يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات.
فمن ركب محظورا بظاهره حرم «١» ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة فى سرائره.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٢]
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
الراسخ فى العلم هو ألا يكون فى الدليل مقلّدا، كما لا يكون فى الحكم مقلدا، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهى إلى حد لا يكون للشكّ فى عقله مساغ.
ويقال الراسخ فى العلم من يرتقى عن حد تأمل البرهان «٢» ويصل إلى حقائق البيان.
ويقال الراسخ فى العلم أن يكون بعلمه عاملا حتى يفيد عمله علم ما خفى على غيره، ففى الخبر:
«من عمل بما علمه ورّثه الله علم ما لم يعلم» «٣» .
وخصّ «الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» فى الإعراب فنصب اللفظ بإضمار أعنى على المدح لما للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان فى أكثر المواضع فى القرآن، ولأن الله
стр. 387
- سبحانه- أمر الرسول ﷺ (بها) «١» ليلة المعراج بغير واسطة جبريل ﵇ ... وغير هذا من الوجوه.
قوله تعالى «أَجْراً عَظِيماً» : الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق بالعمل.
قال جلّ ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٣]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)
إفراد النبي ﷺ من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص والفضيلة فأفرد نوحا على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا ﵇ على ما استحقه هو، فاشتركا فى الإفراد لكنهما تباينا فى الفضيلة على حسب المقام، فتفرّد واحد من بين أشكاله بغير فضائل، وتفرّد آخر من بين أضرابه «٢» بألف فضيلة.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٤]
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤)
سنّة الله فى أوليائه ستر قوم، وشهر قوم، وبذلك جرت سنّته أيضا فى الأنبياء- ﵈ أظهر أسماء قوم وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب بجميع الأنبياء جملة وتفصيلا، كما أن الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلا، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضا وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها لهم- طالبهم بالإخلاص فيها، وما سترها
стр. 388
عليهم- فلأنه غار «١» على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلا لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها.
«وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» : إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٥]
رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥)
وقف الخلق عند مقاديرهم وبيّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلق سبيل إلى راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما فى الحال أو فى المآل.
قوله جل ذكره: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.
أنّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حجّة؟! ولكنّ الله خاطبهم على حسب عقولهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٦]
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
سلّاه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال: «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٧ الى ١٦٩]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) .
стр. 389
جعل صدّهم المؤمنين (من) «١» اتباع الحقّ نظير كفرهم بالله، والله تعالى عظّم حقوق أوليائه كتعظيم حقّ نفسه، ثم قال: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا» جعل ظلمهم سبيل كفرهم، فعلّق استحقاق العقوبة المؤبّدة عليها جميعا. والظلم- وإن لم يكن كالكفر فى استحقاق وعيد الأبد- فلشؤم الظلم لا يبعد أن يخذله الله حتى يوافى ربّه على الكفر.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٠]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
«يا أَهْلَ الْكِتابِ» : أخبر أنه سبحانه غنى عنهم، فإن آمنوا فحظوظ أنفسهم اكتسبوها وإن كفروا «٢» فبلاياهم لأنفسهم اجتلبوها. والحقّ- تعالى- منزّه الوصف عن (الجهل) «٣» لوفاق أحد، والنقص لخلاف أحد.
قوله: «وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يعنى إن خرجوا عن استعمال العبودية- فعلا، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده- خلقا، قال تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» «٤» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧١]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١)
стр. 390
غلوّهم فى دينهم جريهم على مقتضى حسبانهم حيث وصفوا- بمشابهة الخلق- معبودهم، ثم مناقضتهم حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد «١» ، والتمادي فى الباطل لا يزيد غير الباطل.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٢]
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢)
كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شرفه، وكيف يستكبر عن التذلّل وفى استكباره تلفه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إنى عبد الله، وتجمّل العبيد فى التذلل للسّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة» .
وقوله: َ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»
لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بنى آدم.
стр. 391
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٣]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
العذاب الأليم ألا يصلوا إليه «١» أبدا بعد ما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفهم ضرورية «٢» فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا «٣» ، فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشدّ عقوبة لهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)
البرهان مالاح فى سرائرهم من شواهد الحق.
قوله جل ذكره: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً.
وهو خطابه الذي فى تأملهم معانيه حصول استبصارهم.
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٥]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
«٤» «سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ» : والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم فى المآل «٥» عند التوفى، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان فى الحال.
قوله جل ذكره: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً.
стр. 392
هذه الهداية هى إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله لهم فضل لا لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وكدّهم «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة النساء (٤) : آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
قطع الخصومة بينهم فى قسمة «٢» الميراث فيما أظهر لهم من النصّ على الحكم، فإن المال محبّب إلى الإنسان، وجبلت النفوس على الشحّ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق (لقابلة الأشباه) «٣» فى الاجتهاد، فكان يؤدى ذلك إلى التجاذب والتواثب فحسم تلك الجملة بما نصّ على المقادير فى الميراث قطعا للخصام. ولتوريثه للنسوان- وإن لم يوجد منهن الذبّ عن العشيرة- دلالة على النظر لضعفهن. وفى تفضيل الذكور عليهن لما عليهم من حمل «٤» المؤن وكذا السعى فى تحصيل المال، والقيام عليهن.
стр. 393
السورة التي تذكر فيها المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم سماع اسم الله يوجب الهيبة، (والهيبة) «١» تتضمن الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم يوجب الحضور والأوبة، والحضور يتضمن البقاء والقربة.
فمن أسمعه «بِسْمِ اللَّهِ» أدهشه فى كشف جلاله، ومن أسمعه «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» عيّشه بلطف أفضاله.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)
«يا» حرف نداء، و «أي» اسم منادى، «ها» تنبيه، و «الَّذِينَ آمَنُوا» صلة المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسمّاهم قبل أن براهم، وأهّلهم فى آزاله لما أوصلهم إليه فى آباده.
شرّفهم بقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ، وكلّفهم بقوله «أَوْفُوا» ، ولما علم أن التكليف يوجب المشقة قدّم التشريف بالثناء على التكليف الموجب للعناء.
ويقال الإيمان صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل المجهود.
فبذل المجهود خدمتك، وعين الجود قسمته فبخدمتك عناء الأشباح، وبقسمته ضياء الأرواح.
وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب.
ويقال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» : يا من دخلوا فى إيمانى، ما وصلتم إلى أمانى إلا بسابق إحسانى.
ويقال يا من فتحت بصيرتهم لشهود حقى حتى لا يكونوا كمن أعرضت عنهم من خلقى.
стр. 394
قوله جل ذكره: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
كلّ مكلّف مطالب بالوفاء بعقده، والعقد ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفّقك- بعد ما أظهرك عند خطابه- بجوابه «١» ، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول بالجواب.
ويدخل فى ذلك- بل يلتحق به- ما عقد القلب معه سرّا بسرّ من خلوص له أضمره، أو شىء تبيّنه، أو معنى كوشف به أو طولب به فقبله.
ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرّى من المنّة، والتحقق بتولي الحق- سبحانه- بلطائف المنّة «٢» .
قوله جل ذكره: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جرم سبق منها، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها- دليل على ألّا علّة لصنعه.
وحرّم الصيد على المحرم خصوصا لأن المحرم متجرّد عن نصيب نفسه بقصده إليه، فالأليق بصفاته كفّ الأذى عن كل حيوان.
قوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
لا حجر عليه فى أفعاله، فيخصّ من يشاء بالنّعماء، ويفرد من يشاء باليلوى فهو يمضى الأمور فى آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى فى آزاله.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
الشعائر معالم الدّين وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال الشعائر (يكون) بالإخلال بالأوامر.
قوله جل ذكره: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ.
стр. 395
تعظيم المكان الذي عظّمه الله، وإكرام الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف الإعلام على ما أمر به الله- هو المطلوب من العبيد أمرا، والمحبوب منه حالا.
قوله جل ذكره: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً.
وبالحرىّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربّ البيت.
والابتغاء للفضل والرضوان بتوقّى موجبات السخط، ومجانبة العصيان.
قوله جل ذكره: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا.
وإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأمّا ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا.
قوله «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ... » أي لا يحملكم بغض قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدّ الإذن فى الانتقام، أي كونوا قائمين بنا، متجردين عن كل نصيب وحظّ لكم.
قوله جل ذكره: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى.
البرّ فعل ما أمرت به، والتقوى ترك ما زجرت عنه.
ويقال البرّ إيثار حقه- سبحانه، والتقوى ترك حظّك.
ويقال البرّ موافقة الشرع، والتقوى مخالفة النّفس.
ويقال المعاونة على البرّ بحسن النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدى الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ، وبليغ الزجر، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم.
والمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئا مما يقتدى بك لا يرضاه الدّين، فيكون قولك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سنّة تظهرها و (عليك) نبوّ وزرها. وكذلك المعاونة
стр. 396
على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخصال على الوجه الذي يقتدى بك فيه.
قوله جل ذكره: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.
العقوبة ما تعقب الجرم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المعاقب عن شهود المعاقب فإنّ تجرّع كاسات البلاء بشهود المبلى أحلى من العسل والشهد.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
وأكل الميتة أن تتناول من عرض أخيك على وجه الغيبة «١» ، وليس ذلك مما فيه رخصة بحال لا بالاضطرار ولا بالاختيار، وغير هذا من الميتة مباح فى حال الضرورة.
ويقال كما أنّ فى الحيوان ما يكون المزكى منه مباحا والميتة منه حراما فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطهّر نفسه- مباح قربه، حلال صحبته. ومن ماتت نفسه فى ظلمة غفلته حتى لا إحساس له بالأمور الدينية فخبيثة نفسه، محظور قربه، حرام معاشرته، غير مباركة صحبته.
وإنّ السلف سموا الدنيا خنزيرة، ورأوا أنّ ما يلهى قربه، وينسى المعبود ركونه، ويحمل على العصيان جنوحه- فهو محرّم على القلوب ففى طريقة القوم حبّ الدنيا حرام على القلوب، وإن كان إمساك بعضها حلالا على الأبدان والنفوس.
قوله جل ذكره: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ.
كما أنّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيّب فمن بذل روحه فيه وجد روحه منه، ومن تهارشته كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأسرته مطالب الأغراض والأعراض- فحرام ماله على أهل الحقائق فى مذهب التعزز، فللشريعة الظرف والتقدير.
وأمّا المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك فى حبال المنى والرغائب، وأخذه خناق
стр. 397
الطمع، وخنقته سلاسل (الحرص) «١» فحرام على السالكين سلوك خطتهم، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم.
وأمّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جبلت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهى التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرام على أهل هذه القصة.
والإشارة من المتردية إلى من هلك فى أودية التفرقة، وعمى عن استبصار رشد الحقيقة فهو يهيم فى مفاوز الظنون، وينهك فى متاهات المنى.
والإشارة من النطيحة إلى من صارع الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من:
قوله جلّ ذكره: وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ.
وأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأكلة الجيف الكلاب ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله لأن زاد المؤمن من الدنيا: ما كان لله فهو محمود، وما كان للنّفس فهو مذموم.
قوله جل ذكره: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ.
فهو ما أرصد لغير الله، ومقصود كلّ حريص- بموجب شرعه- معبوده من حيث هواه قال الله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» يعنى اتخذ هواه إلهه.
«وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ» ، الإشارة منه إلى كل معاملة ومصاحبة بنيت على استجلاب الحظوظ الدنيوية- لا على وجه الإذن- إذ القمار ذلك معناه. وقلّت المعاملات المجرّدة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت.
قوله جل ذكره: ذلِكُمْ فِسْقٌ.
أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدّين.
стр. 398
قوله جل ذكره: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.
أي بعد ما أزحتم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن، فلا تلاحظوا سواى، ولا يظلّلن قلوبكم إشفاق من غيرى.
ويقال إذا كانت البصائر متحققة بأن النّفع والضر، والخير والشر لا تحصل شظية منها إلا بقدرة الحق- سبحانه، فمن المحال أن تنطوى- من مخلوق- على رغب أو رهب.
قوله جل ذكره: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
إكماله الدين- وقد أضافه إلى نفسه- صونه العقيدة عن النقصان وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أمّلها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا النظر موضعه من غير تقصير، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور.
ويقال إكمال الدّين تحقيق القبول فى المآل، كما أن ابتداء الدّين توفيق الحصول فى الحال فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول.
ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شىء يعلمه الحق- سبحانه- من أوصافه وقد علّمك.
ويقال إكمال الدين أن ما تقاصر عنه عقلك من تعيين صفاته- على التفصيل- أكرمك بأن عرّفك ذلك من جهة الإخبار.
وإنما أراد بذكر «الْيَوْمَ» وقت نزول الآية. وتقييد الوقت فى الخطاب بقوله «الْيَوْمَ» لا يعود إلى عين إكمال الدّين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت.
والدّين موهوب ومطلوب فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوب ما سبق منه حصوله.
قوله جل ذكره: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.
النعمة- على الحقيقة- ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه، والنعمة المذكورة
стр. 399
هاهنا نعمة الدّين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة المسلمين، ولا شك فى مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعترى فى الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟
قوله جل ذكره: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.
وذلك لما قسم للخلق أديانهم فخصّ قوما باليهودية، وقوما بالنصرانية، إلى غير ذلك من النّحل والملل، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران.
وقدّم قوم الإكمال على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وصف به النعمة لقبول النّعم للزيادة، ولا رتبة بعد الكمال فلذلك وصف به الدين.
ويقال لا فرق بين الدّين والنعمة المذكورة هاهنا، وإنما ذكر بلفظين على جهة التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: «نِعْمَتِي» وإلى العبد فقال: «دِينِكُمْ» . فوجه إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخلق. فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء «١» ، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاع فى السّرّ.
قوله جل ذكره: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالك فترة، أو لمريد فى السلوك وقفة، ثم تنبّه لعظيم واقعه فبادر إلى جميع الرّجعة باستشعار التحسّر على ما جرى تداركته الرحمة، ونظر الله- سبحانه- إليه بقبول الرجعة.
والإشارة من قوله «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» أي غير معرّج على الفترة، ولا مستديم لعقدة الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رخص العلم لضعف وجده فى الحال فربما تجرى معه مساهلة إذا لم يفسخ عقد الإرادة.
стр. 400
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤]
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤)
لما علموا أن الحسن من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرّفوا ذلك من تفصيل الشرع، فقال: «يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ» ثم قال:
«قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبة القلوب فإنّ أكل الحرام يوجب قسوة القلب، والوحشة مقرونة بقسوة القلب، وضياء القلوب وطيب الأوقات متصل بصون الخلق عن تناول الحرام والشبهات.
وقوله: «وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ» : ولمّا كان الكلب المعلّم ترك حظّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق فى ذلك حكم خساسته فكذلك من كانت أعماله وأحواله لله- سبحانه- مختصة، ولا يشوبها حظّ تجلّ رتبته وتعلو حالته.
ويقال حسن الأدب يلحق الأخسّة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يردّ الأعزّة إلى حالة الأصاغر.
ثم قال: «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» : بيّن أنّ الأكل- على الغفلة- غير مرضىّ عنه (فى القيمة) «١» «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» بحيث لا يشغله شأن عن شأن، وسريع الحساب- اليوم- مع الأحباب والأولياء، فهم لا يسامحون فى (الخطوة) «٢» ولا فى اللحظة، معجّل حسابهم، مضاعف- فى الوقت- ثوابهم وعقابهم.
стр. 401
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٥]
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
ليس الطّيّب ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق- سبحانه- فتوجد عند ذلك راحة القلوب.
«وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» : القدر الذي بيننا وبينهم من الوفاق فى إثبات الربوبية لم يعر من أثر فى القربة فقال الله تعالى: «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى» «١» وكذلك الأمر فى المحصنات من نسائهم. وأحل الطعام والذبيحة بيننا وبينهم من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج بنسائهم يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
ثم قال «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» يعنى إنهم وإن كانوا كفارا فلا تجب صحبتهن بغير نكاح تعظيما «٢» لأمر السّفاح، وتنبيها على وجوب مراعاة الأمر من الحق. وكذلك «وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ» لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
стр. 402
كما أنّ فى الشريعة لا تصحّ الصلاة بغير الطهور فلا تصحّ- فى الحقيقة- بغير طهور.
وكما أن للظاهر طهارة فللسرائر أيضا طهارة، وطهارة الأبدان بماء السماء أي المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل.
وكما يجب غسل الوجه عند القيام إلى الصلاة يجب- فى بيان الإشارة- صيانة الوجه عن التبذّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض.
وكما يجب غسل اليدين فى اليدين فى الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة.
وكما يجب مسح الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد.
وكما يجب غسل الرجلين فى الطهارة يجب صونهما فى الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز قوله جل ذكره: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ.
كما يقتضى غسل جميع البدن فى الطهارة، كذلك فى الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء وذلك عند ما تقع للمريد فترة فيقوم بتجديد عقد، وتأكيد عهد، والتزام عزامة، وتسليم وقت، واستدامة ندامة، واستشعار خجل.
وكما أنه إذا لم يجد المتطهر الماء ففرضه التّيمم فكذلك إذا لم يجد المريد من يفيض عليه صوب همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يئوب به من زيادة حالته- اشتغل بما تيسّر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سيرهم، وما ورد من حكاياتهم
стр. 403
وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف.
قوله جل ذكره: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ.
وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فليحطط رجله بساحات العبادة، فإذا عدم اللطائف فى سرائره فليستدم الوظائف على ظاهره، وإذا لم يتحقّق بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم يتحرج عن تركه الفضيلة فلا يدنس تصرفه بالحرام والشبهة.
قوله جل ذكره: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ.
أي يطهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويطهر قلوبكم عن الغفلة برحمته.
ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع فى شباك الأشغال.
ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنّس المقادير بالأعلال.
قوله جل ذكره: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
إتمام النعمة على قوم بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم، وشتّان بين قوم وقوم!.
ويقال إتمام النعمة فى وفاء العاقبة فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تمّت سعادته، وصفت نعمته.
ويقال إتمام النعمة فى شهود المنعم فإنّ وجود النعمة لكل أحد ولكنّ إتمامها فى شهود المنعم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٧]
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
الإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمت أنه من هو.
ويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القسم وهم فى كتم العدم، فلا للأغيار عنهم خبر،
стр. 404
ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد (سماهم) «١» بالإيمان، وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرّفهم التوحيد قبل أن كلّفهم الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذّرهم الخيانة، فقابلوا قوله بالتصديق، ووعدوا من أنفسهم الوفاء بشرط التحقيق، فأمدّهم بحسن التوفيق، وثبّتهم على الطريق، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: «إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا» .
ثم قال: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» : يعنى فى نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عمّا قدمتم من العهود، «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ونيات صدوركم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨)
لا يعوّقنّكم حصول نصيب لكم فى شىء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجّب عليكم من حقنا.
ويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمح عنه نواجم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق ولم يف لواجباته بشرط.
قوله جل ذكره: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
أي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنّ مرتع الظلم وبيء، ومواضع الزيغ مهلكة.
ثم صرّح بالأمر بالعدل فقال: «اعْدِلُوا» ولا تكون حقيقة العدل إلا (بالعدول) «٢» عن كل حظ ونصيب.
стр. 405
والعدل أقرب إلى التقوى، والجور أقرب من الرّدى، ويوقع عن قريب فى عظيم البلوى.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٩]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)
والمغفرة لا تكون إلا للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم المغفرة ليعلم أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها، بخلاف ما توهّم من قال إن المعاصي تحبط الطاعات.
ويقال بيّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عفوه وغفرانه، ولولا ذلك لهلك، خلافا لمن قال إنه لا يجوز أن يعذّب البريء ويجب أن يثيب المحسنين «١» .
ويقال لو كان ثواب المحسنين واجبا، وعقوبة البريء غير حسنة لكان التجاوز عنه واجبا عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)
لهم عقوبتان: معجلة وهى الفراق، ومؤجلة وهى الاحتراق.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
يذكّرهم ما سلف لهم من نعم الدفع «٢» وهو ما قصر عنهم أيدى الأعداء، وذلك من أمارات
стр. 406
العناية. ولقد بالغ فى الإحسان إليك من كان يظهر لك الغيب من غير التماس أو سبق شفاعة فيك، أو رجاء نفع من المستأنف «١» منك، أو حصول ربح فى الحال عليك، أو وجود حق فى المستأنف لك.
ثم قال: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» يعنى كما أحسنت إليكم فى السالف من غير استحقاق فانتظروا جميل إحسانى فى (الغابر) «٢» من غير (استيجاب) «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٢]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢)
يذكرهم حسن أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) «٤» فى مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم.
وعرف المؤمنين- تحذيرا لهم- ألا ينزلوا منزلتهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه من عقوبتهم.
قوله جل ذكره: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ.
أي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمرى فى العاجل لأجلّن قدركم فى الآجل.
وإقامة الصلاة أن تشهد من تعبده، ولذا قال النبي ﷺ : «اعبد الله كأنّك تراه» .
ويقال إقامة الصلاة شرطها أن تقبل على من تناجيه بأن تستقبل القطر الذي الكعبة فيه.
وأمّا إيتاء الزكاة فحقّه أن تكسب المال من وجهه، وتصرفه فى حقه، ولا تمنع الحق
стр. 407
الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تحوج الفقير إلى طلبه فإنّ الواجب عليك أن توصل ذلك إلى مستحقه.
وتعزير «١» الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال، وإيثارهم عليك فى جميع الأحوال.
قوله جل ذكره: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.
الأغنياء ينفقون أموالهم فى سبيل الله، والفقراء يبدلون مهجتهم وأرواحهم فى طلب الله، (فأولئك) «٢» عن مائتى درهم يخرجون خمسة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نفسا ولا ذرّة.
قوله جل ذكره: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن (العاصي) «٣» فيمحو من ديوانه، وينسى الحفظة سوالف عصيانه. وينفى عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه فى العرصة على ما قدّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال: «وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» ، كما قيل:
ولما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفّه وازدادوا
قوله جل ذكره: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
فمن جحد هذه الأيادى بعد اتضاحها فقد عدل عن نهج أهل الوفاء، وحاد عن سنن أصحاب الولاء.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٣]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
جعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة فى العصيان.
стр. 408
قوله جل ذكره: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.
وتحريفهم الكلم عن مواضعه نوع عصيان منهم، وإنما حرّفوا لقساوة قلوبهم. وقسوة القلب عقوبة لهم من قبل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد أعظم وزر يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يعاقب بها العبد، وقسوة القلب عدم التوجع مما يمتحن به من الصدّ، وعن قريب يمتحن بمحنة الرد بعد الصدّ «١» ، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد.
ويقال قسوة القلب أولها فقد الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع عن هذه الجملة فهو تمام الشقوة.
ومن تحريف الكلم- على بيان الإشارة- حمل الكلم على وجوه من التأويل مما تسوّل لصاحبه نفسه، ولا تشهد له دلائل العلم ولا أصله «٢» .
قوله جل ذكره: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
أوّل آفاتهم نسيانهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان، والنسيان حاصل من الخذلان.
قوله جل ذكره: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
الخيانة أمرها شديد وهى من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوّد اتباع الشهوات، وأشرب فى قلبه حبّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخلق إلى آخر عمره، اللهم إلا أن يجود الحقّ- سبحانه- عليه بجميل اللطف.
قوله جل ذكره: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحد أهلا للعقاب. وللصفح
стр. 409
على العفو مزية وهى أن فى العفو رفع الجناح، وفى الصفح إخراج ذكر الإثارة من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه- بعد التجاوز- بعين الاستحقار والازدراء فهو صاحب الصفح.
والإحسان تعميم- للجمهور- بإسداء الفضل.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٤]
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
الإشارة فى هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: «قالُوا إِنَّا نَصارى» .
وسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرّفوا وبدّلوا، وأما المسلمون فقال: «هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» «١» .
كما قال: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» «٢» فلا جرم ألا يسموا بالتناصر. ولمّا سمّاهم الحقّ بالإسلام ورضى لهم به صانهم عن التبديل فعصموا.
ولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال ﷺ :
«المؤمنون كنفس واحدة» «٣» ، وقال تعالى فى صفة أهل الجنة: «إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «٤» .
стр. 410
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)
وصف الرسول- ﷺ بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه إذ لولا صدقه لما عرف ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات خلقه إذ لولا خلقه لما فعل ذلك فإظهار ما أبداه دليل علمه، والعفو عما أخفى برهان حلمه.
قوله جل ذكره: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغنى عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سرّه شواهد الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٧]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)
من اشتملت عليه أرحام الطوامث متى يفارقه نقص الخلقة؟
ومن لاحت عليه شواهد التغيّر أنّى يليق به نعت الربوبية؟
стр. 411
ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد فأى نقص يعود إلى الصمد؟
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٨]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)
البنوة «١» تقتضى المجانسة، والحقّ عنها منزّه، والمحبة بين المتجانسين تقتضى الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مقدّس.
فردّ الله- سبحانه- عليهم فقال تعالى: «بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» .
والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضا للقديم فالقديم لا بعض له لأن الأحدية حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم تجز- على الوجه الذي اعتقدوه- بينهم وبينه محبة.
ويقال فى الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال: «قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ» .
ويقال بيّن فى هذه الآية أن قصارى الخلق إمّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى شىء وراء ذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٩]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) .
стр. 412
يقال فى: كل زمان تقع فترة فى سبيل الله ثم تتجدد الحال، ويعمّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العدم، ولقد كان زمان الرسول- ﷺ أكثر الأزمنة بركة، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل، وبذلك منّ عليهم، وذكّرهم عظيم نعمته فيهم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٠]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠)
كان الأمر لبنى إسرائيل- على لسان نبيّهم- بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، وكان الأمر لهذه الأمة «١» - بخطاب الله لا على لسان مخلوق- بأن يذكروه فقال: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» «٢» وشتان بين من أمره بذكره- سبحانه- وبين من أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءهم ثوابه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى:
«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» .
قوله جل ذكره: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً.
الملك من المخلوقين من عبد الملك الحقيقي.
ويقال الملك من ملك هواه، والعبد من هو فى رقّ شهواته.
ويقال «جَعَلَكُمْ مُلُوكاً» : لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالكم، وسهّل إليه سبيلكم فى عموم أحوالكم.
قوله جل ذكره: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ.
لئن آتى بنى إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده، والاستقلال بوجوده أتمّ من الاستغناء بمقتضى جوده.
стр. 413
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢١]
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١)
من الفرق بين هذه الأمة وبين بنى إسرائيل أنه أباح لهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص فقال: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال فى شأن هذه الأمة «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» «١» فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابة تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا.
وقال: «ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.....» وقال لهذه الأمة: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» «٢» فهؤلاء ذلّل لهم وسهّل عليهم، وأولئك صعّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم.
قوله جل ذكره: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.
الارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشّقوة- التي هى الفراق- على القلوب.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٢]
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)
لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئا من الحدثان، وداخلتهم هواجم الرعب فأصروا على ترك الأمر. ومن طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم فى أسر التقدير قوالب متعرية عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظلّ التّوهم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٣]
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)
стр. 414
أنعم الله (عليهما) «١» بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما أن من رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركته عواجل الكفاية ثم قال:
(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
أي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغى للمؤمن أن يتوكل.
ويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادّ له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود الحادثات بالله ومن الله ولله، فإنّ من فقد ذلك انتفى عنه اسم الإيمان.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٤]
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤)
من أقصته سوابق التقدير لم يزده تواتر (العظة) «٢» إلا نفورا وجحودا.
قوله جل ذكره: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
تركوا آداب الخطاب فصرّحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٥]
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥)
لما ادّعى أنّه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجرّه إليه.
ويقال لا أملك إلا نفسى أي لا أدخرها عن البذل فى أمرك. لا أملك إلا أخى فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه من قبلك.
стр. 415
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٦]
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦)
مجاهرة الرد تعجّل العقوبة فإن من ماكر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن التقدير ما يلجئه إلى التطوّح فى أوطان الذّلّ.
ويقال حيّرهم فى مفاوزهم حتى عموا عن القصد فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيّره الله فى مفاوز القلب يتقلب ليلا ونهارا فى مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث يرحلون عنها، فلا وجه للرأى الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع فى روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٧]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)
كانت الدنيا بحذافيرها فى أيديهما فحسد أحدهما صاحبه، فلم يصبر حتى أسرع فى شىء بإتلافه، وحين لم يقبل قربانه اشتد حسده على صاحبه، ورأى ذلك منه فهدّده بالقتل.
فأجابه بنطق التوحيد.
قوله جل ذكره: قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
يعنى إنما يتقبّل القربان ممّن «١» طالع فى القربان مساعدة القدرة، وألقى توهّم كونه باستحقاقه واستيجابه.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٨]
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) .
стр. 416
لئن بدأتنى بالإثارة «١» لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أكل أمرى إلى من بيده مقاليد الأمور.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٢٩]
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)
تحقّق بأنّ العقوبة لاحقة به على ما يسلفه من الذّنب فرضى بانتقام الله دون انتقامه لنفسه.
وقوله: «أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ» الذي تستوجبه بسبب قتلك إياى، فأضافه إلى نفسه، وإذا رأى المظلوم ما يحلّ بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ويطيب قلبه.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٠]
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠)
لا تستولى هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق، فإذا توالت العزائم الرديئة، واستحكمت القصود الفاسدة من العبد صارت دواعى الحق خفية مغمورة.
والنّفس لا تدعو إلا (إلى) «٢» اتباع الشهوات ومتابعة المعصية «٣» ، وهى مجبولة على الأخلاق المجوسية. فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات الندم ثم لا ينفعه ذلك.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣١]
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) .
стр. 417
إرادة الحق- سبحانه- وصول الخلق إلى لطف الاحتياط فى أسباب التعيش، فإذا أشكل عليهم وجه من لطائف الحيلة سبّب الله شيئا يعرّفهم ذلك به.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٢]
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)
هذا قريب مما قال النبي ﷺ :
«من سنّ حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة «١» » .
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٣]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)
السعى فى الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة فى مسائل الفقه بلسان العلم، وفى الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلا من واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط. والحجاب استشعار
стр. 418
الوحشة بعد الأنس، وتبديل توالى التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط العبادة «١» .
والإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك- والله- خزى عظيم وعذاب أليم.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٤]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
من أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه- في الظاهر- حدود الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذا بظاهر ما يثبت من حاله ماله فى استيجاب السداد، فإذا بدا للإمام «٢» جرمه أقيم عليه الحدّ وإن تقنّع بنقاب التقوى.
وكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق- سبحانه.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)
ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمنّة.
ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه.
ويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة.
ويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل.
ويقال الوسيلة خلوص (العقد) «٣» عن الشك.
ويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق فى الولاء إلى آخر العمر.
ويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النّفس عن الحظوظ.
стр. 419
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)
اليوم- يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغدا- لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهبا، كذا يكون الأمر.
ويقال إفراط العدو فى التقرب موجب للمقت، وتستر الولي «١» فى التودد إحكام لأسباب الحب.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٧]
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
كما أن الأعداء لا محيص لهم من النار كذلك المبعدون عن التوفيق كلما أرادوا إقلاعا عن التهتك أدركهم- من فجأة الخذلان- ما يركسهم فى وهدة العناء.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٨]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)
لو أنّ وليا من الأولياء سرق نصابا من جرد، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدّ كما يقام على المتهتك، ولا يسقط الحدّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أمر الملك مقابل بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبة فخطره أتمّ وأخفى، والمطالبة عليه أشدّ «٢» . فلا يستخفنّ أحد الإلمام بزلة «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» .
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٣٩]
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)
стр. 420
من استوفى أحكام التوبة فتدارك ما ضيّعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ما أفسده- أقبل الله عليه بفضله فغفره «١» ، وعاد إليه باللطف فجبره.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٠]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)
بيّن أنه لا يعذّب من يعذّب بعلّة، ولا يرحم من يرحم بعلة، وإنما يتصرف فى عبده بحق ملكه، وأنّ الحكم حكمه، والأمر أمره.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤١]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)
من أقصاه الحقّ عن محلّ التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وكله إلى مكره، ولبّس عليه حاله وسرّه، فهو ينهمك فى أودية حسبانه، وإنما يسعى فى أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وباله، فأمر نبيّه- ﷺ بترك المبالاة بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرّفه أنهم بمعزل عن رحمته وإنّ من ردّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال
стр. 421
فى الاستقبال، فقال: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» يعنى إن أهّله الله للحرمان، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ولطائف القبول إليه غير موصولة.
قوله جل ذكره: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ.
أولئك الذين لم تعجن طينتهم بماء السعادة فجبلوا على نجاسة الشرك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقّى بفنون المعاملات.
ويقال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ» : من أرسل عليه غاغة الهوى، وسلّط عليه نوازع المنى، وأذلّه ( ... ) «١» القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء.
قوله جل ذكره: لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.
وردوا من الهوان إلى الهوان، ووعدوا بالفراق، وردّوا إلى الاحتراق، فلا تدرى أي حاليهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم فى الرد أم نهايتهم فى الشرك والجحد؟
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٢]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)
يعنى إنهم طرحوا حشمة الدّين، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا (بالأعواض) «٢» (النذرة) «٣» ، فإذا تحاكموا إليك فأحللهم من حلمك على ما يستحق أمثالهم من (الآزال) «٤» ،
стр. 422
وأنت مخير فيما تريد فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك.
قوله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» : الإقساط الوقوف على حدّ الأمر من غير (حنف) «١» إلى الحظ.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٣]
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)
يعنى أنهم قارفوا الجحد، وأصرّوا على الغى، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، فمتى تؤثّر فيهم دعوتك، وقد سدّت مسامعهم عن القبول، وطبع على قلوبهم سابق الحكم؟
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٤]
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)
يخبر أنه استحفظ بنى إسرائيل التوراة فحرّفوها، فلما وكل إليهم حفظها ضيّعوها.
وأمّا هذه الأمة فخصّهم بالقرآن، وتولّى- سبحانه- حفظه عليهم فقال: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» «٢» فلا جرم لو غيّر واحد حركة أو سكونا من القرآن لنادى الصبيان بتخطيئه.
قوله جل ذكره: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.
إنّ الخلق تجرى عليهم أحكام القدرة وأقسام التصريف فالخشية منهم فرع من المحال، فإنّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنّى تصحّ منه الخشية؟!
стр. 423
قوله جل ذكره: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.
لا تأخذوا على جحد «١» أوليائى والركون إلى ما فيه رضاء أعدائى عوضا يسيرا فتبقوا بذلك عنّى، ولا يبارك لكم فيما تأخذون من العوض.
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ... » فمن اتخذ بغيره حكما، ولم يجد- تحت جريان حكمه- رضى واستسلاما»
ففى شرك خامر قلبه، وكفر قارن سرّه. وهيهات أن يكون على سواء! قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٥]
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)
بيّن أن اعتبار العدالة كان حتما فى شرعهم، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام.
«فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» ، يعنى فمن آثر ترك ماله باعتناق العفو لم يخسر علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تماديا فى إجابة دواعى الهوى فهم الذين وضعوا الشيء فى غير موضعه أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعة الحظوظ، وبإيثار الفتوة موافقة البشرية «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٦]
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)
стр. 424
يعنى أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفى الإنجيل تصديق لما تقدّمه، وتحقيق لما أوجب الله وألزمه، فلا الدّين قضوا حقه، ولا الإنجيل عرفوا فرضه، ولا الرسول حفظوا أمره ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلّوا.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٧]
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)
قال الله تعالى فى هذه السورة «١» : «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» .
وقال فى موضع آخر « ... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» وقال فى هذه الآية « ... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أمّا فى الأول فقال: «وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ... فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر.
وفى الثاني قال: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» لأن من جاوز حدّ القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظلم بعضهم على بعض.
وأمّا هاهنا فقال: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أراد به معصية دون الكفر والجحد «٢» .
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ٤٨]
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) .
стр. 425
قدّم تعريفه- ﷺ قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدّمه فيستوجب ما استوجبوه.
قوله جل ذكره: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ.
لا تتملكك مودة قريب أو حميم، واعتنق ملازمة أمر الله- ﵎ بترك كل نصيب لك.
ثم قال: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» يعنى طريقة وسنّة أي أفردنا كلّ واحد منكم- معاشر الأنبياء- بطريقة، (وأمّا «١» ) أنت فلا يدانيك فى طريقتك أحد، وأنت المقدّم على الكافة، والمفضّل على الجملة، ولو شاء الله لسوّى مراتبكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفضّل بعضكم على بعض امتحانا.
قوله جل ذكره: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
مسارعة كل أحد على ما يليق بوقته فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد «٢» .
ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقطع الهوى، واستباق العارفين بنفي المنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا والعقبى.