← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من عزيز تلك النصرة أنه لم يستأنس بثانيه الذي كان معه بل رد الصّدّيق إلى الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقال: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟ قال تعالى: «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» . ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه فى كشوفاته فى تلك الحالة، ولولا نصرته لتلاشى تحت سطوات كشفه. ويقال كان- ﵇ أمان أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» «١» ، وجعله- فى الظاهر- فى أمان العنكبوت حين نسج خيطه على باب الغار فخلّصه من كيدهم. ويقال لو دخل هذا الغار لا نشقّ نسيج العنكبوت.. فيا عجبا كيف ستر قصة حبيبه- صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟! ويقال صحيح ما قالوا: للبقاع دول، فما خطر ببال أحد أنّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيّد- ﷺ ! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء كما يختص برحمته من يشاء. ويقال ليست الغيران «٢» كلها مأوى الحيّات، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول: «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» فهو سبحانه- وإن تقدّس عن كل مكان- ولكن فى هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا: يا طالب الله فى العرش الرفيع به ... لا تطلب العرش إن المجد فى الغار وفى الآية دليل على تحقيق صحبة الصدّيق- رضى الله عنه- حيث سمّاه الله سبحانه صاحبه، وعدّه ثانيه، فى الايمان ثانيه، وفى الغار ثانيه ثم فى القبر ضجيعه، وفى الجنة يكون رفيقه.

стр. 667

قوله جل ذكره: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ الكناية فى الهاء من «عَلَيْهِ» تعود إلى الرسول ﵇، ويحتمل أن تكون عائدة إلى الصديق رضى الله عنه، فإن حملت على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد، فقد قال لجميع المؤمنين: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» «١» . وقال للصدّيق- على التخصيص- فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي ﷺ : «إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلّى لأبى بكر خاصة» «٢» . وإنما كان حزن الصديق ذلك اليوم لأجل الرسول- ﷺ إشفاقا عليه.. لا لأجل نفسه. ثم إنه- ﵇ نفى حزنه وسلّاه بأن قال: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» ، وحزن لا يذهب إلا لمعيّة الحقّ لا يكون إلّا «لحقّ الحق» «٣» . قوله جل ذكره: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يريد به النبي ﷺ . وتلك الجنود وفود زوائد اليقين على أسراره بتجلّى الكشوفات. «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى» بإظهار حجج دينه، وتمهيد سبل حقّه ويقينه فرايات الحقّ إلى الأبد عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحزب الحقّ منصورون، ووفد الباطل مقهورون.

стр. 668

ويقال لما خلا الصديق بالرسول ﵇ فى الغار، وأشرقت على سرّه أنوار صحبة الرسول ﵇، ووقع عليه شعاع أنواره، واشتاق إلى الله تعالى لفقد قراره- أزال عنه لواعجه بما أخبره من قربه- سبحانه- فاستبدل بالقلق سكونا، وبالشوق أنسا، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة. ويقال كان الرسول- ﷺ ثانى اثنين فى الظاهر بشبهه «١» ولكن كان مستهلك الشاهد فى الواحد بسرّه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤١] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره فى جميع أحوالهم. «خِفافاً» يعنى فى حال حضور قلوبكم، فلا يمسّكم نصب المجاهدات. «وَثِقالًا» إذا رددتم إليكم فى مقاساة تعب المكابدات. فإنّ البيعة أخذت عليكم فى ( ... ) «٢» و ( ... ) «٣» . ويقال «خِفافاً» إذا تحررتم من رقّ المطالبات والاختيار، «وَثِقالًا» إذا كان على قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤمّلون قضاء الحقّ ماربكم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٢] لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢)

стр. 669

يريد به المتخلفين عنه فى غزوة «تبوك» ، بيّن سبحانه أنه لو كانت المسافة قريبة، والأمر هيّنا لما تخلّفوا عنك لأنّ من كان غير متحقّق فى قصده كان غير بالغ فى جهده، يعيش على حرف، ويتصرّف بحرف، فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه. وقال تعالى: «فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» «١» . فإذا رأيت المريد يتّبع الرّخص ويجنح إلى الكسل، ويتعلّل بالتأويلات.. فاعلم أنه منصرف عن الطريق، متخلّف عن السلوك، وأنشدوا: وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال: كان وكانا ومن جدّ فى الطلب لم يعرّج فى أوطان الفشل، ويواصل السير والسّرى، ولا يحتشم من مقاساة الكدّ والعناء، وأنشدوا: ثم قطعت الليل فى مهمة ... لا أسدا أخشى ولا ذيبا يغلبنى شوقى فأطوى السّرى ... ولم يزل ذو الشوق مغلوبا قوله: «وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ» : يمين المتعلّل والمتأوّل يمين فاجرة تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب، فلا تجد من القلوب محلا. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٣] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لم يكن منه ﷺ خرق حدّ أو تعاطى محظور، وإنما (تذر) «٢» منه ترك ما هو الأولى. قدّم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو فى صورة العتاب بقوله: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» . أو من جواز الزّلة على الأنبياء- ﵈ إذ لم يكن ذلك فى تبليغ أمر

стр. 670

أو تمهيد شرع (بقول قائله أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر) «١» وكذا سنّة الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم: ما حطّك الواشون عن رتبة ... عندى ولا ضرّك مغتاب كأنهم أثنوا- ولم يعلموا- ... عليك عندى بالذي عابوا ويقال حسنات الأعداء- وإن كانت حسنات- فكالمردودة، وسيئات الأحباب- وإن كانت سيئات- فكالمغفورة: من ذا يؤاخذ من يحبّ بذنبه ... وله شفيع فى الفؤاد مشفّع قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٤] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) المخلص فى عقده غير مؤثر شيئا على أمره، ولا يدّخر مستطاعا فى استفراغ وسعه، وبذل جهده، ومقاساة كدّه، واستعمال جدّه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٥] إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) من رام عن عهدة الإلزام خروجا انتهز للتأخير والتخلّف فرصة لعدم إيمانه وتصديقه، ولاستمكان الريبة من قلبه وسرّه. أولئك الذين يتقلبون فى ريبهم، ويترددون فى شكّهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٦] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) أي لو صدقوا فى الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سقمت إرادتهم، فحصلت دون الخروج بلادتهم، وكذلك قيل: لو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل

стр. 671

قوله جل ذكره: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ألزمهم الخروج من حيث التكليف، ولكن ثبّتهم فى بيوتهم بالخذلان فبالإلزام دعاهم، وبأمر التكوين أقصاهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٧] لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) أخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أن لو كان كيف يكون فقال: ولو ساعدوكم فى الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم فى الفتنة بينكم، والنميمة فيكم، والسعى فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلّفهم من نقصان عددكم. ومن ضرره أكثر من نفعه فعدمه خير من وجوده، ومن لا يحصل منه شىء غير شروره فتخلّفه أنفع من حضوره. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٨] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) إنّهم وإن أظهروا وفاقكم فقد استبطنوا نفاقكم أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن راموا بكيدهم تشويش أموركم، حتى كشف الله عوراتهم، وفضحهم، حتى تحذّرتم منهم بما تحققتم من أسرارهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٤٩] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)

стр. 672

أبرزوا قبيح فعالهم فى معرض التخرج، وراموا أن يلبّسوا على الرسول- صلى الله وسلم وعلى آله- وعلى المسلمين خبث «١» سيرتهم وسريرتهم، فبيّن الله أنّ الذين ( ... ) » بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلّة بما يهواه متطوح فى وادي بلواه، وسيلقى فى الآخرة من الهوان ما يغني عن الحاجة إلى البرهان. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٠] إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) هكذا صفة الحسود، يتصاعد أنين قلبه عند شهود الحسنى، ولا يسرّ قلبه غير حلول البلوى، ولا دواء، لجروح الحسود فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا: كلّ العداوة قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد وإن الله تعالى عجّل عقوبة الحاسد، وذلك: حزن قلبه بسلامة محسوده فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد «٣» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥١] قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) المؤمن لا تلحقه شماتة عدوّه لأنه ليس يرى إلا مراد وليّه، فهو يتحقق أنّ ما يناله مراد مولاه فيسقط عن قلبه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فيعذب عنده ما كان يصعب من بلواه، وفى معناه أنشدوا: إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح- إذا أرضاكم- ألم

стр. 673

ويقال شهود جريان التقدير يخفف على العبد تعب كلّ عسير. قوله: «هُوَ مَوْلانا» : تعريف للعبد أن له- سبحانه- أن يفعل ما يريد، لأنه تصرف مالك الأعيان فى ملكه، فهو يبدى ويجرى ما يريد بحقّ حكمه. ثم قال: «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» : وأول التوكل الثقة بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيان أمورك بما يغلب على قلبك من أذكاره. ويقال التوكل سكون السّرّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى الحلوّ والمرّ، والنعمة والمحنة. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٢] قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) بيّن الله فى هذه الآية الفرق بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قل للذين ينتظرون: أيها الكفار (إن كان «١» ) من شأن المؤمنين وقوع الدائرة عليهم فى القتال، أو أنّ القتل ينالهم فأىّ واحد من الأمرين ينالهم فهو لهم من الله نعمة لأنّا إن ظفرنا بكم فنصر وغنيمة، وعزّ للدّين ورفعة، وإن قتلنا فشهادة ورحمة، ورضوان من الله وزلفى. وإن كان الذي يصيبنا فى الدنيا هزيمة ونكبة، فذلك موجب للأجر والمثوبة، فإذا لن يستقبلنا إلا ما هو حسني ونعمة. وأمّا أنتم، فإن ظفرنا بكم فتعجيل لذلّكم ومحنة، وإن قتلتم فعقوبة من الله وسخطة، وإن كانت اليد لكم فى الحال فخذلان من الله، وسبب عذاب وزيادة نقمة. ويقال «هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ» إمّا قيام بحقّ الله فى الحال فنكون بوصف الرضاء وهو- فى التحقيق- الجنّة الكبرى، وإمّا وصول إلى الله تعالى فى المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى فى العقبى وهى الكرامة العظمى.

стр. 674

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٣] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) المردود لا يقبل منه توصّل «١» ، ولا يغيّر حكم شقاوته بتكثير التكلّف والتعمل. ويقال تقرّب العدوّ يوجب زيادة المقت له، وتحبّب الحبيب يقتضى زيادة العطف عليه، قال تعالى: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» «٢» قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٤] وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فقدوا الإخلاص فى أموالهم فعدموا الاختصاص فى أحوالهم، وحرموا الخلاص فى عاجلهم وفى مآلهم. قوله: «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى» : من أطاع من حيث العادة- من غير أن تحمله عليها لوعة الإرادة- لم يجد لطاعته راحة وزيادة. ويقال من لاحظ الخلق فى الجهر من أعماله، وركن إلى الكسل فى السّرّ من أحواله فقد وسم بالخذلان، وختم بالحرمان، وهذه هى أمارة الفرقة والقطيعة، قال تعالى: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٣» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٥] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) .

стр. 675

بيّن أن ما حسبوه نعمة واعتدّوه من الله منّة فهو- فى التحقيق- محنّة، وسبب شقاء وفرقة، وإنما دسّ التقدير لهم سموم الصّاب، فيما استلذوه من الشراب «أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» «١» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٦] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) التّقرّب بالأيمان الفاجرة لا يوجب للقلوب إلا بعدا عن القبول. ويقال إنّ إظهار التلبيس لا ( ... ) «٢» الأسرار بردّ السكون، ولا يشفى البصائر بردّ الثقة واليقين.. فما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا، وما هو كائن سيكون. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٧] لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) إن المماذق «٣» فى الخلّة ينسلّ عن سلكها بأضعف خلّة، وإن وجد مهربا آوى إليه، ويأمل أن ينال فرصة ما يتعلّل بها عند ذلك. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٨] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) أولئك أصحاب الأطماع يتملقون فى الظاهر ما دامت الأرفاق واصلة إليهم، فإن انقطعت انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة. ويقال من كان رضاؤه يوجدان سبب، وسخطه فى عدم ما يوصّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء، إنما هو قائم بحظّه، غير صالح للصحبة، وأمّا المتحقّق فكما قيل: فسرت إليك فى طلب المعالي ... وسار سواى فى طلب المعاش قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٥٩] وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)

стр. 676

لو وقفوا مع الله بسرّ الرضا لأتتهم فنون العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا مع الله- عند الوجدان «١» - ما لهم من الأدب، من غير معاناة تعب، ولا مقاساة نصب.. ولكنّهم عرّجوا فى أوطان الطمع فوقعوا فى الذّلّ والحرب. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٠] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) «٢» تكلّم الفقهاء فى صفة الفقير، والفرق بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه فى قسمة الزكاة المفروضة.. فأبو حنيفة رحمة الله عليه- يقول: المسكين الذي لا شىء له. والفقير الذي له بلغة من العيش. ويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شىء له، والمسكين الذي له بلغة من العيش- أي بالعكس. وأهل المعرفة اختلفوا فيه فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء وذلك لأن كلّ واحد منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فمن أهل المعرفة من رأى أنّ أخذ الزكاة المفروضة أولى، قالوا إن الله تعالى جعل ذلك ملكا للفقير، فهو أحلّ له مما يتطّوع به عليه. ومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى من أن يزاحموا أرباب السهمان- مع احتياجهم أخذ الزكاة- وقالوا: نحن آثرنا الفقر اختيارا. فلم نأخذ الزكاة المفروضة؟

стр. 677

ثم على مقتضى أصولهم فى الجملة- لا فى أخذ الزكاة- للفقر مراتب: أوّلها الحاجة ثم الفقر ثم المسكنة فذو الحاجة من يرضى بدنياه وتسدّ الدنيا فقره، والفقير من يكتفى بعقباه وتجبر الجنة فقره، والمسكين من لا يرضى بغير مولاه لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفى قال رسول الله ﷺ «اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا، واحشرنى فى زمرة المساكين» «١» وقال ﷺ «أعوذ بك من الفقر» لأن عليه بقية «٢» فهو ببقيته محجوب عن ربّه. ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شىء، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بلغة ليتفرّغ بوجود تلك البلغة إلى العبادة لأنه إذا لم تكن له بلغة شغله فقره عن أداء حقّه، ولذلك استعاذ منه. وقوم سمت همهم عن هذا الاعتبار- وهذا أولى بأصولهم- فالفقير الصادق عندهم من لاسماء تظله ولا أرض تقلّه ولا معلوم يشغله، فهو عبد بالله لله، يردّه إلى التمييز فى أوان العبودية، وفى غير هذا الوقت فهو مصطلم عن شواهده، واقف بربّه، منشق عن جملته. ويقال الفقير من كسرت فقاره- هذا فى العربية. والفقير- عندهم «٣» - من سقط اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست- لاستيلاء من اصطلمه- آثاره، فكأنه لم تبق منه إلا أخباره، وأنشدوا: أمّا الرسوم فخبّرت أنهم رحلوا قريبا ويقال المسكين هو الذي أسكنه حاله بباب مقصوده، لا يبرح عن سدّته، فهو معتكف بقلبه، لا يغفل لحظة عن ربّه.

стр. 678

وأمّا «العاملون عليها» فعلى لسان العلم: من يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة. وعلى لسان الإشارة: أولى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة من صدق فى أعماله لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عوضا، ولا يتطلبون فى مقابلة أحوالهم عرضا، وأنشدوا: وما أنا بالباغى على الحب رشوة ... قبيح هوىّ يرجى عليه ثواب «١» وأمّا المؤلّفة قلوبهم- على لسان العلم- فمن يستمال قلبه بنوع إرفاق معه، ليتوفّر فى الدين نشاطه فلهم من الزكاة سهم استعطافا لهم، وبيان ذلك مشهور فى مسائل الفقه. وحاشا أن يكون فى القوم «٢» من يكون حضوره بسبب طمع أو لنيل ثواب أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال.. فذلك فى صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا. من لم يكن بك فانيا عن حظه ... وعن الهوى والإنس والأحباب أو تيمته صبابة جمعت له ... ما كان مفترقا من الأسباب. فلأنّه بين المراتب واقف ... لمنال حظّ أو لحسن مآب «٣» قوله جل ذكره: وَفِي الرِّقابِ وهم على لسان العلم: المكاتبون، وشرحه فى مسائل الفقه معلوم. وهؤلاء «٤» لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم فى الدنيا والعقبى أرب، فهم لا يستفزّهم طلب، فمن كان به بقية من هذه الجملة فهو عبد لم يتحرر، قال رسول الله ﷺ وعلى آله: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وأنشد بعضهم: أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاى طلعة حرّ قوله جل ذكره: وَالْغارِمِينَ وهم على لسان العلم: من عليهم دين فى غير معصية.

стр. 679

وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق «١» ، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يقضى دينه. قوله جل ذكره: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. وعلى لسان العلم: من سلك سبيل الله وجب له فى الزكاة سهم على ما جاء بيانه فى مسائل الفقه. وفى هذه الطريقة: من سلك سبيل الله تتوجّب عليه المطالبات فيبذل أولا ماله ثم جاهه ثم نفسه ثم روحه.. وهذه أول قدم فى الطريق. قوله جل ذكره: وَابْنِ السَّبِيلِ وهو على لسان العلم: من وقع فى الغربة، وفارق وطنه على أوصاف مخصوصة. وعند القوم: إذا تغرّب العبد عن مألوفات أوطانه فهو فى قرى «٢» الحقّ فالجوع طعامه، والخلوة مجلسه، والمحبة شرابه، والأنس شهوده، والحقّ- تعالى- مشهوده. قال تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً» «٣» : لقوم وعد فى الجنة، ولآخرين نقد فى الوقت اليوم شراب المحابّ وغدا شراب الثواب، وفى معناه أنشدوا: ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا وأخرس لم ينطق ثلاثين حجّة ... أدرنا عليه الكأس يوما فأخبرا قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦١] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) عين العداوة بالمساوئ موكّلة، وعين الرضا عن المعايب كليلة. بسطوا اللائمة فى رسول الله ﷺ فعابوه بما هو أمارة كرمه، ودلالة فضله،

стр. 680

فقالوا: إنه بحسن خلقه يسمع ما يقال له، فقال ﵇: «المؤمن غرّ كريم والمنافق خبّ لئيم» «١» قوله جل ذكره: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وقيل: من العاقل؟ قالوا: الفطن المتغافل. وفى معناه أنشدوا: وإذا الكريم أتيته بخديعة ... ولقيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا ... إنّ الكريم- بفضله- يتخادع قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٢] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أخبر أنّ من تزيّن للخلق، وتقرّب إليهم وأدام رضاهم، واتّبع فى ذلك هواهم، فإن الله سبحانه يسقط به عن الخلق جاههم، ويشينهم فيما توهموا أنه يزينهم، والذي لا يضيع ما كان لله، فأمّا ما كان لغير الله فوبال لمن أصابه، ومحال ما طلبه. ويقال إنّ الخلق لا يصدقونك وإن حلفت لهم، والحقّ يقبلك وإن تخلّفت عنه فالاشتغال بالخلق محنة أنت غير مأجور عليها، والإقبال على الحقّ نعمة أنت مشكور عليها. والمغبون من ترك ما يشكر عليه ويؤثر ما لا يؤجر عليه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٣] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)

стр. 681

من كفر بالله وأشرك فى توحيده بإثبات موهوم استحق ما هو حقّ لله: تعجّل عقوبته فى الحال بالفرقة، وفى المال بالخلود فى الحرقة. فليس كلّ من مني «١» بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا: غدا يتفرّق أهل الهوى ... ويكثر باك ومسترجع قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٤] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) ظنّوا أنّ الحقّ- سبحانه- لا يفضحهم، فدلّوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه سرائرهم، فأرخى «٢» الله- سبحانه- عنان إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم ففضحهم عند أهل التحقيق، فتقنعوا بخمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامن الاعتبار. ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار! «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» «٣» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٥] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) من استهان بالدّين، ولم يحتشم من ترك حرمة الإسلام جعله الله فى الحال نكالا، وسامه فى الآخرة صغرا وإذلالا، والحقّ- سبحانه- لا يرضى دون أن يذيق العتاة بأسه، ويسقى كلا- على ما يستوجبه- كأسه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٦] لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ

стр. 682

«١» جرّد العفو والعذاب من علّة الجرم، وسبب الفعل من حجّة العبد حيث أحال الأمر على المشيئة.. إذ لو كان الموجب لعفوه أو تعذيبه صفة العبد لسوّى بينهم عند تساويهم فى الوصف، فلمّا اشتركوا فى الكفر بعد الإيمان، وعفا عن بعضهم وعذّب بعضهم دلّ على أنه يفعل ما يشاء، ويختصّ من يشاء بما يشاء «٢» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٧] الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) المؤمن بالمؤمن يتقوّى، والمنافق بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على ألّافها تقع. فالمنافق لصاحبه أسّ «٣» به قوامه، وأصل به قيامه بعينه على فساده، ويعمّى عليه طريق رشاده. والمؤمن ينصر المؤمن ويبّصره عيوبه، ويبّغض لديه ويقبّح- فى عينه- ذنوبه، وهو على السداد ينجده، وعن الفساد يبعده. قوله جل ذكره: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ. عن طلب الحوائج من الله تعالى قوله جل ذكره: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. جازاهم على نسيانهم، فسمّى جزاء النسيان نسيانا.. تركوا طاعته، وآثروا مخالفته، فتركهم وما اختاروه لأنفسهم، قال تعالى: «وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» .

стр. 683

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٨] وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) وعدهم النار فى الآخرة، ولهم العذاب المقيم فى الحاضرة، فمؤجّل عذابهم الحرقة، ومعجّله الفرقة. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٦٩] كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) يقال: سلكتم طريق من قبلكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق فى كثرة المدّة وقوة العدّة، والاستمتاع فى الدنيا، والاغترار بالانخراط فى سلك الهوى.. ولكن لم تدم فى الراحة مدّتهم، ولم تغن عنهم يوم الشدّة عدّتهم، وعما قريب يلحق بكم ما لحق بالذين هم قبلكم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٠] أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)

стр. 684

ألم ينته إليهم خبر القرون الماضية، ونبأ الأمم الخالية كيف دمّرنا عليهم جمعهم، وكيف بدّدنا شملهم؟ قضينا فيهم بالعدل، وحكمنا باستئصال الكلّ، فلم يبق منهم نافخ نار، ولم يحصلوا إلّا على عار وشنار. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧١] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) يعين «١» بعضهم بعضا على الطاعات، ويتواصون بينهم بترك المحظورات فتحابّهم فى الله، وقيامهم بحقّ الله، وصحبتهم لله، وعداوتهم لأجل الله تركوا حظوظهم لحقّ الله، وآثروا على هواهم رضاء الله. أولئك الذين عصمهم الله فى الحال، وسيرحمهم فى المال. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٢] وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) وعدهم جميعا الجنة، ومساكن طيبة، ولا يطيب المسكن إلا برؤية المحبوب، وكلّ محب يطيب مسكنه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون فى الهمم فمن مربوط بحظّ مردود إلى الخلق، ومن مجذوب بحقّ موصول بالحق، وفى الجملة الأمر كما يقال:

стр. 685

أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتم عنها ونحن حضور! ويقال قوم يطيب مسكنهم بوجود عطائه، وقوم يطيب مسكنهم بشهود لقائه، وأنشدوا: وإنّى لأهوى الدار لا يستقرّ لى ... بها الودّ إلا أنّها من دياركا ثم قال: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» : وأمارة أهل الرضوان وجدان طعمه فهم فى روح الأنس، وروح الأنس لا يتقاصر عن راحة دار القدس بل هو أتمّ وأعظم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٣] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) دعا نبيّنا- ﷺ كافة الخلق إلى حسن الخلق. قال لموسى ﵇: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً» «١» . وقال لنبيّنا- ﷺ : «وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» «٢» ويقال إنما قال هذا بعد إظهار الحجج، وبعد ما أزاح عذرهم بأيام المهلة ففى الأول أمره بالرّفق حيث قال: «إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ» «٣» ، فلما أصروا واستكبروا أمره بالغلظة عليهم. والمجاهدة أولها اللسان لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إن حصل من العدوّ جحد بعد إزاحة العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إن لم ينجع الكلام ولم ينفع الملام فالقتال والحرب وبذل الوسع فى الجهاد. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٤] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)

стр. 686

تستّروا بأيمانهم فهتك الله أستارهم وكشف أسرارهم. قوله: «وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ» : وهى طعنهم فى نبوّة رسول الله- ﷺ . وكلّ من وصف المعبود بصفات الخلق أو أضاف إلى الخلق ما هو من خصائص نعت الحقّ فقد قال كلمة الكفر. قوله جل ذكره: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ أي أظهروا من شعار الكفر ما دلّ على جحدهم بقلوبهم بعد ما كانوا يظهرون الموافقة والاستسلام وهمّوا بما لم ينالوا من قتل لرسول الله ﷺ ، وما سوّلت أنفسهم أنه يخرج الأعزّ منها الأذلّ، وغير ذلك. يقال تمنوا زوال دولة الإسلام فأبى الله إلا إعلاء أمرها. ثم قال: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» : أي ما عابوه إلا بما هو أجلّ خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه. قوله جل ذكره: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وأقوى أركان التوبة حلّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حقّ الأمر على وجه الاستقصاء. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)

стр. 687

منهم من أكّد العقد مع الله، ثم نقضه، فلحقه شؤم ذلك فبقى خالدا فى نفاقه. ويقال تطلّب إحسان ربّه، وتقرّب إليه بإبرام عهده فلمّا حقّق الله مسئوله واستجاب مأموله، فسخ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البخل، فضنّ بإخراج حقه، فلحقه شؤم نفاقه، بأن بقي إلى الأبد فى أسره. وحدّ البخل- على لسان العلم- منع الواجب. وبخل كلّ أحد على ما يليق بحاله، وكلّ من آثر شيئا من دون رضاء ربّه فقد اتصف ببخله، فمن يبخل بماله تزل عنه البركة حتى يئول إلى وارث أو يزول بحارث. ومن يبخل بنفسه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحة حتى لا يستمتع بحياته. والذي يبخل بروحه عنه يعاقب بالخذلان حتى تكون حياته سببا لشقائه. قوله جلّ ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٧] فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أعقبهم ببخلهم نفاقا فى قلوبهم، ويصحّ أعقبهم الله نفاقا فى قلوبهم، وفى الجملة: من نقض عهده فى نفسه رفض الودّ من أصله، وكلّ من أظهر فى الجملة خيرا واستبطن شرا فقد نافق بقسطه. والمنافق فى الصف الأخير فى دنياه، وفى الدّرك الأسفل من النار فى عقباه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٨] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) خوّفهم بعلمه كما خوّفهم بفعله فى أكثر من موضع من كتابه. و «سِرَّهُمْ» مالا يطلع عليه غير الله. و «نَجْواهُمْ» ما يتسارّون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكون ما لنفوسهم عليه إشراف من خواطرهم»

стр. 688

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٧٩] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) عابوا الذين قصرت أيديهم عن الإكثار فى الصدقة وجادوا بما وصلت إليه أيديهم، فشكر الله سعى من أخلص فى صدقته بعد ما علم صدقه فيها. وقليل أهل الإخلاص أفضل من كثير أهل النفاق. ولمّا أوجدوا «١» المسلمين بسخريتهم وصف الله- نفسه بما يستحيل فى وصفه- على التحقيق- وهو السخرية بأحد.. تطبيبا لقلوب أوليائه، فقد تقدّس عن ذلك لعزّة ربوبيته. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٠] اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) ختم القضايا بأنّه لا يغفر لأهل الشرك والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ينتعش منهم الساقط. ويقال من غلبته شقوتنا لم ينفعه (تضرعه) «٢» ودعوته. ويقال صريع القدرة لا ينعشه الجهد والحيلة.

стр. 689

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨١] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) استحوذ عليهم سرورهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورهم فى تأخرهم وما آثروه من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج فى صحبة رسول الله- ﷺ ، فنزع الله الراحة بما عاقبهم، وسيصلون سعيرا فى الآخرة بما قدّموه من نفاقهم، وسوف يتحسرّون ولات حين تحسّر. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٢] فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) بدّل الله مسرّتهم بحسرة، وفرحتهم بترحة، وراحتهم بعبرة، حتى يكثر بكاؤهم فى العقبى كما كثر ضحكهم فى الدنيا، وذلك جزاء من كفر بربه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٣] فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) يقول: بعد ما ظهرت خيانتهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تنخذع بتملقهم، ولا تثق بقولهم، ولا تمكّنهم من صحبتك فيما يظهرونه من وفاقك «١» . فإذا وهن سلك العهد فلا يحتمل بعده الشّدّ، وإذا اتسع الخرق لا ينفع بعده الرّقع. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٤] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)

стр. 690

«١» ليس بعد التّبرّى التولي، ولا بعد الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنّهم تحقيق، ولكن سبق لهم القضاء بالشقاوة، ونعوذ بالله من سوء الخاتمة. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٥] وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) يقول لا تحسبنّ تمكين أهل النّفاق من تنفيذ مرادهم، وتكثير أموالهم إسداء معروف منّا إليهم، أو إسباغ إنعام من لدّنا عليهم، إنما ذلك مكر بهم، واستدراج لهم، وإمهال لا إهمال. وسيلقون غبّه «٢» عن قريب. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٦] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) إذا توجّه عليهم الأمر بالجهاد، واشتدّ عليهم حكم الإلزام، تعلّلوا إلى السّعة «٣» ، وركنوا إلى اختيار الدّعة واحتالوا فى موجبات التّخلّف، أولئك الذين خصّهم «٤» بخذلانه، وصرف قلوبهم عن ابتغاء رضوانه.

стр. 691

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٧] رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) بعدوا عن بساط العبادة فاستطابوا الدّعة، ورضوا بالتعريج فى منازل الفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بصدق النّدم لقابلهم بالفضل والكرم، ولكن القضاء غالب، والتكلف ساقط. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٨] لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) ليس من أقبل كمن أعرض وصدّ «١» ، ولا من قبل أمره كمن ردّ، ولا من وحّد كمن جحد، ولا من عبد كمن عند، ولا من أتى كمن أبى ... فلا جرم ربحت تجارتهم، وجلت رتبتهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٨٩] أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) تشير الآية إلى أن راحاتهم موعودة، وإن كانت الأتعاب «٢» فى الحال موجودة مشهودة. ويقال صادق يقينهم بالثواب يهوّن عليهم مقاساة ما يلقونه- فى الوقت- من الأتعاب. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٠] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)

стр. 692

وهم أصحاب الأعذار- فى قول أهل التفسير- طلبوا الإذن فى التأخر عن رسول الله- ﷺ فى غزوة تبوك فسقط عنهم الّلوم. أما الذين تأخروا بغير عذر فقد توجّه عليهم اللوم، وهو لهم فى المستقبل الوعيد. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩١] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) قيمة الفقر تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن فى القلة خير إلا هذا لكفى لهذا بهذا فضيلة بقوا فى أوطانهم ولم يتوجّه عليهم بالجهاد أمر، ولا بمفارقة المنزل امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقاد أن لو قدروا لخرجوا. وأصحاب الأموال امتحنوا- اليوم- يجمعها ثم بحفظها، ثم ملكتهم محنتها حتى شقّت عليهم الغيبة عنها، ثم توجّه اللوم عليهم فى ترك إنفاقها، ثم ما يعقبه- غدا- من الحساب والعذاب يربو على الجميع. وإنّما رفع الحرج عن أولئك «١» بشرط وهو قوله: «إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» فإذا لم يوجد هذا الشرط فالحرج غير مرتفع عنهم. قوله: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» : المحسن الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا فى حقّ الله ولا فى حقّ الخلق «٢» .

стр. 693

ويقال هو الذي يعلم أنّ الحادثات كلّها من الله تعالى. ويقال هو الذي يقوم بحقوق ما نيط به أمره فلو كان طير فى حكمه وقصّر فى علفه- لم يكن محسنا. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٢] وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) منعهم الفقر عن الحراك فالتمسوا من الرسول- ﷺ أن يحملهم معه ويهبىء أسبابهم، ولم يكن فى الحال للرسول ﵇ سعة ليوافق سؤلهم، وفى حالة ضيق صدره- ﷺ حلف إنه لا يحملهم، ثم رآهم ﷺ يتأهبون للخروج، وقالوا فى ذلك، فقال ﵇: إنما يحملكم الله. فلمّا ردّهم الرسول- ﷺ عن الإجابة فى أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: «تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» كما قال قائلهم: قال لى من أحبّ والبين قد ... حلّ ودمعى مرافق لشهيقى ما ترى فى الطريق تصنع بعدي؟ قلت: أبكى عليك طول الطريق قوله: «حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» شقّ عليهم أن يكون على قلب الرسول- ﷺ بسببهم شغل فتمنّوا أن لو أزيح هذا الشغل، لا ميلا إلى الدنيا ولكن لئلا تعود إلى قلبه- ﵇ من قبلهم كراهة، ولهذا قيل: من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج ممجج مملول ثم إنّ الحقّ- سبحانه- لمّا علم ذلك منهم، وتمحضت قلوبهم للتعلّق بالله، وخلت عقائدهم عن مساكنة مخلوق تدارك الله أحوالهم فأمر الله رسوله ﵇ أن يحملهم.. بذلك جرت سنّته، فقال: «وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا» «١»

стр. 694

قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٣] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك فى الخروج إلى الجهاد ولهم الأهبة والمكنة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعة والقدرة فإذا استأذنوك للخروج وأظهروا «١» لم يصدقوا، فهم مستوجبون للنكير عليهم، لأنّ من صدق فى الولاء لا يحتشم من مقاساة العناء، والذي هو فى الولاء مماذق وللصدّق مفارق يتعلّل بما لا أصل له، لأنه حرم الخلوص فيما هو أهل له، وكذا قيل: إنّ الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا قوله جل ذكره: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ قيل فى التفسير: مع النساء فى البيوت. والإسلام يثنى على الشجاعة، وفى الخبر: إن الله تعالى يحب الشجاعة، ولو على قتل حية، وفى معناه أنشدوا. كتب القتل والقتال «٢» علينا وعلى المحصنات جرّ الذّيول ومن استوطن مركب الكسل، واكتسى لباس الفشل، وركن إلى مخاريق الحيل حرم استحقاق القربة. ومن أراد الله- تعالى- هو انه، وأذاقه خذلانه، فليس له عن حكم الله مناص. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٤] يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)

стр. 695

أراد إذا تقوّلوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا فى تخلفهم به يتّصفون- فأخبروهم أنّا عرّفنا الله كذبكم فيما تقولون، واتضحت لنا فضائحكم، وتميّز- بما أظهره الله لنا- سيّئكم وصالحكم، فإنّ الله تعالى لا يخفى عليه شىء من أحوالكم، وستلقون غبّ أعمالكم فى آجلكم «١» . قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٥] سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يريد أنهم فى حلفهم بالله لكم أن يدفع السوء من قبلكم، وليس قصدهم بذلك خلوصا فى اعتذارهم، ولا ندامة على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتعرضوا عنهم ... فأعرضوا عنهم فإنّ ذلك ليس بمنجيهم مما سيلقونه غدا من عقوبة الله لهم، فإنّ الله يمهل العاصي حتى يتوهّم أنه قد تجاوز عنه، وما ذلك إلا مكر عومل به، فإذا أذاقه ما يستوجبه علم أن الأمر بخلاف ما ظنه، وما ينفع ظاهر مغبوط، والحال- فى الحقيقة- يأس من الرحمة وقنوط، وفى معناه قالوا: وقد حسدونى فى قرب دارى منهم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد! قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٦] يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) من كان مسخوط الحقّ لا ينفعه أن يكون مرضىّ الخلق، وليست العبرة بقول غير الله إنّما المدار على ما سبق من السعادة فى حكم الله. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٧] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)

стр. 696

جبلت قلوبهم على القسوة فلم تقرعها هواجم الصفوة، وكانوا عن أشكالهم فى الخلقة مستأخرين بما ( ... ) «١» من سوء الخلق فهم من استبانة الحقائق أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٨] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) خبثت عقائدهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المحن بهم، فأبى الله إلا أن يحيق بهم مكرهم، ولهذا قيل فى المثل: إذا حفرت لأخيك فوسّع فربما يكون ذلك مقيلك! ويقال من نظر إلى ورائه يوفّق فى كثير من تدبيره ورأيه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ٩٩] وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) تنوّعوا فمنهم من غشّ ولم يربح، ومنهم من نصح فلم ليخسر، فأمّا الذين مذقوا فهم فى مهواة هوانهم، وأما الذين صدقوا ففى روح إحسانهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٠] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)

стр. 697

السابقون مختلفون فمن سابق بصدق قدمه، ومن سابق بصدق هممه. ويقال السابق من ساعدته القسمة بالتوفيق، وأسعدته القضية بالتحقيق، فسبقت له من الله رحمته. ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له. ويقال جمع الرّضاء صفّيهم: السابق منهم واللاحق بهم قال تعالى: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» . ويقال ليس اللاحق كالسابق، فالسابق فى روح الطلب، واللاحق فى مقاساة التعب، ومعاناة النّصب، وأنشدوا: السّباق السّباق قولا وفعلا ... حذّروا النّفس حسرة المسبوق ويقال رضاهم عن الله قضية رضاء الله عنهم فلولا أنه رضى عنهم فى آزاله ... فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟! قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠١] وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) تشاكل المخلص والمنافق فى الصورة فلم يتميّز بالمباني، وإن تنافيا فى الحقائق والمعاني وتقاصر علمهم عن العرفان فهتك الله لنبيّه أستارهم.. فعرفهم، وهم بإشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة فى أوطان نفاقهم مصروفون، فلم ينفعهم طول إمهاله لهم.

стр. 698

«سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ» : الأولى فى الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها فى الآخرة عوض ولا أجر ولا مسرّة، والثانية عذاب القبر. وقيل المرة الأولى بقبض أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يمتحنون بالعذاب الأكبر. ويقال المرة الأولى ظنّهم نهم على شىء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٢] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) إن اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرار توكيد الحقوق فيما بين الخلق فى مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله- سبحانه- يوجب إسقاط الجرم فى مقتضى سنّة كرم الحقّ- سبحانه، وفى معناه أنشدوا: قيل لى: قد أساء فيك فلان ... وسكوت الفتى على الضيم عار قلت: قد جاءنى فأحسن عذرا ... دية الذّنب عندنا الاعتذار «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً» : ففى قوله «وَآخَرَ سَيِّئاً» بعد قوله «صالِحاً» دليل على أن الزّلّة لا تحبط ثواب الطاعة إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا. وكذلك قوله: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» : وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شىء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأنّ قوله صدق.. فإذا أخبر أنّه يجيب فإنه يفعل، فيجب منه لا يجب عليه «١» . ويقال قوله: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً» : يحتمل معناه أنهم يتوبون فالتوبة عمل صالح. وقوله: «وَآخَرَ سَيِّئاً» : يحتمل أنه نقضهم التوبة، فتكون الإشارة فى قوله: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زلّتهم فواجب منّا أن

стр. 699

نتوب عليهم، ولئن بطلت- بنقضهم- توبتهم.. لما اختلّت- بفضلنا- توبتنا عليهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٣] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) : تطهرهم من طلب الأعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها. تطهرهم بها عن شحّ نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم فيروا عظيم منّة الله عليهم بوجدان التجرّد منها. «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» : إن تعاشرهم بهمّتك معهم أثمن لهم من استقلالهم بأموالهم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٤] أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) تمدّح- سبحانه- بقبول توبة العاصين إذ بها يظهر كرمه، كما تمدّح بجلال عزّه ونبّههم على أن يعرفوا به جلاله وقدمه. وكما توحّد باستحقاق كبريائه وعظمته تفرّد بقبول توبة العبد عن جرمه وزلّته. فكما لا شبيه له فى جماله وجلاله لا شريك له فى أفضاله وإقباله يأخذ الصدقات- قلّت أو كثرت، فقدر الصّدقة وخطرها بأخذه لها لا بكثرتها وقلّتها قلّت فى الصورة صدقتهم ولكن لمّا أخذها وقبلها جلّت بقبوله لها، كما قيل: يكون أجاجا- دونكم، فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب قوله تعالى: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٥] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)

стр. 700

خوّفهم برؤيته- سبحانه- لأعمالهم، فلمّا علم أنّ فيهم من تتقاصر حالته عن الاحتشام لأّطلاع الحقّ قال: «وَرَسُولُهُ» ، ثم قال لمن نزلت رتبته: «وَالْمُؤْمِنُونَ» . وقد خسر من لا يمنعه الحياء، ولا يردعه الاحتشام، وسقط من عين الله من هتك جلباب الحياء، كما قيل: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه ومن لم يمنعه الحياء عن تعاطى المكروهات فى العاجل سيلقى غبّ ذلك، وخسرانه عن قريب فى الآجل. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٦] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) لم يصرّح بقبول توبتهم، ولم يسمهم باليأس من غفرانه، فوقفوا على قدم الخجل، متميلين بين الرهبة والرغبة، متردّدين بين الخوف والرجاء. أخبر الله- سبحانه- أنّه إن عذّبهم فلا اعتراض يتوجّه عليه، وإن رحمهم فلا سبيل لأحد إليه، قال بعضهم: ويشبعنى من الآمال وعد ... ومن علمى بتقصيري وعيد قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٧] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) من لم يكن مخلصا فى ولائه لم يأنس القلب بكدّه وعنائه، فتودّده فى الظاهر ينادى عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلّف شهادة صدق على عدم صفائه:

стр. 701

من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٨] لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) المقام فى أماكن العصيان، والتعزيج فى أوطان أهل الجحود والطغيان- من علامات الممالأة مع أربابها، وسكّانها وقطّانها. والتباعد عن مساكنهم، وهجران من جنح إلى مسالكهم علم لمن أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سرّه عداوتهم. «فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا» : يتطهرون عن المعاصي وهذه سمة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأمانى وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين. قوله «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» : أسرارهم «١» عن المساكنة إلى كل مخلوق، أو ملاحظة كل محدث مسبوق. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١٠٩] أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) المريد يجب أن يؤسّس بنيانه على يقين صادق فيما يعتقده، ثم على خلوص فى العزيمة ألا ينصرف قبل الوصول عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن جميع مناه وشهواته، وماربه ومطالبه، ثم يبنى أمره على دوام ذكره بحيث لا يعترضه نسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم ... بالإيثار على نفسه. والذي ضيّع الأصول

стр. 702

فى ابتدائه حرم الوصول فى انتهائه، والذي لم يحكم الأساس فى بنائه سقط السّقف على جدرانه. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١١٠] لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) عروق النّفاق لا تقتلع من عرصات اليقين إلا بمنجل التّحقّق بصحيح البرهان فمن أيّد لإدامة المسير، ووفّق لتأمل البرهان وصل إلى ثلج الصدر وروح العرفان. ومن أقام على معتاد التقليد لم يسترح قلبه من كدّ التردّد، وظلمة التجويز، وجولان الخواطر المشكلة فى القلب. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١١١] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) لمّا كان من المؤمنين تسليم أنفسهم وأموالهم لحكم الله، وكان من الله الجزاء والثواب أي هناك عوض ومعوّض، فلما بين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظ الاشتراء، وقد قال تعالى: «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ ... » «١» ، وقال: «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» «٢» . وفى الحقيقة لا يصحّ فى وصف الحق- سبحانه- الاشتراء لأنه مالك سواه، وهو مالك الأعيان كلّها. كما أنّ من لم يستحدث ملكا لا يقال إنه- فى الحقيقة- باع.

стр. 703

وللمقال فى هذه الآية مجال ... فيقال: البائع لا يستحقّ الثمن إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبد الجزاء الموعود إلا بعد تسليم النّفس والمال على موجب أوامر الشرع، فمن قعد أو فرّط فغير مستحق للجزاء. ويقال لا يجوز فى الشرع أن يبيع الشخص ويشترى شيئا واحدا فيكون بائعا ومشتريا إلا إذا كان أبا وجدا! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة فالحقّ بإذنه كانت رحمته بالعبد أتمّ، ونظره له أبلغ، وكان للمؤمن فيه من الغبطة ما لا يخفى، فصحّ ذلك وإن كان حكمه لا يقاس على حكم غيره. ويقال إنما قال: «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ» ولم يقل «قلوبهم» لأنّ النّفس محل الآفات فجعل الجنة فى مقابلتها، وجعل ثمن القلب أجلّ من الجنة، وهو ما يخصّ به أولياء فى الجنة من عزيز رؤيته «١» . ويقال النّفس محلّ العيب، والكريم يرغب فى شراء ما يزهد فيه غيره. ويقال من اشترى شيئا لينتفع به اشترى خير ما يجده، ومن اشترى شيئا لينتفع به غيره يشترى ما ردّ على صاحبه لينفعه بثمنه. وفى بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء- ﵈: يا بنى آدم، ما خلقتكم لأربح عليكم ولكن خلقتكم لتربحوا علىّ. ويقال اشترى منهم نفوسهم فرهبوا على قلوبهم شكرا له حيث اشترى نفوسهم، وأمّا القلب فاستأثره قهرا، والقهر فى سنّة الأحباب أعزّ من الفضل، وفى معناه أنشدوا: بني الحبّ على القهر فلو ... عدل المحبوب يوما لسمج ليس يستحسن فى حكم الهوى ... عاشق يطلب تأليف الحجج وكان الشيخ أو على الدقاق «٢» ﵀ يقول: «لم يقل اشترى قلوبهم لأن القلوب وقف على محبته، والوقف لا يشترى» .

стр. 704

ويقال الطير فى الهواء، والسّمك فى الماء لا يصحّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلب ... صاحبه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» «١» وفى التوراة: «الجنّة جنتى والمال مالى فاشتروا جنتى بمالى فإن ربحتم فلكم وإن خسرتم فعلىّ» ويقال علم سوء خلقك فاشتراك قبل أن أوجدك، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حقّ الاعتراض عند بلوغك. ويقال ليس للمؤمن أن يتعصّب لنفسه بحال لأنها ليست له، والذي اشتراها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبي عنها. ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يدّعى العبد فيها فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يعجب بها «٢» . قوله: «فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» سيّان «٣» عندهم أن يقتلوا أو يقتلوا، قال قائلهم: وإنّ دما أجريته لك شاكر ... وإنّ فؤادا خرته لك حامد ويقال قال: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ» ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن منّا بيع، وإنما أخبر عن نفسه بقوله «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فجعل بيعه بيعنا، وهذا مثلما قال فى صفة نبيه- ﷺ : «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» وهذا عين الجمع الذي أشار إليه القوم. قوله جل ذكره: [سورة التوبة (٩) : آية ١١٢] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) مدحهم بعد ما أوقع عليهم سمة الاشتراء بقوله «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ... » ومن رضى بما اشتراه فإنّ له حقّ الردّ إذا لم يعلم العيب وقت الشّراء، فأمّا إذا كان عالما به

стр. 705

فليس له حقّ الردّ قال تعالى: «وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ» «١» . ويقال من اشترى شيئا فوجد به عيبا ردّه على من منه اشتراه ولكنه- سبحانه- اشترى نفوسنا منه، فإذا أراد الردّ فلا يردّ إلا على نفسه قال تعالى: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» وكما أنّ الردّ إليه فلو ردّنا كان الردّ عليه. قوله تعالى: «التَّائِبُونَ» أي الراجعون إلى الله، فمن راجع يرجع عن زلّته إلى طاعته، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق فى حقائق حقّه. ويقال تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله فيجد غدا فنون أفضاله، وصنوف لطفه ونواله، وتائب يرجع عن كل غير وضد إلى ربّه بربّه لربّه بمحو كلّ أرب، وعدم الإحساس بكلّ طلب. وتائب يرجع لحظّ نفسه من جزيل ثوابه أو حذرا- على نفسه- من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لمّا سمع أنه قال: إنّ الله أفرح بتوبة عبده من الأعرابى الذي وجد ضالّته- كما فى الخبر، وشتّان ما هما! وأنشدوا: أيا قادما من سفرة الهجر مرحبا ... أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا وأمّا قوله «الْعابِدُونَ» : فهم الخاضعون بكلّ وجه، الذين لا تسترقّهم كرائم الدنيا، ولا تستعبدهم عظائم العقبي. ولا يكون العبد عبد الله- على الحقيقة- إلا بعد تجرّده عن كل شىء حادث. وكلّ أحد فهو له عبد من حيث الخلقة قال تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» «٢» . ولكنّ صاحب العبودية خاصّ، وهو عزيز.
следующие страницы →