← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٥] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) أي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال: «كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ» ، ثم قال: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٦] وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) بيّن الحكم والمعنى الحكم صبرهم وصلاحهم، والمعنى إدخاله إياهم فى الرحمة. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٧] وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) «مُغاضِباً» : على ملك وقته حيث اختاره للنبوة، وسأله: لم اخترتني؟ فقال: لقد أوحى الله إلى نبيّى: أن قل لفلان الملك حتى يختار واحدا ليرسل إلى نينوى بالرسالة. فثقل على ذى النون لما اختاره الملك لأنه علم أن النبوة مقرونة بالبلاء، فكان غضبه عليه لذلك «١» . ويقال مغاضبا على قومه لمّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم. ويقال مغاضبا على نفسه أي شديد المخالفة لهواه، وشديدا على أعداء الدين من مخالفيه. «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» أي أن لن نضيّق عليه «٢» بطن الحوت، من قوله: «وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» «٣» أي ضيّق.

стр. 1157

ويقال فظنّ أن لن نقدر عليه من حبسه فى بطن الحوت. وخرج من بين قومه لمّا أخبر بأنّ الله يعذّب قومه، وخرج بأهله. ويقال إن السبع افترس أهله فى الطريق، وأخذ النّمر ابنا صغيرا له كان معه، وجاء موج البحر فأغرق ابنه الآخر، وركب السفينة، واضطرب البحر، وتلاطمت أمواجه، وأشرفت السفينة على الغرق، وأخذ الناس فى إلقاء الأمتعة فى البحر تخفيفا عن السفينة، وطلبا لسلامتها من الغرق، فقال لهم يونس: لا تلقوا أمتعتكم فى البحر بل اطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا. فنظروا إليه وقالوا: نرى عليك سيماء الصلاح، وليست تسمح نفوسنا بإلقائك فى البحر، فقال تعالى مخبرا عنه: «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» «١» أي فقارعهم، فاستهموا، فوقعت القرعة عليه. وفى القصة أنه أتى حرف السفينة، وكان الحوت فاغزا فاه، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك، حتى جاز كل جانب. ثم لمّا علم أنه مراد بالبلاء ألقى نفسه فى الماء فابتلعه الحوت «وَهُوَ مُلِيمٌ» : أي أتى بما يلام عليه، قال تعالى: «فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ» «٢» . وأوحى الله إلى السمك: لا تخدش منه لحما ولا تكسر منه عظما، فهو وديعة عندك وليس بطعمة لك. فبقى فى بطنه- كما فى القصة- أربعين يوما. وقيل إن السمك الذي ابتلعه أمر بأن يطوف فى البحر، (وخلق الله له إدراك ما فى البحر) «٣» ، وكان ينظر إلى ذلك. ويقال إن يونس ﵇ صحب الحوت أياما قلائل فإلى القيامة يقال له: ذا النون، ولم تبطل عنه هذه النسبة.. فما ظنّك بعبد عبده- سبحانه- سبعين سنة، ولازم قلبه محبته ومعرفته طول عمره.. ترى أيبطل هذا؟ لا يظنّ بكرمه ذلك! «فَنادى فِي الظُّلُماتِ ... » يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت- هذا بيان

стр. 1158

التفسير، ويحتمل «١» أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٨] فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) استجبنا له ولم يجر منه دعاء لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله: «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» ، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه. ثم قال: «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ... » يعنى: كلّ من قال من المؤمنين- إذا أصابه غمّ، أو استقبله مهم- مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٩] وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) سأل الولد، وإنما سأله ليكون له معينا على عبادة ربّه، وليقوم فى النبوة مقامه، ولئلا تنقطع بركة الرسالة من بيته «٢» ، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قطعه بالمنشار، ولما التجأ إلى شجرة انشقت له وتوسّطها، والتأمت الشجرة، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار، وصبر لله، وسبحان الله! كان انشقاق الشجرة له معجزة، وفى الظاهر كان حفظا له منهم، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته، ولعلّهم- وقتلوه- لم يصبه من الألم القدر الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته، وإنما المعنى فيه أن انشقاق الشجرة كان له معجزة، فقوى بذلك يقينه لمّا رأى عجيب الأمر فيه من نقض العادة «٣» ، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء فى التحقيق، ولقد قال قائلهم: «إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى» .

стр. 1159

قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٠] فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) سمى يحيى لأنه حي به عقر أمه. وقوله: «وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ» : لتكون الكرامة لهم جميعا بالولد، ولئلا يستبدّ زكريا بفرح الولد دونها مراعاة لحقّ صحبتها.. وهذه سنّة الله فى باب إكرام أوليائه، وفى معناه أنشدوا: إنّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن ثم قال: «إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا..» وفى هذا بشارة لجميع المؤمنين، لأن المؤمن لا يخلوا من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطا والقنوط كفر «١» ، ولو لم تكن رهبة لكان أمنا والأمن كفر «٢» . قوله: «وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ» الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الرب، وكان لهم ذلك على الدوام. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩١] وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) يعنى مريم، وقد نفى عنها سمة الفحشاء وهجنة الذم. ويقال فنفخنا فيها من روحنا، وكان النفخ من جبريل ﵇، ولكن لمّا كان بأمره- سبحانه- صحّت الإضافة إليه، وفى هذا دليل على تأويل خبر النزول، فإنه يكون بإنزال ملك فتصحّ الإضافة إلى الله إذ كان بأمره. وإضافة الروح إلى نفسه على جهة التخصيص. كقوله: (ناقة الله، وبيتي) .. ونحو ذلك. (وجعلنا وابنها آية للعالمين) : ولم يقل آيتين

