمن، وسموا الشمائل الشؤمى. وقيل: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: أصحاب اليمن والشؤم، لأنّ السعداء هيامين على أنفسهم بطاعتهم، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١٠ الى ٢٦] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَالسَّابِقُونَ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله وقيل: الناس ثلاثة فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا السابق المقرّب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة، فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم يزل عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب الشمال ما أصحاب الميمنة. ما أصحاب المشأمة؟ تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة «٢» .

стр. 2523

والمعنى: أى شيء هم؟ والسابقون السابقون، يريد: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله عبد الله. وقول أبى النجم: وشعري شعري «١» ، كأنه قال: وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون تأكيدا. وأولئك المقرّبون: خبرا وليس بذاك. ووقف بعضهم على: والسابقون، وابتدأ السابقون أولئك المقرّبون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام الجملة، وهو في مقابلة: ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الذين قربت درجاتهم في الجنة من العرش وأعليت مراتبهم. وقرئ: في جنة النعيم. والثلة: الأمة من الناس الكثيرة. قال: وجاءت إليهم ثلّة خندفيّة … بجيش كتيّار من السّيل مزبد «٢» وقوله وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ كفى به دليلا على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أنّ الأمّة من الأمّ وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى: أنّ السابقين من الأوّلين كثير، وهم الأمم من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ وهم أمّة محمد ﷺ . وقيل مِنَ الْأَوَّلِينَ من متقدّمى هذه الأمة، ومِنَ الْآخِرِينَ من متأخريها. وعن النبي ﷺ : «الثلثان جميعا من أمّتى» «٣» . فإن قلت: كيف قال: وقليل من الآخرين، ثم قال: وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟

стр. 2524

قلت: هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا. فإن قلت: فقد روى أنها لما نزلت شق ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله ﷺ يراجع ربه حتى نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ. قلت: هذا لا يصح لأمرين، أحدهما: أنّ هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا، وكذلك الثانية في أصحاب «١» اليمين. ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني: أنّ النسخ في الأخبار غير جائز. وعن الحسن رضى الله عنه: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمّتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمّة. وثلة: خبر مبتدإ محذوف، أى: هم ثلة مَوْضُونَةٍ مرمولة بالذهب، «٢» مشبكة بالدرّ والياقوت، قد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق الدرع. قال الأعشى: ومن نسج داود موضونة «٣» وقيل: متواصلة، أدنى بعضها من بعض. مُتَّكِئِينَ حال من الضمير في على، وهو العامل فيها، أى: استقرّوا عليها متكئين مُتَقابِلِينَ لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب مُخَلَّدُونَ مبقون أبدا على شكل الولدان وحدّ الوصافة، «٤» لا يتحوّلون عنه. وقيل: مقرّطون، والخلدة: القرط. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا: لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. روى عن على رضى الله عنه وعن الحسن. وفي الحديث: «أولاد الكفار خدّام أهل الجنة» «٥» . الأكواب: أوان بلا عرى وخراطيم،

стр. 2525

والأباريق، ذوات الخراطيم لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أى بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها. أو لا يفرّقون عنها. وقرأ مجاهد: لا يصدعون، بمعنى: لا يتصدعون لا يتفرقون، كقوله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ويصدعون، أى: لا يصدع بعضهم بعضا، لا يفرّقونهم يَتَخَيَّرُونَ يأخذون خيره وأفضله يَشْتَهُونَ يتمنون. وقرئ: ولحوم طير. قرئ: وحور عين، بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب: إلّا رواكد جمرهنّ هباء … ومشجّج.......... «١» .. أو للعطف على ولدان، وبالجر: عطفا على جنات النعيم، كأنه قال: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور. أو على أكواب، لأن معنى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ ينعمون بأكواب، وبالنصب على: ويؤتون حورا جَزاءً مفعول له، أى: يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم سَلاماً سَلاماً إما بدل من قِيلًا بدليل قوله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وإما مفعول به لقيلا، بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما سلاما. والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاما بعد سلام. وقرئ سلام سلام، على الحكاية. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠] وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)

стр. 2526

السدر: شجر النبق. والمخضود: الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه «١» . وعن مجاهد: الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناء وهو رطب. والطلح: شجر الموز. وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة. وعن السدى: شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وعن على رضى الله عنه أنه قرأ: وطلع، وما شأن الطلح، «٢» وقرأ «٣» قوله لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ فقيل له: أو نحوّلها؟ فقال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحوّل. وعن ابن عباس نحوه. والمنضود: الذي نضد «٤» بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ممتدّ منبسط لا يتقلص، كظلّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس مَسْكُوبٍ يسكب لهم أين شاءوا وكيف شاءوا لا يتعنون فيه. وقيل: دائم الجرية لا ينقطع. وقيل: مصبوب يجرى على الأرض في غير أخدود لا مَقْطُوعَةٍ هي دائمة لا تنقطع في بعض الأوقات كفواكه الدنيا وَلا مَمْنُوعَةٍ لا تمنع عن متناولها بوجه، ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقرئ: وفاكهة كثيرة، بالرفع على: وهناك فاكهة، كقوله: وحور عين وَفُرُشٍ جمع فراش. وقرئ: وفرش، بالتخفيف مَرْفُوعَةٍ نضدت حتى ارتفعت. أو مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي النساء، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك. قال الله تعالى هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ، ويدل عليه قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً وعلى التفسير الأول أضمر لهنّ، لأنّ ذكر الفرش وهي المضاجع دلّ عليهن أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً أى ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة، فإما أن يراد. اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، أو اللاتي أعيد إنشاؤهن. وعن رسول الله ﷺ «٥» . أنّ أمّ سلمة رضى الله عنها سألته عن قوله الله تعالى. إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ فقال: يا أم سلمة

