← Тафсир

Тафсир · id 23627

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف

الزمخشري

Полный текст (2 890 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

منه، كأنه في نفسه شرف: إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد: ذا ذكر، أى ملكا مذكورا في السماوات وفي الأمم كلها. أو دل قوله أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً على: أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا، أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال المصدر في المفاعيل، أى: أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرئ: رسول، على: هو رسول. أنزله لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا بعد إنزاله، أى: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح: لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرئ: يدخله، بالياء والنون قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب. [سورة الطلاق (٦٥) : آية ١٢] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ مبتدأ وخبر. وقرئ: مثلهنّ بالنصب، عطفا على سبع سماوات، وبالرفع على الابتداء، وخبره: من الأرض. قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه. وقيل: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السماوات يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ أى يجرى أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن. وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه. وقيل: هو ما يدبر فيهنّ من عجائب تدبيره. وقرئ: ينزل الأمر. وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟ قال: نعم. قال: فما الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جنّ لِتَعْلَمُوا قرئ بالتاء والياء. عن رسول الله ﵌: «من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ﷺ » «١»

стр. 2627

سورة التحريم مدنية، وتسمى سورة النبي ﷺ وهي ثنتا عشرة آية [نزلت بعد الحجرات] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) روى أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علىّ، وقد حرمت مارية على نفسي «١» ، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان

стр. 2628

بعدي أمر أمتى، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين «١» . وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم «٢» ، فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية. وروى أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل ﵇ وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة «٣» . وروى أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله ﷺ يكره التفل، فحرّم العسل «٤» ، فمعناه لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من ملك اليمين أو العسل. وتَبْتَغِي إما تفسير لتحرم. أو حال: أو

стр. 2629

استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله إنما أحلّ ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة وَاللَّهُ غَفُورٌ قد غفر لك ما زللت فيه رَحِيمٌ قد رحمك فلم يؤاخذك به قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها. ومنه: حلا أبيت اللعن «١» ، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها، وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها، حتى لا يحنث. والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله ﵇: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» «٢» وقول ذى الرمّة: قليلا كتحليل الألىّ «٣» فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟ قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة براه يمينا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه، فإذا حرّم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال علىّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده. وعن أبى بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضى الله عنهم: أنّ الحرام يمين «٤» وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعى. وعن على رضى الله عنه: ثلاث «٥» . وعن زيد: واحدة بائنة. وعن عثمان: ظهار.

стр. 2630

وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول: ما أبالى أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجا بقوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ وقوله تعالى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وما لم يحرّمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علىّ، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله ﵇: والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أى لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعنى: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أى، منعناه منها. وظاهر قوله تعالى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أنه كانت منه يمين. فإن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ لذلك؟ قلت: عن الحسن: أنه لم يكفر، لأنه كان مغفورا له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر «١» ، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل: أنّ رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ سيدكم ومتولى أموركم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما يصلحكم فيشرعه لكم الْحَكِيمُ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم. [سورة التحريم (٦٦) : آية ٣] وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) بَعْضِ أَزْواجِهِ حفصة. والحديث الذي أسر إليها: حديث مارية وإمامة الشيخين نبأت به أفشته إلى عائشة. وقرئ: أنبأت به وَأَظْهَرَهُ وأطلع النبي ﵇ عَلَيْهِ على الحديث، أى: على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي ﷺ من الظهور عَرَّفَ بَعْضَهُ أعلم ببعض الحديث تكرما. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. وقرئ: عرف بعضه، أى: جاز عليه، من قولك للمسىء: لأعرفن لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت. ومنه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وهو كثير في القرآن، وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية: وروى

стр. 2631

أنه ﷺ قال لها: ألم أقل لك اكتمي علىّ، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أباها. فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن وعرفها بعضه؟ قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله ﷺ بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا ذكر المنبأ، كيف أتى بضميره. [سورة التحريم (٦٦) : آية ٤] إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) إِنْ تَتُوبا خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما. وعن ابن عباس: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟ فقال: عجبا يا ابن عباس- كأنه كره ما سألته عنه- ثم قال: هما حفصة وعائشة «١» فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود: فقد زاغت وَإِنْ تَظاهَرا وإن تعاونا عَلَيْهِ بما يسوءه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعلم المظاهر من الله مولاه أى وليه وناصره، وزيادة هُوَ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته وَجِبْرِيلُ رأس الكروبيين، وقرن ذكره بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ومن صلح من المؤمنين، يعنى: كل من آمن وعمل صالحا. وعن سعيد بن جبير: من بريء منهم من النفاق. وقيل: الأنبياء وقيل: الصحابة. وقيل: الخلفاء منهم. فإن قلت: صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن يكون أصله: صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ، لأنّ لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط وَالْمَلائِكَةُ على تكاثر عددهم، وامتلاء السماوات من جموعهم بَعْدَ ذلِكَ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين ظَهِيرٌ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء

стр. 2632

ظهراؤه؟ فإن قلت: قوله بَعْدَ ذلِكَ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم. وقد تقدّمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم. قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه «١» . وقرئ: تظاهرا. وتتظاهرا. وتظهرا. [سورة التحريم (٦٦) : آية ٥] عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) قرئ: يبدله، بالتخفيف والتشديد للكثرة مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ مقرّات مخلصات سائِحاتٍ صائمات. وقرئ: سيحات، وهي أبلغ. وقيل للصائم: سائح، لأنّ السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقيل: سائحات مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمّة سياحة إلا الهجرة. فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمّهات المؤمنين؟ «٢» قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله ﷺ والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن، وقد عرض بذلك في قوله قانِتاتٍ لأنّ القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله. فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف «٣» ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن «٤» في سائر الصفات،

стр. 2633

فلم يكن بد من الواو. [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٦ الى ٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي وفعل الطاعات وَأَهْلِيكُمْ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم لعلّ الله يجمعهم معه في الجنة» «١» وقيل: إنّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ: وأهلوكم «٢» ، عطفا على واو قُوا وحسن العطف للفاصل. فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هي حجارة الكبريت، وهي أشدّ الأشياء حرا إذا أو قد عليها. وقرئ: وقودها بالضم، أى ذو وقودها عَلَيْها يلي أمرها وتعذيب أهلها مَلائِكَةٌ يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم غِلاظٌ شِدادٌ في أجرامهم غلظة وشدّة، أى: جفاء وقوّة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه ما أَمَرَهُمْ في محل النصب على البدل، أى: لا يعصون ما أمر الله. أى: أمره، كقوله تعالى أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟ قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون

стр. 2634

به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه. فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وقال أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟ قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار. [سورة التحريم (٦٦) : آية ٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) تَوْبَةً نَصُوحاً وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى، والنصح: صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك: أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، مغتمين أشدّ الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك. وعن على رضى الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابيا يقول: اللهم إنى أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين. قال: وما التوبة؟ قال: يجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن شهر بن حوشب: أن لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقيل: توبة لا يتاب منها. وعن السدى: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقيل: نصوحا من نصاحة الثوب، أى: توبة ترفو

стр. 2635

خروقك في دينك، وترم خلك «١» . وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أى: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها. وقرأ زيد بن على: توبا نصوحا. وقرئ: نصوحا بالضم، وهو مصدر نصح. والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور أى: ذات نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له عَسى رَبُّكُمْ إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجيء به تعليما العباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت: قراءة ابن أبى عبلة: ويدخلكم بالجزم، عطفا على محل عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ نصب بيدخلكم، ولا يخزى: تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم يَسْعى نُورُهُمْ على الصراط أَتْمِمْ لَنا نُورَنا قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا. وعن الحسن: الله متممه لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله، كقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وهو مغفور له. وقيل: يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم، لأنّ النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلا. وقيل: السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا، فأولئك الذين يقولون رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أو كيف «٢» يتقربون وليست الدار دار تقرّب؟ قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرّب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقرّبا. [سورة التحريم (٦٦) : آية ٩] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالاحتجاج، واستعمل الغلظة والخشونة على

стр. 2636

الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة. وعن قتادة: مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم. وعن مجاهد: بالوعيد. وقيل: بإفشاء أسرارهم. [سورة التحريم (٦٦) : آية ١٠] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) مثل الله حال الكفار- في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم «١» من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر، لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله- بحال امرأة نوح وامرأة لوط: لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء مّا من عذاب الله وَقِيلَ لهما عند موتهما أو يوم القيامة: ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ومثل حال المؤمنين- في أنّ وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله- بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أنّ قومها كانوا كفارا. وفي طىّ هذين التمثيلين تعريض بأمّى المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله ﷺ «٢» بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ قوله تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن نبصره.

стр. 2637

فإن قلت، ما فائدة قوله مِنْ عِبادِنا؟ قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنا من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله: قال عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده إظهارا وإبانة، لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده. فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟ قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما «ما بغت امرأة نبى قط» «١» . [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١١ الى ١٢] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) وامرأة فرعون:: آسية بنت مزاحم. وقيل: هي عمة موسى ﵇ آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون. عن أبى هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها. وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقى بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها. وقيل: لما قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة: أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل: إنه من درة. وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة. فإن قلت: ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة؟ قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان القرب بقولها فِي الْجَنَّةِ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها عِنْدَكَ. مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ من عمل فرعون. أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصا

стр. 2638

من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ من القبط كلهم. وفيه دليل على أنّ الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل: من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فِيهِ في الفرج. وقرأ ابن مسعود: فيها، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مرّ لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع التفاسير: أنّ الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته: منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتى لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهنّ وَصَدَّقَتْ قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعنى: وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه. فإن قلت: فما كلمات الله وكتبه؟ قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها «١» ، وبكتبه: الكتب الأربعة «٢» ، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره. وقرئ: بكلمة الله وكتابه. أى: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل. فإن قلت: لم قيل مِنَ الْقانِتِينَ على التذكير؟ قلت: لأنّ القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه. ومِنْ للتبعيض. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هرون أخى موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» «٣» وأما ما روى أنّ عائشة سألت

стр. 2639

رسول الله ﷺ كيف سمى الله المسلمة؟ تعنى مريم، ولم يسم الكافرة؟ فقال: بغضالها: قالت: وما اسمها؟ قال: اسم امرأة نوح «واعلة» واسم امرأة لوط «واهلة» فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها البغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله ﷺ أحكم وأسلم من ذلك. عن رسول الله ﷺ : من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا» «١» سورة الملك مكية، وهي ثلاثون آية [نزلت بعد الطور] وتسمى: الواقية، والمنجية، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) تَبارَكَ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ على كل موجود

стр. 2640

وَهُوَ عَلى كُلِّ ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة قَدِيرٌ وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه. والحياة: ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل: ما يوجب كون الشيء حيا، وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر. والموت عدم ذلك «١» فيه، ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون لِيَبْلُوَكُمْ وسمى علم الواقع منهم باختيارهم «بلوى» وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر. ونحوه قوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ. فإن قلت: من أين تعلق قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بفعل البلوى «٢» ؟ قلت: من حيث أنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملا. فإن قلت: أتسمى هذا تعليقا؟ قلت: لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقا لا فترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق. وعلمت زيدا منطلقا. أَحْسَنُ عَمَلًا. قيل: أخلصه وأصوبه، لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صوابا غير خالص، فالخالص: أن يكون لوجه الله تعالى، والصواب: أن يكون على السنة. وعن النبي ﷺ أنه تلاها، فلما بلغ قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال: «أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» «٣» يعنى: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه، والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأن وراءه البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على الحياة، لأنّ أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم وَهُوَ الْعَزِيزُ

стр. 2641

الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ لمن تاب من أهل الإساءة طِباقاً مطابقة بعضها فوق بعض، من طابق النعل: إذا خصفها طبقا على طبق، وهذا وصف بالمصدر. أو على ذات طباق، أو على: طوبقت طباقا مِنْ تَفاوُتٍ وقرئ: من تفوت. ومعنى البناءين واحد، كقولهم: تظاهروا من نسائهم. وتظهروا. وتعاهدته وتعهدته، أى: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. ومنه قولهم: خلق متفاوت. وفي نقيضه: متناصف. فإن قلت: كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت: هي صفة مشايعة لقوله طِباقاً وأصلها: ما ترى فيهنّ من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله خَلْقِ الرَّحْمنِ تعظيما لخلقهنّ، وتنبيها على سبب سلامتهنّ من التفاوت: وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب. وقوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ متعلق به على معنى التسبيب، أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهنّ، ثم قال فَارْجِعِ الْبَصَرَ حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا تبقى معك شبهة فيه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ من صدوع وشقوق: جمع فطر وهو الشق. يقال: فطره فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شق وبزل. ومعناه: شق اللحم فطلع. وأمره بتكرير البصر فيهنّ متصفحا ومتتبعا يلتمس عيبا وخللا يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ أى إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور، أى: بالبعد عن إصابة الملتمس. كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة «١» . وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والبرديد. فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرّتين اثنتين؟ قلت: معنى التثنية التكرير بكثرة «٢» ، كقولك: لبيك وسعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض، وقولهم في المثل: دهدرّين سعد القين «٣» من ذلك. أى: باطلا بعد باطل. فإن قلت: فما معنى ثم ارجع؟ قلت: أمره يرجع

стр. 2642

البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء، وأن يتوقف بعدها ويجم بصره، ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور. [سورة الملك (٦٧) : آية ٥] وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) الدُّنْيا القربى، لأنها أقرب السماوات إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم. والمصابيح السرج، سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح «١» ، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بِمَصابِيحَ أى بأى مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك منافع أخر: أنا جَعَلْناها رُجُوماً أعدائكم: لِلشَّياطِينِ الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به وعن محمد بن كعب: في السماء والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة. والرجوم: جمع رجم: وهو مصدر سمى به ما يرجم به. ومعنى كونها مراجم للشياطين: أنّ الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنها قارة في الفلك على حالها. وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص. وقيل: من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب. ومنهم من يخبله. وقيل: معناه وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون «٢» وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٦ الى ١٢] وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)

стр. 2643

وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أى: ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم عَذابُ جَهَنَّمَ ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك. وقرئ عذاب جهنم بالنصب عطفا على عذاب السعير إِذا أُلْقُوا فِيها أى طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ويرمى به. ومثله قوله تعالى حَصَبُ جَهَنَّمَ. سَمِعُوا لَها شَهِيقاً إمّا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها. أو من أنفسهم، كقوله لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وإما للنار تشبيها لحسيسها» المنكر الفظيع بالشهيق وَهِيَ تَفُورُ تغلى بهم غليان المرجل بما فيه. وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ويقولون: فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا، وغضب فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء: إذا وصفوه بالإفراط فيه. ويجوز أن يراد: غيظ الزبانية أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ توبيخ يزدادون به عذابا إلى عذابهم وحسرة إلى حسرتهم. وخزنتها: مالك وأعوانه من الزبانية قالُوا بَلى اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم المجبرة «٢» ، وإنما أتوا من قبل أنفسهم، واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به وأوعد على ضده. فإن قلت: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ من المخاطبون به؟ قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أنّ النذير بمعنى الإنذار. والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير. أو وصف منذروهم لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا، وكذلك قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ونظيره قوله تعالى نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ أى حاملا رسالته. ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول: أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا. أو أرادوا بالضلال: الهلاك. أو سموا عقاب الضلال باسمه. أو من كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أى قالوا لنا هذا فلم نقبله لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ

стр. 2644

الإنذار سماع طالبين للحق «١» . أو نعقله عقل متأمّلين. وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل، لأنّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. ومن بدع التفاسير: أنّ المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب «٢» الرأى، كأنّ هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من من الناجين لا محالة، وعدّة المبشرين من الصحابة: عشرة، لم يضم إليهم حادي عشر، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين بِذَنْبِهِمْ بكفرهم في تكذيبهم الرسل فَسُحْقاً قرئ بالتخفيف والتثقيل، أى: فبعدا لهم، اعترفوا أو جحدوا، فإنّ ذلك لا ينفعهم. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهار. ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم «٣» في علم الله بهما، ثم أنه علله ب إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أى بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به. ثم أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر مَنْ خَلَقَ الأشياء «٤» ، وحاله أنه اللطيف الخبير، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه

стр. 2645

وما بطن. ويجوز أن يكون مَنْ خَلَقَ منصوبا بمعنى: ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله. وروى أنّ المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله رسوله عليها، فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبه الله على جهلهم. فإن قلت: قدرت في أَلا يَعْلَمُ مفعولا على معنى: ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق، فهلا جعلته مثل قولهم: هو يعطى ويمنع، وهلا كان المعنى: ألا يكون عالما من هو خالق، لأنّ الخلق لا يصح إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ لأنك لو قلت: ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير: لم يكن معنى صحيحا، لأنّ ألا يعلم معتمد على الحال. والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء. [سورة الملك (٦٧) : آية ١٥] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) المشي في مناكبها: مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية، لأنّ المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشى في مناكبها لم يترك «١» . وقيل: مناكبها جبالها. قال الزجاج: معناه سهل لكم السلوك في جبالها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو أبلغ التذليل. وقيل جوانبها. والمعنى: وإليه نشوركم، فهو مسائلكم «٢» عن شكر ما أنعم به عليكم. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) مَنْ فِي السَّماءِ فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء، لأنها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. والثاني: أنهم

стр. 2646

كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي فَسَتَعْلَمُونَ قرئ بالتاء والياء كَيْفَ نَذِيرِ أى إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذارى حين لا ينفعكم العلم صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن في الجوّ عند طيرانها، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها «١» صفا وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟ قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة، لأنّ الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي «٢» ، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١] أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَمَّنْ يشار إليه من الجموع ويقال هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الله إن أرسل عليكم عذابه أَمَّنْ يشار إليه ويقال هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ وهذا على التقدير. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر والرازق. ونحوه قوله تعالى أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا. بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق لثقله عليهم فلم يتبعوه. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)

стр. 2647

يجعل «أكب» مطاوع «كبه» يقال: كببته فأكب، من الغرائب والشواذ. ونحوه: قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك، ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه، وإنما «أكب» من باب «انفض، وألأم» «١» ومعناه: دخل في الكب، وصار ذاكب، وكذلك أقشع السحاب: دخل في القشع. ومطاوع كب وقشع: انكب وانقشع. فإن قلت: ما معنى يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ؟ وكيف قابل يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ قلت: معناه: يمشى معتسفا في مكان معتاد غير مستوفيه انخفاض وارتفاع، فيعثر كل ساعة فيخر على وجهه منكبا، فحاله نقيض حال من يمشى سويا، أى: قائما سالما من العثور والخرور. أو مستوى الجهة قليل الانحراف خلاف المعتسف الذي ينحرف هكذا وهكذا على طريق مستو. ويجوز أن يراد الأعمى الذي لا يهتدى إلى الطريق فيعتسف، فلا يزال ينكب على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المهتدى له، وهو مثل للمؤمن والكافر. وعن قتادة: الكافر أكب على معاصى الله تعالى فحشره الله يوم القيامة على وجهه. وعن الكلبي: عنى به أبو جهل بن هشام. وبالسوىّ: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: حمزة بن عبد المطلب. [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَوْهُ الضمير للوعد. والزلفة: القرب، وانتصابها على الحال أو الظرف، أى: رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أى ساءت رؤية الوعد وجوههم: بأن عليها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة، وكلحوا، وكما يكون «٢» وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب وَقِيلَ القائلون: الزبانية تَدَّعُونَ تفتعلون من الدعاء،

стр. 2648

أى: تطلبون وتستعجلون به. وقيل: هو من الدعوى، أى: كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. وقرئ: تدعون. وعن بعض الزهاد: أنه تلاها في أول الليل في صلاته، فبقى يكررها وهو يبكى إلى أن نودي لصلاة الفجر، ولعمري إنها لوقاذة «١» لمن تصور تلك الحالة وتأملها. [سورة الملك (٦٧) : آية ٢٨] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) كان كفار مكة يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين: إما أن نهلك كما تتمنون فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة والإدالة للإسلام كما نرجو، فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم- وأنتم كافرون- من عذاب النار؟ لا بدّ لكم منه، يعنى: إنكم تطلبون لنا الهلاك الذي هو استعجال للفوز والسعادة، وأنتم في أمر هو الهلاك الذي لإهلاك بعده، وأنتم غافلون لا تطلبون الخلاص منه. أو إن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم بعد موت هداتكم، والآخذين بحجزكم من النار، وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم وقتلكم فمن يجيركم، فإنّ المقتول على أيدينا هالك. أو إن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون، فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم، وإن رحمنا بالإيمان فمن يجير من لا إيمان له. [سورة الملك (٦٧) : آية ٢٩] قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) فإن قلت: لم أخر مفعول آمنا وقدم مفعول توكلنا؟ قلت: لوقوع آمنا تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: وعليه توكلنا خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم. [سورة الملك (٦٧) : آية ٣٠] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠) غَوْراً غائرا ذاهبا في الأرض. وعن الكلبي لا تناله الدلاء، وهو وصف بالمصدر كعدل ورضا. وعن بعض الشطار أنها تليت عنده فقال: تجيء به الفئوس والمعاول، فذهب ماء عينيه، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته. عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر» «٢» .

стр. 2649

سورة ن مكية، وهي اثنان وخمسون آية [نزلت بعد العلق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القلم (٦٨) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) قرئ: ن والقلم بالبيان والإدغام، وبسكون النون وفتحها وكسرها، كما في ص. والمراد هذا الحرف من حروف المعجم: وأمّا قولهم: هو الدواة فما أدرى أهو وضع لغوى أم شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا أو علما، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين، وإن كان علما فأين الإعراب، وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام. فإن قلت: هو مقسم به وجب إن كان جنسا أن تجرّه وتنوّنه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علما أن تصرفه وتجرّه، أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت: إما أن يراد نون من النينان. أو يجعل علما لليهموت «١» الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب، والنهر في الجنة نحو ذلك. وأقسم بالقلم: تعظيما له، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف وَما يَسْطُرُونَ وما يكتب من كتب. وقيل: ما يستره الحفظة، وما موصولة أو مصدرية. ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في يَسْطُرُونَ لهم كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم. أو وسطرهم، ويراد بهم كل ما يسطر، أو الحفظة. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٢ الى ٣] ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) فإن قلت: بم يتعلق الباء في بِنِعْمَةِ رَبِّكَ وما محله؟ قلت: يتعلق بمجنون منفيا «٢» ، كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد عمرا: تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا،

стр. 2650

ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك «١» ، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي. والمعنى، استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل «٢» والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوّة، بمنزل وَإِنَّ لَكَ على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه لَأَجْراً لثوابا غَيْرَ مَمْنُونٍ غير مقطوع كقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أو غير ممنون عليك به «٣» ، لأنه ثواب تستوجبه «٤» على عملك، وليس بتفضل ابتداء، وإنما تمنّ الفواضل لا الأجور على الأعمال. [سورة القلم (٦٨) : آية ٤] وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات «٥» من قومه وحسن مخالفته ومداراته لهم. وقيل: هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وعن عائشة رضى الله عنها: أن سعيد بن هشام سألها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن: قد أفلح المؤمنون «٦» . [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٥ الى ٦] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) الْمَفْتُونُ المجنون، لأنه فتن: أى محن بالجنون. أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن، وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة. أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أى: بأيكم

стр. 2651

الجنون. أو بأى الفريقين منكم الجنون «١» ، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أى: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم: وهو تعريض بأبى جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهذا كقوله تعالى سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٧ الى ٩] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله وَهُوَ أَعْلَمُ بالعقلاء وهم المهتدون. أو يكون وعيدا ووعدا، وأنه أعلم بجزاء الفريقين فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم لَوْ تُدْهِنُ لو تلين وتصانع فَيُدْهِنُونَ. فإن قلت: لم رفع فَيُدْهِنُونَ ولم ينصب بإضمار «أن» وهو جواب التمني؟ قلت: قد عدل به إلى طريق آخر: وهو أن جعل خبر مبتدإ محذوف، أى: فهم يدهنون، كقوله تعالى فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ. أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون، لطمعهم في إدهانك. قال سيبويه: وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٠ الى ١٦] وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) حَلَّافٍ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف. ومثله قوله تعالى وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ. مَهِينٍ من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأى والتمييز. أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس هَمَّازٍ عياب طعان. وعن الحسن. يلوى شدقيه في أقفية الناس مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مضرب «٢» نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم. والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدنى بعض العرب:

стр. 2652

تشبّبى تشبّب النّميمه … تمشى بها زهرا إلى تميمه «١» مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ بخيل. والخير: المال. أو مناع أهله الخير وهو الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير. قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي: كان موسرا، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: «٢» من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس. وعنه: أنه أبو جهل. وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث. وعن السدى: الأخنس ابن شريق، أصله في ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل: زنيم مُعْتَدٍ مجاوز في الظلم حده أَثِيمٍ كثير الآثام عُتُلٍّ غليظ جاف، من عتله: إذا قاده بعنف وغلظة بَعْدَ ذلِكَ بعد ما عدّله من المثالب والنقائص زَنِيمٍ دعى «٣» . قال حسان: وأنت زنيم نيط في ءال هاشم … كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد «٤» وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده. وقيل: بغت أمّه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأنّ الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها. ومن ثم قال رسول الله ﷺ «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده» «٥» وبَعْدَ ذلِكَ نظير ثُمَّ في قوله ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقرأ الحسن: عتل،