стр. 1160

لأن أمرهما كان معجزة ودلالة، ويصح أن يراد أنّ كلّ واحد منهما آية- على طريقة العرب فى أمثال هذا. وفيه نفى لتهمة من قال إنها حبلت من الله ... تعالى الله عن قولهم! قوله (آية للعالمين) : وإن لم يهتد بهما جميع الناس.. لكنهما كانا آية. ومن نظر فى أمرهما، ووضع النظر موضعه لاهتدى، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حجّة ودلالة بتقصير المقصّر فى بابها. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٢] إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) أي كلكم خلقته، وكلكم اتفقتم فى الفقر، وفى الضعف، وفى الحاجة. «وَأَنَا رَبُّكُمْ» : وخالقكم على وصف التّفرّد. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٣] وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) اختلفوا وتنازعوا، واضطربت أمورهم، وتفرّقت أحوالهم، فاستأصلتهم البلايا. قوله: (كلّ إلينا راجعون) : وكيف لا ... وهم ما يتقلبون إلّا فى قبضة التقدير؟ قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٤] فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) من تعنّى لله لم يخسر على الله، ومن تحمّل لله مشقة وجب حقّه (على) «١» الله: قوله: وهو مؤمن) بعد قوله: (يعمل من الصالحات) دليل على أن من لا يكون مؤمنا لا يكون عمله صالحا ففائدة قوله هاهنا: (وهو مؤمن) فى المآل والعاقبة، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يختم له بالسعادة، فيكون فى الحال مؤمنا وعمله يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذ لا يضيع سعيه.

стр. 1161

قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٥] وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) أي لا نهلك قوما وإن تمادوا فى العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون، وأنه بالشقاوة تختم أمورهم. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٦] حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) أي يحق القول عليهم، ويتم الأجل المضروب لهم، فعند ذلك تظهر أيامهم، وإلى القدر المعلوم فى التقدير لا تحصل نجاة الناس من شرّهم. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٧] وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) تأخذهم القيامة بغتة وتظهر أشراط الساعة فجأة، ويقرّ الكاذبون بأنّ الذنب عليهم، ولكن فى وقت لا تقبل فيه معذرتهم، وأوان لا ينفعهم فيه إيمانهم. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٨] إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) «وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» : أي الأصنام التي عبدوها، ولم تدخل فى الخطاب الملائكة التي عبدها قوم، ولا عيسى وإن عبده قوم لأنه قال: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ» ولم يقل إنكم ومن تعبدون «١» . فيحشر الكافرون فى النار، وتحشر أصنامهم معهم. والأصنام جمادات فلا جرم لها، ولا احتراقها عقوبة لها، ولكنه على جهة براءة ساحتها، فالذنب للكفار وما الأصنام إلا جمادات.

стр. 1162

[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٩] لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) القوم قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» «١» فعلموا أن الأصنام جمادات، ولكن توهموا أن لها عند الله خطرا، وأنّ من عبدها يقرب بعبادتها من الله، فيبيّن الله لهم- غدا- بأنّها لو كانت تستحق العبادة، ولو كان لها عند الله خطر لما ألقيت فى النار، ولما أحرقت. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٠] لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) «لَهُمْ» : أي لعبدة الأصنام، «فِيها» أي فى النار، «زَفِيرٌ» لحسرتهم على ما فاتهم، «وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ» من نداء يبشرهم بانقضاء عقوبتهم. وبعكس أحوالهم عصاة المسلمين «٢» فى النار فهم- وإن عذّبوا حينا- فإنهم يسمعون قول من يبشّرهم يوما بانقضاء عذابهم- وإن كان بعد مدة مديدة. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠١] إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) «سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى» : أي الكلمة بالحسنى، والمشيئة والإرادة بالحسنى، لأن الحسنى فعله، وقوله: «سَبَقَتْ» إخبار عن قدمه، والذي كان لهم فى القدم هو الكلمة التي هى صفة تعلّقت بهم فى معنى الإخبار بالسعادة. ثم قال: «أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» أي عن النار، ولم يقل متباعدون ليعلم العالمون أن المدار على التقدير، وسابق الحكم من الله، لا على تباعد العبد أو بتقرّبه. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٢] لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢)

стр. 1163

يدل ذلك على أنهم لا يعذّبون فيها بكل وجه. والمراد منه العباد من المؤمنين الذين لا جرم لهم. «وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ» : مقيمين لا يبرحون. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٣] لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) قيل الفزع الأكبر قول الملك: «لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» «١» ويقال إذا قيل: «وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ» » ويقال إذا قيل: يا أهل الجنة.. خلودا لا موت فيه، ويا أهل النار. خلودا لا موت فيه! وقيل إذا: «قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» «٣» وقيل الفزع الأكبر هو الفراق. وقيل هو اليأس من رحمة الله وتعريفهم ذلك. قوله «وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ» يقال لهم هذا يومكم الذي كنتم وعدتم فيه بالثواب فمنهم من يتلقّاه الملك، ومنهم من يرد عليه الخطاب والتعريف من الملك «٤» . قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٤] يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) إنما كانت السماء سقفا مرفوعا حين كان الأولياء تحتها، والأرض كانت فراشا إذ كانوا عليها، فإذا ارتحل الأحباب عنها تخرب ديارهم.. على العادة فيما بين الخلق من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب.

стр. 1164

ويقال نطوى السماء التي إليها عرجت دواوين العصاة من المسلمين لئلا تشهد عليهم بالإجرام، وتبدّل الأرض التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد عليهم بالإجرام. أو نطوى السماء لنقرّب قطع المسافات على الأحباب. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٥] وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) «الذِّكْرِ» هنا هو التوراة، و «كتب» : أي أخبر وحكم، و «الصَّالِحُونَ» أمة محمد- ﷺ : أنّ «الْأَرْضَ» هم الذين يرثونها. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٧] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) أمّا من أسلم فبك ينجون، وأمّا من كفر فلا نعذبهم ما دمت فيهم فأنت رحمة منّا على الخلائق أجمعين. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٨] قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) واحد فى ذاته، واحد فى صفاته، واحد فى أفعاله واحد بلا قسيم، واحد بلا شبيه، واحد بلا شريك. «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» مخلصون في عقد التوحيد بالتبرّى عن كل غير فى حسبان صلاحيّته للألوهية؟ قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٩] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إن أعرضوا ولم يؤمنوا فقل: إنى بالالتزام أعلمتكم، ولكن للإكرام ما ألهتكم، فتوجّهت عليكم الحجة واستبهمت عليكم المحجة.

стр. 1165

قوله: «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ..» إنّ علمى متقاصر عن تفصيل أحوالكم فى مآلكم، ووقت ما توعدون به فى القيامة من تحصيل أهوالكم، ولكنّ حكم الله غير مستأخر إذا أراد شيئا من تغيير أحوالكم. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١١٠] إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) لا يخفى عليه سرّكم ونجواكم، وحالكم ومآلكم، وظاهركم وباطنكم.. فعلى قدر استحقاقكم يجازيكم، وبموجب أفعالكم يحاسبكم ويكافيكم. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١١١] وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) ليس يحيط علمى (إلا) «١» بما يعلمنى، وإعلامه إياى ليس باختياري، ولا هو مقصود على حسب مرادى وإيثارى. قوله جل ذكره: [سورة الأنبياء (٢١) : آية ١١٢] قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) الرحمن كثير الرحمة عامة لكل أحد، ومنه يوجد العون والنصر حين يوجد وكيف يوجد. السورة التي يذكر فيها «الحج» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سماع «بِسْمِ اللَّهِ» يوجب الهيبة والغيبة وذلك وقت محوهم. وسماع «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» يوجب الأنس والقربة، وذلك وقت صحوهم.. فعند سماع هذه الآية انتظم لهم المحو والصحو فى سلك واحد. سماع «بِسْمِ اللَّهِ» يوجب انزعاج القلوب وعنده يحصل داء جنونهم «٢» ، وسماع «الرَّحْمنِ»

стр. 1166

«الرَّحِيمِ» يوجب ابتهاج القلوب وبه يحصل شفاء فتونهم، فعودة فتونهم فى لطف جماله كما أن موجب جنونهم فى كشف جلاله. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) «يا أَيُّهَا النَّاسُ» نداء علامة، و «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» نداء كرامة، وبكلّ واحد من القسمين يفتتح الحقّ خطابه فى السّور وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرة، وصفة التبصير أخرى. والتقوى هى التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فرض، وتجنب الفضلات والشواغل- وإن كان من جملة المباحات- نفل، فثواب الأول أكثر ولكنه مؤجّل، وثواب النّفل أقلّ ولكنه معجّل «١» . ويقال خوّفهم بقوله: «اتَّقُوا» . ثم سكن ما بهم من الخوف بقوله: «رَبَّكُمْ» فإنّ سماع الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية. قوله: «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ» : وتسمية المعدوم «شيئا» توسّع بدليل أنه ليس فى العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مطلق اللفظ يقتضيه، وكذلك القول فى تسميته «شيئا» هو توسّع. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢] يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) لكل ذلك اليوم شغل يستوفيه، ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هول ذلك

стр. 1167

اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال فى القيامة وأهوالها غالبة. وكأنهم سكارى وما هم فى الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشدّته يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم. وهم يتفقون فى تشابههم بأنهم سكارى، ولكنّ موجب ذلك يختلف فمنهم من سكره لما يصيبه من الأهوال، ومنهم من سكره لاستهلاكه فى عين الوصال. كذلك فسكرهم اليوم مختلف فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر المحاب.. وشتّان بين سكر وسكر! سكر هو سكر أهل الغفلة، وسكر هو سكر أهل الوصلة «١» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) المجادلة لله- مع أعداء الحق وجاحدى الدّين- من موجبات القربة، والمجادلة فى الله، والمماراة مع أوليائه، والإصرار على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة، وما كان بوساوس الشيطان ونزغاته فقصاراه النار. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤] كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) من وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلّا إلى الضلال، ثم إنه فى الآخرة يتبرأ من موافقته، ويلعن جملة متّبعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)

стр. 1168

التبس عليهم جواز (بعثه الخلق) «١» واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتجّ عليهم فى ذلك بما قطع حجتهم، فمن تبع هداه رشد، ومن أصرّ على غيّه تردّى فى مهواة هلاكه. واحتجّ عليهم فى جواز البعث بما أقروا به فى الابتداء أن الله خلقهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها ... إلى أن نقلهم من حال شبابهم إلى زمان شيبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم. واحتجّ أيضا عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيى الأرض- فى حال الربيع- بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه فى الربيع من الخضرة والحياة. والذي يقدر على هذه الأشياء يقدر على خلق الحياة فى الرّمة البالية والعظام النخرة. قوله: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» : زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال الحجبة عقب المشاهدة. ويقال أرذل العمر السعى للحظوظ بعد القيام بالحقوق. ويقال أرذل العمر الزلة فى زمان المشيب. ويقال أرذل العمر الإقامة فى منازل العصيان. ويقال أرذل العمر التعريج فى (أوطان) «٢» المذلة. ويقال أرذل العمر العشرة مع الأضداد. ويقال أرذل العمر (عيش) «٣» المرء بحيث لا يعرف قدره. ويقال أرذل العمر بأن يوكل إلى نفسه. ويقال أرذل العمر التطوح فى أودية الحسبان أن شيئا بغير الله. ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النّفس، والعمى عن شهود تقدير الحق.

стр. 1169

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) الله هو الحقّ، والحق المطلق الوجود «١» ، وهو الحق أي ذو الحق. «وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى» أي الأرض التي أصابتها وحشة الشتاء «٢» يحييها وقت الربيع. ويقال يحيى النفوس بتوفيق العبادات، ويحيى القلوب بأنوار المشاهدات. ويقال يحيى أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم. ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميل الرضا وسكون الجأش عند جريان التقدير. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ٩] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) دليل الخطاب يقتضى جواز المجادلة فى الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيّه: «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ومن لم يحسن مذهب الخصم وما يتعلق به من الشبه لم يمكنه الانفصال عن شبهته، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يستحبّ له أن يجادل الأقوياء «٣» منهم، وهذا يدل على وجوب تعلم علم الأصول «٤» ، وفى هذا رد على من جحد ذلك. قوله جل ذكره: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 1170

له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق يريد أنه متكبّر عن قبول الحق، زاهد فى التحصيل، غير واضع نظره موضعه إذ لو فعل ذلك لهان عليه التخلّص من شبهته. ثم قال: «لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» أي مذلة وهوان، وفى الآخرة عذاب الحريق. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١١] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يعنى يكون على جانب، غير مخلص ... لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جحدا يبين الشقاق فإن أصابه أمن وخير ولين اطمأن به وسكن إليه، وإن أصابته فتنة أو نالته محنة ارتدّ على عقبيه ناكسا، وصار لما أظهر من وفاقه عاكسا. ومن كانت هذه صفته فقد خسر فى الدارين، وأخفق فى المنزلتين. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٢ الى ١٣] يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) أي يعبد من المضرّة فى عبادته أكثر من النّفع منه، بل ليس فى عبادته النفع بحال، فالضّرّ المتيقّن فى عبادتهم الأصنام هو بيان ركاكة عقولهم، ورؤية الناس خطأ فعلهم. والنفع الذي يتوهمونه فى هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة.

стр. 1171

ثم قال: «لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» : أي لبئس الناصر الصّنم لهم، ولبئس القوم هم للصنم، ولم لا.؟ ولأجله وقعوا فى عقوبة الأبد. قوله جل ذكره [سورة الحج (٢٢) : آية ١٤] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) «الَّذِينَ آمَنُوا» : أي صدّقوا ثم حقّقوا فالإيمان ظاهره التصديق وباطنه التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق. ويقال الإيمان (انتسام) «١» الحق فى السّرّ. ويقال الإيمان ما يوجب الأمان، ففى الحال يجب الإيمان وفى المآل يوجب الأمان، فمعجّل الإيمان من ( ... ) «٢» المسلمين، ومؤجّله الخلاص من صحبة الكافرين الفاسقين. وقوله: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلّق به الإيمان. والجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة فالمؤجّله ثواب وتوبة، والمعجّلة أحوال وقربة، قال تعالى: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ» «٣» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١٥] مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) أي أنّ الحقّ- سبحانه- يرغم أعداء رسول الله ﷺ ، فمن لم تطب

стр. 1172

نفسه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتل نفسه من الغيظ خنقا، ثم لا ينفعه ذلك، كما قيل: إن كنت لا ترضى بما قد ترى ... فدونك الحبل به فاخنق قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١٦] وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) «آياتٍ بَيِّناتٍ» : أي دلالات وعلامات نصبها الحقّ سبحانه لعباده، فمن الآيات ما هو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ما هو تعريفات فى أوقات المعاملات «١» فما يجده العبد فى حالاته من انغلاق، واشتداد قبض، وحصول خسران، ووجوه امتحان.. لا شكّ ولا مرية إذا أخلّ بواجب أو ألمّ بمحظور «٢» . أو تكون زيادة بسط أو حلاوة طاعة، أو تيسير عسير من الأمور، أو تجدد إنعام عند حصول شىء من طاعاته. ثم قد يكون آيات فى الأسرار، هى خطاب الحقّ ومحادثة معه، كما فى الخبر: «لقد كان فى الأمم محدّثون فإن يك فى أمتى فعمر» «٣» ثم يقال الآيات ظاهرة، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١٧] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الولىّ والعدوّ، والموحّد والجاحد يجمعون يوم الحشر، ثم الحقّ- سبحانه- يعامل كلا بما وعده إما بوصال بلا مدى، أو بأحوال

стр. 1173

بلا منتهى. الوقت واحد وكلّ واحد لما أعدّ له وافد، وعلى ما خلق له وارد.. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١٨] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) أهل العرفان يسجدون له سجود عبادة، وأرباب الجحود كلّ جزء منهم يسجد له سجود دلالة وشهادة. وفى كل شىء له آية ... تدلّ على أنه واحد قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ١٩] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) أما الذين كفروا فلهم اليوم لباس الشرك وطرازه الحرمان، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان. وفى الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران، قال تعالى: «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ» . أمّا أصحاب الإيمان فلباسهم اليوم التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشّرك ثم مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكون إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله. وفى الآخرة لباسهم فيها حرير، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد فلا حال ولا مقام ولا منزلة ولا محل وهم الغرباء «١» ، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رقّ كل ما لحقه التكوين.

стр. 1174

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٣] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) التحلية تحصين لهم، وستر لأحوالهم فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة: وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٤] وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) الطيب من القول ما صدر عن قلب خالص، وسرّ صاف (مما يرضى به علم التوحيد، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول) «١» ويقال الطيب من القول ما يكون وعظا للمسترشدين، ويقال الطيب من القول هو إرشاد المريدين إلى الله. ويقال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ويقال الدعاء للمسلمين. ويقال كلمه حق عند من يخاف ويرجى «٢» . ويقال الشهادتان عن قلب مخلص. ويقال ما كان قائله فيه مغفورا «٣» وهو مستنطق.

стр. 1175

ويقال هو بيان الاستغفار والعبد برىء من الذنوب. ويقال الإقرار بقوله: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» «١» . ويقال أن تدعوا للمسلمين بما لا يكون لك فيه نصيب. وأمّا «صِراطِ الْحَمِيدِ» : فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم: مسجد الجامع (أي المسجد الجامع) والصراط الحميد: الطريق المرضى وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة، وليس للحقيقة عليه نكير. ويقال الصراط الحميد: ما كان طريق الاتباع دون الابتداع. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٥] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) الصدّ عن المسجد الحرام بإخافة السّبل، وبغصب المال الذي لو بقي فى يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام. قوله: «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «٢» » وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم. ومشهد الكرام يستوى فيه الإقدام، فمن وصل إلى تلك العقوة فلا ترتيب ولا ردّ، وبعد الوصول فلا زجر ولا صدّ، أمّا فى الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر قال تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ» «٣» ولكن فى الوصول فلا تفاوت ولا تباين، ثم إذا اجتمعت النفوس فالموضع الواحد يجمعهم، ولكن لكلّ حال ينفرد بها.

стр. 1176

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٦] وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) أصلحنا له مكان البيت ومسكّناه منه وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأعنّاه عليه، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة فى زمن طوفان نوح ﵇، ثم أمر إبراهيم ﵇ ببناء البيت على أساسه القديم. قوله «أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً» ، أي لا تلاحظ البيت ولا بناءك له. «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ..» يعنى الكعبة- وذلك على لسان العلم، وعلى بيان الإشارة فرّغ قلبك عن الأشياء كلّها سوى ذكره- سبحانه. وفى بعض الكتب: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء فرّغ لى بيّتا أسكنه، فقال ذلك الرسول: إلهى.. أى بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدى المؤمن» . والمراد منه ذكر الله تعالى فالإشارة فيه أن يفّرّغ قلبه لذكر الله. وتفريغ القلب على أقسام: أوله من الغفلة ثم من توهّم شىء من الحدثان من غير الله. ويقال قد تكون المطالبة على قوم بصون القلب عن ملاحظة العمل، وتكون المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال. ويقال «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» : أي قلبك عن التطلع والاختيار بألا يكون لك عند الله حظّ فى الدنيا أو فى الآخرة حتى تكون عبدا له بكمال قيامك بحقائق العبودية. «ويقال طَهِّرْ بَيْتِيَ» : أي بإخراج كل نصيب لك فى الدنيا والآخرة من تطلع إكرام، أو تطلّب إنعام، أو إرادة مقام، أو سبب من الاختيار والاستقبال. ويقال طهّر قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختاره الحق. «وَالْقائِمِينَ» وهى الأشياء المقيمة من مستودعات «١» العرفان فى القلب من الأمور المغيبة عن البرهان،

стр. 1177

ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هى كالعيان كما فى الخبر: «كأنك تراه» . «١» «وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» : هى أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة، والرجاء والمخافة والقبض والبسط، وفى معناه أنشدوا: لست من جملة المحبين إن لم ... أجعل القلب بيته والمقاما وطوافى إجالة السّرّ فيه ... وهو ركنى إذا أردت استلاما قوله: «لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً» : لا تلاحظ البيت ولا بناءك «٢» للبيت. ويقال هو شهود البيت دون الاستغراق فى شهود ربّ البيت. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٧] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) أذّن إبراهيم- ﵇ بالحج ونادى، وأسمع الله نداءه جميع الذرية فى أصلاب آبائهم، فاستجاب من المعلوم من حاله أنه يحج. وقدّم الرّجالة على الركبان لأنّ الحمل على المركوب أكثر «٣» . ولتلك الجمال على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب، وفى قريب من معناه أنشدوا: وإنّ جمالا قد علاها جمالكم ... - وإن قطّعت أكبادنا- لحبائب ويقال «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم. وكم قدر مسافة الدنيا بجملتها!؟ ولكن لأجل قدر أفعالهم وتعظيم صنيعهم يقول ذلك إظهارا لفضله وكرمه.

стр. 1178

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٨] لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) أرباب الأموال منافعهم أموالهم، وأرباب الأعمال منافعهم حلاوة طاعتهم، وأصحاب الأحوال منافعهم صفاء أنفاسهم، وأهل التوحيد منافعهم رضاهم باختيار الحقّ ما يبدو من الغيب لهم. قوله جل ذكره: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ «١» عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ لأقوام عند التقرّب بقرابينهم وسوق هديهم «٢» . وآخرون يذكرون اسمه عند ذبحهم أمانيهم واختيارهم بسكاكين اليأس.. حتى يقوموا بالله لله بمحو ما سوى الله. قوله جل ذكره: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ. شاركوا الفقراء فى الأكل من ذبيحتكم- الذي ليس بواجب- لتلحقكم بركات الفقراء. والإشارة فيه أن ينزلوا «٣» ساحة الخضوع والتواضع، ومجانبة الزّهو والتكبّر. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٢٩] ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودهم، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فمن كان عقده التوبة فوفاؤه ألا يرجع إلى العصيان. ومن كان عهده اعتناق الطاعة فشرط وفائه ترك تقصيره. ومن كان عهده ألا يرجع إلى طلب مقام وتطلّع إكرام فوفاؤه استقامته على الجملة فى هذا الطريق بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ. قوله جل ذكره: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الإشارة فى الطواف إلى أنه يطوف بنفسه حول البيت، وبقلبه فى ملكوت السماء، وبسرّه فى ساحات الملكوت.

стр. 1179

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٠] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) تعظيم الحرمات «١» بتعظيم أمره وتعظيم أمره بترك مخالفته. ويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره من هواه على رضى مولاه، ولا محالة سيلقى سربعا غبّه «٢» . ويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه (وما فجر صاحب حرمة قط «٣» ) . ويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجب الفرقة. ويقال كلّ شىء من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إليه طريق، وترك الحرمة على خطر ألا يغفر.. وذلك بأن يؤدى ثبوته بصاحبه إلى أن يختلّ دينه وتوحيده. قوله جل ذكره: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ. فالخنزير من جملة المحرمات، وكذلك النطيحة والموقوذة، وما يجىء تفصيله فى نصّ الشرع. قوله جل ذكره: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. «مَنْ» هاهنا للجنس لا للتبعيض، وهوى كلّ من اتبعه معبوده، وصنم كلّ أحد نفسه. «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» : ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قول القلب ونطقه، ومن عاهد الله بقلبه ثم لا يفى بذلك فهو من جملة قول الزور. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣١] حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)

стр. 1180

الحنيف المائل إلى الحق عن الباطل فى القلب والنّفس، فى الجهر وفى السّرّ، فى الأفعال وفى الأحوال وفى الأقوال «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ» : الشّرك جلىّ وخفىّ «١» . قوله «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما ... » كيف لا.. وهو يهوى فى جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق.. وكذلك غدا فى صفة قوم يقول الله تعالى: «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٢] ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) يقف المؤمن على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهرا، وبخواطر الإلهام سرّا. وكما لا تجوز مخالفة شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإنّ خاطر الحقّ لا يكذب، وعزيز من له عليه وقوف. وكما أنّ النّفس لا تصدق فالقلب لا يكذب، وإذا خولف القلب عمى فى المستقبل، وانقطعت عنه تعريفات الحقيقة، والعبارة «٣» والشرح يتقاصران عن ذكر هذا على التعيين والتفسير. ويقوى القلب بتحقيق المنازلة فإذا خرست النفوس، وزالت هواجسها، فالقلوب تنطق بما تكاشف به من الأمور. ومن الفرق بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبه أولا ثم يعمل مختارا، وما كان من الحق يجرى ويحصل ثم بعده يعلم من جرى عليه

стр. 1181

ذلك معناه، ولا يكون الذي يجرّى عليه ما يجرى مضطرا إلى ما يجرى. وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار «١» ، بل يكون مختارا ولكنّ سببه عليه مشكل، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٣] لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) لكلّ من تلك الجملة منفعة بقدره وحدّه «٢» فلأقوام بركات فى دفع البلايا عن نفوسهم وعن أموالهم، ولآخرين فى لذاذات بسطهم، ولآخرين فى حلاوة طاعاتهم، ولآخرين فى أنس أنفاسهم. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٤] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف، ثم هم فيها مختلفون: فقوم هم أصحاب التضعيف «٣» فيما أوجب عليهم وجعل لهم، وقوم هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وعد لهم. قوله «لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى..» وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام: منها معرفتهم إنعام الله بذلك عليهم.. وذلك من حيث الشكر، ثم يذكرون اسمه على ما رفقهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يثيبهم. قوله جل ذكره: فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. أي استسلموا لحكمه بلا تعبيس ولا استكراه من داخل القلب.

стр. 1182

والإسلام «١» يكون بمعنى الإخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال، ثم تصفية الأنفاس. «وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» : الإخبات استدامة الطاعة بشرط الاستقامة بقدر الاستطاعة. ومن أمارات الإخبات كمال الخضوع بشرط دوام الخشوع، وذلك بإطراق السريرة. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٥] الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) الوجل الخوف من المخافة، والوجل عند الذكر على أقسام: إما لخوف عقوبة ستحصل أو لمخافة عاقبة بالسوء تختم، أو لخروج من الدنيا على غفلة من غير استعداد للموت، أو إصلاح أهبة، أو حياء من الله سبحانه فى أمور إذا ذكر اطلاعه- سبحانه- عليها لما بدرت منه تلك الأمور التي هى غير محبوبة. ويقال الوجل على حسب تجلى الحق للقلب فإن القلوب فى حال المطالعة والتجلي تكون بوصف الوجل والهيبة. ويقال وجل له سبب ووجل بلا سبب فالأول مخافة من تقصير، والثاني معدود فى جملة الهيبة «٢» . ويقال الوجل خوف المكر والاستدراج، وأقربهم من الله قلبا أكثرهم من الله- على هذا الوجه- خوفا. قوله جل ذكره: وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ. أي خامدين تحت جريان الحكم من غير استكراه ولا تمنى خرجة، ولا روم فرجة بل يستسلم طوعا:

стр. 1183

ويقال الصابرين على ما أصابهم. أي الحافظين معه أسرارهم، لا يطلبون السلوة باطلاع الخلق «١» على أحوالهم. قوله جل ذكره: وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ. أي إذا اشتدت بهم البلوى فزعوا إلى الوقوف فى محلّ النجوى: إذا ما تمنّي الناس روحا وراحة ... تمنّيت أن أشكو إليك فتسمعا قوله جل ذكره: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ عند المعاملة من أموالهم، وفى قضايا المنازلة بالاستسلام، وتسليم النفس وكل ما منك وبك لطوارق التقدير فينفقون أبدانهم على تحمل مطالبات الشريعة، وينفقون قلوبهم على التسليم والخمود تحت جريان الاحكام بمطالبات الحقيقة. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٦] وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) أقسام الخير فيها كثيرة بالركوب والحمل عليها (وشرب ألبانها وأكل لحومها والانتفاع بوبرها ثم الاعتبار بخلقتها كيف سخّرت للناس على قوتها وصورتها، ثم كيف تنقاد للصبيان فى البروك عند الحمل عليها وركوبها والنزول منها ووضع الحمل عنها) «٢» وصبرها على العطش فى الأسفار، وعلى قليل العلف، ثم ما فى طبعها من لطف الطبع، وحيث تستريح بالحداء مع كثافة صورتها إلى غير ذلك.

стр. 1184

«فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها» : أي سقطت على وجه الأرض فى حال النّحر فأطعموا القانع الذي ألقى جلباب الحياء وأظهر فقره للناس، والمعترّ الذي هو فى تحمّله متحمّل، ولمواضع فاقته كاتم. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٧] لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) لا عبرة بأعيان الأفعال سواء كانت بدنية محضة، أو مالية صرفة، أو بما له تعلّق بالوجهين، ولكن العبرة باقترانها بالإخلاص «١» ، فإذا انضاف إلى أكساب الجوارح إخلاص القصود، وتجرّدت عن ملاحظة أصحابها للأغيار صلحت للقبول «٢» . ويقال التقوى شهود الحقّ بنعت التفرّد فلا يشاب تقرّبك بملاحظة أحد، ولا تأخذ عوضا على عمل من بشر. «لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ» : أي هداكم وأرشدكم إلى القيام بحقّ العبودية على قضية الشرع. «وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» : والإحسان كما فى الخبر: «أن تعبد الله كأنك تراه..» . وأمارة صحته سقوط التعب بالقلب عن صاحبه، فلا يستثقل شيئا، ولا يتبرم بشىء. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٨] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) .

стр. 1185

يدفع عن صدورهم نزغات الشيطان، وعن قلوبهم خطرات العصيان، وعن أرواحهم طوارق النسيتان. والخيانة على أقسام: خيانة فى الأموال تفصيلها فى المسائل الشرعية، وخيانة فى الأعمال، وخيانة فى الأحوال فخيانة الأعمال بالرياء والتصنع، وخيانة الأحوال بالملاحظة والإعجاب والمساكنة، وشرّها الإعجاب، ثم المساكنة وأخفاها الملاحظة «١» . ويقال خيانة الزاهدين عزوفهم عن الدنيا (على) «٢» طلب الأعواض ليجدوا فى الآخرة حسن المآل.. وهذا إخلاص الصالحين. ولكنه عند خواص الزهاد خيانة لأنهم تركوا دنياهم لا لله ولكن لوجود العوض على تركهم ذلك من قبل الله. وخيانة العابدين أن يدعوا شهواتهم ثم يرجعون إلى الرّخص، فلو صدقوا فى مرماهم لما انحطّوا إلى الرخص بعد ترقيهم عنها. وخيانة العارفين جنوحهم إلى وجود مقام، وتطلعهم لمنال منزلة وإكرام من الحق ونوع تقريب. وخيانة المحبين روم فرحة «٣» مما يمسهم من برحاء المواجيد، وابتغاء خرجة مما يشتدّ عليهم «٤» من استيلاء صدّ، أو غلبات شوق، أو تمادى أيام هجر. وخيانة أرباب التوحيد أن يتحرك لهم للاختيار عرق، ورجوعهم- بعد امتحائهم عنهم- إلى شظية من أحكام الفرق، اللهم إلا أن يكون ذلك منهم موجودا، وهم عنه مفقودون «٥» .

стр. 1186

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٣٩] أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) إذا أصابهم ضرّ أو مسّهم- ما هو فى الظاهر- ذلّ من الأعادى يجرى عليهم ضيم، أو يلحقهم من الأجانب استيلاء وظلم.. فالحقّ- سبحانه- ينتقم من أعدائهم لأجلهم، فهم بنعت التسليم والسكون فى أغلب الأحوال، وتفاصيل الأقدار جارية باستئصال من يناويهم، وبإحالة الدائرة على أعاديهم. وفى بعض الأحايين ينصبهم الحقّ سبحانه بنعت الغلبة والتمكين من نزولهم بساحات من يناوئهم بحسن الظّفر، وتمام حصول الدائرة على من ناصبهم، وأخزاهم بأيديهم، وكلّ ذلك يتفق، وأنواع النصرة من الله- سبحانه- حاصلة، والله- فى الجملة- غالب على أمره. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٠] الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) المظلوم منصور ولو بعد حين، ودولة الحق تغلب دولة الباطل، والمظلوم حميد العقبى، والظالم وشيك الانتقام منه بشديد البلوى: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا» «١» . وقد يجرى من النّفس وهواجسها على القلوب لبعض الأولياء وأهل القصة- ظلم، ويحصل لسكّان القلوب من الأحوال الصافية عنها جلاء، وتستولى غاغة النّفس، فتعمل فى القلوب بالفساد بسبب استيطان الغفلة حتى تنداعى القلوب للخراب من «٢» طوارق الحقائق وشوارق الأحوال، كما قال قائلهم: أنى إليك قلوبا طالما هطلت ... سحائب الجود فيها أبحر الحكم فيهزم الحقّ- سبحانه- بجنود الإقبال أراذل الهواجس، وينصر عسكر التحقيق بأمداد الكشوفات. ويتجدّد دارس العهد، وتطلع شموس السّعد فى ليالى الستر، وتكنس القلوب وتتطهر من آثار ظلمة النّفس، كما قيل:

стр. 1187

أطلال سعدى باللّوى تتجدّد فإذا هبّت على تلك القلوب رياح العناية، وزال عنها وهج النسيان سقاها الله صوب «١» التجلّى، وأنبت فيها أزهار البسط فيتضح فيها نهار الوصل، ثم يوجد فيها نسيم القرب إلى أن تطلع شموس التوحيد. قوله جل ذكره: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر، ويعفو عن العوام لاحترام الكرام.. وتلك سنّة أجراها الله لاستنقاء «٢» منازل العبادة، واستصفاء من اهل العرفان. ولا تحويل لسنّته، ولا تبديل لكريم عادته. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤١] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) إذا طالت بهم المدة، وساعدهم العمر لم يستفرغوا أعمالهم فى استجلاب حظوظهم، ولا فى اقتناء محبوبهم من الدنيا أو مطلوبهم، ولكن قاموا بأداء حقوقنا. وقوله: «أَقامُوا الصَّلاةَ» : فى الظاهر، واستداموا المواصلات فى الباطن.

стр. 1188

ويقال إقامة الصلاة الوفاء بأدائها فتعلم- بين يدى الله- من أنت، ومن تناجى، ومن الرقيب عليك، ومن القريب منك. وقوله: «وَآتَوُا الزَّكاةَ» : الأغنياء منهم يوفون بزكاة أموالهم، وفقراؤهم يؤتون زكاة أحوالهم فزكاة الأموال عن كل مائتين خمسة للفقراء والباقي لهم، وزكاة الأحوال أن يكون من مائتى نفس تسعة وتسعون ونصف جزء ومائة لله، ونصف جزء من نفس- من المائتين- لك.. وذلك أيضا علّة «١» قوله «وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» : يبتدئون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأنفسهم ثم بأغيارهم، فإذا أخذوا فى ذلك لم يتفرغوا من أنفسهم إلى غيرهم. ويقال «الأمر بالمعروف» حفظ الحواس عن مخالفة أمره، ومراعاة الأنفاس معه إجلالا لقدره. ويقال الأمر بالمعروف على نفسك، ثم إذا فرغت من ذلك تأخذ فى نهيها عن المنكر ومن وجوه المنكر الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فى الآيات تسلية للنبى- ﷺ ، وأمر حتم عليه بالصبر على مقاساة ما كان يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء «٢» .

стр. 1189

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٥] فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) الظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فتخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة التي هى غالبة على الظّلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظ من يظلمون عليهم.. كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم، وهو فى الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم. ويقال خراب منازل الظّلمة ربما يتأخر وربما يتعجل. وخراب نفوسهم فى تعطلها عن العبادات لشؤم ظلمهم، وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصا فى أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم.. نقد «١» غير مستأخر. قوله جل ذكره: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. الإشارة فى «بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ» : إلى العيون المتفجرة التي كانت فى بواطنهم، وكانوا يستقون منها، وفى ذلك الاستقاء حياة أوقاتهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد، فإذا اتصفوا بظلمهم غلب غشاؤها «٢» وانقطع ماؤها بانسداد عيونها. والإشارة فى «قَصْرٍ مَشِيدٍ» إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأنس، وخلوّ أرواحهم من أنوار المحابّ، وسلطان الاشتياق، وصنوف المواجيد. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٦] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)

стр. 1190

كانت لهم قلوب من حيث الخلقة، فلمّا زايلتها صفاتها المحمودة صارت كأنها لم تكن فى الحقيقة. ثم إنه أخير أن العمى عمى القلب وكذلك الصمم، وإذا صحّ وصف القلب بالسمع والبصر صحّ وصفه بسائر صفات الحىّ من وجوه الإدراكات فكما تبصر القلوب بنور اليقين يدرك نسيم الإقبال بمشامّ السّرّ، وفى الخبر: «إنى لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» وقال تعالى مخبرا عن يعقوب ﵇: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ» «١» وما كان ذلك إلا بإدراك السرائر دون اشتمام ريح فى الظاهر. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٧] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) عدم تصديقهم حملهم على استعمال ما توعدهم به، قال تعالى: «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها» «٢» ولو آمنوا لصدّقوا، ولو صدّقوا لسكنوا. «وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ» : أي إنّ الأيام عنده تتساوى، إذ لا استعجال له فى الأمور فسواء عنده يوم واحد وألف سنة إذ من لا يجرى عليه الزمان وهو يجرى الزمان فسواء عليه وجود الزمان، وعدم الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٨] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) : الإمهال يكون من الله- ، والإمهال يكون بأن يدع الظالم فى ظلمه حينا، ويوسّع له الحبل «٣» ، ويطيل به المهل، فيتوهم أنه انفلت من قبضة التقدير، وذلك ظنه الذي

