طبق كبير صاف مضىء، ووضعه فوق بركة بها ماء كثير عميق، يرى الماء من أسفل الزجاج ولا يميّز بين الزجاج والماء، وأمرت أن تخوض تلك البركة، فكشفت عن ساقيها لأنها وصفت لسليمان بأنها جنّية النّسب، وأن رجليها كحوافر الدواب، فتقوّلوا عليها.
ولمّا توهّمت أنها تخوض الماء كشفت عن ساقيها، فرأى سليمان رجليها صحيحين. وقيل لها: ِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ»
: فصار ذلك أيضا سببا وموجبا ليقينها. وآمنت وتزوج بها سليمان ﵇.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٤٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)
ذكر قصة ثمود، وقصة نبيّهم صالح ﵇، وما جرى بينه وبينهم من التكذيب، وطلبهم منه معجزة، وحديث الناقة وعقرها، وتبرمهم بالناقة بعد أن رأوا فيها من الفعل الذي كانت لهم فيه أعظم آية.. إلى قوله:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٥٠]
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠)
ومكرهم ما أظهروا في الظاهر من موافقة صالح، وعقرهم الناقة خفية، وتوريك الذّنب على غير جارمه «١» ، والتبرّى من اختيارهم ذلك.
وأمّا مكر الله فهو جزاؤهم على مكرهم بإخفاء ما أراد بهم من العقوبة عنهم، ثم إحلالها بهم بغتة. فالمكر من الله تخليته إياهم مع مكرهم بحيث لا يعصمهم، وتزيين ذلك في أعينهم، وتحبيب ذلك إليهم.. ولو شاء لعصمهم. ومن أليم مكره انتشار الصيت بالصلاح، والعمل في السّرّ بخلاف ما يتوهم بهم من الصلاح، وفي الآخرة لا يجوز في سوقها هذا النّقد! «٢» .
стр. 1332
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)
أهلكهم ولم يغادر منهم أحدا: - «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» وفي الخبر: «لو كان الظلم بيتا في الجنة لسلّط الله عليه الخراب» فالنفوس إذا ظلمت بزلاتها خربت بلحوقها شؤم الذّلة حتى يتعود صاحبها الكسل، ويستوطن مركب الفشل، ويحرم التوفيق، ويتوالى عليه الخذلان وقسوة القلب وجحود العين «١» وانتفاء تعظيم الشريعة من القلب. وأصحاب القلوب إذا ظلموها بالغفلة ولم يحاولوا طردها عن قلوبهم.. خربت قلوبهم حتى تقسو بعد الرأفة، وتجف بعد الصفوة.
فخراب النفوس باستيلاء الشهوة والهفوة، وخراب القلوب باستيلاء الغفلة والقسوة، وخراب الأرواح باستيلاء الحجبة والوقفة، وخراب الأسرار باستيلاء الغيبة والوحشة «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)
ذكر قصة لوط وأمته، وما أصرّوا عليه من الفاحشة، وما أحلّ الله بهم من العقوبة، وإحلال العقوبة بامرأته التي كانت تطابق القوم، وتخليص الحقّ لوطا من بينهم، وما كان من أمر الملائكة الذين بعثوا لإهلاكهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٥٩]
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) .
стр. 1333
هم الذين سلّم عليهم في آزاله وهم في كتم العدم، وفي متناول علمه ومتعلق قدرته، ولم يكونوا أعيانا في العدم ولا أفادوا «١» ، فلمّا أظهرهم في الوجود سلّم عليهم بذلك السلام، ويسمعهم في الآخرة ذلك السلام. والذين سلّم عليهم هم الذين سلموا اليوم من الشكوك والشّبه، ومن فنون البدع، ومن وجوه الألم، ثم من فنون الزّلل وصنوف الخلل، ثم من الغيبة والحجبة وما ينافى دوام القربة.
ويقال اصطفاهم، ثم هداهم، ثم آواهم، وسلّم عليهم قبل أن خلقهم وأبداهم، وبعد أن سلّم عليهم بودّه لقّاهم.
ويقال: اصطفاهم بنور اليقين وحلّة الوصل وكمال العيش.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٠]
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)
فثمرات الظاهر غذاء النفوس، وثمرات الباطن والأسرار ضياء القلوب، وكما لا تبقى في وقت الربيع من وحشة الشتاء بقية فلا يبقى في قلوبهم وأوقاتهم من الغيبة والحجبة والنفرة والتهمة شظيّة.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦١]
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١)
نفوس العابدين قرار طاعتهم، وقلوب العارفين قرار معرفتهم، وأرواح الواجدين قرار
стр. 1334
محبتهم، وأسرار الموحّدين قرار مشاهدتهم «١» ، فى أسرارهم أنوار الوصلة وعيون القربة، وبها يسكن ظلما اشتياقهم وهيجان قلقهم واحتراقهم.
«وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ» من الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة.
ويقال «جَعَلَ لَها رَواسِيَ» اليقين والتوكل.
ويقال الرواسي في الأرض الأبدال والأولياء والأوتاد «٢» بهم يديم إمساك الأرض، وببركاتهم يدفع عن أهلها البلاء.
ويقال الرواسي هم الأئمة الذين يهدون المسترشدين إلى الله.
قوله جل ذكره: «وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» .
«جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً» بين القلب والنفس لئلا يغلب أحدهما صاحبه.
ويقال بين العبودية وأحكامها، والحقيقة وأحكامها، فلو غلبت العبودية كانت جحدا للحقيقة، ولو غلبت الحقيقة العبودية كانت طيّا للشريعة.
ويقال: ألسنة المريدين مقرّ ذكره، وأسماعهم محلّ الإدراك الموصّل إلى الفهم، والعيون مقر الاعتبار.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٢]
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢)
فصل بين الإجابة وبين كشف السوء فالإجابة بالقول والكشف بالطّول، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام. ودعاء المضطر لا حجاب له، وكذلك دعاء المظلوم» ولكن لكلّ أجل كتاب» .
стр. 1335
ويقال للجناية: سراية فمن كان في الجناية مختارا فليس تسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف منه وهو مختار فيه، فأكثر الناس يتوهمون أنهم مضطرون، وذلك الاضطرار سراية ما بدر منهم في حال اختيارهم.
ومادام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيلة، ويرى لنفسه شيئا من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه- فليس بمضطر، فالمضطرّ يرى نفسه كالغريق في البحر، أو الضّالّ فى المتاهة، وهو يرى عنانه بيد سيّده، وزمامه في قبضته، فهو كالميت بين يدى غاسله، وهو لا يرى لنفسه استحقاقا للنجاة لاعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط، ولا يقرأ اسمه إلا من ديوان الشقاوة «١» .
ولا ينبغى للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له لأنّ الله وعد الإجابة له..
لا لمن يدعو له.
ثم كما وعد المضطرّ الإجابة وكشف السوء وعده بقوله: - « ... وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» .
فإنّ مع العسر يسرا، ولم يقل: للعسر إزالة، ولكن قال: مع العسر يسر فنهار اليسر حاصل بعد ظلام العسر.
ثم قال: «أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» لأنّ العبد إذا زال عسره، وكشف عنه ضرّه نسى ما كان فيه، وكما قال القائل:
كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا
стр. 1336
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٣]
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)
إذا أظلم الوقت على صاحبه في متعارض الخواطر عند استبهام وجه الصواب، وضاق الأمر بسبب وحشة التدبير وظلمات أحوال التجويز، والتحيّر عند طلب ترجيح بعض الخواطر على بعض بشواهد العقل.. فمن الذي يرشدكم لوجه الصواب بترك التدبير، وللاستسلام لحكم التقدير، وللخروج من ظلمات مجوّزات العقول إلى قضايا شهود التقدير، وتفويض الأمر إلى اختيار الحق، والاستسلام لما جرت به الأقسام، وسبقت به الأقدار؟.
«.. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .
من الذي يرسل رياح فضله بين يدى أنوار اختياره فيمحو آثار اختيار نفسك، ويعجّل بحسن الكفاية لك؟.
ويقال: يرسل رياح التوكل فيطهّر القلوب من آثار الاختيار وأوضار التدبير، ثم يطلع شموس الرضا فيحصل برد الكفاية فوق المأمول في حال سكينة القلب.. أإله مع الله؟
«تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» : من إحالة المقادير على الأسباب.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٤]
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)
يظهر ما يظهر بقدرته على مقتضى سابق حكمه، ويخصص ما تعلقت به مشيئته وحقّ فيه قوله، وسبق به قضاؤه وقدره. فإذا زال وانتفى وانعدم بعض ما يظهر ويخصص.. فمن الذي يعيده مثلما بدأه؟ ومن الذي يضيّق الرزق ويوسّعه؟ ومن الذي يقبض في بعض الأوقات على
стр. 1337
بعض الأشخاص؟ وفي وقت آخر من الذي يبسط على قوم آخرين؟.
هل في قدرة أحد غير الله ذلك؟.
إن توهمتم شيئا من ذلك فأوضحوا عنه حجّتكم. وإذ قد عجزتم.. فهلّا صدّقتم؟
وبالتوحيد أقررتم؟.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٦٥]
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)
«الْغَيْبَ» : ما لا يطّلع عليه أحد، وليس عليه للخلق دليل، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقّ «١» ، وعلوم الخلق عنه متقاصرة، ثم ما يريد الله أن يخصّ قوما بعلمه أفردهم به.
«وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» : فإنه أخفى علم الساعة عن كل أحد.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٨ الى ٦٦]
«٢» فهم في الجملة يشكّون فيه فلا ينفونه ولا بالقطع يجحدونه.. وهكذا حكم كلّ مريض القلب، فلا حياة له في الحقيقة، ولا راحة له من يأسه إذ هو من البعث في شكّ، ومن الحياة الثانية في استبعاد: - «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .
стр. 1338
وعد آباؤنا بذلك من قبل، ثم لم يكن لهم تحقيق، وما نحن إلا مثلهم، وكانوا يسألون متى الساعة؟:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٧١]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)
فقال الحقّ: إنه عن قريب سيحل بهم ميقاته: - «قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ «١» لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ» .
ثم قال جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٧٣]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣)
لأنهم لا يميّزون بين محنهم ومنحهم. وعزيز من يعرف الفرق بين ما هو نعمة من الله له وبين ما هو محنة فإذا تقاصر علم العبد عمّا فيه صلاحه، فعسى أن يحب شيئا ويظنّه خيرا وبلاؤه فيه، وربّ شىء يظنّه العبد نعمة فيشكر عليها ويستديمها، وهي محنة له يجب الصبر عليها والتضرع إلى الله في صرّفها! وبعكس هذا كم من شىء يظنه الإنسان بخلاف ما هو به!.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٧٤]
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤)
لا تلتبس على الله أحوالهم فصادق يستوى ظاهره وباطنه يعلمه، ومنافق يخالف باطنه ظاهره يلبّس على الناس حاله.. وهو- سبحانه- يعلمه، وكافر يستوى في الجحد سرّه وعلنه يعلمه، وهو يجازى كلّا على ما علمه.. كيف لا.. وهو قدّره، وعلى ما عليه قضاه وقسمه؟:.
стр. 1339
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٧٥]
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥)
ما من شىء إلّا مثبت في اللوح المحفوظ حكمه، ماضية فيه مشيئته، متعلّق به علمه قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٦ الى ٧٨]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)
وهم يخفون بعضا، وبعضا يظهرون، ومع ما يهوون يدورون.
وفي هذه الآية تخصيص لهذه الأمة بأن حفظ الله كتابهم، وعصم من التغيير والتبديل ما به يدينون. وهذه نعمة عظيمة قليل منهم من عليهم يشكرون فالقرآن هدى ورحمة للمؤمنين، وليس ككتابهم الذي أخبر الصادق أنهم له محرّفون مبدّلون.
«إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ» هو «الْعَزِيزُ» المعزّ للمؤمنين، «الْعَلِيمُ» بما يستحقه كلّ أحد من الثواب العظيم والعذاب الأليم.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٧٩ الى ٨١]
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
أي اجتهد في أداء فرضه، وثق بصدق وعده في نصره ورزقه، وكفايته وعونه.
ولا يهولنّك ما يجرى على ظواهرهم من أذى يتصل منهم بك، فإنما ذلك كلّه بتسليطنا إن كان محذورا، وبتقييضنا وتسهيلنا إن كان محبوبا. وإنك لعلى حقّ وضياء صدق، وهم على شكّ وظلمة شرك.
قوله جل ذكره: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» .
стр. 1340
الذين أمات الله قلوبهم بالشرك، وأصمّهم عن سماع الحق- فليس في قدرتك أن تهديهم للرّشد أو تنقذهم من أسر الشكّ.
«وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» أنت تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكنك لا تهدى أحدا من حيث إزالة الباطل من القلب وإمالته إلى العرفان، إذ ليست بقدرتك الإزالة أو الإمالة.
أنت لا تسمع إلّا من يؤمن بآياتنا، فلا يسمع منك إلّا من أسعدناه من حيث التوفيق والإرشاد إلى الطريق.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٢]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)
إذا حقّ الوعد بإقامة القيامة أوضحنا أشراطها في كلام الدّابة المخرجة من الأرض «١» .
وغير ذلك من الآيات.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٣]
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)
وعند ذلك لا ينفع الإيمان ولا يقبل العذر: -
стр. 1341
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
ثم كرّر ذكر الليل والنهار واختلافهما: - «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» أي ليكون الليل وقت سكونهم، والنهار وقت طلب معاشهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٧]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)
أخبر أن اليوم الذي ينفخ فيه في الصور هو يوم إزهاق الأرواح، وإخراجها عن الأجساد فمن روح ترقى إلى علّيين، ومن روح تذهب إلى سجّين. أولئك في حواصل طير تسرح فى الجنة تأوى بالليل إلى قناديل معلقة من تحت العرش صفتها التسبيح والرّوح والراحة، ولبعضها الشهود والرؤية ... على مقادير استحقاقهم لما كانوا عليه في دنياهم.
وأمّا أرواح الكفار ففى النار تعذّب على مقادير أجرامهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٨٨]
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)
وكثير من الناس اليوم من أصحاب التمكين، هم ساكنون بنفوسهم «١» سائحون في الملكوت بأسرارهم.. قيل: إن الإشارة اليوم إليهم. كما قالوا: العارف كائن بائن كائن مع الناس بظاهره، بائن عن جميع الخلق بسرائره.
стр. 1342
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)
يحتمل أن يكون «خَيْرٌ» هاهنا للمبالغة لأن الذي له في الآخرة من الثواب خير ممّا منه من القرب: ويحتمل فله نصيب خير أو عاقبة خير أو ثواب خير منها. وهم آمنون من فزع القيامة. ومن جاء بالسيئة: فكما أن حالهم اليوم من المطيعين بالعكس فحكمهم غدا فى الآخرة بالضدّ.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)
أخبر أنه أمره بالدين الحنيفىّ، والتبرّى من الشّرك الجلىّ منه والخفىّ، وبملازمة الطريق السّويّ. وأخبر أنّ من اتبعه وصدّقه أوجب الحقّ ذمامه وحقّه.
قوله جل ذكره:
[سورة النمل (٢٧) : آية ٩٣]
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
سيريكم- عن قريب- آياته، فطوبى لمن رجع قبل وفاته، والويل على من رجع بعد ذهاب الوقت وفواته!.
стр. 1343
سورة القصص
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله اسم عزيز من تعرض لجدواه يسّر له في دنياه وعقباه، اسم عزيز من اشتاق إلى لقياه استعذب فيه ما يلقاه من بلواه. ومن طلب غيره مؤنسا في دنياه أو عقباه «ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طسم (١)
«الطاء» تشير إلى طهارة نفوس العابدين عن عبادة غير الله، وطهارة قلوب العارفين عن تعظيم غير الله، وطهارة أرواح الواجدين عن محبة غير الله، وطهارة أسرار الموحّدين عن شهود غير الله. «والسين» تشير إلى سرّ الله مع العاصين بالنجاة، ومع المطيعين بالدرجات، ومع المحبين بدوام المناجاة. «والميم» تشير إلى منّته على كافة المؤمنين بكفاية الأوقات والثبات فى سبيل الخيرات.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٣]
نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)
سماع قصة الحبيب من الحبيب يوجب سلوة القلب، وذهاب الكرب، وبهجة السّرّ، وثلج الفؤاد. وقد كرّر الحقّ ذكر قصة موسى تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره، ثم زيادة في البيان لبلاغة القرآن، ثم إفادة لزوائد في المذكور قوله في كل موضع يتكرر فيه.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤]
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
стр. 1344
تكبّر فرعون بغير حقّ فأقماه بحقّ، وتجبّر بغير استحقاق فأذلّه الله باستحقاق واستيجاب، وجعل أهلها شيعا يذبّح أبناءهم «١» بعد ما استضعفهم، ويستحى نساءهم، وأفنى منهم من كان ( ... ) «٢» ، وبالفساد حكم فيهم، والله لم يرض بترك إتلافهم.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥ الى ٦]
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
نريد أن نمنّ على المستضعفين بالخلاص من أيديهم، وأن نجعلهم أئمة، بهم يهتدى الخلق، ومنهم يتعلم الناس سلوك طريق الصدق، ونبارك في أعمارهم، فيصيرون وارثين لأعمار من يناويهم، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم فهم هداة وأعلام، وسادة وقادة بهم يقتدى وبنورهم يهتدى.
«وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ» : نزيل عنهم الخوف، ونرزقهم البسطة والاقتدار، ونمد لهم فى الأجل. ونرى فرعون وهامان وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال ملكهم على أيديهم وأنّ الحقّ يعطى- وإن كان عند الخلق أنّه يبطى.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) .
стр. 1345
أي ألقينا في قلبها، وأوحينا إليها وحي إلهام، فاتّخذت خاطرها في ذلك، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيار أدخل عليها.
لمّا وضعت أم موسى موسى كانت تخاف قتله، فإن فرعون قتل في ذلك اليوم كثيرا من الولدان المولودة لبنى إسرائيل، رجاء أن يقتل من رأى في النوم ما عبّر له أن ذهاب ملكه على يدى إسرائيلى.. فألقى الله في قلبها أن تفعل ذلك.
ثم إنه ربّاه في حجره ذلك اليوم- ليعلم أنّ الأقدار لا تغالب.
جعلت أم موسى موسى في تابوت، وألقته في نيل مصر، فجاء الماء به إلى بركة كان فرعون جالسا على حافتها، فأخذوه وحملوه إليه، وفتحوا رأس التابوت. فلمّا رآه فرعون أخذت رؤيته بمجامع قلبه، وكذلك تمكّن حبّه من قلب امرأة فرعون قال تعالى:
«وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي» : «١» حيث خلق الله ملاحة في عينى موسى فكان من يقع عليه بصره لا يتمالك من حبّه.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٨ الى ١٠]
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)
أخبر الله تعالى أنه كان عدوا لهم، وقالت امرأة فرعون:
«قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .
فلم يكن لهما ولد، وهم لا يشعرون إلى ماذا يئول أمره.
«وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
стр. 1346
لمّا ألقته في الماء سكّن الله قلبها، وربط عليه، وألهمها الصبر، وأصبح فؤادها فارغا إن كادت لتبدى به من حيث ضعف «١» البشرية، ولكن الله ربط على قلبها.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١١]
وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)
أمرت أمّ موسى أخته أن تتبع أثره، وتنظر إلى ماذا يئول أمره، فلمّا وجدوه واستمكن حبّه من قلوبهم طلبوا من يرضعه:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)
أبى موسى قبول ثدى واحدة ممن عرض عليهن.. فمن بالغداة كانوا في اهتمام كيف يقتلونه أمسوا- وهم في جهدهم- كيف يغذّونه «٢» ! فلمّا أعياهم أمره، قالت لهم أخته: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ؟» فقبلوا نصيحتها شفقة منهم عليه، وقالوا: نعم، فردّوه إلى أمّه «٣» ، فلمّا وضعت ثديها في فمه ارتضعها موسى فسرّوا بذلك، وكانوا يدعون أمّه حاضنة ومرضعة.. ولم يضرها، وكانوا يقولون عن فوعون: إنه أبوه.. ولم ينفعه ذلك «٤» !