стр. 2527

هنّ اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطاء رمصاء «١» ، جعلهنّ الله بعد الكبر» أَتْراباً على ميلاد واحد في الاستواء «٢» ، كلما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا، فلما سمعت عائشة رضى الله عنها ذلك من رسول الله ﷺ قالت: وأوجعاه فقال رسول الله ﷺ : ليس هناك وجع. وقالت عجوز لرسول الله ﷺ : ادع الله أن يدخلني الجنة، لقال: إنّ الجنة لا تدخلها العجائز، فولت وهي تبكى، فقال عليه الصلاة السلام: «أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز» «٣» وقرأ الآية عُرُباً وقرئ: عربا، بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل أَتْراباً مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين، وأزواجهنّ أيضا كذلك. وعن رسول الله ﷺ : يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين» «٤» واللام في لِأَصْحابِ الْيَمِينِ من صلة أنشأنا وجعلنا. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٥٦] وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)

стр. 2528

فِي سَمُومٍ في حر نار ينفذ في المسام وَحَمِيمٍ وماء حار متناه في الحرارة وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ من دخان أسود بهيم لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ نفى لصفتى الظل عنه، يريد: أنه ظل، ولكن لا كسائر الظلال: سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوى إليه من أذى الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه. والمعنى أنه ظل حارّ ضارّ إلا أنّ للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات. وفيه تهكم بأصحاب الشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة. وقرئ: لا بارد ولا كريم بالرفع، أى: لا هو كذلك والْحِنْثِ الذنب العظيم. ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث، أى: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم. ومنه: حنث في يمينه، خلاف: برّ فيها. ويقال: تحنث إذا تأثم وتحرج أَوَآباؤُنَا دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف. فإن قلت: كيف حسن العطف على المضمر في لَمَبْعُوثُونَ من غير تأكيد بنحن؟ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة، كما حسن في قوله تعالى ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا لفصل لا المؤكدة النفي. وقرئ: أو آباؤنا. وقرئ: لمجمعون «١» إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة. والميقات: ما وقت به الشيء، أى: حدّ. ومنه مواقيت الإحرام: وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن الهدى الْمُكَذِّبُونَ بالبعث، وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره. وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في قوله مِنْهَا وعَلَيْهِ ومن قرأ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه شُرْبَ الْهِيمِ قرئ بالحركات الثلاث، فالفتح والضم: مصدران. وعن جعفر الصادق رضى الله عنه، أيام أكل وشرب، بفتح الشين. وأما المكسور فبمعنى المشروب، أى: ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه فلا تروى: جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمّة:

стр. 2529

فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد … صداها ولا يقضى عليها هيامها «١» وقيل الهيم: الرمال. ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض. والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرّهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل، فإذا ملؤوا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرّهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم. فإن قلت: كيف صحّ عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان عطفا للشيء على نفسه؟ قلت: ليسنا بمتفقتين، من حيث إنّ كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه: من تناهى الحرارة وقطع الأمعاء: أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء: أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين. النزل: الرزق الذي يعدّ للنازل تكرما له. وفيه تهكم، كما في قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وكقول أبى الشعر الضبي. وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا … جعلنا القنا والموهفات له نزلا «٢» وقرئ: نزلهم بالتخفيف. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٧ الى ٦٢] نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)

стр. 2530

فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ تحضيض على التصديق: إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدّقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به. وإما بالبعث، لأنّ من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيا ما تُمْنُونَ ما تمنونه، أى: تقذفونه في الأرحام من النطف. وقرأ أبو السمال بفتح التاء، يقال: أمنى النطفة ومناها. قال الله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى. تَخْلُقُونَهُ تقدرونه وتصوّرونه قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ تقديرا وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط. وقرئ: قدرنا بالتخفيف. سبقته على الشيء: إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه، فمعنى قوله وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه، وأمثالكم جمع مثل: أى على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن نُنْشِئَكُمْ في خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعنى: أنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم، وما لا يماثلكم، فكيف نعجز عن إعادتكم. ويجوز أن يكون أَمْثالَكُمْ جمع مثل، أى: على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. قرئ النشأة والنشاءة. وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهّلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٣ الى ٦٧] أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ من الطعام، أى: تبذرون حبه وتعملون في أرضه أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه وتردونه نباتا، يرف وينمى «١» إلى أن يبلغ الغاية. وعن رسول الله ﷺ : «لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت» «٢» قال أبو هريرة: أرأيتم إلى «٣» قوله:

