قسمته، ولا عقل لمن يجحد أنّ النهار نهار، وكذلك لا وصل لمن لم تساعده من الحق أنوار واستبصار. أو كلّما عاهدوا عهدا سابق التقدير لهم كان يشوّش عليهم، وينقض عهدهم لا حق التدبير منهم، والله غالب على أمره.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠١]
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)
«١» جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر، وكذّبوا رسلهم الذين أتوهم فى الظاهر، فيا جهلا ما فيه شظية من العرفان! ويا حرمانا قارنه خذلان! قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٢]
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
من فرّقته الأهواء وقع فى كل مطرح من مطارح الغفلة، فيستقبله كل جنس من قضايا
стр. 107
الجهالة، ثم إن من طالت به الغيبة صار للناس عبرة، ولمن سلك طريقه فتنة، فمن اقتدى به فى غيّه انخرط فى سلكه، والتحقق بجنسه، هكذا صفة هاروت وماروت فيما استقبلهما، صارا للخلق فتنة بل عبرة، فمن أصغى إلى قيلهما، ولم يعتبر بجهلهما تعلّق به بلاؤهما، وأصابه فى الآخرة عناؤهما.
والإشارة من قصتهما إلى من مال فى هذه الطريقة إلى تمويه وتلبيس، وإظهار دعوى بتدليس، فهو يستهوى من اتّبعه «١» ، ويلقيه فى جهنم بباطله، (............) «٢»
ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستاره، وظهر لذوى البصائر عواره.
وإن هاروت وماروت لما اغترّا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بسطا لسان الملامة فى عصاة بنى آدم، فلما ركّب فيهما من نوازع الشهوات، ودواعى الفتن والآفات، اقتحما فى العصيان، وظهر منهما ما انتشر ذكره على ألسنة القصاص، وهما منكّسان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لما انتهى فى القيامة عذابهما، ولكنّ لطف الله مع الكافة كثير. ولمّا قال الله تعالى: «وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ» علم أهل التحصيل أن العلم بكل معلوم- وإن كان صفة مدح- ففيه غير مرغوب فيه، بل هو مستعاذ منه قال النبي ﷺ : أعوذ بك من علم لا ينفع.
قوله جل ذكره: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
لو علم المغبون ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسرات، ولكن سيعلم- يوم تبلى السرائر- الذي فاته من الكرائم.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٣]
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
ولو آثروا الإقبال على الله على اشتغالهم عن الله، لحصّلوا ذخر الدارين، ووصلوا إلى
стр. 108
عزّ الكونين، ولكن كبستهم سطوات القهر، فأثبتهم فى مواطن الهجر.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
قصود الأعداء فى جميع أحوالهم- من أعمالهم وأقوالهم- قصود خبيثة فهم- على مناهجهم- يبنون فيما يأتون ويذرون. فسبيل الأولياء التّحرز عن مشابهتهم، والأخذ فى طريق غير طريقهم.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٥]
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
كراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصلة مستدامة، ولكن الحسود لا يسود، ولا يحصل له مقصود وخصائص الرحمة للأولياء كافية- وإن زعم من الأعداء أفّاك أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٦]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)
النسخ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هى فوقها وأعلى منها، فغصن وصلك أبدا ناضر، ونجم عزّك أبدا ظاهر، فلا ننسخ من آثار العبادة شيئا إلا وأبدلنا عنه أشياء من أنوار العبودية، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا مكانها أشياء من أقمار العبودة «١» .
стр. 109
فأبدا «١» سرّك فى الترقي، وقدرك فى الزيادة بحسن التّولّي وقيل ما رقّاك عن محل العبودية إلا سلكك بساحات الحرية، وما رفع عنك شيئا من صفات «٢» البشرية إلا أقامك بشاهد من شواهد الألوهية.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٧]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)
سنّته- سبحانه- أن يجذب أولياءه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه «٣» ، ثم يأخذهم من مطالعة ملكه إلى شهود حقّه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٨]
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
إنّ بنى إسرائيل آذوا موسى ﵇، فنهى المسلمون عن فعل ما أسلفوه، وأمروا
стр. 110
بمراعاة أن حشمة الرسول ﷺ بغاية ما يتسع فى الإمكان. فكانوا بحضرته كأنّ على رءوسهم الطير. قال تعالى: «تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» وحسن الأدب- فى الظاهر- عنوان حسن الأدب مع الله فى الباطن.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٩]
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)
من لحقه خسران الفهم من أصحاب الغفلة ودّ ألا يطلع لأحد بالسلامة نجم، ومن اعتراه الحسد أراد ألا تنبسط على محسوده شمس.
وكذلك كانت صفات الكفار، فأرغم الله أنفهم، وكبّهم على «١» وجوههم.
والإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة فى البداية إذا رغبوا فى السلوك، فمن لم يساعده التوفيق (فى الصحبة، وعاشر أناسا مترسّمين بالظواهر) «٢» فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح، والتخويف بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة، ويقطعوا عليهم طريق الإرادة، أولئك أعداء الله حقا، أدركهم مقت الوقت.
وعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئا من روائح الصدق.
«فاعفوا واصفحوا ... » فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سرّه، ويستعمل مع كل أحد ضلة «٣» ، ويبذل فى الطلب رفعة «٤» ، فعن قريب يفتح الحق عليه طريقه.
стр. 111
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٠]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)
الواجب على المريد إقامة المواصلات، وإدامة التوسل بفنون «١» القربات، واثقا بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تدرك «٢» ثمرته فى أواخر الحالات.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١١]
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١)
«٣» كلّ حزب يمهّد الأمل لنفسه، ويظنّ النجاة لحاله، ويدعى الوسل «٤» من سهمه.
ولكنّ مجرد الحسبان دون تحقق البرهان لا يأتى بحاصل، ولا يحوز بطائل.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٢]
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
«٥» أسلم وجهه أي أخلص لله قصده، وأفرد لله وجهه، وطهّر عن الشوائب عقله.