стр. 2653

رفعا على الذم وهذه القراءة تقوية لما يدل عليه بعد ذلك. والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله أَنْ كانَ ذا مالٍ متعلق بقوله وَلا تُطِعْ يعنى ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كان ذا مال. أى: ليساره وحظه من الدنيا. ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولا مستظهرا بالبنين كذب آياتنا «١» ولا يعمل فيه قالَ الذي هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. وقرئ: أأن كان؟ على الاستفهام على: إلا لأن كان ذا مال وبنين، كذب. أو أتطيعه لأن كان ذا مال. وروى الزبيري عن نافع: إن كان، بالكسر والشرط للمخاطب، أى: لا تطع كل حلاف شارطا يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ الوجه: أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة. وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، «٢» فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد وسم العباس أباعر «٣» في وجوهها، فقال له رسول الله ﷺ «أكرموا الوجوه» «٤» فوسمها في جواعرها «٥» وفي لفظ الخرطوم: استخفاف به واستهانة. وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما

стр. 2654

عادى رسول الله ﷺ عداوة بان بها عنهم. وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه. وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعا، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وعن النضر بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها وهو تعسف. وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة. وهي ما سلف من عصير العنب. أو لأنها تطير في الخياشيم. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٧ الى ٣٣] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله ﷺ عليهم كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، «١» فكان

стр. 2655

يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس، «١» وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا ليصر منها مصبحين في السدف «٢» خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقيل: كانوا من بنى إسرائيل مُصْبِحِينَ داخلين في الصبح مبكرين وَلا يَسْتَثْنُونَ ولا يقولون إن شاء الله. فإن قلت. لم سمى استثناء، وإنما هو شرط؟ قلت: لأنه يؤدى مؤدى الاستثناء، من حيث أن معنى قولك: لأخرجنّ إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله. واحد فَطافَ عَلَيْها بلاء أو هلاك طائِفٌ كقوله تعالى وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وقرئ: طيف فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ كالمصرومة لهلاك ثمرها. وقيل: الصريم الليل، أى. احترقت فاسودت. وقيل: النهار أى: يبست وذهبت خضرتها. أو لم يبق شيء فيها، من قولهم: بيض الإناء، إذا فرغه. وقيل الصريم الرمال صارِمِينَ حاصدين. فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم، وما معنى عَلى؟ قلت: لما كان الغدوّ إليه ليصرموه ويقطعوه: كان غدوّا عليه، كما تقول: غدا عليهم العدوّ. ويجوز أن يضمن الغدوّ معنى الإقبال، كقولهم: يغدى عليه بالجفنة ويراح، أى: فأقبلوا على حرثكم باكرين يَتَخافَتُونَ يتسارّون فيما بينهم. وخفى، وخفت، وخفد: ثلاثتها في معنى الكتم، ومنه: الخفدود للخفاش أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا أن مفسرة. وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول، أى يتخافتون يقولون لا يدخلنها، والنهى عن الدخول للمسكين نهى لهم عن تمكينه منه، أى: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل، كقولك: لا أرينك هاهنا. الحرد: من حردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درّها. والمعنى: وغدوا قادرين على نكد، لا غير عاجزين عن النفع، يعنى أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان، وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة. أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين، بدل كونهم قادرين على إصابة

стр. 2656

خيرها ومنافعها، أى: غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع، أو لما قالوا اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم: عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد. وقادِرِينَ من عكس الكلام للتهكم، أى: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين، وعلى حرد ليس بصلة قادرين، وقيل: الحرد بمعنى الحرد. وقرئ: على حرد، أى لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض، كقوله تعالى يَتَلاوَمُونَ وقيل: الحرد القصد والسرعة، يقال: حردت حردك. وقال: أقبل سيل جاء من أمر الله … يحرد حرد الجنّة المغلّه «١» وقطا حراد: سراع، يعنى: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط، قادرين عند أنفسهم، يقولون: نحن نقدر على صرامها وزى «٢» منفعتها عن المساكين. وقيل حَرْدٍ علم للجنة، أى غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم. أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان قالُوا في بديهة وصولهم إِنَّا لَضَالُّونَ أى ضللنا جنتنا، وما هي بها لما رأوا من هلاكها، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا أَوْسَطُهُمْ أعدلهم وخيرهم، من قولهم: هو من سطة قومه، وأعطنى من سطات مالك. ومنه قوله تعالى أُمَّةً وَسَطاً. لَوْلا تُسَبِّحُونَ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم. والدليل عليه قولهم سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مقارفة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة. وقيل: المراد بالتسبيح. الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأنّ الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم. وعن الحسن: هو الصلاة، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة، وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا سُبْحانَ رَبِّنا سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء يَتَلاوَمُونَ يلوم بعضهم بعضا، لأنّ منهم من زين، ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف وعذر

стр. 2657

ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت وهو راض أَنْ يُبْدِلَنا قرئ بالتشديد والتخفيف إِلى رَبِّنا راغِبُونَ طالبون منه الخير راجون لعفوه كَذلِكَ الْعَذابُ مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أشد وأعظم منه، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتنى تعبا. وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيرا منها. وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان: فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا. [سورة القلم (٦٨) : آية ٣٤] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) عِنْدَ رَبِّهِمْ أى في الآخرة جَنَّاتِ النَّعِيمِ ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٥ الى ٣٩] أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل: أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين. ثم قيل لهم على طريقة الالتفات «١» ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الأعوج؟ كأنّ أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أَمْ لَكُمْ كِتابٌ من السماء تَدْرُسُونَ في ذلك الكتاب أنّ ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ والأصل تدرسون أنّ لكم ما تخيرون، بفتح أنّ، لأنه مدروس، فلما جاءت اللام كسرت. ويجوز أن تكون حكاية للمدروس، كما هو، كقوله وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ. وتخير الشيء واختاره: أخذ خيره، ونحوه: تنخله وانتخله: إذا أخذ منخوله. لفلان علىّ يمين بكذا: إذا ضمنته منه وحلفت له «٢» على الوفاء به، يعنى: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد

стр. 2658

فإن قلت: بم يتعلق إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ؟ قلت: المقدر في الظرف، أى: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. ويجوز أن يتعلق ببالغة، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم. وقرأ الحسن: بالغة، بالنصب على الحال من الضمير في الظرف إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ جواب القسم، لأنّ معنى أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا أم أقسمنا لكم. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٠ الى ٤١] سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم زَعِيمٌ أى قائم به وبالاحتجاج لصحته، كما يقوم الزعيم المتكلم عن القوم المتكفل بأمورهم أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أى ناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه ويذهبون مذهبهم فيه فَلْيَأْتُوا بهم إِنْ كانُوا صادِقِينَ في دعواهم، يعنى: أنّ أحدا لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٣] يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام «١» : مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهنّ في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك. قال حاتم: أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها … وإن شمّرت عن ساقها الحرب شمّرا «٢»

стр. 2659

وقال ابن الرقيات: تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدى … عن خدام العقيلة العذراء «١» فمعنى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ في معنى: يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل، وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه «٢» وقلة نظره في علم البيان، والذي غرّه منه حديث ابن مسعود رضى الله عنه: «يكشف الرحمن عن ساقه، فأمّا المؤمنون فيخرّون سجدا «٣» ، وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأنّ فيها سفافيد» «٤» ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت: للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل، ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل: وعن أبى عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما: شبه حتى مثل، وهو مقاتل بن سليمان، والآخر نفى حتى عطل

стр. 2660

وهو جهم بن صفوان، ومن أحس بعظم مضارّ ففد هذا العلم علم مقدار عظم منافعه. وقرئ: يوم نكشف بالنون. وتكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول جميعا، والفعل للساعة أو للحال، أى: يوم تشتدّ الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها على المجاز. وقرئ: تكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف. ومنه. أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وناصب الظرف: فليأتوا. أو إضمار «اذكر» أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ، وإن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود رضى الله عنه: تعقم أصلابهم، أى ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وفي الحديث: وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أى. فقارة واحدة. فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟ قلت: لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرّطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالمون الأصلاب «١» والمفاصل ممكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٤ الى ٤٥] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) يقال: ذرني وإياه، يريدون كله إلىّ، فإنى أكفيكه، كأنه يقول: حسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلىّ وتخلى بيني وبينه، فإنى عامل بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازيا «٢» لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علىّ في الانتقام منه تسلية لرسول الله ﷺ ، وتهديدا للمكذبين. استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه. واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أى: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم وَأُمْلِي لَهُمْ وأمهلهم، كقوله تعالى إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً والصحة والرزق والمدّ في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. وسمى

стр. 2661

إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد حيث كان سببا للتورّط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوّة أثر إحسانه في التسبب للهلاك. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٦ الى ٤٧] أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) المغرم: الغرامة، أى لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبطهم ذلك عن الإيمان أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أى اللوح فَهُمْ يَكْتُبُونَ منه ما يحكمون به. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) لِحُكْمِ رَبِّكَ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعنى: يونس ﵇ إِذْ نادى في بطن الحوت وَهُوَ مَكْظُومٌ مملوء غيظا، من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. وقرأ ابن عباس وابن مسعود: تداركته. وقرأ الحسن: تداركه، أى تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لولا أن كان يقال فيه تتداركه، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أى كان يقال فيه سيقوم. والمعنى: كان متوقعا منه القيام. ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه. وقد اعتمد في جواب «لولا» على الحال، أعنى قوله وَهُوَ مَذْمُومٌ يعنى أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذمّ. روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله ﷺ ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا. وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرئ: رحمة من ربه فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أى من الأنبياء. وعن ابن عباس: ردّ الله إليه الوحى وشفعه في نفسه وقومه. [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٥١ الى ٥٢] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)

стр. 2662

إن مخففة من الثقيلة واللام علمها. وقرئ، ليزلقونك بضم الياء وفتحها. وزلقه وأزلقه بمعنى: ويقال: زلق الرأس وأزلقه: حلقه: وقرئ: ليزهقونك، من زهقت نفسه وأزهقها، يعنى: أنهم من شدّة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك، من قولهم: نظر إلىّ نظرا يكاد يصرعني، ويكاد يأكلنى، أى: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله. قال: يتقارضون إذا التقوا في موطن … نظرا يزلّ مواطئ الأقدام «١» وقيل: كانت العين في بنى أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء، فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله ﷺ مثل ذلك، فقال: لم أر كاليوم رجلا فعصمه الله. وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أى القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرا عنه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم. والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وموعظة لِلْعالَمِينَ فكيف يجنن من جاء بمثله. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم» «٢» .

стр. 2663

سورة الحاقة مكية، وآياتها ٥٢ [نزلت بعد الملك] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) الْحَاقَّةُ الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ريب فيها. أو التي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب. أو التي تحق فيها الأمور، أى: تعرف على الحقيقة، من قولك لا أحق هذا، أى: لا أعرف حقيقته. جعل الفعل لها وهو لأهلها وارتفاعها على الابتداء وخبرها مَا الْحَاقَّةُ والأصل: الحاقة ما هي، أى أىّ شيء هي تفخيما لشأنها وتعظيما لهو لها، فوضع الظاهر موضع المضمر، لأنه أهول لها وَما أَدْراكَ وأىّ شيء أعلمك ما الحاقة، يعنى: أنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها، على أنه من العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، وما في موضع الرفع على الابتداء. وأَدْراكَ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. بِالْقارِعَةِ التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار. ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع. في الحاقة: زيادة في وصف شدتها، ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب، تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم بِالطَّاغِيَةِ بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة. واختلف فيها،

стр. 2664

فقيل: الرجفة. وعن ابن عباس: الصاعقة. وعن قتادة: بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم. وقيل: الطاغية مصدر كالعافية، أى: بطغيانهم، وليس بذاك لعدم الطباق بينها وبين قوله بِرِيحٍ صَرْصَرٍ والصرصر: الشديدة الصوت لها صرصرة. وقيل: الباردة من الصر، كأنها التي كرر فيها البرد وكثر: فهي تحرق لشدة بردها عاتِيَةٍ شديدة العصف والعتوّ استعارة. أو عتت على عاد، فما قدروا على ردّها بحيلة، من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. وقيل: عتت على خزانها، فخرجت بلا كيل ولا وزن: وروى عن رسول الله ﷺ : «ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح، فإنّ الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه السبيل، ثم قرأ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ «١» ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط فيها. الحسوم: لا يخلو من أن يكون جمع حاسم كشهود وقعود. أو مصدرا كالشكور والكفور، فإن كان جمعا فمعنى قوله حُسُوماً نحسات حسمت كل خير واستأصلت كل بركة. أو متتابعة هبوب الرياح: ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء، كرة بعد أخرى حتى ينحسم. وإن كان مصدرا: فإما أن ينتصب بفعله مضمرا، أى: تحسم حسوما، بمعنى تستأصل استئصالا. أو يكون صفة كقولك: ذات حسوم. أو يكون مفعولا له، أى: سخرها عليهم للاستئصال. وقال عبد العزيز ابن زرارة الكلابي: ففرّق بين بينهم زمان … تتابع فيه أعوام حسوم «٢» وقرأ السدى: حسوما، بالفتح حالا من الريح، أى: سخرها عليهم مستأصلة. وقيل: هي أيام العجوز، وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل: هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء وأسماؤها: الصن والصنبر، والوبر. والآمر،

стр. 2665

والمؤتمر، والمعلل، ومطفئ الجمر. وقيل: مكفئ الظعن «١» ومعنى سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سلطها عليهم كما شاء فِيها في مهابها. أو في الليالي والأيام. وقرئ: أعجاز نخيل مِنْ باقِيَةٍ من بقية أو من نفس باقية. أو من بقاء، كالطاغية: بمعنى الطغيان. [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٩ الى ١٠] وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) وَمَنْ قَبْلَهُ يريد: ومن عنده من تباعه. وقرئ: ومن قبله، أى: ومن تقدمه. وتعضد الأولى قراءة عبد الله وأبى: ومن معه. وقراءة أبى موسى: ومن تلقاءه وَالْمُؤْتَفِكاتُ قرى قوم لوط بِالْخاطِئَةِ بالخطإ، أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطإ العظيم رابِيَةً شديدة زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح. يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ. [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١١ الى ١٢] إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) حَمَلْناكُمْ حملنا آباءكم فِي الْجارِيَةِ في سفينة، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم لِنَجْعَلَها الضمير للفعلة: وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة تَذْكِرَةً عظة وعبرة أُذُنٌ واعِيَةٌ من شأنها أن تعى وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته «٢» وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته كقولك: وعيت الشيء في الظرف. وعن النبي ﷺ أنه قال لعلىّ رضى الله عنه عند نزول هذه الآية «سألت الله أن يجعلها أذنك يا علىّ» قال علىّ رضى الله عنه: فما نسيت شيئا بعد وما كان لي أن أنسى «٣» . فإن قلت: لم قيل: أذن واعية، على التوحيد والتنكير؟ قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملئوا ما بين الخافقين. وقرئ: وتعيها بسكون العين للتخفيف: شبه تعى بكبد.
следующие страницы →