стр. 2531

أَفَرَأَيْتُمْ … الآية. والحطام: من حطم، كالفتات والجذاذ من فت وجذ: وهو ما صار هشيما وتحطم فَظَلْتُمْ وقرئ بالكسر. وفظللتم على الأصل تَفَكَّهُونَ تعجبون. وعن الحسن رضى الله عنه: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه. أو على ما اقترفتم من المعاصي التي أصبتم يذلك من أجلها. وقرئ: تفكنون. ومنه الحديث «مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعداء «١» ويتركها القرباء فبيناهم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون» «٢» أى: يتندمون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ لملزمون غرامة ما أنفقنا. ومهلكون لهلاك رزقنا، من الغرام: وهو الهلاك بَلْ نَحْنُ قوم مَحْرُومُونَ محارفون محدودون، لاحظ لنا ولا بخت لنا، ولو كنا مجدودين، لما جرى علينا هذا. وقرئ: أئنا. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٠] أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ يريد: الماء العذب الصالح للشرب. والْمُزْنِ السحاب: الواحدة مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء أُجاجاً ملحا زعاقا «٣» لا يقدر على شربه. فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب لَوْ في قوله لَجَعَلْناهُ حُطاماً ونزعت منه هاهنا؟ قلت: إنّ «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضمونى جملتيها أنّ الثاني امتنع لامتناع الأوّل: افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علما مشهورا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به: لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه. وتساوى حالى حذفه وإثباته لشهرة أمره. وناهيك بقول أوس: حتى إذا الكلّاب قال لها … كاليوم مطلوبا ولا طلبا «٤»

стр. 2532

وحذفه «لم أر» فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما، على أن تقدّم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية ونائب عنه. ويجوز أن يقال: إنّ هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر المطعوم مقدّم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم. ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبى العلاء: إذا سقيت ضيوف النّاس محضا … سقوا أضيافهم شبما زلالا «١» وسقى بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة، ولهذا قدّمت آية المطعوم على آية المشروب. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧١ الى ٧٤] أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) تُورُونَ تقدحونها وتستخرجونها من الزناد والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والأسفل: الزندة، شبهوهما بالفحل والطروقة «٢» شَجَرَتَها التي منها الزناد تَذْكِرَةً تذكيرا لنار جهنم، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أو عدوا به. أو جعلناها تذكرة وأنموذجا من جهنم، لما روى عن رسول الله ﷺ : «ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزأ من حرّ جهنم» «٣» وَمَتاعاً ومنفعة لِلْمُقْوِينَ للذين ينزلون القواء وهي القفر. أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. يقال: أقويت من

стр. 2533

أيام، أى لم آكل شيئا فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، أو أراد بالاسم: الذكر، أى: بذكر ربك. والْعَظِيمِ صفة للمضاف أو للمضاف إليه. والمعنى: أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال: فأحدث التسبيح وهو أن يقول: سبحان الله، إمّا تنزيها له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته، وإما تعجبا من أمرهم في غمط آلائه «١» وأياديه الظاهرة، وإما شكرا لله على النعم التي عدّها ونبه عليها. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٨٠] فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) فَلا أُقْسِمُ معناه فأقسم. ولا مزيدة مؤكدة مثلها في قوله لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ وقرأ الحسن: فلأقسم. ومعناه: فلأنا أقسم: اللام لام الابتداء «٢» دخلت على جملة من مبتدإ وخبر، وهي: أنا أقسم، كقولك «لزيد منطلق» ثم حذف المبتدأ، ولا يصح أن نكون اللام لام القسم لأمرين، أحدهما: أن حقها أن يقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني: أن «لأفعلن» في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال بِمَواقِعِ النُّجُومِ بمساقطها ومغاربها، لعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالا مخصوصة عظيمة، أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول الرحمة والرضوان عليهم، فلذلك أقسم بمواقعها، واستعظم ذلك بقوله وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ أو أراد بمواقعها: منازلها ومسايرها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف. وقوله وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ اعتراض في اعتراض، لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم «٣» عليه، وهو قوله إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ واعترض ب لَوْ تَعْلَمُونَ بين الموصوف وصفته.

стр. 2534

وقيل: مواقع النجوم: أوقات وقوع نجوم القرآن، أى: أوقات نزولها كريم حسن مرضى في جنسه من الكتب. أو نفاع جم المنافع. أو كريم على الله فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس أدناس الذنوب وما سواها: إن جعلت الجملة صفه لكتاب مكنون وهو اللوح. وإن جعلتها صفة للقرآن، فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، يعنى مس المكتوب منه. ومن الناس من حمله على القراءة أيضا، وعن ابن عمر أحب إلىّ أن لا يقرأ إلا وهو طاهر، وعن ابن عباس في رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب، ونحوه قول رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» «١» أى لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه. وقرئ: المتطهرون، والمطهرون بالإدغام. والمطهرون، من اطهره بمعنى طهره. والمطهرون بمعنى: يطهرون أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والوحى الذي ينزلونه تَنْزِيلٌ صفة رابعة للقرآن، اى: منزل من رب العالمين. أو وصف بالمصدر، لأنه نزل نجوما من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنه في نفسه تنزيل، ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل: جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل على حذف المبتدإ. وقرئ: تنزيلا، على: نزل تنزيلا، [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨١ الى ٨٢] أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ يعنى القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ اى: متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أى يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ على حذف المضاف، يعنى: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أى: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقرأ على رضى الله عنه: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون. وقيل: هي قراءة رسول الله ﷺ . والمعنى وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق: المطر، يعنى: وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم. وقرئ: تكذبون وهو قولهم في القرآن: شعر وسحر وافتراء. وفي المطر: وهو من الأنواء، ولأنّ كل مكذب بالحق كاذب. [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٨٣ الى ٩٦] فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)

стр. 2535

ترتيب الآية: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. وفَلَوْ لا الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في تَرْجِعُونَها للنفس وهي الروح، وفي أَقْرَبُ إِلَيْهِ للمحتضر غَيْرَ مَدِينِينَ غير مربوبين، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ «١» يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت. والمعنى: إنكم في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم: سحر وافتراء. وإن أرسل إليكم رسولا قلم: ساحر كذاب، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدى إلى الإهمال والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيى المميت المبدئ المعيد فَأَمَّا إِنْ كانَ المتوفى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أوّل السورة فَرَوْحٌ فله استراحة. وروت عائشة رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ : فروح، «٢» بالضم. وقرأ به الحسن وقال: الروح الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء، أى: فهذان له معا، وهو الخلود مع الرزق «٣» والنعيم. والريحان: الرزق فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أى: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أى: يسلمون عليك، كقوله تعالى إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ كقوله تعالى هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ وقرئ بالتخفيف وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ قرئت بالرفع والجر عطفا على نزل وحميم إِنَّ هذا الذي أنزل في هذه السورة لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أى الحق الثابت من اليقين.

стр. 2536

عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم نصبه فاقة أبدا» «١» سورة الحديد مدنية، وهي تسع وعشرون آية [نزلت بعد الزلزلة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)

стр. 2537

جاء في بعض الفواتح سَبَّحَ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أنّ من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله تعالى وَتُسَبِّحُوهُ وأصله: التعدي بنفسه، لأنّ معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له. وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا، ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما يتأتى منه التسبيح ويصح. فإن قلت: ما محل يُحْيِي؟ قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملة برأسها، كقوله لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وأن يكون مرفوعا على: هو يحيى ويميت، ومنصوبا حالا من المجرور في لَهُ والجار عاملا فيها. ومعناه: يحيى النطف والبيض والموتى يوم القيامة ويميت الأحياء هُوَ الْأَوَّلُ هو القديم الذي كان قبل كل شيء وَالْآخِرُ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء وَالظَّاهِرُ بالأدلة الدالة عليه وَالْباطِنُ لكونه غير مدرك بالحواس. فإن قلت: فما معنى الواو؟ «١» قلت الواو الأولى معناها الدلالة «٢» على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوّز إدراكه «٣» في الآخرة بالحاسة. وقيل: الظاهر العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. والباطن الذي بطن كل شيء، أى علم باطنه، وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.

стр. 2538

[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ٨] آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ يعنى أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما موّلكم إياها، وخوّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة. وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنوّاب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم: بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم لا تُؤْمِنُونَ حال من معنى الفعل في مالكم، كما تقول: مالك قائما، بمعنى: ما تصنع قائما، أى: وما لكم كافرين بالله. والواو في وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ واو الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ والمعنى: وأى عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان: حيث ركب فيكم العقول، «١» ونصب لكم الأدلة، ومكنكم من النظر، وأزاح عللكم، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فما لكم لا تؤمنون إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه. وقرئ: أخذ ميثاقكم، «٢» على البناء للفاعل، وهو الله . [سورة الحديد (٥٧) : آية ٩] هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) لِيُخْرِجَكُمْ الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. أو ليخرجكم الرسول بدعوته

стр. 2539

لَرَؤُفٌ وقرئ لرؤوف «١» . [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٠ الى ١١] وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا في أن لا تنفقوا وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعنى: وأى غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوّة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجا وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لوضوح الدلالة أُولئِكَ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي ﷺ : «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «٢» أَعْظَمُ دَرَجَةً. وقرئ: قبل الفتح وَكُلًّا وكل واحد من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أى المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرئ بالرفع على: وكل وعده الله. وقيل: نزلت في أبى بكر رضى الله عنه، لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله. القرض الحسن: الإنفاق في سبيله. شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه فَيُضاعِفَهُ لَهُ أى يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا «أضعافا» من فضله وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ يعنى: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. وقرئ: فيضعفه. وقرئا منصوبين على جواب «٣» الاستفهام «والرفع عطف على يُقْرِضُ، أو على فَيُضاعِفَهُ.

стр. 2540

[سورة الحديد (٥٧) : آية ١٢] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ تَرَى ظرف لقوله: وله أجر كريم. أو منصوب بإضمار «اذكر» تعظيما لذلك اليوم. وإنما قال بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأنّ السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون: سعى بسعيهم ذلك النور جنيبا لهم ومتقدما. ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة. بُشْراكُمُ الْيَوْمَ. وقرئ: ذلك الفوز. [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٣ الى ١٥] يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) يَوْمَ يَقُولُ بدل من يوم ترى انْظُرُونا انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف «١» بهم. وهؤلاء مشاة. وانظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا اليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. وقرئ: أنظرونا من النظرة وهي الإمهال: جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نصب منه، وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً طرد لهم وتهكم بهم، أى: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا،

стр. 2541

فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإنما هو تخييب وإقناط لهم فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل: هو الأعراف لذلك السور بابٌ لأهل الجنة يدخلون منه باطِنُهُ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي بلى الجنة وَظاهِرُهُ ما ظهر لأهل النار مِنْ قِبَلِهِ من عنده ومن جهته الْعَذابُ وهو الظلمة والنار. وقرأ زيد بن على رضى الله عنهما: فضرب بينهم على البناء للفاعل أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ يريدون موافقتهم في الظاهر فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وهو الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ وغرّكم الشيطان بأنّ الله عفوّ كريم لا يعذبكم. وقرئ: الغرور، بالضم فِدْيَةٌ ما يفتدى به هِيَ مَوْلاكُمْ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد: فندت كلا الفرجين تحسب أنّه … مولى المخافة خلفها وأمامها «١» وحقيقة مولاكم: محراكم ومقمنكم «٢» . أى: مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أى مكان، لقول القائل: إنه لكريم. ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أى لا ناصر لكم غيرها. والمراد: نفى الناصر على البتات. ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع «٣» . ومنه قوله تعالى يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. [سورة الحديد (٥٧) : آية ١٦] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)

стр. 2542

أَلَمْ يَأْنِ من أنى الأمر يأنى، إذا جاء إناه، أى. وقته. وقرئ: ألم يئن، من آن يئين بمعنى: أنى يأنى، وألما يأن، قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين «١» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن رضى الله عنه: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤن من القرآن أقل مما تقرءون. فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق. وعن أبى بكر رضى الله عنه أنّ هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدا، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. وقرئ: نزّل ونزل. وأنزل وَلا يَكُونُوا عطف على تخشع، وقرئ بالتاء على الالتفات. ويجوز أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أنّ بنى إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. فإن قلت: ما معنى لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟ قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق: القرآن، لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً أراد بالأمد: الأجل، كقوله: ...... إذا انتهى أمده «٢» وقرئ: الأمدّ، أى: الوقت الأطول وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين. [سورة الحديد (٥٧) : آية ١٧] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)

стр. 2543

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيى الغيث الأرض. [سورة الحديد (٥٧) : آية ١٨] إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) الْمُصَّدِّقِينَ المتصدّقين. وقرئ على الأصل. والمصدّقين من صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعنى المؤمنين. فإن قلت: علام عطف قوله وَأَقْرَضُوا؟ قلت: على معنى الفعل في المصدّقين، لأنّ اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، كأنه قيل: إنّ الذين اصدقوا وأقرضوا. والقرض الحسن: أنّ يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ: يضعف، ويضاعف، بكسر العين، أى: يضاعف الله. [سورة الحديد (٥٧) : آية ١٩] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) يريد أنّ المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء: وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أى: مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت: كيف يسوّى بينهم في الأجر ولا بدّ من التفاوت؟ قلت: المعنى أنّ الله يعطى المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوى أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون وَالشُّهَداءُ مبتدأ، ولَهُمْ أَجْرُهُمْ خيره. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٠] اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) أراد أنّ الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر. وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي: العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل «١» وأعجب به

стр. 2544

الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطاما عقوبة لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين. وقيل الْكُفَّارَ: الزراع. وقرئ: مصفارا [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢١] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) سابِقُوا سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ قال السدى: كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول، لأنّ كل ماله عرض وطول فإنّ عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة: عرف أنّ طوله أبسط وأمدّ. ويجوز أن يراد بالعرض: البسطة، كقوله تعالى فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة: بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك: وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة ذلِكَ الموعود من المغفرة والجنة فَضْلُ اللَّهِ عطاؤه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وهم المؤمنون. [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) المصيبة في الأرض: نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس: نحو الأدواء والموت فِي كِتابٍ في اللوح مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعنى الأنفس أو المصائب إِنَّ ذلِكَ إنّ تقدير ذلك وإثباته في كتاب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وإن كان عسيرا على العباد، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال لِكَيْلا تَأْسَوْا … وَلا تَفْرَحُوا يعنى أنكم إذا علمتم أنّ كل شيء مقدر مكتوب عند الله قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي، لأنّ من علم أن ما عنده معقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أنّ بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ

стр. 2545

فَخُورٍ لأنّ من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه: اختال وافتخر به وتكبر على الناس. قرئ: بما آتاكم. وأتاكم، من الإيتاء والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود: بما أوتيتم. فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه- عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها- أن لا يحزن ولا يفرح. قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر: فلا بأس بهما الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدل من قوله كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح المطغى إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم: يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته وَمَنْ يَتَوَلَّ عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتى: فإنّ الله غنى عنه. وقرئ: بالبخل. وقرأ نافع: فإنّ الله الغنى، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٥] لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا يعنى الملائكة إلى الأنبياء بِالْبَيِّناتِ بالحجج والمعجزات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ أى الوحى وَالْمِيزانَ روى أنّ جبريل ﵇ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة «١» ، والإبرة. وروى: ومعه المر والمسحاة. وعن النبي ﷺ : أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح «٢» . وعن الحسن وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ: خلقناه، كقوله تعالى وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وهو القتال به وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة

стр. 2546

إلا والحديد آلة فيها، أو ما يعمل بالحديد وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بِالْغَيْبِ غائبا عنهم، قال ابن عباس رضى الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ غنى بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) وَالْكِتابَ والوحى. وعن ابن عباس: الخط بالقلم، يقال: كتب كتابا وكتابة مِنْهُمْ فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين. وهذا تفصيل لحالهم، أى: فمنهم مهتد ومنهم فاسق، والغلبة للفساق. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٧] ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) قرأ الحسن: الإنجيل، بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر البرطيل والسكينة فيمن رواهما بفتح الفاء، لأنّ الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقرئ: رآفة، على: فعالة، أى: وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ونحوه في صفة أصحاب رسول الله ﷺ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. والرهبانية: ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أنّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية: ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، «١» وهو الخائف: فعلان من رهب، كخشيان من خشي. وقرئ: ورهبانية بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان: وهو جمع راهب كراكب وركبان، وانتصابها بفعل مضمر «٢» يفسره

стр. 2547

الظاهر: تقديره. وابتدعوا رهبانية ابْتَدَعُوها يعنى: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لم نفرضها نحن عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، أى: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها كما يجب على الناذر رعاية نذره، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها، وابتدعوها: صفة لها في محل النصب، أى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، بمعنى: وقفناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، فما رعوها جميعا حق رعايتها، ولكن بعضهم، فآتينا المؤمنين المراعين منهم للرهبانية أجرهم، وكثير منهم فاسقون. وهم الذين لم يرعوها. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يجوز أن يكون خطابا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا «١» من غيرهم، فإن كان خطابا لمؤمنى أهل الكتاب. فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد يُؤْتِكُمْ الله كِفْلَيْنِ أى نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله وَيَجْعَلْ لَكُمْ يوم القيامة نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وهو النور المذكور في قوله يَسْعى نُورُهُمْ. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما أسلفتم من الكفر والمعاصي. [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٩] لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)

стр. 2548

لِئَلَّا يَعْلَمَ ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ الذين لم يسلموا، ولا مزيدة أَلَّا يَقْدِرُونَ أن مخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يقدرون، يعنى: أنّ الشأن لا يقدرون عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أى: لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله من الكفلين: والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلا قط. وإن كان خطابا لغيرهم، فالمعنى: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ولا ينقصكم من مثل أجرهم، لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله. روى أنّ رسول الله ﷺ بعث جعفرا رضى الله عنه في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلا. ائذن لنا في الوفادة على رسول الله ﷺ ، فأذن لهم فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة: استأذنوا رسول الله ﷺ ، فرجعوا وقدموا بأموال لهم فآسوا بها المسلمين «١» ، فأنزل الله الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ … إلى قوله … وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ فخروا على المسلمين وقالوا: أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟ فنزلت. وروى أنّ مؤمنى أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرّتين، وادعوا الفضل عليهم، فنزلت. وقرئ لكي يعلم. ولكيلا يعلم. وليعلم. ولأن يعلم: بإدغام النون في الياء. ولين يعلم: بقلب الهمزة ياء وإدغام النون في الياء. وعن الحسن: ليلا يعلم، بفتح اللام وسكون الياء. ورواه قطرب بكسر اللام. وقيل في وجهها: حذفت همزة أن، وأدغمت نونها في لام لا، فصار «للا» ثم أبدلت من اللام المدغمة ياء، كقولهم: ديوان، وقيراط. ومن فتح اللام فعلى أن أصل لام الجرّ الفتح، كما أنشد: أريد لأنسى ذكرها. «٢» ..

стр. 2549

وقرئ: أن لا يقدروا بِيَدِ اللَّهِ في ملكه وتصرفه. واليد مثل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» «١» . سورة المجادلة مدنية، وآياتها ٢٢ [نزلت بعد المنافقون] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المجادلة (٥٨) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قالت عائشة رضى الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات: «٢» لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع «٣» لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها. وقرئ: تحاورك، أى: تراجعك الكلام. وتحاولك، أى: تسائلك، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخى عبادة: رآها وهي تصلى وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان به خفة ولمم «٤» ، فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فىّ، فلما خلا سنى ونثرت بطني- أى: كثر ولدى- جعلني عليه «٥» كأمّه. وروى أنها قالت له:

стр. 2550

إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. فقال: ما عندي في أمرك شيء. وروى أنه قال لها: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقا وإنما هو أبو ولدى وأحب الناس إلىّ، فقال: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، كلما قال رسول الله ﷺ : حرمت عليه، هتفت وشكت إلى الله «١» ، فنزلت فِي زَوْجِها في شأنه ومعناه إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر. فإن قلت: ما معنى قَدْ في قوله قَدْ سَمِعَ؟ قلت: معناه التوقع، لأن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٢ الى ٤] الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ في مِنْكُمْ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وقرئ بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود: بأمّهاتهم، وزيادة الباء في لغة من ينصب. والمعنى أن من يقول لامرأته أنت علىّ كظهر أمى: ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم، وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هنّ الوالدات وغيرهنّ ملحقات بهنّ لدخولهنّ في حكمهنّ، فالمرضعات أمّهات لأنّهنّ

стр. 2551

لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، لأن الله حرّم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهنّ لسن بأمّهات على الحقيقة. ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر: منكرا من القول تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية وزورا وكذبا باطلا منحرفا عن الحق وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما سلف منه إذا تيب عنه ولم يعد إليه، ثم قال: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعنى: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول «١» المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر: ثم يعودون لما قالوا: ثم يتداركون ما قالوا «٢» ، لأنّ المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل: عاد غيث على ما أفسد، أى: تداركه بالإصلاح. والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه ثالث: وهو أن يراد بما قالوا: ما حرّموه «٣»

стр. 2552

على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكرنا في قوله تعالى وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس. والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة «١» ذلِكُمْ الحكم تُوعَظُونَ بِهِ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه. فإن قلت: هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟ قلت: نعم إذا وضع مكان أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضوا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. ومكان الأمّ ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول: أنت علىّ كظهر أختى من الرضاع

стр. 2553

أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبى أو أمّ امرأتى أو بنتها، فهو مظاهر. وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعى والثوري وغيرهم نحوه. وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأمّ وحدها وهو قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات، إذ أخبر أن الظهار انما يكون بالأمّهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم: لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارا. فإن قلت: فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟ قلت: لها ذلك. وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضرّبها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت: فإن مسّ قبل أن يكفر؟ قلت: عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روى أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله ﷺ : ظاهرت من امرأتى ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال ﵊: «استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر» «١» فإن قلت: أى رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟ قلت: المسلمة والكافرة جميعا، لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي لا تجزى إلا المؤمنة. لقوله تعالى في كفارة القتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولا تجزى أمّ الولد والمدبر والمكاتب الذي أدّى شيئا، فإن لم يؤدّ شيئا جاز. وعند الشافعي: لا يجوز: فإن قلت: فإن أعتق بعض الرقبة أو صام بعض الصيام ثم مس؟ قلت: عليه أن يستأنف- نهارا مس- أو ليلا- ناسيا أو عامدا- عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف ومحمد: عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزيه، وإن كان المسّ يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى. فإن قلت: كم يعطى المسكين في الإطعام؟ قلت: نصف صاع من برّ أو صاعا من غيره عند أبى حنيفة، وعند الشافعي مدّا من طعام بلده الذي يقتات فيه. فإن قلت: ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام كما ذكر عند الكفارتين؟ قلت: اختلف في ذلك، فعند أبى حنيفة: أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله. وعند غيره: لم يذكر للدلالة على أن

стр. 2554

التكفير قبله وبعده سواء. فإن قلت: الضمير في أن يتماسا إلام يرجع؟ قلت: إلى ما دلّ عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها ذلِكَ البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ التي لا يجوز تعدّيها وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها عَذابٌ أَلِيمٌ. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٦] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) يُحَادُّونَ يعادون ويشاقون كُبِتُوا أخزوا وأهلكوا كَما كُبِتَ من قبلهم من أعداء الرسل. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به وَلِلْكافِرِينَ بهذه الآيات عَذابٌ مُهِينٌ يذهب بعزهم وكبرهم يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ منصوب بلهم. أو بمهين. أو بإضمار اذكر تعظيما لليوم جَمِيعاً كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة، كما تقول: حى جميع فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد أَحْصاهُ اللَّهُ أحاط به عددا لم يفته منه شيء وَنَسُوهُ لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور. [سورة المجادلة (٥٨) : آية ٧] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) ما يَكُونُ من كان التامة. وقرئ بالياء والتاء، والياء على أنّ النجوى تأنيثها غير حقيقى ومن فاصلة. أو على أنّ المعنى ما يكون شيء من النجوى. والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافة إلى ثلاثة، أى: من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفة بها، أى: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغة، كقوله تعالى: خلصوا نجيا. وقرأ ابن أبى عيلة: ثلاثة وخمسة، بالنصب على الحال بإضمار يتناجون، لأن نجوى يدل عليه. أو

стр. 2555

على تأويل نجوى بمتناجين، ونصبها من المستكن فيه. فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجى مغايظة للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك وَلا أَدْنى مِنْ عدديهم وَلا أَكْثَرَ إِلَّا والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يوما يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله، وصدق. لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندبون «١» لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولى النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأى والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب. ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ فدلّ على الاثنين والأربعة وقال وَلا أَكْثَرَ فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ: ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، بالنصب على أن لا لنفى الجنس. ويجوز أن يكون: ولا أكثر، بالرفع معطوفا على محل لا مع أدنى، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوّة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل مِنْ نَجْوى كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين «٢» عطفا على نجوى، كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ: ولا أكبر، بالباء. ومعنى كونه معهم: أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ: ثم ينبئهم، على التخفيف. [سورة المجادلة (٥٨) : آية ٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)

стр. 2556

كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته. وقرئ: ينتجون بالإثم والعدوان، بكسر العين، ومعصيات الرسول حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يعنى أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد والسام: الموت، والله تعالى يقول وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ويا أَيُّهَا الرَّسُولُ ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ: لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ كانوا يقولون: ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذابا. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٩ الى ١٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم. ويجوز أن يكون للمؤمنين، أى: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وعن النبي ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك يحزنه» «١» وروى «دون الثالث» . وقرئ فلا تناجوا. وعن ابن مسعود: إذا انتجيتم فلا تنتجوا إِنَّمَا النَّجْوى اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان، بدليل قوله تعالى لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا والمعنى: أنّ الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم وَلَيْسَ الشيطان أو الحزن بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. فإن قلت: كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟ قلت: كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا، فقال: لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أى: بمشيئته، وهو أن يقضى الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة. وقرئ: ليحزن، وليحزن.

стр. 2557

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: أفسح عنى، أى: تنح، ولا تتضامّوا. وقرئ: تفاسحوا. والمراد: مجلس رسول الله، وكانوا يتضامّون فيه تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وقرئ: في المجالس. قيل: كان الرجل يأتى الصف فيقول: تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرئ: في المجلس- بفتح اللام: وهو الجلوس، أى: توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ مطلق في كل ما يبتغى الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك انْشُزُوا انهضوا للتوسعة على المقبلين. أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه: أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا يَرْفَعِ اللَّهُ المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة «١» دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ قرئ بالتاء والياء. عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: أنه كان إذا قرأها قال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي ﷺ بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر «٢» سبعين سنة «٣» . وعنه ﵇ «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» «٤» وعنه

стр. 2558

عليه السلام «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» «١» فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوّة والشهادة بشهادة رسول الله. وعن ابن عباس: خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطى المال والملك معه «٢» . وقال ﵇ «أوحى الله إلى إبراهيم. يا إبراهيم، إنى عليم أحب كل عليم» «٣» وعن بعض الحكماء: ليت شعري أى شيء أدرك من فاته العلم، وأى شيء فات من أدرك العلم. وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا، وكل عز لم يوطد «٤» بعلم فإلى ذل مّا يصير. وعن الزبيري «٥» العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٢ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ استعارة ممن له يدان. والمعنى: قبل نجواكم كقول عمر: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به «٦» اللئيم، يريد: قبل حاجته ذلِكَ التقديم خَيْرٌ لَكُمْ في دينكم وَأَطْهَرُ لأنّ الصدقة طهرة. روى أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ بما يريدون حتى أملوه وأبرموه «٧» ، فأريد أن يكفوا عن ذلك، فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة. قال على رضى الله عنه: لما نزلت دعاني رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في دينار؟

стр. 2559

قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك: اشتدّ عليهم فارتدعوا وكفوا. أما الفقير فلعسرته، وأما الغنىّ فلشحه «١» . وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. وعن على رضى الله عنه: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي: كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم «٢» . قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهنّ رسول الله ﷺ «٣» . وعن ابن عمر: كان لعلىّ ثلاث: لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحب إلىّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. قال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل: هي منسوخة بالزكاة أَأَشْفَقْتُمْ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه، وأنّ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به وشق عليكم، وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات بِما تَعْمَلُونَ قرئ بالتاء والياء. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ١٩] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)

стр. 2560

كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ما هُمْ مِنْكُمْ يا مسلمون وَلا مِنْهُمْ ولا من اليهود، كقوله تعالى مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ. وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أى يقولون: والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن المحلوف عليه كذب بحت. فإن قلت: فما فائدة قوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ؟ قلت: الكذب: أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم المخبر أو لم يعلم، فالمعنى: أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه، وهم عالمون بذلك متعمدون له، كمن يحلف بالغموس «١» . وقيل: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله «٢» ﷺ ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له النبي ﷺ : «علام تشتمني أنت وأصحابك» ؟ فحلف بالله ما فعل، فقال ﵇: «فعلت» فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت عَذاباً شَدِيداً نوعا من العذاب متفاقما إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعنى أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل مصرين عليه. أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. وقرئ: إيمانهم، بالكسر، أى: اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها. أو إيمانهم الذي أظهروه جُنَّةً أى سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم فَصَدُّوا الناس في خلال أمنهم وسلامتهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم. وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزى لكفرهم وصدهم، كقوله تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ. مِنَ اللَّهِ من عذاب الله شَيْئاً قليلا من الإغناء. وروى أنّ رجلا منهم قال:
следующие страницы →