«وهو محسن» . عالم بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله، وهو محسن فى المآل كما أنه مسلم فى الحال.
ويقال الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فتكون مستسلما بظاهرك، مشاهدا بسرائرك، فى الظاهر جهد وسجود وفى الباطن كشف ووجود.
стр. 112
ويقال «أسلم وجهه» بالتزام الطاعات، «وهو محسن» قائم بآداب الخدمة بحسن آداب الحضور، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر، ولا يلحقهم خفىّ المكر، فلا الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غدا عن الرؤية.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٣]
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)
الإشارة فى هذه الآية على العكس من حكم الظاهر فالأعداء يتبرأ بعضهم من بعض اليوم، والأولياء من وجه كذلك، ولذا قالوا: لا زالت الصوفية بخير ما تنافروا، ولا يقبل بعضهم بعضا لأنه لو قبل بعضهم بعضا بقي بعضهم مع بعض.
لكنّ الأعداء كلهم على الباطل. عند تبرّى بعضهم من بعض أمّا الأولياء فكلّهم على الحق- وهذه ما ذكرنا من حكم العكس.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٤]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤)
الإشارة فيه أن الظالم من خرّب أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخرّب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين.
وخرّب أوطان المحبة بالحظوظ والمساكنات، وهى أرواح الواجدين. وخرّب أوطان
стр. 113
المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهى أسرار الموحدين «١» .
قوله جلّ ذكره: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.
لأهل الإشارة خزى الدنيا بذل الحجاب، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٥]
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)
الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها. وللقلوب شوارق وطوارق. وطوارقها هواجس النفوس تطرق فى ظلمات المنى والشهوات.
وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف.
فما دامت الشوارق طالعة فقبلة القلوب، واضحة ظاهرة، فإذا استولت «٢» الحقائق خفى سلطان الشوارق، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر، فلا شهود رسم، ولا بقاء حسّ وفهم، ولا سلطان عقل وعلم، ولا ضياء عرفان.
فإن وجدان «٣» هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية، وإذا صار الموصوف محوا فأنّى لهم ببقاء الصفة! قال تعالى: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» مادام يبقى من الإحساس والتمييز بقية- ولو شظية- فالقبلة مقصودة، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة. وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائل بكلّ وجهة، ولا معرفة بالقبلة تساوت الجهات فى جواز الصلاة إلى كل واحد منها إذا لم يكن للنية ترجيح.
стр. 114
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٦]
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦)
مكر بهم لم يفنهم- من الإفناء- فى الحال، بل جعل موجب اغترارهم طول الإمهال، فنطقوا بعظيم الفرية على الله، واستنبطوا عجيب المرية فى وصف الله، فوصفوه بالولد! وأنّي بالولد وهو أحدى الذات؟! لا حدّ لذاته، ولا تجوز الشهوة فى صفاته.
قوله جل ذكره: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ.
أي ليس فى الكون شىء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادى عليه آثار الخلقة، وتفصح منه شواهد الفطرة، وكل صامت منها ناطق، وعلى وحدانيته- سبحانه- دليل وشاهد.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٧]
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)
البديع عند العلماء موجد العين لا على مثل، وعند أهل الإشارة الذي ليس له شىء مثله. فهذا الاسم يشير إلى نفى المثل عن ذاته، ونفى المثال عن أفعاله، فهو الأحد الذي لا عدد يجمعه، والصمد الذي لا أمد يقطعه، والحق الذي لا وهم يصوّره، والموجود الذي لا فهم يقدره. وإذا قضى أمرا فلا يعارض «١» عليه مقدور، ولا ينفك من حكمه محظور.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٨]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)
«٢» «٣»
стр. 115
كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها، وأمر التكوين (يتناول المكلفين وأفعال المكلفين) «١» ، لكن من عدم سمع الفهم تصامم «٢» عن استماع الحق، فإنه- سبحانه- خاطب قوما من أهل الكتاب، وأسمعهم خطابه «٣» ، فلم يطيقوا سماعه، وبعد ما رأوا من عظيم الآيات حرّفوا وبدّلوا. وفى الآيات التي أظهرها ما يزيح العلّة من الأغيار، ويشفى الغلّة من الأخيار، ولكن ما تغني الدلائل- وإن وضحت- عمن حقّت لهم الشقاوة وسبقت؟
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١١٩]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩)
أفردناك بخصائص لم نظهرها على غيرك فالجمهور والكافة تحت لوائك، والمقبول من وافقك، والمردود من خالفك، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال، ولا عنك لأحد ( ... ) «٤» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٠]
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)
لا تبال برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فأعلن «٥» التبري منهم، وأظهر الخلاف معهم، وانصب العداوة
стр. 116
لهم، وأعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك ببالك «١» ، وادع- إلى البراءة عنهم وعن طريقتهم- أمّتك، وكن بنا لنا، متبرّيا عمن سوانا، واثقا بنصرتنا، فإنّك بنا ولنا.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢١]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)
الذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وكلنا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا، وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم، وأيّدناهم بتحقيق التعريف فى أسرارهم، يقومون بحق التلاوة، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص، ومن سواهم أصحاب الرد.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٢]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)
جرت سنته- سبحانه- فى الخطاب مع قوم موسى ﵇ أن يناديهم بنداء العلامة فيقول: يا بنى إسرائيل اذكروا، أي يا بنى يعقوب، ومع هذه الأمة «٢» أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٣]
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
أمّا الأعداء فلا يقبل منهم شيئا، وأما الأولياء فقال ﷺ : «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة» ، والكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين فهذا حكم كل أمة مع نبيّها، وأمّا المؤمنون- فعلى التخصيص- تنفعهم شفاعة نبيّهم ﷺ .
стр. 117
وكلّ أحد يقول يومئذ نفسى نفسى ونبيّنا ﷺ يقول: أمتى أمتى «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٤]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
البلاء تحقيق الولاء، فأصدقهم ولاء أشدّهم بلاء.
ولقد ابتلى الحق- سبحانه- خليله ﵇ بما فرض عليه وشرع له، فقام بشرط وجوبها، ووفّى بحكم مقتضاها، فأثنى عليه سبحانه بقوله: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» - من التوقية- أي لم يقصّر بوجه البتة.
يقال حمّله أعباء النبوة، وطالبه بأحكام الخلّة، وأشد بلاء له كان قيامه بشرائط الخلة، والانفراد له بالتجافي عن كل واحد وكل شىء، فقام بتصحيح ذلك مختليا عن جميع ما سواه، سرّا وعلنا. «٢»
كذلك لم يلاحظ جبريل ﵇ حين تعرض له وهو يقذف فى لجة الهلاك، فقال:
هل من حاجة؟ فقال: أمّا إليك.... فلا.
ومن كمال بلائه تعرض جبريل ﵇ فى تلك الحالة، وأي بقية كانت بقيت له منه حتى يكون لمخلوق فيه مساغ كائنا من كان؟!
стр. 118
وفى هذا إشارة دقيقة إلى الفرق بين حال نبيّنا ﷺ وحال إبراهيم ﵇، لأنه تعرض جبريل للخليل وعرض عليه نفسه:
فقال: أمّا إليك.. فلا. ولم يطق جبريل صحبة النبي ﷺ فنطق بلسان العجز وقال:
لو دنوت أنملة لاحترقت «١» .
وشتّان بين حالة يكون فيها جبريل ﵇ من قوّته بحيث يعرض للخليل ﵇ نفسه، وبين حالة يعترف للحبيب- صلوات الله عليه- فيها بعجزه.
قوله جل ذكره: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً، قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً.
الإمام من يقتدى به، وقد حقّق له هذا حتى خاطب جميع الخلائق إلى يوم القيامة بالاقتداء به فقال: «ملة أبيكم إبراهيم» أي اتبعوا ملة إبراهيم يعنى التوحيد، وقال:
«واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى» .
هذا هو تحقيق الإمامة. ورتبة الإمامة أن يفهم عن الحق ثم يفهم الخلق فيكون واسطة بين الحق والخلق، يكون بظاهره مع الخلق لا يفتر عن تبليغ الرسالة، وبباطنه مشاهدا للحق، لا يتغير له صفاء الحالة، ويقول للخلق ما يقوله له الحق.
قوله جل ذكره: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.
نطق بمقتضى الشفقة عليهم، فطلب لهم ما أكرم به. فأخبره أن ذلك ليس باستحقاق نسب، أو باستيجاب سبب، وإنما هى أقسام مضت بها أحكام فقال له: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»
стр. 119
وليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها، فهى لا ادّخار لها عن أحد وإن كان كافرا، ولذلك:
قال جلّ ذكره: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
فقال الله تعالى:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٦]
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)
يعنى ليس للدنيا من الخطر ما يمنعها عن الكفار، ولكن عهدى لا يناله إلا من اخترته من خواص عبادى.
أمّا الطعام والشراب فغير ممنوع من أحد.
أمّا الإسلام والمحاب فغير مبذول لكل أحد.
قوله جل ذكره: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً.
واذكر يا محمد حين جعلنا البيت- يعنى الكعبة- مثابة للناس إليه يثوبون، ومأمنا لهم إليه يرجعون، وإياه من كل نحو يقصدون.
هو بيت خلقته من الحجر ولكن أضفته إلى الأزل فمن نظر إلى البيت بعين الخلقة انفصل، ومن نظر إليه بعين الإضافة وصل واتصل «١» ، وكلّ من التجأ إلى ذلك البيت أمن من عقوبة الآخرة إذا كان التجاؤه على جهة الإعظام والاحترام، والتوبة عن الآثام.
ويقال بنى البيت من الحجر لكنه حجر يجذب القلوب كحجر المغناطيس يجذب الحديد.
بيت من وقع عليه ظلّه أناخ بعقوة «٢» الأمن.
стр. 120
بيت من وقع عليه طرفه بشّر بتحقيق الغفران.
بيت من طاف حوله طافت اللطائف بقلبه، فطوفة بطوفة، وشوطة بشوطة وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
بيت ما خسر من أنفق على الوصول «١» إليه ماله.
بيت ما ربح من ضنّ عليه بشىء من زاره نسى مزاره، وهجر دياره.
بيت لا تستبعد إليه المسافة، بيت لا تترك زيارته لحصول مخافة، أو هجوم آفة، بيت ليس له بمهجة الفقراء آفة.
بيت من قعد عن زيارته فلعدم فتوّته، أو لقلة محبته.
بيت من صبر عنه فقلبه أقسى من الحجارة. بيت من وقع عليه شعاع أنواره تسلّى عن شموسه وأقماره.
بيت ليس العجب ممن بقي (عنه) «٢» كيف يصبر، إنما العجب ممن حضره كيف يرجع! قوله جل ذكره: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.
عبد رفع لله سبحانه قدما فإلى القيامة جعل أثر قدمه قبلة لجميع المسلمين إكراما لا مدى له.
قوله جل ذكره: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ
стр. 121
قَلِيلًا، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
الأمر فى الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلب.
وتطهير البيت بصونه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار.
وطواف الحجاج حول البيت معلوم بلسان الشرع، وطواف المعاني معلوم لأهل الحق فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحّدين الحقائق فيها عاكفة، فهؤلاء أصحاب التلوين «١» وهؤلاء أرباب التمكين.
وقلوب القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدا واقفة.
وقلوب الموحّدين على بساط الوصل أبدا راكعة.
وقلوب الواجدين على بساط القرب أبدا ساجدة.
ويقال صواعد نوازع الطالبين بباب الكرم أبدا واقفة، وسوامى قصود المريدين بمشهد الجود أبدا طائفة، ووفود همم العارفين بحضرة العزّ أبدا عاكفة.
قوله جل ذكره: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً.
السؤال إذا لم يكن مشوبا بحظّ العبد كان مستجابا، ولم يكن سؤال إبراهيم هذا لحظّ نفسه، وإنما كان لحقّ ربّه .
ولمّا حفظ شرط الأدب طلب الرزق لمن آمن منهم على الخصوص أجيب فيهم
стр. 122
وفى الذين لم يؤمنوا. ولمّا قال فى حديث الإمامة: «ومن ذرّيتى» من غير إذن منع وقيل له:
«لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٧]
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)
نجح السؤال فى صدق الابتهال فلما فزعا إلى الخضوع فى الدعاء أتاهما المدد، وتحقيق السؤال.
«إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ» لأقوالنا «الْعَلِيمُ» بأحوالنا.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٨]
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)
«مُسْلِمَيْنِ» : منقادين لحكمك حتى لا يتحرك منّا عرق بغير رضاك، واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك لتقوم بعدنا مقامنا فى القيام بحقوقك، وشتان بين من يطلب وارثا لماله، وبين من يطلب نائبا بعده يقوم بطاعته فى أحواله.
«وَأَرِنا مَناسِكَنا» إذ لا سبيل إلى معرفة الموافقات إلا بطريق التوفيق والإعلام.
«وَتُبْ عَلَيْنا» : بعد قيامنا بجميع ما أمرتنا حتى لا نلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك عن شهود أفعالنا لئلا يكون خطر الشّرك الخفىّ فى توهّم شىء منّا بنا.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٢٩]
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)
стр. 123
إن الواجبات لمّا كانت من قبل الرسل دون مجرد المعقول سأل ألا يتركهم سدى، وألا يخليهم عن رسول وشرع. وطلب فى ذلك الموقف أن يكون الرسول «مِنْهُمْ» ليكونوا أسكن إليه وأسهل عليهم، ويصحّ أن يكون معناه أنه لما عرّفه- سبحانه- حال نبيّنا ﷺ سأل إنجاز ما وعده على الوجه الذي به (أمره «١» ) .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٠]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)
أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدين دينه، والتوحيد شعاره والمعرفة صفته فمن رغب عن دينه أو حاد عن سنّته فالباطل مطرحه، والكفر مهواه إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣١]
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)
الإسلام هو الإخلاص وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس، قال: «أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» : قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة. ولم يدخر شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خلّه من الأسر (عمل) «٢» ما أمر به، فلم يكن له فى الحالين «اختيار» ولا تدبير.
ويقال إن قوله: «أَسْلَمْتُ» : ليس بدعوى من قبله لأن حقيقة الإسلام إنما هو التّبرى من الحول والقوة، فإذا قال: «أَسْلَمْتُ» فكأنه قال أقمنى فيما كلفتنى، وحقّق منى ما به أمرتنى. فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شىء من قبل نفسه.
ويقال أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة فإن من حلّ فى الخلّة محلّه يحل به- لا محالة- ما حلّ به.
стр. 124
ويسأل هاهنا سؤال فيقال: كيف قال إبراهيم صلوات الله عليه: «أَسْلَمْتُ» ولم يقل نبيّنا ﷺ حينما قيل له اعلم «علمت» ؟.
والجواب عن ذلك من وجوه: منها أن النبي ﷺ قال «أنا أعلمكم بالله «١» » ولكن لم يرد بعده شرع فكان يخبر عنه بأنه قال علمت.
ويقال: إن الله سبحانه أخبر عن الرسول ﵇ بقوله: «آمن الرسول» لأن الإيمان هو العلم بالله ، وقول الحق وإخباره عنه أتمّ من إخباره- ﵇ عن نفسه.
والآخر أن إبراهيم لما أخبر بقوله: «أسلمت» اقترنت به البلوى، ونبيّنا- ﷺ يتحرز عما هو صورة الدعوى فحفظ وكفى.
والآخر أن إبراهيم ﵇ أمر بما يجرى مجرى الأفعال، فإن الاستسلام به إليه يشير. ونبينا ﷺ أمر بالعلم، (ولطائف العلم أقسام) «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٢]
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
أخبر أن إبراهيم ﵇ وصّى بنيه، وكذلك يعقوب ﵇ قال لبنيه لا يصيبنكم الموت إلا وأنتم يوصف الإسلام. فشرائعهم- وإن اختلفت فى الأفعال- فالأصل واحد، ومشرب التوحيد لا ثانى- له فى التقسيم- وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ»
стр. 125
بشارة بما تقوى به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٣]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)
جروا كلهم- صلوات الله عليهم- على منهاج واحد فى التوحيد والإسلام، وتوارثوا ذلك خلفا عن سلف، فهم أهل بيت الزلفة، ومستحقو القربة، والمطهّرون من قبل الله- على الحقيقة.
قوله جل ذكره: وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
لم يقولوا إلهنا مراعاة لخصوصية قدره، حيث سلموا له المزية، ورأوا أنفسهم ملحقين بمقامه، ثم أخبروا عن أنفسهم أنهم طيّع له «١» بقولهم «وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٤]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
أنزل الحقّ- سبحانه- كلّا بمحلّه، وأفرد لكل واحد قدرا بموجب حكمه، فلا لهؤلاء عن أشكالهم خبر، ولا بما خصّ به كل طائفة إلى آخرين أثر، وكلّ فى إقليمه ملك، ولكل يدور بالسعادة فلك.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٥]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) .
стр. 126
معناه إذا تجاذبتك الفرق، واختلفت عليك المطالبات بالموافقة، فاحكم بتقابل دعاواهم، وأزد من توجهك إلينا، جاريا على منهاج الخليل ﵇ فى اعتزال الجملة، سواء كان أباه، أو كان ممن لا يوافق مولاه، ولذا قال «وأعتزلكم وما تدعون من دون الله» للحق بالحق.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٦]
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)
لمّا آمن نبيّنا ﷺ بجميع ما أنزل من قبله أكرم بجميع ما أكرمه من قبله، فلمّا أظهر موافقة الجميع أمر الكلّ بالكون تحت لوائه فقال: «آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة» » .