стр. 1191

أراده، ثم يأخذه من حيث لا يرتقب، فيعلوه ندم، ولات حينه، وكيف يستبقى بالحيلة ما حق فى التقدير عدمه؟ قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٤٩] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) : أشابهكم فى الصورة ولكنى أباينكم من حيث السريرة، وأنا لمحسنكم بشير، ولمسيئكم نذير، وقد أيّدت بإقامة البراهين ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥٠] فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) الناس- فى المغفرة- على أقسام: فمنهم من يستر «١» عليه زلّته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر حاله لئلا تصيبه من الشهرة فتنة «٢» ، وفى معناه قالوا: لا تنكرن جحدى هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه، لذلك ورد فى الكتب: «أوليائى فى قبائى، لا يشهد أوليائى غيرى» . «والرزق الكريم» ما يكون من وجه الحلال. ويقال ما يكون من حيث لا يحتسب العبد. ويقال هو الذي يبدو- من غير ارتقاب- على رفق فى وقت الحاجة إليه. ويقال هو ما يحمل المرزوق على صرفه فى وجه القربة. ويقال ما فيه البركة. ويقال الرزق الكريم الذي ينال من غير تعب «٣» ، ولا يتقلد منّه مخلوق.

стр. 1192

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥١] وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) فى الحال فى معجّله الوحشة وانسداد أبواب الرشد، وتغص العيش، والابتلاء بمن لا يعطف عليه ممن لا يخافون الله. وفى الآخرة ما سيلقون من أليم العقوبة على حسب الاجرام. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) الشياطين يتعرّضون للأنبياء ﵈ ولكن لا سلطان ولا تأثير فى أحوالهم منهم، ونبيّنا- ﷺ أفضل الجماعة. وإنما من الشيطان تخييل وتسويل (من التضليل) «١» . وكان لنبيّنا- ﷺ سكتات فى خلال قراءة القرآن عند انقضاء الآيات، فيتلفّظ الشيطان ببعض الألفاظ «٢» ، فمن لم يكن له تحصيل توهّم أنه كان من ألفاظ الرسول- ﵊ وصار فتنة لقوم.

стр. 1193

أما- الذين أيدهم بقوة العصمة، وأدركتهم العناية فقد استبصروا ولم يضرهم «١» ذلك. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥٤] وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) إذا أراد الله بعبده خيرا أمدّه بنور التحقيق، وأيّده بحسن العصمة، فيميز بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظلّه غمام الرّيب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا تأثير لضباب الغداة فى شعاع الشمس عند متوع النهار، وهذا معنى قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥٦] الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) : لم يتخصص ملكه- سبحانه- بيوم، ولم تتحدد له وقتية أمر، ولا لجلاله قدر «٢» ، ولكنّ الدعاوى فى ذلك اليوم تنقطع، والظنون ترتفع، والتجويزات تتلاشى «٣» فللمؤمنين وأهل الوفاق نعم، وللكفار وأصحاب الشقاق نقم.

стр. 1194

قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٧ الى ٥٨] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) هؤلاء لهم عذاب مهين، وهؤلاء لهم فضل مبين. «وَالَّذِينَ هاجَرُوا ... » : للقلوب حلاوة العرفان، وللأرواح حلّة المحاب، وللأسرار دوام الشهود. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٥٩] لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) إدخالا فوق ما يتمنّونه، وإبقاء على الوصف الذي يهدونه.. ذلك فى أوان صحوهم لينالوا لطائف الأنس على وصف الكمال، ويتمكنوا من قضايا البسط على أعلى أحوال السرور. قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦٠] ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) نصره- سبحانه- للأولياء نصر عزيز، وانتقامه بتمام، واستئصاله بكمال، وإزهاقه أعداءه بتمحيق جملتهم، وألا يحتاج المنصور إلى الاحتيال أو الاعتضاد بأشكال «١» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦١] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) .

стр. 1195

كما فى أفق العالم ليل ونهار فكذلك للسرائر ليل ونهار فعند التجلي نهار وعند الستر ليل، ولليل السّرّ ونهاره زيادة ونقصان، فبمقدار القبض ليل وبمقدار البسط نهار، ويزيد أحدهما على الآخر وينقص.. وهذا للعارفين. فأمّا المحقّقون فلهم الأنس والهيبة مكان قبض قوم وبسطهم، وذلك فى حالى صحوهم ومحوهم، ويزيد أحدهما وينقص، ومنهم من يدوم نهاره ولا يدخل عليه ليل.. وذلك لأهل الأنس فقط «١» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦٢] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) إذا بدا علم من الحقائق حصلت بمقداره شظية من الفناء لمن حصل له التجلي، ثم يزيد ظهور ما يبدو ويغلب، وتتناقص آثار التفرقة وتتلاشى، قال: ﷺ : «إذا أقبل النهار من هاهنا أدبر الليل من هاهنا» فإذا نأى العبد بالكلية عن الإحساس بما دون الله فلا يشهد أولا الأشياء إلا للحقّ، ثم لا يشهدها إلا بالحق، ثم لا يشهد إلا الحق.. فلا إحساس له بغير الحق، ومن جملة ما ينساه.. نفسه والكون كله «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الحج (٢٢) : آية ٦٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) ماء السماء يحيى الأرض بعد موتها، وماء الرحمة يحيى أحوال أهل الزّلة بعد تركها، وماء العناية يحيى أحوال ( ... ) «٣» بعد زوال رونقها، وماء الوصلة يحيى أهل القربة بعد لضوبها.
следующие страницы →