أرانى كلّ يوم فى انتقاص ... ولا يبقى مع النقصان شىّ
ويقال ينقصها من أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار الإسلام، قال تعالى: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» «١» .
ويقال ينقصها من أطرافها بخراب البلدان، قال تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» «٢» وقال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» «٣» فموعود الحقّ خراب العالم وفناء أهله، ووعده حقّ لأن كلامه صدقّ، والله يحكم لا معقّب لحكمه، ولا ناقض لما أبرمه، ولا مبرم لما نقضه، ولا قابل لمن ردّه، ولا رادّ لمن قبله، ولا معزّ لمن أهانه، ولا مذلّ لمن أعزّه.
«وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ» : لأن ما هو آت فقريب.
ويقال «سَرِيعُ الْحِسابِ» فى الدنيا لأنّ الأولياء إذا ألموا بشىء، أو همّوا لمزجور عوتبوا فى الوقت، وطولبوا بحسن الرّجعى.
قوله جل ذكره:
[سورة الرعد (١٣) : آية ٤٢]
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)
مكرهم إظهار الموافقة مع إسرارهم الكفر، ومكر الله بهم توّهمهم أنهم محسنون فى أعمالهم، وحسبانهم «٤» أنهم سنأ من أحوالهم، وظنّهم أنه لا يحيق بهم مكرهم، وتخليته إياهم- مع مكرهم- من أعظم مكره بهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الرعد (١٣) : آية ٤٣]
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)
стр. 877
وبال تكذيبهم عائد إليهم، فإنّ الله شهيد لك بصدقك. «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» هو الله عنده علم جميع المؤمنين. فالمعنى كفى بالله شهيدا فعنده علم الكتاب وكفى بالمؤمنين شهيدا إذ المؤمنون يعلمون ذلك.
السورة التي يذكر فيها إبراهيم ﵇
قوله جل ذكره: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بسم الله معناه بالله فقلوب العارفين بالله إشراقها، وقلوب الوالهين بالله احتراقها، لهؤلاء فا ( ... ) «١» محبته، ولهؤلاء شوقا إلى عزيز رؤيته.
وأصحاب الوصول قالوا: بالله.. فوصل من الطالبين من وصل قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)
أقسم بهذه الحروف: إنّه لكتاب أنزل إليك لتخرج الناس به من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشّكّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير، ومن ظلمات الابتداع «٢» إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دعاوى النّفس إلى نور معارف القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجمع- بإذن ربهم، وبإرادته ومشيئته، وسابق حكمه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢]
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢)
عرّف الخلق أنّ الله هو الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض.
стр. 878
فمن عرف فله المآب الحميد، ومن جحد فله العذاب الشديد وذلك العذاب هو جهله بأنه- سبحانه- من هو.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣]
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)
ثم ذكر ذميم أخلاقهم، فقال: هم الذين يؤثرون اليسير من حطام الدنيا على الخطير من نعم الآخرة، وذلك من شدة جحدهم، ويبغون للدّين عوجا بكثرة جمعهم، أولئك لهم فى الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفى الآخرة الاحتراق وهو أجلّ محنة ومصيبة.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
إنما كان كذلك ليكون آكد فى إلزام الحجة، وأنّى ينفع ذلك إذا لم يوفّقوا لسلوك المحجّة؟ فأهل الهداية فازوا بالعناية السابقة، وأصحاب الغواية وقعوا فى ذلّ العداوة، فلا اعتراض عليه فيما يصنع، ولا يسأل عما يفعل أو لم يفعل.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)
أخرج قومك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومن إشكال الجهل إلى روح العلم. وذكّرهم بأيام الله ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من البلاء فى سابق أحوالهم.
стр. 879
ويقال ذكّرهم بأيام الله وهى ما سبق لأهواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها فى الأشباح:
سقيا لها ولطيبها ولحسنها وبهائها أيام لم (......) «١»
ويقال ذكّرهم بأيام الله وهى التي كان العبد فيها فى كتم العدم، والحق يتولّى عباده قبل أن يكون للعباد فعل فلا جهد للسابقين، ولا عناء ولا ترك للمقتصدين، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم «٢» .
إذ كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة.. ولم يكن للعبد اختيار فى تلك الأيام.
قوله: « ... إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .
«صَبَّارٍ» : راض بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يسرّه.
«شَكُورٍ» : محجوب «٣» بشهود النّعم عن استغراقه فى ظهور حقه.. هذا واقف مع صبره وهذا واقف مع شكره، وكلّ ملزم بحدّه وقدره ... والله غالب على أمره، مقدّس فى نفسه متعزّز بجلال قدسه.
قوله جل ذكره
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٦]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)
стр. 880
تذكّر ما سلف من النّعم يوجب تجديد ما سبق من المحبة، وفى الخبر:
«جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها» فالحقّ أمر موسى ﵇.
بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه.. وفى بعض الكتب المنزلة على الأنبياء- ﵈: «عبدى، أنا لك محبّ فبحقى عليك كن لى محبا» قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٧]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧)
إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامى وإكرامى، وإن كفرتم بإحسانى لأعذبنكم اليوم بامتحانى، وغدا بفراقى وهجرانى.
لئن عرفتم وصالى لأزيدنكم من وجود نوالى إلى شهود جمالى وجلالى «١» .
ويقال لئن شكرتم وجوه توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة.
ويقال لئن شكرتم شهود المكافي لأزيدنكم بشهود أوصافى.
ويقال لئن شكرتم صنوف إنعامى لأزيدنكم بشهود إكرامى ثم إلى شهود إقدامى.
ويقال لئن شكرتم مختص نعمائى لأزيدنكم منتظر آلائي.
ويقال لئن شكرتم مخصوص نعمى لأزيدنكم مأمول كرمى.
ويقال لئن شكرتم ما خوّلناكم من عطائى لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائى.
ويقال لئن شكرتم ما لوّحت فى سرائركم زدناكم ما ألبسنا من العصمة لظواهركم.
ويقال لئن كفرتم نعمتى بأن توهمتم استحقاقها «٢» لجرّعناكم ما تستمرّون مذاقها.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٨]
وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
стр. 881
إن اجتمعتم أنتم ومن عاضدكم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين يقتفون أثركم- على أن تكفروا بالله جميعا، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعا- ما أوجهتم لعزّنا شينا، كما لو شكرتم ما جعلتم بملكنا زينا. والحقّ بنعوته ووصف جبروته علىّ، وعن العالم بأسره غنىّ.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٩]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)
استفهام فى معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسل قابلوهم بالكنود، وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم فى أفواههم، وحذوا سبيل أمثالهم فى الكفر، وبنوا على الشك والريبة قواعدهم، وأسسوا على الشّرك والغىّ مذاهبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٠]
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)
استفهام والمراد منه توبيخ ونفى. سبحانه لا يتحرك نفس إلا بتصريفه.
وكيف يبصر جلال قدره إلا من كحلّه بنور برّه؟
ثم قال: «يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» : ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق وتحمل ما لا يطاق، وألّا يهرب من خدمة أو يجنح إلى راحة.. إنما العجب من سيد عزيز كريم يدعو عبده ليغفر له وقد أخطأ، ويعامله بالإحسان وقد جفا.
стр. 882
والذي لا يكفّ عن العناد، ولا يؤثر رضاء سيده على راحة نفسه فلا يحمل هذا إلا على قسمة بالشقاء سابقة.. وإن أحكام الله بردّه صادقة. ثم أخبر أنهم قالوا لرسلهم:
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ نظروا إلى الرسل من ظواهرهم ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا إلى تقليد أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١١]
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
قالت لهم الرسل ما نحن إلا أمثالكم، والفرق بيننا أنه- سبحانه- منّ علينا بتعريفه، واستخلصنا بما أفردنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات فليس لنا إلى الإتيان به سبيل إلّا أن يظهره الله علينا إذا شاء بما شاء- وهو عليه قدير.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٢]
وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
«ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» : وقد رقّانا من حدّ التكليف بالبرهان إلى وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان، فكفانا من مهان الشان. «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» : وقد حقّق لنا ما سبق به الضمان من وجود الإحسان، وكفاية ما أظلّنا من الامتنان. «ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» ولم نخرج إلى التقاضي على الله فيما وعدنا الله.
стр. 883
قوله: «وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا» : والصبر على البلاء يهون إذا كان على رؤية المبلى، وفى معناه أنشدوا:
يستقدمون بلاياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٣]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)
لما عجز الأعداء عن معارضة الأنبياء ﵈ فى الإتيان بمثل آياتهم أخذوا فى الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان، والتشريد فى البلدان.
وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلّهم من الأمر، ومكّن لهم من مساكن أعدائهم بما قوّى قلوبهم على الصبر على مقاساة بلائهم فقال:
«لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ» ، وقال:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٤]
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤)
«وَخافَ وَعِيدِ» : أي خاف مقامه فى محل الحساب غدا فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص.
ويقال خاف مقامى أي هاب اطلاعى عليه، فالأول تذكير المحاسبة فى الآجل، والثاني تحقيق المراقبة فى العاجل.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٥]
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)
الاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم: «إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ» «١» وغيره فلما نزل بهم البلاء، وتحقق لهم
стр. 884
الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تقبل منهم صدقتهم وفداؤهم، وندموا حين لا ندامة، وجزعوا بعد ما عدموا السلامة.
ويقال: «وَاسْتَفْتَحُوا» : بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرار قومهم سألوا النصرة عليهم من الله كقول نوح- ﵇: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» ، وقول موسى ﵇: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ» «١» فأجابهم الله بإهلاكهم.
ويقال إذا اشتد البلاء وصدق الدعاء قرب النّجاء.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٦ الى ١٧]
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
لفظ «وراء» يقع على ما بين يديه وعلى ما خلف، والوراء ما توارى عليك أي استتر يريد هذا الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خلفه أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويسقى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرة واحدة.
قوله جل ذكره: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ يرى العذاب- من شدته- فى كل عضو، وفى كل وقت، وفى كل مكان. وليس ذلك الموت لأنّ أهل النار لا يموتون، ولكنه فى الشدة كالموت. ثم «مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ» : وهو الخلود فى النار، وهذا جزاء من اغترّ بأيام قلائل ساعدته المشيئة فيها، وانخدع فلم يشعر بما يليها.
стр. 885
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٨]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
أي وفيما يتلى عليك- يا محمد- مثل لأعمال الكفار فى تلاشيها، وكيف أنه لا يقبل شىء منها كرماد فى يوم عاصف، فإنه لا يبقى منه شىء- كذلك أعمالهم.
ومن كان كذلك فقد خاب فى الدارين، وحلّ عليه الويل.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)
خلق السماوات والأرض بالحكم الحق، أي له ذلك بحقّ ملكه، وخلقهما بقوله الحق فجعل كلّ جزء منهما على وحدانيته دليلا، ولمن أراد الوصول إلى ربّه سبيلا.
ثم قال: إن يشأ يذهبكم بالإفناء، ويأت بخلق جديد فى الإنشاء، وليس ذلك عليه بعزيز ... وأنّى ذلك وهو على كل شىء قدير؟! قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)
لم يكونوا عن الحقّ- سبحانه- مستترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا فى مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم ظهروا لله.
فقال الضعفاء للذين استكبروا: «إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً» توهما أن يرفعوا عنهم شيئا من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنّا جميعا فى العذاب مشتركون، ولو أمكننا أن نرفع عنكم من
стр. 886
العذاب، وقدرنا على أن نهديكم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم، وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين ...
فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لوم النّفس فيما تتعاطاه من الإساءة فى زمان المهلة وأوقات التكليف فإنّ أبواب التوبة مفتوحة، ولكن لمن لم ينزع روحه.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢٣]
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣)
ذلك الذي مضى ذكره صفة الكفار والأعداء. وأمّا المؤمنون والأولياء، فقال:
«وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا ... » والإيمان هو التصديق، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» تحقيق التصديق.
ويدخل فى جملة الأعمال الصالحة ما قلّ أو كثر من وجوه الخيرات حتى القذر تميطه «١» عن الطريق.
و «تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ» - وكذلك قال تعالى: «لَهُمْ دارُ السَّلامِ» ، فالوصف العام والتحية لهم من الله السلام.
ويقال إن أحوالهم متفاوتة فى الرتبة فقوم سلموا من الاحتراق ثم من الفراق ثم من العذاب ثم من الحجاب.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٦]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦)
стр. 887
هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت فى الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلها كل حين.
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مصحّحا بالأدلة والبراهين، وفروعها الأعمال الصالحة التي هى الفرائض ومجانبة المعاصي.
والواجب صيانة الشجرة مما يضرّ بها مثل كشف القشر وقطع العرق وإملاق الغصن «١» وما جرى مجراه.
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة.
وكما أن الثمار تختلف فى الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات، ومعانى الأشياء التي يجدها العبد فى قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهى صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبد فى وقته وهو صفة العارفين، وراحة فى الضمير وهو صفة المريدين، وأنس يناله فى سرّه وهو صفة المحبين. وقلق واهتياج يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلا إلى سكونه وهو صفة المشتاقين. إلى ما لا يفى بشرحه نطق، ولا يستوفيه تكلّف قول. وذكر من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل.
طوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع
ثم إن ثمرات الأشجار فى السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة فى كل لحظة كذا كذا مرة.
وكما قال الله تعالى فى ثواب الجنة: «لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ» كذا لطائف هذه الشجرة
стр. 888
لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ولا محجوبة، وهى فى كل وقت ونفس تبدو لهم غير محجوبة.
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم فى مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والنّور.
ويقال الكلمة الطيبة هى الشهادة بالإلهية، وللرسول- ﷺ بالنبوة.
وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرّ مخلص.
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت فى أرض غير سبخة، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت فى قلبيهما كما أن الشجرة فى الأرض السبخة لا تنبت.
ثم لا بدّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تورق بالكفاية، وتتورّد بالهداية.
ويقال ماء هذه الشجرة ماء الندم والحياء والتلهف والحسرة والأمانة والخشوع وإسبال «١» الدموع.
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق، والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية.
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هى كلمة الكفر، وخبثها ما صحبها من نجاسة الشّرك، فخبث الكلمة لصدورها عن قلب هو مستقرّ الشّرك ومنبعه.
والشجرة الخبيثة هى الشّرك اجتثّ من فوق الأرض لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، إنما هو شبه وأباطيل وضلال، تقتضى وساوس وتسويلات ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شبه واهية وأصول فاسدة.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢٧]
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
стр. 889
بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة، وترك العوج.
ويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة.
ويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان.
ويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول «١» فهو بالثبوت أولى من قول العبد لأن قول العبد أثر، والآثار لا يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقيا حكما ثبات العبد لقول الله وهو حكمه بالإيمان وإخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان. وقول الله لا يزول ففى الدنيا يثبته حتى لا بدعة تعتريه، وفى الآخرة يثبته برسله من الملائكة، وفى القيامة يثبته عند السؤال والمحاسبة وفى الجنة يثبته لأنه لا يزول حمد العبد لله، ومعرفته به. وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه- سبحانه- دعاءه ثبّته حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم.
ويقال إذا دعته الوساوس إلى متابعة الشيطان، وصيّرته الهواجس إلى موافقة النّفس فالحق يثبته على موافقة رضاه.
ويقال إذا دعته دواعى المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا، أو محبة الأولاد والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقّ على اختيار النجاة منها، فيترك الجميع، ولا يتحسّس إلا دواعى الحقّ- سبحانه كما قيل:
إذا ما دعتنا حاجة كى تردّنا ... أبينا وقلنا: مطلب الحقّ أوّلا
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨)
стр. 890
وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلا من استعمالها فيما كان ينبغى لها من الشكر. واستعمال النعمة فى المعصية من هذه الجملة، فأعضاء العبد كلها نعم من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بدنه فى الزّلة بدلا من أن يستعملها فى الطاعة فقد بدّل النعمة كفرا، وكذلك إذا أودع الغفلة قلبه مكان المعرفة، والعلاقة فيه مكان الانقطاع إليه، وعلّق قلبه بالأغيار بدل الثقة به، ولطّخ لسانه بذكر المخلوقين ومدحهم بدل ذكر الله واشتغل بغير الله دون العناء فى ذكره ... كلّ هذا تبديل نعم الله كفرا. وإذا كان العبد منقطعا إلى الله، مكفيا من قبل الله.. وجد فى فراغه مع الله راحة عن الخلق، ومن إقباله عليه- سبحانه- كفاية، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة، ووقع فى بحار الاشتغال ومعاملة الخلق ومدحهم وذمهم فقد أحلّ قومه دار البوار على معنى إيقاعه قلبه ونفسه وجوارحه فى المذلة من الخلق، والمضرة فى الحال، وشأنه كما قيل:
ولم أر قبلى من يفارق جنّة ... ويقرع بالتطفيل باب جهنم
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢٩]
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩)
وهى الجحيم المعجّل.. وعذابها الفرقة لا الحرقة.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٠]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)
رضوا بأن يكون معمولهم معبودهم، ومنحوتهم مقصودهم، فضلّوا عن نهج الاستقامة، ونأوا عن مقر الكرامة، وسيلقون غبّ «١» ما صنعوا يوم القيامة كما قيل:
قد تركناك والذي تريد ... فعسى أن تملّهم فتعودا
قل تمتعوا أياما قليلة فأيام السرور قصار، ومتع الغفلة سريعة الانقضاء.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣١]
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)
стр. 891
جعل الله راحة العبد- اليوم- بكمالها فى الصلاة فإنّها محلّ المناجاة، قال الرسول ﷺ : «أرحنا يا بلال بالصلاة» «١» والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:
«وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» «٢» وفى الصلاة يبث «٣» العبد أسراره مع الحق فإذا كان لقاء الإخوان- كما قالوا- مسلاة لهم فكيف بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل:
قل لى بألسنة التنفّس ... كيف أنت وكيف حالك؟
«وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ» : أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البدن على طاعته، والوقت «٤» على شكره، والقلب على عرفانه، والروح على حبه، والسّرّ على مشاهدته..
ولا يكلّف الله نفسا إلا ما آتاها، وإنما يطالب بأن تحضر إلى الباب، وتقف على البساط بالشاهد الذي آتاك ... يقول العبد المسكين: لو كان لى نفس أطوع من هذه لأتيت بها، ولو كان لى قلب أشدّ وفاء من هذا لجدت به، وكذلك بروحى وسرّى، وقيل:
يفديك بالروح صبّ لو انّ له ... أعز من روحه شيئا فداك به
«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ» : وفى هذا المعنى أنشدوا:
قلت للنّفس إن أردت رجوعا ... فارجعى قبل أن يسدّ الطريق
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣)
стр. 892
فى الظاهر رفع السماء فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلق فيها بحارا، وأجرى أنهارا، وأنبت أشجارا، وأثبت لها أنوارا وأزهارا، وأمطر من السماء ماء مدرارا. وأخرج من الثمرات أصنافا، ونوّع لها أوصافا، وأفرد لكلّ منها طعما مخصوصا، ولإدراكه وقتا معلوما.
وأمّا فى الباطن فسماء القلوب زيّنها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس التوحيد، وقمر العرفان. ومرج فى القلوب بحرى الخوف والرجاء، وجعل بينهما برزخا لا يبغيان فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاء فى الخبر: «لو وزنا لاعتدلا» «١» - هذا لعوام المؤمنين، فأمّا الخواص فالقبض والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأنس والبقاء والفناء.
وسخّر لهم الفلك فى هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهى فلك التوفيق والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ. وكذلك ليالى الطلب للمريدين، وليالى الطرب لأهل الأنس من المحبين، وليالى الحرب «٢» للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٤]
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)
ما سمت إليه هممكم، وتعلّق به سؤالكم، وخطر تحقيق ذلك ببالكم، أنلناكم
стр. 893
فوق ما تؤمّلون «١» ، وأعطيناكم أكثر مما ترجون «٢» ، قال تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» .
وقرأ بعض القراء «٣» : «مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ» فينوّن قوله: كل، ويجعل ما سألتموه (ما) للنفى أي كل شىء مما لم تسألوه.
كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألونى- وهذا لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونى- وهذا لأصحاب الزلات. علم قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكّر ما عمله من الزلّات، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمة السؤال، والتفضل فقال: غفرت لكم قبل أن تستغفرونى.
ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهّله الحق- سبحانه- من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟ .. قبل أن كان له إمكان، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخا أو عينا أو أثرا..
لا بل:
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
قوله جل ذكره: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ كيف يكون شكركم كفاء نعمه..؟ وشكركم نزر يسير، وإنعامه وافر غزير.
وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟
إنّ نعمه علومكم عن تفصيلها متقاصرة، وفهومكم عن تحصيلها متأخّرة.
стр. 894
وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن «١» وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له.
فكيف يأتى الحصر والإحصاء على مالا يتناهى؟
وكما أن النّفع من نعمه فالدفع أيضا من نعمه.
ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيق آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)
«٢» كما سأل أن يجعل مكة بلدا آمنا طلب أن يجعل قلبه محلا آمنا أي لا يكون فيه شىء إلا بالله. «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» : والصنم ما يعبد من دونه، قال تعالى:
«أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» «٣» فصنم كلّ أحد ما يشغله عن الله تعالى من مال وولد وجاه وطاعة وعبادة.
ويقال إنه لمّا بنى البيت استعان بالله أن يجرّده من ملاحظة نفسه وفعله.
ويقال إنه- ﷺ كان مترددا بين شهود فضل الله وشهود رفق نفسه، فلما لقى من فضله وجوده قال من كمال بسطه: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» .
ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» .
ويقال شاهد غيره فقال: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» .
стр. 895
قوله جل ذكره: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «فَإِنَّهُ مِنِّي» : أي موافق لى ومن أهل ملّتى، ومن عصانى خالفنى وعصاك.
قوله: «فَإِنَّكَ «١» غَفُورٌ رَحِيمٌ» : طلب للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم.
وقال: «وَمَنْ عَصانِي» .. ولم يقل: من عصاك، وإن كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة.
ويقال إن قول نبينا ﷺ فى هذا الباب أتمّ فى معنى العفو حيث قال:
«اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» ، وإبراهيم- ﵇ عرّض وقال: «فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب «٢» فقال: «وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٧]
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)
أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: «إِنِّي أَسْكَنْتُ ... » وإنما رأى الرّفق بهم فى الجوار لا فى المبارّ فقال: «عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ» ثم قال: «لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ» :
أي أسكنتهم لإقامة حقّك لا لطلب حظوظهم.
ويقال اكتفى أن يكونوا فى ظلال عنايته عن أن يكونوا فى ظلال نعمته.
стр. 896
ثم قال: «فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومى- ما بقوا- بكفايتك، «وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ» : فإنّ من قام بحقّ الله أقام الله بحقّه قومه، واستجاب الله، دعاءه فيهم، وصارت القلوب من كل بر وبحر كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين به، وسكان ذلك البيت.
ويقال قوله: «بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» : أي أسكنتهم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبهم، ولا تشتغل بشىء أفكارهم وأسرارهم فهم مطروحون ببابك، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحكمك إن راعيتهم كفيتهم وكانوا أعزّ خلق الله، وإن أقصيتهم ونفيتهم كانوا أضعف وأذلّ خلق الله.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٨]
رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨)
استأثرت بعلم الغيب فلا يعزب عن علمك معلوم، وحالى لا تخفى عليك، فهى كما عرفت، أنت تعلم سرّى وعلني ... ومن عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، واستروح قلبه عن ترجّم الأفكار، والتّقّسم في كون الحوادث من الأغيار.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٣٩]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)
أسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجه من المعجزات فحمد عليه.
ولمّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدّم من ذكر نعمته- سبحانه- عليه، وإكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى الملق «١» ، ويكون استدعاء نعمة بنعمة، فكأنه قال: كما أكرمتنى بهبة الولد على الكبر فأكرمنى بهذه الأشياء التي سألتها.
ويقال الإشارة فى هذا أنه قال: كما مننت علىّ فوهبتنى على الكبر هذه الأولاد
стр. 897
فأجنبنا أن نعبد الأصنام لتكون النعمة كاملة. وفى قوله: «إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ» ..
إشارة إلى هذه الجملة.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)
فى قوله: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ..» إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه اجعل صلاتى، والجعل والخلق بمعنى، فإذا جعله مقيم الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاة.
وقوله: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» : أي اجعل منهم قوما يصلّون، لأنه أخبره فى موضع آخر بقوله: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» «١» ثم قال: «رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ» وهذ قبل أن يعلم أنه لا يؤمن.
ويقال إن إجابة الدعاء ابتداء فضل منه. ولا ينبغى للعبد أن يتّكل على دعاء أحد وإن كان علىّ الشأن، بل يجب أنّ يعلق العبد قلبه بالله فلا دعاء أتمّ من دعاء إبراهيم ﵇، ولا عناية أتمّ من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له.
ويقال لا ينبغى للعبد أن يترك دعاءه أو يقطع رجاءه فى ألا يستجيب الله دعاءه، فإن إبراهيم الخليل ﵇ دعا لأبويه فلم يستجب له، ثم إنه لم يترك الدعاء، وسأل حينما لم يجب فيه.
فلا غضاضة على العبد ولا تناله مذلّة إن لم يجبه مولاه فى شىء فإنّ الدعاء عبادة لا بدّ للعبد من فعلها، والإجابة من الحقّ فضل، وله أن يفعل وله ألا يفعل.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)
هذا وعيد للظالمين وتسلية للمظومين فالمظلوم إذا تحقّق بأنه- سبحانه- عالم بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله.
стр. 898
والظلم على وجوه ظلم على النّفس بوضع الزّلّة مكان الطاعة، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين.
ويقال من جملة الظالمين الشيطان، فالعبد المؤمن مظلوم من جهته، والحقّ- سبحانه- ينتصف له منه غدا، وذلك إن لم يتّبعه اليوم، ودفعه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه.
قوله جل ذكره: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي ... الآية وهذا للعوام من المؤمنين، علّق قلوبهم بالانتقام منهم فى المستأنف، وأمّا الخواص فإذ علموا أنه- سبحانه- عالم بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، وأمّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظلمهم حتى يستغفرلهم، كما قال النبي- ﷺ : «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» ، وفى معناه أنشدوا:
وما رضوا بالعفو عن ذى زلة ... حتى أنالوا كفّه وازدادوا
وأما أصحاب التوحيد فإذ علموا أنه المنشئ، وألا مخترع سواه فليس بينهم وبين أحد محاسبة، ولا مع أحد معاتبة، ولا منه مطالبة، لأنه يعدّون إثبات الغير فى الظن والحسبان شركا.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٤]
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤)
أفسدوا فى أول أمورهم، وقصّروا فى الواجب عليهم، ولم يكن للخلل فى أحوالهم جبران، ولا لعذرهم قبول لتصحّ الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم، وخاب الكافر، وحقّ الحكم عليهم.
стр. 899
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٥]
وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥)
أحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم، وفعلتم مثل فعلهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم.. فانتظروا منّا ما عاملناكم به جزاء لكم على ما أسلفتم.
ويقال إن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم فى فعلهم، فيستقبل فاعل ذلك استقبالهم، ومن سلكهم ينخرط فى التردّى نحو وهدة هلاكه مثلهم.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٧]
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)
أي لا تحسبنّه يخلف رسله وعده لأنه لا يخلف الوعد لصدقه فى قوله، وله أن يعذبهم بما وعدهم لحقّه فى ملكه، وهو «عَزِيزٌ» لا يصل إليه أحد، وإن كان وليا. «ذُو انتِقامٍ» لا يفوته أحد وإن كان (......) «١» .
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٤٨]
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)
لا يختلف عينها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدّل الأزمان والمكان على الناس باختلاف أحوالهم فى السرور والمحن كمن صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغيّر الزمان والوقت.. وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء.
ويقال إن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر قال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
وفى هذه القصة «٢» من كان صاحب بسط فردّ إلى حال القبض، ومن كان صاحب أنس
стр. 900
فصار صاحب حجاب- يصحّ أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم:
ما الناس بالناس الذي عهدى بهم ... ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها
وكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلا، وكان الليل له ويلا، وكما قيل:
فما كانت الدنيا بسهل ولا الضحى ... يطلق ولا ماء الحياة ببارد
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)
الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، والحميم شربهم، والنار محيطة بهم.. وذلك جزاء من خالف إلهه.
قوله جل ذكره:
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٥٢]
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)
الحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة، والرسول ﵇ مبلّغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكنّ القسمة سابقة، والتوفيق عن القيام ممنوع، والربّ- سبحانه- فعّال لما بريد، فمن اعتبر نجا، ومن غفل تردّى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
стр. 901
السورة التي يذكر فيها الحجر
بسم الله الرحمن الرحيم سقطت ألف الوصل من كتابة بسم الله وليس لإسقاطها علة، وزيد فى شكل الباء من بسم الله وليس لزيادتها علة، ليعلم أن الإثبات والإسقاط بلا علة فلم يقبل من قبل لاستحقاق علة، ولا ردّ من ردّ لاستيجاب علة. فإن قيل العلّة فى إسقاط الألف من بسم الله كثرة الاستعمال فى كتابتها أشكل بأن الباء من بسم الله زيد فى كتابتها وكثرة الاستعمال موجودة.
فإن قيل العلة فى زيادة شكل الباء بركة أفضالها باسم الله أشكل بحذف ألف الوصل لأن الاتصال بها موجود، فلم يبق إلا أن الإثبات والنفي ليس لهما علة يرفع من يشاء ويمنع من يشاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)
أسمعهم هذه الحروف مقطّعة على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة فى الخطاب، فأعرضوا عن كل شىء وسمعوا لها. ونبههم القرآن إلى أن هذه التي يسمعونها آيات الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابهم، واستعدت لسماع ما يقول آذانهم: «تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ» .
ووصف القرآن بأنه مبين لأنه يبين للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما يقوى رجاءهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعج أسرارهم، ويبيّن للمصطفى- ﷺ تحقيق ما منع غيره بعد سؤاله.. ألم تر إلى ربك قال لموسى ﵇: «لَنْ تَرانِي» بعد سؤاله: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» «١»
стр. 902
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢]
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢)
إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا.
ويقال إذا صارت المعارف ضرورية أحرقت نفوس أقوام العقوبة، وقطّعت قلوبهم الحسرة.
ويقال لو عرفوا حالهم وحال المؤمنين لعلموا أن العقوبة بإهلاكهم حاصلة لقوله تعالى بعدئذ:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٣]
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)
قيمة كل امرئ على حسب همّته فإذا كانت الهمة مقصورة على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يحاسب، وعلى العقل لا يطالب فالتّكليف يتبعه التشريف! وغدا سوف يعلمون.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤ الى ٥]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)
الآجال معلومة، والأحوال مقسومة والمشيئة فى الكائنات ماضية، ولا تخفى على الحق خافية.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٦]
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)
الجنون معني يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلمّا كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أولى بما وصفوه به «١» ، فهم كما فى المثل: رمتني بدائها وانسلّت.
стр. 903
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٧ الى ٨]
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨)
اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أيّد به معجزاته، فيتوجب اللّوم عليهم لسوء أدبهم. وأخبر الحقّ- سبحانه- أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكة لأبصار بنى آدم فيكون ذلك عند استبصارهم لأنه تصير المعرفة ضرورية. وفى المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقت أوان هلاكهم لعلمه أنّ فى أصلابهم من يؤمن بالله سبحانه فى المستأنف.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٩]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)
أنزل التوراة وقد وكل حفظها إلى بنى إسرائيل بما استحفظوا من كتاب الله، فحرّفوا وبدّلوا، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظه، وإنما يحفظه بقرائة فقلوب القرّاء خزائن كتابه، وهو لا يضيع كتابه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٠ الى ١٣]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سنّته معهم فى التعذيب. ثم قال:
«كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ» : وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسدّ- بالحرمان- عليهم سلوك الطريقة، وبيّن أنه لو أراهم الآيات عيانا ما ازدادوا
стр. 904
إلا عتوا وطغيانا، وأن من سبق له الحكم بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سبق به القضاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٤ الى ١٥]
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)
من عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضيا.. فمتى ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا.. إن البصيرة له مسدودة، و (....) «١»
الخذلان بقدمه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة على الخديعة.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٦ الى ١٨]
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨)
بروجا أي نجوما هى لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم.
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ إذا رام الشياطين أن يسترقوا السمع كانت النجوم لها رجوما كذلك للقلوب نجوم وهى المعارف وهى فى الوقت ذاته رجوم على الشياطين فلو دنا إبليس وجنوده من قلب ولىّ من الأولياء أحرقته بل محقته نجوم عقله وأقمار علمه وشموس توحيده.
وكما أنّ نجوم السماء زينة للناظرين إذا لاحظوها فقلوب العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماء لهى زينة.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)
стр. 905
النفوس أرض عبادة العابدين، وقلوب العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة، والخوف والرجاء لها رواس. وكذلك الرغبة والرهبة.
ويقال من الرواسي التي أثبتها فى الأرض الأولياء فبهم يثبت الناس إذا وقع بهم الفزع.
ومن الرواسي العلماء الذين بهم قوام الشريعة فعلماء الأصول هم قوام أصل الدّين، والفقهاء بهم نظام الشرع، قال بعضهم:
وا حسرتا من فراق قوم ... هم المصابيح والأمن والمزن.
قوله جل ذكره: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ كما أنبت فنونا من النبات ذات أنوار «١» أنبت فى القلوب صنوفا من الأنوار «٢» ، منها نور اليقين ونور العرفان، ونور الحضور ونور الشهود، ونور التوحيد.. إلى غير ذلك من الأنوار.
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ سبب عيش كلّ واحد مختلف فعيش المريدين من إقباله، وعيش العارفين التجمل بأفضاله «٣» قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢١]
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)
خزائنه فى الحقيقة مقدوراته، وهو- سبحانه- قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث.
ويقال خزائنه فى الأرض قلوب العارفين بالله، وفى الخزانة جواهر من كل صنف فحقائق العقل جواهر وضعها فى قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة، وأسرار العارفين
стр. 906
مواضع سرّه، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن تحقيقه، واللسان خزانة ذكره.
ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خطاه عن التردد على منازل الناس فى طلب الإرفاق منهم، وسعى فى الآفاق فى طلب الأرزاق منها، قاطعا أمله عن الخلق، مفردا قلبه لله متجردا عن التعلّق بغير الله.
قوله: «وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» : عرف القسمة من استراح عن كدّ الطلب فإنّ المعلوم لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يجب عليه شىء لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شىء.
ويقال أراح قلوب الفقراء من تحمّل المنّة من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئا، فليس للفقير صرف القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقاد منّة لأحد، إذ الملك كله لله، والأمر بيد الله، ولا قادر على الإبداع إلا الله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢٢]
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢)
كما أن الرياح فى الآفاق مقدّمات المطر كذلك الآمال فى القلوب، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة فى الطلب يحصل، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف.
قوله جل ذكره: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ أسقاه إذا جعل له السّقيا كذلك يجعل الحق- سبحانه- لأوليائه ألطافا معلومة فى أوقات محدودة! كما قال فى وصف أهل الجنة: «وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا» .
كذلك يجعل من شراب القلوب لكلّ وردا معلوما، ثم قضايا ذلك تختلف:
فمن شراب يسكر، ومن شراب يحضر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل:
فصحوك من لفظى هو الصحو كله ... وسكرك من لحظى يبيح لك الشّربا
ويقال إذا هبت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار فيها أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر.
стр. 907
ويقال إذا هبّت رياح القرب على قلوب العارفين عطّرتها بنفحات الأنس، فيسقون فى نسيمها على الدوام، وفى معناه أنشدوا:
وهبّت شمال آخر الليل قرّة «١» ... ولا ثوب إلا بردة وردائيا
وما زال بردى لينا من ردائها ... إلى الحول حتى أصبح البرد باليا
ويقال إذا هبّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مساويه مناقبه ومثالبه محاسنه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢٣]
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣)
نحيى قلوبهم بالمشاهدة، ونميت نفوسهم بالمجاهدة.
ويقال نحييهم بأن نفنيهم بالمشاهدة، ونميتهم بأن نأخذهم عن شواهدهم.
ويقال يحيى المريدين بذكره، ويميت الغافلين بهجره.
ويقال يحيى قوما بموافقة الأمر فى الطاعات، ويميت قوما بمتابعة الشهوات.
ويقال يحيى قوما بأن يلاطفهم بلطف جماله، ويميت قوما بأن يحجبهم عن أفضاله.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢٤]
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)
العارفون مستقدمون بهممهم، والعابدون مستقدمون بقدمهم، والتائبون بندمهم.
وأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون بخسائس الحالات.
ويقال المستقدمون الذين يسارعون فى الخيرات، والمستأخرون المتكاسلون عن الخيرات.
ويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطر الحقّ- من غير تعريج إلى تفكر، والمستأخرون الذين يرجعون «٢» إلى الرّخص والتأويلات.
ويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق، والمستأخرون الذين تثبطهم مشقة الخذلان.
стр. 908
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢٥]
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)
يبعث كلا على الوصف الذي خرجوا من الدنيا عليه: فمن منفرد القلب بربه، ومن متطوّح فى أودية التفرقة، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)
ذكّرهم بخسّتهم لئلا يعجبوا بحالتهم.
ويقال القيمة فى القربة لا بالتّربة والنسب تربة ولكن النعت قربة.
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ. وإذا انطفأت النار صارت رمادا لا يجىء منها شىء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو «١» لمّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمّا آدم- ﵇ فلمّا اغترّ جبره ماء العناية، قال تعالى: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ... » «٢»
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٢٨ الى ٣١]
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)
أظهرهم بهذا القول، وفى عين ما أظهرهم سترهم.
ويقال ليست العبرة بقوالبهم، إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
стр. 909
ويقال الملائكة لا حظوه بعين الخلقة فاستصغروا قدره وحاله، ولهذا عجبوا من أمر الله- سبحانه- لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختصّه به فسجدوا له.
قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ: وكذا أمر من حجب عن أحواله ادّعى الخيرة وبقي فى ظلمة الحيرة.
ويقال بخل بسجدة واحدة، وقال: أستنكف أن أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالى بكثرة معاصيه، فإنه لا يعصى أحد إلّا وهو سبب وسواسه، وداعيه إلى الزّلّة.
وذلك هو عين الشّقوة وقضية الخذلان.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٢ الى ٣٥]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)
سأله ومعلوم له حاله، ولو ساعدته المعرفة لقال: قل لى مالك؟ وما منعك؟ ومن منعك حتى أقول. أنت ... حيث أشقيتني، وبقهرك أغويتني، ولو رحمتني، لهديتنى وفى كنف عصمتك آويتنى ... ولكنّ الحرمان أدركه حتى قال: «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ» قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)
ولمّا أبعده الحقّ- سبحانه- عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظنّ اللّعين أنه حصل فى الخبر مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذابا شديدا، فكأنه كان فى الحقيقة مكرا- وإن كان فى الحال فى صورة إجابة السؤال بما يشبه اللطف والبرّ.
وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق- سبحانه- حينما يهين عدوّه لا يردّ دعاءه
стр. 910
فى الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار فالمؤمن- إذ أمره الاستغفار والسؤال بوصف الافتقار- أولى ألا يقنط من رحمته، لأنّ إنظار اللعين زيادة شقاء له لا تحقيق عطاء.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٣٩]
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)
الباء فى: «بِما أَغْوَيْتَنِي» باء القسم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يقسم به لولا فرط جهله. ثم هو فى المعنى صحيح، لأنّ الإغواء مما يتفرّد الحق بالقدرة عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكنّ اللّعين لا يعرف الله على الحقيقة، إذ لو عرفه لم يدع إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلال غيره لا ستبقى على الهداية نفسه. وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حدسا وهو لم يعرف الله- على الحقيقة- قطّ.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)
الإخلاص هو تصفية الأعمال عن الغين وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال وقد علم اللعين أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمّا تحقق من عناية الحقّ بشأنهم.
«قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ» تهديد، كما تقول: افعل ما شئت.. وهذا طريقى.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٢]
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)
السلطان الحجة، وهى لله على خلقه، وليس للعدوّ حجة على مخلوق، إذ لا تتعدّى مقدرته محلّه، فلا تسلّط- فى الحقيقة «١» - لمخلوق على مخلوق بالتأثير فيه.
«إِنَّ عِبادِي ... » : إذا سمى الله واحدا عبدا فهو من جملة الخواص، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة
стр. 911
وجرّدهم عن حولهم وقوّتهم، وكان النائب عنهم فى جميع تصرفاتهم وحالاتهم، وحفظ عليهم آداب الشرع، وألبسهم صدار الاختيار فى أوان أداء التكليف، وأخذهم عنهم باستهلاكهم فى شهوده، واستغراقهم فى وجوده ... فأىّ سبيل للشيطان إليهم؟ وأي يد للعدو عليهم؟
ومن أشهده الحقّ حقائق التوحيد، ورأى العالم مصرّفا فى قبضة التقدير، ولم يكن نهبا للأغيار ... فمنى يكون للّعين عليه تسلط، وفى معناه قالوا:
جحودى فيك تقديس ... وعقلى فيك تهويس
فمن آدم إلّاك ... ومن فى البيت إبليس «١»
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
اجتمعوا اليوم فى أصل الضلالة، ثم الكفر ملل مختلفة، ثم يجتمعون غدا فى العقوبة وهم زمر مختلفون، لكلّ دركة من دركات جهنم قوم مخصّون.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٥]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)
المتقى من وقّاه الله بفضله لا من اتّقى بتكلّفه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلّا بعد أن وقّاه الحقّ- سبحانه- بفضله. هم اليوم فى جنات ولها درجات بعضها أرفع من بعض، كما أنهم غدا فى جنّات ولها درجات بعضها فوق بعض.
اليوم لقوم درجة حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنس والقربة، قد علم كلّ أناس مشربهم ولزم كلّ قوم مذهبهم.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٦]
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) .
стр. 912
معناه: يقال لهم: «ادْخُلُوها» ، وأجمل ذلك ولم يقل من الذي يقول لهم. ويرى قوم أن الملك يقول لهم: أدخلوها.
ويقال إذا وافوا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدة، وقاسوا الأمور الشديدة فمن حقّهم أن يدخلوا الجنة، خاصة وقد علموا أنّ الجنة مباحة لهم، ولعلهم لا يفقهون حتى يقال لهم ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول الملك حتى يقول الحقّ: أدخلوها، كما قالوا:
ولا ألبس النّعمى وغيرك ملبس ... ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب
قوله: «بِسَلامٍ آمِنِينَ» : بمعنى السلامة، وهى الأمان، فيأمنون أنهم لا يخرجون منها ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية- مديدة.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٧]
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)
أمر الخليل ﵇ ببناء الكعبة وتطهيرها فقال: «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» «١» ، وأمر جبريل ﵇ حتى غسل قلب المصطفى- ﷺ فطهّره «٢» . وتولّى هو- سبحانه- بنفسه تطهير قلوب العاصين، فقال: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» «٣» وذلك رفقا بهم، فقد يصنع الله بالضعيف ما يتعجّب منه القوى، ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبهم، فتولّى ذلك بنفسه رفقا بهم.
ويقال قال: «ما فِي صُدُورِهِمْ» ولم يقل ما فى قلوبهم لأن القلوب فى قبضته يقلبها، وفى الخبر: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» : يريد بذلك قدرته، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعا. وقيل بين إصبعين أي نعمتين.
قوله جل ذكره: إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ قابل بعضهم بعضا بالوجه، وحفظ كلّ واحد عن صاحبه سرّه وقلبه، فالنفوس متقابلة
стр. 913
ولكنّ القلوب غير متقابلة إذ لا يشتغل بعضهم ببعض، قال تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» «١» قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٨]
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨)
أي لا يلحقهم تعب لا بنفوسهم ولا بقلوبهم. وإذا أرادوا أمرا لا يحتاجون إلى أن ينتقلوا من مكان إلى مكان، ولا تحار أبصارهم، ولا يلحقهم دهش، ولا يتغير عليهم حال عما هم عليه من الأمر، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق.
«وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ» أي لا يلحقهم «٢» ذلّ الإخراج بل هم بدوام الوصال.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٤٩]
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)
لمّا ذكر حديث المتقين وما لهم من علوّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين، فتدارك الله قلوبهم، وقال لنبيّه- ﷺ أخبر عبادى العاصين أنى غفور رحيم، وأنى إن كنت الشكور الكريم بالمطيعين فأنا الغفور الرحيم بالعاصين.
ويقال من سمع قوله: «أَنِّي أَنَا» بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغ لسماع المغفرة والرحمة لأنه يكون عندئذ مختطفا عن شاهده، مستهلكا فى إنّيته.
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٥٠]
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
العذاب الأليم هنا هو الفراق، ولا عذاب فوق الفراق فى الصعوبة والألم «٣» .
قوله جل ذكره:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)
ألا عرّفهم كيف كانت فتوة الخليل فى الضيافة، وقيامه بحقّ الضيفان، وكان الخليل
стр. 914
عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمّا سلموا من جانبهم وردّ عليهم وانفضّوا عن تناول طعامه:
قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ.
وجلون أي خائفون، فإنّ الإمساك عن تناول طعام الكرام موضع للريبة. ولمّا علم أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن روعه عند ما قالوا له:
[سورة الحجر (١٥) : آية ٥٣]
قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣)
فليس لك موضع للوجل لكن موضع للفرج فإنا جئناك مبشّرين، وإن كنّا لغيرك معذّبين.
نحن «نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ» : أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتهم بالولد وببقاء الولد هى العجب فقال:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٤ الى ٥٦]
قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦)
قال أبشرتموني وقد مسّنى الكبر؟ وإنّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشىء. بماذا تبشروني وقد طعنت فى السنّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا:
بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالا.
قال: كيف أخطأ ظنكم فىّ فتوهمتم أنى أقنط من رحمة ربى؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يصيبه ضرر منهم سألهم عن حالهم:
стр. 915
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٥٧ الى ٦٠]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أرسلنا لعذاب قوم لوط، ولننجى أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم فى الفساد، وكانت تدل قومه على أضافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمّا وافى المرسلون من آل لوط أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمر عظيم، قالوا: بل جئناك بما كان قومك يشكّون فيه من تعديبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق:
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٥ الى ٦٦]
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)
فأسر بأهلك بعد ما يمضى شىء من الليل، وامش خلفهم، وقدّمهم عليك، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ننقذك وأهلك إلا امرأتك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك فى العصيان. «وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ» :
فلكم السلامة ولقومكم العقوبة.
[سورة الحجر (١٥) : الآيات ٦٧ الى ٧١]
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١)
أي علّمناه وعرّفناه: «أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ» أي أنهم مهلكون ومستأصلون بالعقوبة.
ثم لما نزل الملائكة بلوط ﵇ قال لقومه إن هؤلاء أضيافى، فلا تتعرضوا لهم فتفضحونى، واتقوا الله، وذروا مخالفة أمره ولا تخجلوني. فقال قومه: ألم ننهك عن أن تحيى أحدا، وأمرناك ألا تمنع منّا أحدا؟ فقال: هؤلاء بناتي يعنى نساء أمتى. وقال قوم: