قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٨]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)
يعنى خاطبهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفى الشبهة، ولا تكلّمهم على موجب نوازع النّفس والعادة، فيحملهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله.
ويقال لا تطابقهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة فى غيّهم، فسيكون فعلك سببا وعلّة لزيادة كفرهم وفسقهم.
قوله جل ذكره: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لبّسنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيح جميلا، ولم يروا لسوء حالتهم تبديلا، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبلا.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٩]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر الحكم، وما يغنى وضوح الأدلة لمن لا تساعده سوابق الرحمة، ولواحق الحفظ بموجبات القسمة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٠]
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
العجب ممن تبقى على قلبه شبهة فى مسألة القدر «١» ، والحقّ- سبحانه- يقول:
стр. 492
«وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ» ، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا الأمر- مع وضوحه- على قلوب من هو من جملة العقلاء، فسبحان من يخفى هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١١]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)
لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالا.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٢]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)
كلّما كان المحلّ أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلمّا كانت رتب الأنبياء- ﵈ أشرف كانت العداوة معهم أشد وأصعب.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٣]
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)
وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فرضوا لأنفسهم أخسّ الأنصباء «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٤]
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)
стр. 493
قل لهم أترون أنى- بعد ظهور البيان ووضوح البرهان- أذر اليقين، وأوتر التخمين وأفارق الحقّ، وأقارن «١» الحظ؟ إن هذا محال من الظن.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٥]
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)
تقدّست عن التغيير ذاته، وتنزهت عن التبديل صفاته. والتمام ينفى النقصان. وكلّ نقصان فمن الحدث أصله، وأنّى بالنقص- والقدم وصفه؟
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٦]
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦)
أهل الله قليلون عددا وإن كانوا كثيرين وزنا وخطرا، وأمّا الأعداء ففيهم كثرة.
فإن لاحظتهم- يا محمد- فتنوك، وإن صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوك.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٧]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)
تقاصرت علوم الخلق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عرّفهم من أمره، والذي لا يخفى عليه شىء فهو الواحد- سبحانه.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٨]
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)
هذا فى حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفى معنى الإشارة منع الأكل على الغفلة، فإن من
стр. 494
أكل على الغفلة فما دامت تلك القوة باقية فيه فخواطره إما هواجس النّفس أو وساوس الشيطان.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٩]
وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)
يعنى أي شىء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟
وقد تبيّن لكم الفرق بين أنس الذكر ووحشة الغفلة فى الحال والوقت، (ألا) «١» تعرفوا حكم الثواب والعقاب فى المآل.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٠]
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)
ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سر بينك وبين الله، لا وقوف لمخلوق عليه.
ويقال باطن الإثم خفىّ العقائد و (....) «٢» الألحاظ.
ويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل.
ويقال باطن الإثم- على لسان أهل المعرفة- الإغماض عمّا لك فيه حظ، ويقال باطن الإثم- على لسان أهل المحبة- دوام التغاضي عن مطالبات الحب وإنّ بناء مطالبات الحب على التجني والقهر «٣» ، قال قائلهم:
стр. 495
إذا قلت: ما أذنبت؟ قالت مجيبة:
حياتك ذنب لا يقاس به ذنب ويقال أسبغت عليكم النّعم ظاهرا وباطنا، فذروا الإثم ظاهرا وباطنا، فإنّ من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثما ومخالفة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢١]
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
ما كانت (....) «١» من الأحوال عاصيا ولربّه ناسيا فتوقّيه شرط عند أصحاب ( ... ) «٢» .
ثم قال: «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ» فهذا يدل على أنّ من توقّى ذلك اتحدت لله خواطره، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصل كل قسوة متابعة الشهوات، ومن تعوّد متابعتها فليودّع صفوة القلب.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٢]
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)
الإيمان عند هؤلاء القوم حياة القلب بالله. وأهل الغفلة إذ لهم الذكر فقد صاروا أحياء بعد ما كانوا أمواتا، وأرباب الذكر لو اعتراهم نسيان فقد ماتوا بعد الحياة. والذي هو فى أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفى روح الاستبصار لا يدانيه من هو فى (أسر) «٣» الظلمات، ولا يساويه من هو رهين الآفات.
стр. 496
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)
لبّسنا عليهم حقائق التوحيد، وسوّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو والإثبات فانهمكوا ظانين أنهم يمكرون، وهم فى التحقيق مخادعون، وسيعلمون حين لا ينفعهم علم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٤]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)
بعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلّل) «١» باستزادة البصيرة (إعلام) «٢» عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي لمساواة من جاء بالاستحقاق بمن جاء بنوع من تسويلات النّفس يوجب مقاساة الهوان. وملازمة الحدود، وترك التعدي على الحقّ قضية التوفيق.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٥]
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)
المسلم لا يتحرك فى باطنه عرق للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضى تسليم الكل بلا استئثار، ومن استثقل شيئا من التكليف أو بقي منه نفس لكراهية شىء فيعدّ غير مستسلم لحكمه.
ويقال نور فى البداية هو نور العقل، ونور فى الوسائط هو نور العلم ونور فى النهاية هو
стр. 497
نور العرفان فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب المعرفة فى حكم العيان.
ويقال من وجد أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شىء من ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» .
ويقال أول أثر لأنوار الغيب فى العبد ينبّهه إلى نقائص قدره ومساوئ غيّه، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غلبات الأنوار على سرّه حتى لا يشهد السرّ بعد ما كان يشهد كالنّاظر فى قرص الشمس تستهلك أنوار بصره فى شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة فى حقائق الشهود، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية.
قوله جل ذكره: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
وذلك حتى لا يسعى فى غير مراد الحق سبحانه «١» ، وحدّ البشرية ضيق القلب، وصاحبه فى أسر الحدثان والأعلال، ولا عقوبة أشدّ من عقوبة الغفلة عن الحق.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٦]
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)
الصراط المستقيم إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيّد بجمع، وجمع مقيد بشرع، وإثبات للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد، والتحقق بأنّ المجرى
стр. 498
واحد لا شريك له، ثم ترك الاعتماد ونفى الاستناد، لا على (حركاته) «١» يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل) «٢» ينتظر ما يفتح به التقدير، فإن زاغ صاحب الاستقامة لحظة، والتفت يمنة أو يسرة سقط سقوطا لا ينتعش.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٧]
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)
دار السلام أي دار السلامة، ومن كان في رقّ شىء من (الأغراض) «٣» والمخلوقات لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة من تحرر عن رقّ المكوّنات، والآية تشير إلى أنّ القوم فى الجنة لكنهم ليسوا فى أسر الجنة، بل تحرروا من رقّ كل مكوّن.
ويقال من لم يسلّم- اليوم- على نفسه وروحه وكلّ ماله من كل كريمة وعظيمة تسليم وداع لا يجد- غدا- ذلك الفضل، فمن أراد أن يسلّم عليه ربّه- غدا- فليسلّم على (الكون) «٤» بجملته، وأولا على نفسه وروحه.
ويقال دار السلام غدا لمن سلم- اليوم- لسانه عن الغيبة، وجنانه عن الغيبة، وأبشاره وظواهره من الزّلّة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من البدعة، ومعاملته من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله من الإعجاب.
ويقال شرف قدر تلك الدار لكونها فى محل الكرامة، واختصاصها بعندية الزّلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم:
إنّى لأحسد دارا فى جواركم ... طوبى لمن أضحى لدارك جارا
يا ليت جارك يعطينى من داره شبرا ... إذا لأعطيه بشبر دارا»
ويقال: وإن كانت الدار منزهة عن قبول الجار، وليس القرب منه بتدانى الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنس بل لو جاز القرب فى وصفه من حيث المسافة لم يكن لهذا
стр. 499
كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات فهو لأجل قلوب الأحباب يطلق هذا ويقع العلماء فى كد التأويل، وهذا هو أمارة الحب، قال قائلهم:
أنا من أجلك حمّلت الأ ... ذى الذي لا أستطيع
قوله جل ذكره: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «١» .
هذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال: «وَهُوَ وَلِيُّهُمْ» لأنه إذا كان- سبحانه- هو وليّهم فإنّ المنازل بأسرها طابت كيفما كانت، قال قائلهم:
أهوى هواها لمن قد كان ساكنها ... وليس فى الدار لى همّ ولا وطر
هو وليّهم فى دنياهم، ووليّهم فى عقباهم، هو وليهم فى أولاهم وفى أخراهم وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يدع فيها لغيره نصيبا ولا سوى وليهم الذي هو أولى بهم منهم وليّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه فى جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يكلهم) «٢» إلى هواهم، ولا إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم.
وليهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله يكاشفهم.
وليّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب، فحرّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليّهم الذي هو مؤنس أسرارهم.
مشاهده معتكف أبصارهم، وحضرته مرتع أرواحهم.
وليّهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا إياه، لا فى بدايتهم يقصدون غيره، ولا فى نهايتهم يجدون غيره، ولا فى وسائلهم يشهدون غيره «٣» قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٨]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)
стр. 500
يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلّ منه قبل منهم، لكن سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٩]
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)
يعنى نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء مجموعون يفرّ بعضهم من بعض.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٠]
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)
عرّفهم أنه أزاح لهم العلل من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة فى الأزل، (فلبّس) «١» عليهم المحجة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣١]
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)
متى يصحّ فى وصفه توهم الظلم والملك ملكه والخلق خلقه؟
ومتى يقبح منه تصرّف فى شخص بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟
стр. 501
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٢]
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)
المحسن فى روح الثواب متنعّم، والمذنب فى نوح العذاب متألم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٣]
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)
«الْغَنِيُّ» يشير إلى كشفه، و «ذُو الرَّحْمَةِ» يشير إلى لطفه.
أخبرهم بقوله «الْغَنِيُّ» عن جلاله، وبقوله: «ذُو الرَّحْمَةِ» عن أفضاله فبجلاله يكاشفهم فيفتيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم.
ويقال سماع غناه يوجب محوهم، وسماع رحمته يوجب صحوهم، فهم فى سماع هذه الآية مترددون بين بقاء وبين فناء، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريب وبين تذويب، وبين اجتياح وبين ارتياح.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٤]
إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)
الإشارة من هذه الآية إلى قصر الأمل، ومن قصر أمله حسن عمله، وكل ما هو آت فقريب أجله.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٥]
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)
هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان فى صيغة الأمر.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٦]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦)
стр. 502
لما بنوا قاعدة أمرهم على موجب الهوى صارت فروعهم لائقة بأصولهم فهو كما قيل.
إذا كان القضاء إلى ابن آوى ... فتعويل الشهود إلى القرود
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٣٧]
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧)
وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك إذ الأشكال يتناصرون، فالنّفس لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مدّعية تتوهم أن منها شيئا، وأصل كلّ شرك الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوان يتناصرون.
ثم قال: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» صرّح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار (بسابق) «١» القضية.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٨ الى ١٣٩]
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) .
стр. 503
أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمور شرعوها على الوجه الذي اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجة من إذن رسول، والاشارة فيه أن من (نحانحوهم) «١» فى زيادة شىء فى الدين، أو نقصان شىء من شرع المسلمين فمضاه لهم فى البطلان، ينخرط فى سلكهم فى الطغيان.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٠]
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد، ولذلك قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤١]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)
يعنى كما أنشأ فى الظاهر جنات وبساتين كذلك أنشأ فى السّر جنات وبساتين، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر فأزهار القلوب مونقة، وشموس الأسرار مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة.
ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت فى كونها أحوالا.
قوله جل ذكره: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ.
стр. 504
حقّ الواجب يوم الحصاد إقامة الشكر، فأمّا إخراج البعض فبيانه على لسان العلم «١» ، وشهود المنعم فى عين النعمة أتمّ من الشكر على وجود النعمة.
قوله جل ذكره: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
الإسراف- على لسان العلم- مجاوزة الحد.
وعلى بيان الإشارة فالإسراف كلّ ما أنفقته فى حظّ نفسك- ولو كانت سمسمة، وما أنفقته فى سبيله- سبحانه- فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٤]
وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)
يعنى تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية فى الفضيلة على المخلوقات. وكما سخّر الأعيان للإنسان كذلك سخّر الأزمان فى تصريف الحدثان لخواصّ الإنسان «٢» .
قوله جل ذكره: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ......
إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائع فى جميع ما يحصل به الانتفاع.
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكرم بل الخمود فى وجود القدم.
وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان.
стр. 505
قوله ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدّب العبد باستدامة السكون والتزام حسن الخلق، فإنّ الضانية مستسلمة لمن يلى عليها، فلا بصياحها تؤذى «١» ولا (ب ... وها) «٢» ، يعنى كذلك سبيل من وطئ هذا البساط.
وكذلك «فى الإبل آيات» منها انقيادها لمن جرّ زمامها، واستناختها حيثما تناخ بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحمل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها فى السير.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٥]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)
بيّن أنّ الشارع الله، والمانع عن الخلق هو الله، وما كان من غير الله فضائع باطل عند الله. بيّن أنه إذا جاء الاضطرار زال حكم الاختيار.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٦]
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) .
стр. 506
بيّن أن ما حرّم عليهم ضيّعوه إذ لما لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مكره العظيم فيما ابتدعوه من قبل نفوسهم- فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم الوزر وأليم الهجر.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٧]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)
الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة، وتخصيص الأعداء بالطرد واللعنة. والصورة الإنسانية جامعة (لهم) «١» ولكن القسمة الأزلية فاصلة بينهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٨]
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨)
كذبت قالتهم لأنها لم تصدر عن تصديق، فذمّوا على جهالتهم وإن كانت (....) «٢»
فى التحقيق.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٤٩]
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)
صرّح بأن إرادته- سبحانه- لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٠]
قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشرك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شىء من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شرك جلىّ وشرك خفىّ فالجلىّ عبادة الأصنام، والخفىّ ملاحظة الأنام، بعين استحقاق الإعظام.
والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق.
وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.
ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل فى ذلك جميع أقسام الآثام.
ثم قتل النّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق.
ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.
ثم بذل الإنصاف فى المعاملات والتوقي من جميع التبعات «١» ثم الصدق فى القول والعدل فى الفعل.
ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل.
فمن قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد فى داريه وحظى بعظائم منزلته.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٤]
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
يهوّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنّ الذين كانوا قبلنا كانوا فى الضعف والعجز مثلنا، ثم صبروا فظفروا، وأخلصوا فخلصوا.
стр. 509
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٥]
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)
إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بقي العبد عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجد فى قراءة القرآن كمال العيش والأنس فلأنّه يقرأ ترسما لا تحققا «١» قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٧]
أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)
أزاح كلّ علّة، وأبدى كل وصلة، فلم يبق لك تعللا، ولا فى آثار الالتجاء إلى العذر موضعا.
قوله جل ذكره: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ.
عقوبة كلّ جرم مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهى ما يوجب بقاءهم فى أسر الشك حتى لا يستقر قلبهم على شىء.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٨]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
стр. 510
أخبر أنه بعد ما (أزاح) «١» لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، و (اغتروا) «٢» بطول السلامة لهم، ثم بيّن أنه إذا أمضى عقوبة عبد حكما فلا معارض لتقديره، ولا مناقض لتدبيره.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٩]
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)
اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، (فكانوا) «٣» مجتمعين جهرا بجهر متفرقين- فى التحقيق- سرّا بسرّ.
قوله: «لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» . لا نجمعك وإياهم، يعنى شقّك شقّ الحقائق، وشقّهم شقّ الباطل، و (لا اجتماع) «٤» للضدين.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٠]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
هذه الحسنات للظاهر وأمّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة.
ويقال الحسنة من فضله تعالى تصدر، وبلطفه تحصل، فهو يجرى، ثم يقبل ويثنى، ثم يجازى ويعطى.
ويقال إحسانه- الذي هو التوفيق- يوجب إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه- الذي هو خلق الطاعة- يوجب لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة فالعناء منك فعله والجزاء لك فضله «٥» .
стр. 511
ويقال إحسان النفوس توفية الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة.
ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه فى السرائر، فالذى منك مجاهدتك، والذي إليك مشاهدتك.
ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلّي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء بوجود المولى.
ويقال إحسان المبتدئين الصدق فى الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب، فشرط الطلب ألا يبقى ميسور إلّا بذلته، وشرط الأدب ألا تسمو لك همّة إلى شىء إلا قطعته وتركته.
ويقال للزهاد والعبّاد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاء محصور معدود، ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع.
قوله جل ذكره: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
يعنى (يكال) «١» عليه بالكيل الذي يكيل، ويوقف حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفا.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦١]
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
أرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى ما سواه.
ومن وجد سبيلا إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلا وأبرم فيهم تأميلا أو قدّم عليهم تعويلا، فقد استشعر تسويلا، وجرّع تضليلا.
стр. 512
و «الصراط المستقيم» ألّا ترى من دونه مثبتا لذرة ولا سنة.
و «الدين القيم» ما لا تمثيل فيه ولا تعطيل، ولا نفى للفرق الذي يشير إلى العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية «١» .
والحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)
من كوشف بحقائق التوحيد شهد أن القائم عليه والمجرى عليه والممسك له والمنقّل إياه من وصف إلى وصف، و (....) «٢» عليه فنون الحدثان- واحد لا يشاركه قسيم، وماجد لا يضارعه نديم.
ويقال من علم أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم أنه لله لم يبق فيه نصيب لغير الله فهو مستسلم لحكم الله، لا معترض على تقدير الله، ولا معارض لاختيار الله، ولا معرض عن اعتناق أمر الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٤]
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) .
стр. 513
كيف أوثر عليه بدلا وإنى لا أجد عن حكمه حولا، وكيف أقول بغير أو ضد أو شريك؟ أو أقول يدونه معبود أو مقصود؟ وإن لاحظت يمنة ما شاهدت إلا ملكه، وإن طالعت يسرة ما عاينت إلا ملكه! بل إنى إن نظرت يمنة شهدت يمنه، وإن نظرت يسرة وجدت نحوى يسره «١» ! قوله جل ذكره:
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٥]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
صير التوبة إليكم، وقصر حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون من هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافا، وخلقكم أخيافا «٢» فمن مسخّر له، مرفّه، مروّح، يتعب لأجله كثير. ومن معنّي، وذى مشقة أدير عليه رأسه. وجاء البلاء ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إنّ حسابه لكم لاحق، وحكمه فيكم سابق. والله أعلم.
السورة التي يذكر فيها الأعراف
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» الباء مكسورة فى نفسها وعملها الخفض لأنها من الحروف الجارة للأسماء، وهى صغيرة القامة فى الخط، ونقطها الذي تتميز به عن غيرها واحد وهو نهاية القلّة، ثم موضع هذه النقطة أسفل الحرف، فهى تشير إلى التواضع والخضوع بكل وجه.
والسين «من بسم الله» حرف ساكن فالإشارة من الباء ألا تذر- فى الخضوع والتذلل، والجهد والتوسل- ميسورا، ثم تسكن منتظرا للتقدير، فإن منّ القبول بفضله
стр. 514
فذلك المأمول، وإن ردّ بحكم فله الحكم، فتوافق تقديره بالموافقة فى الرضا به، إذا الميم تشبر إلى منته إن شاء، ثم إلى موافقتك لتقديره بالرضا به إن لم يمنّ.
ويقال الباء تشير إلى بيان قلوب أهل الحقائق بلطائف المكاشفات بما يختصهم الحق- سبحانه- بذلك من دون الخلق، فهم على بيان مما يخفى على الخلق، فالغيب لهم كشف، والخبر لهم عيان، وما للناس علم فلهم وجود.
والسين تشير إلى سرور قلوبهم عند تقريبات البسط بما (....) «١» فيه من وجوه المراعاة! وصنوف لطائف المناجاة، فهم فى جنات النعيم، وعيش بسط وتكريم، ودوام روح مقيم.
والميم تشير إلى محبة الحق- سبحانه- لهم بدءا فإنها هى الموجبة لمحابّهم، إذ عنها صدر كلّ حب فبمحبته لهم أحبوه، وبقصده إليهم طلبوه، وبإرادته لهم أرادوه.
ويقال نزهة أسرار الموحدين فى الإناخة بعقوة بسم الله، فمن حلّ تلك الساحة رتع فى حدائق القدس، واستروح إلى نسيم الأنس.
ويقال بسم الله موقف الفقراء بقلوبهم فللأغنياء موقفهم عرفات، وللفقراء موقفهم المكاشفات والمشاهدات.
ويقال قالة «بِسْمِ اللَّهِ» ربيع الأحباب أزهارها لطائف الوصلة، ونورها زوائد القربة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١)
هذه الحروف من المتشابه فى القرآن على طريقة قوم من السلف، والحق- سبحانه- مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معان تعرف، وفيها إشارات إلى أشياء توصف: فالألف تشير إلى ألفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة، فهى- فى التحقيق- فى ذلك المعنى كالمتحدة فمنه تقع الألفة بين المتشاكلين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون.
ويقال ألف القلب حديثه فلم يحتشم من بذل روحه.
стр. 515
ويقال الألف تجرّد من قصده عن كل غير فلم يتصل بشىء، وحين استغنى عن كل شىء اتصل به كل شىء على جهة الاحتياج إليه.
ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف فمرة أصبحت مفتوحة، ومرة (مسكونة) «١» ، ومرة مرفوعة، وأمّا الألف التي هى بعيدة عن الاتصال بالعلاقات (فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهى على سكونها الأصلى) «٢» .
وأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين فى القصد، وصدق أحوال العارفين فى الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كلّ قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واجد.
ويقال الصاد تبدى محبة للصدور وهو بلاء الأحباب.
ويقال الصاد تطالبك بالصدق فى الود، وأمارة الصدق فى الود بلوغ النهاية والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢]
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
كتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاء لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مزيل، ولشفاء الشكّ مقيل، وقال تعالى: «فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ» ولم يقل: فى قلبك فإن قلبه- ﵇ فى محل الشهود، ولذلك قال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ» «٣» وكذلك قال موسى ﵇: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي» «٤» . وقال للمصطفى صلوات الله
стр. 516
عليه: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» «١» . فإن القلب فى محل الشهود، وهو أبدا بدوام أنس القرب، قال ﷺ : «تنام عينى ولا ينام قلبى» »
وقال: «أسألك لذة النظر» «٣» وصاحب اللذة لا يكون له حرج.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣]
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)
استسلموا لمطالبات التقدير، قفوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيرا، ولا تركنوا إلى علّة، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤ الى ٥]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
يعنى كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة باتوا فى (خفض) «٤» الدعة وأصبحوا وقد صادفتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضية فجأة، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا فرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون:
الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحد منهم (خبر) «٥» . تلك سنّة الله فى الذين خلوا من الكافرين، وعادته فى الماضين من الماردين.
стр. 517
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٦]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)
«فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ» : سؤال تعنيف وتعذيب.
«وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» : سؤال تشريف وتقريب.
«فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ» عن القبول فيتقنّعون بذل الخجل.
«وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكلّ بسمة العبودية والتوقير، والحقّ بنعت الكبرياء والتقدير.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٧]
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)
فلنخبرنهم يوم الفصل ما هم عليه اليوم، ونوقفهم على ما أسلفوه، ونقيمنهم فى مقام الصّغار ومحل الخزي، وسيعلمون أنه لم يغب عن علمنا صغير ولا كبير.
ويقال أجرى الحقّ- سبحانه- سنّته بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوّفهم بعقوبته تارة فقال تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً» «١» يعنى العذاب الواقع فى ذلك اليوم، وقال فى موضع آخر:
«وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» «٢» وهذا أبلغ فى التخويف، وقال «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى» «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨ الى ٩]
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
يزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فمن كانت أعمالهم بالرياء
стр. 518
مصحوبة لم يقبل أعمالهم، ومن كانت أحوالهم بالاعجاب مشوبة لم يرفع أحوالهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٠]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
سهّلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسّرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أن تتخذوا إليه سبيلا، ولم يعتص عليه مراد.
«قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» لاستعمالكم- فى الخلاف- أبدانكم، ولإنفاقكم- بالإسراف- أحوالكم، ولاستغراقكم- فى الحظوظ- أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من مسّ العقوبة شكوتم ... خسرتم وما شعرتم! قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١١]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)
ثبّتناكم على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم فى الشواهد التي اخترنا لكم فمن قبيح صورته خلقا ومن مليح، ومن سقيم حالته خلقا «١» ، ومن صحيح. ثم إنا نعرفكم سابق أيادينا إلى أبيكم، ثم لاحق خلافه بما بقي عرق منه فيكم، ثم ما علمنا به (من مكان يحسدكم) «٢» ويعاديكم.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٢]
قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)
أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما موجب امتناعك عن السجود لآدم لو كنت تعظّم أمرى؟ فيتحقق الموحّدون أن موجب امتناعه عن السجود الخذلان الحاصل، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود.
стр. 519
قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ» ادّعى الخيرية، وكان الواجب عليه- لولا الشقوة- أن يؤثر التذلّل على التكبّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقّ.
ثم إنه وإن سلك طريق القياس فلا وجه له مع النّفس لأنه بحظ، فلم يزده قياسه إلا فى استحقاق نفيه إذ ادّعى الخيرية بجوهره «١» ، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه- سبحانه- وقسمته.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٣]
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)
فارق بساط القربة فإنّ التكبّر والترفّع على البساط ترك للأدب، وترك الأدب يوجب الطرد.
ويقال من رأى لنفسه محلا أو قيمة فهو متكبّر، والمتكبّر بعيد عن الحق سبحانه، ورؤية المقام قدح فى الربوبية إذ لا قدر لغيره تعالى، فمن ادّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٤ الى ١٥]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
أجاب دعاءه فى الحال ولكن كان ذلك مكرا به لأنه مكّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يزده بذلك التمكين إلا شقوة. ليعلم الكافة أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمة ولطفا بل قد تكون بلاء ومكرا.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٦]
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)
جاهر الحقيقة بالخلاف بعد ما أظهر من نفسه غاية الخلوص فى العبودية، فعلم أن جميع ما كان منه فى (سالف) «٢» حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق.
стр. 520
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧]
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)
أخبر أنه يأخذ عليهم جوانبهم، ويتسلط عليهم من جميع جهاتهم، ولم يعلم أن الحقّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنّ ما يكيد بهم من القدرة حصل، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لكان أولى الخلق بأن يؤثّر فيه كدحه نفسه، وحيث لم ينفعه جهده فى سالف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨]
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
أخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم تخليده أبدا فى عقوبته، ولا يذيقه ذرة من برد رحمته، فأصبح وهو مقدّم على الجملة، وأمسى وهو أبعد الزّمرة، وهذه آثار قهر العزّة. فأىّ كبد يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟!.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٩]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)
لما أسكن آدم الجنة خلق معه سبب الفتنة، وهو ما أكرمه به من الزوجة. وأي نقص يكون فى الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هى شجرة المحنة لولا ما أخفى من سرّ القسمة؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠]
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)
نسبته ما حصل منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئة منهما لكنّه تعالى قال: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ» .
стр. 521
ويقال التقى آدم بإبليس بعد ذلك فقال له: يا شقىّ! وسوست إلىّ وفعلت!، فقال إبليس لآدم. يا آدم! هب أنّى كنت إبليسك فمن كان إبليسى!؟.
قوله جل ذكره: لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما.
وفى ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال: «لِيُبْدِيَ لَهُما» فلم يطلع على سوأتهما غيرهما.
قوله جل ذكره: وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ.
تاقت أنفسهما إلى أن يكونا ملكين- لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم ﵇ ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما.
ويقال لمّا طمعا فى الخلود وقعا فى الخمود، ووقعا فى البلاء والخوف وأصل كلّ محنة الطمع.
ويقال إذا كان الطمع فى الجنة- وهى دار الخلود- أوجب كلّ تلك المحن فالطمع فى الدنيا- التي هى دار الفناء- متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيب أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، وهذا أولى لأنه يوجب تنزيه محلّ النبوة. وقيل ساعات الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة، فما لبثا فى دار الوصلة إلّا بعضا من النهار دخلا ضحوة النهار وخرجا نصف النهار! ويقال إن الفراق عين تصيب أهل الوصلة، وفى معناه قال قائلهم:
إن تكن عين أصابتك فما ... إلا لأنّ العين تصيب الحسنا
ويقال حين تمّت لهما أسباب الوصلة، ووطّنا نفوسهما على دوام القربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما (ما) «١» انتظم، كما قيل:
стр. 522
حين تمّ الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنّا
بعث البين رسله فى خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)
(حسن ظنّ آدم- ﵇ حمله على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب فى يمينه بالله، ثم لمّا بان له أنه دلّاهما بغرور تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فعلم- سبحانه- صدقه فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم) «١» قوله جل ذكره: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما.
لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشير العقاب، وتنغّص الحال، وكذا صفة من آثر على الحق- سبحانه- شيئا يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك من ادّخر عن الله- سبحانه- نفسه أو ماله أو شيئا بوجه من الوجوه- لا يبارك الله فيه، قال تعالى فى صفة الأعداء: «خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ» .
ويقال لمّا بدت سوأتهما احتالا فى السّتر، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حلل الجنة ظلّا يستتران بورق الجنة، كما قيل:
لله درّهم من فتية بكروا ... مثل الملوك، وراحوا كالمساكين
وأنشدوا: لا تعجبوا لمذلتى فأنا الذي ... عبث الزمان بمهجتي فأذلّها
ثم إن آدم ﵇ لم يساعده الإمكان فى الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم- ﵇ شيئا من أوراقها. وقبل ذلك كان لا يلاحظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال:
وكانت- على الأيام- نفسى عزيزة ... فلمّا رأت صبرى على الذلّ ذلّت
стр. 523
ولمّا أخرج آدم من الجنة وأسكن الأرض كلّف العمل والسعى والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل- ﵇ يأتيه ويقول: «أهذا الذي قيل لك: «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» ؟
فلم تعرف قدره. «فذق جزايا خلافك» فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل:
وجاشت إلىّ النفس أوّل مرة ... وزيدت على مكروهها فاستقرت
قوله جلّ ذكره: وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ.
كانت لا تصل يده إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة- التي هى شجرة المحنة- لكان ذلك عناية بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمة للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر- إبلاغا فى القهر- لما خالف الأمر، ولما حصل ما حصل.
«وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ» : فكان ما داخلهما من الخجل أشدّ من كل عقوبة لأنهما لو كانا فى الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حلّ بهما من الخجل ما حلّ، وفى معناه أنشدوا:
واخجلتا من وقوفي وسط دارهم ... إذ قال لى مغضبا: من أنت يا رجل؟.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٣]
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
اعترفا بالظلم جهرا، وعرفا الحكم فى ذلك سرّا فقولهما: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدار على الحكم من حيث الحقيقة، فمن لم يعترف بظلم الخلق طوى الشريعة «١» ، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فقد جحد الحقيقة،
стр. 524
فلمّا أقرّا بالظلم قالا: «وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خسرنا، بل قالا: فعلنا فإن لم تغفر لنا خسرنا، فبترك غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٤]
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)
أهبطهم، ولكنه أهبط إبليس عن رتبته فوقع فى اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته فتداركته الرحمة.
ويقال لم يخرج آدم ﵇ من رتبة الفضيلة وإن أخرج عن دار الكرامة، فلذلك قال الله تعالى: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ» وأما إبليس- لعنة الله عليه- فإنه أخرج من الحالة والرتبة فلم ينتعش قط عن تلك السّقطة.
قوله جل ذكره: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.
«وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» هذا عام «وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ» : أراد به إبليس على الخصوص.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٥]
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
أخبر أنه يستقبلهم اختلاف الأحوال فى الدنيا، ويتعاقب عليهم تفاوت الأطوار، فمن عسر ومن يسر، ومن خير ومن شر، ومن حياة ومن موت، ومن ظفر ومن فوت ...
إلى غير ذلك من الأحوال.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٦]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)
سترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويسّرنا لكم ما تدفعون به صنوف المضار عنكم بما مكّنّا لكم من وجوه المنافع.
стр. 525
ثم قال: «وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» فإن اللباس الظاهر بقي آفات الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه. وللنّفس لباس من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق.
وللسرّ لباس من التقوى وهو نفى المساكنات والتصاون من الملاحظات.
ويقال تقوى العبّاد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفى مساكنة الأنام. ويقال للعوام التقوى، وللخواص لباس التقوى عن شهود التقوى.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
من أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكّ بين وسواس الشيطان وهاجس النّفس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطر القلب وزواجر العلم مغمورة مقهورة- فعن قريب تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط فى سلك موافقة الهوى فيسقط فى مهواة الزلة، فإذا لم يحصل تدارك بوشيك التوبة صارت الحالة قسوة فى القلب، وإذا قسا القلب فارقته الحياة وتمّ له البلاء.
قوله جل ذكره: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
لا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق- سبحانه- بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيدخله- سبحانه- فى كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٨]
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)
стр. 526
استروحوا فى التعلل إلى سلوكهم نهج أسلافهم، فاستمسكوا بحبل واه فزلّت بهم أقدام الغرور، وقعوا فى وهدة المحنة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
القسط العدل، ويقع ذلك فى حق الله تعالى، وفى حق الخلق، وفى حق نفسك فالعدل فى حقّ الله الوقوف على حدّ الأمر من غير تقصير فى المأمور به أو إقدام على المنهىّ عنه، ثم ألا تدخر عنه شيئا مما خوّلك، ثم لا تؤثر عليه شيئا فيما أحلّ لك. وأمّا العدل مع الخلق- فعلى لسان العلم- بذل الإنصاف، وعلى موجب الفتوة ترك الانتصاف. وأمّا العدل فى حق نفسك فإدخال العتق عليها، وسدّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال فى كل نفس.
قوله جل ذكره: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
الإشارة منه إلى استدامة (شهوده فى كل حالة، وألا تنساه لحظة فى كلّ ما تأتيه وتذره وتقدمه) «١» وتؤخره.
قوله جل ذكره: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
من كانت قسمته- سبحانه- له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله ﷺ : «من كان بحالة لقى الله بها» .
стр. 527
وجملة العلم بالقضاء والقدر أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون- مما جاز أن يكون أراده ألا يكون- أخبر أنه لا يكون.
وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف..
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣١]
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
على لسان العلم: يجب ستر العورة فى الصلاة، وعلى موجب الإشارة: زينة العبد بحضور الحضرة، ولزوم السّدّة، واستدامة شهود الحقيقة.
ويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتّان بين عبد وعبد! قوله جل ذكره: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
الإسراف ما تناولته لك ولو بقدر سمسمة.
ويقال الإسراف هو التعدي عن حدّ الاضطرار فيما يتضمن نصيبا لك أو حظّا بأى وجه كان.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٢]
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
الإشارة منها إلى زينة السرائر فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة الواجدين أنوار التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن العبادة.
стр. 528
ويقال زينة النفوس صدار الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة.
ويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر.
ويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود.
ويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات.
ومعنى قوله: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي....» يعنى إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها فهى مباحة له من غير تأخير قصود.
قوله جل ذكره: وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.
أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى.
ويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٣]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)
ما ظهر منها الزّلّة، وما بطن منها الغفلة.
ويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة.
ويقال لقوم ترك الرخص يكون علة، والأولى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقوم لو ركنوا إلى الرّخص لقامت عليهم القيامة.
ويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة أو سنّة.
ويقال فاحشة الأحباب الصبر على المحبوب «١»
стр. 529
ويقال فاحشة الأحباب أن تبقى حيّا وقد منيت بالفراق، قال قائلهم:
لا عيش بعد فراقهم ... هدا هو الخطب الأجلّ
ويقال فاحشة قوم أن يلاحظوا غيرا بعين الاستحقاق، قال قائلهم:
يا قرّة العين سل عينى هل اكتحلت ... بمنظر حسن مذغبت عن عينى؟
ويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرة من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى لهم نفس لم يتنفّسوا به فى حسرة، وفى معناه أنشدوا:
لئن بقيت فى العين منّى دمعة ... فإنى إذا فى العاشقين دخيل
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٤]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
لكلّ قوم مدة مضروبة، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة فلنعمة المترفين مدّة، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشدّة، ولمحنة المستضعفين مدة فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة.
ويقال إذا سقط قرص الشمس زال سلطان النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة، فإذا ارتحلت عساكر الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٥]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)
إذا أتاكم الرّسل فلا تركنوا إلى مجوزات الظنون، واحملوا الأمر على الجدّ فإنّا- مع استغنائنا عن الأغيار، وتقدّسنا عن المنافع والمضار- نطالب بالقليل والكثير، ونحاسب على النقير والقطمير.
стр. 530
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٦]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)
من قابل ربوبيتنا بالجحد، وحكمنا بالرد، لقى الهوان، وقاسى الآلام والأحزان، ثم العجز يلجئه إلى الخنوع، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع «١» قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٣٧]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)
يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكم وقع عليه رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكم حقّ عليه علم الشقاوة.
ويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع فى قعر اللّظى تداركته العناية وأخرجته الرحمة، ومن سبقت له قسمة الشقاوة.. فلو نزل الفراديس تداركته السخطة وأخرجته اللعنة.
قوله جل ذكره:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٨ الى ٣٩]
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)