стр. 1347
ولمّا أخذته أمّه علمت بتصديق الله ظنها، وسكن عن الانزعاج قلبها، وجرى من قصة فرعون ما جرى.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١٤]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
لمّا كملت سنّة وتمّ عقله، واستوى كمال خصاله «آتَيْناهُ حُكْماً» : أي أتممنا له التحصيل، ووفّرنا له العلم، وبذلك جرت سنّتنا مع الأكابر والأنبياء.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١٥]
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)
الآية.
قيل: دخل المدينة في وقت الهاجرة، وتفرّق الناس، فوجد فيها رجلين يتخاصمان: أحدهما إسرائيليّ من شيعة موسى وعلى دينه، والآخر قبطيّ مخالف لهما، فاستغاث الإسرائيليّ بموسى على القبطي، فوكزه موسى ليدفعه عن الإسرائيلى، فمات الرجل بذلك الوكز، ولم يكن موسى يقصد قتله، فقال موسى: - «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» .
فقد تمنّى موسى أن لو دفعه عنه بأيسر مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان «١» ، ولكنّ دفعه عنه بالغلظة نسبه إلى الشيطان بأن حمله على تلك الحدّة.
وهكذا.. إذا أراد الله أمرا أجرى أسبابا ليحصل بها مراده، ولولا أنه أراد فتنة موسى لما قبض روح الرجل بمثل تلك الوكزة، فقد يضرب الرجل الكثير من الضّرب والسياط ثم لا يموت فموت القبطي بوكزة اجراء لما قضاه وأراده.
стр. 1348
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١٦]
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)
تاب موسى عمّا جرى على يده، واستغفر ربّه، وأخبر الله أنه غفر له، ولا عتاب «١» بعد المغفرة.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ١٧]
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)
قال موسى ربّ بما أنعمت عليّ من توفيقك لى بالتوبة «٢» فلن أعود بعد ذلك إلى مثل ما سلف منى.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٨ الى ١٩]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)
أصبح في المدينة خائفا على نفسه من فرعون لأنه كان يدّعى أنه يحكم بالعدل، وخاف موسى أن ينسبه في قتل القبطيّ إلى العمد والقصد. فهو «يَتَرَقَّبُ» علم فرعون وأن يخبر بذلك في وقته.
стр. 1349
وقيل «خائِفاً» من الله مما جرى منه. ويقال «خائِفاً» على قومه حلول العذاب بهم.
وقيل «يَتَرَقَّبُ» نصرة الله إياه. ويقال «يَتَرَقَّبُ» مؤنسا يأنس به.
فإذا الذي استنصره بالأمس يخاصم إنسانا آخر، ويستعين به ليعينه، فهمّ موسى بأن يعين صاحبه، فقال الذي يخاصمه: «يا مُوسى، أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ؟» :
قيل لم يعلم ذلك الرجل أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لمّا قصد منعه عن صاحبه استدلّ على أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أنّ موسى هو الذي قتل القبطيّ بالأمس، فأمسك موسى عن هذا الرجل.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
جاء اسرائيليّ من معارف موسى يسعى، وقال إن القوم يريدون قتلك، وأنا واقف على تدبيرهم وقد أرادوا إعلام فرعون.. فاخرج من هذا البلد، إنى لك من الناصحين.
«فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» خرج «١» من مصر «خائِفاً» أن يقتفوا أثره، «يَتَرَقَّبُ» أن يدركه الطلب، وقيل «يَتَرَقَّبُ» الكفاية والنصرة من الله، ودعا الله فقال: «نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٢٢]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) .
стр. 1350
توجّه بنفسه تلقاء مدين من غير قصد إلى مدين أو غيره، بل خرج على الفتوح «١» ، وتوجّه بقلبه إلى ربّه ينتظر أن يهديه ربّه إلى النحو الذي هو خير له، فقال: عسى ربى أن يهدينى إلى أرشد سبيل لى.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)
لمّا وافى مدين شعيب كان وقت الهاجرة، وكانت لهم بئر يستقون منها، فيصبون الماء فى الحياض، ويسقون أغنامهم، وكانوا أهل ماشية.
وكان شعيب النبيّ ﵇ قد كفّ بصره لكثرة بكائه ففى القصة أنه بكى فذهب بصره، ثم ردّ الله عليه بصره فبكى، فردّ الله بصره فبكى حتى ذهب بصره، فأوحى الله إليه:
لم تبكى يا شعيب..؟ إن كان بكاؤك لخوف النار فقد أمنتك، وإن كان لأجل الجنة فقد أتحتها لك.
فقال: ربّ.. إنما أبكى شوقا إليك. فأوحى الله إليه لأجل ذلك أخدمتك نبيّى وكليمى عشر حجج.
وكانت لشعيب أغنام، ولم يكن لديه أجير، فكانت بنتاه تسوقان الغنم مكان الرعاة، ولم يكن لهما قدرة «٢» على استقاء الماء من البئر، وكان الرعاة يستقون، فإذا انقضوا «٣» فإن بقيت في الحوض بقية من الماء استقت بنات شعيب.
стр. 1351
فلمّا وافى موسى ذلك اليوم وشاهد ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رقّ قلبه لهما وقال:
ما خطبكما؟ فقالتا: «لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ» وليس لدينا أجير.
فلمّا انصرف الرعاة سقى لهما، ثم تولّى إلى ظلّ جدار بعد ذلك. كان الجوع قد أصابه خلال سفره، ولم يكن قد تعوّد قط الرحلة والغربة، ولم يكن معه مال، فدعا الله:
«فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» .
قيل طلب قوة تزيل جوعه، وقيل طلب حالا يستقلّ بها. والأحسن أن يقال جاع فطلب كسرة يسدّ بها رمقه- والمعرفة توجب سؤال ما تحتاج إليه من الله قليلا أو كثيرا «١» . فلمّا انصرفت ابنتا شعيب خرج شعيب إلى ظاهر الصحراء على طريق الماشية لميسّها بيديه فوجد أثر الزيادة في تلك الكرّة، فسألهما فذكرتا له القصة، وما سمعتا منه حين قال: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فقال شعيب: إذا هو جائع. وبعث إحداهما لتدعوه: - «فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إنّ أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين» قيل إنما استحيت لأنها كانت تخاطب من لم يكن لها محرما «٢» .
وقيل لمّا دعته للضيافة تكلمت مستحيية- فالكريم يستحى من الضيافة.
ويقال لم تطب نفس شعيب لمّا أحسن موسى إليه وأنه «٣» لم يكافئه- وإن كان موسى
стр. 1352
لم يرد مكافأة منهم «فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ» : لم يقل: فلما جاءه قدّم السّفرة «١» بل قال: وقصّ عليه القصص.. وهذا طرف من قصته.