ولمّا آمنت أمّته بجميع ما أنزل الله على رسله «٢» ، ولم يفرقوا بين أحد فهم ضربوا فى التكريم بالسّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٧]
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
إن سلكوا طريقتكم، وأخذوا بسبيلكم، أكرموا بما أكرمتم، ووصلوا إلى ما وصلتم، وإن أبوا إلا امتيازا أبينا إلا هوانهم. فإنّ نظرنا لمن خدمك يا محمد بالوصلة،
стр. 127
وإعراضنا عمن باينك وخالفك ( ... ) «١» ، من خالفك فهو فى شق الأعداء، ومن خدمك فهو فى شق «٢» الأولياء.
«فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» : كفاية الله متحققة لأن عناية الله بكم متعلقة، فمن نابذكم قصمته أيادى النصرة، ومن خالفكم قهرته قضايا القسمة، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام، العليم باستحقاقكم (منا) «٣» خصائص اللطف والإكرام.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٨]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨)
معناه الزموا صبغة الله، فهو نصب بإضمار فعل.
والإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد، فما يتكلفه الخلق فإلى الزوال مآله، وما أثبت الحقّ عليه الفطرة فبإثباته العبرة.
وللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة. صبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٣٩]
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
«٤» كيف تصحّ محاجة الأجانب «٥» وهم تحت غطاء الغيبة، وفى ظلال الحجبة. والأولياء فى ضياء الكشف وظهر الشهود؟
стр. 128
ومتى يستوى حال من هو بنعت الإفلاس بغيبته مع حال من هو فى حكم الاختصاص والإخلاص لانغراقه فى قربته؟ هيهات لا سواء! قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٠]
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)
من نظر من نفسه إلى الخلق يتخيّل كلّا برقمه، ويحسب الجميع بنعت مثله فلمّا كانوا بحكم الأجنبيّة حكم الأنبياء- ﵈ بمثل حالتهم، فردّ الحقّ- سبحانه- عليهم ظنّهم و ( ... ) «١» فيهم رأيهم. وهل يكون المجدوب عن شاهده كالمحجوب فى شاهده؟
وهل يتساوى المختطف «٢» عن كلّه بالمردود إلى مثله؟
ذلك ظن الذين كفروا فتعسا «٣» لهم! قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤١]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
حالت بينكم وبينهم حواجز من القسمة فهم على الفرقة والغفلة أسسوا بنيانهم، وأنتم على الزلفة والوصلة ضربتم خيامكم. وعتيق فضلنا لا يشبه طريد قهرنا «٤» .
стр. 129
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٢]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
سقمت بصائر الكفار فلم يلح لهم وجه الصواب فى جميع أحوال المؤمنين، فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض «١» فى كل ما كان ويكون منهم، فلم يروا شيئا جديدا إلا أتوا عليه باعتراض جديد.
فمن ذلك تغير أمر القبلة حينما حوّلت إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقا فما الذي ولّاهم «٢» عنها؟ فقال جل ذكره:
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
يتعبّد العباد إلى أي قطر و ( ... ) ونحو شاءوا، وكذلك أصحاب الغيبة والحجبة- عن شهود تصريف الحق لأوليائه- يطلبون وجوها من الأمر، يحملون عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألم توزّع الفكر، وشغل ترجّم الخاطر، ومطالبات تقسّم الظنون، ولكنّ الله يهدى لنوره من شاء.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
الوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة «٣» خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم فى القيامة فهذه الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، وكلّ من قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردّته «٤» قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم
стр. 130
عصم جميع الأمة (عن) «١» الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ فى النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنّة الرسول ﷺ . وكل ما لا يكون فيه اقتداء بالرسول «٢» ﵇ فهو عليه ردّ «٣» ، وصاحبه على لا شىء.
قوله جل ذكره: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.
بيّن أن الحكم فى تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت التبديل كان اختبارا لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق «٤» ، ومن نظر إلى الأمر بعين التفرقة لكبر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال:
«وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي من كان مع الله فى جميع الأحوال على قلب واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواء غيّر أو قرّر، وأثبت أو بدّل، وحقّق أو حوّل فهم به له فى جميع الأحوال، قال قائلهم:
كيفما دارت الزجاجة درنا ... يحسب الجاهلون أنّا جننّا
فإن قابلوا شرقا أو واجهوا غربا، وإن استقبلوا حجرا أو قاربوا مدرا، فمقصود قلوبهم واحد، وما كان للواحد فحكم الجميع فيه واحد.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٤]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) .
стр. 131
حفظ- صلوات الله عليه- الآداب حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنّاه من أمر القبلة بقلبه، فلاحظ السماء لأنها طريق جبريل ﵇، فأنزل الله : «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ» أي علمنا سؤلك عمّا لم تفصح عنه بلسان الدعاء، فلقد غيّرنا القبلة لأجلك، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب.
كلّ العبيد يجتهدون فى طلب رضائى وأنا أطلب رضاك: فلنولينك قبلة ترضاها» .
«فولّ وجهك شطر المسجد الحرام» : ولكن لا تعلّق قلبك بالأحجار والآثار، وأفرد قلبك لى، ولتكن القبلة مقصود نفسك، والحقّ مشهود قلبك، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره، ولكن أخلصوا قلوبكم لى وأفردوا شهودكم بي.
قوله جل ذكره: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
ولكنه علم لا يكون عليهم حجة، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة، «وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» تهويلا على الأعداء، وتأميلا على الأولياء.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٥]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)
«١» سبق لكم من قديم الحكم ( ... ) «٢» انفراد بطريق الحق، ووقوع أعدائكم فى شق
стр. 132
البعد، فبينكما برزخ لا يبغيان، فما هم بتابعى قبلتكم وإن أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار، ولا أنت- بتابع قبلتهم وإن أتوا بكل احتيال، حكما من الله- سبحانه- بذلك فى سابق الأزل.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٦]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
حملتهم مستكنّات الحسد على مكابرة ما علموه بالاضطرار، فكذلك المغلوب فى ظلمات نفسه، ألقى «١» جلباب الحياء فلم ينجع فيه ملام، ولم يردعه عن انهماكه كلام.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٧]
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
أي بعد ما طلعت لك شموس اليقين فلا تذعن «٢» إلى مجوزات التخمين «٣» . والخطاب له والمراد به الأمة.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٨]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
الإشارة منه: أنّ كل قوم اشتغلوا عنّا بشىء حال بينهم وبيننا، فكونوا أنتم أيها المؤمنون لنا وبنا، وأنشد بعضهم:
إذا الأشغال ألهونى عنك بشغلهم ... جعلتك أشغالى فأنسيتنى شغلى
стр. 133
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٩]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)
كما تستقبلون أينما كنتم القبلة- قربتم منها أم بعدتم- فكذلك أقبلوا علينا بقلوبكم كيفما كنتم حظيتم منا أو منيتم.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٠]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
إذا أردت ألا يكون لأحد عليك سبيل، ولا يقع لمخلوق عليك ظلّ، ولا تصل إليك بالسوء يد، فحيثما كنت وأينما كنت وكيفما كنت كن لنا وكن منّا، فإنّ من انقطع إلينا لا يتطرق إليه حدثان.
قوله جل ذكره: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
إذا كانوا محوا عن كونهم رسوما تجرى عليهم أحكامنا- فأنّى بالخشية منهم!؟
قوله جل ذكره: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.
إتمام النعمة إضافة الكشف إلى اللطف، فإن من كفاه بمقتضى جوده دون من أغناه بحق وجوده، وفى معناه أنشدوا:
نحن فى أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور
عيب ما نحن فيه- يا أهل ودّى- ... أنّكم غيّب ونحن الحضور
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥١]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
«١»
стр. 134
إرسال الرسول مفاتحة لأبواب الوصول، فكان فى سابق علمه- سبحانه- أن قلوب أوليائه متعطشة إلى لقائه. ولا سبيل لأحد إليه إلا بواسطة الرسل فأقوام ألزمهم- بإرسال الرسل إليهم الكلف، وآخرون أكرمهم- بإرسال الرسل إليهم- بفنون القرب والزّلف، وشتّان بين قوم وقوم! قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٢]
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
الذكر استغراق الذاكر فى شهود المذكور، ثم استهلاكه فى وجود المذكور، حتى لا يبقى منك أثر يذكر، فيقال قد كان مرة فلان.
«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» أي كونوا مستهلكين فى وجودنا، نذكركم بعد فنائكم عنكم، قال الله تعالى: «إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ» كانوا وقتا ولكنهم بانوا دائما «١» :
أناس حديث حسن ... فكن حديثا حسنا لمن وعنى «٢»
وطريقة أهل العبارة «٣» (فَاذْكُرُونِي) بالموافقات (أَذْكُرْكُمْ) بالكرامات، وطريقة أهل الإشارة (فَاذْكُرُونِي) بترك كل حظ (أَذْكُرْكُمْ) بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم.
(فَاذْكُرُونِي) مكتفين بي «٤» عن عطائى وأفضالى (أَذْكُرْكُمْ) راضيا بكم دون أفعالكم.
(فَاذْكُرُونِي) بذكرى لكم ما تذكرون، ولولا سابق ذكرى لما كان لاحق ذكركم.
(فَاذْكُرُونِي) بقطع العلائق (أَذْكُرْكُمْ) بنعوت الحقائق.
ويقال اذكرني لكل من لقيته أذكرك لمن خاطبته، فمن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم.
стр. 135
ويقال (وَاشْكُرُوا لِي) على عظيم المنّة عليكم بأن قلت: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .
ويقال الشكر من قبيل الذكر، وقوله (وَلا تَكْفُرُونِ) النهى عن الكفران أمر بالشكر، الشكر ذكر، فكرر عليك الأمر بالذكر، والثلاث أول حدّ الكثرة، والأمر بالذكر الكثير أمر بالمحبة لأنّ فى الخبر: «من أحب شيئا أكثر ذكره» فهذا- فى الحقيقة- أمر بالمحبة أي أحببني أحبك «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» أي أحبونى أحببكم.
ويقال: (فَاذْكُرُونِي) بالتذلل (أَذْكُرْكُمْ) بالتفضّل.
(فَاذْكُرُونِي) بالانكسار (أَذْكُرْكُمْ) بالمبار.
(فَاذْكُرُونِي) باللسان (أَذْكُرْكُمْ) بالجنان.
(فَاذْكُرُونِي) بقلوبكم (أَذْكُرْكُمْ) بتحقيق مطلوبكم.
(فَاذْكُرُونِي) على الباب من حيث الخدمة (أَذْكُرْكُمْ) بالإيجاب على بساط القربة بإكمال النعمة.
(فَاذْكُرُونِي) بتصفية السّر (أَذْكُرْكُمْ) بتوفية البرّ.
(فَاذْكُرُونِي) بالجهد والعناء (أَذْكُرْكُمْ) بالجود والعطاء.
(فَاذْكُرُونِي) بوصف السلامة (أَذْكُرْكُمْ) يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة.
(فَاذْكُرُونِي) بالرهبة (أَذْكُرْكُمْ) بتحقيق الرغبة.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)
استعينوا بالصبر على الصلاة أي بصبركم- عند جريان أحكام الحق عليكم- استحقاقكم صلاة ربكم عليكم، ولذا فإنه تعالى بعد «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» يقول: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» .
ويقال استوجب الصابرون نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معيّة الله قال تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» .
стр. 136
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٤]
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
فاتتهم الحياة فى الدنيا ولكن وصلوا إلى الحياة الأبدية فى العقبى، فهم فى الحقيقة أحياء، يجدون من الله فنون الكرامات.
ويقال هم أحياء لأن الخلف عنهم الله ومن كان الخلف عنه الله لا يكون ميتا، قال قائلهم فى مخلوق:
إن يكن عنّا مضى بسبيله فما ... مات من يبقى له مثل خالد
ويقال هم أحياء بذكر الله لهم، والذي هو مذكور الحق بالجميل يذكره السرمدي ليس بميت.
ويقال إنّ أشباحهم وإن كانت متفرقة، فإنّ أرواحهم- بالحق سبحانه- متحققة.
ولئن فنيت بالله أشباحهم فلقد بقيت بالله أرواحهم لأنّ من كان فناؤه بالله كان بقاؤه بالله.
ويقال هم أحياء بشواهد التعظيم، عليهم رداء الهيبة وهم فى ظلال الأنس، يبسطهم جماله مرة، ويستغرقهم جلاله أخرى «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٥]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)
ابتلاهم بالنعمة ليظهر شكرهم، وابتلاهم بالمحنة ليظهر صبرهم، فلما أدخل المعلوم من حالهم فى الوجود، ورسمهم بالرقم الذي قسمه، وأثبتهم على الوصف الذي علمه، ابتلاهم
стр. 137
بالخوف وفيه تصفية لصدورهم، وبالجوع وفيه تنقية لأبدانهم، وبنقص من الأموال تزكو به نفوسهم، وبمصائب النفوس يعظم بها عند الله أجرهم، وبآفة الثمرات يتضاعف من الله خلفهم.
«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» يعنى الذين لا اعتراض لهم على تقديره فيما أمضاه.
ويقال طالبهم بالخوف (ابتعادا) عن عقوبته ثم بمقاساة الجوع ابتغاء قربته وكرامته، ونقص من الأموال بتصدّق الأموال والخروج عنها طلبا للخير منه بحصول معرفته.
«وَالْأَنْفُسِ» تسليما لها إلى عبادته. «وَالثَّمَراتِ» القول بترك ما يأملونه من الزوائد فى نعمته «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» على استحسان قضيته، والانقياد لجريان قدرته.
ومطالبات الغيب إما أن تكون بالمال أو بالنفس أو بالأقارب فمن أوقف المال لله فله النجاة «١» ، ومن بذل لحكمه النّفس فله الدرجات، ومن صبر عند مصائب الأقارب فله الخلف والقربات، ومن لم يدخر عنه الروح فله دوام المواصلات.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٦]
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)
... الآية.
قابلوا الأمر بالصبر لا بل بالشكر لا بل بالفرح والفخر.
ومن طالع الأشياء ملكا للحق رأى نفسه أجنبيا بينه وبين حكمه فمنشىء الخلق أولى بالخلق من الخلق.
ويقال من شهد المصائب شهد نفسه لله وإلى الله، ومن شاهد المبلى علم أن ما يكون من الله فهو عبد بالله، وشتان بين من كان لله وبين من كان بالله الذي كان لله فصابر واقف، والذي هو بالله فساقط الاختيار والحكم، إن أثبته ثبت، وإن محاه انمحى، وإن حرّكه تحرك، وإن سكّنه سكن، فهو عن اختياراته فان، وفى القبضة مصرّف.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٧]
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) .
стр. 138
بصلواته «١» عليهم ابتداء وصلوا إلى صبرهم ووقوفهم عند مطالبات التقدير، لا بصبرهم ووقوفهم وصلوا إلى صلواته، فلولا رحمته الأزلية لما حصلت طاعتهم بشرط العبودية، فعنايته السابقة أوجبت لهم هداية خالصة «٢» .
قال تعالى: «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» لما رحمهم فى البداية اهتدوا فى النهاية.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٨]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
تلك المشاهد والرسوم، وتلك الأطلال والرقوم، تعظّم «٣» وتزار، وتشدّ إليها الرحال «٤» لأنها أطلال الأحباب، وهنالك تلوح الآثار:
أهوى الديار لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار هم ولا طرب «٥»
وإن لتراب طريقهم بل لغبار آثارهم- عند حاجة الأحباب- أقدارا عظيمة، وكل غبرة تقع على (حافظات طريقهم) «٦» لأعزّ من المسك الأذفر:
وما ذاك إلا أن مشت عليه أميمة ... فى تربها وجرّت به بردا
قوله جل ذكره: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
حظى الصفا والمروة بجوار البيت فشرع السعى بينهما كما شرع للبيت الطواف، فكما أن الطواف ركن فى النّسك فالسعى أيضا ركن، والجار يكرم لأجل الجار.
стр. 139
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٩]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩)
الإشارة فى هذه الآية لمن كاشفه الحقّ سبحانه بعلم من آداب السلوك ثم ضنّ «١» بإظهاره للمريدين على وجه النصيحة والإرشاد استوجب المقت فى الوقت، ويخشى عليه نزع البركة عن علمه متى قصّر فيه لما أخّر من تعليم المستحق.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٠]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحسن الرّجعى، والقيام للمريدين على وجه النصيحة، وبيّنوا لهم- بجميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون- حسن قيامهم بمعاملاتهم.
فإنّ أظهر الحجج لبيان أفعالك وأصدق الشهادة لتصحيح ما تدعو به الخلق إلى الله- ألا يخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك، قال الله تعالى: «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ» .
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
الإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعد ما سلكوا طريق الإرادة (أن) يرجعوا إلى أحوال العادة، ثم فى تلك الوحشة قبضوا، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا، أولئك أصحاب الفرقة،
стр. 140
فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران، ولا لأحد عليهم ترحم، خسروا فى الدنيا والآخرة، يلعنهم البقّ فى الهواء والنقع على الماء.
خالِدِينَ أي مقيمين أبدا فى هوانهم وصغرهم، لا تخفيف ولا إسعاف، ولا رفق ولا ألطاف.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٣]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)
شرّفهم غاية التشريف بقوله وإلهكم. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا: علامة من يعدّه من خاصّ الخواص أن يقول له: عبدى، وذلك أتمّ من هذا بكثير لأن قوله:
«وَإِلهُكُمْ» : وإضافة نعته أتمّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لك بلا علّة، وكونك له عبد يعوّض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم «وَإِلهُكُمْ» ؟
حين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل الأزل حين لا حين ولا أوان، ولا رسم ولا حدثان.
و «الواحد» من لا مثل له يدانيه، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا قديم يؤانسه.
لا شريك يعاضده ولا معين يساعده ولا منازع يعانده.
أحدىّ الحق صمدىّ العين ديمومّى البقاء أبدىّ العز أزلىّ الذات.
واحد فى عز سنائه فرد فى جلال بهائه، وتر فى جبروت كبريائه، قديم فى سلطان عزّه، مجيد فى جمال ملكوته. وكل من أطنب فى وصفه أصبح منسوبا إلى العمى «١» (ف) لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبد إذا تعرّض لعرفانه عند أول ساطع من باديات عزّه.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٤]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
стр. 141
تعرّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات قدرته، وأمارات وجوده، وسمات ربوبيته التي هى أقسام أفعاله. ونبههم على وجود الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهين تلطف عن العبارة، ووجوه من الدلالات تدقّ عن الإشارة، فما من عين من العدم محصولة- من شخص أو طلل، أو رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء «١» ، أو هواء أو ماء، أو شمس أو قمر، أو قطر أو مطر، أو رمل أو حجر، أو نجم أو شجر- إلا وهو على الوحدانية دليل، ولمن يقصد وجوده سبيل.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٥]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)
هؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة، فشغلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هوته أنفسهم، فرضوا بمعمول لهم أن يعبدوه، ومنحوت- من دونه- أن يحبوه.
قوله جل ذكره: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.
ليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام، ولكن من أحبّ حبيبا استكثر ذكره، بل استحسن كل شىء منه.
ويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه) محبة الجنس
стр. 142
للجنس، وقد يميل الجنس إلى الجنس، وتلك محبة من ليس بجنس لهم فذلك أعزّ وأحق.
ويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود، وأمّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حال بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه.
ويقال الذين آمنوا أشد حبا لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإن عذّبهم. والكافر تبرأ من الصنم والصنم من الكافر كما قال تعالى: «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ... » الآية.
ويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهى أتم، قال تعالى: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» .
ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم.
ويقال محبة المؤمنين أتمّ وأشدّ لأنها على موافقة الأمر، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناما أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك فى حال فقرهم فكانوا يتخذون من الفضة- عند غناهم- أصناما ويهجرون ما كان من الحديد ... وعلى هذا القياس! وأمّا المؤمنون فأشدّ حبا لله لأنهم عبدوا إلها واحدا فى السّرّاء والضراء.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٦]
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)
إذا بدت لهم أوائل العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قدم، وأمّا المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم، ويسكن (أولئك) «١» فى القبور سنين ثم يبتليهم فى القيامة بطول الآجال «٢» وسوء الأعمال ثم يلقيهم فى النار.
стр. 143
(أما المؤمنون) «١» فيأتى عليهم طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا محبة (على محبة) «٢» ولذلك قال: والذين آمنوا أشدّ حبا لله.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٧]
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
عند «٣» ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على حسرات.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)
الحرام- وإن استلذّ فى الحال- فهو وبيء فى المآل، والحلال- وإن استكره فى الحال- فهو مرىء فى المآل.
والحلال الصافي ما لم ينس مكتسبه الحقّ فى حال اكتسابه «٤» .
ويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق فى كل حال.
وكلّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٦٩]
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)
لاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله.
стр. 144
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٠]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)
لا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم، من أضرابهم وأسلافهم، فبنوا على منهاجهم، فلا جرم انخرطوا فى النار، وانسلكوا فى سلكهم، ولو علموا أن أسلافهم لا عقل يردعهم، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين، وعاندوهم مخالفين، ولكن سلبوا أنوار البصيرة، وحرموا دلائل اليقين.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧١]
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)
عدموا سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا منزلة البهائم فى الخلوّ عن التحصيل، ومن رضى أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)
الحلال ما لا تبعة عليه، والطيب الذي ليس لمخلوق فيه منّة، وإذا وجد العبد (طعاما) يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب.
وحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس فى غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك الطعام.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٣]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
стр. 145
حرّم على الظواهر هذه المعدودات وهى ما أهل به لغير الله، وحرّم على السرائر صحبة.
غير الله بل شهود غير الله، فمن اضطر- أي لم يجد إلى الاستهلاك فى حقائق الحق وصولا- فلا يسلكنّ غير سبيل الشرع سبيلا، فإما أن يكون محوا فى الله، أو يكون قائما بالله، أو عاملا لله، والرابع همج لا خطر له.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٤]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)
العلماء مطالبون بنشر دلائل العلم، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السّر فإن كتم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار، وإن أظهر هؤلاء شظية من السر عوجلوا ببعاد الأسرار، وسلب ما أوتوا «١» من الأنوار. ولكل حدّ، وعلى كل أمر قطيعة.
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٥ الى ١٧٦]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)
إن الذين آثروا الغير على الغيب، والخلق على الحقّ، والنفس على الأنس، ما أقسى قلوبهم، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم، وما أخسّ «٢» قدرهم، وما أفضح «٣» لذوى الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق، وأمضى القضاء والحكم فيه بالصدق، وأوصلهم إلى ما له أهّلهم، وأثبتهم على الوجه الذي عليه جبلهم.