← Тафсир

Тафсир · id 23629

لطائف الإشارات = تفسير القشيري

عبد الكريم القشيري

Полный текст (2 083 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٠] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) فأمّا الذين آمنوا فهم الذين كحل الحقّ أبصار قلوبهم بنور اليقين، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وسم قلوبهم بالعمى فزلّوا- بالضلالة- عن الهدى.. تلك سنّة الله فى الطائفتين، ولن تجد لسنّة الله تحويلا. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤١] وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) برح الخفاء، واستبانت الحقائق، وامتاز «١» الطريقان، فلا المحسن بجرم المسيء معاقب، ولا المسيء بجرم المحسن معاتب، كلّ على حدة بما يعمله وعلى ما يفعله محاسب. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٢] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) من استمع بتكلفه ازداد فى تخلّفه بزيادة تصرفه، ومن استمع الحقّ بتفضّله- سبحانه- استغنى فى إدراكه عن تعمّله. والحقّ- سبحانه- يسمع أولياءه ما يناجيهم به فى أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة «٢» قابلوه بالقبول لما سبق لهم من استماع الحقّ. ومن عدم استماع الحقّ إياه من حيث التفهيم لم يزده سماع الخلق إلا جحدا على جحد، ولم يحظ به إلا بعدا على بعد. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٣] وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) من سدّت بصيرته بالغفلة والغيبة لم يزده إدراك البصر إلا حجبة على حجية، ومن

стр. 737

لم ينظر إلى الله بالله، ولم يسمع من الله بالله، فقصاراه العمى والصمم، «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» «١» وقال ﵇ فيما أخبر عن الله: «فى يسمع وبى يبصر» «٢» . وأنشد قائلهم: تأمّل بعين الحقّ إن كنت ناظرا ... إلى منظر منه إليه يعود قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٤] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) نفى عن نفسه ما يستحيل تقديره فى نعته، وكيف يوصف بالظلم وكلّ ما يتوّهم أن لو فعله كان له ذلك؟ إذ الحقّ حقّه والملك ملكه. ومن لا يصحّ تقدير قبيح منه- أنّى يوصف بالظلم جوازا أو وجوبا؟! قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٥] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) الأيام والشهور، والأعوام والدهور بعد مضيها فى حكم اللحظة لمن تفكّر فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب، وكأنّ قدر الماضي من الدهر لم يعهد. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٦] وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) .

стр. 738

معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق و، بعد النّشرح حشر، وفى ذلك الوقت مطالبة وحساب، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلوم مشاهدا موجودا! قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٧] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) لم يخل زمانا من شرع، ولم يخل شرعا من حكم، ولم يخل حكما مما يعقبه من ثواب وعقاب. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٨] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) الاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب، فأمّا أهل التحقيق فليس لهم لوارد يرد عليهم اشتغال قبل وجوده، أو استعجال على حين كونه، ولا إذا ورد استقبال لما تضمنه حكمه فهم مطروحون فى أسر الحكم، لا يتحرك منهم- باختيارهم- عرق. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٤٩] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) المملوك متى يكون له ملك؟! وإذا كان سيّد البرايا- ﵊ لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا.. فمن نزلت رتبته، وتقاصرت حالته متى يملك ذرة أو تكون باختياره وإيثاره شمة؟ طاح الذي لم يكن «١» - فى التحقيق، وتفرّد الجبار بنعت الملكوت.

стр. 739

قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٠] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) من عرف كمال القدرة لم يأمن فجأة الأخذ بالشدة، ومن خاف البيات لم يستلذ السّبات. ويقال من توسّد الغفلة أيقظته فجاءة العقوبة، ومن استوطن مركب الزّلّه عثر فى وهدة المحنة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥١] أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) بعد انتهاك ستر الغيب لا يقبل تضرع المعاذير. ويقال لا حجّة بعد إزاحة العلة، ولا عذر بعد وضوح الحجة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٢] ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) لا تكلف نفس إلا تجرع ما منه سقت، ولا يحصد زارع غلّة إلا ما منه زرع، وفى معناه قالوا: سننت فينا سننا ... قذف البلايا عقبه يصبر على أهوالها ... من برّ يوما ربّه «١» قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٣] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) صرّح بالإخبار عند استخبارهم، وأعلم بما يزيل الشّبهة عمّا التبس على جهّالهم، وأكّد إخبارك بما تذكره من القسم واليمين، مضافا ذلك إلى ما تسلفه من التّبيين. على أنه لا ينفعهم

стр. 740

نصحك، ولا يؤثّر فيهم وعظك.. كيف لا؟ وقد جرّعوا شراب الحجبة، ووسموا بكىّ الفرقة فلا بصيرة لهم ولا ( ... ) «١» ولا فهم ولا حصافة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٤] وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) لا يقبل منهم عدل ولا سرف «٢» ، ولا يحصل فيما سبق لهم من الوعيد خلف. ولا ندامة تنفعهم وإن صدقوها، ولا كرامة تنالهم وإن طلبوها، ولا ظلم يجرى عليهم ولا حيف، كلا ... بل هو الله العدل فى قضائه، الفرد فى علائه بنعت كبريائه. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٥] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) الحادثات بأسرها لله ملكا، وبه ظهورا، ومنه ابتداء، وإليه انتهاء فقوله حقّ، ووعده صدق، وأمره حتم، وقضاؤه بات. وهو العلىّ، وعلى ما يشاء قوى. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٦] هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يحيى القلوب بأنوار المشاهدة، ويميت النفوس بأنواع المجاهدة، فنفوس العابدين تلفها فنون المجاهدات، وقلوب العارفين شرفها عيون المشاهدات. ويقال يحيى من أقبل عليه، ويميت من أعرض عنه. ويقال يحيى قلوب قوم بجميل الرجاء، ويميت قلوب قوم بوسم القنوط. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٧] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)

стр. 741

الموعظة للكافة.. ولكنها لا تنجع في أقوام، وتنفع فى آخرين فمن أصغى إليها بسمع سرّه اتضح نور التحقيق فى قلبه، ومن استمع إليها بنعت غيبته ما اتصف إلا بدوام حجبته. ويقال الموعظة لأرباب الغيبة ليئوبوا، والشّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا. ويقال «الموعظة» : للعوام، «والشفاء» : للخواص، «والهدى» لخاص الخاص، «والرحمة» لجميعهم، وبرحمته وصلوا إلى ذلك. ويقال شفاء كلّ أحد على حسب دائه، فشفاء المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء المطيعين بوجود النعمة «١» ، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة. ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاء العارفين بالقرب والمناجاة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٨] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) «الفضل» : الإحسان الذي ليس بواجب على فاعله، «والرحمة» إرادة النعمة وقيل هى النعمة. والإحسان على أقسام وكذلك النعمة، ونعم الله أكثر من أن تحصى. ويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات، والرحمة ما أزاح عنهم من الآفات. ويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات، ورحمته ما عصمهم به من ارتكاب الزّلات. ويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق.

стр. 742

ويقال فضل الله ما يخصّ به أهل الطاعات من صنوف إحسانه، ورحمته ما يخصّ به أهل الزلّات من وجوه غفرانه. ويقال فضل الله الرؤية، ورحمته إبقاؤهم فى حالة الرؤية. ويقال فضل الله المعرفة فى البداية، ورحمته المغفرة فى النهاية. ويقال فضل الله أن أقامك بشهود الطلب، ورحمته أن أشهدك حقّه بحكم البيان إلى أن تراه غدا بكشف العيان. قوله: «فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» أي بما أهّلهم له، لا بما يتكلّفون من حركاتهم وسكناتهم، أو يصلون إليه بنوع من تكلفهم وتعملهم. «هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» : أي ما تتحفون به من الأحوال الزاكية خير ممّا تجمعون من الأموال الوافية. ويقال الذي لك منه- فى سابق القسمة- خير مما تتكلّفه من صنوف الطاعة والخدمة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٥٩] قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) يعنّفهم ويقرّعهم «١» على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويظهر كذبهم فيما تقوّلوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٠] وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب.

стр. 743

ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ» فى إمهال من أجرم، والعصمة لمن لم يجرم. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦١] وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) خوّفهم بما عرفهم من اطلاعه عليهم فى جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم. والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه، وهذه حال المراقبة، والعبد إذا علم أن مولاه يراه استحيى منه، وترك متابعة هواه، ولا يحوّم حول ما نهاه، وفى معناه أنشدوا: كأنّ رقيبا منك حال بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا علىّ تصعّبا وأنشدوا: أعاتب عنك النّفس فى كلّ خصلة ... تعاتبنى فيها وأنت مقيم «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ» : وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه عنه، وهو منشئه وموجده؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: «إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» : ردّهم إلى كتابته ذلك عليهم- لعدم اكتفائهم فى الامتناع عمّا نهوا عنه- برؤيته وعلمه. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٢] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الولىّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو من توالت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان. ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول فيكون الولىّ من يتوالى عليه إحسان الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظا فى عامة أحواله من المحن.

стр. 744

وأشدّ المحن ارتكاب المعاصي فيعصمه الحقّ- سبحانه- على دوام أوقاته من الزّلّات. وكما أن النبيّ لا يكون إلا معصوما فالولىّ لا يكون إلا محفوظا. والفرق بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يلمّ بذنب البتّة، والمحفوظ قد تحصل منه هنات، وقد يكون له- فى الندرة- زلّات، ولكن لا يكون له إصرار: «أولئك الذين يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» «١» . قوله جل ذكره: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. حسن ما قيل إنه «لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» : فى الدنيا، «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» : فى العاقبة. ولكن الأولى أن يقال إنّ الخواص منهم لا خوف عليهم فى الحال- لأنّ حقيقة الخوف توقّع محذور فى المستقبل، أو ترقّب محبوب يزول فى المستأنف.. وهم بحكم الوقت ليس لهم تطلّع إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حزونة فى الحال، وهم فى روح الرضا بكلّ ما يجرى فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالولىّ لا خوف عليه فى الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت. ولا يكون وليّا إلا إذا كان موفّقا لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوما بكل وجه عن جميع الزلات. وكلّ خصلة حميدة يمكن أن يعتبر بها فيقال هى صفة الأولياء. ويقال الولىّ من فيه هذه الخصلة. ويقال الولىّ من لا يقصّر فى حقّ الحق، ولا يؤخرّ القيام بحق الخلق يطيع لا لخوف عقاب، ولا على ملاحظة حسن مآب، أو تطلع لعاجل اقتراب، ويقضى لكلّ أحد حقا يراه واجبا، ولا يقتضى من أحد حقّا له، ولا ينتقم، ولا ينتصف «٢» ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحدا منة، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قدرا ولا قيمة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٣] الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) هذه صفة الأولياء آمنوا فى الحال، واتقوا الشرك فى المآل. ويقال «آمَنُوا» أي قاموا

стр. 745

بقلوبهم من حيث المعارف. «وَكانُوا يَتَّقُونَ» : استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف. ويقال «آمَنُوا» بتلقى التعريف. «واتقوا» : بالتقوى عن المحرمات بالتكليف. قوله جلّ ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٤] لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) القيام بالأمر يدل على الصحة فإذا قاموا بما أمروا به، واستقاموا بترك ما زجروا عنه بشّرتهم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشّرتهم الحقيقة باستيجاب الإكرام، بما كوشفوا به من الإعلام.. وهذه هى البشرى فى عاجلهم. وأما البشرى فى آجلهم: فالحقّ- سبحانه- يتولّى ذلك التعريف، قال تعالى: «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ» «١» ويقال البشارة العظمى ما يجدون فى قلوبهم من ظفرهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأىّ ملك أتمّ من سقوط المآرب، والرضا بالكائن «٢» ؟ هذه هى النعمة العظمى، ووجدان هذه الحالة هو البشرى الكبرى. ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي لخلق أنّ التي للخلق عدّة «٣» بالجميل، والذي لهم نقد ومحصول. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٥] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) العبد ما دام متفرقا يضيق صدره ويستوحش قلبه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفار ما تتقدّس عنه صفة الحقّ، فإن صار عارفا زالت عنه تلك الصفة لتحققه بأنّ الحقّ سبحانه وراء كلّ طاعة وزلّة، فلا له- سبحانه- من هذا استيحاش، ولا بذلك استئناس.

стр. 746

ثم يتحقق العارف بأنّ المجرى لطاعة أرباب الوفاق- الله، والمنشئ لأحوال أهل الشّقاق- الله. لا يبالى الحقّ بما يجرى ولا يبالى العبد بشهود ما يجرى، كما قيل: بنو حقّ قضوا بالحقّ صرفا ... فنعت الخلق فيهم مستعار قوله جل ذكره [سورة يونس (١٠) : آية ٦٦] أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) لله من فى السماوات ومن فى الأرض ملكا، ويبدى عليهم ما يريد حكما جزما فلا لقبوله علّة، ولا موجب لردّه زلّة، كلا ... إنها أحكام سابقة، لم توجبها أجرام لاحقة، ولا طاعات وعبادت صادقة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٦٧] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) الليل لأهل الغفلة بعد وغيبة، ولأهل الندم «١» توبة وأوبة، وللمحبين زلفة وقربة فالليل بصورته غير مؤنس، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل: وكم لظلام الليل عندى من يد «٢» تخبّر أن المانوية تكذب قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٨ الى ٦٩] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)

стр. 747

الولد بعض الوالد، والصمدية تجلّ عن البعضية، فنزّه الله نفسه عن ذلك بقوله «سُبْحانَهُ» . ثم إنه لم يعجّل لهم العقوبة- مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك- تنبيها على طريق الحكمة لعباده. ولا تجوز فى وصفه الولادة لتوحّده، فلا قسيم له، ولا يجوز فى نعته التبنّي أيضا لتفرّده وأنه لا شبيه له. قوله: «هُوَ الْغَنِيُّ» : الغني نفى الحاجة، وشهوة المباشرة حاجة، ويتعالى عنها سبحانه. قوله جل ذكره [سورة يونس (١٠) : آية ٧٠] مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هى أيام قليلة ثم تتبعها آلام طويلة، فلا قدم لهم بعد ذلك ترفع، ولا ندم ينفع. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧١] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيّه- ﷺ لما كان يمسّه من مقاساة الشّدّة من قومه، فإنّ أيام نوح- وإن طالت- فما لبثت كثيرا إلا وقد زالت، كما قيل: وأحسن شىء في النوائب أنها ... إذا هى نابت لم تكن خلدا ثم بيّن أنه كان يتوكل على ربّه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبد- ما وثق بربّه- من كلّ ما نزل به ثم إن نوحا- ﵇ قال: إنى توكلت على الله، وهذا عين التفرقة،

стр. 748

وقال لنبيّه ﷺ : «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ» «١» وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧٢] فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) إذا كان عمله لله لم يطلب الأجر عليه من غير الله، وهكذا سنّته فى جميع أولياء الله. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧٣] فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) أغرق قومه بأمواج القطرة، وفى الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، وحفظ نوحا- ﵇ وقومه فى السفينة، وفى الحقيقة نجّاهم فى سفينة السلامة. كان نوح فى سابق حكمه من المحروسين، وكان قومه فى قديم قضائه من جملة المغرقين، فجرت الأحوال على ما جرت به القسمة فى الأزل. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥)

стр. 749

قصّ عليه- صلوات الله عليه وسلامه- أنباء الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فضّله على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوما وهو البدر، وكانوا أنهارا وهو البحر، ثم به انتظم عقدهم، وبنوره أشرق نهارهم، وبظهوره ختم عددهم «١» ، كما قيل: يوم وحسب الدهر من أجله ... حيّا غد والتفت الأمس قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧٦] فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) ما زادهم الحقّ سبحانه بيانا إلا ازدادوا طغيانا، وذلك أنه تعالى أجرى سنّته فى المردودين عن معرفته أنه لا يزيد فى الحجج هدى إلا ويزيد فى قلوبهم عمّى، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. «يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ» : نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعما غير ما ذاقوا، وكذا صفة من أقصته السوابق، وردّته المشيئة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧٨] قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبّوا استدامة ما عليه كانوا ... فلحقهم شؤم العقيدة وسوء الطريقة حتى توهموا أن الأنبياء ﵈ إنما دعوهم إلى الله لتكون لهم الكبرياء على عباد الله، ولم يعلموا أنهم إنما دعوهم إلى الله بأمر الله. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٧٩] وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) لما استعان فى استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيرا حتى تبرّأ منهم وتوعّدهم

стр. 750

بقوله: لأفعلنّ ولأصنعنّ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت فى غير الله فإنها تئول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» «١» . قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٠ الى ٨١] فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) أمرهم أمرا يظهر به بطلانهم ليدخل الحقّ على ما أتوا به من التمويه، فلذلك قال موسى ﵇: «إن الله سيبطله» فلمّا التقمت عصا موسى- جميع ما جاءوا به من حبالهم وعصيّهم- حين قلبها الله حيّة.. علموا أنّ الله أبطل تلك الأعيان وأفناها. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٢] وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) من جملة ما أحقّه أن السّحرة كان عندهم أنهم ينصرون فرعون ويجيبونه فكانوا يقسمون بعزّته حيث قالوا «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ» وقال الحقّ اغض سبحانه. بعزتي إنكم لمغلوبون، فكان على ما قال تعالى دون ما قالوه، وفى معناه قالوا: كم رمتني بأسهم صائبات ... وتعمّدتها بسهم فطاشا قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٣] فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) أهل الحقيقة فى كل وقت قليل عددهم، كبير عند الله خطرهم.

стр. 751

قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٤] وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) بيّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال.. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصدا. وحقيقة التوكل توسّل تقديمه متّصل، ثم يعلم أنه بفضله- سبحانه- تحصل نجاته، لا بما يأتى به من التكلّف- هذه هى حقيقة التوكل «١» . قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٥ الى ٨٦] فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) تبرأنا مما منّا من الحول والمنّة، وتحققنا بما منك من الطول والمنّة. فلا تجعلنا عرضة لسهام أحكامك فى عقوبتك بانتقامك، وارحمنا بلطفك وإكرامك، ونجّنا ممّن غضبت عليهم فأذللتهم، وبكىّ فراقك وسمتهم قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٧] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) مهّد إليهم لعبادتنا محالّ وهى نفوسهم، ولمعارفنا منازل وهى قلوبهم، ولمحبتنا مواضع وهى أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهد وهى أسرارهم فنفوس العابدين بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، وأسرار الموحدين منازل الهيبة «٢» قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٨] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)

стр. 752

لما يئس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السّخطة وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء- ﵈ من حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قبل الله تعالى فى الحقيقة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٨٩] قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) الاستقامة فى الدعاء ترك الاستعجال فى حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بحسن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب ويقال ينبغى للعبد أن يسقلّ بالله «١» ما أمكنه، فعند هذا يقلّ دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب- فى جوازه- فالواجب ألا يستعجل، وأن يكون ساكن الجأش. ويقال من شرط الدعاء صدق الافتقار فى الابتداء، ثم حسن الانتظار فى الانتهاء، وكمال هذا الرضاء بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار. ويقال الاستقامة فى الدعاء سقوط التقاضي «٢» على الغيب، والخمود عن الاستعجال بحسن الثقة، وجميل الظّن. ويقال فى الآية تنبيه على أنّ للأمور آجالا معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم فى الوقت المعلوم. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٠] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)

стр. 753

حملت العزّة فرعون على تقحم البحر على إثرهم، فلمّا تحقّق الهلاك حملته ضرورة الحيلة على الاستعاذة، فلم ينفعه ذلك لفوات وقت الاختيار. ويقال لما شهد صولة التقدير أفاق من سكر الغلطة «١» ، لكن: «بعد شهود البأس لا ينفع التخاشع والابتئاس» . قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩١] آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ... أبعد طول الإمهال، والإصرار على ذميم الأفعال، والرّكض فى ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجبت أن تردّ فى وجهك، فلا لعذرك قبول، ولا لك إلى ما ترومه وصول. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٢] فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) لنشهرنّ تعذيبك، ونظهرنّ- لمن استبصر- تأديبك، لتكون لمن خلفك عبرة، وتزداد حين أفقت أسفا وحسرة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٣] وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)

стр. 754

أذللنا لهم الأيام، وأكثرنا لديهم الإنعام، وأكرمنا لهم المقام، وأتحنا لهم فنون الحسنات، وأدمنا لهم جميع الخيرات ... فلمّا قابلوا النعمة بالكفران، وأصرّوا على البغي والعدوان أذقناهم سوء العذاب، وسددنا عليهم أبواب ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب، وذلك جزاء من حاد عن طريق الوفاق، وجنح إلى جانب الشّقاق. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٤] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) ما شكّ- ﷺ فيما عليه أنزل، ولا عن أحد منهم ساءل، وإنما هذا الخطاب على جهة التهويل، والمقصود منه تنبيه القوم على ملازمة نهج السبيل. ويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالهم بعين الاستصغار. ويقال فإن تنزّلت منزلة أهل الأدب فى ترك الملاحظات فسل عمّن أرسلنا قبلك فهل بلّغنا أحدا منزلتك؟ وهل خصصنا أحدا بمثل تخصيصك؟ قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٥] وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) ما كان منهيا عنه، وكان قبيحا فبالشرع كان قبيحا، فلا بد من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة. وإنما لم يجز فى صفته- ﷺ التكذيب بآيات الله لأنه نهى عنه لا لكونه قبيحا بالعقل «١» حتى يقال كيف نهى عنه وكان ذلك بعيدا منه؟

стр. 755

قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فالأعداء حقّت عليهم كلمة بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمة بالثواب فالكلمة أزليّة، والأحكام سابقة، والأفعال فى المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشقوة لا يؤمنون وإن شاهدوا كل دلالة، وعاينوا كل معجزة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٨] فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) قوم يونس تداركتهم الرحمة الأزلية فيما أجرى عليهم من توفيق التضرع، فكشف عنهم العذاب، وصرف عنهم ما أظلّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته «١» . قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ٩٩] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) كيف يتعصى عليه سبحانه مراد- والذي يبقى شىء عن مراده ساه أو مغلوب؟ والذي يستحق جلال العزّة لا يفوته مطلوب. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٠] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) .

стр. 756

لا يمكن حمل «١» الإذن فى هذه الآية إلا على معنى المشيئة لأنه للكافة بالإيمان، والذي هو مأمور بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حمل هذه الآية على معنى أنه لا يؤمن أحد إلا إذا ألجأه الحقّ إلى الإيمان واضطره- لأنّ موجب ذلك ألا يكون أحد فى العالم مؤمنا بالاختبار، وذلك خطأ، فدلّ على أنه أراد به إلا أن يشاء الله أن يؤمن هو طوعا. ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحد أن يؤمن طوعا ثم لا يؤمن لأنه يبطل فائدة الآية، فصحّ قول أهل السّنّة بأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن «٢» . قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠١] قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) الأدلة- وإن كانت ظاهرة- فما تغنى إذا كانت البصائر مسدودة، كما أن الشموس- وإن كانت طالعة- فما تغنى إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة، كما قيل: وما انتفاع أخى الدنيا بمقلته ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم؟ قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٢] فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) تمنّي ألطاف أنوار الحقيقة تعنّ فى تسويل، واستناد إلى غير تحصيل، وتماد فى تضليل. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٣] ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى: «عَلَيْنا» هاهنا معناها «منا» ،

стр. 757

فلا شىء يجب على الله لكونه إلها ملكا، فيجب الشيء من الله- لصدقه- ولا يجب عليه- لعزّته «١» . وكما لا يجوز أن يدخل نبى من الأنبياء- ﵈ فى النار لا يجوز أن يخلّد واحد من المؤمنين فى النار لأنه أخبر أنه ينّجى الرسل والمؤمنين جميعا. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٤] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) إن كنتم فى غطاء الرّيب فأنا فى ضياء من الغيب، إن كنتم فى ظلمة الجهل فأنا فى شموس الوصل، إن كنتم فى سدفة الضّلالة فأنا فى خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة. ويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم فى وهدة العوج، وأنا ثابت على سواء «٢» النّهج. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٥] وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) أي أخلص قلبك للدّين، وجرّد قلبك عن إثبات كلّ ما لحقه قهر التكوين، وكن مائلا عن الزيغ والبدع، داخلا فى جملة من أخلص فى الحقيقة. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٦] وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)

стр. 758

لا تعبد ما لا تنفعك عبادته ولا تضرّك عبادته، وتلك صفة كل ما يعبد من دون الله. واستعانة الخلق بالخلق تمحيق للوقت بلا طائل فمن لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا كيف يستعين به من هو فى مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيف إلى الضعيف ازداد الضعف. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٧] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) كما تفرّد بإبداع الضرّ واختراعه فلا شريك يعضّده.. كذلك توحّد بكشف الضرّ وصرفه فلا نصير ينجده. ويقال هوّن على المؤمن الضرّ بقوله: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ» حيث أضافه إلى نفسه، والحنظل يستلذّ من كفّ من تحبه. وفرّق بين الضرّ والخير بإضافة الضرّ إليه فقال: وإن يمسسك الله بضرّ، ولم يقل: وإن يردك بضر- وإن كان ذلك الضرّ صادرا عن إرادته- وفى ذلك من حيث اللفظ دقّة. ويقال: عذب الضرّ حيث كان نفعه فلمّا أوجب مقاساة الضّرّ من الحرب أبدل مكانه السرور والطّرب. قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٨] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) من استبصر ربح رشد نفسه، ومن ضلّ فقد زاغ عن قصده فهذا بلاء اكتسب، وذلك ضياء وشفاء اجتلب.

стр. 759

قوله جل ذكره: [سورة يونس (١٠) : آية ١٠٩] وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) قف عند جريان أحكامنا، وانسلخ عن مرادك بالكلية، ليجرى عليك ما يريد، والله أعلم بالصواب. السورة التي يذكر فيها هود ﵇ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه كلمة استولت على عقول قوم فبصّرتها، وعلى قلوب آخرين فجّردتها، فالتى بصّرتها فبنور برهانه، والتي جرّدتها فبقهر سلطانه.. فعالم سلك سبيل بحثه واستدلاله فسكن لمّا طلعت نجوم عقله تحت ظلال إقباله، وعارف تعرّض إلى وصاله فطاح لمّا لاحت لمعة ممن تقدّس بالإعلام باستحقاق جلاله. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية. واللام إشارة إلى لطفه بأهل التوحيد. والراء إشارة إلى رحمته بكافة البريّة. وهى فى معنى القسم: أي أقسم بانفرادى بالربوبية ولطفى بمن عرفنى بالأحدية، ورحمتى على كافة البرية- إنّ هذا الكتاب أحكمت آياته. ومعنى «أُحْكِمَتْ آياتُهُ» : أي حفظت عن التبديل والتغيير، ثم فصّلت ببيان نعوت الحقّ فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبّد به الخلق من أحكام العبودية، ثم مالاح لقلوب الموحّدين والمحبين من لطائف القربة، فى عاجلهم البشرى بما وعدهم به من عزيز لقائه فى آجلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عمّن سواهم.

стр. 760

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢] أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) أي فصلت آياته بألا تعبدوا إلا الله. ويقال معناه فى هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إنى لكم منه «نَذِيرٌ» مبين بالفرقة، «وَبَشِيرٌ» بدوام الوصلة، (فالفرقة بل فى عاجله واحدا) «١» . قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣] وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) استغفروا ربّكم أولا ثم توبوا إليه بعده. والاستغفار طلب المغفرة، يعنى قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النّظرة، وحمل الرجاء والثقة بأنه لا يخلّد العاصي فى النار، فلا محالة يخرجه منها.. فابتدئوا باستغفاركم، ثم توبوا بترك أوزاركم، والتنقّى عن إصراركم. ويقال استغفروا فى الحال مما سلف، ثم إن الممتم بزلّة أخرى فتوبوا. ويقال استغفروا فى الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة- إلى مآلكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم. ويقال «اسْتَغْفِرُوا» : الاستغفار هو التوبة، والتنقى من جميع الذنوب، ثم «تُوبُوا» من توهّم أنكم تجابون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يجيبكم بكرمه لا بأعمالكم. ويقال «الاستغفار» : طلب حظوظكم من عفونا.. فإذا فعلتم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به. قوله جل ذكره: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي نعيّشكم عيشا طيبا حسنا مباركا. ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص. ويقال هو القناعة بالموجود.

стр. 761

ويقال هو ألا يخرجه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه منّة (لا سيما للئيم «١» ) . ويقال هو أن يوفقه (لاصطناع المعروف إلى المستحقين. ويقال هو أن تقضى على يديه) «٢» حوائج الناس. ويقال هو ألا يلمّ فى حال شبابه بزلّة، وألا يتصف بأنه عن الله فى غفلة. ويقال هو أن يكون راضيا بما يجرى عليه من نوعى العسر و، اليسر. قوله جل ذكره: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ من زادت حسناته على سيئاته أعطاه جزاء ما فضل له من الطاعات، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات ... هذا بيان التفسير. ويقال من فضّله بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده.. ويقال هو أن يستر عليه فضله حتى لا يلاحظ حاله ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، وما منه وما له.. بعين الاستحقار والاستصغار. ويقال هو أن يرقيه عن التعريج فى أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، وينقّيه عن (....) «٣» البشرية، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير. ويقال هو ألا يوحشه شىء بما يجرى فى الوقت. ويقال هو أن يحقّق له ما تسموا إليه همّته، ويبلغّه فوق ما يستوجبه محلّه. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٤] إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)

стр. 762

تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله، وتنتفى الظنون، ويحصل اليأس من غير الله بكل وجه، ويبقى العبد بنعت الاضطرار، والحقّ يجرى عليه ما سبقت به القسمة من أنواع الأقدار. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٥] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) أي يسترون ما تنطوى عليه عقائدهم، ويضمرون للرسول- ﵇ وللمؤمنين خلاف ما يظهرون، والحقّ- سبحانه- مطّلع على قلوبهم، ويعلم خفايا صدورهم، فتلبيسهم لا يغني عنهم من الله شيئا، وكان الله- سبحانه- يطلع رسوله- ﵇ على ما أخفوه إمّا بتعريف الوحى، أو بإشهاد لقوّة نور، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بقدر حاله من الله هداية، قال ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله» «١» ولقد قال قائلهم. أبعيني أراك أم بفؤادى؟ ... كلّ ما فى الفؤاد للعين باد قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٦] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) أراح القلوب من حيرة التقسيم، والأفكار من نصب التفكير فى باب الرزق حيث قال: «إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» فسكنت القلوب لمّا تحقّقت أنّ الرزق على الله. ويقال إذا كان الرزق على الله فصاحب الحانوت فى غلط من حسبانه. ثم إن الله سبحانه

стр. 763

بيّن أنّ الرزق الذي «عليه» ما حاله فقال: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ» ، وما كان فى السماء لا يوجد فى السوق، ولا فى التّطواف فى الغرب والشرق «١» . ويقال الأرزاق مختلفة فرزق كل حيوان على ما يليق بصفته. ويقال للنفوس رزق هو غذاء طريقه الخلق، وللقلوب رزق وهو ضياء موجده الحق. ويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكول إلى مشيئته فمن موسّع عليه ومن مقتّر. قوله جل ذكره: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ قيل أراد به أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مستقرّ المريد بباب شيخه كمستقرّ الصبيّ بباب والديه. ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر العارفين المشاهد، فالمساجد مستقرّ نفوس العابدين، والمشاهد مستقرّ قلوب العارفين. ويقال مستقرّ المحب رأس سكّة محبوبه لعلّه يشهده عند عبوره. ويقال المساجد للعابدين مستقرّ القدم، والمشاهد للعارفين مستقرّ الهمم، والفقراء مستقرهم سدّة الكرم. ويقال الكلّ له مثوى ومستقر، أما الموحّد فإنه لا مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل. ويقال النفوس مستودع التوفيق من الله، والقلوب مستودع التحقيق من قبل الله. ويقال القلوب مستودع المعرفة فالمعرفة وديعة فيها. والأرواح مستودع المحبة فالمحاب ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٧] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)

стр. 764

وأحسن الأعمال موافقة الأمر، ولم يقل أكثر عملا. ويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبه أشدّ إخلاصا فيه. ويقال أحسنهم عملا أبعدهم عن ملاحظة أعماله. ويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار. ويقال أحسن الأعمال ما لا يطلب صاحبه عليه عوضا. ويقال أحسن الأعمال ما غاب عنه صاحبه لاستغراقه فى شهود المعبود. قوله: «لِيَبْلُوَكُمْ» الابتلاء من قبله تعريف الملائكة حال من يبتليه فى الشكر عند اليسر والصبر عند العسر. قوله جل ذكره: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ استبعدوا النّشر لتقاصر علومهم عن التحقّق بكمال قدرة الحق، ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاص فى الإيجاد ولا بمستحيل فى التقدير. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٨] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) يقول: إنّ أمهلنا، وأخّرنا عليهم العذاب لا يرعوون، بل يستعجلون العقوبة. ولئن عجّلنا لهم العقوبة لا يتوبون ولا يستغفرون ... استولى عليهم الجهل فى الحالين، وعميت بصائرهم عن شهود التقدير والإيمان بالغيب فى النوعين. ويوم يأتيهم العذاب فلا مناص ولا منجاة ولا مراح لهم منه. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٩] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩)

стр. 765

تكدّر ما صفا من النّعم، وتغيّر ما أتيح من الإحسان والمنن حال معهودة وخطّة عامة، فلا أحد إلا وله منها خطّة «١» فمن لم يرجع بالتأسّف قلبه، ولم يتضاعف فى كل نفس تلهفه وكربه ففى ديوان النسيان، وأثبت اسمه فى جملة أهل الهجران. ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاسات الحسرة عللا بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجدّد له ما اندرس من أحوال القربة، وأطلع عليه شمس الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل تقشّع غيم الهجر عن قمر الحبّ ... وأشرق نور الصبح فى ظلمة الغيب وليس للأحوال الدنيوية خطر فى التحقيق، ولا يعدّ زوالها وتكدرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل، لكنّ المحنة الكبرى والرزية العظمى ذبول غصن الوصال وتكدر مشرب القرب، وأفول شوارق الأنس، ورمد بصائر أرباب الشهود ... فعند ذلك تقوم قيامتهم، وهناك تسكب العبرات. ويقال إذا نعق فى ساحات هؤلاء غراب البين ارتفع إلى السماء نواح أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون من نحييهم ما قلت. قولا لمن سلب الفؤاد فراقه ... ولقد عهدنا أن يباح عتاقه بعد الفراق ... فبالذى هو بينا ... هلّا رحمتم من دنا إزهاقه؟ عهدى بمن جحد الهوى أزمان ك ... نّا بالصبابة- لا يضيق نطاقه. والآن مذ بخل الزمان بوصلنا ... ضاق البسيطة. حين دام فراقه. هل ترتجى من وصل عزّك رجعة ... تحنو على قمر يذوم محاقه؟ إن كان ذاك كما تروم فأخبروا ... أنّى له أن يعود شروقه «٢» ؟ قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٠] وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)

стр. 766

إذا كشفنا الضرّ عنهم رحمة منّا عادوا إلى تهتكهم بدلا من أن يتقربوا إلينا، وأساءوا يخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتحنا لهم من إمهالنا أمنوا لمكرنا، ولم يخافوا أن نأخذهم فجأة بقهرنا. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١١] إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) الإنسان فى الآية السابقة اسم جنس. وإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى «لكن» ، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكنّ الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم لصبرهم على على ما به أمروا، وعما عنه زجروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزّلات.. فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجر على إحسانهم. والفريقان لا يستويان، قال قائلهم. أحبابنا شتّان واف وناقص ... ولا يستوى قطّ محبّ وباغض قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٢] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) اقترحوا عليه أن يأتى بكتاب ليس فيه سبّ آلهتهم، وبيّن الله- سبحانه- له ألا يترك تبليغ ما أنزل عليه لأجل كراهتهم، ولا يبدّل ما يوحى إليه. قوله جل ذكره: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. وهذا على وجه الاستبعاد أي لا يكون منك ترك ما أوحى إليك، ولا يضيق صدرك

стр. 767

بما يبدو من الغيب.. ومن شرح الله بالتوحيد صدره، ونوّر بشهود التقدير سرّه- متى يلحقه ضيق صدر أو استكراه أمر؟ ثم قال: «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» : أي أنت بالإرسال منصوب، وأحكام التقدير عليك مجراة. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٣] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فى الآية بيان أنّ المكلّف مزاح العلّة لما أقيم له من البرهان وأهّل له من التحقيق. وأنّ الإيمان بالواسطة- ﷺ وآله- واجب لما خصّ به من المعجزات التي أوضحها الكتاب المنزل والقرآن المفصّل الذي عجز الكفار عن معارضته. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٤] فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) يعنى فإن لم يستجيبوا لكم يعنى إلى الإتيان بمثله- وهم أهل بلاغة- فتحققوا أنه من قبل الله، وليس على سنة التحقيق (....) «١» إنما العمى فى بصائر من ضلّوا عن الحقّ، وتاهوا فى صدفة الحيرة. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٥] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) من قنع منهم بدنيا الدناءة صفتها وسّعنا عليه فى الاستمتاع بأيام فيها، ولكن عقب اكتمالها سيرى زوالها، ويذوق بعد غسلها حنظلها.

стр. 768

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٦] أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أولئك الذين خابت آمالهم، وظهرت لهم- بخلاف ما احتسبوا- آلامهم، حبطت أعمالهم، وحاق بهم سوء حالهم. قوله جل ذكره [سورة هود (١١) : آية ١٧] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) فيه إضمار «١» ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة.. لا يستويان. والبيّنة لأقوام برهان العلم، ولآخرين بيان الأمر بالقطع والجزم يشهدهم الحقّ مالا يطلع عليه غيرهم، كما قلت: ليلى من وجهك شمس الضحى ... ... فالناس فى الظلمة من ليلهم ونحن من وجهك فى الضوء والشاهد فالذى يتولاه فهو مشاهد، وفى الخبر «أولياء الله الذين إذا أرادوا ذكر الله....» «٢» . قال تعالى: «وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ» . قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٨] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)

стр. 769

من ادّعى على الله حالا لم يكن متحققا بها فقد افترى على الله كذبا، واستوجب المقت، وعقوبته ألّا يرزق بركة فى أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبه، فيفضحه بين الخلق، والشهداء قلوب الأولياء، ومن شهدت القلوب عليه بالردّ فهو غير مقبول عند الحقّ قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ١٩] الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) الآية. هذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب، ومن صدّهم عن السبيل أن يظهروا من أنفسهم أحوالا تخلّ بأحكام الشريعة، ولا يرون ذلك كبيرة فى الطريقة، ويوهمون المستضعفين من أهل الاعتراض عليهم أنّ لهم فى ذلك رخصة، فيضلّون ويضلّون. ومن جملة صدّهم عن السبيل تغريرهم بالناس، وإيقاعهم فى الغلط، ويرتفقون بشىء مما فى أيديهم من حطام الدنيا، ولا يستحيون من أخذ شىء لا يستوجبونه بأى وجه حقّ، ويداهنون فى دين الله. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : الآيات ٢٠ الى ٢١] أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) الآية. من هذه صفتهم لا يربحون فى تجارتهم، ولا يلحقون غاية طلبوها فيبقون عن الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخلق.. خسرت صفقتهم، وبارت بضاعتهم، لقوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٢] لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) لا محالة أنهم فى الآخرة أشدّ خسرانا، وأوفر- من الخيرات- نقصانا. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٣] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) الإخبات التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر.

стр. 770

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٤] مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) الآية مثل الكافر فى كفره كالأعمى والأصم، ومثل المؤمن فى إيمانه كالسميع والبصير- هذا بيان التفسير. والإشارة فيه أن الأعمى من عمى عن الإبصار بسرّه، والأصمّ الذي طرش بسمع قلبه فلا باستدلاله شهد سر تقديره فى أفعاله، ولا بنور فراسة توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه، ولا بسمع القبول استجاب لدواعى الشريعة، ولا بحكم الإنصاف انقاد لما يتوجّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لسرّه من تلويحات الحقيقة. وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين، ويشهد صفاته بعين اليقين، ويشهد ذاته بحق اليقين، والغائبات له حضور، والمستورات له كشف. فالذى يسمع فصفته ألا يسمع هواجس النّفس ولا وساوس الشيطان فيسمع من دواعى العلم شرعا، ثم من خواطر التعريف قدرا، ثم يكاشف بخطاب من الحق سرّا «١» فهؤلاء لا يستويان، ولا فى طريق يلتقيان: راحت مشرّقة ورحت مغرّبا ... فمتى التقاء مشرّق ومغرّب؟! قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) كان نوح ﵇ أطول الأنبياء عمرا وأشدّهم بلاء، وسمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه.. وسبب ذلك أنه مرّ بكلب فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أن اخلق أنت أحسن من هذا. فأخذ يبكى وينوح على نفسه كلّ ذلك النّوح. فكيف بحال من لم يذكر يوما مما مضى من عمره فى مدة تكليفه- ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟

стр. 771

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٧] فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) أنكروا صحة كونه نبيّا لمشاكلته إياهم فى الصورة، ولم يعلموا أن المباينة بالسريرة لا بالصورة. ثم قال: «وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ» : نظروا إلى أتباعه نظرة استصغار، ونسبوهم إلى قلّة التحصيل.. وما استصغر أحد أحدا من حيث رؤية الفضل عليه إلا سلّط الله عليه، وأذاقه ذلّ صغاره، فبالمعانى يحصل الامتياز لا بالمباني: ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفى أثوابه أسد هصور فإن أك فى شراركم قليلا ... فإنى فى خياركم كثير قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٨] قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) الصّبح لا خلل فى ضيائه لكون الناظرين عميانا، والسيف لا خلل فى مضائه لكون الضاربين صبيانا ... وكيف لبشر من قدرة على هداية من أضلّه الله- ولو كان نبيّا؟ «١» . هيهات لا ينفع مع الجاهل نصح، ولا ينحح فى المصرّ وعظ!

стр. 772

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٢٩] وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) سنّة الأنبياء- ﵈ ألا يطلبوا على رسالتهم أجرا، وألّا يؤملوا لأنفسهم عند الخلق قدرا، وعملهم لله لا يطلبون شيئا من غير الله. فمن سلك من العلماء سبيلهم حشر فى زمرتهم، ومن أخذ على صلاحه من أحد عوضا، أو اكتسب بسداده جاها لم ير من الله إلا هوانا وصغارا. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٠] وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) مجالسة الفقراء اليوم- وهم جلساء الحقّ غدا- أجدى من مجالسة قوم من الأغنياء هم من أهل الردّ. ومن طرد من قرّبه الله وأدناه استوجب الخزي فى دنياه، والصّغار فى عقباه. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣١] وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) لا أتخطّى خطّى عما أبلغت مما حملت من رسالتى، ولا أتعدّى ما كلّفت به، ولا أزيد عما أمرت، ولن أخرج عن الذي أنبئوني، بل أنتصب بشاهدى فيما أقامونى. قوله جل ذكره: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً، اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن أولياء الله سبحانه فى أثوابهم ولا يراهم إلا من قاربهم فى معناهم. الله أعلم بأحوالهم، وفى الجملة: طير السماء على ألّافها تقع.

стр. 773

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٢] قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) أوضح لهم من البراهين مالوا أمعنوا النظر فيه لتمّ لهم اليقين، ولكنهم أصروا على الجحود، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٣] قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) أقرّ بالعبودية، وتبرّأ عن الحول والقوة، وأحال الأمر على المشيئة. ولقد أنصف من لم يجاوز حدّه فى الدعوى. والأنبياء ﵈ وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٤] وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) من لم يساعده تعريف الحقّ- بما له بحكم العناية- لم ينفعه نصح الخلق فى النهاية. ويقال من لم يوصّله الحقّ للوصال فى آزاله «١» لم ينفعه نصح الخلق فى حاله ويقال من سبق الحكم له بالضلالة أنّى ينفعه النصح وبسط الدلالة؟ ويقال من لم تساعده قسمة السوابق لم ينفعه نصح الخلائق. قوله: «إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ» : من المحال اجتماع الهداية والغواية فإذا أراد الله بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية. ثم بيّن المعنى فى ذلك بأن قال «هُوَ رَبُّكُمْ» ليعلم العالمون أنّ الربّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية.

стр. 774

قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٥] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) ومهما وصفتمونى فإنى أجيب الله.. وكلّ مطالب بفعله دون فعل صاحبه. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٦] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) عرّفه الحقّ أنّه غنيّ عن إيمانهم، فكشف له أحكامهم، وأنّ من لم يؤمن منهم قد سبق الحكم بشقائهم، فعند ذلك دعا عليهم نوح- ﵇ بالإهلاك. ويقال لم يدع عليهم ما دام للمطمع فى إيمانهم مساغ، فلما حصل العكس نطق بالتماس هلاكهم. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٧] وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) أي قم- بشرط العبودية- بصنع السفينة بأمرنا، وتحقق بشهودنا، وأنّك بمرأى منا. ومن علم اطلاعه عليه لم يلاحظ نفسه ولا غيره، لا سيما وقد تحقق بأنّ المجرى هو سبحانه. وقال له: راع حدّ الأدب، فما لم يكن لك إذن منا فى الشفاعة لأحد فلا تخاطبنا فيهم. ويقال سبق لهم الحكم بالغرق- وأمواج بحر التقدير تتلاطم- فكلّ فى بحار القدرة مغرقون إلا من أهّله الحقّ بحكمه فحمله فى سفينة العناية. ويقال كان قوم نوح من الغرقى فى بحار القطرة، ومن قبل كانوا غرقى فى بحار القدرة. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٨] وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨)

стр. 775

لما تحقّق بما أمر الله به لم يأبه عند إمضاء ما كلّف به بما سمع من القيل، ونظر إلى الموعود بطرف التصديق فكان كالمشاهد له قبل الوجود. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٣٩] فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) لا طاعة لمخلوق فى مقاساة تقديره- سبحانه- إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحكمه. قوله جل ذكره: [سورة هود (١١) : آية ٤٠] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) طال انتظارهم لما كان يتوعّدهم به نوح ﵇ على وجه الاستبعاد، ولم يزدهم تطاول الأيام إلا كفرا، وصمّموا على عقد تكذيبهم. ثم لمّا أتاهم الموعود إياهم بغتة، وظهر من الوضع الذي لم يحبّوه فار الماء من التنور المسجور، وجادت السماء بالمطر المعبور «١» . «قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» : استبقاء للتناسل. ويقال: قد يؤتى الحذر من مأمنه فإن إبليس جاء إلى نوح- ﵇. وقال: احملني فى السفينة فأبى نوح ﵇، فقال له إبليس: أما علمت أنى من المنظرين إلى يوم معلوم، ولا مكان لى اليوم إلا فى سفينتك؟ فأوحى الله إلى نوح أن يحمله معه. ويقال لم يكن لابن نوح معه مكان، وأمر بحمل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفى هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجرى على قياس الخلق كأنه قيل له: يا نوح.. ابنك لا تحمله، وعدوك فأدخله، فالله سبحانه فعّال لما يريد «٢» .
следующие страницы →