ويقال: ورد بظاهره ماء مدين، وورد بقلبه موارد الأنس والرّوح. والموارد مختلفة فموارد القلب رياض البسط بكشوفات المحاضرة فيطربون بأنواع الملاطفة، وموارد الأرواح مشاهد الأرواح فيكاشفون بأنوار المشاهدة، فيغيبون عن كل إحساس بالنّفس، وموارد الأسرار ساحات التوحيد.. وعند ذلك الولاية لله فلا نفس ولا حسّ، ولا قلب ولا أنس..
استهلاك في الصمدية وفناء بالكلية!.
ويقال كانت الأجنبية والبعد عن المحرميّة يوجبان إمساكه عن مخاطبتهما، والإعراض والسكون عن سؤالهما.. ولكن الذي بينهما من المشاكلة والموافقة بالسّرّ استنطقه حتى سألهما عن قصتهما، كما قيل:
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
ويقال: لمّا سألهما وأخبرتا عن ضعفهما لزمه القيام بأمرهما ليعلم أنّ من تفقّد أمر الضعفاء ووقف على موضع فاقتهم لزمه إشكاؤهم.
ويقال من كمال البلاء على موسى أنّه وافى الناس وكان جائعا، وكان مقتضى الرّفق أن يطعموه، ولكنه قبض القلوب عنه، واستقبله من موجبات حكم الوقت أن يعمل عمل أربعين رجلا لأن الصخرة التي نحّاها عن رأس البئر- وحده- كان ينقلها أربعون رجلا، فلمّا عمل عمل أربعين رجلا، تولّى إلى الظّلّ، وقال: إن رأيت أن تطعمنى بعد مقاساة اللتيا والتي.. فذلك فضلك!.
قال ذلك بلسان الانبساط، ولا لسان أحلى من ذلك. وسنّة الشكوى أن تكون إليه لا منك.. بل منه إليه «٢» .
стр. 1353
ويقال: تولّى إلى ظلّ الأنس وروح البسط واستقلال السّرّ بحقيقة الوجود.
ويقال قال: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» : فزدنى فقرا فإنّ فقرى إليك يوجب استعانتى بك «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٢٦]
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
كان شعيب ﵇ يحتاج إلى أجير، ولكن لا يسكن قلبه إلى أحد، فلمّا رأى موسى، وسمع من ابنته وصفه بالقوة والأمانة سأل:
عرفت قوّته.. فكيف عرفت أمانته؟
فقالت: كنت أمشى قدّامه فأخّرنى عنه في الطريق قائلا: سيرى ورائي واهدينى، لئلا يقع بصره عليّ.. فقال شعيب:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٢٧]
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
فرغب موسى وتزوجها على صداق أن يعمل عشر حجج لشعيب.
وفي القصة أن شعيبا قال لموسى: ادخل هذا البيت وأخرج مما فيه من العصيّ عصا، وكان البيت مظلما، فدخل وأخرج العصا، تلك التي أظهر الله فيها معجزاته، ويقال: إنها كانت لآدم ﵇، ووقعت لشعيب من نبيّ إلى نبيّ. إذ يقال: إنه لما هبط آدم إلى الأرض صال عليه ما على وجهها من السّباع، فأنزل عليه الله عصا، وأمره جبريل أن يردّ السباع عن نفسه بتلك العصا.
стр. 1354
وتوارث الأنبياء واحدا بعد الآخر تلك العصا، فلمّا أخرج موسى تلك العصا، قال شعيب:
ردّها إلى البيت، واطرحها فيه، وأخرج عصا أخرى، ففعل غير مرة، ولم تحصل كلّ مرة فى يده إلا تلك العصا، فلمّا تكرّر ذلك علم شعيب أنّ له شأنا فأعطاه إياها، وفي القصة: أنه في اليوم الأول ساق غنمه، وقال له شعيب: إنّ طريقك يتشعب شعبين:
على أحدهما كلا كثير.. فلا تسلكه في الرعي فإنّ فيه ثعبانا، واسلك الشّعب الآخر.
فلمّا بلغ موسى مفرق الطريقين، تفرّقت أغنامه ولم تطاوعه، وسامت في الشّعب الكثير الكلأ، فتبعها، ووقع عليه النوم، فلمّا انتبه رأى الثعبان مقتولا، فإن العصا قتلته، ولمّا انصرف أخبر شعيبا بذلك فسرّ به. وهكذا كان يرى موسى في عصاه آيات كثيرة، ولذا قال: «وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٢٩]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
مضت عشر حجج، وأراد موسى الخروج إلى مصر، فحمل ابنه شعيب، وسار بأهله متوجّها إلى مصر. فكان أهله في تسييره وكان هو في تسيير الحقّ، ولمّا ظهر ما ظهر بامرأته من أمر الطّلق استصعب عليه الوقت، وبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا- أي أبصر ورأى- فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوع أنس: وإنّ الله إذا أراد أمرا أجرى ما يليق به، ولو لم تقع تلك الحالة لم يخرج موسى عندها بإيناس النار، وقد توهّم- أول الأمر- أنّ ما يستقبله في ذلك الوقت من جملة البلايا، ولكنه كان في الحقيقة سبب تحقيق النبوة. فلولا أسرار التقدير- التي لا يهتدى إليها الخلق- لما قال لأهله:
«امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ» .
стр. 1355
ويقال: ألاح له نارا ثم لوّح له نورا، ثم بدا ما بدا، ولا كان المقصود النّار ولا النور وإنما سماع نداء: «إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٣٠]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)
الآية أخفى تعيين قدم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال: «مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ» ، ثم قال: «فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ» ثم قال «مِنَ الشَّجَرَةِ» .
وأخلق بأن تكون تلك البقعة مباركة، فعندها سمع خطاب مولاه بلا واسطة وأعزّ الأماكن في العالم مشهد الأحباب:
وإنى لأهوى الدار ما يستعزنى ... لها الود إلا أنها من دياركا
ويقال: كم قدم وطئت لك البقعة، ولكن لم يسمع أصحابها بها شيئا!. وكم ليلة جنّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة!.
ويقال: شتّان بين شجرة وشجرة شجرة آدم عندها ظهور محنته وفتنته، وشجرة موسى وعندها افتتاح نبوّته ورسالته!.
ويقال: لم يأت بالتفصيل نوع تلك الشجرة «١» ، ولا يدرى ما الذي كانت تثمره، بل هي شجرة الوصلة وثمرتها القربة، وأصلها في أرض المحبة وفرعها باسق في سماء الصفوة، وأوراقها الزلفة، وأزهارها تنفتق عن نسيم الرّوح والبهجة:
فلمّا سمع «٢» موسى تغيّر عليه الحال ففى القصة: أنه غشى عليه، وأرسل الله إليه الملائكة ليروّحوه بمراوح الأنس، وهذا كان في ابتداء الأمر، والمبتدئ مرفوق به. وفي المرة الأخرى خرّ موسى صعقا، وكان يفيق والملائكة تقول له: يا ابن الحيض. أمثلك من يسأل الرؤية؟!
стр. 1356
وكذا الحديث والقصة «١» فى البداية لطف وفي النهاية عنف، فى الأول ختل وفي الآخر قتل، كما قيل:
فلمّا دارت الصهباء «٢» ... دعا بالنّطع والسيف
كذا من يشرب الراح ... مع التّنّين في الصيف «٣»
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٣١]
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)
يا موسى.. اخلع نعليك والق عصاك، وأقم عندنا هذه الليلة، فلقد تعبت في الطريق- وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال.
يا موسى.. كيف كنت في الطريق؟ كيف صعّدت وكيف صوّبت «٤» وكيف شرّقت وكيف غرّبت؟ ما كنت في الطريق وحدك يا موسى! أحصينا خطاك- فقد أحصينا كلّ شىء عددا. يا موسى.. تعبت فاسترح، وبعد ما جئت فلا تبرح- كذلك العبد غدا إذا قطع المسافة في القيامة، وتبوّأ منزله من الجنة فأقوام إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم تم يوم اللقاء يستحضرون، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة، وكذا العبد أو الخادم إذا دخل بلد سلطانه. يبتدئ أولا بخدمة السّدّة العليّة ثم بعدها ينصرف إلى منزله.
وكذلك اليوم أمرنا «٥» إذا أصبحنا كلّ يوم: ألا نشتغل بشىء حتى نفتتح النهار بالخطاب مع الحقّ قبل أن نخاطب المخلوق، نحضر بساط الخدمة- أي الصلاة- بل نحضر بساط الدنوّ والقربة، قال تعالى: «وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ» «٦» : فالمصلّى مناج ربّه. ولو علم المصلّى من
стр. 1357
يناجى ما التفت أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يمينا وشمالا في التسليم الذي هو التحليل «١» .
قوله جل ذكره: «فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ» .
عند ما انقلبت العصا حيّة ولّى موسى مدبرا ولم يعقب، وكان موضع ذلك أن يقول:
حديث أوّله تسليط ثعبان! من ذا يطيق أوّله؟!.
فقيل له: لا تخف يا موسى إن الذي يقدر أن يقلب العصا حية يقدر أن يخلق لك منها السلامة: «يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ» : ليس المقصود من هذا أنت، إنما أثبت هذا لأسلطه على عدوّك، فهذه معجزتك إلى قومك، وآيتك على عدوّك.
ويقال: شتان بين نبيّنا- ﷺ وبين موسى ﵇ رجع من سماع الخطاب وأتى بثعبان سلّطه على عدوّه، ونبينا- ﷺ رجع بعد ما أسرى به إلى السماء، وأوحى إليه ما أوحى- ليوافى أمّته بالصلاة التي هي المناجاة، وقيل له:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٣٢]
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)
قيل له: اسلك يدك في جيبك لأنّ المدرعة التي كانت عليه لم يكن لها كم.
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغى على المرء للوصول إلى مراده ومقصوده أن يتشمّر، وأن يجدّ،
стр. 1358
وأن يخرج يده من كمّه. وإنه قال لموسى: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء، وألق عصاك نجعلها ثعبانا، بلا ضربك بها، وبلا استعمالك لها يا موسى: الأمر بنا لا بك، وأنا لا أنت.
«وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ» : يا موسى، فى وصف خضوعك تجدنى، وبتبرّيك عن حولك وقوّتك تصل إليّ.
قوله جل ذكره
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)
: تعلّل بكلّ وجه رجاء أن يعافى من مشقة التبليغ ومقاساة البلاء لأنه علم أنّ النبوة فيها مشقة، فلم يجد الرّخصة والإعفاء ممّا كلّف، وأجاب سؤله في أخيه حيث سأله أن يجعل له ردءا، وضمن لهما النصرة.
ثم إنهما لمّا أتيا فرعون قابلهما بالتكذيب والجحد «١» ، ورماهما بالخطأ والكذب والسحر «٢» ، وجاوباه «٣» بالحجة، ودعواه إلى سواء المحجّة، فأبى إلّا الجحد.
قوله جل ذكره
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)
ادّعى الانفراد بالإلهية فزاد في ضلاله على عبدة الأصنام الذين جعلوا أصنامهم شركاء، ثم قال لهامان: «فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى» وكان هذا من زيادة ضلاله،
стр. 1359
حيث توهّم أن المعبود من جهة فوق، وأنه يمكن الوصول إليه. ولعمرى لو كان في جهة لأمكن تقدير الوصول إليه وتجويزه!.
«وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ» أبى إلا أن يدوم جحوده، وعنوده، فأغرقه الله في البحر، كما أغرق قلبه في بحر الكفر.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤١]
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١)
لا لشرفهم جعلهم أئمة ولكن لسبب تلفهم قدّمهم في الخزي والهوان على كلّ أمة، ولكن لم يرشدوا إلّا إلى الضلال. ولم يدلّوا الخلق إلّا على المحال، وما حصلوا إلا على سوء الحال، وما ذاقوا إلا خزى الوبال. أفاضوا على متّبعيهم من ظلمات قلوبهم فافتضحوا فى خسّة «١» مطلوبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٢]
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)
كانوا في الدنيا مبعدين عن معرفته، وفي الآخرة مبعدين عن مغفرته، فانقلبوا من طرد إلى طرد، ومن هجر إلى بعد، ومن فراق إلى احتراق.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٣]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
стр. 1360
إنما تطيب المنازل إذا خلت من الأجانب، وأطيب المساكن ما كانت زينتها بفقد الرّقباء وغيبتهم، فلمّا أهلك الله فرعون وقومه، وأورث بنى إسرائيل أموالهم وديارهم، ومحا عن جميعها آثارهم- طاب لهم العيش وطلعت عليهم شموس السعادة.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٤]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)
لم تكن حاضرا فتعرف ذلك مشاهدة، ولكنهم رأوا أنّ إخبارك عنهم بحيث لا يكذبك كتابهم. وبالضرورة عرفوا حالك، وكيف أنّك لم تعلم هذا من أحد، ولا قرأته من كتاب، لأنّك أمّيّ لا تحسن القراءة، وإذا فليس إخبارك إلا بتعريفنا إياك، واطلاعنا لك على ذلك.
ويقال: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ» : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى، وكلّمناه، وخاطبناه في بابك وباب أمّتك، ولم تقدح غيبتكم في الحال، وكونى لكم خير من كونكم لكم.
ويقال: لمّا خاطب موسى وكلّمه سأله موسى: إنّى أرى في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا.. من هم؟ وسأل عن أوصاف كثيرة، وعن الجميع كان يجاب بأنّها أمة أحمد «١» ، فاشتاق موسى إلى لقائنا، فقال له: إنه ليس اليوم وقت ظهورهم، فإن شئت أسمعتك كلامهم، فأراد أن يسمع كلامنا، فنادانا وقال: يا أمة أحمد..، فأجاب الكلّ من أصلاب آبائهم، فسمع موسى كلامهم ولم يدركهم «٢» . والغنيّ إذا سأله فقير وأجابه لا يرضى بأن
стр. 1361
يردّه من غير إحسان إليه. (وفي رواية عن ابن عباس) «١» أن الله قال: «يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعونى وأعطيتكم قبل أن تسألونى، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى، ورحمتكم قبل أن تسترحمونى» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٥]
وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)
«٢» ومما كان موسى ﵇ يتلوه عليهم من الآيات ذكر نبيّنا ﷺ بالجميل.
وذكر أمته بحسن الثناء عليهم، فنحن في الوجود محدث مخلوق وفي ذكره متعلق لا باستفتاح.
ولم نكن في العدم أعيانا، ولا أشياء، ولكنا كنا في متعلق القدرة ومتناول العلم والمشيئة.
وذكرنا في الخطاب الأزليّ والكلام الصمديّ والقول الأبديّ.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٤٦]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)
ما طلبه موسى لأمته جعلناه لأمتك، وكما نادينا موسى- وهو في الوجود والظهور- ناديناكم وأنتم في كتم العدم، أنشدوا:
كن لى كما كنت ... فى حال لم أكن
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)
стр. 1362
تمنوا في زمان الفترة أن يبعث الله إليهم رسولا ليهتدوا به، ووعدوا من أنفسهم الإيمان والإجابة، فلمّا أتاهم الرسول كذّبوه، وقالوا: هلّا خصّ بمثل معجزات موسى في الظهور، وكان ذلك منهم خطأ، واقتراحا في غير موضع الحاجة، وتحكّما بعد إزاحة العلّة:
وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا
ثم قال: أفلا تذكرون كيف كفروا بموسى وأخيه ورموهما بالسحر؟.
وقال: إن ارتبتم أنّ هذا الكتاب من عند الله فأتوا بكتاب مثله، واستعينوا بشركائكم. ومن وقته إلى يومنا هذا لم يأت أحد بسورة مثله، وإلى القيامة لا يأتون بكتاب مثله.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥١]
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)
أتبعنا رسولا بعد رسول، وأردفنا كتابا بعد كتاب، فما ازدادوا إلا كفرا وثبورا، وجحدا وعتوا.. فلا إلى الحقّ رجعوا، ولا إلى الاستقامة جنحوا.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٢]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
من أكحلنا بصيرتهم بنور الهداية صدّقوا بمقتضى مساعدة العناية، ومن أعميناه عن شهود التحقيق ولم تساعده لطائف التوفيق انتكس في غوايته، وانهمك في ضلالته.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)
стр. 1363
إذا سمعوا دعوتنا قابلوها بالتصديق، وانقادوا بحسن الاستسلام، فلا جرم يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا على الأوامر وصبروا على المحارم في عاجلهم وآجلهم، مرة في الآخرة وهي المثوبة وأخرى في الدنيا وهي لطائف القربة.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٥]
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)
«اللَّغْوَ» : ما يلهى عن الله. ويقال «اللَّغْوَ» ما لا يوجب وسيلة عند الله، ويقال ما لا يكون بالحقّ للحقّ، ويقال هو ما صدر عن قلب غافل، ويقال هو ما يوجب سماعه السّهو.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٦]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)
«١» الهداية في الحقيقة إمالة القلب من الباطل إلى الحقّ، وذلك من خصائص قدرة الحقّ- سبحانه- وتطلق الهداية بمعنى الدعاء إلى الحق- توسّعا، وذلك جائز بل واجب فى صفته ﷺ ، قال تعالى: «وإنك تهدى إلى صراط مستقيم» .
ويقال: لك شرف النبوّة، ومنزلة الرسالة، وجمال السفارة، والمقام المحمود، والحوض المورود، (وأنت سيد ولد آدم.. ولكنك لا تهدى من أحببت فخصائص الربوبية لا تصلح) «٢» لمن وصفه البشرية.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٧]
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)
стр. 1364
قالوا نخاف الأعراب على أنفسنا إن صدّقناك، وآمنّا بك، (لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم) «١» فقال الله تعالى: وكيف تخافونهم وترون الله أظفركم على عدوّكم، وحكمنا بتعظيم بيتكم، وجعلنا مكة تجبى إليها ثمرات كل شىء من أقطار الدنيا؟
ويقال من قام بحقّ الله- سبحانه- سخّر له الكون بجملته، ومن اشتغل برعاية سرّه لله، وقام بحقّ الله، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مكّن من التصرّف بهمته في مملكة الله فالخلق مسخّر له، والوقت طوع أمره، والحقّ- سبحانه- متول «٢» أيامه وأعماله يحقّق ظنّه، ولا يضيّع حقّه.
أمّا الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله، ويتيه «٣» فى مفازات خزيه، ويبوء بوزر هواه.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٨]
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨)
لم يعرفوا قدر نعمتهم، ولم يشكروا سلامة أحوالهم، وانتظام أمورهم، فهاموا في أودية الكفران على وجوههم، فخرّوا في أودية الصغار على أذقانهم، وأذاقهم الله من كاسات الهوان ما كسر خمار بطرهم فأماكنهم منهم خالية، وسقوفها عليهم خاوية، وغربان الدمار فيها ناعية.
стр. 1365
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٥٩]
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩)
«وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا» : بالتكليف يأمرهم. ويأمر التكوين- على ما يريد- يقفهم. وهو- سبحانه- يبعث الرسل إنذارا ويعمى السّبل عليهم اقتدارا يوضّح الحجة بحيث لا شبهة، ولكنه لا يهدى إلا من سبقت له السعادة بحكم القسمة.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٦٠]
وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)
الدنيا حلوة خضرة، ولكنها في التحقيق مرّة مذرة «١» ، فبشرها يوهم أنها صفو ولكن من وراء صفوها حسو «٢» ، وما عند الله خير وأبقى.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٦١]
أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)
«٣» الدنيا سموم حنظلها تتلو طعوم عسلها، وتلف ما يحصل من شربها يغلب لطف ما يظهر
стр. 1366
من أربها، وليس من أكرم بوجدان نعيم عقباه كمن منى بالوقوع في جحيم دنياه قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣)
إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل.. وإلّا فمن أين لهم الجواب فضلا عن الصواب! والذي يسألهم هو الذي على ما شاء جعلهم فما ورد فعل إلا على فعله، وما صدر ما صدر إلا من أصله. وإذ تبرّأ بعضهم من بعض بيّن أنه لم يكن للأصنام استحقاق العبودية، ولا لأحد من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداث ذرّة أو منه شظيّة..
كلا بل هو الواحد القهار.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٦٥]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)
يسألهم سؤال هيبة فلا يبقى لهم تمييز، ولا قوة عقل، ولا مكنة جواب، قال جلّ ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٦٦]
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)
إذ استولت عليهم الحيرة، واستمكن منهم الدهش فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ولا فهم.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٨]
فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)
стр. 1367
يختار ما يشاء ومن يشاء من جملة ما يخلق. ومن ليس إليه شىء من الخلق.
فما له والاختيار؟! الاختيار للحقّ استحقاق عزّ يوجب أن يكون ذلك له، لأنّه لو لم ينفّذ مشيئته واختياره لم يكن بوصف العزّ، فمن بقي عن مراده لا يكون إلّا ذليلا فالاختيار للحقّ نعت عزّ، والاختيار للخلق صفة نقص ونعت بلاء وقصور فاختيار العبد غير مبارك عليه لأنّه صفة هو غير مستحقّ لها، ومن اتصف بما لا يليق به افتضح في نفسه، قال قائلهم:
ومعال إذا ادّعاها سواه ... لزمته جناية السّرّاق
والطينة إذا ادّعت ما هو صفة الحقّ أظهرت رعونتها، فما للإنسان والاختيار؟! وما للمملوك والملك؟! وما للعبيد والتصدّر في دست «١» الملوك؟! قال تعالى: «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» «٢» قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٦٩]
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)
ولم لا وقد قال: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ؟ فالعلم- الذي لا يعزب عنه معلوم- نعت من لم يزل، والإبداع من العدم إلى الوجود يتفرّد بالقدرة عليه لم يزل.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧٠]
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)
«لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» : توحّد بعزّ هيبته، وتفرّد بجلال ربوبيته، لا شبيه يساويه،
стр. 1368
ولا نظير يضاهيه. «لَهُ الْحَمْدُ» استحقاقا على عطيّته، وله الشكر استيجابا على نعمته ففى الدنيا المحمود الله، وفي العقبى المشكور الله فالإحسان من الله لأن السلطان لله، والنعمة من الله لأنّ الرحمة لله، والنصرة من الله لأنّ القدرة لله.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧١]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١)
إن دامت ليالى الفترة فمن الذي يأتى بنهار التوبة غير الله؟
وإن دامت ليالى الطّلب فمن الذي يأتى بصبح الوجود غير الله؟
وإن دامت ليالى القبض فمن الذي يأتى بصبح البسط غير الله؟
وإن دام ليل الفراق فمن الذي يأتى بصبح الوصال غير الله؟
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧٢]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢)
إن دام في الوصلة نهاركم فأيّ سبيل للواشين إلى تنغيص سروركم؟
وإن دام نهار معاشكم ووقت اشتغالكم بحظوظكم فمن إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه إلى الله إلا الله، وتستريحون من أشغالكم بالخلوة مع الله إلا الله «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧٣]
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)
стр. 1369
الأوقات ظروف لما يحصل فيها من الأفعال والأحوال فالظروف من الزمان متجانسة، وإنما الاختلاف راجع إلى أعيان ما يحصل فيها فليالى أهل الوصال سادات الليالى، وليالى أهل الفراق أسوأ الليالى فأهل القرب لياليهم قصار وكذلك أيامهم، وأرباب الفراق لياليهم طوال وكذلك جميع أوقاتهم في ليلهم ونهارهم، يقول قائلهم:
والليالى إذا نأيت طوال ... وأراها إذا دنوت قصار
وقال آخر:
والليل أطول وقت حين أفقدها ... والليل أقصر وقت حين ألقاها
وقال ثالث:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه- قصير
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٧٤ الى ٧٥]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)
كلا.. لا حجّة لهم، ولا جواب يعذرهم، ولا شفيع يرحمهم، ولا ناصر يعينهم.
اشتهرت ضلالتهم، واتضحت للكافة جهالتهم فدام بهم عذاب الأبد، وحاق بهم وبال السّرمد.
قوله جل ذكره:
[سورة القصص (٢٨) : آية ٧٦]
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)
جاء في القصص أنه كان ابن عمّ موسى، وكان من أعبد بنى إسرائيل، وكان قد اعتزل الناس، وانفرد في صومعته يتعبّد، فتصوّر له إبليس في صورة بشر، وأخذ في الظاهر يتعبّد معه في صومعته حتى تعجّب قارون من كثرة عبادته، فقال له يوما: لسنا في شىء عيوننا
стр. 1370
على أيدى الناس حتى يدفعوا إلينا شيئا هو ضرورتنا، ولا بدّ لنا من أخذه، فقال له قارون:
وكيف يجب أن نفعله؟
فقال له: أن ندخل في الأسبوع يوما السوق، ونكتسب، وننفق ذلك القدر في الأسبوع، فأجابه إليه. فكانا يحضران السوق في الأسبوع يوما، ثم قال له: لست أنا وأنت فى شىء، فقال: وما الذي يجب أن نعمله؟
فقال له: نكتسب في الأسبوع يوما لأنفسنا، ويوما نكتسب ونتصدّق به، فأجابه إليه.
ثم قال له يوما آخر: لسنا في شىء، فقال: وما ذاك؟
قال: إن مرضنا أو وقع لنا شغل لا نملك قوت يوم، فقال: وما نفعل؟
قال: نكتسب في الأسبوع ثلاثة أيام يوما للنفقة ويوما للصدقة ويوما للادخار، فأجابه إليه.. فلمّا علم أن حبّ الدنيا استمكن من قلبه ودّعه، وقال:
إنّى مفارقك.. فدم على ما أنت عليه، فصار من أمره وماله ما صار، وحمله حبّ الدنيا على جمعها، وحمله جمعها على حبّها، وحمله حبّها على البنى عليهم، وصارت كثرة ماله سبب هلاكه، وكم وعظ بترك الفرح بوجود الدنيا، وبترك الاستمتاع بها! وكان لا يأبى إلّا ضلالا.
ويقال خسف الله به الأرض بدعاء موسى ﵇، فقد كان موسى يقول:
يا أرض خذيه.. وبينما كانت الأرض تخسف به كان يستعين بموسى بحقّ القرابة، ولكن موسى كان يقول: يا أرض خذيه.
وفيما أوحى الله إلى موسى: لقد ناداك بحقّ القرابة وأنت تقول: يا أرض خذيه! وأنا أقول: يا عبد، نادنى فأنا أقرب منه إليك، ولكنه لم يقل.
وفي القصة أنه كان يخسف به كل يوم بزيادة معلومة، فلمّا حبس الله يونس في بطن الحوت أمر الحوت أن يطوف به في البحار لئلا يضيق قلب يونس، حتى انتهى إلى قارون، فسأله قارون عن موسى وحاله، فأوحى الله إلى الملك: