← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

تغلب العداوة من بعض على بعض. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ١٤] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فريق منهم أهل الوصلة، وفريق هم أهل الفرقة. فريق للجنة والمنّة، وفريق للعذاب والمحنة. فريق في السعير، وفريق في السرور. فريق في الثواب، وفريق في العذاب. فريق في الفراق، وفريق في التلاقي. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ١٥] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) فهم في رياض وغياض [سورة الروم (٣٠) : آية ١٦] وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فهم في بوار وهلاك. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : الآيات ١٧ الى ١٨] فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) من كان صباحه لله بورك له في يومه، ومن كان مساؤه بالله بورك له في ليله: وإنّ صباحا نلتقى في مسائه ... صباح على قلب الغريب حبيب شتّان بين عبد صباحه مفتتح بعبادته ومساؤه مختتم بطاعته، وبين عبد صباحه مفتتح بمشاهدته ورواحه مفتتح بعزيز قربته! ويقال الآية تتضمن الأمر بتسبيحه في هذه الأوقات، والآية تتضمن الصلوات الخمس «١» ،

стр. 1402

وإرادة الحقّ من أوليائه بأن يجددوا العهد في اليوم والليلة خمس مرات فتقف على بساط المناجاة، وتستدرك ما فاتك فيما بين الصلاتين من طوارق الزلات. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ١٩] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» : الطير من البيض، والحيوان من النّطفة. و «يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ» : البيض من الطير، والنطفة من الحيوان. والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. ويظهر أوقاتا من بين أوقات كالقبض من بين أوقات البسط، والبسط من بين أوقات القبض. «وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» : يحييها بالمطر، ويأتى بالربيع بعد وحشة الشتاء كذلك يوم النشور يحيى الخلق بعد الموت. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٠] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) خلق آدم من التراب، ثم من آدم الذّرّية. فذكّرهم نسبتهم لئلا يعجبوا بأحوالهم. ويقال الأصل تربة ولكن العبرة بالتربية لا بالتربة، القيمة لما منه لا لأعيان المخلوقات. اصطفى واختار الكعبة فهى أفضل من الجنة الجنة جواهر ويواقيت، والبيت حجر! ولكن البيت مختاره وهذا المختار حجر! واختار الإنسان، وهذا المختار مدر! والغنيّ غنيّ لذاته، غنيّ عن كلّ غير من رسم وأثر. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢١] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)

стр. 1403

ردّ المثل إلى المثل، وربط الشكل بالشكل، وجعل سكون البعض إلى البعض، ولكنّ ذلك للأشباح والصّور، أمّا الأرواح فصحبتها للأشباح كره لا طوع «١» . وأمّا الأسرار فمعتقة لا تساكن الأطلال ولا تتدنس بالأعلال. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٢] وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) خلق السماوات في علوّها والأرض في دنوّها هذه بنجومها وكواكبها، وهذه بأقطارها ومناكبها. وهذه بشمسها وقمرها، وهذه بمائها ومدرها. ومن آياته اختلاف لغات أهل الأرض، واختلاف تسبيحات الملائكة الذين هم سكان السماء. وإنّ اختصاص كلّ شىء منها بحكم- شاهد عدل، ودليل صدق على أنها تناجى أفكار المتيقظين، وتنادى على أنفسها.. أنها جميعها من تقدير العزيز العليم. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٣] وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) غلبة النوم بغير اختيار صاحبه ثم انتباهه من غير اكتساب له بوسعه يدلّ على موته وبعثه بعد ذلك وقت نشوره. ثم في حال منامه يرى ما يسرّه وما يضرّه، وعلى أوصاف كثيرة أمره.. كذلك الميت في قبره.. الله أعلم كيف حاله في أمره، وما يلقاه من خيره وشرّه، ونفعه وضرّه؟

стр. 1404

قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٤] وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) يلقى في القلوب من الرجاء والتوقع في الأمور، ثم يختلف بهم الحال فمن عبد يحصل مقصوده، ومن آخر لا يتفق مراده. والأحوال اللطيفة كالبروق، وقالوا: إنها لوائح ثم لوامع ثم طوالع ثم شوارق ثم متوع النهار «١» ، فاللوائح في أوائل العلوم، واللوامع من حيث الفهوم، والطوالع من حيث المعارف «٢» ، والشوارق من حيث التوحيد. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٥] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) يفنى هذه الأدوار، ويغيّر هذه الأطوار، ويبدّل أحوالا غير هذه الأحوال إماتة ثم إحياء، وإعادة وقبلها إبداء، وقبر ثم نشر، ومعاتبة في القبر ثم محاسبة بعد النّشر. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) له ذلك ملكا، ومنه تلك الأشياء بدءا، وبه إيجادا، وإليه رجوعا. قوله جل ذكره: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .

стр. 1405

«وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» أي في ظنّكم وتقديركم «١» . وفي الحقيقة السهولة والوعورة على الحقّ لا تجوز. «وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى» : له الصفة العليا في الوجود بحقّ القدم، وفي الجود بنعت الكرم، وفي القدرة بوصف الشمول، وفي النصرة بوصف الكمال، وفي العلم بعموم التعلّق، وفي الحكم بوجوب التحقق، وفي المشيئة بوصف البلوغ، وفي القضية «٢» بحكم النفوذ، وفي الجبروت بعين العزّ والجلال، وفي الملكوت بنعت المجد والجمال. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٨] ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) أي إذا كان لكم مماليك لا ترضون بالمساواة بينكم وبينهم، وأنتم متشاكلون «٣» بكلّ وجه- إلا أنكم بحكم الشرع مالكوهم- فما تقولون في الذي لم يزل، ولا يزال كما لم يزل؟. هل يجوز أن يقدّر في وصفه أن يساويه عبيده؟ وهل يجوز أن يكون مملوكه شريكه؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٢٩] بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) .

стр. 1406

أشدّ الظلم متابعة الهوى لأنه قريب من الشّرك، قال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» «١» . فمن اتّبع هواه خالف رضا مولاه فهو بوضعه الشيء غير موضعه صار ظالما، كما أنّ العاصي بوضعه المعصية موضع الطاعة ظالم.. كذلك هذا بمتابعة هواه بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه صار في الظلم متماديا. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٠] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) أخلص قصدك إلى الله، واحفظ عهدك مع الله، وأفرد عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك لله. «حَنِيفاً» : أي مستقيما في دينه، مائلا إليه، معرضا عن غيره «٢» . والزم «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» أي أثبتهم عليها قبل أن يوجد منهم فعل ولا كسب، ولا شرك ولا كفر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أمرت به، واحذر ما نهيت عنه. فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها» أي اعرف واعلم أن فطرة الله التي فطر الناس عليها: تجرّدهم عن أفعالهم، ثم اتصافهم بما يكسبون- وإن كان هذا أيضا بتقدير الله «٣» . وعلى هذا تكون «فِطْرَتَ» الله منصوبة بإضمار اعلم- كما قلنا.

стр. 1407

سبحانه فطر كلّ أحد على ما علم أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديل لحكمه، ولا تحويل لما عليه فطره. فمن علم أنه يكون سعيدا أراد سعادته وأخبر عن سعادته، وخلقه في حكمه سعيدا. ومن علم شقاوته أراد أن يكون شقيا وأخبر عن شقاوته وخلقه فى حكمه شقيا.. ولا تبديل لحكمه، هذا هو الدين المستقيم والحقّ الصحيح «١» قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣١] مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) أي راجعين إلى الله بالكلية من غير أن تبقى بقية، متصفين بوفاقه، منحرفين بكل وجه عن خلافه، متقّين صغير الإثم وكبيره، قليله وكثيره، مؤثرين يسير وفاقه وعسيره، مقيمين الصلاة بأركانها وسننها وآدابها جهرا، متحققين بمراعاة فضائلها سرا. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٢] مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) أقاموا في دنياهم في خمار الغفلة، وعناد الجهل والفترة فركنوا إلى ظنونهم، واستوطنوا مركب أوهامهم، وتموّلوا من كيس غيرهم، وظنوا أنهم على شىء. فإذا انكشف ضباب وقتهم، وانقشع سحاب جحدهم.. انقلب فرحهم ترحا، واستيقنوا أنهم كانوا في ضلالة، ولم يعرّجوا إلّا في أوطان الجهالة. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٣] وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) .

стр. 1408

إذا أظلتهم المحنة ونالتهم الفتنة ومسّتهم البليّة رجعوا إلى الله بأجمعهم مستعينين، وبلطفه مستجيرين، وعن محنتهم مستكشفين «١» . فإذا جاد عليهم بكشف ما نالهم، ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم: إذا فريق منهم- لا كلّهم- بل فريق منهم بربهم يشركون يعودون إلى عاداتهم المذمومة فى الكفران، ويقابلون إحسانه بالنسيان، هؤلاء ليس لهم عهد ولا وفاء، ولا فى مودتهم صفاء. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٤] لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أي عن قريب سيحدث بهم مثلما أصابهم، ثم إنهم يعودون إلى التضرع، ويأخذون فيما كانوا عليه بدءا من التخشع، فإذا أشكاهم وعافاهم رجعوا إلى رأس خطاياهم. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٥] أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) بين أنهم بنوا على غير أصل طريقهم، واتبعوا فيما ابتدعوه أهواءهم، وعلى غير شرع من الله أو حجة أو بيان أسّسوا مذاهبهم. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٦] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) تستميلهم طوارق أحوالهم فإن كانت نعمة فإلى فرح، وإن كانت شدة فإلى قنوط وترح.. وليس وصف الأكابر كذلك قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ» «٢» .

стр. 1409

قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٧] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) الإشارة فيها إلى أن العبد لا يعلّق قلبه إلا بالله لأنّ ما يسوءهم ليس زواله إلا بالله، وما يسرّهم ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي يسرّهم ويؤنسهم منه وجوده، والقبض الذي يسوءهم ويوحشهم منه حصوله، فالواجب لزوم عقوة «١» الأسرار، وقطع الأفكار عن الأغيار. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٨] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) القرابة على قسمين: قرابة النسب وقرابة الدّين، وقرابة الدين أمسّ، وبالمواساة أحقّ وإذا كان الرجل مشتغلا بالعبادة، غير متفرّغ لطلب المعيشة فالذين لهم إيمان بحاله، وإشراف على وقته يجب عليهم القيام بشأنه بقدر ما يمكنهم، مما يكون له عون على الطاعة وفراغ القلب من كل علة فاشتغال الرجل بمراعاة القلب يجعل حقّه آكد، وتفقّده أوجب. «ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ» : المريد هو الذي يؤثر حقّ الله على حظّ نفسه فإيثار المريد وجه الله أتمّ من مراعاته حال نفسه، فهمّته في الإحسان إلى ذوى القربى والمساكين تتقدم على نظره لنفسه وعياله وما يهمه من خاصته. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٣٩] وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) إيتاء الزكاة بأن تريد بها وجه الله، وألا تستخدم الفقير لما تبرّه به من رافقة «٢» ،

стр. 1410

بل أفضل الصدقة على ذى رحم كاشح «١» حتى يكون إعطاؤه لله مجردا عن كل نصيب لك فيه، فهؤلاء هم الذين يضاعف أجرهم: قهرهم لأنفسهم حيث يخالفونها، وفوزهم بالعوض من قبل الله. ثم الزكاة هي التطهير، وتطهير المال معلوم ببيان الشريعة في كيفية إخراج الزكاة، وأصناف المال وأوصافه. وزكاة البدن وزكاة القلب وزكاة السّرّ.. كلّ ذلك يجب القيام به. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٠] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) «ثُمَّ» حرف يقتضى التراخي وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من ضرورة خلقه إياك أن يرزقك كنت في ضعف أحوالك ابتداء ما خلقك، فأنبتك وأحياك من غير حاجة لك إلى رزق فإلى أن خرجت من بطن أمّك: إمّا أن كان يغنيك عن الرزق وأنت جنين فى بطن الأم ولم يكن لك أكل ولا شرب، وإمّا أن كان يعطيك ما يكفيك من الرزق- إن حقّ ما قالوا: إن الجنين يتغذّى بدم الطمث. وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسّر لك أسباب الأكل والشرب من لبن الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر من الإيمان والعرفان وأرزاق التوفيق من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان من الأذكار وغير ذلك مما جرى ذكره «ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» بسقوط شهواتكم، ويميتكم عن شواهدكم. «ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» بحياة قلوبكم ثم بأن يحييكم بربّكم.

стр. 1411

ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرزاق ومنها ما هو شهود الرزاق. ويقال: لا مكنة لك في تبديل خلقك، وكذلك لا قدرة لك على تعسّر رزقك، فالموسّع عليه رزقه- بفضله سبحانه.. لا بمناقب نفسه، والمقترّ عليه رزقه بحكمه سبحانه.. لا بمعايب نفسه. «هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ هل من شركائكم الذين أثبتموهم أى من الأصنام أو توهمتموهم من جملة الأنام.. من يفعل شيئا من ذلك؟ « » تنزيها له وتقديسا. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤١ الى ٤٢] ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) الإشارة من البرّ إلى النّفس، ومن البحر إلى القلب. وفساد البرّ بأكل الحرام وارتكاب المحظورات، وفساد البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة مثل سوء العزم والحسد والحقد وإرادة الشّرّ والفسق.. وغير ذلك. وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أنّ العزم على الخيرات قبل فعلها من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد التأويلات بغير حقّ، والانحطاط إلى الرّخص في غير قيام بجد، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء من الله تعالى. «لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» : بعض الذي عملوا من سقوط تعظيم الشرع من القلب، وعدم التأسّف على مافاته من الحقّ. قوله جل ذكره: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ» .

стр. 1412

«سِيرُوا» بالاعتبار، واطلبوا الحقّ بنعت الأفكار. «فَانْظُرُوا» كيف كانت حال من تقدّمكم من الأشكال والأمثال، وقيسوا عليها حكمكم في جميع الأحوال. «كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ» كانوا أكثرهم عددا، ولكن كانوا في التحقيق أقلّهم وزنا وقدرا. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٣] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) أخلص قصدك وصدق عزمك للدين القيّم بالموافقة والاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. فمن لم يتأدب بمن هو لسان وقته ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتمّ من ربحه، ونقصانه أعم من نفعه «١» . قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٦] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) يرسل رياح الرجاء على قلوب العباد فتكنس عن قلوبهم غبار الخوف وغثاء اليأس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق فتحملهم إلى بساط الجهد، وتكرمهم بقوى النشاط. ويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فيطهرها من وحشة القبض، وينشر فيها إرادة الوصال. ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء فيطهرها من آثار العناء، ويبشرها بدوام الوصال.. فذلك ارتياح به ولكن بعد اجتياح عنك.

стр. 1413

قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٧] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) أرسلنا من قبلك رسلا إلى عبادنا، فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومن عارضهم بالجحود أذقناهم عذاب الخلود، فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا، وشوّشنا عليهم ما أمّلوا، ونقضنا عليهم ما استطابوا وتنعّموا، وأخذنا بخناقهم فحاق بهم ما مكروا. َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» بتوطئتهم بأعقاب أعدائهم، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى رقيناهم فوق رقابهم، وخرّبنا أوطان أعدائهم، وهدّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعطّلنا عنهم ديارهم، ومحونا بقهر التدمير آثارهم، فظلّت شموسهم كاسفة، ومكيدة قهرنا لهم بأجمعهم خاسفة. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٤٨] اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) يرسل رياح عطفه وجوده مبشرات بوصله وجوده، ثم يمطر جود غيبه على على أسرارهم بلطفه، ويطوى بساط الحشمة عن ساحات قربه، ويضرب قباب الهيبة بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أزهار أنسه، ثم يتجلّى لهم بحقائق قدسه، ويسقيهم بيده شراب حبّه، وبعد ما محاهم عن أوصافهم أصحاهم- لا بهم- ولكن بنفسه، فالعبارات عن ذلك خرس، والإشارات دونها طمس

стр. 1414

قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٥٠] فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) يحيى الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجىء الأمطار ليخرج زرعها وثمارها، ويحيى النفوس بعد نفرتها، ويوفقها للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الرّفاق بصادق إقدامهم، وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم، ويحيى القلوب بعد غفلتها بأنوار المحاضرات، فتعود إلى استدامة الذكر بحسن المراعاة، ويهتدى بأنوار أهلها أهل العسر من أصحاب الإرادات، ويحيى الأرواح بعد حجبتها- بأنوار المشاهدات، فتطلع شموسها عن برج السعادة، ويتصل بمشامّ أسرار الكافة نسيم ما يفيض عليهم من الزيادات، فلا يبقى صاحب نفس إلا حظى منه بنصيب، ويحيى الأسرار- وقد تكون لها وقفة في بعض الحالات- فتنتفى بالكلية آثار الغيرية، ولا يبقى في الدار ديّار ولا من سكانها آثار فسطوات الحقائق لا تثبت لها ذرّة من صفات الخلائق، هنالك الولاية لله.. سقط الماء والقطرة، وطاحت الرسوم والجملة «١» . قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٥١] وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) إذا انسدّت البصيرة عن الإدراك دام العمى على عموم الأوقات.. كذلك من حقّت عليهم الشقاوة جرّته إلى نفسها- وإن تبوّأ الجنة منزلا. قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) من فقد الحياة الأصلية لم يعش بالرّقى والتمائم، وإذا كان في السريرة طرش عن سماع الحقيقة فسمع الظاهر لا يفيده آكد الحجّة. وكما لا يسمع «٢» الصّمّ الدعاء فكذلك لا يمكنه أن يهدى العمى عن ضلالتهم.

стр. 1415

قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : آية ٥٤] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية «١» ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم: آخر الأمر ما ترى ... القبر واللحد والثرى كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة في الطلب، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد. ويقال أولا ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله، ثم قوة البيان في حال العرفان لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود لأن الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر. ويقال «خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» : أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة، قال ﷺ : «أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين» «٢» . قوله جل ذكره: [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٥ الى ٦٠] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) إنما كان ذلك لأحد أمرين: إمّا لأنهم كانوا أمواتا.. والميت لا إحساس له، أو لأنهم عدّوا ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يرون ذلك اليوم يسيرا. وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لبثهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جحدهم على موجب جهلهم، ثم لا يسمع عذرهم، ولا يدفع ضرّهم.

стр. 1416

وأخبر بعد هذا في آخر السورة عن إصرارهم وانهما كهم في غيّهم، وأن ذلك نصيبهم من القسمة إلى آخر أعمارهم. ثم ختم السورة بأمر الرسول ﵊ باصطباره على مقاساة مسارهم ومضارهم. «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» .

стр. 1417

السورة التي يذكر فيها لقمان قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «بِسْمِ اللَّهِ» كلمة من سمعها أقرّ أنّه لا يسمع مثلها، ومن عرفها أنف أن يسمع غيرها. كلمة من سمعها طابت قصّته، وزالت بكل وجه غصّته، وتمّت من النّعم في الدنيا والعقبى حصّته، وزهد في دنياه من غير رغبة في عقباه لأنّها- وإن جلّت- غير مولاه «١» كلمة من سمعها لم يرغب في عمارة فنائه، ولم يتحشم «٢» سرعة وفائه. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) الألف تشير إلى آلائه، واللام تشير إلى لطفه وعطائه، والميم تشير إلى مجده وسنائه فبآلائه يرفع الجحد عن قلوب أوليائه، وبلطفه وعطائه يثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وسنائه مستغن عن جميع خلقه بوصف كبريائه. «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ» : المحروس عن التغيير والتبديل. [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣ الى ٤] هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) هو هدى وبيان، ورحمة وبرهان للمحسنين العارفين بالله، والمقيمين عبادة الله كأنهم

стр. 1418

ينظرون إلى الله. وشرط المحسن أن يكون محسنا إلى عباد الله: دانيهم وقاصيهم، ومطيعهم وعاصيهم. «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ» : يأتون بشرائطها في الظاهر من ستر العورة، وتقديم الطهارة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، والوقوف في مكان طاهر. وفي الباطن يأتون بشرائطها من طهارة السّرّ عن العلائق، وستر عورة الباطن بتنقيته عن العيوب، لأنها مهما تكن فالله يراها فإذا أردت ألا يرى الله عيوبك فاحذرها حتى لا تكون. والوقوف في مكان طاهر، وهو وقوف القلب على الحدّ الذي أذنت في الوقوف فيه مما لا تكون دعوى بلا تحقيق، ورحم الله من وقف عند حدّه. والمعرفة بدخول الوقت فتعلم وقت التذلّل والاستكانة، وتميز بينه وبين وقت السرور والبسط، وتستقبل القبلة بنفسك، وتعلّق قلبك بالله من غير تخصيص بقطر أو مكان. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٥] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) الذين يقومون بشرط صلاتهم وحقّ آداب عبادتهم هم الذين اهتدوا فى الدنيا والعقبى فسلموا ونجوا. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٦] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) «لَهْوَ الْحَدِيثِ» : ما يشغل عن ذكر الله «١» ، ويحجب عن الله سماعه. ويقال: هو لغو الظاهر الموجب سهو الضمائر، وهو ما يكون خوضا في الباطل، وأخذا بما لا يعنيك.

стр. 1419

قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٧] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) المفترق بهمّه، والمتشتّت بقلبه لا تزيده كثرة الوعظ إلا نفورا ونبوّا فسماعه كلا سماع، ووعظه هباء وضياع، كما قيل: إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطّ بأقلامى على الماء أحرفا قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٨ الى ٩] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) «آمَنُوا» : صدّقوا «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : تحقّقوا فاتصاف تحقيقهم راجع إلى تصديقهم، فنجوا وسلموا فهم في راحاتهم مقيمون، دائمون لا يبرحون. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٠] خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) أمسك السماوات بقدرته بغير عماد، وحفظها لا إلى سناد أو مشدودة إلى أوتاد، بل بحكم الله وبتقديره، ومشيئته وتدبيره. «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ..» فى الظاهر الجبال، وفي الحقيقة الأبدال والأوتاد الذين هم غياث الخلق، بهم يقيهم، وبهم يصرف البلاء عن قريبهم وقاصيهم. «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً..» المطر من سماء الظاهر في رياض الخضرة ومن سماء الباطن فى رياض أهل الدنوّ والحضرة.

стр. 1420

قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١١] هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) هذا خلق الله العزيز في كبريائه، فأرونى ماذا خلق الذين عبدتم من دونه في أرضه وسمائه؟ قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٢] وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) «الْحِكْمَةَ» الإصابة في العقل والعقد والنطق. ويقال «الْحِكْمَةَ» متابعة الطريق من حيث توفيق الحق لا من حيث همة النفس. ويقال «الْحِكْمَةَ» ألا تكون تحت سلطان الهوى. ويقال «الْحِكْمَةَ» الكون بحكم من له الحكم. ويقال «الْحِكْمَةَ» معرفة قدر نفسك حتى لا تمدّ رجليك خارجا عن كسائك. ويقال «الْحِكْمَةَ» ألا تستعصى على من تعلم أنك لا تقاومه. «أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ» : حقيقة الشكر انفراج عين القلب بشهود ملاطفات الرّبّ. فهو مقلوب قولهم: كشرت عن أنيابها الداية فيقال شكر وكشر مثل جذب وجبذ. ويقال الشكر تحققك بعجزك عن شكره. ويقال الشكر ما به يحصل كمال استلذاذ النعمة. ويقال الشكر فضلة تظهر على اللسان من امتلاء القلب بالسرور فينطلق بمدح المشكور. ويقال الشكر نعت كلّ غنىّ كما أن الكفران وصف كلّ لئيم. ويقال الشكر قرع باب الزيادة «١» . ويقال الشكر قيد الإنعام. ويقال الشكر قصة يميلها صميم الفؤاد بنشر صحيفة الأفضال. «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» «٢» : لأنه في صلاحها ونصيبها يسعى. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٣] وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) .

стр. 1421

الشّرك على ضربين: جلىّ وخفيّ فالجلىّ عبادة الأصنام، والخفىّ حسبان شىء من الحدثان من الأنام. ويقال الشّرك إثبات غير مع شهود الغيب. ويقال الشرك ظلم على القلب، والمعاصي ظلم على النفس، وظلم النفوس معرّض للغفران، ولكنّ ظلم القلوب لا سبيل إليه للغفران. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٤] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) أوجب الله شكر نفسه وشكر الوالدين. ولما حصل الإجماع على أن شكر الوالدين بدوام طاعتهما، وألا يكتفى فيه بمجرد النطق بالثناء عليهما علم أنّ شكر الحقّ لا يكفى فيه مجرّد القول ما لم تكن فيه موافقه العقل وذلك بالتزام الطاعة، واستعمال النعمة في وجه الطاعة دون صرفها في الزّلّة فشكر الحقّ بالتعظيم والتكبير، وشكر الوالدين بالإنفاق والتوفير. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٥] وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) إن جاهداك على أن تشرك بالله، أو تسعى بما هو زلة في أمر الله- فلا تطعهما، ولكن عاشرهما بالجميل تخشين في تليين، فاجعل لهما ظاهرك فيما ليس فيه حرج، وانفرد بسرّك لله، «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ» : وهو المنيب إليه حقا من غير أن تبقى بقية في النفس. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٦] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)

стр. 1422

إذا كانت ذرة أو أقل من ذلك وسبقت بها القسمة فلا محالة تصل إلى المقسوم له بغير مرية.. «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» : عالم بدقائق الأمور وخفاياها. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٧] يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) الأمر بالمعروف يكون بالقول، وأبلغه أن يكون بامتناعك بنفسك عما تنهى عنه، واشتغالك واتصافك بنفسك بما تأمر به غيرك، ومن لا حكم له على نفسه لا ينفذ حكمه على غيره. والمعروف الذي يجب الأمر به هو ما يوصّل العبد إلى الله، والمنكر الذي يجب النهى عنه هو ما يشغل العبد عن الله. «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ» تنبيه على أنّ من قام لله بحقّ امتحن في الله فسبيله أن يصبر لله- فإنّ من صبر لله لا يخسر على الله. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٨] وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) يعنى لا تتكبر على الناس، وطالعهم من حيث النسبة والتحقق بأنك بمشهد من مولاك. ومن علم أنّ مولاه ينظر إليه لا يتكبر ولا يتطاول بل يتخاضع ويتضاءل. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ١٩] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) كن فانيا عن شواهدك، مصطلما عن صولتك، مأخوذا عن حولك وقوتك، منتشقا «١» مما استولى عليك من كشوفات سرّك.

стр. 1423

وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» : فى الإشارة هو الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحقّ. وقالوا: إنه الصوفيّ يتكلم قبل أوانه. ويقال إنما ينهق الحمار عند رؤية الشيطان فلذلك كان صوته أنكر الأصوات. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٢٠] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) أثبت في كل شىء منها نفعا لكم، فالسماء لتكون لكم سقفا، والأرض لتكون لكم فراشا، والشمس لتكون لكم سراجا، والقمر لتعلموا به عدد السنين والحساب، والنجوم لتهتدوا بها. «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً» : الإسباغ ما يفضل عن قدرة الحاجة ولا تحتاج معه إلى الزيادة. قوله: «نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً» : تكلموا فيه فأكثروا. فالظاهرة وجود النعمة، والباطنة شهود المنعم. والظاهرة الدنيوية، والباطنة الدينية. والظاهرة حسن الخلق، والباطنة حسن الخلق. الظاهرة نفس بلا زلّة، والباطنة قلب بلا غفلة. الظاهرة العطاء، والباطنة الرضاء. الظاهرة في الأموال ونمائها، والباطنة في الأحوال وصفائها. الظاهرة النعمة، والباطنة العصمة. الظاهرة توفيق الطاعات، والباطنة قبولها. الظاهرة تسوية الخلق، والباطنة تصفية الخلق. الظاهرة صحبة الصالحين، والباطنة حفظ حرمتهم. الظاهرة الزهد في الدنيا، والباطنة الاكتفاء بالمولى من الدنيا والعقبى «١» . الظاهرة الزهد، والباطنة الوجد. الظاهرة توفيق

стр. 1424

المجاهدة والباطنة تحقيق المشاهدة. الظاهرة وظائف النّفس، والباطنة لطائف القلب. الظاهرة اشتغالك بنفسك عن الخلق، والباطنة اشتغالك بربّك عن نفسك. الظاهرة طلبه، الباطنة وجوده «١» . الظاهرة أن تصل إليه، الباطنة أن تبقى معه. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢١ الى ٢٣] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) لم يتخطوا منهم ولا من أمثالهم، ولم يهتدوا إلى محوّل أحوالهم. فأمّا من سمت نفسه، وخلص في الله قصده فقد استمسك بالعروة الوثقى، وسلك المحجّة المثلى: - «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» وعلى العكس: - «وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» . إلينا إيابهم، ومنّا عذابهم، وعلينا حسابهم. ولئن سألتهم عن خالقهم لأقرّوا، ولكن إذا عادوا إلى غيّهم نقضوا وأصروا. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٢٦] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) لله ما في السماوات والأرض ملكا، ويحرى فيهم حكمه حقّا، وإليه مرجعهم حتما.

стр. 1425

قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٢٧] وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) لو أنّ ما في الأرض من الأشجار أقلام والبحار كانت مدادا، وبمقدار ما يقابله تنفق القراطيس، ويتكلّف الكتّاب حتى تتكسر الأقلام، وتفنى البحار، وتستوفى القراطيس، وتفنى أعمار الكتّاب.. ما نفدت معانى مالنا معك من الكلام، والذي نسمعك فيما نخاطبك به لأنك معنا أبد الأبد، والأبديّ من الوصف لا يتناهى. ويقال إن كان لك معكم كلام كثير فما عندكم ينفذ وما عند الله باق: صحائف عندى للعتاب طويتها ستنشر يوما والعتاب يطول قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٢٨] ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) إيجاد القليل أو الكثير عليه وعنده سيّان فلا من الكثير مشقة وعسر، ولا من القليل راحة ويسر، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: «كُنْ فَيَكُونُ» «١» يقوله بكلمته ولكنه يكوّنه بقدرته، لا بمزاولة جهد، ولا باستفراغ وسع، ولا بدعاء خاطر، ولا بطروء غرض. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٣٠] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) «اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» : الكائن الموجود، محقّ الحقّ «٢» ، وما يدعون من دونه الباطل: من العدم ظهر ومعه جواز العدم «٣» .

стр. 1426

قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٣١] أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) فى الظاهر سلامتهم في السفينة، وفي الباطن سلامتهم من حدثان الكون، ونجاتهم في سفائن العصمة في بحار القدرة. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ» وقوف لا ينهزم من البلايا، شكور على ما يصيبه من تصاريف التقدير من جنسى البلايا والعطايا. قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٣٢] وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) إذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة، فإذا جاد الحقّ بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم: وكم قد جهلتم ثم عدنا بحلمنا ... أحباءنا: كم تجهلون ونحلم! قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٣٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) يخوّفهم مرة بأفعاله فيقول: «اتَّقُوا يَوْماً» ، ومرة بصفاته فيقول: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» ومرة بذاته فيقول: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» .

стр. 1427

قوله جل ذكره: [سورة لقمان (٣١) : آية ٣٤] إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) يتفرّد بعلم القيامة، ويعلم ما في الأرحام ذكورها وإناثها، شقيها وسعيدها، وحسنها وقبيحها ويعلم متى ينزّل الغيث، وكم قطرة ينزلها، وبأى بقعة يمطرها. «وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» «١» . ما تدرى نفس ماذا تكسب غدا من خير وشر، ووفاق وشقاق، وما تدرى نفس بأى أرض تموت أتدرك مرادها أم يفوت؟.

стр. 1428

سورة السّجدة قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» كلمة سماعها ربيع الجميع، من العاصي والمطيع، والشريف والوضيع. من أصغى إليها بسمع الخضوع ترك طيّب الهجوع، ومن أصغى إليها بسمع المحابّ ترك لذيذ الطعام والشراب. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الإشارة من الألف إلى أنه ألف المحبون قربتى فلا يصبرون عنى، وألف العارفون تمجيدى فلا يستأنسون بغيري. والإشارة في اللام إلى لقائى المدّخر لأحبّائى، فلا أبالى أقاموا على ولائى أم قصّروا فى وفائى. والإشارة في الميم: أي ترك أوليائى مرادهم لمرادى.. فلذلك آثرتهم على جميع عبادى. «تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» : إذا تعذّر لقاء الأحباب فأعزّ شىء على الأحباب كتاب الأحباب أنزلت على أحبابى كتابى، وحملت إليهم الرسالة خطابى، ولا عليهم إن قرع أسماعهم عتابى، فهم في أمان من عذابى. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٣] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) الذي لكم منا حقيقة، وإن التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإنّ

стр. 1429

صحبة الجيب مع الحبيب ألذّها ما كان مقرونا بفقد الرقيب. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٤] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) وتلك الأيام خلقها من خلق غير الأيام، فليس من شرط المخلوق ولا من ضرورته أن يخلقه في وقت إذ الوقت مخلوق في غير الوقت «١» . وكما يستغنى في كونه مخلوقا عن الوقت استغنى الوقت عن الوقت. «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ليس للعرش من هذا الحديث إلا هذا الخبر استوى على العرش ولكن القديم ليس له حدّ، استوى على العرش لكن لا يجوز عليه القرب بالذات ولا البعد، واستوى على العرش ولكنه أشدّ الأشياء تعطّشا إلى شظية من الوصال لو كان للعرش حياة؟، ولكنّ العرش جماد.. وأنّى يكون للجماد مراد؟! استوى على العرش لكنه صمد بلا ندّ، أحد بلا حدّ. «ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ» : إذا لم يرد بكم خيرا فلا سماء عنه تظلّكم، ولا أرض بغير رضاه تقلّكم، ولا بالجواهر أحد يناصركم، ولا أحد- إذا لم يعن بشأنكم في الدنيا والآخرة- ينظر إليكم. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٥ الى ٦] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) خاطب الخلق- على مقدار أفهامهم ويجوز لهم- عن الحقائق التي اعتادوا في تخاطبهم. «ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» «الْعَزِيزُ» مع المطيعين «الرَّحِيمُ» على العاصين. «الْعَزِيزُ» للمطيعين ليكسر صولتهم «الرَّحِيمُ» للعاصين ليرفع زلّتهم.

стр. 1430

قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٧ الى ٨] الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) أحسن صورة كلّ أحد فالعرش ياقوتة حمراء، والملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وجبريل طاووس الملائكة، والحور العين- كما في الخبر- فى جمالها وأشكالها، والجنان- كما في الأخبار ونص القرآن. فإذا انتهى إلى الإنسان قال: «خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» «١» .. كل هذا ولكن: وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري خلق الإنسان من طين ولكن «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» «٢» ، وخلق الإنسان من طين ولكن: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» «٣» ، وخلق الإنسان من طين ولكن «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» ! قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٠] وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) لو كانت لهم ذرّة من العرفان، وشمّة من الاشتياق، ونسمة من المحبة لما تعصّبوا كلّ هذا التعصب في إنكار جواز الرجوع إلى الله ولكن قال: «بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ» . قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١١] قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) لولا غفلة قلوبهم وإلا لما أحال قبض أرواحهم على ملك الموت فإنّ ملك الموت لا أثر منه في أحد، ولا له تصرفات في نفسه، وما يحصل من التوفّى فمن خصائص قدرة

стр. 1431

الحق. ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربّ فخاطبهم على مقدار فهمهم، وعلّق بالأغيار قلوبهم، وكلّ يخاطب بما يحتمل على قدر قوّته وضعفه. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٢] وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) ملكتهم الدهشة وغلبتهم الخجلة، فاعتذروا حين لا عذر، واعترفوا ولا حين اعتراف. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٣] وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) لو «١» شئنا لسهّلنا سبيل الاستدلال، وأدمنا التوفيق لكلّ أحد، ولكن تعلّقت المشيئة بإغواء قوم، كما تعلّقت بإدناء قوم، وأردنا أن يكون للنار قطّان، كما أردنا أن يكون للجنّة سكان، ولأنّا علمنا يوم خلقنا الجنّة أنه يسكنها قوم، ويوم خلقنا النار أنه ينزلها قوم، فمن المحال أن نريد ألا يقع معلومنا، ولو لم يحصل لم يكن علما، ولو لم يكن ذلك علما لم نكن إلها ... ومن المحال أن نريد ألا نكون إلها. ويقال: من لم يتسلّط عليه من يحبه لم يجر في ملكه ما يكرهه. ويقال: يا مسكين أفنيت عمرك في الكدّ والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيّرت صفتك، وأكثرت مجاهدتك.. فما تفعل في قضائى كيف تبدّله؟ وما تصنع في مشيئتى بأيّ وسع تردّها؟ وفي معناه أنشدوا: شكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد حيران لو شئت اهتدى ... ظمان لو شئت ورد

стр. 1432

قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٤] فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) قاس من الهوان ما استوجبته بعصيانك، واخلد في دار الخزي لما أسلفته من كفرانك. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٥] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) التصديق والتكذيب ضدان- والضدان لا يجتمعان التكذيب هو جحود واستكبار، والتصديق هو سجود وتحقيق، فمن اتّصف بأحد القسمين امّحى عنه الثاني. «خَرُّوا سُجَّداً» : سجدوا بظواهرهم في المحراب، وفي سرائرهم على تراب الخضوع وبساط الخشوع بنعت الذبول وحكم الخمود. ويقال: كيف يستكبر من لا يجد كمال راحته ولا حقيقة أنسه إلا في تذلله بين يدى معبوده، ولا يؤثر آجل جحيمه على نعيمه، ولا شقاءه على شفائه؟! قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٦] تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فى الظاهر: عن الفراش قياما بحقّ العبادة والجهد والتهجد، وفي الباطن: تتباعد قلوبهم عن مضاجعات الأحوال، ورؤية قدّر النفس، وتوّهم المقام- فإن ذلك بجملته حجاب عن الحقيقة، وهو للعبد سمّ قاتل- فلا يساكنون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم. ويفارقون مالفهم، ويهجرون في الله معارفهم. والليل زمان الأحباب، قال تعالى: «لِتَسْكُنُوا فِيهِ» : يعنى عن كلّ شغل وحديث سوى حديث محبوبكم. والنهار زمان أهل الدنيا، قال تعالى: «وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً» ، أولئك قال لهم: «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» :

стр. 1433

إذا ناجيتمونا في ركعتين في الجمعة فعودوا إلى متجركم، واشتغلوا بحرفتكم. وأما الأحباب فالليل لهم إمّا في طرب التلاقي وإما في حرب الفراق، فإن كانوا في أنس القربة فليلهم أقصر من لحظة، كما قالوا: زارنى من هويت بعد بعاد ... بوصال مجدّد ووداد ليلة كاد يلتقى طرفاها ... قصرا وهى ليلة الميعاد وكما قالوا: وليلة زين ليالى الدهر ... قابلت فيها بدرها ببدر لم تستبن عن شقق وفجر ... حتى تولّت وهي بكر الدهر وأمّا إن كان الوقت وقت مقاساة فرقة وانفراد بكربة فليلهم طويل، كما قالوا: كم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدى قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدى على بنان يدى قوله: «يدعون ربهم خوفا وطمعا» : قوم خوفا من العذاب وطمعا في الثواب، وآخرون خوفا من الفراق وطمعا في التلاقي، وآخرون خوفا من المكر وطمعا في الوصل. «وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» : يأتون بالشاهد الذي خصصناهم به فإن طهّرنا أحوالهم عن الكدورات حضروا بأحوال مقدّسة، وإن دنّسّنا أوقاتهم بالآفات شهدوا بحالات مدنّسة، «وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» فالعبد إنما يتجر في البضاعة التي يودعها لديه سيّده: يفديك بالروح صبّ لو يكون له ... أعزّ من روحه شىء فداك به قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٧] فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)

стр. 1434

إنما تقرّ عينك برؤية من تحبه، أو ما تحبه فطالب قلبك وراع حالك: فيحصل اليوم سرورك، وكذلك غدا.. وعلى ذلك تحشر ففى الخبر: «من كان بحالة لقى الله بها» . ثم إنّ وصف ما قال الله سبحانه إنه لا يعلمه أحد- محال، اللهم أن يقال: إنها حال عزيزة، وصفة جليلة. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ١٨] أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) «١» أفمن كان في حال الوصال يجرّ أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسى وباله؟ أفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعانى مشقة الكلفة؟ أفمن هو في روح إقبالنا عليه كمن هو في محنة إعراضنا عنه؟ أفمن بقي معنا كمن بقي عنّا؟ أفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالى الكفران ووحشة العصيان؟ أفمن أيّد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان! قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٩ الى ٢٠] أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) «الَّذِينَ آمَنُوا» : صدّقوا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : بما حققّوا- فلهم حسن الحال، وحميد المآل وجزيل المنال، وأما الذين كدّوا وجحدوا، وفي معاملاتهم أساءوا

стр. 1435

وأفسدوا، فقصاراهم الخزي والهوان، وفنون من المحن وألوان ... كلما راموا من محنتهم خلاصا ازدادوا فيها انتكاسا، وكلما أمّلوا نجاة جرّعوا وزيدوا يأسا. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢١] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) قوم عذابهم الأدنى محن الدنيا، والعذاب الأكبر لهم عقوبة العنبي. وقوم العذاب الأدنى لهم فترة تتداخلهم في عبادتهم، والعذاب الأكبر لهم قسوة في قلوبهم تصيبهم. وقوم العذاب الأدنى لهم وقفة في سلوكهم تنيبهم، والعذاب الأكبر لهم حجبة عن مشاهدهم تنالهم، قال قائلهم: أدّبتنى بانصراف قلبك عنّى ... فانظر إليّ فقد أحسنت تأديبى «١» ويقال العذاب الأدنى الخذلان في الزلة، والأكبر الهجران في الوصلة. ويقال العذاب الأدنى تكدّر مشاربهم بعد صفوها، كما قالوا: لقد كان ما بينى زمانا وبينه ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد ويقال العذاب الأكبر لهم تطاول أيام الغياب من غير تبين آخر لها، كما قيل: تطاول نأينا يا نور حتى ... كأن نسجت عليه العنكبوت قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٢] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) إذا نبّه العبد بأنواع الزّجر، وحرّك- لتركه حدود الوقاق- بصنوف من التأديب

стр. 1436

ثم لم يرتدع عن فعله، واغترّ بطول سلامته، وأمن من هواجم مكره، وخفايا سرّه.. أخذه بغتة بحيث لا يجد خرجة من أخذته، قال تعالى: «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ» «١» قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٣] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) فلا تكن في مرية من لقائه غدا لنا ورؤيته لنا «٢» . «وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ» : وهذا محمد ﷺ جعل رحمة للعالمين. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٤] وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) لمّا صبروا على طلبنا سعدوا بوجودنا، وتعدّى مانالوا من أفضالنا إلى متبعيهم، وانبسط شعاع شموسهم على جميع أهلهم فهم للخلق هداة، وفي الدين عيون، وللمسترشدين نجوم. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٥] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) يحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردود من المقبول، والمهجور من الموصول، والرضى من

стр. 1437

الغوي، والعدو من الوليّ ... فكم من بهجة دامت هنالك! وكم من مهجة ذابت عند ذلك! قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٦] أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أو لم يعتبروا بمنازل أقوام كانوا في حبرة فصاروا عبرة، كانوا في سرور فآلوا إلى ثبور فجميع ديارهم ومزارهم صارت لأغيارهم، وصنوف أموالهم عادت إلى أشكالهم، سكنوا فى ظلالهم ولم يعتبروا بمن مضى من أمثالهم، وكما قيل: نعمة كانت على قو ... م زمانا تم بانت هكذا النعمة والإح ... سان مذ كان وكانت قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٢٧] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) «١» الإشارة فيه: تسقى حدائق وصلهم بعد جفاف عودها، وزوال المأنوس من معهودها، فيعود عودها مورقا بعد ذبوله، حاكيا بحاله حال حصوله. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) .

стр. 1438

استبعدوا يوم التلاقي وجحدوه، فأخبرهم أنه ليس لهم إلا الحسرة والمحنة إذا شهدوه. قوله جل ذكره: [سورة السجده (٣٢) : آية ٣٠] فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) أعرض عنهم باشتغالك بنا، وإقبالك علينا، وانقطاعك إلينا. «وَانْتَظِرْ» زوائد وصلنا، وعوائد لطفنا. «إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ» هواجم مقتنا وخفايا مكرنا.. وعن قريب يجد كلّ منتظره محتضرا.

стр. 1439

سورة الأحزاب قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» بسم الله شهود وجوده يوجب لك تلفا في تلف، ووجود جوده يوجب لك شرفا فى شرف، ففى تلفك يكون (هو) «١» عنك الخلف، وفي شرفك تصل إلى كلّ لطف. قوله جل ذكره: [سورة الأحزاب (٣٣) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) يا أيها المشرّف حالا، المفخّم قدرا منّا، المعلّى رتبة من قبلنا.. يا أيها المرقّى إلى أعلى الرّتب بأسنى القرب.. يا أيها المخبّر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلّغ خطابنا إلى أحبابنا ... اتق الله أن تلاحظ غيرا معنا، أو تساكن شيئا من دوننا، أو تثبت أحدا سوانا، أو تتوهّم شظية من الحدثان من سوانا. «وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ» إشفاقا منك عليهم، وطمعا في إيمانهم بنا لو وافقتهم في شىء أرادوه منك «٢» . والتقوى رقيب على قلوب أوليائه يمنعهم في أنفاسهم، وسكناتهم، وحركاتهم أن ينظروا إلى غيره- أو يثبتوا معه غيره- إلا منصوبا لقدرته، مصرّفا بمشيئته، نافذا فيه حكم قضيته.

стр. 1440

التقوى لجام يكبحك عمّا لا يجوز، زمام يقودك إلى ما تحب، سوط يسوقك إلى ما أمرت به، شاخص يحملك على القيام بحقّ الله، حرز يعصمك من توصل أعدائك إليك، عوذة تشفيك من داء الخطأ. التقوى وسيلة إلى ساحات كرمه، ذريعة تتوسل بها إلى عقوة جوده. قوله جل ذكره: [سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٢] وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) اتبع ولا تبتدع، واقتد بما نأمرك به، ولا تهتد باختيارك غير ما نختار لك، ولا تعرّج في أوطان الكسل، ولا تجنحّ إلى ناحية التواني، وكن لنا لا لك، وقم بنا لا بك. قوله جل ذكره: [سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٣] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) انسلخ عن إمابك، واصدق في إيابك إلينا، وتشاغل عن حسبانك معنا، واحذر ذهابك عنا، ولا تقصّر في خطابك معنا. ويقال التوكل تحقّق ثم تخلّق ثم توثق ثم تملق تحقق في العقيدة، وتخلق بإقامة الشريعة، وتوثق بالمقسوم من القضية، وتملّق بين يديه بحسن العبودية. ويقال التوكل تحقّق وتعلق وتخلق: تحقّق بالله وتعلّق بالله ثم تخلق بأوامر الله. ويقال التوكل استواء القلب في العدم والوجود. قوله جل ذكره: [سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٤] ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) القلب إذا اشتغل بشىء شغل عما سواه، فالمشتغل بما من العدم منفصل عمن له القدم، وللتصل بقلبه بمن نعته القدم مشتغل عمّا من العدم.. والليل والنهار لا يجتمعان، والغيب والغير لا يلتقيان. «وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ
следующие страницы →