جواد البلاغة ويحرزون قصبات السبق في مسابقة الأقران بالقصائد والخطب، والرسائل والمحاورات. وما كانوا يعرفون أسلوبا غير هذه الأوضاع الأربعة، ولا يتمكنون من إبداعه. فإبداع أسلوب غير أساليبهم على لسان حضرته ﷺ ، وهو أمّيّ، عين الإعجاز.
ومنها الإخبار بالقصص والأحكام والملل السابقة، بحيث كان مصدقا للكتب السابقة.
ومنها الإخبار بأحوال مستقبلة، فكلما وجد شيء على طبق ذلك الإخبار ظهر إعجاز جديد.
ومنها الدرجة العليا في البلاغة مما ليس مقدورا للبشر. ونحن لما جئنا بعد العرب الأول، ما كنا لنصل إلى كنه ذلك، ولكن القدر الذي علمناه أن استعمال الكلمات والتركيبات العذبة الجزلة مع اللطافة وعدم التكلف في القرآن العظيم- أكثر منه في قصائد المتقدمين والمتأخرين. فإنا لا نجد من ذلك فيها قدر ما نجده في القرآن، وهذا أمر ذوقي يتمكن من معرفته المهرة من الشعراء، وليس للعامة من الناس ذائقة في هذا الأمر. وأيضا نعلم من الغرابة فيه إنه يلبس المعاني من أنواع التذكير والمخاصمة في كل موضع لباسا يناسب أسلوب السورة، وتقصر يد المتطاول عن نيله، وإن كان أحد لا يفهم هذا الكلام فليتأمل إيراد قصص الأنبياء، في سورة الأعراف، وهود والشعراء، ثم لينظر تلك القصص في الصافات، ثم في الذاريات ليظهر له الفرق. وكذلك تعذيب العصاة وتنعيم المطيعين فإنه يذكر في كل مقام بأسلوب جديد. ويذكر مخاصمة أهل النار في كل مقام بصورة على حدة.
والكلام في هذا يطول.
وأيضا نعلم إنه لا يتصور رعاية مقتضى المقام، الذي تفصيله في فن المعاني، والاستعارات، والكنايات، التي تكفل بها فن البيان مع رعاية حال المخاطبين الأميين الذين لا يعرفون هذه الصناعات- أحسن مما يوجد في القرآن العظيم. فإن المطلوب هاهنا أن يذكر في المخاطبات المعروفة التي يعرفها كل من الناس نكتة رائقة للعامة، مرضية عند الخاصة، وهذا المعنى كالجمع بين النقيضين.
يزيدك وجه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
ومن جملة وجوه الإعجاز ما لا يتيسر فهمه لغير المتدبرين في أسرار الشرائع.
وذلك أن العلوم الخمسة نفسها. تدل على أن القرآن نازل من عند الله لهداية بني
стр. 177
آدم، كما أن عالم الطب إذا نظر في القانون ولا حظ تحقيقه وتدقيقه في بيان أسباب الأمراض وعلاماتها، ووصف الأدوية- لا يشك أن المؤلف كامل في صناعة الطب.
كذلك إذا علم عالم أسرار الشرائع ما ينبغي إلقاؤه على أفراد الناس في تهذيب النفوس، ثم يتأمل في الفنون الخمسة- يتحقق أن هذه الفنون قد وقعت موقعها بوجه لا يتصور أحسن منه. والنور يدل نفسه على نفسه. انتهى المنقول من الفوز الكبير.
الرخصة بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبويّ
ورد عن النبي ﷺ ، من رواية جمع من الصحابة أنافوا على العشرين- كما في الإتقان- وعدّ أبو عبيد
الحديث المرويّ فيه متواترا: «١»
أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ومما
خرجه رواة الصحاح من طرقه: ما وقع لعمر بن الخطاب ﵁ «٢» وتلبيبه هشام بن حكيم برادئه، وانطلاقه به يقوده إلى رسول الله صلوات الله عليه وقوله: يا رسول الله سمعت هشاما يقرأ على حرف لم تقرئنيه. فاستقرأه ﵇ فقرأ عليه. فقال: «كذلك أنزلت» . ثم استقرأ عمر فقرأ. فقال له ﵇:
«كذلك أنزلت» . ثم قال صلوات الله عليه: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.» زيد في رواية: «كلها شاف كاف» «٣»
،
وفي رواية أم أيوب
стр. 178
رضي الله عنها: «أيها قرأت أصبت» «١»
وصح من رواية أبيّ بن كعب، أن النبيّ ﵇ استزاد جبريل لما قرأه على حرف حتى بلغ سبعة أحرف،
وفي رواية لأبيّ قال:
قال النبيّ لجبريل ﵉: «إني بعثت إلى أمة أميين. منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز» «٢» فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف. زاد في رواية: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
أخرج ابن جرير عن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنما هي أقوم. فقال: أقوم وأصوب وأهنأ واحد.
وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. وإياكم والتنطع. فإنما هو كقول أحدكم: هلمّ وتعال.
وقال ابن سيرين: لا تختلف السبع في حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي: هو كقولك: تعال وهلمّ وأقبل. كذا في ابن جرير.
قال الإمام ابن قتيبة في كتاب المشكل: كان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه ﵊ أن يقرئ كل أمة بلغتهم وما جرى عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ:
(عتى حين) يريد حتى كذا يلفظ بها ويستعملها، والنميميّ يهمز. والقرشيّ لا يهمز. والآخر يقرأ: (قيل وغيض) بإشمام الضم مع الكسر، بِضاعَتُنا رُدَّتْ بإشمام الكسر مع الضم.
ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات ومتصرّفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين.
قال أبو شامة: معنى قول كثير من الصحابة والتابعين: القراءة سنة يأخذها
стр. 179
الآخر عن الأول، فاقرؤوا كما علمتم. هو أن السنة المشار إليها ما
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قرأه، أو أذن فيه على ما صح عنه «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف»
فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه وبعده. إلى أن كان ما كان في عهد عثمان وجمعهم على حرف واحد- كما سيأتي بيانه مفصّلا.
معنى السبع في حديث «أنزل على سبعة أحرف»
ليس المراد بالسبع حقيقة العدد المعلوم. بل كثرة الأوجه التي تقرأ بها الكلمة، على سبيل التيسير والتسهيل والسعة. ولفظ السبعة يطلق على الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين. كذا في الإتقان.
وحمل بعضهم العدد على ألسن سبعة. وحمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور في الحديث على الوجوه التي يقع بها التغاير. كتغير الحركة مع بقاء المعنى والصورة. وتغير الفعل ماضيا أو أمرا. وتغير بإعجام حرف أو إهماله. وتغير بإبدال حرف قريب من مخرج حرف آخر. وتغير بالتقديم والتأخير، وتغير بزيادة كلمة أو نقصانها، وتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها.
والأظهر ما ذكرنا من إرادة الكثرة من السبعة، لا التحديد. فيشمل ما ذكره ابن قتيبة وغيره من تغير بإدغام أو إظهار أو تفخيم أو إشمام أو غيرها.
وقال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن التي قد نزلت القراءة بها فلا حاجة بنا إلى معرفتها. لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها مع الأسباب المتقدمة- يعني في كلامه من سبب الاقتصار على حرف واحد كما ستراه قريبا- وقد قيل إن خمسة منها لعجز هوازن واثنين منها لقريش وخزاعة. وروي ذلك عن ابن عباس.
وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله.
قال ابن جرير: العجز من هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف. ثم قال ابن جرير:
أما معنى
قول النبي ﷺ : إذا ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف «إن كلها شاف كاف»
فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧] ، شفاء
стр. 180
يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته.
وقال الإمام أبو شامة: إن القرآن نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتهم التي جزت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب. قال الطحاويّ: إنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد. لعدم علمهم بالكتابة والضبط، وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ يعني بالنسخ ما أقره عثمان في المصاحف التي كتبها كما سيأتي:
معنى الأحرف في الحديث
قال الداني: الأحرف الأوجه. أي أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات.
لأن الأحرف جمع في القليل. كفلس وأفلس. والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ... [الحج: ١١] الآية. فالمراد بالحرف الوجه. أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية. فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأنّ وعبد الله.
وإذا تغيرت عليه وامتحنه الله بالشدة والضر ترك العبادة وكفر. فهذا عبد الله على وجه واحد. فلهذا سمّى النبي ﷺ هذه الأوجه المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات، أحرفا. على معنى أن كل شيء منها وجه. وذكر الإمام ابن جرير في قول ابن مسعود: من قرأ القرآن على حرف فلا يتحولن منه إلى غيره- أنه عنى، رضى الله عنه، أن من قرأ بحرفه، وحرفه قراءته. قال: وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرف فلان. وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة: حرف. كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في تحقيق أن المراد بالحرف الكلمة، فيما نقله عنه الحافظ ابن الجزريّ، في أواخر النشر، ما مثاله: وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة، والحرف وحده كلمة مثل: هل وبل، فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة. ليس هذا من لغة العرب أصلا. وإنما سمى العرب هذه المفردات حروفا. ومنه
قول النبي ﷺ «١» : «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات. أما
стр. 181
إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»
والذي عليه محققو العلماء أن المراد بالحرف الاسم وحده، والفعل وحده، وحرف المعنى وحده. لقوله: ألف حرف، وهذا اسم. ولهذا، لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاي من زيد فقالوا: زاي. فقال: نطقتم بالاسم. وإنما الحرف زه.
الرد على من توهم أن بعض الصحابة يجوّز التلاوة بالمعنى
قال ابن الجزريّ في النشر: أما من يقول بأن بعض الصحابة، كابن مسعود، كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. إنما قال: نظرت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. نعم كانوا ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا، لأنهم محقّقون لما تلقّوه عن النبي ﷺ قرآنا. فهم آمنون من الالتباس. وربما كان بعضهم يكتبه معه. لكن ابن مسعود ﵁ كان يكره ذلك ويمنع منه. رواه عنه مسروق. وروي عنه: جرّدوا القرآن، ولا تلبسوا به ما ليس منه.
اقتصار عثمان ﵁ في جمعه، على الحرف المتواتر
قال ابن الجزريّ في النشر: لما كان في حدود سنة ثلاثين من الهجرة، في خلافة عثمان ﵁، حضر حذيفة بن اليمان فتح إرمينية وأذربيجان، فرأى الناس يختلفون في القرآن. ويقول أحدهم: قراءتي أصح من قراءتك. فأفزعه ذلك.
وقدم على عثمان وأشار إليه بأن يتدارك هذا الأمر. فأمر بالصحف الموجودة أن تنسخ في المصاحف. وأشار أن يكتب بلسان قريش لأنه أنزل بلسانهم. فكتب منها عدة مصاحف. فوجه منها إلى مكة واليمن والبحرين والبصرة والكوفة والشام. وترك بالمدينة مصحفا. وأمسك لنفسه مصحفا (الذي يقال له الإمام) وأجمعت الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى. مما كان مأذونا فيه، توسعة عليهم، ولم يثبت عندهم ثبوتا مستفيضا أنه من القرآن.
وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي.
كان رسول الله ﷺ يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا»
وقد حصل اليقين من النقل المتواتر، بهذا الترتيب، من تلاوة رسول الله ﷺ . ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.
стр. 182
وقال الحارث المحاسبيّ: إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراآت. فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن. فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق.
وقال ابن التين: اقتصر عثمان، من سائر اللغات، على لغة قريش. محتجا بأنه نزل بلغتهم. وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت. فاقتصر على لغة واحدة.
وقال القاضي أبو بكر، في الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ ، وإلغاء ما ليس كذلك. وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة، على ما يأتي بعد.
ينتج عن ذلك مسألة وهي: هل الأحرف السبعة موجودة في المصحف اليوم؟
جوابه ما قاله ابن جرير: إنا لم ندّع أن ذلك موجود اليوم. وإنما أخبرنا أن معنى
قول النبي ﷺ «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرها (يعني عن ابن مسعود وغيره) .
ثم قال ابن جرير:
فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة وقد أقرأهن رسول الله ﷺ أصحابه، وأمر بالقراءة. بهن وأنزلهن الله من عنده على نبيه ﷺ : أنسخت فرفعت؟
فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه.
أم ما القصة في ذلك؟
قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت.
كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفّر بأي الكفارات الثلاث شاءت. إما بعتق أو إطعام، أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر، كانت مصيبة حكم الله، مؤدّية، في ذلك، الواجب عليها من حق الله. فكذلك الأمة. أمرت بحفظ
стр. 183
القرآن وقراءته. وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت، لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، قراءته بحرف واحد. ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية. ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به.
يعني ممن كان في عهد النبوة متلقيا لذلك من الحضرة النبوية.
ثم قال ابن جرير:
لما جمع إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على تلاوة القرآن بحرف واحد في مصحف واحد، رأت الأمة أن فيما فعل الرّشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها. فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفوّ آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها الرسول صلوات الله عليه وأمرهم بقراءتها؟
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها، لو كانت فرضا عليهم، لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجيب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.
وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع، تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك، كان كان هو النظر للإسلام وأهله. فكان القيام بفعل الواجب عليهم، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة، من ذلك. (أي من الجناية على الإسلام) .
بيان أن اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه ونحوه ليس من السبعة الأحرف
قال ابن جرير: وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه،
стр. 184
وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة-. فمن معنى
قول النبيّ ﷺ : «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»
بمعزل. لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن- مما اختلفت القراء في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به، في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلم بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية.
سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين
لما جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، وأمر بأن يرسل للآفاق مصاحف على ما جمعه، كما تقدم، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط، فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في النبيّ ﷺ .
وأول من نقط المصحف وشكله الحجاج، بأمر عبد الملك بن مروان. وقيل أبو الأسود الدؤليّ. وقيل الحسن البصريّ ويحيى بن يعمر. ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعهم. كمن قال من المعتزلة: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] ، بنصب الهاء- رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم.
فاختاروا من كل مصر، وجّه إليه مصحف، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة بالنقل وحسن كمال الدين، وكمال العلم. أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرءوا، ولم تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة، ونافع. وبمكة عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج. وبالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائيّ، وبالشام عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابيّ، ويحيى بن الحارث الزماريّ. وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو عمرو ابن العلاء، وعاصم الجحدريّ، ويعقوب الحضرميّ.
ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره، فلذا كثر الاختلاف وعسر الضبط، وشق الائتلاف. وظهر التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذّها، ومشهورها بشاذها. فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه، ومعيارا يعول عليه، وهو السند والرسم والعربية. فكل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، وأوفق لفظه خط مصحف الإمام فهو من
стр. 185
السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة، كانوا لولاه سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ. هذا لفظ الكواشيّ في أول تفسيره.
إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند فقط، بل اشترط معها التواتر. ذاهبا إلى أن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وقوّاه أبو القاسم النويريّ بأن عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر.
ثم قال النويريّ: ولم يخالف من المتأخرين إلا مكيّ، وتبعه بعض المتأخرين:
يعني في الاكتفاء بالمعيار الذي ذكره الكواشيّ.
قال القسطلاني في اللطائف: وها (يعني اشتراط التواتر) بالنظر لمجموع القرآن. وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. كذا في اللطائف للقسطلانيّ.
ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة مصاحفهم العثمانية
ثبتت أحرف في بعض المصاحف العثمانية المرسلة إلى البلاد المتقدمة لم توجد في البقية. فاتبع أئمة كل مصر منها مصحفهم، فمن ذلك قراءة ابن عمر قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: ١١٦] ، بغير واو، في البقرة: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ [آل عمران: ١٨٤] ، بزيادة الباء في الاسمين. ونحو ذلك. فإن ذلك ثابت في المصحف الشاميّ. وكقراءة ابن كثير جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الحديد:
٢٤] ، في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من) فإن ذلك ثابت في المصحف المكيّ. وكذلك إن اللَّهُ الْغَنِيُّ [الحديد: ٢٤] ، في سورة الحديد بحذف (هو) ، وكذا سارِعُوا [آل عمران: ١٣٣] ، بحذف (الواو) وكذا مِنْها مُنْقَلَباً [الكهف: ٣٦] ، بالتثنية في الكهف. إلى غير ذلك في مواضع كثيرة في القرآن. اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار في موافقة مصحفهم. كذا في النشر.
стр. 186
موافقة القراءات لرسم المصحف العثمانيّ تحقيقا أو تقديرا
قال ابن الجزريّ، في النشر: موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهي الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرا، وهي الموافقة احتمالا. فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا نحو السَّماواتِ، والرِّبَوا ونحو لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٤] ، وَجِيءَ [الزمر: ٦٩] ، حيث كتب بنون واحدة، وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف.
وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقا، وتوافق بعضها تقديرا نحو ملك يوم الدين [الفاتحة: ٤] ، فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف. فقراءة الحذف تحتمله تحقيقا كما كتب مَلِكِ النَّاسِ [الناس: ٢] ، وقراءة الألف تحتمله تقديرا كما كتب مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] ، فتكون الألف حذفت اختصارا. وكذلك النَّشْأَةَ [العنكبوت: ٢٠] ، حيث كتبت بالألف وافقت قراءة المد تحقيقا ووافقت قراءة القصر تقديرا، إذ يحتمل أن تكون الألف صورة الهمزة على غير قياس. وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو يَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران: ٣١] ، وتَعْمَلُونَ، وهَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣] . مما يدل تجرده عن النقط والشكل وحذفه وإثباته- على فضل عظيم للصحابة ﵃ في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم.
وقال أيضا بعد أوراق: ثم إن الصحابة ﵃ لم يكن بينهم فيها إلا الخلاف اليسير المحفوظ بين القراء، ثم إنهم لمّا كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبيّ ﷺ .
وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوّين- شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين. فإن الصحابة، رضوان الله عليهم، تلقوا عن رسول الله ﷺ ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن، لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه ﷺ ، ولا يمنعوا من القراءة به.
ما لا يعد مخالفا لصريح الرسم من القراءات الثابتة
قال في النشر بعد ما تقدم: على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت
стр. 187
مشهورة مستفاضة. ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تَسْئَلْنِي [الكهف: ٧٠] ، في الكهف: وقراءة (وأكون من الصالحين) والظاء من بِضَنِينٍ [التكوير: ٢٤] ونحو ذلك، من مخالف الرسم المردود. فإن الخلاف في ذلك يغتفر، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيتها بالقبول- وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى لو كانت حرفا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه. وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته.
مدار القراءات على صحة النقل لا على الأقيس، عربية
قال الداني في جامع البيان: أئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية. بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية. إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة. لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
ذكر من ذهب إلى أن مرجع القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد
يفهم من مواضع من الكشاف اعتماده أن مرجع القراءات اجتهاد الأئمة القارئين. ولذلك جاء في سورة الكهف عند آية هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ٤٤] ما مثاله: وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك: هذا عبد الله الحقّ لا الباطل. وهي قراءة سنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم. فكتب الناصر في الانتصاف يتعقبه ما مثاله: قد تقدم الإنكار عليه في مثل هذا القول، فإنه يوهم أن القراءات موكولة إلى رأي الفصحاء واجتهاد البلغاء، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها، وهذا منكر شنيع. والحق أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمعه فوعاه متصلا بفلق فيه ﷺ ، منزلا كذلك من السماء، فلا وقع لفصاحة الفصيح. وإنما هو ناقل كغيره. ولكن الزمخشري لا يفوته الثناء على رأس البدعة ومعدن الفتنة. فإن عمرو بن عبيد أول مصمم على إنكار القدر وهلم جرّا إلى سائر البدع الاعتزالية. فمن ثم أثنى عليه. يعني بما تقدم له، ما ذكره في سورة الأنعام في آية وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: ١٣٧] ، وذلك أن الزمخشري قال هناك: وأما قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم. برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء
стр. 188
والفصل بينهما بغير الظرف- فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا كما سمج وردّ:
زجّ القلوص أبي مزادة
فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شُرَكائِهِمْ مكتوبا بالياء.
فكتب الناصر عليه ما ملخصه: إن الزمخشريّ ركب متن عمياء، فإنه تخيل أن القرء، أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا.
فلذلك غلّط ابن عامر في قراءته هذه. وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في شركائهم، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب أولادهم بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا. فقرأه منصوبا- إلى أن قال- فهذا كله كما ترى ظنّ من الزمخشريّ أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشريّ أن هذه القراءة، بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، بها يعلم ضرورة أن النبيّ ﷺ قرأها على جبريل كما أنزلها عليه كذلك ثم تلاها النبيّ ﷺ على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرءون بها خلفا عن سلف. إلى أن انتهت إلى ابن عامر فقرأها أيضا كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة، جملة وتفصيلا، عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ . فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشريّ ولا بقول أمثاله، ممن لحن ابن عامر، وظن أن القراءة تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل. والحامل هو التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية.
فظنها قطعية حتى يرد ما خالفها. انتهى.
فتأمل. والأمر يحتاج إلى كلام من خالف بحروفه وتمحيص بالنظر في أطرافه وما برهنوا عليه.
ثم رأيت في «مفاتيح الأصول في علم الأصول» للسيد الطباطبائيّ بحثا مسهبا في بيان تواتر القراءات وعدمه. سأذكره بعد ورقات.
بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي متواترة أم آحاد
قال الزركشيّ، في البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز. والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي
стр. 189
المذكور في الحروف وكيفيتها، من تخفيف وتشديد وغيرهما. والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة، ثم قال الزركشيّ: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي ﷺ ففيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات. وهي نقل الواحد عن الواحد. نقله في الإتقان.
ونقل السروجيّ الحنفيّ في «باب الصوم» من كتاب «الغاية شرح الهداية» :
عن المعتزلة، أن السبع آحاد. وعن جميع أهل السنة، أنها متواترة. ومراده بالجميع المجموع. وإلا فقد اختار صاحب البدائع، من متأخري الحنفية، فيما نقله الكمال ابن أبي شريف، أن السبع مشهورة. حكاه القسطانيّ في اللطائف. ثم قال:
(فإن قلت:) الأسانيد إلى الأئمة السبعة وأسانيدهم إلى النبي ﷺ ، على ما في كتب القراءات، آحاد. لا يبلغ عدد التواتر. فمن أين جاء التواتر؟
(أجيب) بأن انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم. وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة. ومن ذكر في أسانيدهم، والأسانيد إليهم، لتصدّيهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها. ومع كل منهم في طبقته ما يبلغها عدد التواتر. لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد، بقراءة إمامهم، الجمّ الغفير عن مثلهم. وكذلك دائما، مع تلقي الأمة لقراءة كل منهم بالقبول.
وقال السخاويّ ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند، (وقد علم وجودها بطريق التواتر) - لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها. فقراءة السبع كلها متواترة.
رأي الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه من غير نكير
نقل ابن الجزريّ في النشر: عن الإمام الكبير أبي شامة، في مرشده، أنه قال:
قد شاع عن ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين، أن القراءات السبع كلها متواترة. أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول. ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له. مع أنه شاع واشتهر واستفاض. فلا أقل من اشتراط ذلك إذ لم يتفق التواتر في بعضها.
стр. 190
رأي ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء
قال ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبل الأداء. كالمد والإمالة وتحقيق الهمزة ونحوه. أي فإنه غير متواتر. (قالوا) : ليس المراد من قوله:
كالمد، أصل المد فإنه متواتر. بل مقدار المزيد فيه على أصله. هل يقتصر فيه على مقدار ألف ونصف، كما قدّر به مدّ الكسائيّ؟ أو ثلاثة كما قدر به مد ورش وحمزة؟
وكل هذه الهيئات غير متواترة عند ابن الحاجب وأبي حنيفة. كما صرح به غير واحد من أئمة التحقيق (كذا في اللطائف) .
وقال القاضي ابن خلدون في مقدمة تاريخه، في بحث علوم القرآن من التفسير والقراءات، ما مثاله:
القرآن كلام الله المنزل على نبيّه، المكتوب بين دفتي المصحف، وهو متواتر بين الأمة. إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله ﷺ على طرق مختلفة في بعض ألفاظه، وكيفيات الحروف في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر. إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة. تواتر نقلها أيضا بأدائها. واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير. فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة، وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع. إلا أنها عند أئمة القراءة لا تقوى قوتها في النقل.
وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها. وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها لأنها عندهم كيفيات للأداء، وهو غير منضبط. وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر القرآن. وأباه الأكثر. وقالوا بتواترها. وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها، كالمدّ والتسهيل. لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع. وهو الصحيح.
بحث القراءات الشاذة
قال الحافظ ابن الجزريّ في النشر: قال الإمام أبو محمد مكيّ: إن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم. وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال. وهي أن ينقل عن الثقات عن النبي ﷺ ، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا، ويكون موافقا لخط المصحف- فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثالث قرئ به وقطع على مغيّبه وصحته وصدقه. لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف. وكفر من جحده.
стр. 191
القسم الثاني:
ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف. فهذا يقبل ولا يقرأ به. لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد. ولا يثبت قرآن، يقرأ به، بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع على مغيّبه وصحته. وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا كفر من جحده. ولبئس ما صنع، إذا جحده.
القسم الثالث:
هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل، وإن وافق خط المصحف.
قال ابن الجزريّ: مثال القسم الأول: مالك، وملك. يخدعون، ويخادعون.
وأوصى، ووصى. وتطوع، ويطوع. ونحو ذلك من القراءات المشهورة. ومثال القسم الثاني: قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء (والذكر والأنثى) في وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وقراءة ابن عباس: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) ، (وأما الغلام فكان كافرا) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات.
واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة. فأجازها بعضهم. لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة. وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعيّ وأبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز. لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ . وإن ثبتت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانيّ.
أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن. أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة.
ومقال القسم الثالث، مما نقله غير ثقة: كثير مما في كتب الشواذ مما غالبه إسناده ضعيف. كقراءة ابن السّميفع وأبي السمال وغيرهما في نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ننحيك بالحاء المهملة. وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة ﵁ التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعيّ ونقلها عنه أبو القاسم الهذليّ وغيره فإنها لا أصل لها. ومنها إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع الهاء ونصب الهمزة. وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها.
قال ابن الجزريّ: وإن أبا حنيفة لبريء منها.
ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثله إلا على وجه السهو
стр. 192
والغلط، وعدم الضبط. يعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (ومعائش) - بالهمزة- وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء أَدْرِي أَقَرِيبٌ، مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب، وما رواه أبو عليّ العطار عن العباس عن أبي عمرو ساحران تظاهرا بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفى.
ثم قال ابن الجزريّ:
وبقي قسم مردود أيضا، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق، ومنعه أشد. وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغداديّ المقري النحويّ، وكان بعد الثلاثمائة. قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه «البيان» وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها. فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل.
(قلت) وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد، حضره الفقهاء والقراء، وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع، وكتب عليه بذلك محضر، كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد.
قلت: ونقله القاضي أبو بكر في الانتصار، ورده. وعبارته: وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف، إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية وإن لم يثبت أن النبي ﷺ قرأ بها. قال: وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤوا من قال به.
قال ابن الجزريّ: ومن ثمّ امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه، كما روينا عن عمر ابن الخطاب وزيد بن ثابت وكثير من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرأوا كما علمتوه.
ثم قال ابن الجزريّ:
أما إذا كان القياس على إجماع انعقد، أو عن أصل يعتمد، فيصار إليه عند عدم النص، وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله، ولا ينبغي رده، لا سيما فيما
стр. 193
تدعو إليه الضرورة، وتمس الحاجة، كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء، وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل «كتابيه أني» وإدغام «ماليه هلك» قياسا عليه، وكذلك قياس «قال رجلان، وقال رجل» على «قال رب» في الإدغام» ، كما ذكره الداني وغيره. ونحو ذلك مما لا يخالف نصا، ولا يرد إجماعا ولا أصلا، مع أنه قليل جدا وإلى ذلك أشار مكيّ بن أبي طالب ﵀ في كتابه «التبصرة» حيث قال: فجميع ما ذكرنا في هذا الكتاب ينقسم ثلاثة أقسام: قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعا وهو غير موجود في الكتب، وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب، ولكن قسته على ما قرأت به، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرؤية في النقل والنص، وهو الأقل.
وقال ابن الجزريّ:
وقد زلّ بسبب ذلك قوم وأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روي، وما له وجه ضعيف على الوجه القويّ، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون والتنوين.
بيان أن كل قراءة صحت عن النبيّ ﷺ وجب قبولها والإيمان بها
قال الحافظ ابن الجزريّ في النشر: كل ما صح عن النبيّ ﷺ من القراءات، فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدا من الأمة رده، ولزم الإيمان به، وأنّ كله منزل من عند الله، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض، وإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: «لا تختلفوا في القرآن ولا تتنازعوا فيه، فإنه لا يختلف ولا يتساقط، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء ينهى عنه الآخر، كان ذلك الاختلاف. ولكنه جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها، فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله» .
قال ابن الجزريّ: قلت: وإلى ذلك أشار النبي ﷺ حيث
قال لأحد المختلفين «أحسنت»
وفي الحديث الآخر «أصبت»
وفي الآخر «هكذا أنزلت»
فصوّب النبيّ
стр. 194
صلّى الله عليه وسلّم قراءة كل من المختلفين وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله.
افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء
قال ابن الجزريّ، بعد ما تقدم: وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند اللَّه وهو كلامه لا شك فيه. واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهاديّ، والحق في نفس الأمر واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، نقطع بذلك ونؤمن به.
معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها
ثم قال ابن الجزريّ، بعد ما تقدم: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم. المراد بها أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به. فآثره على غيره وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد.
ثمرة اختلاف القراءات وتنوّعها
قال في النشر: «وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها فإن في ذلك فوائد غير ما قدمنا من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. فمنها: ما في ذلك من نهاية البلاغة وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار وجمال الإيجاز، لأنّ كلّ قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات. ومنها: ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة، إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضادّ ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبيّن بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد، وما ذلك إلا آية بالغة وبرهان قاطع على صدق من جاء به ﷺ . ومنها: سهولة حفظه، وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة. فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تؤدّي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما في ما كان خطه واحدا، فإن ذلك أسهل حفظا، وأيسر لفظا.
стр. 195
ومنها: إعظام أجور هذه الأمة- من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم- في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام: من دلالة كلّ لفظ، واستخراج كمين أسراره، وخفيّ إشاراته بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم، والأجر على قدر المشقّة. ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفه على سائر الأمم من حيث تلقّيهم كتاب ربهم هذا التلقّي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظة لفظة، والكشف عن صيغة صيغة، وتحرير تصحيحه، وإتقان تجويده، حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا ولا تفخيما ولا ترقيقا، حتى ضبطوا مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، وميّزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمّة من الأمم، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم. ومنها: ما ذخره الله تعالى من المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة، من إسنادها كتاب ربها واتصال هذا السبب الإلهيّ بسببها، فكلّ قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله، ويرفع ارتياب الملحد قطعا بوصله. ومنها: ظهور سر الله تعالى في تولّيه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإنه تعالى لم يخل عصرا من الأعصار، ولو في قطر من الأقطار، من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصحف والصدور» انتهى.
إجمال المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها
قال السيد محمد الطباطبائيّ- أحد أعلام الإمامية- في كتابه «مفاتيح الأصول» في: باب أدلّة الأحكام في القول في الكتاب الكريم. ما مثاله:
اختلفوا في أنّ القراءات السبع المشهورة، هل هي متواترة، أو لا؟ على أقوال:
الأول: إنها متواترة مطلقا، وإن الكلّ مما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين. هو للعلامة ابن المطهر، وابن فهد، والمحقق الثاني في المعالم، والشهيد الثاني في المقاصد العلية، والمحدث الحر العامليّ، والمحكيّ عن الفاضل الجواد، وفي شرح الوافية للسيد صدر الدين، معظم المجتهدين من أصحابنا حكموا بتواتر القراءات السبع. وفي التفسير الكبير للرازيّ: ذهب إليه الأكثرون.
الثاني: إن القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمدة واللين وتخفيف
стр. 196
الهمزة والإمالة ونحوها، وذلك لا يجب تواتره وغير متواتر. ومنها: ما هو من جوهر اللفظ كملك ومالك وهذا متواتر. وهذا للفاضل البهائيّ، وابن الحاجب في مختصره، والعضديّ في شرحه.
الثالث: إنها ليست بمتواترة مطلقا لو كانت من جوهر اللفظ، وهو للشيخ في «التبيان» ونجم الأئمة في «شرح الكافية» ، وجمال الدين الخونساريّ، والسيد نعمة الله الجزائريّ، والشيخ يوسف البحرانيّ، والسيد صدر الدين، والمحكيّ عن ابن طاوس في كتاب «سعد السعود» ، والرازيّ، والزمخشريّ، وإليه يميل كلام الحرفوشيّ.
للقول الأول وجوه:
منها: تضمن جملة من العبارات الإجماع على تواتر السبع: وقد يناقش فيه:
أولا: بأنّ غاية ما يستفاد- مما ذكر- الظن بتواتر السبعة، ومحل الكلام حصول العلم به. وثانيا: باحتمال أن يريدوا ما ذكره الشهيد الثاني في «المقاصد العلية» وولد الشيخ البهائي فقالا: «ليس المراد أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذّ فضلا عن غيرهم» انتهى.
وباحتمال أن يريدوا جواز القراءة بالسبعة. وفي هذين الاحتمالين نظر لبعدهما عن ظاهر العبارة فتأمل! وثالثا: بالمعارضة بما ذكره الشيخ في «التبيان» من أن المعروف من مذهب الإمامية، والتطلّع في أخبارهم ورواياتهم، أن القرآن نزل بحرف واحد على نبيّ واحد. فتأمل!.
ومنها: ما
روي عن النبي ﷺ قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف واف»
فإن المراد من الأحرف القراءات. وقد يناقش فيه:
أولا: بضعف السند. سلمنا الصحة. ولكنه خبر واحد، فلا يفيد العلم بالمدّعى.
وثانيا: بضعف الدلالة، لعدم الدليل على إرادة القراءات من الأحرف. وقد اختلفوا في تفسيرها.
ومنها: أن القراءات السبع لو لم تكن متواترة، ومن القرآن المنزل، لوجب أن يتواتر ذلك، ويعلم عدم كونها منه، والتالي باطل فالمقدّم مثله. أما الملازمة فلأن العادة قاضية بأنه يجب أن يكون ما ليس بقرآن معلوما أنه ليس بقرآن لتوفر الدواعي
стр. 197
على تمييز القرآن عن غيره، وهو مستلزم لذلك. وفيه نظر.
ومنها: ما تمسك به العلامة في «نهاية الأصول» ، والحاجبيّ في «مختصره» ، والعضديّ في «شرحه» من أن القراءات السبع «لو لم تكن متواترة لخرج بعض القرآن عن كونه متواترا- كما لك وملك وأشباههما- والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية أنهما وردا عن القراء السبعة، وليس تواتر أحدهما أولى من تواتر الآخر، فإمّا أن يكونا متواترين وهو المطلوب، أو لا يكون شيء منهما بمتواتر وهو باطل، وإلّا يخرج عن كونه قرآنا، وهذا خلف» . وأورد عليه جمال الدين الخونساريّ فقال: «لا يخفى أن دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفر الدواعي على نقله- لو تم إنّما يدل على وجوب تواتره إلى زمان الجمع. وأمّا بعده، فالظاهر أنهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا الكتاب الذي جمع، بحيث يصير متواترا في كل زمان، واستغنوا به عن جعل أصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ من خارج، كيف وقد عرفت أن الظاهر أنه لم يقع التواتر في كثير من أبعاض القرآن إلّا بهذا الوجه، وهو وجوده في هذا الكتاب المتواتر، على هذا، فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضديّ ضعيف جدا، إذ بتواتر ذلك الكتاب- على الوجه المذكور- لا يعلم إلّا تواتر إحدى القراءات لا بعينها. لا خصوص بعضها ولا جميعها. فالظاهر أنه لا بد- في إثبات تواترها- من التفحص والتفتيش في نقلتها ورواتها، فإن ظهر بلوغهم إلى حد التواتر فهو متواتر وإلّا فلا. والذي ظهر لنا من خارج، شهرة القراءات السبع دون ما عداها، وأما بلوغ الجميع أو بعضها حد التواتر فكأنه لا يظهر في هذه الأعصار.
وللقول الثاني: على تواتر ما هو من جوهر اللفظ، الوجه الأخير الذي تمسّك به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة لإثبات تواتر السبع، وعلى عدم تواتر ما هو من قبيل الهيأة- كالمدّ واللين والإمالة وغيرها- ما ذكره بعض من أنّ القرآن هو الكلام، وصفات الألفاظ- أعني الهيأة- ليست كلاما. وأورد عليه الباغنويّ فقال: «هاهنا بحث، وهو أنه لا شك أن القرآن هاهنا عبارة عن اللفظ. وكما أنّ الجوهر جزء ماديّ له، كذلك الهيأة جزء صوريّ له. فإذا ثبت أن القرآن لا بد أن يكون متواترا ثبت أن الهيأة لا بدّ أن تكون متواترة أيضا. ولو سلم أنّ الهيأة ليست جزءا للفظ فلا شك أنها من لوازمه. ولا يمكن نقله بدون نقلها، فإذا تواتر نقله تواتر نقلها. فإن قلت: نقله لا يستلزم نقلها بخصوصها بل إنما يستلزم نقل إحداهما لا بعينها، فاللازم تواتر القدر المشترك بين الهيئات، والظاهر أنّ الهيئات المخصوصة لا يوجب تواترها، فلا منافاة.
قلت: ما ذكر من توفر الدواعي على نقل القرآن لا يجري في الجواهر المخصوصة
стр. 198
أيضا، إذ كما أن اختلاف بعض الهيئات لا يؤثر في صلاحية كون القرآن متحدى به، وفي كونه من أصول الأحكام، كذلك اختلاف بعض الجواهر لا يؤثر في ذلك، فلم يلزم أن كلّ ما هو من قبيل الجوهر لا بدّ أن يكون متواترا، فليتأمّل ... !» انتهى.
واعترض عليه جمال الدين الخونساري فقال- بعد الإشارة إليه-: «لا يخفى أن ما ذكر من دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفّر الدواعي على نقله للتحدي به ولكونه أصل سائر الأحكام- لا يدل إلا على وجوب تواتر مادته وهيأته التي يختلف باختلافها المعنى والفصاحة والبلاغة. وأمّا ما يكون من قبيل الأداء بالمعنى الذي ذكر، فلا يدلّ على وجوب تواتره، إذ لا مدخل له فيما هو مناط توفّر الدوعي. أمّا استنباط الأحكام فظاهر. وأمّا التحدي والإعجاز فلأنهما لا يوجبان إلا نقل أصل الكلام الذي وقعا به من مادّته وصورته التي لهما مدخل فيهما. وأمّا الهيأة التي لا مدخل لها في ذلك- كالمدّ واللين مثلا- فلا حاجة إلى تواترهما. بل يكفي فيهما الحوالة إلى ما هو دأب العرب في كلامهم في المد في مواضعه، واللين في مواقعه، وكذا في أمثالهما» .
ثمّ قال: «لا يخفى أنه إذا جوز تغيير بعض الجواهر، مما يكون من هذا القبيل، فقد يؤدي خطأ إلى تغيير ما يختلف ويختل به المعنى والفصاحة والبلاغة، فلا بد من سد ذلك الباب بالكلية، حذرا من أن ينتهي إلى ذلك، وأما تحريف النقلة في المد واللين وأمثالهما فلا يخل بشيء، إذ يكفي فيهما الرجوع إلى قوانين العرب فيهما. فإذا نقل إلينا متواترا جوهر الكلام وهيأته التي لها دخل في المعنى والفصاحة والبلاغة، فلنرجع في المد واللين وأمثالهما إلى قوانين العرب، ولا حاجة إلى أن يتواتر عندنا أنّه في أيّ موضع مدّ، وفي أيّ موضع قصر، وهو ظاهر» .
وللقول الثالث وجوه:
منها:
خبر الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّ الناس يقولون: نزل القرآن على سبعة أحرف، فقال: بل نزل على حرف واحد من عند واحد» .
ويؤيّده
خبر زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد»
ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة.
ومنها: ما ذكره السيد نعمة الله من أنّ كتب القراءة والتفسير مشحونة من قولهم: قرأ حفص وعاصم كذا، وفي قراءة عليّ بن أبي طالب وأهل البيت عليهم
стр. 199
السلام كذا، بل ربما قالوا: وفي قراءة رسول الله ﷺ كذا، يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والحاصل أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين. فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس؟
ومنها: ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن قراءات السبع استندوا بالقراءات بآرائهم، وإن أسندوا بعض قراءاتهم الى النبيّ ﷺ ، فلا يجوز أن يدعي تواتر قراءاتهم. وذلك لأن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب والنقط. كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين ﵇ وأولاده.
وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا ﵇. نعم ذكر جمال الدين السيوطيّ في كتابه الموسوم ب «المطالع السعيدة» : أن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية. وبالجملة: لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية، كما تصرفوا في النحو، وصاروا إلى ما دوّنوه من القواعد المختلفة.
قال محمد بن بحر الرهنيّ: «إن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القارئ الذي بعده كانوا لا يجيزون إلا قراءته، ثم لما جاء القارئ الثاني انتقلوا عن ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني، وكذلك في القراءات السبع، فاشتمل كلّ واحد على إنكار قراءته، ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة، مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم، مع أنّ في زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة ... إلخ» . ومنها: ما ذكره الرازيّ في تفسيره الكبير فإنّه قال: «اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، وفيه إشكال، وذلك لأنا نقول هذه القراءات، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر، أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّى بينها بالجواز، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا، على خلاف الحكم الثالث بالتواتر، فيجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم الكفر، كما ترى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القراء يختصّ بنوع معين من القراءة، ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره. وأمّا إن قلنا: إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل بالإجماع» . ثمّ قال: «ولقائل أن يجيب عنه
стр. 200
فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمة فيه، وفي تجويز القراءة بكل واحد منها.
وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بالكلية عن كونه قطعيا» انتهى.
ومنها: أنها لو كانت متواترة لكان ترك البسملة من أوائل السور، عدا الحمد، متواترا. لأنه من قراءة بعض السبعة، فيلزم جواز تركها في الصلاة، وهو باطل للأدلة الدالة على عدمه، وقد بيّناها في المصابيح.
ومنها: ما ذكره العلامة الشيرازيّ- فيما حكى عنه- من: «إن الذين يستند إليهم القراء سبعة. والتواتر لا يحصل بسبعة فضلا فيما اختلفوا فيه- ثم قال- أجيب عنه أولا: بأنا لا نسلم أن التواتر لا يحصل بسبعة لأنه لا يتوقف على حصول عدد معيّن، بل المعتبر فيه حصول اليقين. وثانيا: بأن التواتر ما حصل من هؤلاء السبعة لأن القارئين لكل واحدة من القراءات السبع كانوا بالغين حدّ التواتر، إلّا أنهم استندوا- كل واحد منهم- إلى واحد منهم، إما لتجرده بهذه القراءة، أو لكثرة مباشرته بها، ثم أسندوا الرواية عن كل واحد منهم إلى اثنين لتجردهما لروايتها» انتهى.
وفي جميع الوجوه المذكورة نظر.
والتحقيق أن يقال: إنه لم يظهر دليل قاطع على أحد الأقوال في المسألة. نعم يمكن استظهار القول الأول للإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة بين الخاصة والعامة والمؤيدة بالمرويّ عن الخصال- كذا- المتقدم إليه الإشارة وغيره مما ذكره حجة عليه. ولا يعارضها خبر الفضيل وزرارة لقصور دلالتهما جدا. فإن المناقشة في
حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف»
جار فيهما كما لا يخفى. ولا يقدح فيها ما ذكره السيد نعمة الله والرازيّ وغيرهما مما ذكر، حجة على القول الثالث، كما لا يخفى على المتدبر.
وينبغي التنبيه على أمور:
الأول: قال العلامة الشيرازيّ فيما حكي عنه: «السبع متواترة بشرط صحة إسنادها إليهم، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها كذلك- كمالك بالألف، وملك بغير الألف- المنسوب أولهما إلى الكسائي وعاصم بإسناد صحيح، مع كونه مكتوبا بالألف في مصحفهما، واستقامة وجهه في العربية» . ثم قال: «وفيه نظر، لأنّ المتواتر ما يفيد العلم، فإذا حصل ثبت أنه قرآن، والعربية ينبغي أن تكون متبعة بالقرآن دون العكس، ثم إنه لا
стр. 201
مدخل لموافقة الخط وعدمها عند ثبوت التواتر.
الثاني: اعلم أنه إذا قلنا بأنّ القراءات السبع كلها متواترة يقينا، فيتفرع عليه أمور: منها: جواز استفادة الأحكام الشرعية من كل منها، ومنها: وجوب الاجتناب من كل منها أصالة إذا كان محدثا. ومنها: لزوم الجمع بين القراءات عند تعارضها، كما يجب الجمع بين الآيات عند تعارضها. وإن قلنا بأنّ تواترها غير ثابت يقينا، فيتفرع عليه أمور منها: عدم وجوب الاجتناب عن جميع القراءات أصالة إذا كان محدثا، بل يجب من باب المقدمة على القول بأنّ المنهي عنه- إذا كان مشتبها بغيره وكان محصورا- وجب الاجتناب عن الجميع. وأمّا على القول بعدم وجوب ذلك فلا يجب الاجتناب- عمّا ذكر- لا أصالة ولا مقدّمة. ومنها: عدم جواز الاستدلال بشيء من القراءات، ولزوم الجمع بينها عند التعارض. لكنّ هذا إنّما يصحّ إذا منعنا الظنّ بتواترها، وأمّا إذا قلنا به، فيجوز الاستدلال بكلّ منها، ويجب الجمع بينها، كما إذا علم به، بناء على أنّ الأصل في كل ظن الحجية، فإن منع منه، ففي الأمرين نظر ... !» انتهى بحروفه ملخصا.
فصل في ذكر ملخص وجوه التفسير ومراتبه
هذا الفصل ننقله عن مقدّمة التفسير الذي شرع فيه، في هذا العهد، الأستاذ النحرير الشيخ محمد عبده مفتي مصر. قال- حرسه الله وأيّده ورعاه-:
«التكلم في تفسير القرآن ليس بالأمر السهل، وربما كان من أصعب الأمور وأهمّها، وما كل صعب يترك. ولذلك لا ينبغي أن يمتنع الناس عن طلبه. ووجوه الصعوبة كثيرة، أهمّها: أنّ القرآن كلام سماويّ تنزّل من حضرة الربوبية، التي لا يكتنه كنهها، على قلب أكمل الأنبياء، وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب سامية، لا يشرف عليها إلا أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية، وأنّ الطالب له يجد أمامه من الهيبة والجلال، الفائضين من حضرة الكمال، ما يأخذ بتلبيبه، ويكاد يحول دون مطلوبه. ولكن الله تعالى خفف علينا الأمر بأن أمرنا بالفهم والتعقّل لكلامه، لأنه إنما أنزل الكتاب نورا وهدى مبينا للناس شرائعه وأحكامه، ولا يكون كذلك إلا إذا كانوا يفهمونه. والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة. فإنّ هذا هو
стр. 202
المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له، أو وسيلة لتحصيله.
التفسير له وجوه شتّى:
أحدها: النظر في أساليب الكتاب ومعانيه وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة ليعرف به علوّ الكتاب، وامتيازه على غيره من القول. سلك هذا المسلك الزمخشريّ، وقد ألمّ بشيء من المقاصد الأخرى، ونحا نحوه آخرون.
ثانيها: الإعراب، وقد اعتنى بهذا أقوام توسّعوا في بيان وجوهه، وما تحتمله الألفاظ منها.
ثالثها: تتبّع القصص، وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا في قصص القرآن ما شاؤوا من كتب التاريخ، والإسرائيليات، ولم يعتمدوا على التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة عند أهل الكتاب وغيرهم، بل أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير تفريق بين غث وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل.
رابعها: غريب القرآن.
خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، والاستنباط منها.
سادسها: الكلام في أصول العقائد، ومقارعة الزائغين، ومحاجّة المختلفين.
وللإمام الرازيّ العناية الكبرى بهذا النوع.
سابعها: المواعظ والرقائق، وقد مزجها، الذين ولعوا بها، بحكايات المتصوفة والعبّاد. وخرجوا ببعض ذلك عن حدود الفضائل والآداب التي وضعها القرآن.
ثامنها: ما يسمّونه بالإشارة، وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية.
وقد عرفت أنّ الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهيّ، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقيّ. لهذا كان الذي نعنى به من التفسير هو ما سبق ذكره، ويتبعه بلا ريب بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب على الوجه الذي يليق بفصاحة القرآن وبلاغته.
ويمكن أن يقول بعض أهل هذا العصر: لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، لأن الأئمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام منهما، فما
стр. 203
علينا إلّا أن ننظر في كتبهم، ونستغني بها..! هكذا زعم بعضهم!! ولو صحّ هذا الزعم، لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى، وهو- على ما فيه من تعظيم شأن الفقه- مخالف لإجماع الأمة، من النبيّ ﷺ إلى آخر واحد من المؤمنين ... !
ولا أدري كيف يخطر هذا على بال مسلم ... ؟!
الأحكام العملية التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقلّ ما جاء في القرآن. وإن فيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ورفعه من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية، ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقيّ، ولا يوجد هذا الإرشاد إلا في القرآن. وفيما أخذ منه، كإحياء العلوم، حظّ عظيم من علم التهذيب.
ولكن سلطان القرآن على نفوس الذين يفهمونه، وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حقّ تلاوته لا يساهمه فيه كلام، كما أنّ الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام.
ثمّ إنّ أئمة الدين قالوا: إن القرآن سيبقى حجّة على كل فرد من أفراد البشر إلى يوم القيامة
لحديث: «والقرآن حجة لك أو عليك»
. (أول حديث في كتاب الطهارة من صحيح مسلم. عن أبي مالك الأشعريّ) ولا يعقل هذا إلّا بفهمه والإصابة من حكمته وحكمه.
خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنسانيّ الذي أنزل القرآن لهدايته، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء: ١] ، فهل يعقل أنه يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا ونكتفي بالنظر في قول نظر ناظر فيه، ولم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه، لا جملة ولا تفصيلا ... ؟ كلا. إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم وجاهل، يكفي العاميّ من فهم قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ... إلخ [المؤمنون: ١- ٦] ، ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى، ويكفي في معرفة الأوصاف أن يعرف معنى الخشوع، والإعراض عن اللغو، وما لا خير فيه، والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية، وبذل المال في الزكاة، والوفاء بالعهد، وصدق الوعد، والعفة عن إتيان الفاحشة. وأنّ من فارق، هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المتعدي حدود
стр. 204
الله، المتعرض لغضبه. وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة كان، ومن أهل أيّ لغة كان. ومن الممكن أن يتناول كلّ أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإنّ الله تعالى أنزله لهدايتنا، وهو يعلم منّا كلّ أنواع الضعف الذي نحن عليه. وهناك مرتبة تعلو على هذه وهي من فروض الكفاية.
للتفسير مراتب: أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله تعالى وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشرّ ويجذبها إلى الخير، وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكلّ أحد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] وأما المرتبة العليا فإنها لا تتم إلا بأمور.
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن، بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان، وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، من ذلك لفظ التأويل. اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص. ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى، كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] فما هذا التأويل؟
يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب. فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى. فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله. والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه. بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه. فربما استعمل بمعان مختلفة. كلفظ «الهداية» - سيأتي تفسيره في الفاتحة- وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إنّ القرآن يفسّر بعضه ببعض. وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.
ثانيها: الأساليب: فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه
стр. 205
والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم، إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كلّه على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب- المعاني والبيان- ولكن مجرّد العلم بهذه الفنون، وفهم مسائلها، وحفظ أحكامها، لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربيّة أنّ العرب كانوا مسدّدين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع! أتحسبون أنّ ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلا! وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عند ما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدّة خمسين سنة من بعد الهجرة ... !
ثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبيّنه في غيره. بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه، والسنن الإلهية في البشر، وقصّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلا بدّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم، وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوّة وضعف، وعزّ وذلّ، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويّة وسفليّة، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمّها:
التاريخ بأنواعه.
أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمّن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكّر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ... ! ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة ... !
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن. فيجب على المفسّر القائم بهذا الفرض الكفائيّ أن يعلم بما كان عليه الناس في عصر النبوّة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأنّ الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبيّ ﷺ بعث لهدايتهم وإسعادهم..! وكيف يفهم المفسّر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة- أو ما يقرب منها- إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه. هل يكتفي من علماء القرآن- دعاة الدين والمناضلين عنه- بالتقليد بأن يقولوا- تقليدا لغيرهم- إنّ الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة؟ كلا ... !
خامسها: العلم بسيرة النبيّ ﷺ وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرّف في الشؤون دنيويّها وأخرويّها.
стр. 206
فعلم- مما ذكرنا- أنّ التفسير قسمان:
أحدهما: جافّ مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به: حلّ الألفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. وهذا لا ينبغي أن يسمّى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما.
وثانيهما: (وهو التفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية) هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسّر إلى فهم مراد القائل من القول وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله: هُدىً وَرَحْمَةً ونحوهما من الأوصاف.
فالمقصد الحقيقيّ وراء كل تلك الشروط والفنون، وهو الاهتداء بالقرآن.
وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير» ثم تكلم عن التفسير والتأويل في اصطلاح العلماء، وبيّن عظم شأن التفسير وفهمه بما مثاله:
«مثل الناطقين بالعربية الآن- من العراق إلى نهاية بلاد مرّاكش- بالنسبة إلى العرب في لغتهم، كمثل قوم من الأعاجم- مخالطين للعرب- وجد في كلامهم- بسبب المخالطة- مفردات كثيرة من العربية. فهؤلاء الأقوام أشدّ حاجة إلى التفسير وفهم القرآن من المسلمين الأوّلين، لا سيما من كانوا في القرن الثالث حيث بدئ بكتابة التفسير وأحسّ المسلمون بشدّة حاجتهم إليه. ولا شك أن من يأتي بعدنا يكون أحوج منّا إلى ذلك، إذا بقينا على تقهقرنا، ولكن إذا يسّر الله لنا نهضة لإحياء لغتنا وديننا فربما يكون من بعدنا أحسن حالا منا ... !
التفسير عند قومنا- اليوم ومن قبل اليوم بقرون- هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢] ، وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير- يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه- لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها،
стр. 207
ولا يخرجون- لإظهار البراعة في تحصيلها- عن حدّ الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل. إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس، وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بيّن لنا ما نزل إلينا وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] . يسألنا: هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبّرتم ما بلّغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن. واهتديتم بهدي النبيّ، واتبعتم سنته؟
عجبا لنا! ننتظر هذا السؤال، ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه ... !
فيا للغفلة والغرور.
معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى. أول ما يلقّن الوليد عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم «الله» ﵎، يتعلمه بالأيمان الكاذبة، كقوله: والله لقد فعلت كذا وكذا، والله ما فعلت كذا ... وكذلك القرآن! يسمع الصبيّ ممن يعيش معهم: أنه كلام الله تعالى، ولا يعقل معنى ذلك، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربّى بينهم، وذلك بأمرين:
أحدهما: اعتقاد أنّ آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا، يشفى! وأنّ من حمل القرآن لا يقربه جنّ ولا شيطان! ويبارك له في كذا وكذا ... إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما هو معروف للخاصة ... ! ومع صرف النظر عن صحة هذا وعدم صحته، نقول: إنّ فيه مبالغة في التعظيم عظيمة جدا، ولكنها- ويا للأسف ... ! - لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها..! ونحو هذا ما يعلق على الأطفال من التعاويذ والتناجيس: كالخرق، والعظام، والتمائم المشتملة على الطلسمات والكلمات الأعجمية المنقولة عن بعض الأمم الوثنية ... !
هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه- إذا جرينا على سنة القرآن- عبادة للقرآن لا عبادة لله به! ثانيهما: الهمزة، والحركة المخصوصة، والكلمات المعلومة.... التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ رخيم الصوت، حسن الأداء، عارفا بالتطريب على أصول النغم..
والسبب في هذه اللذة والنشوة هي حسن الصوت والنغم، بل أقوى سب
стр. 208
لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن ... ! وأعني بالفهم: ما يكون عن ذوق سليم تصيب أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظها، فتشغله عمّا بين يديه مما سواه.
لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقّة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر ...
لهذا كلّه، يمكننا أن نقول: إن الجاهلية اليوم أشدّ من الجاهلية والضالين في زمن النبي ﷺ ، لأن من أولئك من قال الله تعالى فيهم: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] ، ومعرفة الحقّ أمرّ عظيم شريف ... ! نعم، ربما كان إثم صاحبها مع الجحود أشد، ولكنه يكون دائما ملوما من نفسه على الإعراض عن الحقّ. وهذا اللوم يزلزل ما في نفسه من الإصرار على الباطل.
كان البدويّ راعي الغنم يسمع القرآن فيخرّ له ساجدا لما عنده من رقّة الإحساس ولطف الشعور ... ! فهل يقاس هذا بأيّ متعلم اليوم؟ أرأيت أهل جزيرة العرب كيف انضووا إلى الإسلام بجاذبية القرآن لما كان لهم من دقّة الفهم التي كانت سبب الانجذاب إلى الحقّ..!
- وأشار الأستاذ هنا إلى البنت الأعرابية التي فطنت لاشتمال الآية على أمرين ونهيين وبشارتين- ومجمل الخبر: أنّ الأصمعي قال: سمعت بنتا من الأعراب خماسية أو سداسية تنشد:
أستغفر الله لذنبي كلّه ... قتلت إنسانا بغير حلّه
مثل غزال ناعم في دلّه ... وانتصف الليل ولم أصلّه
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: ويحك! أيعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين ... !
لما رأى علماء المسلمين في الصدر الأول تأثير القرآن في جذب قلوب الناس إلى الإسلام، وأنّ الإسلام لا يحفظ إلّا به، ولما كان العرب قد اختلطوا بالعجم، وفهم من دخل في الإسلام من الأعاجم ما فهمه علماء العرب، أجمع كلّ على وجوب حفظ اللغة العربية، ودوّنوا لها الدواوين، ووضعوا لها الفنون.
стр. 209
نعم: إنّ الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه، ومدّة من موادّ حياتها، ولا حياة لأمة ماتت لغتها. ولكن لم يكن هذا وحده هو الحامل لسلف الأمة على حفظ اللغة بمفرداتها وأساليبها وآدابها، وإنّما الحامل لهم على ذلك ما ذكرنا.
ألّف العلّامة الأسفراييني كتابا في الفرق، ختمه بذكر أهل السنّة ومزاياهم، وعدّ من فضائلهم- التي امتازوا بها على سائر الفرق- التبريز في اللغة وآدابها، وبيّن ذلك بأجلى بيان. فزين هذه المزايا؟ وأين آثارها في فهم القرآن؟ بل وفهم ما دونه من الكلام البليغ ... ؟
وقد بينّا وجه الحاجة في التفسير إلى تحصيل ملكة الذوق العربيّ، وإلى غير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها القرآن» انتهى.
فصل في بيان دقائق المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم
قال بعض علماء الفلك ما مثاله: إنّ القرآن الكريم قد أتى في هذا الباب بمسائل علمية دقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي ﷺ . وهذه المسائل تعتبر من معجزات القرآن العلمية الخالدة. وهاكها ملخصة:
المسألة الأولى-: الأرض كوكب كباقي الكواكب السيارة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] ، وهما من مادة واحدة كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: ٣٠] . وهي تدور حول الشمس وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] .
المسألة الثانية: السيارات الأخرى مسكونة بالحيوانات وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ [الشورى: ٢٩] ، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء: ٤٤] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٢٩] ، ومجموع هذه الآيات يدلّ على أنّ في السموات حيوانات عاقلة كالإنسان، لا كما كان يزعم القدماء: أنّ الكواكب كلها أجرام فارغة خلقت ليتلذذ بمنظرها الإنسان ... !
المسألة الثالثة: ليس القمر خاصا بالأرض، بل للسيارات الأخرى أقمار وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح: ١٦] فالألف واللام في الْقَمَرَ للجنس لا للعهد، كما
стр. 210
في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] .
المسألة الرابعة: ليست السيارات مضيئة بذاتها، بل إن الشمس هي مصباحها جميعا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح: ١٦] أي لهن، كما يدلّ عليه السياق، فالنور الذي نشاهده فيها منعكس عليها من الشمس.
المسألة الخامسة: السماوات والسيارات السبع شيء، والشمس والقمر شيء آخر، فهما ليسا من السيارات كما كان يتوهم القدماء وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... [العنكبوت: ٦١] الآية وغيرها كثير.
المسألة السادسة: العوالم متعدّدة: ولذلك يقول القرآن في كثير من المواضع:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: ٢] ، والعوالم هي منظومات من الكواكب المتجاذبة وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: ٧] . لا كما كان يتوهم القدماء: أن العالم واحد وأنّ الإنسان أشرف الموجودات ... !
المسألة السابعة- ليست جميع العوالم مخلوقة لأجل هذا الإنسان: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧] ، أي الناس المعهودين على وجه الأرض. والإنسان الأرضيّ أفضل من بعض المخلوقات لا كلّها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠] . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجاثية: ١٣] ، إذ لا يلزم من هذا القول أنها غير مسخرة لغيرنا من الأحياء، فالبحر مثلا، قال الله تعالى فيه: سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ [الجاثية: ١٢] ، مع أنه مسخّر لغيرنا من الحيوانات البحرية تسخيرا أتمّ وأعمّ، فمنه تأكل وتشرب وتتنفس، وفيه تسكن وتحيى وتموت. فما هو مسخّر لبعض الحيوانات تسخيرا جزئيا قد يكون مسخرا لغيرها تسخيرا كلّيا. فكذلك النجوم مسخرة لنا- لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر- مع أنها لغيرنا شموس عليها قوام حياتهم، كما إن شمسنا عليها قوام حياتنا وهي- بالنسبة لهم- نجم من نجوم الثوابت.
وبالجملة: فإن جميع العوالم- بما بينها من الارتباط العام والتجاذب الذي بينها- مسخرة بعضها لبعض بالنفع الكلّي أو الجزئيّ.
المسألة الثامنة-: كان القدماء يعتقدون أن جميع الثوابت مركوزة في كرة مجوّفة يسمونها كرة الثوابت- أو فلك الثوابت- وبحركة هذه الكرة تتحرك الكواكب كما تقدم. ومعنى ذلك: أن الكواكب لا حركة لها بذاتها، وأن فلك
стр. 211
جميع الثوابت واحد وأنه جسم صلب. والحقيقة خلاف ذلك. فإن لكل كوكب فلكا يجري فيه وحده، وكل كوكب يتحرك بذاته لا بحركة غيره، والكواكب جميعا سابحة في الفضاء، أو بعبارة أصحّ في الأثير- مادّة العالم الأصلية- غير مركوزة في شيء مما يتوهمون. وبهذه الحقائق جاء الكتاب الحكيم والناس في الظلمات والأوهام يتخبطون..! قال الله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣] ، والتنوين في لفظ «كلّ» عوض عن الإضافة. والمعنى: كل واحد من الكواكب في فلك خاصّ به يسبح بذاته. وفي قوله يَسْبَحُونَ إشارة إلى مادة العالم الأصلية- الأثير- التي تسبح فيها الكواكب كما تسبح الأسماك في الماء. فليست الأفلاك أجساما صلبة تدور بالكواكب كما كانوا يزعمون.....!
المسألة التاسعة: نصّ الكتاب العزيز على جود الجذب العام للكواكب كافّة من جميع جهاتها، فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: ٧] ، أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: ٢٧] ، هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] ، فالكون كله:
كالجسم الواحد الكبير، محكم البناء، لا خلل فيه، كما قال: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ويتخلّله الأثير كما يتخلل ذرات الجسم الصغير فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] .
المسألة العاشرة: كان الناس في سالف الأزمان لا يدرون من أين يأتى ماء المطر، ولهم في السحاب أوهام عجيبة، كما كانت لهم في كل شيء سخافات وخرافات..! ولكن القرآن الشريف تنزّه عن الجهل والخطأ فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً- إلى قوله: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: ٤٣] . وقال:
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١] . ومقتضى الآيتين:
أنّ الماء العذب الذي نشربه ونسقي به الأرض- سواء كان من الينابيع أو من الأنهار- هو من الأمطار الناشئة من السحاب، ومن أين يأتي السحاب؟ هو بخار من بحار هذه الأرض! أي: أنّ السحاب هو من الأرض، وهو عين قوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [النازعات: ٣١] ، أي: أن الماء جميعه أصله من الأرض وإن شوهد أنه ينزل من السحاب ... !
فهذه كلها آيات بيّنات، ومعجزات باهرات، دالّة على صدق النبي ﷺ ، وصحة القرآن» . كلامه بحروفه.
وقال أيضا:
«من عجيب أمر هذا القرآن أن يذكر أمثال هذه الدقائق العلمية العالية، التي
стр. 212
كانت جميع الأمم تجهلها، بطريقة لا تقف عثرة في سبيل إيمان أحد به، في أيّ زمن كان، مهما كانت معلوماته. فالناس قديما فهموا أمثال هذه الآية بما يوافق علومهم، حتى إذا كشف العلم الصحيح عن حقائق الأشياء، علمنا أنهم كانوا واهمين، وفهمنا معناها الصحيح. فكأنّ هذه الآيات جعلت في القرآن معجزات للمتأخرين، تظهر لهم كلما تقدّمت علومهم ... ! وأمّا المعاصرون للنبيّ ﷺ ، فمعجزته لهم: إتيانه بأخبار الأوّلين، وبالشرائع التي أتى بها، وبالمغيّبات التي تحقّقت في زمنه ... وغير ذلك، مع علمهم بصدقه وحاله، وبعده عن العلم، والتعلم بالمشاهدة والعيان. فآيات القرآن- بالنسبة لهم- بعضها معناه صريح لا يقبل التأويل، وفيها بيان كلّ شيء مما يحتاجون إليه، والبعض الآخر يقبل التأويل، وتتشابه عليهم معانيه لنقص علومهم. وهذا القسم لا يهمهم كثيرا، فإنه خاصّ بعلوم لم يكونوا وصلوا إليها، وهو معجزات للمتأخرين يشاهدونها، وتتجلّى لهم كلما تقدّموا في العلم الصحيح. قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧] ، أي: لها معان كثيرة يشبه بعضها بعضا، وتتشابه عليهم في ذلك الزمن، فلا يمكنهم الجزم بالصحيح منها: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ بتشكيك الناس في دينهم بسببه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ في زمنهم لنقص علمهم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ... إلخ، فإذا جعل قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ معطوفا على لفظ الجلالة كان المعنى: أنّ تأويله لا يعلمه أحد في جميع الأزمنة إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه، وإذا كان لفظ وَالرَّاسِخُونَ مستأنفا كان المعنى: أنّ الراسخين في العلم في زمنهم لا يعلمون تأويله- كما قلنا- وإنما يؤمنون به لظهور الدلائل الأخرى لهم على صدق النبيّ، ويفوّضون علم هذه الأشياء إلى المستقبل من الزمان، كما نفوض الآن نحن، مسألة رجم الشياطين بالشهب، للمستقبل ونؤمن بالقرآن لثبوت صدقه بالدلائل الأخرى القطعية» بحروفه.
بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف
قد بسط الكلام في أنّ مذهب السلف هو الحق غير واحد من الأئمة الأعلام.
وهو، وإن كان غنيا في نفسه عن إقامة البرهان، فقد رأينا أن نورد شذرة مما يؤيد
стр. 213
ذلك، تنبيها للغبيّ، وتأييدا للألمعيّ. فنقول: قال حجّة الإسلام الغزاليّ قدّس الله روحه في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام» .
الباب الثاني في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف، وعليه برهانان عقليّ وسمعيّ:
«أمّا العقليّ فاثنان: كلّي وتفصيليّ. أما البرهان الكليّ على أنّ الحق مذهب السلف، فينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلّمة عند كل عاقل:
الأول: أنّ أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد، بالإضافة إلى حسن المعاد هو النبي ﷺ ، فإن ما ينتفع به في الآخرة- أو يضر، - لا سبيل إلى معرفته بالتجربة- كما عرف الطبيب- إذ لا مجال للعلوم التجريبية إلا بما يشاهد على سبيل التكرر، ومن الذي رجع من ذلك العالم فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرّ، وأخبر عنه؟ ولا يدرك بقياس العقل، فإن العقول قاصرة عن ذلك، والعقلاء بأجمعهم معترفون بأنّ العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ضرر المعاصي ونفع الطاعات، لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد- كما وردت به الشرائع- بل أقرّوا بجملتهم: أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوّة، وهي قوة وراء قوة العقل، يدرك بها من أمر الغيب في الماضي والمستقبل أمور لا على طريق التعريف بالأسباب العقلية. وهذا مما اتفق عليه الأوائل من الحكماء، فضلا عن الأولياء والعلماء الراسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباس من حضرة النبوّة، المقرّين بقصور كل قوّة سوى هذه القوة.
الأصل الثاني: أنه ﷺ أفاض إلى الخلق ما أوحي إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، وأنه ما كتم شيئا من الوحي وأخفاه وطواه عن الخلق، فإنه لم يبعث إلا لذلك، ولذلك كان رحمة للعالمين، فلم يكن متهما فيه، وعرف ذلك علما ضروريا من قرائن أحواله في حرصه على إصلاح الخلق، وشغفه بإرشادهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم، فما ترك شيئا مما يقرب الخلق إلى الجنة ورضاء الخالق إلّا دلّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئا مما يقرّبهم إلى النار وإلى سخط الله إلا حذّرهم منه ونهاهم عنه، وذلك في العلم والعمل جميعا.
الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كنهه ودرك أسراره، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعاصروه، وصاحبوه، بل لازموه آناء الليل والنهار، متشمّرين لفهم معاني كلامه وتلقيه بالقبول: للعلم به أولا، وللنقل إلى من بعدهم ثانيا، وللتقرب إلى الله بسماعه وفهمه وحفظه ونشره.
стр. 214
وهم الذين حثهم رسول الله ﷺ على السماع والفهم والحفظ والأداء
فقال: «نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها ... » «١» الحديث.
فليت شعري أيتّهم رسول الله ﷺ بإخفائه وكتمانه عنهم؟! حاشا منصب النبوة عن ذلك..! أو يتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك مقاصده..؟ أو يتهمون في إخفائه وإسراره بعد الفهم؟ أو يتهمون في معاندته من حيث العمل ومخالفته على سبيل المكابرة، مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه؟ فهذه أمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل..!
الأصل الرابع: أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرّض لمثل هذه الأمور. بل بالغوا في زجر من خاض فيه، وسأل عنه، وتكلّم به على ما سنحكيه عنهم، فلو كان ذلك من الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين لأقبلوا عليه ليلا ونهارا، ودعوا إليه أولادهم وأهليهم، وتشمّروا عن ساق الجدّ في تأسيس أصوله، وشرح قوانينه تشمرا أبلغ من تشمّرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث. فنعلم- بالقطع من هذه الأصول- أنّ الحقّ ما قالوه، والصواب ما رأوه.، وقد أثنى عليهم رسول الله ﷺ
وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» «٢»
وقال ﷺ : «ستفترق أمتي نيّفاً وسبعين فرقة، الناجية منهم واحدة» «٣» فقيل: من هم؟ فقال: «ما أنا عليه الآن وأصحابي» .
البرهان الثاني، وهو التفصيليّ: فنقول:
стр. 215
ادعينا أنّ الحق هو مذهب السلف، وأنّ مذهب السلف هو: توظيف الوظائف السبع على عوامّ الخلق في ظواهر الأخبار المتشابهة. وقد ذكرنا برهان كلّ وظيفة معها فهو برهان كونه حقا، فمن يخالف- ليت شعري! - أيخالف في قولنا الأول: إنه يجب على العاميّ التقديس للحقّ عن التشبيه ومشابهة الأجسام. أو في قولنا الثاني:
إنه يجب عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول ﵊ بالمعنى الذي أراده. أو في قولنا الثالث: إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن درك حقيقة تلك المعاني. أو في قولنا الرابع: إنه يجب عليه السكوت عن السؤال والخوض فيما هو وراء طاقته. أو في قولنا الخامس: إنه يجب عليه إمساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع والتفريق. أو في قولنا السادس: إنه يجب عليه كف القلب عن التذكر فيه والفكر مع عجزه عنه، وقد قيل لهم: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق. أو في قولنا السابع: إنه يجب عليه التسليم لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين. فهذه أمور بيانها برهانها، ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها، إن كان من أهل التمييز، فضلا عن العلماء والعقلاء. فهذه هي البراهين العقلية! النمط الثاني: البرهان السمعيّ على ذلك. وطريقه أن نقول:
الدليل على أن الحق مذهب السلف أن نقيضه بدعة- والبدعة مذمومة وضلالة- والخوض من جهة العوام في التأويل، والخوض فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة، وكان نقيضه- وهو الكف عن ذلك- سنة محمودة. فهاهنا ثلاثة أصول:
أحدها: إن البحث والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة.
والثاني: أن كلّ بدعة فهي مذمومة.
والثالث: أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضها، وهي السنة القديمة، محمودة.
ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول، فإذا سلم ذلك، ينتج: أن الحق مذهب السلف. ثم أطال- قدّس سرّه- في إيضاح هذه الأصول وأطاب، فارجع إليه إن شئت.
والقول الشامل في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد ﵁:
«لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حقّ ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل