حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبّد به عباده.
وأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومن حفظ حدّه لم يصبه مكروه ولا آفة، وأصل كلّ بلاء مجاوزة الحدود.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٤]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)
وإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعا الذّلّ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا «١» عليها: لذلك قال قائلهم:
من بات «٢» مسلما «٣» بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مبرّا ببر ظلّ وعليه مهابته.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٥]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥)
إنما اعتبر فى ثبوت الفاحشة- التي هى الزنا- زيادة الشهود إسبالا لستر الكرم
стр. 317
على إجرام العباد، فإنّ إقامة الشهود- على الوجه الذي فى الشرع لإثبات تلك الحالة- كالمتعذّر «١» .
وفى قوله- ﷺ لما عز لما قال له: يا رسول الله- صلوات الله عليك- إنّى زنيت فطهّرنى. فقال: لعلّك قبّلت.. ثم قال فى بعض المرات: «استنكهوه» «٢» .
ففى هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦]
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ «٣» شىء فى الردع والمنع منه بالرفع، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧)
. «٤»
لا استغفار مع الإصرار «٥» فإن التوبة مع غير إقلاع سمه الكذّابين.
وقوله: «السُّوءَ بِجَهالَةٍ» : يعنى عمل عمل الجهّال.
стр. 318
وذنب كل أحد يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلا وكرامة، وهذا وهن فى المكانة إذ لا وسيلة إليه إلا به.
قوله «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» : على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان المعاملة:
قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم:
قلت للنّفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٨]
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)
يعنى إذا كشف الغطاء وصارت المعارف ضروريه «١» أغلق باب التوبة فإن من شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبيا. ثم إن فى هذه الطريقة إذا عرف بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داوود- ﵇ فى آخر بكائه لما قال الله تعالى لم تبكى يا داوود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك «٢» وقبلت توبتك؟
فقال: إلهى، الوقت الذي كان بي ردّه إلىّ فقال: هيهات يا داوود، ذاك ودّ قد مصى!! وفى معناه أنشدوا:
فخلّ سبيل العين بعدك للبكا ... فليس لأيام الصفاء رجوع
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)
стр. 319
التلبيس على المستضعفين، والتدليس على أهل السلامة والوداعة من المسلمين- غير محمودين عند الله. فمن تعاط ذلك انتقم الله منه، ولم يبارك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه فى الله فأهون ما يعاقبه الله به أن يحرمه الوصول إلى ما يأمل من محبوبه.
وقوله: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» : أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحسن الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خجلتهن.
قوله: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ... » كل ما كان على نفسك أشقّ كانت عاقبته أهنأ وأمرأ.
واعلم أن الحقّ سبحانه لم يطلع أحدا على غيبه، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله- سبحانه- بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)
стр. 320
يعلمهم حسن العهد ونعت الكرم فى العشرة، فيقول لا تجمع الفرقة واسترداد المال عليها، فإن ذلك ترك الكرم فإن خوّلت واحدة مالا كثيرا ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يسير فى جنب ما أذقتها من الفراق.
قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ... : يعنى أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٢]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)
تشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حد الاحترام، فإن السّجيّة تتداخلها الأنفة من أن ينكح فراشه غيره، فنهى الأبناء عن تخطى حقوق الآباء فى استفراش منكوحة الأب.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)
стр. 321
تكلّف انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محال من الأمر لأن الشرع غير معلّل «١» ، بل الحق تعالى حرّم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ولا علّة للشرائع بحال، ولو كانت المحرّمات من هؤلاء محلّلات [محرمات] «٢» لكان ذلك سائغا.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
إذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه منه تبعة، فذلك مباح طلق.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
стр. 322
الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجدّ، والأخذ بالاحتياط والتضييق إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالآخذ فى الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أولى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجلّ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص «١» .
ثم قال فى آخر الآية: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» : يعنى على مقاساة ما فيه الشدة، وفى هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٢٦]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)
لما عرّف النبي- ﷺ وأمّته أخبار من مضى من الأمم، وما عملوا، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم فإن فيهم أيضا من ارتكب ما لا يجوز، فقالوا: ليت شعرنا بأيّ نوع يعاملنا ... أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا؟
فقال تعالى: «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» نعرّفكم ما الذي عملنا بهم.
стр. 323
«وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أمّا أنتم فأتوب عليكم، أمّا من تقدّم فلقد دمّرت عليهم.
ويقال «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» : أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفى على غيركم.
ويقال يريد الله ليبيّن لكم انفراده- سبحانه- بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس لأحد شىء.
«وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء.
وقيل «وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أي يتقبّل توبتكم بعد ما خلق توبتكم، ثم يثيبكم على ما خلق لكم من توبتكم «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين.
ومن أراد الله توبته فلا يشمت به عدوّا، ولا يناله فى الدارين سوء.
«وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ... » : إرادتهم منكوسة، وهى عند إرادة الحق- سبحانه- ضائعة مردودة.
ويُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ: يعنى ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات.
ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات.
ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم.
стр. 324
ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول.
«وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» : وصف بهذا فقرهم وضرّهم، و ( ... ) «١» بها عذرهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)
كل نفقة كانت لغير الله فهى أكل مال بالباطل.
ويقال القبض إذا كان على غفلة، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة «٢» ، فكل ذلك باطل، «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» : يعنى بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه.
ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها.
ويقال باستحسانكم شيئا منها بإيثارها دون رضاء الحق.
ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فإنّا لا نخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نكلها إلى صاحبها، ونلقى حبلها على غاربها.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣١]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)
الكبائر- على لسان العلم- هاهنا الشّرك بالله، وعلى بيان الإشارة أيضا الشّرك
стр. 325
الخفىّ. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم، والإغماض على حق الله بسببهم «١» .
ويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة «٢» الحد فهو بعيد عن التكفير.
ويقال أكبر الكبائر إثباتك نفسك فإذا شاهدت نفيها «٣» تخلّصت «٤» من أسر المحن. «وَنُدْخِلْكُمْ» فى أموركم «مُدْخَلًا كَرِيماً» إدخالا حسنا لا ترون منكم دخولكم ولا خروجكم وإنما ترون المصرّف لكم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٢]
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)
لسان المعاملة أن الأمر بالتعنى لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر بالحكم والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدّمكم فى قيامكم بحق الله، ولا تتعرضوا لنيل ما خصّوا به من فضل الله. قوموا بحقّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم.
ويقال لا تتمنوا «٥» مقام السادة دون أن تسلكوا سبلهم، وتلازموا سيرهم، وتعملوا عملهم.. فإن ذلك جور من الظن.
ويقال كن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة (وإلّا) «٦» أشركت فى توحيدك من حيث لم تشعر.
стр. 326
ويقال لا تتمنّ مقامات الرجال فإنّ لكل مقام أهلا عند الله، وهم معدودون فما لم يمت واحد منهم لا يورث مكانه غيره، قال تعالى: «جَعَلَكُمْ خَلائِفَ» والخليفة من يخلف من تقدّمه، فإذا تمنّيت مقام ولىّ من الأولياء فكأنّك استعجلت وفاته على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مسلّم.
ويقال خمودك تحت جريان حكمه- على ما سبق به اختياره- أحظى لك من تعرضك لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك فى منيتك.
ويقال من لم يؤدّب ظاهره بفنون المعاملات، ولم يهذّب باطنه بوجوه «١» المنازلات فلا ينبغى أن يتصدّى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك! «وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» : الفرق «٢» بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه:
يكون التمني للشىء مع غفلتك عن ربك فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحمله صدق الإرادة على التملّق والتضرع، والمتمنى يخلو عن هذه الجملة.
والآخر أن الله نهى عن تمنى ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك.
ويقال لا تتمنّ العطاء وسل الله أن يعطيك من فضله الرضا بفقد العطاء وذلك أتمّ من العطاء، فإنّ التّحرّر من رقّ الأشياء أتمّ من تملّكها.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٣]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
جعل المعاقدة فى ابتداء الإسلام نظيرة النّسب فى ثبوت الميراث بها فنسخ حكم الميراث
стр. 327
وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنّك بالمعاهدة مع الله؟.
قال الله تعالى: «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» وأنشدوا:
إنّ الألى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنيّة منهلا معسولا
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٤]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)
خصّ «١» الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم فالحمل على حسب القوة. والعبرة بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث.
قوله: «وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ» : أي ارتقوا فى تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإن صلح الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا بالضرب، فالآية تتضمن آداب العشرة.
ثم قال: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» : يعنى إن وقفت فى الحال عن سوء العشرة (........) «٢» ورجعت إلى الطاعة فلا تنتقم منها عمّا سلف، ولا تمتنع من قبول عذرها والتأبّى عليها.
يقال: «فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب «٣» من نقمتك.
стр. 328
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٥]
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
يقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأمّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله، فلا تكلّفها مالا يرزقك الله منها فإن القلوب بقدرة الله، يحبّب إليها من يشاء، ويبغّض إليها من يشاء.
ويقال «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» أي لا تنس وفاءها فى الماضي بنادر «١» جفاء يبدو فى الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٦]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)
قوله
[سورة النساء (٤) : آية ٣٧]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧)
: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر «٢» .
«وَلا تُشْرِكُوا» الشّرك مجليّه اعتقاد معبود سواه، وخفيّه: ملاحظة موجود سواه،
стр. 329
والتوحيد أن تعرف أنّ الحادثات كلّها حاصلة بالله، قائمة به فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذرة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع.
ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمّهم- كلّ ذلك من الشّرك الخفىّ.
قوله: «وَبِالْوالِدَيْنِ» الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أمرت أولا بحقوقهما لأنهما من جنسك ومنهما تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صلحت للصحبة والعشرة مع ذوى القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن فى طبقتهم- رقّيت عن ذلك إلى استيجاب صحبته- سبحانه.
قوله: «وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ... » الآية من جيرانك (....) «١» فلا تؤذهما بعصيانك، وراع حقهما بما تولى عليهما من إحسانك.
فإذا كان جار دارك مستوجبا للإحسان إليه ومراعاة حقه فجار نفسك- وهو قلبك- أولى بألا تضيّعه ولا تغفل عنه، ولا تمكّن حلول الخواطر الرديئة به.
وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك- وهو روحك- أولى أن تحامى على حقّها، ولا تمكّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك- وهو سرّك- أولى أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.
قوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوى التحقيق.
قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... الآية: البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار فى زمان الاضطرار. وأمر الناس بالبخل معناه منعهم عن مطالبات الحقائق فى معرض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فمن نصحه بأن يقول: «ربما لا تقوى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكديا، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كلّا على
стр. 330
المسلمين- ويروى له فى هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا....» فلولا بخله «١» المستكن فى قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه «٢» بدل أن يمنع عنه ما (يجب ان) يقول فى معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المستضعف بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة فى الشرع.
وقوله: «وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» : إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعا فى الزيادة على غير وجه الإذن.
ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريد شيئا عندهم فيه نجاته، وضنوا عليه بإرشاده.
ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخل الفقراء بمنع الهمة.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٨]
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨)
أدخل هؤلاء أيضا تحت قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً» فعقوبتهم فى العاجل أنهم ليسوا من جملة محبّيه، وكفى بذلك محنة.
والمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائى الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما مسوّمان بالشرك الخفىّ والله لا يحب المشركين. والفخور من الإبل كالمصراة من الغنم وهو الذي سدّت أخلافه ليجتمع فيها الدّرّ «٣» فيتوهم المشترى أن جميع ذلك معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا ورتبة وهو فى ذلك مدع وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائى الذي ينفق ماله رئاء الناس.
стр. 331
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٣٩]
وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٠]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠)
لا ينقص من ثوابهم شيئا بل يبتدئهم- من غير استحقاقهم- بفضله، ويضاعف أجورهم على أعمالهم فأمّا الظلم فمحال تقديره فى وصفه لأن الخلق خلقه، والملك ملكه.
والظالم من يعتدى حدا رسم له- وهو فى وصفه محال لعزّه فى جلال قدره.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
إذا كان الرسول- ﷺ الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما يبقى للشفاعة موضعها.
قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بخمار الذّل، وينقلبون إلى أوطان المحن «١» والضر.
стр. 332
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
النّهى عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة وأنتم بصفة السّكر، أي امتنعوا عن شرب ما يسكر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تقبل منكم صلاتكم.
والسّكر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تصحّ معه المناجاة مع الحق.
المصلّى يناجى ربّه فكلّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث الإشارة ولأجل هذه الجملة حصل، والسكر على أقسام:
فسكر من الخمر وسكر من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا.
وأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك فى الفرقة عنه، فإنّ من سكر من الخمر فقصاراه الحرقة- إن لم يغفر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة- فى الوقت- عن الحقيقة.
فأمّا السكر الذي يشير إليه القوم «١» فصاحبه محفوظ عليه وقته حتى يصلى والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبه فاختطفه عنه ومن لم يكن محفوظا) «٢» عليه أحكام الشرع (فمشوب بحظّ) «٣» .
стр. 333
وقوله تعالى: «وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ... » الآية: أذن للمضطر أن يترخّص فى عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائدا على قدر الضرورة فمعاتب غير معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت فى القيام بشرائط الوقت فمرفوعة عن صاحبه المطالبة به.
ثم إنه- سبحانه- بفضله جعل التيمم بدلا من الطهارة بالماء عند عوز الماء كذلك النزول إلى ساحات الفرق عن ارتقاء ذرة «١» الجمع- بقدر ما يحصل من الضعف- بدل لأهل الحقائق.
ثم إن التيمم- الذي هو بدل الماء- أعمّ وجودا من الماء، وأقلّ استعمالا من الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب.
ثم فى الظاهر أمرنا باستعمال التراب وفى الباطن باستشعار الخضوع واستدامة الذبول «٢» .
وردّ التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانة لرأسك عن التّراب ولقدمك فإنّ العزّ بالمؤمن- ومولاه باستحقاق الجلال- أولى من الذل لما هو مفلس فيه من الحال، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلّل فعرفانه بجلال سيّده يوجب كل تعزّز وتجمّل.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)
стр. 334
ومكروا مكرا ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أعطوا الكتاب ثم حرموا بركات الفهم حتى حرّفوا وأصرّوا.
قوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا ... الآية: تركوا حشمة الرسول- ﷺ ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك فى أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) «١» إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا فى نفى ما داخلهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأسعدوا به فى الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنّ من قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)
صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر فى رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعها «٢» ومنعها.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٤٨]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)
стр. 335
العوام طولبوا بترك الشرك الجلىّ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفىّ، فمن توسّل إليه بعمله ويظنه منه، أو توهّم أن أحكامه- سبحانه- معلولة بحركاته وسكناته، أو راعى خلقا أو لاحظ نفسا فوطنه الشرك عند أهل الحقائق «١» .
والله لا يغفر أن يشرك به وكذلك من توّهم أن مخالفته حصلت من غير تقديره فهو ملتحق بهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)
من ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له- فضلا عن العوام- فهو من زكّى نفسه، ورؤية النّفس أعظم حجاب، ومن توّهم أنه بتكلّفه يزكّى نفسه: بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته- فهو فى غطاء جهله.
قوله: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ ... الآية: الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق، والمفترى- فى قالته فى هذا الأمر- لا ينطق بشىء إلا أجبّته الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)
стр. 336
طاغوت كلّ أحد نفسه وهواه وجبته و (.....) «١» مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصا أو طالع سببا أو عرّج على علّة أو أطاع هوى، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن وهو الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤)
من جبل على الشّحّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفا على راحة ينالها الخلق، كأنّ من شرب قطرة ماء قد تحسّى بل رشف من ماء حياته! قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ... : بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسدا من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسنّة الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأب الكافرين جرى بالارتياب فى القدرة فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقما عنهم.
قوله: «وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» : الملك العظيم معرفة الملك، ويقال هو الملك على النّفس.
стр. 337
ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شىء.
ويقال الاطلاع على أسرار الخلق.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٥٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦)
الإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء يقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم فى وحشة الإنكار «١» كلّما لاح لقلوبهم شىء من هذه القصة «٢» جرّهم إنكارهم إلى ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٥٧]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
هم اليوم فى ظل الرعاية، وغدا فى ظل الحماية والكفاية، بل هم فى الدنيا والعقبى فى ظل العناية.
والناس فى هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو فى ظل رحمته، ومنهم من هو فى ظل رعايته، ومنهم من هو فى ظل كرامته، ومنهم من هو فى ظل عنايته، ومنهم من هو فى ظل قربته.
стр. 338
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)
ردّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال «١» الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا تفسد عليهم.
ويقال لله- أمانات وضعها عندك فردّ الأمانة إلى أهلها تسليمها إلى الله- سبحانه- سالمة من خيانتك فيها فالخيانة فى أمانة القلب ادعاؤك فيها، والخيانة فى أمانة السّرّ ملاحظتك إياها.
والحكم بين الناس بالعدل تسوية القريب والبعيد فى العطاء والبذل، وألا تحملك مخامرة حقد على انتقام لنفس.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٥٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
قرن طاعته بطاعة الرسول- ﷺ تفخيما لشأنه ورفعا لقدره.
وأمّا أولوا الأمر- فعلى لسان العلم- السلطان، وعلى بيان المعرفة العارف ذو الأمر على المستأنف، والشيخ أولو الأمر على المريد، وإمام كل طائفة ذو الأمر عليهم.
стр. 339
ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد) «١» للمريد.
قوله: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ» على لسان العلم- إلى الكتاب والسّنّة، وعلى بيان التوحيد فوّض ذلك ووكل علمه إلى الله سبحانه، وإذا اختلف الخاطران فى قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه، ومن كان صاحب قلب وكل ذلك إلى الحق- سبحانه- وراعى ما خوطب به فى سرائره، وألقى- بلا واسطة «٢» - فى قلبه.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)
أظهروا الإخلاص، ونافقوا فى السّر، ففضحهم- سبحانه- على لسان جبريل ﵇ بقوله: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» أي يرفضوه.
فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦١]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)
كل شىء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين، فأمّا التوحيد فلا يسمع كلمته إلا مخلص، وأهل الفترة فى الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق لأن خلاف الهوى يشقّ على غير الصديقين. وكما أن ناظر الخلق «٣» لا يقوى على مقابلة الشمس فكذلك
стр. 340
المنافقون لم يطيقوا الثبات له- ﷺ فلذلك كان صدودهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦٢]
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢)
تضرّع غير المخلص عند هجوم الضّر «١» لا أصل له، فلا ينبغى أن يكون به اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل من التقصير) «٢» .
ويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدى عليك «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦٣]
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
أبسط لهم لسان الوعظ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انقبض بقلبك عن المبالاة بهم والسكون إليهم، واعلم «٤» أن من لا نكون نحن له لا يغنى عنه أن تعينه «٥» شيئا.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦٤]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)
ما أمرنا الرسل إلّا بدعوة الخلق إلينا.
стр. 341
وقوله: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ» . لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة المبار.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٦٥]
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
سدّ الطريق- إلى نفسه- على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد ﷺ ، فمن لم يمش تحت رايته فليس له من الله نفس.
ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك.
قوله: «ثُمَّ لا يَجِدُوا ... » : فلا بدّ لك من ( ... ) «١» تلك المهالك بوجه ضاحك، كما قال بعضهم:
وحبيب إن لم يكن منصفا كنت منصفا ... أتحسّى له الأمرّ وأسقيه ماصفا
إن يقل لى انشقّ ... اخترت رضا لا تكلّفا
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
أخبر عن سقم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.
خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدّوا نطاق الطاعة
стр. 342
لكان ذلك خيرا لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثوابا عظيما، ولأرشدناهم صراطا مستقيما ولأوليناهم عطاء مقيما.
والأمر- على بيان الإشارة- يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تقبّل النّفس) «١» ، ومفارقة أوطان (إرادة) «٢» الدنيا.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
جعل طاعة المصطفى- ﷺ مفتاح الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصحّ للأمة وكفى له ﵇ بذلك شرفا.
ثم قال: «ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ» : جرّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب فإن ما لاح لهم وأصابهم صرف فضله وابتداء كرمه.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) .
стр. 343
الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق فى الفرار إلى الله. والفرار من كل غير شأن كل موحّد.
قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ... الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصف واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ فإذا رأوا مكروها يظلّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد الله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا فى الدنيا والآخرة: فهم لا كافر قبيح ولا مؤمن مخلص.
قوله: «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» : يعنى طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.
قوله جلّ ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٤]
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)
من لم يقتل نفسه فى نفسه لا يصحّ جهاده بنفسه فأولا (إخراج خطر الروح) «١» من القلب ثم تسليم النفس للقتل.
وقوله «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» يعنى بقاؤنا بعده خير له من حياته بنفسه لنفسه، قال قائلهم:
ألست لى عوضا منى؟ كفى شرفا ... فما وراءك لى قصد ومطلوب
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٥]
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) .
стр. 344
أي شىء يمنعكم عن القتال فى سبيل الله؟ وما الذي لا يرغّبكم فى بذل المهجة «١» لله؟
وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم فى الله ولله؟ أتخافون أن تخسروا على الله؟ أم لا تعلمون أنكم تحشرون إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم فى الله؟
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٦]
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
المخلصون لله لا يؤثرون شيئا على الله، ولا يضنون بشىء عن الله، فهم أبدا على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قوّاهم وشجّعهم بقوله:
«فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ» أي لا تضمروا لهم مخافة، فإنى متوليكم وكافيكم على أعدائكم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)
أخرجوا أيديكم عن أموركم، وكلوها إلى معبودكم.
ويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه.
ويقال امتنعوا عن الشهوات.
ويقال «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» إلا عن رفعها إلى الله فى السؤال بوصف الابتهال.
стр. 345
فلمّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية فى ترك الاستثقال، ونفى الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال.
قوله جل ذكره: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
مكنّك من الدنيا ثم قال: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ» ، فلم يعدّها شيئا لك ثم لو تصدّقت منها بشقّ تمرة لتخلّصت من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم.
واستقلال الكثير من نفسك- لأجل حبيبك- أقوى أمارات صحبتك.
ويقال لما زهّدهم فى الدنيا قلّلها فى أعينهم ليهون (عليها «١» ) تركها.
ويقال قل متاع الدنيا بجملتها قليل، والذي هو نصيبك منها أقلّ من القليل، فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل) «٢» ، لو سلم عهدك من التبديل؟
وإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخسّ من الخسيس من رضى بالخسيس بدلا عن النفيس.
وقد اختلع المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولا: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ» (فأحفظهم) «٣» عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله: «وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٨]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) .
стр. 346
الموت فرح للمؤمن، فالخبر عن قربه بشارة له، لأنه سبب يوصله إلى الحق، ومن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه.
ويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعا خير من أن يحمل كرها.
ثم أخبر أنهم- لضعف بصائرهم ومرض عقائدهم- إذا أصابتهم حسنة فرحوا بها، وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرق المجوسىّ «١» فأضافوه «٢» إلى المخلوق، فردّ عليهم وقال: قل لهم يا محمد كلّ من عند الله خلقا وإبداعا، وإنشاء واختراعا، وتقديرا وتيسيرا.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٧٩]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
ما أصابك من حسنة فمن الله فضلا، وما أصابك من سيئة فمن نفسك كسبا وكلاهما من الله سبحانه خلقا «٣» قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٠]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠)
هذه الآية تشير إلى الجمع لحال الرسول- ﷺ ، فقال سبحانه طاعته طاعتنا، فمن تقرّب منه تقرّب منا، ومقبوله مقبولنا، ومردوده مردودنا.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨١]
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
стр. 347
يعنى إذا حضروك «١» استسلموا فى مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا:
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذى الضنى عاد إلى نكسة
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
تدبر إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراج جواهر المعاني بدقائق الاستنباط.
قوله: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ ... : لمّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرّ بعضهم لبعض. فأمّا المؤمنون فعالم أسرارهم مولاهم، وما يسنح لهم خاطبوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السّر لمخلوق فسامع نجواهم الله، وعالم خطابهم الله.
قوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ... » أي لو بثّوا «٢»
стр. 348
أسرارهم عند من هو (....) «١» ومن هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد «٢» .
«وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ» مع أوليائه لهاموا فى كل واد من التفرقة كأشكالهم فى الوقت.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
استقم معنا بتسليم الكلّ منك إلى أمرنا فإنّك- كما لا يقارنك أحد فى رتبتك لعلوّك على الكل- فنحن لا نكلّف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نحمّل غيرك ما تحملت لانفرادك عن أشكالك فى القدوة «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٥]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)
الشفيع يخلّص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيع- من الله سبحانه على شفاعته- عظيم الرتبة، ومن سعى فى أمرنا بالفساد تحمّل الوزر واحتقب الإثم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٦]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)
стр. 349
تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة. وإن من حمّلك فضلا صار ذلك- فى ذمتك- له قرضا، فإمّا زدت على فعله وإلّا فلا تنقص عن مثله.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٧]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
هذا الخطاب يتضمن نفيا وإثباتا فالنفى يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٨٨]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)
(....) «١» العهد فيهم أنهم أعدائى، لا ينالون منّى فى الدنيا والعقبى رضائى، وإنكم لا تنقذون بهممكم من أقمته بقسمتي «٢» فإن المدار على القسم دون (....) «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)
стр. 350
الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! ومادام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا وموافق لك فى قصدك خير لك من مخالف على الكره تعاشره.
قوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ ... الإشارة من هذه الآية أن عند الاعذار أذن فى معاشرة فى الظاهر «١» رفقا بالمستضعفين.
«فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ... » الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين فى أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلّموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم «٢» وإلا فسلّموا لهم أحوالهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٩١]
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
стр. 351
إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيه، ولم يرتفع عزمه، فكما لا يكون شخص واحد منافقا ومسلما لا يكون شخص واحد مريدا للحق ومقيما على أحكام أهل العادة. فإن الإرادة والعادة ضدان «١» ، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة الأجانب.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٢]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)
خفف أمر الخطأ على فاعله حتى حمّل موجب قتل الخطأ على العاقلة فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ عاقلة الفقراء فسبيلهم أن يحملوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٣]
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
كما يحرّم قتل غيرك عليك يحرّم قتل نفسك عليك، ومن اتّبع هواه سعى فى دم نفسه، ومن لم ينصح مريدا بحسن وعظه ولم يعنه بهمته فقد سعى فى دمه، وهو مأخوذ بحاله
стр. 352
وخليق «١» بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من أحواله: ولقد قال- سبحانه-: يا داود إذا رأيت لى طالبا فكن له (خادما) «٢» قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
«٣» عاشروا الناس على ما يظهرون من أحوالهم، ولا تتفرّسوا فيهم بالبطلان فإنّ متولّى الأسرار الله «٤» . هذا إذا كان غرض فاسد يحملكم عليه من أحكام النّفس، فأمّا من كان نظره بالله ولم ينستر عليه شىء فليحفظ سرّ الله فيما كوشف به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
стр. 353
الحقّ سبحانه جمع جميع أوليائه فى أفضاله لكنه غابر بينهم فى الدرجات، فمن غنيّ ومن عبد هو أغنى منه «١» ، ومن كبير ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب درّية ولكن القمر فوقها، وإذا طلعت الشمس بهرت الجميع بنورها! قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ٩٧]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)
الإشارة منه إلى من أدركه الأجل وهو فى أسر نفسه وفى رقّ شهواته- ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظلّ قربته ليتخلّص من هوى نفسه «٢» إذ لا حجاب بينك وبين هذا الحديث إلا هواك.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ٩٨ الى ٩٩]
إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩)
الإشارة منه إلى الذين ملكتهم المعاني فأفنتهم عنهم، فبقوا مصرّفين له، لا لهم حول ولا قوة، يبدو عليهم ما يجريه- سبحانه- عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محو عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلا، ولا يتنفّسون لغيره نفسا.
стр. 354
ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضّل الحقّ- سبحانه- عليهم بالعفو.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٠]
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
من هاجر فى الله عما سوى الله، وصحح قصده إلى الله وجد فسحة فى عفوة الكرم، ومقيلا فى ذرى القبول، وحياة وسعة فى كنف القرب.
والمهاجر- فى الحقيقة- من هجر نفسه وهواه، ولا يصحّ ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته، ومن قصده ثم أدركه الأجل قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محطّ روحه إلا أوطان قربه.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠١]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)
القصر فى الصلاة سنّة فى السفر، وكان فى ابتداء الشرع عند الخوف «١» ، فأقرّ ذلك مع زوال الخوف رفقا بالعباد، فلما دخل الفرض القصر لأجل السفر عوضوا بإباحة النّفل فى السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال، فكذلك الماشي ليعلم أنّ الإذن
стр. 355
فى المناجاة مستديم فى كل وقت فإن أردت الدخول فمتى شئت، وإن أردت التباعد مترخصا فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سنّة الوفاء، وتحقق معنى الولاء.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٢]
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢)
تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد مادام فيه نفس من الاختيار لا فى الخوف ولا فى الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحقيقة إذا كنت بعين الجمع:
قوله جلّ ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٠٣]
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
الوظائف الظاهرة موقته «١» ، وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع أمّا بالرسوم