الثانية: قال السيوطي في (الإكليل) : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان لا ينفع مع عدم كسب الخير فيه. وهو مردود. ففي الكلام تقدير. والمعنى:
لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل، إيمانها حينئذ، ولا ينفع نفسا لم تكسب خيرا قبل، توبتها حينئذ.
وقال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية إنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة، إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك. ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا. فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير. ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير. ومفهوم الصفة قويّ فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة. ويكون فيه قلب دليل المعتزلة، دليلا عليهم.
وأجاب ابن المنير في (الانتصاف) فقال: هذا الكلام من البلاغة يلقب (اللف) وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة قبل، إيمانها بعد. ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل، ما تكتسبه من الخير بعد، فلفّ الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا. وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق.
فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود. فهي بالرد على المعتزلة أولى من أن تدل لهم.
وقال ابن الحاجب في (أماليه) : الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره، ومعنى الآية: لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح، لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها. فاختصر للعلم.
ونقل الطيبيّ كلام الأئمة في ذلك. ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب. وبسطه: أن الله تعالى، لما خاطب المعاندين بقوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ.. [الأنعام: ١٥٥] الآية، علل الإنزال بقوله: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ [الأنعام: ١٥٦] إلخ، إزالة للعذر وإلزاما للحجة. وعقبه بقوله: فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ إلخ، تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع. ثم قال فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ ... الآية. أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق، ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح. فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها.
ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ.. الآية. أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم. كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم.
стр. 2032
أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها. فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل، من الإيمان. وكذا العمل الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل.
ففي الآية لف. لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر، ونظيره قوله تعالى:
مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
[النساء: ١٧٢] .
قال: فهذا الذي عناه ابن المنير بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له (اللف) والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك. إيمانها من بعد ذلك. ولا ينفع نفسا كانت مؤمنة، لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك، ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك. قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة. فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير، أي: لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة. وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة.
ثم قال الطيبي: وقد ظفرت، بفضل الله بعد هذا التقرير، على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا. من غير إفراط ولا تفريط. وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية [الأعراف: ٥٢- ٥٣] . فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع. وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع. وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا. والله أعلم. انتهى ملخصا.
الثالثة: قال في (الوجيز) في قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي لفصل القضاء بين خلقه. وإتيانه نؤمن به ولا نعرف كيفه. انتهى.
وفي حواشي (جامع البيان) : كيف لا يؤمن بإتيانه ومجيئه تعالى يوم القيامة، وقد جاء في القرآن في عدة مواضع: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [البقرة: ٢١٠] . وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] . إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [النحل: ٣٣] . وأي أمر أصرح منه في القرآن؟.
стр. 2033
وروي الطبري في (تفسيره) عن ابن عباس مرفوعا: إن في الغمام طاقات يأتي الله فيها، محفوفا.
وذلك قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [البقرة: ٢١٠] .
قال عكرمة: والملائكة حوله، فهذا من صفات الله تعالى. يجب علينا الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت وإن لم نعرف كيفيتها. وعدم علمنا بكيفيتها، بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته. فلا نكذب بما علمناه لعدم علمنا بما لم نعلمه. وهذا هو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة. انتهى.
وقوله تعالى: قُلِ انْتَظِرُوا أي: قل لهؤلاء الكافرين، بعد بيان حقيقة الحال على وجه التحديد: انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شيء تنتظرون.
إِنَّا مُنْتَظِرُونَ أي لذلك، لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة.
ثم بيّن تعالى أحوال أهل الكتاب، إثر بيان حال المشركين بقوله سبحانه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٩]
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي: اختلفوا فيه، مع وحدته في نفسه، فجعلوه أهواء متفرقة وَكانُوا شِيَعاً أي: فرقا تشيع كل فرقة إماما لها بحسب غلبة تلك الأهواء.
فلم يتعبدوا إلا بعادات وبدع، ولم ينقادوا إلا لأهواء وخدع لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي: من عقابهم. أو أنت بريء منهم محميّ الجناب عن مذاهبهم. أو المعنى: اتركهم فإن لهم مالهم.
وقال القاشاني: أي: لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء. إذ هم أهل التفرقة لا يجتمع هممهم، ولا يتحد قصدهم إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ أي: في جزاء تفرقهم ومكافأتهم، لا إليك ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ يعني إذا وردوا يوم القيامة بِما كانُوا يَفْعَلُونَ أي: من السيئات والتفرقة، لمتابعة الأهواء. ويجازيهم على ذلك بما يماثل أفعالهم.
تنبيه:
قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدّي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى.
стр. 2034
وروى العوفي عن ابن عباس في الآية أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد ﷺ فتفرقوا. وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. وآخر على الخوارج. وأسندوا في ذلك حديثا رفعوه.
قال ابن كثير: وإسناد ذلك لا يصحّ. ثم قال: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له. فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق. فمن اختلف فيه (وكانوا شيعا) أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله ﷺ مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية [الشورى: ١٣] . وفي الحديث «١» نحن معاشر الأنبياء أولاد علّات. ديننا واحد. فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء. والرسل برءاء منها كما قال الله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ثم قال: وقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الحج: ١٧] . الآية.
انتهى.
وقد أخرج أبو داود «٢» عن معاوية قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة. وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين. اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة. ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وفيه: قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي.
ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة.
فقال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٠]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
стр. 2035
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها يعني عشر حسنات أمثالها في الحسن.
قال (المهايمي) كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب يعطيه بما يليق بسلطنته، لا قيمة العنقود. انتهى. والعشر أقل ما وعد من الأضعاف. وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمائة وبغير حساب. ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي: بالأعمال السيئة فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها في القبح.
قال المهايمي: فمن كفر خلد في النار، فإنه ليس أقبح من كفره. كمن أساء إلى سلطان يقصد قتله. ومن فعل معصية عذب بقدرها كمن أساء إلى آحاد الرعية.
انتهى.
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب.
لطيفة:
قال القاشانيّ في قوله تعالى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها: هذا أقل درجات الثواب.
وذلك أن الحسنة تصدر بظهور القلب والسيئة بظهور النفس. فأقل درجات ثوابها أنه يصل إلى مقام القلب الذي يتلو مقام النفس في الارتقاء، تلو مرتبة العشرات للآحاد في الأعداد. وأما في السيئة فلأنه لا مقام أدون من مقام النفس. فينحط إليه بالضرورة. فيرى جزاءه في مقام النفس بالمثل. ومن هذا يعلم أن الثواب من باب الفضل. فإنه يزيد به صاحبه ويتنوّر استعداده ويزداد قبوله لفيض الحق. فيتقوى على أضعاف ما فعل ويكتسب به أجورا متضاعفة إلى غير نهاية، بازدياد القبول على فعل كل حسنة وزيادة القدرة والشغف على الحسنة عند زيادة الفيض إلى ما لا يعلمه إلا الله. كما قال بعد ذكر أضعافها إلى سبعمائة: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة:
٢٦١] ، وأن العقاب من باب العدل إذ العدل يقتضي المساواة. ومن فعل بالنفس، إذا لم يعف عنه، يجازي بالنفس سواء. انتهى.
تنبيه:
وردت أحاديث كثيرة في معنى الآية.
فروى الإمام أحمد «١» عن ابن عباس أن
стр. 2036
رسول الله ﷺ قال، فيما يروي عن ربه تعالى: إن ربكم ﵎ رحيم. من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. فإن عملها كتبت له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة. فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ولا يهلك على الله إلا هالك. ورواه البخاريّ «١» ومسلم «٢» والنسائيّ.
وروى الإمام «٣» أحمد ومسلم «٤» عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله ﵎: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أو أزيد. ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة.
وروى الشيخان «٥» عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة. لفظ البخاري.
وروى الطبراني عن أبي مالك الأشعريّ قال: قال رسول الله ﷺ : الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام
. وذلك لأن الله تعالى قال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
وروى «٦» الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله. ورواه النسائي
والترمذي وزاد: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، اليوم بعشرة أيام.
стр. 2037
وبقيت أخبار أخرى. وفيما ذكر كفاية.
ثم أمر تعالى نبيه ﷺ أن يخبر أولئك المفرقين دينهم بما أنعم سبحانه عليه، من إرشاده إلى دينه القويم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦١]
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده المخلصين دِيناً نصب على البد من محل (إلى صراط) لأن معناه هداني صراطا.
بدليل قوله وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء: ١٧٥] ، أو مفعول لمضمر يدل عليه المذكور. أي عرفني دينا. أو مفعول (هداني) . و (هدى) يتعدى إلى اثنين قِيَماً صفة (دينا) بقرأ بالتشديد أي: ثابتا أبدا لا تغيره الملل والنحل، ولا تنسخه الشرائع والكتب، مقوما لأمر المعاش والمعاد. ويقرأ بالتخفيف على أنه مصدر نعت به. وأصله قوم كعوض. فأعلّ لإعلال فعله كالقيام. مِلَّةَ إِبْراهِيمَ المتفق على صحتها وهي التي أعرض بها عن كل ما سواه تعالى. عطف بيان ل (دينا) حَنِيفاً حال من إِبْراهِيمَ أي مائلا عن كل دين وطريق باطل، فيه شرك ما، وقوله تعالى: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اعتراض مقرر لنزاهته ﵇ عما عليه المفرقون لدينه من عقد وعمل. أي ما كان منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا.
صرح بذلك ردّا على الذين يدعون أنهم على ملته من مشركي مكة واليهود والنصارى. أفاده أبو السعود.
تنبيه:
قال ابن كثير: هذه الآية كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] وليس يلزم من كونه أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها. لأنه ﵇ قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تامّا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال. ولهذا قال: أنا خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق، حتى الخليل ﵇.
وروى ابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال: كان
стр. 2038
رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا وملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.
وروى الإمام أحمد «١» عن ابن عباس قال قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحنيفية السمحة.
وروى الإمام أحمد «٢» عن عائشة قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبيه لأنصر إلى زفن الحبشة. حتى كنت التي مللت، فانصرفت عنهم. وقالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ يومئذ: ليعلم يهود أن في ديننا فسحة. إني أرسلت بحنيفية سمحة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٢]
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢)
قُلْ إِنَّ صَلاتِي لما أن المأمور به متعلق بفروع الشرائع، وما سبق بأصولها.
أي: إن صلاتي إلى الكعبة وَنُسُكِي أي: طوافي وذبحي للهدايا في الحج والعمرة، أو عبادتي كلها وَمَحْيايَ وَمَماتِي أي: وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح. أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية والتدبير. أو الحياة والممات أنفسهما لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٣]
لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)
لا شَرِيكَ لَهُ أي: خالصة لله لا أشرك فيها غيره وَبِذلِكَ أي: القول أو الإخلاص أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي: من هذه الأمة. لأن إسلام كل نبيّ متقدم على إسلام أمته.
قال ابن كثير: يأمر تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك. فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له.
стр. 2039
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٤]
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا فأشركه في عبادته، وهو جواب عن دعائهم له ﵊ إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي العبادة، أبلغيّة لا تخفي وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ حال في موضع العلة للإنكار والدليل له. أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلا أكون عبدا لعبده.
قال ابن كثير: أي فلا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه. لأنه رب كل شيء ومليكه وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص العبادة والتوكل. كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا. كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وقوله:
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣] . وقوله قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا [الملك: ٢٩] . وقوله رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: ٩] وأشباه ذلك من الآيات.
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
قال ابن كثير: إخبار عن الواقع يوم القيامة من جزاء الله تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد. وهذا من عدله تعالى.
وقال أبو السعود: كانوا يقولون للمسلمين: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا- فهذا رد له بالمعنى الأول. أي لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها. ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر، حتى يتأتى ما ذكرتم، وقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى رد له بالمعنى الثاني. أي: لا تحمل يومئذ نفس حاملة، حمل نفس أخرى، حتى يصح قولكم.
تنبيه:
قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل
стр. 2040
أحد.، وقد ردت عائشة به على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. أخرجه البخاري «١» ، وأخرج ابن أبي حاتم عنها أنها سئلت عن ولد الزنى؟ فقالت ليس عليه من خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية.
قال: الكيا الهراسيّ: ويحتج بقوله: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها في عدم نفوذ تصرف زيد على عمرو إلّا ما قام عليه الدليل. قال ابن الفرس: واحتج به من أنكر ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
وقال بعض الزيدية: قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني في أمر الآخرة. فيبطل قول إن أطفال المشركين يعذبون بكفر آبائهم. ويلزم أن لا يعذب الميت ببكاء أهله عليه. حيث لا سبب له. وأما في أمر الدنيا، فقد خص هذا بحديث العاقلة. وكذلك أسر أولاد الكفار ونحو ذلك. انتهى.
стр. 2041
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ أي: رجوعكم بعد الموت يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقوله تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٣٢] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٥]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ جمع خليفة. أي يخلف بعضكم بعضا فيها، فتعمرونها خلفا بعد سلف، للتصرف بوجوه مختلفة وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك. كقوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢] ، وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: ٢١] ، وقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، أي امتحنكم، ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.
وفي صحيح مسلم «١» عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء
. أفاده ابن كثير.
ثم رهّب تعالى من معصيته ورغّب في طاعته بقوله سبحانه إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ أي: لمن عصاه وخالف رسله وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي: لمن والاه واتبع رسله.
لطائف:
الأولى: قال السيوطيّ في (الإكليل) . استدل بقوله تعالى: جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ من أجاز أن يقال للإمام: خليفة الله. انتهى.
أي: بناء على وجه في الآية. وهو أن المعنى: جعلكم خلائف الله في الأرض
стр. 2042
تتصرفون فيها. ذكره المفسرون. وآثرت، قبل، غير هذا الوجه لأنه أدق وأظهر، والله أعلم.
الثانية: قال القاضي: وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة- تنبيها على أنه غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها. انتهى.
الثالثة: قال ابن كثير: إن الحق تعالى، كثيرا ما يقرن في القرآن بين هاتين الصفتين كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ [الرعد: ٦] ، وقوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩- ٥٠] . إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب.
فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها. وتارة بهما. لينجع في كلّ بحسبه. جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، إنه قريب مجيب.
قد تم بحمده تعالى الكلام على (محاسن تأويل) سورة الأنعام. وذلك ضحوة الأربعاء في ٢٨ ربيع الأول. في شباك السدّة اليمنى العليا من جامع السنانية عام ١٣٢١. وكان تخلّل مدة شهر ونصف، وقفت عن كتابة شيء من هذه السورة فيها، وذلك من آخر البحث في قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا.. الآية، لعارض رحلتي إلى بيت المقدس في ٢٨ محرم من العام المذكور. وبعد العود إلى الوطن في ٨ ربيع الأول بدأت من قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ.. الآية. في ٢٠ ربيع الأول، وتمت السورة في التاريخ المتقدم، والحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله. بقلم جامعه جمال الدين القاسميّ.
ويليه الجزء الخامس- ويحتوي على تفسير سور:
٧- الأعراف، ٨- الأنفال، ٩- التوبة.
[المجلد الخامس]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الأعراف
أخرج أبو الشيخ ابن حبان عن قتادة، قال: الأعراف مكية، إلا آية وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وقال: من هنا إلى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مدني.
وآياتها مائتان وست آيات.
стр. 2050
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١)
المص تقدّم الكلام في أول سورة البقرة، على حروف فواتح السور، والمذاهب فيها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢]
كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
كِتابٌ أي: هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه، مخافة أن يكذبوك، أو أن تقصر في القيام بحقه. فإنه ﷺ كان يخاف قومه، وتكذيبهم له، وإعراضهم عنه، وأذاهم. فكان يضيق صدره من الأداء، ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم.
قال الناصر: ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود: ١٢] الآية لِتُنْذِرَ بِهِ أي: بالكتاب المنزل، المشركين ليؤمنوا وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي عظة لهم. وتخصيص الذكرى بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذار بالمشركين.
وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٣]
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣)
قوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ خطاب منه تعالى لكافة المكلفين بالأمر باتباع ما أنزل، وهو القرآن، والمراد ب ما أُنْزِلَ: القرآن والسنة.
وقوفا مع عمومه، لقوله سبحانه: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣- ٤] .
стр. 2051
تنبيه:
قال السيوطي في (الإكليل) : استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به، لأنه من جملة ما أنزل الله، وقد أمرنا الله باتباعه- انتهى-.
وأقول: هذا غلوّ في الاستنباط، وتعمق بارد. ويرحم الله القائل: إذا اشتد البياض صار برصا.
وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي لا تتبعوا أولياء غيره تعالى، من الجن والإنس.
فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي ما تتعظون إلا قليلا، حيث لا تتأثرون ولا تعملون بموجبه، وتتركون دينه تعالى، وتتبعون غيره. ثم حذرهم تعالى بأسه، إن لم يتبعوا المنزل إليهم، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤ الى ٥]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي أردنا إهلاكها بسبب مخالفة المنزل إليهم فَجاءَها بَأْسُنا أي: فجاء أهلها عذابنا بَياتاً أي بائتين. كقوم لوط. والبيتوتة:
الدخول في الليل، أي ليلا قبل أن يصبحوا أَوْ هُمْ قائِلُونَ أي قائلين نصف النهار، كقوم شعيب. والمعنى: فجاءها بأسنا غفلة، وهم غير متوقعين له. ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة. وكل ذلك وقت الغفلة. والمقصود أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم، من غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب، وفيه وعيد وتخويف للكفار. كأنه قيل لهم: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة، فإن عذاب الله إذا نزل، نزل دفعة واحدة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف: ٩٧- ٩٨] ؟ ثم تأثر تعالى عذابهم الدنيوي ببيان عذابهم الأخروي، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٦]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أي: المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما
стр. 2052
أجابوا عنه رسلهم كما قال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] ، وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أي: عما أجيبوا به، كما قال سبحانه:
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] . والمراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٧]
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي: على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم بِعِلْمٍ أي:
عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وَما كُنَّا غائِبِينَ أي: عنهم وعما وجد منهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٨]
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم، العدل. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي: حسناته في الميزان فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: الناجون من السخط والعذاب.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٩]
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي: حسناته في الميزان فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالعقوبة بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ أي: يكفرون.
تنبيهات:
الأول: قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية ذكر الميزان، ويجب الإيمان به. انتهى.
وقال الإمام الغزالي في (المضنون) : تعلّق النفس بالبدن كالحجاب لها عن حقائق الأمور. وبالموت ينكشف الغطاء، كما قال تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ق: ٢٢] ، ومما يكشف له تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده، وهي مقادير تلك الآثار، وإن بعضها أشد تأثيرا من البعض، ولا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال، بالإضافة إلى تأثيراتها في التقريب والإبعاد. فحدّ الميزان ما يتميز به الزيادة من النقصان، ومثاله في العالم
стр. 2053
المحسوس مختلف، فمنه الميزان المعروف، ومنه القبان للأثقال، والأصطرلاب لحركات الفلك والأوقات، والمسطرة للمقادير والخطوط، والعروض لمقادير حركات الأصوات. فالميزان الحقيقيّ، إذا مثله الله للحواس، مثله بما شاء من هذه الأمثلة أو غيرها. فحقيقة الميزان وحده موجود في جميع ذلك، وهو ما يعرف به الزيادة من النقصان. وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل، وللخيال عند التمثيل، والله تعالى أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات. والتصديق بجميع ذلك واجب. انتهى.
الثاني: الذي يوضع في الميزان يوم القيامة. قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما.
قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس، كما
جاء في (الصحيح) «١»
«أنّ البقرة وءال عمران يأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صوافّ» .
ومن ذلك
في (الصحيح) «٢»
قصة القرآن، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك.
وفي حديث البراء «٣»
في قصة سؤال القبر: فيأتي المؤمن شابّ حسن اللون، طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح.
وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.
فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية، تبرز على هذا القول في النشأة الآخرة بصور جوهرية، مناسبة لها في الحسن والقبح. فالذنوب والمعاصي تتجسم هناك، وتتصور بصورة النار، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤] ، وقوله تعالى:
стр. 2054
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: ١٠] . الآية- وكذا
قوله ﷺ «١»
«في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة: إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»
. ولا بعد في ذلك.
ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن.
وقيل: صحائف الأعمال هي التي توزن، ويؤيده حديث البطاقة.
فقد أخرج أحمد «٢» والترمذي وصححه، وابن ماجة والحاكم والبيهقي وابن مردويه عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ : «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة. فينشر له تسعة وتسعون سجلّا، كل سجلّ منها مدّ البصر، فيقول:
أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا. يا رب فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلّات؟ فيقال:
إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة» .
وقيل: يوزن صاحب العمل، كما
في الحديث «٣» : يؤتى يوم القيامة بالرجل
стр. 2055
السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة. ثم قرأ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الكهف: ١٠٥] .
وفي مناقب عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «أتعجبون من دقة ساقيه؟
والذي نفسي بيده! لهما في الميزان أثقل من أحد» «١» .
قال الحافظ ابن كثير: وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة يوزن محلها، وتارة يوزن فاعلها. والله أعلم- انتهى.
قال أبو السعود: وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العادل. وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، بناء على أن استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية. قالوا: إن الميزان إنما يراد به التوصل إلى معرفة مقادير الشيء. ومقادير أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك، لأنها أعراض قد فنيت. وعلى تقدير بقائها، لا تقبل الوزن- انتهى- وأصله للرازي.
قال في (العناية) : فمنهم من أوّل الوزن بأنه بمعنى القضاء والحكم العدل، أو مقابلتها بجزائها. من قولهم: وازنه، إذا عادله. وهو إما كناية أو استعارة. بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة والثقل، بمعنى الكثرة والقلة. والمشهور من مذهب أهل السنة أنه حقيقة بمعناه المعروف انتهى.
فإن جمهور الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل.
قال في (فتح البيان) : وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه. بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة لأحد. فهذا إذا لم تقبله عقولهم، فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم: من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كلّ ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم. وليتهم جاءوا
стр. 2056
بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها. بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو ومن تابعه، فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم. يعرف هذا كل منصف. ومن أنكره فليصفّ فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [الأنبياء: ٤٧] . وقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢- ١٠٣] . وقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠] وقوله: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [القارعة: ٨- ٩] .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّا مذكورة في كتب السنة المطهرة. وما في الكتاب والسنة يغني عن غيرهما. فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه، مع قوله تعالى وقول رسوله الصادق المصدوق، والصباح يغني عن المصباح- انتهى.
وخلاصته، أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا إذا تعذرت، ولا تعذر هاهنا.
الثالث: إن قلت: أليس الله يعلم مقادير أعمال العباد؟ فما الحكمة في وزنها؟ قلت: فيه حكم:
منها- إظهار العدل، وإن الله لا يظلم عباده.
ومنها- امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى.
ومنها- تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة.
ومنها- إظهار علامة السعادة والشقاوة.
ونظيره، أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ثم في صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم، من غير جواز النسيان عليه . كذا في (اللباب) .
وقال أبو السعود: إن قيل: إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن الجور، فيكفيه حكمه تعالى بكيفات الأعمال وكمياتها. وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات
стр. 2057
تلك الأعمال، بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه، فما الفائدة في الوزن؟
أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ، وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه، وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح، وغير ذلك. وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا، فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها، وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته، ولا يخطر بباله خلاف ذلك- انتهى.
وقد سبقه إلى نحوه الرازي.
ولما أمر تعالى أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع غيره، وبيّن لهم وخامة عاقبته بالإهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة- ذكرهم فنون نعمه ترغيبا في اتباع أمره ونهيه، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٠]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا. أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أو ما يتوصل به إلى ذلك من المتاجر والمزارع والصنائع قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ الكلام فيه كالذي في قوله قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ وقد مرّ قريبا. والتذييل مسوق لبيان سوء حال المخاطبين وتحذيرهم، أي ما مننا عليكم بذلك إلا لتشكروا بمتابعة ما أنزلنا إليكم، وترك متابعة من دوننا، فتحصلوا معايش السعادات الأبدية. ثم بيّن تعالى نعمته على آدم التي سرت إلى بنيه، وبيّن لهم عداوة إبليس وما انطوى عليه من الحسد لأبيهم، ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١١]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ
стр. 2058
يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
هذا كقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: ٢٨- ٢٩] وفي تصدير هذه الآية بالقسم وحرف التحقيق، كالتي قبلها، إعلام بكمال العناية بمضمونها.
قال أبو السعود: وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين، مع أن المراد بهما خلق آدم ﵇ وتصويره حتما، توفية لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم، بالرمز إلى أن لهم حظّا من خلقه ﵇ وتصويره، لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه، بل من الأمور السارية إلى ذريته جميعا، إذ الكل مخلوق في ضمن خلقه على نمطه، ومصنوع على شاكلته، فكأنهم الذي تعلق به خلقه وتصويره. أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه أبدع تصوير، وأحسن تقويم، سار إليكم جميعا- انتهى-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٢]
قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ أي أن تسجد كما وقع في سورة (ص) . و (لا) مزيدة للتنبيه على أن الموبّخ عليه ترك السجود. ولتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه وتحقيقه، كما في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] ، كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وتوقف بعض المحققين في وجه إفادة (لا) النافية تأكيد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، واستظهر الشهاب أنها لا تؤكده مطلقا، بل إذا صحبت نفيا مقدما أو مؤخرا صريحا أو غير صريح، كما في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ وكما هنا، فإنها تؤكد تعلق المنع به- انتهى-.
وقيل (ما منعك) محمول على (ما حملك وما دعاك) مجازا أو تضمينا. وقال الراغب: المنع ضد العطية، وقد يقال في الحماية. والمعنى ما حماك عن عدم السجود. ولا يخفى أن السؤال عن المانع من السجود، مع علمه به، للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم ﵇. كما أوضحه قوله تعالى: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال ابن كثير. هذا من العذر الذي هو أكبر من الذنب- انتهى-.
وإنما قال هذا، ولم يقل (منعني كذا) مطابقة للسؤال. لأن في هذه الجملة
стр. 2059
التي جاء بها مستأنفة، ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول، مع ما في طيّها من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله.
فالجملة متضمنة للجواب بقياس استدلاليّ، وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة نمروذ. وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين، لأنها جوهر نورانيّ، وهو ظلمانيّ، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى:
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة. كما نبه عليه بقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩] وباعتبار الغاية وهو ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواصّ ليست لغيره. وبالجملة فالشيء كما يشرف بمادته، يشرف بفاعله وغايته وصورته، والثلاثة في آدم ﵇ دونه، فاستبان غلطه.
وفي (اللباب) أن عدو الله إبليس جهل وجه الحق، وأخطأ طريق الصواب، لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب. وهذا الذي حمله، مع سابقة شقائه، على الاستكبار عن السجود لآدم ﵇، والاستخفاف بأمر ربه، فأورده ذلك العطب والهلاك. ومن جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت، وهذا كان الداعي لآدم ﵇، مع سابقة سعادته، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة.
وعن عائشة ﵂ قالت «١» : «قال رسول الله ﷺ : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . رواه مسلم.
تنبيه:
روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. وأخرج أيضا بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولذا احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس، وإلا لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد.
стр. 2060
قال الرازي: بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ خطاب عامّ يتناول جميع الملائكة، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس، وهو أنه مخلوق من النار، والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، والأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدنى، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك. وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم بهذا القياس استحق الذم، وما ذاك إلا لعدم جوازه. وأيضا ففي الآية دلالة على ذلك من وجه آخر: وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فوصفه تعالى بكونه متكبرا، بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبّر على الله. ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب العقاب الشديد، والإخراج من زمرة الأولياء. ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز، وهذا هو المراد مما نقله الواحديّ في (البسيط) عن ابن عباس أنه قال: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس- هذا ما نقله الواحديّ في (البسيط) عن ابن عباس، وأفاده الرازي.
وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس، منها ما تقدم عن الحسن وابن سيرين وابن عباس. وعن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشيء، فتزلّ قدمي بعد ثبوتها.
وعن الشعبيّ: إياكم والقياس، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، ولأن أتغنى غنية، أحب إليّ من أن أقول في شيء برأيي. وقد ذكر الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ من هذا المعنى آثارا وافرة في (جامع بيان العلم وفضله) وقال: احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها. وقالوا في حديث معاذ: إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة. وتكلم داود في إسناد حديث معاذ وردّه ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ، ولم يسمّوا. قال الحافظ ابن عبد البر: وحديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول. ثم قال: وسائر الفقهاء وقالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس: إنه القياس على غير أصل، أو القياس الذي يردّ به أصل، والقول في دين الله بالظن. ألا ترى إلى قول من قال منهم: أول من قاس إبليس؟ لأن إبليس ردّ أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن. وإذا صحّ النص من الكتاب والأثر، بطل القياس وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
стр. 2061
إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ- أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ...
[الأحزاب: ٣٦] الآية- وأيّ أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، وهو العالم بما خلق منه آدم، وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء، فهذا ومثله لا يحلّ ولا يجوز. وأما القياس على الأصول، والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصا. لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل، مخالف للسلف في الأحكام.
وقال مسروق الوراق:
كنّا من الدين قبل اليوم في سعة ... حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذ قلّت مكاسبهم ... فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس
أما العريب فقوم لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس
فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا. نحن نرضيك. فبعث إليه بدراهم فقال:
إذا ما أهل مصر بادهونا ... بآبدة من الفتيا لطيفه
أتيناهم بمقياس صحيح ... صليب من طراز أبي حنيفه
إذا سمع الفقيه به وعاه ... وأثبته بحبر في صحيفة
قال ابن عبد البر: اتصلت هذه الأبيات ببعض أهل الحديث والنظر من أهل ذلك الزمن، فقال:
إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ... وجاء ببدعة منه سخيفة
أتيناهم بقول الله فيها ... وآثار مبرّزة شريفه
هكذا حكاه ابن عبد البر في (جامع فضل العلم) . وله فيه في (باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والقياس على غير أصل) مقالات سابغة جديرة بالمراجعة.
ومما ذكر فيه: أن أهل الحديث أفرطوا في أبي حنيفة، وتجاوزوا الحدّ. قال:
والسبب الموجب لذلك، عندهم، إدخاله الرأي والقياس على الآثار، واعتبارهما.
وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل النظر. وكان ردّه لما ردّ من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي:
стр. 2062
وجلّ ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخعيّ وأصحاب ابن مسعود. إلا أنه أغرق هو وأصحابه في تنزيل النوازل، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم. فأتى منهم في ذلك خلاف كبير للسلف. ثم قال: وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، ردّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ، أو ادعاء نسخ. إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل. وعن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي ﷺ ، مما قال مالك فيها برأيه. قال: وقد كتبت إليه أعظه في ذلك. هذا كلام ابن عبد البر ملخصا.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه: أنه روى عن عليّ وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم- أي الصحابة- على ترك العمل بالرأي والقياس، مطلقا فقد غلط، ومن ادعى أنه من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا بالرأي والقياس، فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها- انتهى-.
وقال ابن تيمية ﵀ في فتوى أخرى: والصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي، ويحتجون بالقياس الصحيح أيضا. والقياس الصحيح نوعان:
أحدهما: أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرقا غير مؤثر في الشرع، كما
ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح «١»
أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال:
ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم
. وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن، فلهذا قال جماهير العلماء: إنه أيّ نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة التي تقع في الزيت، وكالهرّ الذي يقع في السمن، فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن. ومن قال من أهل الظاهر: إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن، فقد أخطأ، فإن النبي ﷺ لم يخص الحكم بتلك الصورة، لكن لما استفتى عنها أفتى فيها، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو عن نوع، فأجاب المفتي عن ذلك، خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه
стр. 2063
بالحكم. ومثل هذا أنه سئل عن رجل «١» أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمّخة بخلوق
فقال: انزع عنك الجبة الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك.
فأجابه عن الجبة، ولو كان عليه قميص أو نحوه، كان الحكم كذلك بالإجماع.
والنوع الثاني من القياس: أن ينص على حكم لمعنى من المعاني، ويكون ذلك المعنى موجودا في غيره، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوّى بينهما، وكان هذا قياسا صحيحا. فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يستعملونهما، وهما من باب فهم مراد الشارع.
فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه، وعلى أن يعرف مراده باللفظ. وإذا عرفنا مراده، فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك، لا لمعنى يخص الأصل، أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك. وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص، منعنا القياس. كما أنا علمنا أن الحج خص به جهة الكعبة، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان، وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس، ونحو ذلك، فإنه يمتنع هنا أن نفيس على المنصوص غيره. وإذا عين الشارع مكانا أو زمانا للعبادة، كتعيين الكعبة وشهر رمضان، أو عين بعض الأقوال والأفعال، كتعيين القراءة في الصلاة، والركوع والسجود، بل وتعيين التكبير وأمّ القرآن، فإلحاق غير المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا تعيين الأشهر الحرم، وقالوا: المقصود أربعة أشهر من السنة، فقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: ٣٧] . وقياس الحلال بالنص على الحرام بالنص، من جنس قياس الذين قالوا:
стр. 2064
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] . وكذلك قياس «١» المشركين الذين قاسوا الميتة بالمذكّى وقالوا أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ قال تعالى وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١] . فهذه الأقيسة الفاسدة، وكل قياس دل النص على فساده فهو فاسد، وكل من ألحق منصوصا بمنصوص يخالف حكمه، فقياسه فاسد. وكل من سوّى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد. لكن من القياس ما يعلم صحته، ومنه ما يعلم فساده، ومنه ما لم يتبين أمره.
فمن أبطل القياس مطلقا فقوله باطل. ومن استدل بالقياس المخالف للشرع فقوله باطل.
ومن استدل بقياس لم يقم الدليل على صحته، فقد استدل بما لا يعلم صحته، بمنزلة من استدل برواية رجل مجهول لا يعلم عدالته، فالحجج الأثرية والنظرية تنقسم إلى ما يعلم صحته، وإلى ما يعلم فساده، وإلى ما هو موقوف حتى يقوم الدليل على أحدها. ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة، سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة، وهذا هو المراد من قول من قال: النصوص تتناول أفعال المكلفين. ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض، كقوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦] . واللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [الشورى:
١٧] ، فالكتاب هو النص، والميزان هو العدل، والقياس الصحيح من باب العدل، فإنه تسوية بين المتماثلين، وتفريق بين المختلفين. ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد. ولا يوجد نص يخالف قياسا صحيحا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح، ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية، أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة، فثبت أن كل واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ذكرناه من الأمثلة، فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر، كما يدل النص على ذلك، فإن الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء، وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، كما دل القرآن على هذا المعنى. وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة المسكرة، لا فرق في ذلك بين
стр. 2065
شراب وشراب، فالفرق بين الأنواع المشتركة من الجنس تفريق بين المتماثلين، وخروج عن موجب القياس الصحيح، كما هو خروج عن موجب النصوص. وهم معترفون بأن قولهم خلاف القياس، لكن يقولون: معنا آثار توافق، اتبعناها، ويقولون:
إن اسم الخمر لم يتناول كل مسكر. وغلطوا في فهم النص، وإن كانوا مجتهدين مثابين على اجتهادهم. ومعرفة عموم الأسماء الموجودة في النص وخصوصها، من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد قال تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [التوبة: ٩٧] والكلام في ترجيح نفاة القياس ومثبتيه يطول استقصاؤه ولا يحتمل المقام بسطه أكثر من هذا- والله أعلم- انتهى كلامه ﵀.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٣]
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)
قالَ تعالى لإبليس فَاهْبِطْ مِنْها أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي. وأكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الجنة، والإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها من الملكوت الأعلى- انتهى- وعليه اقتصر المهايمي حيث قال: فاهبط منها أي:
من رتبة الملكية إلى رتبة العناصر فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي: فما يصح ولا يستقيم، فإنها مكان المطيعين الخاشعين فَاخْرُجْ تأكيد للأمر بالهبوط، متفرّع على علته إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أي: من الأذلاء وأهل الهوان على الله تعالى وعلى أوليائه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٤]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
قالَ أَنْظِرْنِي أي: أمهلني ولا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي: آدم وذريته من القبور.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٥]
قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
قالَ أي: الله له إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ أي من المؤجلين إلى نفخة الصور
стр. 2066
الثانية. قال ابن كثير: أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع. ولا معقب لحكمه.
وقال الإمام أبو سعد المحسن بن كرامة الجشميّ اليمانيّ في تفسيره (التهذيب) : ومتى قيل: ما وجه سؤاله مع أنه مطرود وملعون؟ فجوابنا علمه بإحسانه تعالى إلى خلقه من أطاع ومن عصى، فلم يمنعه من السؤال ما ارتكب من المعصية.
ومتى قيل: هل خاطبه بهذا؟ قلنا: يحتمل ذاك، ويحتمل أنه أمر ملكا فخاطبه به.
ومتى قيل: هل يجوز إجابة دعاء الكافر؟ قلنا: فيه خلاف.
الأول: قيل لا، لأنه إكرام وتعظيم- عن أبي عليّ- ولذلك يقال: فلان مستجاب الدعوة، وإنظاره لا على سبيل إجابة دعائه، لأنه ملعون ولأنه لم يسأل على وجه الخضوع.
الثاني: يجوز إجابة دعائه استصلاحا له، لأنه تفضّل- عن أبي بكر أحمد بن عليّ- وليس بالوجه. ومتى قيل: إذا أنظر هل يكون إغراء بالمعصية؟ قلنا: لا، لأنه لم يعلم ما الوقت المعلوم، فلا يكون إغراء مع تجويزه هجوم الموت عليه، ولأنه تعالى لما أعلمه أنه يدخله النار، ولعنه- علم أنه لا يختار الإيمان أبدا. ومتى قيل: ما فائدة إنظاره؟ قلنا: لطف له، لأنه يمكنه من استدراك أمره. وهل يضل به أحد؟ قال أبو عليّ، لا، لقوله تعالى: ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [الصافات: ١٦٢] ، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [الصافات: ١٦٣] . ولأنه لو ضل به، لكان بقاؤه مفسدة، فكان الله تعالى لا ينظره. فأما أبو هاشم فيجوّز أن يضل به أحد، ويكون بمنزلة زيادة الشهوة، ويجوز أن يكون لطفا من وجوه: أحدها أن المكلف مع وسوسته إذا امتنع من القبيح، وكان ثوابه أكثر، ولأنه تعالى عرفنا عداوته، والعاقل يجتهد في أن يغيظ عدوّه ويغمّه، وذلك إنما يكون بطاعة ربه، ومن أطاعه فمن قبل نفسه أتى، لا من قبل ربه.
انتهى كلام الجشمي، وهو جار على أصول المعتزلة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٦]
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي أضللتني عن الهدى، أو حكمت بغوايتي. والباء للقسم، كما في قوله تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ص: ٨٢] . أي: فأقسم بإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنى لام التعليل، أي: لأجل إغوائك إياي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ أي:
стр. 2067
لآدم وبنيه ترصدا بهم، كما يقعد القطاع للطريق على السابلة صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: طريقك السويّ، وهو طريق الحق، ومعناه لا أفتر عن إفسادهم. وانتصابه على الظرفية أو على نزع الجارّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٧]
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي من جميع الجهات الأربع. مثّل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه، بإتيان العدوّ من الجهات الأربع التي يعتاد هجومه منها. ولذلك لم يذكر الفوق والتحت وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أي مستعملين لقواهم وجوارحهم، وما أنعم الله به عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات على طريق الظن، كقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] .
روى الإمام أحمد «١» عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول. قال: فعصاه فهاجر. قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهاد النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد. فقال رسول الله ﷺ : فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقّا على الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة» .
وقال الحافظ: ورد في الحديث استعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها،
فروى الإمام أحمد «٢» وأبو داود «٣» والنسائي «٤» وابن ماجة «٥» وابن حبان
стр. 2068
والحاكم عن عبد الله بن عمر قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي اللهم! إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم! احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» . ورواه البزار عن ابن عباس
فائدة:
قال الجشمي: تدل الآية أنه سأل الإنظار، وأنه تعالى أنظره، وقد بينا ما قيل فيه. وتدل على شدة عداوته لبني آدم وحرصه على إضلالهم. وتدل على أن أكثر بني آدم غير شاكرين. وتدل على أن الإضلال فعل إبليس، والقبول عنه فعلهم، لذلك أضافه إليهم، وذمّهم عليه، ولو كان خلقا له لما صح ذلك. - انتهى- والكلام في أمثالها معروف.
ثم أكد تعالى على إبليس اللعنة والطرد والإبعاد عن محل الملأ الأعلى، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٨]
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً بالهمزة في القراءة المشهورة، من (ذأمه) إذا حقره وذمه، وقرئ (مذوما) بذال مضمومة وواو ساكنة، وهي تحتمل أن تكون مخففة من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، وأن تكون من المعتلّ، وكان قياسه (مذيم) كمبيع. إلا أنه أبدلت الواو من الياء، على حدّ قولهم (مكول) في مكيل، و (مشوب) في مشيب. مَدْحُوراً مقصيّا مطرودا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اللام فيه، لتوطئة القسم. وجوابه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي: لمن أطاعك من الجن والإنس، لأملأن جهنم من كفاركم، كقوله تعالى: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [الإسراء: ٦٣] .
قال الجشميّ: وإنما قال ذلك لأنه لا يكون في جهنم إلا إبليس وحزبه من الشياطين، وكفار الإنس وفسّاقهم، الذين انقادوا له وتركوا أمر الله لأمره، فجمعهم في الخطاب. ومتى قيل: لم ضيّق جهنم ووسع الجنة؟ قلنا: لأن جهنم حبس، والجنة دار ملك. ومتى قيل: فما الفائدة في قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ قلنا: لطفا ليكون
стр. 2069
المكلف تبعا للأنبياء دون الشياطين، ولطفا لإبليس وحزبه، لأنه غاية في الزجر والنهي.
تنبيه:
قال الجشمي: تدل الآية على الوعيد لمن تبع إبليس، وأنه يملأ جهنم منهم، ولا بدّ فيه من شرط، وهو أن لا يتوب، أو لا يكون معه طاعة أعظم. وتدل على إذلال إبليس وطرده ولعنه بسبب عصيانه، تحذيرا عن مثل حاله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ١٩]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)
قوله تعالى: وَيا آدَمُ أي: وقلنا يا آدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ أي جنة الخلد، أو جنة في الأرض.
قال الجشمي: وقد تقدم ذكر هذه القصة، والفائدة في إعادتها أن القرآن نزل في بضع وعشرين سنة، والعوارض تعرض، والوفود تقدم، فكانت القصة تعاد، ليسمع من لم يسمع، استصلاحا ولطفا. لأن في إعادة قصة واحدة، في مواضع بألفاظ مختلفة، كل واحد منها في نهاية الحسن، من إعجاز القرآن. فَكُلا مِنْ حَيْثُ أي من كل مكان شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أي فتصير من الذين ظلموا أنفسهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠]
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: إبليس بأكل الشجرة مخيلا لهما النفع لِيُبْدِيَ لَهُما أي: يظهر لهما ما وُورِيَ أي: ستر عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي: عوراتهما، واللام في لِيُبْدِيَ إما للعاقبة، لأنه لم يعلم صدوره منهما، أي: فكان عاقبة وسوسته أن أظهر سوآتهما، أو للتعليل والغرض، وهو الأصل فيها، بناء على حدسه أو علمه بطريق ما.
стр. 2070
تنبيه:
في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه مستهجن في الطباع ولذلك سميت سوأة، لأنه يسوء صاحبها.
قال الحاكم: وقد استدل قوم بالآية على وجوب ستر العورة، وأنه كان في شريعة آدم ﵇. قال القاضي: لا دليل في الآية على الوجوب، لأنه ليس فيها إلا أنهما فعلا ذلك. قال الأصم: في الآية دليل على أنهما كرها التعرّي، وإن لم يكن لهما ثالث، ففي ذلك دليل على قبح التعرّي، وإن لم يكن مع المتعري أحد، إلا لحاجة.
وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا أي: إلّا كراهة أن تكونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ أي: من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
وقد استدل بهذا من رأى تفضيل الملائكة على الأنبياء، لارتكابهما ذلك طمعا في نيل ما ذكر. وأجاب، من لم ير هذا، باحتمال أن تكون هذه الواقعة قبل نبوة آدم.
ولئن كانت بعدها، فلعل آدم رغب في الملكية للقوة والشدة والقدرة، أو لخلقة الذات، بأن يصير جوهرا نورانيّا- أشار له الرازي- وقال الناصر: لا يلزم من اعتقاد إبليس لذلك ووسوسته بأن الملائكة أفضل، أن يكون الأمر كذلك في علمه تعالى. ألا ترى إبليس قد أخبر أن الله تعالى منعهما من الشجرة حتى لا يخلدا أو لا يكونا ملكين، وهو في ذلك كاذب مبطل فلا دليل فيه إذا، وليس في الآية ما يوجب تقرير الله تعالى لإبليس على ذلك، ولا تصديقه فيه، بل ختمت الآية بما يدل على أنه كذب لهما وغرّهما، إذ قال الله تعالى: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فلعل تفضيل الملائكة على النبوة من جملة غروره- انتهى-.
قال السيوطي في (الإكليل) : وأنا أقول: لا أزال أتعجب ممن أخذ يستدل من هذه الآية. والكلام الذي فيها، حكاه الله تعالى عن قول إبليس في معرض المناداة عليه بالكذب والغرور والزور والتدليس. وإنما يستدل من كلامه تعالى، أو من كلام حكاه عن بعض أنبيائه. وإن لم يكن ذلك، فكلام حكاه راضيا به مقرّا له- انتهى.
على أنه قرئ (ملكين) بكسر اللام، كان يقرؤها كذلك ابن عباس ويحيى بن أبي كثير. قال الواحديّ إنما أتاهما إبليس من جهة الملك. ويدل على هذا قوله تعالى هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: ١٢٠]- انتهى-.