قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز. لأنه لا حق للخلق على الخالق. فلا تجوز وفاقا.
وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه- من أن الله لا يسأل بمخلوق- له معنيان: أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق، أولى وأحرى. وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى [الليل: ١- ٢] ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: ١] . وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً [النازعات: ١] ، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات: ١]- فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته، ما يحسن معه إقسامه. بخلاف المخلوق، فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها. كما
في (السنن) عن النبي ﷺ أنه قال «١» : «من حلف بغير الله فقد أشرك» .
وقد صححه الترمذي وغيره.
وفي لفظ: فقد كفر
. وقد صححه الحاكم.
وقد ثبت عنه في (الصحيحين) «٢» أنه قال: من كان حالفا فليحلف بالله. وقال: لا تحلفوا بآبائكم. فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
وفي (الصحيحين) عنه أنه قال «٣» : من حلف باللات والعزّى فليقل: لا إله إلّا الله.
وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة، أو بما يعتقد هو حرمته- كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وسراويل الفتوّة وغير ذلك ... - لا ينعقد يمينه، ولا كفارة في الحنث بذلك.
стр. 1612
والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ من الأموال وغيرها جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ أي ليفادوا به أنفسهم مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وإنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه.
وقد روى البخاري عن أنس قال «١» : قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم.
فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي. فيؤمر به إلى النار» . ورواه مسلم «٢» وغيره بنحوه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٧]
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم لا ينقطع. وهذا كما قال تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها ...
[السجدة: ٢٠] الآية.
روى ابن مردويه، عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله. أنّ رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» . قال، فقلت لجابر بن عبد الله، يقول الله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها قال: اتل أوّل الآية:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ... الآية، ألا إنهم الذين كفروا.
стр. 1613
وقد روى الإمام أحمد ومسلم «١» هذا الحديث من وجه آخر. عن يزيد الفقير، عن جابر
وهذا أبسط سياقا.
زاد ابن أبي حاتم: قال جابر: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قد جمعته قال:
أليس الله يقول: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] ؟ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم.
ولما أوجب تعالى- في الآية المتقدمة- قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة- بين أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٨]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)
وَالسَّارِقُ أي: من الرجال وَالسَّارِقَةُ أي من النساء فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما يعني يمين كل منهما، والمقطع الرسغ، كما بينته السنّة جَزاءً بِما كَسَبا أي:
يقطع الآلة الكاسبة نَكالًا أي: عقوبة مِنَ اللَّهِ أي: على فعل السرقة المنهي عنه من جهته تعالى، لا في مقابلة إتلاف المال، فإنه غير السرقة. فلذلك لا يسقط بعفو المالك، بخلاف العفو عن المال. ولا يبالي فيه بعزة السارق، لأنه تعالى غالب على أمره يمضيه كيف يشاء، كما قال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي: فلا يبالي- مع عزته الموجبة لامتثال أمره- عزّة من دونه حَكِيمٌ في شرائعه، فيختل أمر نظام العالم بمخالفة أمره، إذ فيه نفع عام للخلائق.
وفي الآية مسائل:
الأولى- قال أبو السعود: لما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال، صرح بالسارقة أيضا، مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة. لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر. انتهى.
ولما كانت غلبة السرقة في الرجال، لقوتهم بدأ بالسارق. كما أن غلبة الزنى
стр. 1614
لما كانت في النساء لفرط شهوتهن- قال في آية الزنى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي.
الثانية- قال ابن كثير: روى الثوري بسنده إلى ابن مسعود، أنه كان يقرؤها:
والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما. وهذه قراءة شاذة. وكان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى. كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح، ويقال: إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلا يقال له (دويك) مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده.
الثالثة: ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرا، لعموم هذه الآية: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما. فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا. بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير «١» وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما. أخاص أم عام؟ فقال: بل عام.. وهذا يحتمل أن يكون موافقة لابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل ذلك، فالله أعلم.
وتمسكوا بما
ثبت في (الصحيحين) «٢» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده.
وأما الجمهور فاعتبروا النصاب، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره.
فعند الإمام مالك «٣» : النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة. فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع. واحتج في ذلك بما
رواه عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قطع في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم
. أخرجاه «٤» في (الصحيحين) قال
стр. 1615
مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترجة قوّمت بثلاثة دراهم. وهو أحب ما سمعت في ذلك.
قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر ولم ينكر. فمن مثله يحكي الإجماع السكوتي. وفيه دلالة على القطع في الثمار، خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، والله أعلم. وذهب الشافعي ﵀ إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا، والحجة في ذلك ما
أخرجه الشيخان «١» من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا.
ولمسلم «٢» عنها أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعدا
. قال الشافعية: هذا الحديث فاصل في المسألة، ونصّ في اعتبار ربع الدينار لا ما سواه. قالوا: وحديث ثمن المجنّ، وإن كان ثلاثة دراهم، لا ينافي هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما. فهي ثمن ربع دينار فأمكن الجمع بهذا الطريق. ويروى هذا المذهب عن عمر وعثمان وعلي ﵃. وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث والأوزاعي وإسحاق (في رواية عنه) وأبو ثور وداود الظاهري، ﵏.
وذهب الإمام أحمد وإسحاق (في رواية) إلى أنّ كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مردّ شرعي. فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع، عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة. ووقع
في لفظ عند الإمام أحمد «٣» عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك.
وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.
وفي لفظ للنسائي «٤» : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار
. فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وكذا سفيان الثوري، فإنهم ذهبوا إلى أن
стр. 1616
النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة. واحتجوا بأن ثمن المجنّ الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم،
وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجنّ.
وكان ثمن المجنّ عشرة دراهم. قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجنّ. فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما بلغ قيمة واحد منهما. يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلّا في خمس. أي في خمسة دنانير أو خمسين درهما. وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀.
وقد أجاب الجمهور- عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده- بأجوبة: (أحدها) أنه منسوخ بحديث عائشة. وفي هذا نظر لأنه لا بد من بيان التاريخ. و (الثاني) أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري «١» وغيره عنه. و (الثالث) أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده.
ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في الكثير والقليل. فلعن السارق يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة.
وقد ذكروا أن أبا العلاء المعرّى، لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرا فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟
وقد أجابه الناس في ذلك فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة. ولما خانت هانت، ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة. فإن في باب الجنايات، ناسب
стр. 1617
أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار، لئلا يجنى عليها. وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي: مجازاة على صنيعهما السيّئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك. كذا في تفسير ابن كثير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سرّه في كتابه (السياسة الشرعية) : وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الآية. ولا يجوز، بعد ثبوت الحدّ عليه بالبينة أو الإقرار، تأخيره. لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره. بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها. فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله. وينبغي أن يعرف أن إقامة الحدّ رحمة من الله بعباده. فيكون الوالي شديدا في إقامة الحدّ، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا إشفاء غيظه وإرادة العلوّ على الخلق. بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده. فإنه لو كف عن تأديب ولده، كما تستر به الأم رقة ورأفة، لفسد الولد. وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحا بحاله.
مع أنه يودّ ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب. وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه. وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك. بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة. فكذلك شرعت الحدود. وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات، بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغائه بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره- ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير. وكفاه العقوبة اليسيرة. وقد يرضى المحدود إذا قام عليه الحدّ. وأما إذا كان غرضه العلوّ عليهم وإقامة بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال- انعكس عليه مقصوده.
ويروى أن عمر بن عبد العزيز، ﵀، قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد ابن عبد الملك على مدينة النبي ﷺ ، وكان قد ساسهم سياسة صالحة، فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة له! قال: كيف محبتكم له؟ قالوا:
هو أحب إلينا من أهلنا! قال: فكيف أدبه؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة ... قال: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه! هذا أمر من السماء.
стр. 1618
وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق في عنقه. فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى. فإن سرق ثالثا أو رابعا، ففيه قولان للصحابة ومن بعده من العلماء:
(أحدهما) تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر، وهو مذهب الشافعي ﵁، والكوفيين وأحمد في إحدى الروايتين. و (الثاني) : أنه يحبس. وهو قول علي ﵁ والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى. وتتمة مباحث السرقة مقررة في كتب السنة.
الرابعة- قرأ الجمهور برفع (السارق والسارقة) على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم- أو وفيما فرض عليكم- السارق والسارقة، أي:
حكمها، أو الخبر قوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة الرفع، لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلّا بتأويل وإضمار، كذا اشتهر عن سيبويه.
قال الناصر في (الانتصاف) : المستقرأ من وجوه القراءات أن العامة لا تتفق فيها أبدا على العدول عن الأفصح. وجدير بالقرآن أن يجري على أفصح الوجوه، وأن لا يخلو من الأفصح، وما يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها. وسيبويه يحاشي من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتماله على الشاذ الذي لا يعد من القرآن. ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل. قال سيبويه في ترجمة (باب الأمر والنهي) بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب: وملخصها أنّه متى بني الاسم على فعل الأمر، فذاك موضع اختيار النصب. ثم قال كالموضّح لامتياز هذه الآية عما اختار فيها النصب: وأما قوله : السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا الآية، وقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور: ٢] . فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [محمد ﷺ :
١٥] . ثم قال بعد: فيها كذا وكذا. يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها. ووجه التمييز بأن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنيا على الفعل. وأما في هذه الآي فليس بمبنيّ عليه. فلا يلزم فيه اختيار النصب.
عاد كلامه قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكر بعده. فذكر أخبارا وقصصا. فكأنه قال: ومن القصص: مثل الجنة. فهو محمول على هذا الإضمار. والله
стр. 1619
أعلم. وكذلك الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي لما قال جل ثناؤه: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [النور: ١] . قال في جملة الفرائض: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي- ثم جاء- فَاجْلِدُوا.
بعد أن مضى فيهما الرفع، يريد سيبويه: لم يكن الاسم مبنيا على الفعل المذكور بعد، بل بني على محذوف متقدم وجاء الفعل طارئا.
عاد كلامه قال كما جاء: وقائلة خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر وكذلك وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وفيما فرض عليكم السارقة والسارق.
فإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث. وقد قرأ ناس والسّارق والسّارقة.
بالنصب، وهو في العربية ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع.
يريد سيبويه أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنيا على الفعل غير معتمد على متقدم، فكان النصب قويا بالنسبة إلى الرفع، حيث يبني الاسم على الفعل لا على متقدم. وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع، حيث يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، فإنه قد بين أن ذلك يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب، فكيف يفهم عنه ترجيحه عليه، والباب مع القراءتين مختلف؟ وإنما يقع الترجيح بعد التساوي في الباب. فالنصب أرجح من الرفع حيث ينبني الاسم على الفعل. والرفع متعين (لا أقول أرجح) حيث بنى الاسم على كلام متقدم.
ثم حقق سيبويه هذا المقدر بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار. ولو كان كما ظنّه الزمخشري، لم يحتج سيبويه إلى تقدير بل كان يرفعه على الابتداء، ويجعل الأمر خبره. فالملخّص على هذا: أن النصب على وجه واحد، وهو بناء الاسم على فعل الأمر. والرفع على وجهين: أحدهما ضعيف وهو الابتداء وبناء الكلام على الفعل. والآخر قوي بالغ كوجه النصب- وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دلّ عليه السياق. وحيثما تعارض لنا وجهان في الرفع، أحدهما قوي والآخر ضعيف، تعيّن حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه ﵁. والله أعلم. انتهى. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٣٩]
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)
فَمَنْ تابَ أي: رجع من السّرّاق إلى الله مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي: سرقته وَأَصْلَحَ أي: عمله فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ أي: يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة
стр. 1620
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: مبالغ في المغفرة ولذلك يقبل توبته. وهو تعليل لما قبله.
قال أبو السعود: وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم وتأييد استقلال الجملة.
وكذا في قوله :
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٠]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما. والاستفهام لتقرير العلم. والمراد به الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمّه. أي: ألم تعلم أن له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وتقديم التعذيب لأن السياق للوعيد. فيناسب ذلك تقديم ما يليق به من الزواجر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه التعذيب والمغفرة.
تنبيه:
ذهب الجمهور إلى أن توبة السارق تسقط عنه حدود الله. وأما حقّ الآدمي من القطع وردّ المال أو بدله فلا يسقط بتوبته.
وقال أبو حنيفة: متى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. وقد بينت السنة أنه إن عفي عنه قبل الرفع إلى الإمام، سقط القطع.
روى ابن ماجة «١» عن ثعلبة الأنصاري: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني سرقت جملا لبني فلان فطهّرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر به فقطعت يده.
قال ثعلبة (أحد رجال السند) : أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك.
أردت أن تدخلي جسدي النار.
وروى الإمام أحمد «٢» عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ . فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا. يا رسول الله!
стр. 1621
إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها (يعني أهلها) فقال رسول الله ﷺ :
اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ يا رسول الله! قال: نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك. فأنزل الله في سورة المائدة: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ.. الآية.
قال ابن كثير: وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت.
وحديثها ثابت في الصحيحين «١» من رواية الزهري عن عائشة أن امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح. ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: أتكلمني في حد من حدود الله؟ قال أسامة:
استغفر لي، يا رسول الله؟
فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد. فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
ثم أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك.
وتزوجت.
قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ، وهذا لفظ مسلم.
وفي لفظ له «٢» عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
وعن ابن عمر. قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة جاراتها وتجحده. فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها. رواه الإمام أحمد «٣» . وأبو داود والنسائي
، وهذا لفظه.
وفي لفظ له «٤» : إنّ امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ : قم يا بلال! فخذ بيدها فاقطعها.
стр. 1622
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤١]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ نهي. قال أبو البقاء: والجيّد فتح الياء وضم الزاي.
ويقرأ بضم الياء وكسر الزاي من (أحزنني) وهي لغة. الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: في إظهاره بما يلوح منهم آثار الكيد للإسلام ومن موالاة الكافرين مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ أي بألسنتهم. متعلّق ب (قالوا) وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وهم المنافقون، أي: لا تبال بهم فإني ناصرك عليهم وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على مِنَ الَّذِينَ قالُوا وهم يهود بني قريظة، كعب وأصحابه سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر لمحذوف، أي: هم سماعون. واللام إما لتقوية العمل، وإما لتضمين السماع معنى القبول، وإما لام كي، والمفعول محذوف والمعنى: هم مبالغون في سماع الكذب الذي افترته أحبارهم أو في قبوله. أو سماعون أخباركم ليكذبوا عليكم بالزيادة والنقص إرجافا وتهويلا.
وفي (الإكليل) : أن قوله تعالى سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يدلّ على أن سامع المحظور كقائله في الإثم.
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي: لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنه إفراطا في البغضاء. أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك. قيل: هم يهود خيبر. والسماعون، بنو قريظة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ أي: كلم التوراة في الأحكام مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي: التي وضعه الله عليها.
قال ابن كثير: أي يتناولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا أي: إن أوتيتم هذا المحرّف المزال عن مواضعه من جهة الرسول ﷺ فَخُذُوهُ أي: اعملوا به فإنه الحقّ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ. بأن أفتاكم الرسول بخلافه فَاحْذَرُوا أي: من قبوله، وإياكم وإياه! فإنه الباطل والضلال.
стр. 1623
قال ابن كثير: قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا تعالوا نتحاكم إلى محمد. فإن حكم بالدية فاقبلوه. وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم. فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه. فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله. ويكون نبيا من أنبياء الله قد حكم بذلك.
وقد وردت الأحاديث بذلك: فروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال «١» : جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إنّ فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم. فقالوا: صدق، يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.
وأخرجاه في الصحيحين «٢»
. وهذا لفظ الموطأ.
وروى الإمام أحمد «٣» عن البراء بن عازب قال: مرّ على رسول الله ﷺ بيهودي محمّم مجلود. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم.
فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى! هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا، والله! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه.
وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال النبي ﷺ : اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم قال: فأنزل الله :
стр. 1624
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله- يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ. أي يقولون: ائتوا محمدا. فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. قال الحافظ ابن كثير: انفرد بإخراجه مسلم «١» دون البخاري. أبو داود «٢» والنسائي وابن ماجة «٣» . وكذا روى أبو بكر الحميدي في (مسنده) نحوه في سبب نزولها عن جابر. وأبو داود أيضا، عن ابن عمر.
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: ضلالته فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: في دفع ضلالته أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي: من دنس الفتنة ووضر الكفر لانهماكهم فيهما. وإصرارهم عليهما، وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ أي: فضيحة وهتك ستر، بظهور نفاقهم بالنسبة للمنافقين. وذل وجزية وافتضاح، بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة بالنسبة لليهود. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو النار.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٢]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي بالباطل. خبر لمحذوف. وكرر تأكيدا لما قبله وتمهيدا لقوله أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أي: الحرام. وهو الرشوة كما قال ابن مسعود.
قال الزمخشري: السحت كل ما لا يحل كسبه. وهو من (سحته) إذا استأصله. لأنه مسحوت البركة. كما قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة:
٢٧٦] . والربا باب منه. وقرئ (السحت) بالتخفيف والتثقيل، و (السحت) بفتح السين على لفظ المصدر من (سحته) ، و (السحت) بفتحتين، و (السحت) بكسر السين، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. انتهى.
وفي (اللباب) : السحت كله حرام تحمل عليه شدة الشره. وهو يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا تكون له بركة ولا لآخذه مروءة ويكون في حصوله عار
стр. 1625
بحيث يخفيه لا محالة. ومعلوم أن حال الرشوة كذلك. فلذلك حرمت الرشوة على الحاكم
عن أبي هريرة «١» : أن رسول الله ﷺ لعن الراشي والمرتشي في الحكم.
أخرجه الترمذيّ. وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء. فمن شفع شفاعة ليردّ بها حقّا أو يدفع بها ظلما. فأهدي بها إليه، فقبل، فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! ما كنا نرى ذلك إلّا الأخذ على الحكم؟ فقال: الأخذ على الحكم كفر! قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.
فَإِنْ جاؤُكَ يعني اليهود لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ لأنهم اتخذوك حكما أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحقّ بل ما يوافق أهواءهم، أي: فأنت بالخيار. وقد استدل بالآية من قال: إن الإمام مخيّر في الحكم بين أهل الذمة أو الإعراض عنهم. وعن بعض السلف: إنّ التخيير المذكور نسخ بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. والتحقيق أنها محكمة، والتخيير باق.
وهو مرويّ عن الحسن والشعبيّ والنخعيّ والزهريّ، وبه قال أحمد. لأنه لا منافاة بين الآيتين. فإن قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيه التخيير. وقوله تعالى:
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه كيفية الحكم، إذا حكم بينهم وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي: فلن يقدروا على الإضرار بك، لأن الله تعالى عاصمك من الناس وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أي: بالعدل الذي أمرت به، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: العادلين فيما ولوا وحكموا.
روى مسلم «٢» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٣]
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)
стр. 1626
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه. مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذين يدّعون الإيمان به.
قال بعضهم: معنى فِيها حُكْمُ اللَّهِ أي: في المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبيّ ﷺ . وهو حكم الله بحسب اعتقادهم أو بحسب الحقيقة. قال: ووجود هذا الحكم الخاص فيها، لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة فيها محرفة. وسمّاها التوراة: إما باعتبار عرفهم. أو باعتبار أصلها، أو لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية. ولولا ذلك ما صحّ أن تسمى بذلك، كالإنجيل، مع اعتقاد تحريفها وتبديلها وعدم صحة كثير من أجزائها وكتبها ...
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي: من بعد البيان في التوراة، وحكمك الموافق لما في كتابهم وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي: بالتوراة كما يزعمون.
قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز طلب الرخصة بترك ما يعتقده حقّا إلى ما يعتقده غير حقّ. وقوله تعالى ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يدلّ على أن التولّي عن حكم الله يخرجه عن الإيمان.
قال بعض الزيدية: إذا كره حكم الشرع وطلب حكم المنع، هل ذلك يخرجه عن حكم الإيمان؟ وهذا ينبغي أن يفصل فيه، فيقال: إن اعتقد صحته، أو رأى له مزية أو تعظيما. أو استهان بحكم الإسلام، فلا إشكال في كفره. وإن لم يحصل ذلك منه، بل اعتقد أنه باطل خسيس، وأنه يعظّم شرع الإسلام، ولكن يميل إلى هوى نفسه، فهذا لا يكفر على الظاهر. إذ الكفر يحتاج إلى دليل قاطع.
وفي كلام الحاكم ما تقدم: أنه يخرجه عن الإيمان. فإن أوهم أنه حق أو أنه أصلح من شرع الإسلام، فهذا محتمل للكفر. لأنه كفر إبليس اللعين، بكونه اعتقد أن أمر الله تعالى له بالسجود لآدم، غير صلاح. لكونه خلقه من طين، وإبليس من النار. انتهى.
ثم أشار تعالى إلى حالة اليهود الذين كانوا لا يبالون بالتوراة ويحرّفونها، ويقتلون النبيين، بأنهم خالفوا ما أمرهم الله في شأنها من الهداية بها وصونها عن التحريف، فقال:
стр. 1627
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٤]
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً أي: إرشاد إلى الحق وَنُورٌ أي: إظهار لما أنبههم من الأحكام يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ من بني إسرائيل الَّذِينَ أَسْلَمُوا أي: الذين كانوا مسلمين من لدن موسى إلى عيسى ﵈. وسنذكر سرّ هذه الصفة لِلَّذِينَ هادُوا وهم اليهود. و (هاد) بمعنى تاب ورجع إلى الحق.
قال المهايميّ: لِلَّذِينَ هادُوا أي: لا لمن يأتي بعدهم. ولم يختص بالحكم بها الأنبياء بل يحكم بها الرَّبَّانِيُّونَ أي: الزهّاد العبّاد وَالْأَحْبارُ أي: العلماء الفقهاء بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ أي: بسبب الذي استودعوه من كتاب الله أن يحفظوه من التغيير والتبديل وأن يقضوا بأحكامه. والضمير في (استحفظوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا. ويكون الاستحفاظ من الله، أي: كلفهم حفظه. أو للربانيين والأحبار، ويكون الاستحفاظ من الأنبياء وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ أي: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه. أو بأنه حق وصدق من عند الله. فمعلمو اليهود وعلماؤهم الصالحون لا يفتون ولا يقضون إلا بما لم ينسخ من شريعتهم وما لم يحرف منها، لشيوعه وتداوله وتواتر العمل به.
لطيفة:
قال الزمخشريّ: قوله تعالى: الَّذِينَ أَسْلَمُوا صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح. كالصفات الجارية على القديم سبحانه. لا للتفصلة والتوضيح. وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل منها. انتهى.
قال الناصر في (الانتصاف) : وإنما بعثه على حمل هذه الصفة على المدح دون التفصلة والتوضيح، أنّ الأنبياء لا يكونون إلّا متّصفين بها. فذكر النبوّة يستلزم ذكرها. فمن ثمّ حملها على المدح، وفيه نظر. فإن المدح إنما يكون غالبا بالصفات الخاصة التي يتميّز بها الممدوح عمن دونه. والإسلام أمر عام يتناول أمم الأنبياء
стр. 1628
ومتبعيهم كما يتناولهم. ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبيّ ﷺ أن يقتصر على كونه رجلا مسلما؟ فإن أقل متبعيه كذلك. فالوجه- والله أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها ولينوّه بها إذا وصف بها عظيم القدر. كما يكون ثبوتها بقدر موصوفها. فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة قد يراد إعظام الصفة بعظم موصوفها. وعلى هذا الوصف جرى وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] وأمثاله. تنويها بمقدار الصلاح. إذ جعل صفة الأنبياء. وبعثا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته. وكذلك قيل في قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] فأخبر، عن الملائكة المقربين، بالإيمان. تعظيما لقدر الإيمان وبعثا للبشر على الدخول فيه، ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة. وإلّا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلّا.
ولهذا قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني من البشر لثبوت حقّ الأخوة في الإيمان بين الطائفتين فكذلك- والله أعلم- جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به. لقد أحسن القائل في أوصاف الأشراف، والناظم في مدحه ﷺ :
فلئن مدحت محمدا بقصيدتي ... فلقد مدحت قصيدتي بمحمّد
والإسلام، وإن كان من أشرف الأوصاف، إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقه، إلّا أن النبوة أشرف وأجلّ، لاستعمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة. فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة، في سياق المدح، لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز، وفي كلام العرب الفصيح، وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى، لا النزول على العكس. ألا ترى أن أبا الطيب كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... درّ تقاصيرها زبرجدها!
فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد في سياق المدح.
فمضغت الألسن عرض بلاغته، ومزقت أديم صيغته. فعلينا أن نتدبّر الآيات المعجزات، حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوّها في البلاغة المعهود لها. والله الموفق.
وقوله تعالى فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ قال الزمخشريّ: نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل
стр. 1629
لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء.
وقال أبو السعود: خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات. وأما حكام المسلمين فيتناولهم النهي بطريق الدلالة دون العبارة. والفاء لترتيب النهى على ما فصل من حال التوراة وكونها معتنى بشأنها فيما بين الأنبياء ﵈، ومن يقتدي بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا. فإن ذلك مما يوجب الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأيّ وجه كان. فضلا عن التحريف والتغيير. ولما كان مدار جراءتهم علي ذلك، خشية ذي سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية، نهوا عن كل منهما صريحا، أي إذا كان شأنها كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كانوا، واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم وَاخْشَوْنِ في مخالفة أمري والإخلال بحقوق مراعاتها وَلا تَشْتَرُوا أي تستبدلوا بِآياتِي أي التي فيها، بأن تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها ثَمَناً قَلِيلًا
من الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، فإنها- وإن جلّت- قليلة مسترذلة في نفسها، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي كائنا من كان، دون المخاطبين خاصة، فإنهم مندرجون فيه اندراجا أوليّا. أي: من لم يحكم بذلك مستهينا به، منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه اقتضاء بيّنا فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لاستهانتهم به. والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير، وتحذير عن الإخلال به أشدّ تحذير. حيث علق فيه الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بنا أنزل الله تعالى. فكيف وقد انضمّ إليه الحكم بخلافه؟ لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضعه، وادعاء أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. قاله أبو السعود.
تنبيهات:
الأول: في قوله تعالى فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ دلالة على أنّ على الحاكم أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
الثاني: في قوله تعالى وَلا تَشْتَرُوا ... إلخ دلالة على تحريم الرشا على التبديل. وكتمان الحقّ، وأنّ فعل ذلك، لغرض دنيوي من طلب جاه، أو مال- محرّم.
الثالث: في قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ الآية، تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه، حيث علق عليه الكفر هنا، والظلم والفسق بعد.
стр. 1630
الرابع: ما أخرجه مسلم «١» عن البراء: أن قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. الثلاث الآيات في الكفار كلها. وكذا ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس: أنها في اليهود خاصة، قريظة والنضير- لا ينافي تناولها لغيرهم، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا يخصص السبب، وكلمة مِنْ وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم.
الخامس: كفر الحاكم بغير ما أنزل بقيد الاستهانة به والجحود له، هو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة وابن عباس.
وروى الحاكم وابن أبي حاتم وعبد الرازق عن ابن عباس وطاوس: أن من لم يحكم بما أنزل الله، هي به كفر، وليس بكفر ينقل عن الملة. كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ونحو هذا روى الثوريّ، عن عطاء قال: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير «٢» .
ونقل في (اللباب) عن ابن مسعود والحسن والنخعيّ: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله، فقد كفر وظلم وفسق. وإليه ذهب السدّيّ. لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا، وحكم بغيره. وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل، فلا يدخل في هذا الوعيد.. انتهى.
وقال إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) : ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا- يعني اليهود- واخترع حكما يخالف به حكم الله، وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره.
السادس: روي سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات.
أخرج الإمام أحمد «٣» عن ابن عباس قال: إن الله أنزل وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وفَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتله العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل
стр. 1631
قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبيّ ﷺ المدينة، فذلّت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ﷺ . ويومئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح. فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا. فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين قط، دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم. فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم. ثم ذكرت العزيزة فقالت والله! ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منهم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلّا ضيما منا وقهرا لهم. فدسّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه.
إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسّوا إلى رسول الله ﷺ ناسا من المنافين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ . فلما جاءوا رسول الله ﷺ أخبر الله رسوله ﷺ بأمرهم كلّه وما أرادوا. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ- إلى قوله- الْفاسِقُونَ ثم قال:
فيهما، والله! نزلت، وإياهم عنى الله . ورواه أبو داود بنحوه.
وروى ابن جرير «١» من طريق أخرى عن ابن عباس قال: إن الآيات في المائدة قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ- إلى- الْمُقْسِطِينَ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة. وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف يؤدّي الدية كاملة. وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ . فأنزل الله ذلك فيهم. فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه.
وروى ابن جرير «٢» أيضا عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير. وكانت النضير أشرف من قريظة. فكان إذا قتل القرظيّ رجلا من النضير قتل به. وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر. فلما بعث رسول الله ﷺ ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة. فقالوا: ادفعوه إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ . فنزلت: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في (المستدرك) بنحوه.
وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد.
стр. 1632
وقد روى العوفيّ وعليّ بن أبي طلحة الوالبيّ عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد. فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير.
وقد أسلفنا في (المقدمة) في بحث سبب النزول، ما يزيل الإشكال في تعدد السبب. فتذكر. ومما يقوي أن سبب النزول قضية القصاص- كما قال ابن كثير- قوله تعالى بعد ذلك:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٥]
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أي: فرضنا على اليهود في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.
أي: مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق وَالْعَيْنَ مفقوءة بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ مجدوع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ مقطوعة بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ مقلوعة بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ أي:
ذات قصاص، أي: يقتص فيها إذا أمكن. كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وإلا- ككسر عظم وجرح لحم مما لا يمكن الوقوف على نهايته- فلا قصاص، بل فيه حكومة عدل.
تنبيهات:
الأول: هذه الآية مما وبّخت به اليهود أيضا وقرّعت عليه. فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وقد خالفوا حكم ذلك عمدا وعنادا. فأقادوا النضريّ من القرظيّ، ولم يقيدوا القرظيّ من النضريّ. وعدلوا إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار، ولهذا قال هناك: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا. وقال هاهنا- في تتمة الآية فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه. فخالفوا وظلموا، وتعدوا على بعضهم بعضا- أفاده ابن كثير.
стр. 1633
الثاني- قوله تعالى: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والمعطوفات بعده، كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء (كتبنا) مجرى (قلنا) وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك (النّفس بالنّفس) مما يقع عليه (الكتب) كما تقع عليه (القراءة) ، تقول:
كتبت الحمد لله، وقرأت سورة أنزلناها. ولذلك قال الزجاج: لو قرئ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ بالكسر لكان صحيحا. كذا في (الكشاف) . وقد توسع الخفاجيّ في (العناية) في بحث الرفع- هنا- على عادته في النحويات فانظره إن شئت.
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ «١» والحاكم عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ نصب النفس ورفع العين، قال الترمذيّ: حسن غريب. وقال البخاريّ: تفرد ابن المبارك بهذا الحديث.
الثالث: استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا- إذا حكي مقررا ولم ينسخ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الأسفرايينيّ عن نص الشافعيّ وأكثر أصحابه- بهذه الآية. حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن البصريّ: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم. وقد حكى الإمام أبو منصور بن الصباغ في كتابه (الشامل) اجتماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه.
الرابع: قال ابن كثير: احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة. بعموم هذه الآية الكريمة. وكذا
ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم «٢» : أن الرجل يقتل بالمرأة.
وفي الحديث الآخر «٣» : المسلمون تتكافأ دماؤهم
. وهذا قول جمهور العلماء.
стр. 1634
وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وحكي عن الحسن وعثمان البستيّ، ورواية عن أحمد، أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل يجب ديتها
. وهكذا احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على أن يقتل المسلم بالكافر الذميّ، وعلى قتل الحرّ بالعبد. وقد خالفه الجمهور فيهما.
ففي (الصحيحين) «١» عن أمير المؤمنين عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقتل مسلم بكافر.
وأما العبد، ففيه عن السلف آثار متعددة. إنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحرّ، ولا يقتل حرّ بعبد. وجاء في ذلك أحاديث لا تصح. وحكى الشافعيّ الإجماع. على خلاف قول الحنفية في ذلك. انتهى.
وقال السيوطيّ في (الإكليل) : في هذه الآية مشروعية القصاص في النفس والأعضاء والجروح بتقدير شرعنا. كما
قال ﷺ في حديث أنس «٢» : كتاب الله القصاص
واستدل بعموم (النفس بالنفس) من قال بقتل المسلم بالكافر، والحرّ بالعبد، والرجل بالمرأة. وأجاب ابن الفرس بأن الآية أريد بها الأحرار المسلمون، لأن اليهود المكتوب ذلك عليهم في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا أحرارا لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبيّ ﷺ بين سائر الأنبياء. لأن الاستعباد من الغنائم. ولم تحلّ لغيره. وعقد الذمة لبقاء الكفار. ولم يقع ذلك في عهد نبيّ. بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب.
وأخّر ذلك في هذه الأمة رحمة. وهذا جواب مبين.
وقوله وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ استدل به في كل جرح قيل بالقصاص فيه- كاللسان والشفة وشجاج الرأس والوجه وسائر الجسد- وعلى أن نتف الشعر والضرب لا قصاص فيه، إذ ليس بجرح. انتهى.
стр. 1635
وقال بعض الزيدية في (تفسيره) : مذهب أئمة أهل البيت ومالك والشافعيّ أنه لا يقتل المسلم بالكافر. وقال أبو حنيفة: يقتل به، لا بالحربيّ ولا بالمستأمن من الحربيين أخذا بعموم الآية. قلنا: هي مخصصة بقوله في سورة الحشر: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ. وهذا يقتضي نفي المساواة عموما. قالوا: أراد (في الآخرة) . قلنا: قال الله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١] . قالوا: ليس هذا على عمومه فإن له أخذ الدّين منه، وذلك سبيل.
قلنا:
قال ﷺ : لا يقتل مؤمن بكافر
. فعمّ. قالوا: أراد بكافر حربيّ. بدليل أن في آخر الخبر: ولا ذو عهد في عهد. والمعنى: لا يقتل المؤمن ولا الكافر الذي عوهد، بالكافر الذي لا عهد له. قلنا: قد تمت الجملة الأولى وهي قوله ﵇: لا يقتل المؤمن بكافر. وأما قوله: ولا ذو عهد في عهده، فهذه جملة أخرى. يريد: لا يقتل ما دام في العهد. مع أن الحديث إن احتمل أنها جملة واحدة فالمراد: لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار عموما. وكذلك المعاهد لا يقتل بأحد من الكفار عموما. فقامت الدلالة على أن المعاهد، يقتل ببعض الكفار. وبقي المؤمن على عمومه. وما قلنا مرويّ عن عليّ ﵇ وعمر وعثمان وزيد بن ثابت. وقد رجع عمر إلى هذا لما أنكر عليه عليّ ﵇ وزيد. وهذه المخصصات تخصص ما ورد من العمومات في هذه المسألة. انتهى.
الخامس: عموم قوله تعالى وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ كعموم قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. فما خصص ذلك العام، خصصه هنا، لكن ننبه على أطراف:
منها-: أن اليسرى لا تؤخذ باليمنى، والوجه عدم المساواة.
ومنها-: عين الأعور تؤخذ بعين الصحيح على ما نصه في (الأحكام) ، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعيّ لعموم الآية. وقال في (المنتخب) ومالك: لا تؤخذ، لأن نورها أكثر فتطلب المساواة. واحتجوا بأنه مرويّ عن عليّ ﵇ وعمر وابن عمر وعثمان قال في (الشرح) : وكان الإمام يحيى لا يصحح هذه الرواية عن عليّ ﵇.
ومنها-: في كيفية القصاص. فإن قلعت العين ثبت القصاص بالقلع. وإن ضرب حتى ذهب بصره ثبت القصاص. قال في (التهذيب) : فقيل: بالقلع. وقيل:
تحمى حديدة ثم تقرب من عينه.
وأما قوله تعالى: وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ فالكلام في عمومه كما تقدم. ويذكر هنا تنبيه، وهو أن القصاص إنما يكون إذا استؤصلت. لأن ذلك كالمفصل، لا إذا قطع بعضها.
стр. 1636
والعموم في قوله تعالى: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ أيضا كما تقدم. والقصاص: إذا قطعت من أصلها لا إذا قطع البعض. ولا تؤخذ أذن الصحيح بأذن الأصمّ.
وكذا عموم قوله تعالى وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والقصاص: إذا قلع من أصله. ولا بد من المساواة. فلا يؤخذ الصحيح بالأسود ولا بالمكسور. ولا الثنية بالضرس. ونحو ذلك. كما لا تؤخذ اليمنى باليسرى.
وأما قوله تعالى وَالْجُرُوحَ فهذا فيما تمكن فيه المساواة، ويؤمن على النفس لتحرج الأمة.
كذا في (تفسير بعض الزيدية) . وتتمة فقه هذه الآية يرجع فيه إلى مطولات كتب السنة وشروحها.
وقوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ أي: من المستحقين بِهِ أي: بالقصاص. أي:
فمن عفا عن الجاني. والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الترغيب فَهُوَ أي:
التصدق، كَفَّارَةٌ لَهُ أي: للمتصدق يكفر الله بها ذنوبه. وقيل: فهو كفارة للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه. وهذا التأويل الثاني روي عن كثير من السلف. كما أخرجه أبن أبي حاتم. واللفظ محتمل. إلّا أن الأخبار الواردة في فضل العفو تشهد للأول.
روى الإمام أحمد «١» عن الشعبيّ أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلّا كفّر الله عنه مثل ما تصدّق به. ورواه النسائي أيضا.
وروى الإمام أحمد «٢» عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: من أصيب بشيء من جسده فتركه لله، كان كفارة له.
وروى الإمام ابن جرير «٣» عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار. فاندقّت ثنيّته. فرفعه الأنصاريّ إلى معاوية. فلما ألحّ عليه الرجل قال معاوية: شأنك وصاحبك. قال، وأبو الدرداء عند معاوية. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيهبه، إلّا رفعه الله به
стр. 1637
درجة وحطّ عنه به خطيئة. فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال:
سمعته أذناي ووعاه قلبي. فخلّى سبيل القرشيّ. فقال له معاوية: مروا له بمال.
ورواه الإمام أحمد «١» أيضا عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال القرشيّ: إن هذا دق سني، فقال معاوية:
كلّا. إنا سنرضيه. قال فلما ألح عليه الأنصاري. قال معاوية: شأنك بصاحبك- وأبو الدرداء جالس- فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة وحط عنه بها خطيئة. قال فقال الأنصاري: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال: نعم. سمعته أذناي ووعاه قلبي. يعني فعفا عنه الأنصاريّ. وهكذا رواه الترمذيّ
وقال: غريب، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء.
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنهم حكموا بخلاف حكم الله العدل. وتقدم في أول التنبيهات الخمس، قريبا، سرّ التعبير هاهنا ب (الظالمون) قبله ب (الكافرين) فتذكّر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٦]
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)
وَقَفَّيْنا أي أتبعنا عَلى آثارِهِمْ يعني أنبياء بني إسرائيل بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي: أرسلناه عقبهم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ أي: مؤمنا بها حاكما بما فيها وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً أي إلى الحق وَنُورٌ أي: بيان للأحكام وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ أي: لما فيها من الأحكام. وتكرير ذلك لزيادة التقرير.
قال ابن كثير: أي متبعا لها غير مخالف لما فيها، إلا في القليل. مما بيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارا عن المسيح. أن قال لبني إسرائيل: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. ولهذا كان المشهور من قول العلماء: إن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة.
стр. 1638
وَهُدىً وَمَوْعِظَةً أي: زاجر عن ارتكاب المحارم والمآثم لِلْمُتَّقِينَ أي:
لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. وتخصيص كونه هدى وموعظة بالمتقين، لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه.
وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٧]
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أمر مبتدأ لهم، بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها: دلائل رسالته ﵊، وشواهد نبوّته. وقيل: هو حكاية للأمر الوارد عليهم. بتقدير فعل معطوف على (ءاتيناه) :
وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وقرئ (وليحكم) بالنصب على أن اللام (لام كي) أي:
آتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم.
قال بعض المحققين: وإنما خص أهل الإنجيل بالذكر، لبيان أن الإنجيل لم ينزله الله للأمم كافة وأن شريعته ليست باقية لكل زمان. لأن بعثة عيسى ﵇ كانت خاصة بالأمة اليهودية.
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحقّ.
تنبيه:
في هذه الآية والآيتين المتقدمتين، من الوعيد ما لا يقادر قدره. وقد تقدم أنّ هذه الآيات، وإن نزلت في أهل الكتاب، فليست مختصة بهم، بل هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويدخل فيه السبب دخولا أوليّا.
وفي (فتح البيان) في تفسير هذه الآيات، مباحث نادرة سابغة الذيل. فلتراجع.
ولما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، وأثنى عليها وأمر باتباعها، ثم ذكر الإنجيل ومدحه وأمر باتباعه- شرع في التنويه بالقرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، فقال:
стр. 1639
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٨]
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي: الفرد الكامل الحقيق بأن يسمى كتابا على الإطلاق. لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماويّ، وتفوّقه على بقية أفراده، وهو القرآن الكريم. فاللام للعهد. أفاده أبو السعود.
بِالْحَقِّ أي الصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ بيان ل (ما) . و (اللام) للجنس. يعني: أنه يصدّق جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه من قبله. وإنما قيل (لما قبل الشيء) : هو بين يديه، لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه. فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ أي: مؤتمنا عليه وشهيدا وحاكما على ما قبله من الكتب.
قال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منا فهو حقّ، وما خالفه منها فهو باطل.
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أي: بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي:
بما بيّن الله لك في القرآن.
قال في (الإكليل) : هذا ناسخ للحكم بكل شرع سابق. ففيه أنّ أهل الذمة إذا ترافعوا إلينا يحكم بينهم بأحكام الإسلام. لا بمعتقدهم. ومن صور ذلك عدم ضمان الخمر ونحوه. انتهى.
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ نهى أن يحكم بما حرفوه أو بدّلوه.
اعتمادا على قولهم. ضمّن وَلا تَتَّبِعْ معنى (ولا تنحرف) فلذا عدي ب (عن) فكأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم. أو التقدير: عادلا عمّا جاءك. لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً أي: شريعة موصلة إلى الله وَمِنْهاجاً أي:
طريقا واضحا في الدين، تجرون عليه.
стр. 1640
قال ابن كثير: هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد. كما
ثبت في (صحيح البخاريّ) «١» عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات. ديننا واحد
. يعني بذلك، التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله. كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] . وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] الآية.
وقال أبو السعود: قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً كلام مستأنف جيء به لحمل أهل الكتابين، من معاصريه ﷺ ، على الانقياد لحكمه بما أنزل إليه من القرآن الكريم. ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من الكتابين، وإنما الذي كلفوا العمل بهما من مضى قبل نسخهما من الأمم السالفة. والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس قاطبة، لكن لا للموجودين خاصة، بل للماضين أيضا بطريق التغليب. والمعنى: لكل أمة كائنة منكم. أيها الأمم الباقية والخالية، جعلنا- أي عيّنا ووضعنا- شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة. لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عيّنت لها. فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ﵉ شرعتهم التوراة. والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبيّ عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل. وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلّا. فآمنوا به واعملوا بما فيه.
وفي (الإكليل) : استدلّ بهذه الآية من قال: إنّ شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
وبقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ ... الآية، من قال: إنه شرع لنا ما لم يرد ناسخ. واستدلّ بالآية. أيضا من قال: إن الكفر ملل لا ملة واحدة، ولم يورّث اليهود من النصارى شيئا. انتهى.
قال النسفيّ: ذكر الله إنزال التوراة على موسى ﵇. ثم إنزال الإنجيل على عيسى ﵇. ثم إنزال القرآن على محمد ﷺ . وبيّن أنه ليس للسماع فحسب، بل للحكم به. فقال في الأول: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ وفي الثاني.
стр. 1641
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ وفي الثالث: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي: جماعة متفقة على شريعة واحدة وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ متعلق بمحذوف يستدعيه النظام. أي: ولكن جعلكم أمما مختلفة ليختبركم فيما أعطاكم من الشرائع المختلفة. هل تتركون ما ألفتم منها لما أحدث منها مذعنين له، معتقدين أن خلافه لها بمقتضى المشيئة الإلهية المبنية على أساس الحكم البالغة، والمصالح النافعة لكم في المعاش والمعاد؟ أو تزيغون عن الحق، وتتبعون الهوى، وتستبدلون المضرة بالجدوى، وتشترون الضلالة بالهدى؟
وبهذا اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء. بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشا ومعادا، كما ينبئ عنه قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي: إذا كان الأمر كما ذكر، فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في القرآن الكريم، وابتدروها انتهازا للفرصة وإحرازا لسابقة الفضل والتقدم. ففيه من تأكيد الترغيب في الإذعان للحق، وتشديد التحذير عن الزيغ، ما لا يخفى. أفاده أبو السعود.
وقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد. أي: مصيركم، ومعادكم- أيها الناس- إليه يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي: فيخبركم بما لا تشكّون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرّطكم في العمل. كذا في (الكشاف) .
فالإنباء مجاز عن المجازاة، وإنما عبر عنها به، لوقوعه موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الإنباء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٤٩]
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩)
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ عطف على (الكتاب) أي: أنزلنا إليك الكتاب والحكم بما فيه. أو على (الحق) أي: أنزلناه بالحق وب (أن احكم) ويجوز أن يكون جملة، بتقدير: وأمرنا أن احكم. وفي التعرض لعنوان إنزاله تعالى إياه،
стр. 1642
تأكيد لوجوب الامتثال، وتمهيد لما يعقبه من قوله وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ أي: يصرفوك عنه. وإظهار الاسم الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب. كإعادة (ما أنزل الله) فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني بذنب التولّي عن حكم الله، وإرادة خلافه، فوضع (ببعض ذنوبهم) موضع ذلك. وأراد: أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد. وأن هذا الذنب- مع عظمه- بعضها وواحد منها.. وهذا الإبهام لتعظيم التولي، واستسرافهم في ارتكابه، ونحو (البعض) في هذه الكلام ما في قول لبيد. (أو يرتبط بعض النفوس حمامها..!) أراد نفسه. وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام. كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أيّ نفس. فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض. كذا في (الكشاف) .
وفي (الحواشي) : ومثل هذا قوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢٥٣] . أراد محمدا ﷺ وقيل: ذلك من الخصوص الذي أريد به العموم وقيل: أراد العذاب في الدنيا. وأما في الآخرة فإنه يعذب بجميع الذنوب. ولقد تلطف القائل:
وأقول بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة، وأنت كلّ الناس
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ أي: المتمردون في الكفر معتدون فيه وهذا تسجيل عليهم بالمخالفة. يعني: إن التولّي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر. والجملة اعتراض تذييليّ مقرر لمضمون ما قبله. ونظيرها قوله تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] . وقوله تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦] .
روى ابن جرير «١» وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوما، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد! إنك قد عرفت أنّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم. وأنا- إن اتبعناك- اتبعنا يهود، ولم يخالفونا. وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله ﷺ . فأنزل الله فيهم: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ. الآية.
стр. 1643
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٥٠]
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي: يريدون منك.
قال أبو السعود: إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم و (الفاء) للعطف على مقدر يقتضيه المقام. أي: أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجيب. لأن التولّي عن حكمه ﷺ .
وطلب حكم آخر، منكر عجيب. وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد ب (الجاهلية) إمّا الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى، الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام فيكون تعييرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي. وإما أهل الجاهلية، وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى. انتهى.
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً أي: قضاء لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: ينظرون بنظر اليقين إلى العواقب. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساويا له.
قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم- المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شرّ- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن جنكزخان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فمن فعل ذلك منهم فهو. كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله.
فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ أي:
يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله تعالى أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. روى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وكان طاوس إذا سأله رجل:
стр. 1644
أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ.. الآية.
وروى الطبرانيّ: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أبغض الناس إلى الله من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه. ورواه البخاري»
بزيادة. انتهى. كلام ابن كثير.
قال بعض مفسّري الزيدية: اشتمل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ إلى قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ على عشرين وجها من التأكيد في ملازمة شريعة نبيّنا ﷺ التي أنزلها الله تعالى، واختارها لأمته، واستأثر بكثير من أسرارها فلم يطّلع عليها، وما أشدّ امتثال ما تضمّنته؟ وكيف الخروج عن عهدته خصوصا على الأئمة والحكام؟ ولن يحصل ذلك حتى يلجم نفسه بلجام الحق، ويعزل عن نفسه مطالعة الخلق، لهذه الجملة. لا يقال: إنه ﷺ معصوم لا يتبع أهواءهم، فكيف نهى عما يعلم الله أنه لا يفعله؟ قال الحاكم: ذلك مقدور له، فيصحّ النهي وإن علم أنه لا يفعله. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. كذلك لا يقال:
قوله فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يخرج من ذلك القياس. لأن ذلك- إن جعل خطابا له ﵊ فلم يكن متعبّدا بالقياس. وإن كان خطابا للكل فالقياس ثابت بالدليل فهو بمثابة المنزل. هكذا ذكر الحاكم. والأكثر: أنه يجوز منه ﵊ الاجتهاد، ومنعه آخرون. وقوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ قد يستدل به على أن الواجبات على الفور. وهو محتمل. لأن المراد قبل أن يسبق عليكم الموت. انتهى.
وفي (الإكليل) : استدلّ به على أن تقديم العبادت أول وقتها أفضل من تأخيرها. انتهى.
وقد روى مسلم «٢» عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ : أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبرّ الوالدين.
وروى أبو داود «٣» والترمذي والحاكم عن أم فروة عن النبيّ ﷺ : أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها.
стр. 1645
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٥١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ أي: لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليّا، بمعنى: لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الأحباب ومعاشرتهم.
قال المهايميّ: إذا كان تودد أهل الكتاب لرسول الله ﷺ لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل الله مع غاية كماله، فكيف حال من يتودد إليهم من المؤمنين؟ انتهى.
ووصفهم بعنوان (الإيمان) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه.
فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين، من أقوى الزواجر عن موالاتهما.
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إيماء إلى علة النهي. أي: فإنهم متفقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين. وإجماعهم على مضادتكم. فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم!! وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي: من جملتهم.
وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة.
قال الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله. كما
قال «١» رسول الله ﷺ : لا تراءى ناراهما
. ومنه قول عمر ﵁ لأبي موسى في كاتبه النصرانيّ لا تكرموهم إذ أهانهم الله. ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله. ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله. وروي أنه قال له أبو موسى: (لا قوام للبصرة إلّا به) فقال: مات النصراني والسلام. يعني: هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ، فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره.
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن
стр. 1646
يكون يهوديّا أو نصرانيّا وهو لا يشعر. قال. فظنناه يريد هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا.. الآية.
ثم بيّن تعالى كيفية تولّيهم. وأشعر بسببه وبما يؤول إليه أمره. فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٥٢]
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: نفاق وشكّ في وعد الله لإظهار دينه يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في دين الله، والفضيحة بالنفاق يَقُولُونَ أي: في عذرهم نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ أي: من دوائر الزمان، وصرف من صروفه، فتكون الدولة لهم، فنحتاج إليهم، فنحن نتحفّظ عن شرهم. ولا يتفكرون في أن الدائرة ربما تصيب من يوالونهم. والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وأصلها: الخط المحيط بالسطح. استعيرت لنوائب الزمان، بملاحظة إحاطتها واستعمالها في المكروه. و (الدولة) ضدها، وقد ترد بمعنى (الدائرة) أيضا، لكنه قليل. كذا في (العناية) .
ثم ردّ تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشّر المؤمنين بالظفر بقوله سبحانه فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أي: فتح مكة، عن السدّيّ. أو فتح قرى اليهود من خيبر وفدك، عن الضحّاك. وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء الفصل بنصره ﷺ على أعدائه، وإظهار المسلمين أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يقطع شأفة اليهود، ويجليهم عن بلادهم فَيُصْبِحُوا أي: المنافقون عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الشك في ظهور الإسلام، أو من النفاق نادِمِينَ لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين. وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه- لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة- لما أنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها. فدلّ ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (٥) : آية ٥٣]
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قال الزمخشريّ: قرئ بالنصب عطفا على (أن يأتي)
стр. 1647
وبالرفع على أنه كلام مبتدأ. أى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. وقرئ (يقول) بغير (واو) وهي مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك. على أنه جواب قائل يقول:
فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا؟ (فإن قلت) : لمن يقولون هذا القول؟ (قلت) : إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجّبا من حالهم، واغتباطا بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي: حلفوا لكم بأغلاظ الأيمان إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي: إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وإمّا أن يقولوه لليهود، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما حكى الله عنهم: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر:
١١] أي: فقد تباعدوا عنكم. فيظهر أنهم لم يكونوا مع المؤمنين ولا مع اليهود حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ أي: في الدنيا، إذ ظهر نفاقهم عند الكل. وفي الآخرة، إذ لم يبق لهم ثواب.
قال الزمخشريّ: هذه الجملة من قول المؤمنين. أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم! أو من قول الله ، شهادة لهم بحبوط الأعمال، وتعجيبا من سوء حالهم. انتهى.
وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين، ما لا يخفى.
تنبيهات:
الأول-: في سبب نزول هذه الآيات الكريمات.
روي عن السدّي «١» ، أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أمّا أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهوديّ فأواليه وأتهوّد معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصرانيّ بالشام فأواليه وأتنصرّ معه. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى ... الآيات.
وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أبي: إنه الذبح. رواه ابن جرير «٢» . وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ، ابن سلول.
стр. 1648
روى ابن جرير «١» عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنّ لي موالي من يهود كثير عددهم. وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود. وأتولّى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر. لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبيّ: يا أبا الحباب! ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه. قال قد قبلت فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... الآيتين.
ثم
روى ابن جرير «٢» عن الزهريّ قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر.. فقال مالك بن صيف: غرّكم إن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال! أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم. لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله! إنّ أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلّا الله ورسوله.. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاية يهود. إني رجل لا بدّ لي منهم. فقال رسول الله ﷺ يا أبا الحباب! أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه. فقال إذا أقبل! قال: فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ ... - إلى قوله- وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبيّ، ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ- وكانوا حلفاء الخزرج- قال:
فأبطأ عليه رسول الله ﷺ . فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ. قال: فأعرض عنه.
فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : أرسلني. وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك! أرسلني. قال: لا، والله! لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ. أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال رسول الله ﷺ : هم لك.
стр. 1649
قال محمد بن إسحاق: فحدّثني أبي، إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ ، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان أحد بني عوف من الخزرج، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ- فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرّأ إلى الله ، وإلى رسوله من حلفهم وقال: يا رسول الله! أتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ... ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ- إلى قوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
وروى الإمام أحمد «١» عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيّ نعوده، فقال له النبيّ ﷺ : قد كنت أنهاك عن حب يهود. فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات. وكذا رواه أبو داود.
الثاني: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرات الآية أحكام.
(الأول) - أنه لا يجوز موالاة اليهود ولا النصارى. قال الحاكم: والمراد موالاته في الدين. وجعل الزمخشريّ الموالاة في النصرة والمصافاة. وبيّن وجوب المجانبة للمخالف في الدين، كما تقدم. والبعد والمجانبة استحباب، إذ قد جازت المخالطة في مواضع بالإجماع، وذلك حيث لا يوهم محبتهم ولا بأنهم على حق.
(الحكم الثاني) - أن للإمام أن يسقط الحدّ إذا خشي، أو يؤخره. وقد ذكر هذا، الأمير يحيى والراضي بالله والحاكم، وهذا مأخوذ من سبب النزول، وترك النبيّ ﷺ بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ.
(الحكم الثالث) - صحة الموالاة منهم لبعضهم بعضا. وقد قال عليّ بن موسى القمّيّ: الآية تدل على أنهم ملة واحدة: فتصح المناكحة بينهم والموارثة.
والمذهب خلاف ذلك. والدلالة على ما ذكر محتملة. لأنها تحتمل أن المراد:
بعضهم أولياء بعض في معاداة المسلمين أو يعني: بعض اليهود وليّا لبعض اليهود.
(الحكم الرابع) - أن من تولاهم فهو منهم. ولا خلاف في أنه صار عاصيا لله كما عصوه. ولكن أين تبلغ حد معصيته؟ وقد اختلف في ذلك، فقيل: معنى قوله فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي: حكمه حكمهم في الكفر، وهذا حديث يقرّهم على دينهم.
стр. 1650
فكأنه قد رضيه. وقيل: من تولاهم على تكذيب رسول الله ﷺ . وقيل: المراد أنه منهم في وجوب عداوته والبراءة منه. قال الحاكم: ودلالة الآية مجملة. فهي لا تدل على أنه كافر إلا أن يحمل على الموافقة في الدين.
(الحكم الخامس) - ذكره الحاكم، أنه لا يجوز الاستعانة بهم. قلنا: ذكر الراضي بالله: أنه ﷺ قد حالف اليهود على حرب قريش وغيرهما إلى أن نقضوه يوم الأحزاب، وجدد ﷺ الحلف بينه وبين خزاعة. حتى كان ذلك سبب الفتح. وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ . مسلمهم وكافرهم. قال الراضي بالله: وهو ظاهر قول آبائنا ﵈. وقد استعان عليّ ﵇ بقتلة عثمان، واستعان ﷺ بالمنافقين. قال الراضي بالله: ويجوز الاستعانة بالفسّاق على حرب المبطلين، فتكون هذه الاستعانة غير موالاة.
التنبيه الثالث- في التفسير المتقدم ما نصه: وفي الآية الكريمة زواجر عن مولاة اليهود والنصارى من وجوه: (الأول) - النهي بقوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ. وسائر الكفار لا حق بهم. (الثاني) - قوله تعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ. والمعنى: أن الموالاة من بعضهم لبعض لاتحادهم بالكفر، والمؤمنون أعلى منهم. (الثالث) - قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. وهذا تغليظ وتشديد ومبالغة. مثل
قوله ﷺ : لا تراءى ناراهما
. ومثل قوله ﵇ «١» : لا تستضيئوا بنار المشركين. (الرابع) - ما أخبر الله به أنه لا يهديهم.
(الخامس) - وصفهم بالظلم، والمراد: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار.
(السادس) - أنه تعالى أخبر أنّ الموالاة لهم من ديدن الذين في قلوبهم مرض، أي:
شكّ ونفاق. (السابع) - ما أخبر الله تعالى به من علة الموالين، وأنّ ذلك خشية الدوائر. لا أنّه بإذن من الله ولا من رسوله. (الثامن) - قطع الله لما زينه لهم الشيطان من خشية رجوع دولة الكفر فقال تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ.
و (عسى) في حق الله تعالى لواجب الحصول بالفتح لمكة أو لبلاد الشرك- (التاسع) - ما بشر الله تعالى به من إهانتهم بقوله: أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ. قيل: إذلال