← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ﵇. وما فيه من معنى البعد، للإشعار بعلوّ رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل. وقوله تعالى الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي بفنون النعم الدينية والدنيوية مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا أي هديناهم للحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة. مع ما لهم من علوّ الرتبة. وسموّ الزلفى عنده تعالى. وفي الآية استحباب السجود والبكاء عند سماع التلاوة. قال ابن كثير: أجمع العلماء على مشروعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعا لمنوالهم. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سورة مريم فسجد. وقال: هذا السجود فأين البكي. ولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره ذكر من نبذ دعوتهم ممن خلفهم، وما سينالهم، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٥٩] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وقرئ (الصلوات) بالجمع أي المتضمنة للسجود والأذكار، المستدعية للبكاء. وإذا أضاعوها، فهم لما سواها من الواجبات أضيع. لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ أي فأتوا بما ينافي البكاء والأمور المرضية من الأخلاق والأعمال، من الانهماك في المعاصي التي هي بريد الكفر فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي شرّا. قال الزمخشريّ: كل شر عند العرب غيّ، وكل خير رشاد. قال المرقش: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما أي من يفعل خيرا، يحمد الناس أمره. ومن يفعل الشر لا يعدم اللوائم على فعله. وقيل: أراد الشاعر بالخير المال. وبالغي الفقر أي ومن يفتقر. ومنه القائل: والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي. ولأمّ المخطئ الهبل أي الثكل. ويجوز أن يكون المعنى جزاء غيّ. كقوله تعالى: يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: ٦٨] ، أي شرّا وعقابا. فأطلق عليه كما أطلق الغيّ على مجازاته المسببة

стр. 3222

عنه، مجازا. أو غَيًّا ضلالا عن طريق الجنة. فهو بمعناه المشهور. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٠ الى ٦١] إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) إِلَّا مَنْ تابَ أي عن ترك الصلوات واتباع الشهوات وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ متعلق بمضمر العائد إلى الجنات. أو من (عباده) أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب. أي غائبة عنهم غير حاضرة. أو غائبين عنها لا يرونها، وإنما آمنوا بها بمجرد الأخبار. أو بمضمر هو سبب للوعد أي وعدها إياهم بسبب إيمانهم، أفاده أبو السعود إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أي لا يخلفه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٢ الى ٦٣] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً أي لا يسمعون فيها فضول كلام لا طائل تحته. وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها. قال الزمخشريّ ﵀: فيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه. حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. وما أحسن قوله سبحانه: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: ٧٢] ، وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص: ٥٥] ، نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا. ومعنى إِلَّا سَلاماً أي تسليما. تسليم الملائكة عليهم، أو بعضهم على بعض، على الاستثناء المنقطع كما قال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الواقعة: ٢٥- ٢٦] ، وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا وهم المتصفون بشعب الإيمان، المسرودة في مواضع شتى من آي القرآن. ولما قص سبحانه من أنباء الأنبياء ﵈ ما قص، مثبتا له، وعقبه بما أحدثه الخلف، وذكر جزاءهم- عقبه بحكاية نزول جبريل عليه

стр. 3223

السلام، ردّا لما زعمه المشركون من أنه كان يقلوه فلا يزوره، تسلية له ﷺ ، وإعلاما بأن الحال ليس على ما زعمه هؤلاء الخلف. فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٤] وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي ينسى شيئا ما، بل لا يفيض علما ولا ينزل ملكا إلا لحكمة يستعد لها الحال، أي فليس عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن لتركه تعالى لك وتوديعه إياك. وفي إعادة اسم (الرب) المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق، مضافا إلى ضميره ﵇، من تشريفه والإشعار بعلة الحكم، ما لا يخفى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٥] رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي من التوابع والنجيمات والسحب وغير ذلك. قال بعض علماء الفلك: الآية تدل على أن السموات أكثر من سبع. وأن ذكر السبع ليس للحصر كما قدمناه في البقرة، من أن السموات عني بها الكواكب، والأرض كوكب منها. قال أبو السعود: الآية بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى. فإن من بيده ملكوت السموات والأرض وما بينهما، كيف يتصور أن يحوم حول ساحة سبحاته الغفلة والنسيان. وهو خبر محذوف. أو بدل من (ربك) . فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي اثبت لها على الدوام. وقوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا أي مثلا وكفؤا، فتلتفت إليه وتقبل بوجهك نحوه، فيفيض عليك مطلوبك. والجملة تقرير لوجوب عبادته وحده. أي إذا صح أن لا مثل له، ولا يستحق العبادة غيره، لم يكن بدّ من التسليم لأمره، والقيام بعبادته، والاصطبار على مشاقّها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٦] وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أي يقول بطريق الإنكار والاستبعاد: أأخرج حيّا بعد ما لبثت في القبر مدة.

стр. 3224

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٧] أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً أي قبل جعله ترابا ونطفة. وكان عدما صرفا لا وجود له في الأعيان. فلا تبعد إعادته. قال أبو السعود: وفي الإظهار موضع الإضمار، زيادة التقرير بأن الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المنحية بالقلع عن القول المذكور. وهو السرّ في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان. أي ما أعجب الإنسان في إنكاره وعدم تذكره لما ذكر، وهو الذي أعطى العقل لينظر في العواقب، وأنعم عليه بخلق السموات والأرض وما بينهما، ليعرف المنعم فيشكره، ويعبده فيجازى على فعله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٨] فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ أي لنحشرن المنكرين للبعث مع الشياطين الذين أغووهم وأضلوهم عن الحق ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا جمع (جاث) . من (جثا) إذا قعد على ركبتيه. وذلك لهول المطلع. فلا يستطيعون قياما. كقوله تعالى وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [الجاثية: ٢٨] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٦٩] ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا أي لنخرجن إلى النار، من كل فرقة، الذي هو أشد على الرحمن، الذي رحمه بإنزال الكتاب وإرسال الرسول وتعريف مضار الشهوات بالعقل والنقل، عِتِيًّا أي جراءة بإيثار الشهوات على أمره وعدم مبالاته به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٠] ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا وهم المنتزعون. فإنهم أولى الشيع.

стр. 3225

إذ ضلوا وأضلوا، لأجل لذّات الدنيا وشهواتها. فصاروا أولى بالصليّ بها. فيخصّون بعذاب مضاعف. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧١] وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي ليس أحد منكم، من برّ وفاجر، إلا وهو يردها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا أي حكما جزما مقطوعا به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٢] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) ثُمَّ أي بعد الورود والإحضار للتعريف نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا أي لا يمكنهم التجاوز عنها. قال الزمخشريّ: فيه دليل على أن المراد بالورود، الجثوّ حواليها. وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة، بعد تجاثيهم. وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٣] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً أي موضعا ومكانا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا أي مجتمعا للقوم، والمعنى أن هؤلاء الكفرة إذا تليت عليهم آياته تعالى بينة الحجة واضحة البرهان على مقاصدها، أعرضوا وأخذوا يحتجون على فضل ما هم عليه بكونهم أوفر حظا من الدنيا، لكونهم أحسن منازل وأرفع دورا وأعمر ناديا وأكثر طارقا وواردا، أي فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم على الحق؟ كما قال تعالى مخبرا عنهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف: ١١] ، وقال قوم نوح أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] ، وقال تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. [الأنعام: ٥٣] .

стр. 3226

وكذلك رد عليهم شبهتهم بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٤] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً أي متاعا وَرِءْياً أي منظرا وهيئة، من عظم الجاه، فما أغنى عنهم من عذاب الله شيئا. كما قال تعالى عن قوم فرعون المغرقين كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [الدخان: ٢٥- ٢٦] ، ورِءْياً فعل بمعنى مفعول كالطّحن. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٥] قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا أي من كان مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور. وهم المذكورون قبل، ومن شاكلهم، فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ أي يمدّ له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال. وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير. كما ينبئ عنه قوله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: ٣٧] ، أو للاستدراج كما ينطق به قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آل عمران: ١٧٨] ، وقيل المراد به الدعاء بالمد والتنفيس والإمهال. أي فأمهله الله فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله، إما بعذاب يصيبه، وإما الساعة بغتة. وقد بيّن سبحانه غاية المد بقوله: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً أي فئة وأنصارا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٦] وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أي الأعمال التي تبقى

стр. 3227

فوائدها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا أي مرجعا. وتكرير (الخير) لمزيد الاعتناء ببيانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٧] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ أي في الآخرة مالًا وَوَلَداً أي انظر إلى هذا القائل المجترئ على الغيب، ما أكفره! القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٧٨] أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أي بذلك، لأنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٩ الى ٨٠] كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ أي نحفظه عليه للمؤاخذة به وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا بمضاعفته له، جزاء لاستهزائه وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي ننزع عنه ما آتيناه من مال وولد، فلا يبقيان له حتى يمكنها قطع العذاب عنه وَيَأْتِينا فَرْداً أي في الحشر، لا يصحبه مال ولا ولد. فما يجدي عليه تمنّيه وتألّيه. وقد روى البخاريّ «١» : عن خباب ﵁، قال: كنت قينا- حدّادا- في الجاهلية بمكة. فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال. فذرني حتى أموت، ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك. فنزلت الآية. قال ابن عباس: فضرب الله مثله في القرآن.

стр. 3228

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨١] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا أي ليتعززوا بهم، بأن يكونوا لهم وصلة إليه ، وشفعاء عنده. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٢] كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) كَلَّا أي ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أي ستجحد الآلهة استحقاقهم للعبادة وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا أي يريدون إهلاكهم، إذ أوقعوهم في هلاك دعوى الشرك، كما قال تعالى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف: ٥- ٦] . وقال تعالى: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ، فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ [النحل: ٨٦] ، قيل: المراد بالآلهة من عبد من ذوي العلم. لإطلاق ضمير العقلاء عليهم ونطقهم. وقيل: الأصنام. بأن يخلق الله فيهم قوة النطق، فيطلق عليهم ما يطلق على العقلاء. وقيل: الأعم منهما، وهو الأظهر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٣] أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ أي بأن سلّطناهم عليهم ومكّنّاهم من إضلالهم. أو قيضناهم لهم يغلبون عليهم تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تغريهم وتهيجهم على المعاصي، بالتسويلات وتحبيب الشهوات، تهيجا شديدا. قال الزمخشريّ: الأز والهز والاستفزاز أخوات. ومعناها التهييج وشدة الإزعاج والمراد تعجيب رسول الله ﷺ ، بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار، وأقاويلهم وملاحاتهم ومعاندتهم للرسل، واستهزاؤهم واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشك عنه، وانهماكهم لذلك في اتباع الشياطين وما تسوّل لهم. فهذه الآية كالتذييل لما قبلها وقوله تعالى:

стр. 3229

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٤] فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي بوقوع العذاب بهم لتطهر الأرض منهم. و (الفاء) للإشعار بكون ما قبلها مظنة لوقوع المنهيّ عنه، محوجة إلى النهي. يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه. وقوله تعالى: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا تعليل لموجب النهي، ببيان اقتراب هلاكهم. أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، ونحوه قوله تعالى: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [الأحقاف: ٣٥] . قال الشهاب: العدّ كناية عن القلة. وقلته لتقضّيه وفنائه، كما قال المأمون (ما كان ذا عدد، ليس له مدد، فما أسرع ما نفد) ولا ينافي هذا ما مرّ من أنه يمد لمن كان في الضلالة. أي يطوّل. لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم. وهو قليل باعتبار عاقبته وعند الله. ولله در القائل: إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بوّاب ولا حرس وكيف يفرح بالدنيا ولذّتها ... فتى يعدّ عليه اللفظ والنّفس القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٥] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً أي وافدين عليه. وأصل الوفود القدوم على العظماء للعطايا والاسترفاد. ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم، المزور والزائر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٦] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً أي عطاشا. وفي ذكرهم بالسّوق إشعار بإهانتهم واستخفافهم. كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. والورد: الذهاب إلى الماء، ويطلق على الذاهبين إليه. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٨٧] لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً الضمير لأصنامهم المتقدم

стр. 3230

ذكرها في قوله: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً [مريم: ٨١] ، ردّ على عابديهم في دعواهم أنهم شفعاؤهم عند الله. واتخاذ العهد هو الإيمان والعمل الصالح. أي لكن من آمن وعمل صالحا فإنه يشفع للعصاة على ما وعد الله تعالى. وجوز أن يكون (العهد) بمعنى الإذن والأمر. يقال: أخذت الإذن في كذا واتخذته بمعنى. من باب (عهد الأمير إلى فلان بكذا) إذا أمره به. أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة، المأذون له فيها. وتعضده مواضع في التنزيل وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم: ٢٦] ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] ، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩] ، ونحو هذه الآية قوله تعالى وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] ، ولما قرر تعالى في هذه السورة عبودية عيسى ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب، عطف عليه حكاية جنايتهم من دعوى النبوّة له، مهولا لأمرها. وكذا جناية أمثالهم من اليهود والعرب ممن يسمي بعض المخلوقات ابنا أو بنتا له، تعالى وتقدّس- عطف قصته على قصته بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٨٩] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أي عظيما منكرا. وفي رد مقالتهم وتهويل أمرها بطريق الالتفات، إشعار بشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع، والتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجراءة والجهل. ثم وصف شدة شأن مقولهم بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٠ الى ٩٣] تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشقّقن وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ أي لأن دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وذلك لغيرتها على المقام الربانيّ الأحديّ أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما

стр. 3231

تكون من الحيّ الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً أي مملوكا له يأوي إليه بالعبودية والذل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٤ الى ٩٥] لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي حصرهم وأحاط بهم إحاطة لا يخرج بها أحد عن حيطة علمه وقبضة قدرته وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً أي منفردا مجردا من الأتباع والأنصار، وعمن زعم أن له من الشفعاء. فإنهم منهم برآء. ولما فصل مساوئ الكفرة، تأثره بمحاسن البررة، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٩٦] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، من غير تعرض للأسباب التي تكسب الود. كذا قالوا في تأويله. وقال أبو مسلم: معناه أنه يهب لهم ما يحبون. قال: والود والمحبة سواء. آتيت فلانا محبته. وجعل لهم ما يحبون وجعلت له وده. ومن كلامهم: وددت لو كان كذا. أي أحببت. فمعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة. ثم قال أبو مسلم: وهذا القول الثاني أولى لوجوه: أحدها- كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين؟ وثانيها- أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاما في حق المؤمنين؟ وثالثها- أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم. فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. انتهى. وقد حاول الرازيّ التمويه في اختيار الأول والجواب عن الثاني. والحق أحق. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٩٧] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ أي سهلنا هذا القرآن بلغتك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، بالجنة وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا

стр. 3232

أي تخوف بهذا القرآن عذاب الله قومك من بني قريش. فإنهم أهل لدد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق (واللدد) شدة الخصومة. والباء في قوله بِلِسانِكَ بمعنى (على) . أي على لغتك. أو ضمّن (التيسير) معنى (الإنزال) أي يسرنا القرآن، منزلين له بلغتك، ليسهل تبليغه وفهمه وحفظه. قال الزمخشريّ: هذه خاتمة السورة ومقطعها. فكأنه قال: بلّغ هذا المنزل، أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه إلخ، أي فالفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم. وقال الرازيّ: بيّن به بهذا، عظيم موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد والنبوّة، والحشر والنشر، والرد على فرق المضلين المبطلين. وأنه يسّر ذلك لتبشير المتقين وإنذار من خالفهم، وقد ذكرهم بأبلغ وصف سيء وهو اللدد. لأن الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه. ثم إنه تعالى ختم هذه السورة بموعظة بليغة، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (١٩) : آية ٩٨] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي قوم لدّ، مثل هؤلاء، إهلاكا عظيما هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أي تشعر به وتراه أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي صوتا خفيّا. والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم وأوحشت منهم منازلهم. وكذلك هؤلاء صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يتداركوا بالتوبة.

стр. 3233

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة طه وهي مكية. وقيل: إلّا قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [طه: ١٣٠] الآية. وقوله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه: ١٣١] الآية، وآياتها مائة وخمس وثلاثون.

стр. 3234

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) طه قدمنا أن الحق في هذه الحروف التي افتتحت بها سورها، أنها أسماء لها. وفيه إشارة إلى أنها مؤلفة منها. ومع ذلك ففي عجزهم عن محاكاتها أبلغ آية على صدقها. ونبه الإمام ابن القيم ﵀ على نكتة أخرى في (الكافية الشافية) بقوله: وانظر إلى السور التي افتتحت بأح ... رفها ترى سرّا عظيم الشان لم يأت قط بسورة إلا أتى ... في إثرها خبر عن القرآن إذ كان إخبارا به عنها. وفي ... هذا الشفاء لطالب الإيمان ويدل أن كلامه هو نفسها ... لا غيرها، والحق ذو تبيان فانظر إلى مبدأ الكتاب وبعدها ال ... أعراف ثم كذا إلى لقمان مع تلوها أيضا ومع حم مع ... يس وافهم مقتضى الفرقان ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى أي لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا و (الشقاء) في معنى التعب. ومنه المثل: أشقى من رائض مهر. وقوله تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى أي تذكيرا له. أي ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لتتعب بتبليغه، ولكن تذكرة لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار. والقصد أنه ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة. وقد جرت السنة الإلهية في خطاب الرسول في مواضع من التنزيل، أن ينهاه عن الحزن عليهم وضيق الصدر بهم، كقوله تعالى: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ [الأعراف: ٢] ، فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [الكهف: ٦] ، وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران: ١٧٦] ، وهذه الآية من هذا الباب أيضا.

стр. 3235

وفي ذلك كله من تكريم الرسول صلوات الله عليه، وحسن العناية به والرأفة، ما لا يخفى. ثم أشار إلى تضخيم شأن هذا المنزل الكريم، لنسبته إلى المتفرد بصفاته وأفعاله، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤ الى ٥] تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى الرَّحْمنُ قرئ بالرفع على المدح. أي هو الرحمن. وبالجر على أنه صفة للموصول. وقوله عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أي علا وارتفع. قاله ابن جرير. وقد ذهب الخلف إلى جعل ذلك مجازا عن الملك والسلطان. كقولهم (استوى فلان على سرير الملك) وإن لم يقعد على السرير أصلا. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا. قال ابن كثير: والمسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، من إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. وقد أسلفنا ما حققته أئمة الفلك الحديث من أن العرش جرم حقيقيّ موجود. وأنه مركز العوالم كلها. أي مركز الجذب والتدبير والتأثير والنظام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٦] لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى. بيان لشمول قهره وملكته للكل. أي كلها تحت ملكته وقهره وسلطنته وتأثيره. لا توجد ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتغير ولا تثبت إلا بأمره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧] وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى. بيان لكمال لطفه. أي علمه نافذ في الكل. يعلم ظواهرها وبواطنها والسر وسر السر. فكذلك إن تجهر وإن تخفت، فيعلمه بجهر وخفت.

стр. 3236

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) اللَّهُ أي ذلك المنزل الموصوف بهذه الصفات هو الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي الفضلى، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٠] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى من عطف القصة أو استئناف. والقصد تقرير أمر التوحيد الذي انتهى إليه الآية قبله، ببيان أنه دعوى كل نبيّ لا سيما أشهرهم نبأ، وهو موسى ﵇. فقد خوطب بقوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤] وبه ختم تعالى نبأه في هذه السورة بقوله: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [طه: ٩٨] ، أو تقرير لسعة علمه المبين في قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ [طه: ٩٨] ، أو تقرير لسعة علمه المبين في قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ [طه: ٧] إلخ لقوله بعد وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [طه: ٩٨] ، أو لهما معا. أو لحمله، صلوات الله عليه، على التأسي بموسى في الصبر والثبات. لكونه ابتلي بأعظم من هذا فصبر، وكانت العاقبة له. وقد أشير في طليعة نبأ موسى ﵇، إلى كيفية ابتداء الوحي إليه، وتكليمه تعالى إياه. وذلك بعد أن قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم. وصار بأهله قاصدا بلاد مصر، بعد ما طالت غيبته عنها ومعه زوجته. فأضلّ الطريق. وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء. وبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا، كما قصه تعالى بقوله: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً أي أبصرتها إبصارا بيّنا لا شبهة فيه لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أي بشعلة مقتبسة تصطلون بها: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي هاديا يدلني على الطريق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١ الى ١٢] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) فَلَمَّا أَتاها أي النار نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ

стр. 3237

الْمُقَدَّسِ طُوىً أي فيجب فيه رعاية الأدب، بتعظيمه واحترامه لتجلي الحق فيه، كما يراعى أدب القيام عند الملوك (وطوى) اسم للوادي. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣ الى ١٥] وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي اصطفيتك للنبوة فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى أي للذي يوحي. أو للوحي. ثم بينه بقوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي أي خصني بالعبادة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي لتذكرني فيها بقلبك ولسانك وسائر جوارحك، بأن تجعل حركاتها دالة على ما في القلب واللسان. قال أبو السعود: خصت الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر بالعبادة، لفضلها وإنافتها على سائر العبادات، بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وذلك قوله تعالى لِذِكْرِي أي لتذكرني. فإن ذكري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة. أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار. أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي. لا ترائي بها، ولا تقصد بها غرضا آخر. أو لتكون ذاكرا لي، غير ناس. انتهى. ثم أشار إلى وجوب إفراده بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره، بقوله إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي واقعة لا محالة أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي بسعيها عن اختيار منها. واللام متعلقة ب (آتية) . ولما كان خفاء الساعة من اليقينيات وفي (كاد) معنى القرب من ذلك، لعدم وضعها للجزم بالفعل، تأولوا الآية على وجوه: أحدها- أن (كاد) منه تعالى واجب. والمعنى أنا أخفيها عن الخلق. كقوله عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً [الإسراء: ٥١] ، أي هو قريب. ثانيها- قال أبو مسلم: (أكاد) بمعنى أريد كقوله: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦] . ومن أمثالهم المتداولة (لا أفعل ذلك ولا أكاد) أي ولا أريد أن أفعله. قال الشهاب: تفسير (أكاد) ب (أريد) هو أحد معانيها. كما نقله ابن جني في (المحتسب) عن الأخفش. واستدلوا عليه بقوله. كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى

стр. 3238

بمعنى أرادت. لقوله (تلك خير إرادة) . ثالثها- أن (أكاد) صلة في الكلام. قال زيد الخيل. سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكاد قرنه يتنفّس رابعها- أن المعنى أكاد أخفيها فلا أذكرها إجمالا ولا أقول هي آتية. وذلك لفرط إرادته تعالى إخفاءها. إلا أن في إجمال ذكرها حكمة، وهي اللطف بالمؤمنين، لحثهم على الأعمال الصالحة، وقطع أعذار غيرهم حتى لا يعتذروا بعدم العلم. وثمة وجوه أخر لا تخلو من تكلف، وإن اتسع اللفظ لها. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ١٦] فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها أي عن تصديق الساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي ما تهواه نفسه من الشهوات وترك النظر والاستدلال. فَتَرْدى أي فتهلك. قال الزمخشريّ: يعني أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير. إذ لا شيء أطمّ على الكفرة، ولا هم أشد له نكيرا من البعث. فلا يهولنك وفور دهمائهم، ولا عظم سوادهم. ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك. واعلم أنهم، وإن كثروا تلك الكثرة، فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه. لا البرهان وتدابره. وفي هذا حث عظيم على العلم بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ١٨] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى شروع فيما سيؤتيه تعالى من البرهان الباهر. وفي الاستفهام إيقاظ له وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب الصنع قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أي أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي أخبط بها الورق وأسقطه عليها لتأكله وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى أي حاجات أخر.

стр. 3239

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٩ الى ٢١] قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى أي هيئتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تنتفع من قبل. أي ليس القصد تخويفك، بل إظهار ما فيها من استعداد قبول الحياة، ومشاهدة معجزة وبرهان لك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ أي إبطك تَخْرُجْ بَيْضاءَ أي نيّرة مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي قبيح وعيب كبياض البرص مما ينفر عنه. واعتمد الزمخشريّ أن قوله تعالى مِنْ غَيْرِ سُوءٍ كناية عن البرص. كما كني عن العورة بالسوأة، قال: والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة. وأسماعهم لاسمه مجّاجة. فكان جديرا بأن يكنى عنه. ولا ترى أحسن ولا ألطف ولا أحرّ للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه. انتهى. آيَةً أُخْرى أي معجزة أخرى غير العصا لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى متعلق بمضمر ينساق إليه النظم الكريم. أي أريناك ما أريناك الآن، مع أن حقهما أن يظهرا بعد التحدي والمناظرة، لنريك أولا بعض آياتنا الكبرى، فيقوى قلبك على مناظرة الطغاة. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٢٤] اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ تخلص إلى ما هو المقصود من تمهيد المقدمات السالفة. فصل عما قبله من الأوامر إيذانا بأصالته. أي اذهب إليه بما رأيته من الآيات الكبرى، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: إِنَّهُ طَغى أي جاوز الحد في التكبّر والعتوّ، حتى تجاسر على

стр. 3240

العظيمة التي هي دعوى الربوبية. فلا بد من تنبيهه على طغيانه بالدلائل العقلية، التي صدقتها المعجزات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي إنما سأل ذلك، لما كان يتخوفه من آل فرعون في القتيل. ولما بعث به من صدع جبار عنيد، أطغى الملوك وأبلغهم تمردا وكفرا، مما يحوج إلى عناية ربانية. وسأل أن يمدّ بمنطق فصيح، لما في لسانه من عقدة كانت تمنعه من كثير من الكلام كما قال وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً [القصص: ٣٤] ، وقول فرعون وَلا يَكادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢] ، ثم سأل ﵇ ربه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له ردءا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٩ الى ٣١] وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي أي قوّ به ظهري. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٢ الى ٣٥] وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً أي كي نتعاون على تسبيحك وذكرك. لأن التعاون- لأنه مهيج الرغبات- يتزايد به الخير ويتكاثر إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً أي عالما بأحوالنا، وبأن المدعوّ به مما يفيدنا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى أي أجيب دعاؤك. وقوله تعالى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله، وزيادة توطين نفس موسى ﵇ بالقبول، ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعم التامة من غير سابقة

стр. 3241

دعاء منه وطلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع، أولى وأحرى. وتصديره بالقسم، لكمال الاعتناء بذلك. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: مَرَّةً أُخْرى أي في وقت آخر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ أَوْحَيْنا أي ألقينا بطريق الإلهام إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ أي الصندوق فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ أي البحر، متوكلة على خالقه فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي لدعواه الألوهية وَعَدُوٌّ لَهُ لدعوته إلى نبذ ما يدعيه. قال الزمخشريّ: لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته- أن لا تخطئ جرية اليم، الوصول به إلى الساحل، وإلقاءه إليه- سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك، ليطيع الأمر ويمتثل رسمه. فقيل: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي على سبيل الاستعارة بالكناية. بتشبيه اليم بمأمور منقاد. وإثبات الأمر تخييل، وقوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي: واقعة مني، زرعتها في قلب من يراك. ولذلك أحبك فرعون وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى بيد العدوّ على نظري بالحفظ والعناية. ف (على عيني) استعارة تمثيلية للحفظ والصون، لأن المصون يجعل بمرأى. قيل: و (على) بمعنى الباء لأنه بمعنى بمرأى مني، في الأصل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٤٠] إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي يضمن حضانته ورضاعته. فقبلوا قولها. وذلك لأنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع فأباها كما قال تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [القصص: ١٢] ، فجاءت أخته فقالت هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ [القصص: ١٢] ،

стр. 3242

فجاءت بأمه كما قال فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ أي مع كونك بيد العدوّ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها أي برؤيتك وَلا تَحْزَنَ أي بفراقك. فهذه منن زائدة على النجاة من القتل. ثم أشار إلى ما منّ عليه بالنجاة من القتل الذي لا يدفع بتلبيس، بقوله وَقَتَلْتَ نَفْساً أي من آل فرعون، وهو القبطيّ الذي استغاثه عليه الإسرائيليّ، إذ وكزه موسى فقضى عليه. أي: فاغتممت للقصاص فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي غم القتل بأن صرفنا عنك ما تخشاه. وذلك أنه ﵇ فرّ من آل فرعون حتى ورد ماء مدين. وقال له ذلك الرجل الصالح لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥] ، وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي ابتليناك ابتلاء. على أن (الفتون) مصدر كالشكور، أو ضروبا من الفتن على أنه جمع (فتنة) أي فجعلنا لك فرجا ومخرجا منها. وهو إجمال لما سبق ذكره. فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي معزز الجانب مكفيّ المؤونة في عشرة أتقى رجل منهم وأصلحهم، وهو نبيّهم ﵇ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى أي بعد أن قضيت الأجل المضروب بينك وبين شعيب من الإجارة، جئت بأهلك على وفق ما سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك في وقت يعينه قد وقّته لذلك. فما جئت إلا على ذلك القدر، غير مستقدم ولا مستأخر. فالأمر له تعالى. وهو المسيّر عباده وخلقه فيما يشاء. قال أبو السعود: وقوله تعالى يا مُوسى تشريف له ﵊، وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولا. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي تذكير لقوله تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ وتمهيد لإرساله ﵇ إلى فرعون مؤيدا بأخيه و (الاصطناع) افتعال من (الصنع) بمعنى الصنيعة. يقال: اصطنع الأمير فلانا لنفسه، أي جعله محلّا لإكرامه باختياره وتقريبه منه، بجعله من خواص نفسه وندمائه، فاستعير استعارة تمثيلية من ذلك المعنى المشبه به إلى المشبه. وهو جعله نبيّا مكرما كليما منعما عليه بجلائل النعم. قال أبو السعود: والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ ونظيريه السابقين، تمهيد لإفراد لفظ (النفس) اللائق بالمقام، فإنه أدخل في تحقيق معنى

стр. 3243

(الاصطناع) و (الاستخلاص) . ثم بيّن ما هو المقصود ب (الاصطناع) بقوله سبحانه اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي أي بمعجزاتي. كالعصا وبياض اليد وحل العقدة، مع ما استظهره على يده وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي أي لا تفترا ولا تقصّرا في ذكري بما يليق بي من النعوت الجليلة، عند تبليغ رسالتي والدعاء إليّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٣ الى ٤٤] اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي عقابي. فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. وقد بيّن ذلك في قوله تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [النازعات: ١٨- ١٩] ، وبمثل ذلك أمر نبينا صلوات الله عليه في قوله: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] ، وظاهر أن الرجاء في (لعله) إنما هو منهما، لا من الله. فإنه لا يصح منه. ولذا قال القاضي: أي باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما. فإن الراجي، مجتهد والآيس متكلف. والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد- مع علمه بأنه لا يؤمن- إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يبادرنا بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى أي يزداد طغيانا بالعناد، في دفع حججنا، ثم يأمر بقتلنا، أو بالتخطي إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لجرأته وقسوة قلبه. واقتصر على الثاني الزمخشريّ. وأفاد أن في المجيء به هكذا على الإطلاق، وعلى سبيل الرمز، بابا من حسن الأدب، وتحاشيا عن التفوه بالعظيمة: قالَ لا تَخافا أي من فرطه وطغيانه إِنَّنِي مَعَكُما أي بالحفظ والنصرة أَسْمَعُ وَأَرى أي ما يجري بينكما وبينه. فأرعاكما بالحفظ. فالمفعول محذوف للقرينة، أو نزل منزلة اللازم تتميما لما يستقبل به الحفظ. كأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر، سامع وبصير. وإذا كان الحافظ كذلك، تمّ الحفظ والتأييد، وذهبت المبالاة بالعدوّ.

стр. 3244

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٤٧] فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي بإطلاقهم من الأسر والعبودية. وتسريحهم معنا إلى وطننا فلسطين وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي بإبقائهم على ما هم عليه من التسخير والتذليل في الأمور الشاقة قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ أي تحقق رسالتي إليك منه تعالى بذلك وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى أي فصدق بآيات الله المبينة للحق. وفيه من ترغيبه في اتباعهما، على ألطف وجه، ما لا يخفى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٤٨] إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أي من ربنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أي بآياته تعالى وَتَوَلَّى أي أعرض عنها. وفيه من التلطيف في الوعيد، حيث لم يصرح بحلول العذاب به، ما لا مزيد عليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٩ الى ٥٠] قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ أي فرعون فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي منح كل شيء من الأنفس البشرية، صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، فسواه بها وعدّله، ثم هداه بأن وهبه العقل الذي يميز بين الخير والشر. وهذه الآية في معناها كآية وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [الشمس: ٧- ٨] وآية، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥١ الى ٥٢] قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) قالَ أي فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى أي ما حال القرون السالفة وما جرى عليهم؟ وهذا السؤال إما لصرف موسى ﵇ عما يدعوه إليه أمام ملئه، وإشغاله بما لا يعني ما أرسل به، وإما

стр. 3245

لتوهم أن الرسول يعلم الغيب، فأراد أن يقف على نبأ ما مضى، ويفتح بابا للتخطئة والتكذيب، بالعناد واللجاج. فأجابه موسى ﵇ بأن هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر الله به. فلا يعلمه إلا هو. وليس من وظيفة الرسالة. وإنما علمها مكتوب في اللوح المحفوظ، محصى غير منسي. ويجوز أن يكون فِي كِتابٍ تمثيلا لتمكنه وتقريره في علم الله ، بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة. قال في العناية: فيشبه علمه تعالى بها علما ثابتا لا يتغير، بمن علم شيئا وكتبه في جريدته، حتى لا يذهب أصلا، فيكون قوله لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ترشيحا للتمثيل، واحتراسا أيضا. لأن من يفعل ذلك إنما يفعله لخوف النسيان. والله تعالى منزه عنه. ف (الكتاب) على هذا بمعناه اللغويّ. وهو الدفتر، لا اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٥٣] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي فراشا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى أي أصنافا من نبات مختلفة الأجناس، في الطعم والرائحة والشكل والنفع. لطيفة: جعل الزمخشري قوله تعالى: فَأَخْرَجْنا من باب الالتفات. وناقشه الناصر بأن الالتفات إنما يكون في كلام المتكلم الواحد. يصرّف كلامه على وجوه شتى. وما نحن فيه ليس كذلك. فإن الله تعالى حكى عن موسى ﵇ قوله لفرعون عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ثم قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً إلى قوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى فإما أن يجعل من قول موسى، فيكون باب قول خواص الملك (أمرنا وعمرنا) وإنما يريدون الملك، وليس هذا بالتفات. وإما أن يكون كلام موسى قد انتهى عند قوله: وَلا يَنْسى ثم ابتدأ الله تعالى وصف ذاته بصفات إنعامه على خلقه، فليس التفاتا أيضا. وإنما هو انتقال من حكاية إلى إنشاء خطاب. وعلى هذا التأويل ينبغي للقارئ أن يقف وقيفة عند قوله وَلا يَنْسى ليستقر بانتهاء الحكاية. ويحتمل وجها آخر وهو أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفات على لفظ الغيبة. فقال الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً

стр. 3246

وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى فلما حكاه الله تعالى عنه، أسند الضمير إلى ذاته. لأن الحاكي هو المحكي في كلام موسى. فمرجع الضميرين واحد. وهذا الوجه وجه حسن رقيق الحاشية. وهذا أقرب الوجوه إلى الالتفات. لكن الزمخشريّ لم يعنه. والله أعلم. انتهى كلام الناصر. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٤ الى ٥٥] كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ حال من ضمير (فأخرجنا) على إرادة القول إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ أي خلقنا أصلكم وهو آدم. أو خلقنا أبدانكم من النطفة المتولدة عن الأغذية، والمتولدة من الأرض بوسائط وَفِيها نُعِيدُكُمْ أي بالإماتة إعادة البذر إلى الأرض وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى أي بردّهم كما كانوا، أحياء. ثم أشار تعالى إلى عتوّ فرعون وعناده، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها أي من العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين فَكَذَّبَ وَأَبى قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً أي مستويا واضحا يجمعنا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٩ الى ٦٠] قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وهو يوم مشتهر عندهم باجتماع الناس فيه وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى أي ضحوة النهار ليكون الأمر مكشوفا لا سترة فيه فَتَوَلَّى

стр. 3247

فِرْعَوْنُ أي انصرف عن المجلس فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي ما يكيد به موسى، من السحرة وأدواتهم ثُمَّ أَتى أي الموعد ومعه ما جمعه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٦١ الى ٦٣] قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) قالَ لَهُمْ مُوسى أي مقدما لهم النصح والإنذار، لينقطع عذرهم وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم، إيجاد أشياء لا حقائق لها، وأنها مخلوقة وليست مخلوقة. فتكونوا قد كذبتم على الله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ أي يستأصلكم بِعَذابٍ أي هائل لغضبه عليكم وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى قالُوا أي بطريق التناجي والإسرار إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى أي بمذهبكم الأفضل. وهو ما كانوا عليه. يعنون أن قصد موسى وهارون هو عزل فرعون عن ملكه، يجعله عبدا لغيره، واستقرارهما في مكانه، وجعل قومهما مكانكم. وإلجائكم إلى مبارحة أرضكم، وإبطال طريقتكم بسحرهما الذي يريدان إعجازكم به. والْمُثْلى تأنيث الأمثل، بمعنى الأفضل. ودعواهم ذلك، لأن كل حزب بما لديهم فرحون. لطيفة: في قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قراءات: الأولى- (إن هذين لساحران) بتشديد النون من (إنّ) و (هذين) بالياء وهي قراءة أبي عمرو، وهي جارية على السّنن المشهور في عمل (إنّ) . الثانية- إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتخفيف (إنّ) وإهمالها عن العمل، كما هو الأكثر فيها إذا خففت. وما بعدها مرفوع بالابتداء والخبر. واللام لام الابتداء فرقا بينها وبين النافية. ويرى الكوفيون أن اللام هذه بمعنى (إلّا) و (إن) قبلها نافية، واستدلوا على مجيء اللام للاستثناء بقوله: أمس أبان ذليلا بعد عزّته ... وما أبان لمن أعلاج سودان والثالثة- إِنْ هذانِ لَساحِرانِ بتشديد (إنّ) و (هذان) بالألف. وخرّجت على أوجه:

стр. 3248

أحدها- موافقة لغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث. وهم بنو الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة وآخرون. قال قائلهم: تزوّد منّا بين أذناه طعنة وقال آخر: إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها ثانيها- إنّ (إنّ) بمعنى (نعم) حكاه المبرد. واستدل بقول الراجز: يا عمر الخير جزيت الجنّه ... اكس بنيّاني وأمّهنّه وقل لهنّ: إنّ أنّ إنّه ... أقسم بالله لتفعلنّه وقول عبد الله بن قيس الرّقيّات: ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه وردّ على المبرد أبو علي الفارسي، بأنه لم يتقدم ما يجاب ب (نعم) وأجاب الشمنّي، بأن التنازع فيما بينهم، وإسرار النجوى، يتضمن استخبار بعضهم من بعض. فهو جواب للاستخبار الضمنيّ. ولا يخفى بعده. فإن إسرار النجوى فيما بينهم ليس في الاستخبار عن كونهما ساحرين، بل هم جزموا بالسحر فقالوا: أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ [طه: ٥٧] ، ثم أسروا النجوى فيما يغلبان به موسى. إلا أن يقال: محطّ الجواب قوله: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ إلخ، وما قبله توطئة. وقد رد في (المغني) هذا التخريج بأن مجيء (نعم) شاذ حتى نفاه بعضهم. ومنعه الدمامينيّ بأن سيبويه والحذّاق حكوه عن الفصحاء. وعليه، فاللام في لَساحِرانِ لام الابتداء، لحقت للخبر. وأبى البصريون دخولها على الخبر. وزعموا أنها في مثله داخلة على مبتدأ محذوف، أو زائدة، أو دخلت مع (إن) التي بمعنى (نعم) لشبهها بالمؤكدة لفظا. وأقول: فيه تكلف. والشواهد على اقتران الخبر باللام كثيرة. وثالثها- أنه لما كان الإعراب لا يظهر في الواحد، وهو (هذا) جعل كذلك في التثنية، ليكون المثنى كالمفرد. لأنه فرع عليه. واختار هذا القول الإمام العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، وزعم أن بناء المثنى، إذا كان مفردة مبنيّا، أفصح من إعرابه. قال: وقد تفطن لذلك غير واحد من حذاق النحاة. ثم اعترض بأمرين:

стр. 3249

أحدهما- أن السبعة أجمعوا على الياء في قوله تعالى: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [القصص: ٢٧] ، مع أن هاتين تثنية (هاتا) وهو مبني. والثاني- أن (الذي) مبني وقد قالوا في تثنيته (اللّذين) في الجر والنصب. وهي لغة القرآن، كقوله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا [فصلت: ٢٩] ، وأجاب الأول بأنه إنما جاء (هاتين) بالياء على لغة الإعراب لمناسبة (ابنتيّ) قال: فالإعراب هنا أفصح من البناء، لأجل المناسبة. كما أن البناء في إِنْ هذانِ لَساحِرانِ أفصح من الإعراب لمناسبة الألف في (هذان) للألف في (ساحران) . وأجاب عن الثاني بالفرق بين (اللذان) و (هذان) بأن (اللّذان) تثنية اسم ثلاثي، فهو شبيه (بالزيدان) و (هذان) تثنية اسم على حرفين. فهو عريق في البناء لشبهه بالحروف. قال ﵀: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ (إنّ هذان) لحن وإن عثمان ﵁ قال (إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها) وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه. أحدها- إن الصحابة كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرّون اللحن في القرآن، مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟. والثاني- أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا يستقبحون بقاءه في الصحف؟. والثالث- أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم. لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي. والرابع- أنه قد ثبت في الصحيح أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب (التابوت) بالهاء على لغة الأنصار، فمنعوه من ذلك ورفعوه إلى عثمان ﵃. فأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش. ولما بلغ عمر ﵁ أن ابن مسعود ﵁ قرأ: عتّى حين، على لغة هذيل، أنكر ذلك عليه وقال: أقرئ الناس بلغة قريش. فإن الله تعالى إنما أنزله بلغتهم، ولم ينزله بلغة هذيل. انتهى كلام تقي الدين مخلصا. هذا حاصل ما في (المغني) و (الشذور) و (حواشيهما) وفي الآية وجوه أخرى استقصتها المطولات. وما ذكرناه أرقها. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٦٤] فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ تصريح بالمطلوب، إثر تمهيد المقدمات. والفاء فصيحة.

стр. 3250

أي إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين، يريدان بكم ما ذكر من الإخراج، والإذهاب، فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي مصطفين، ليكون أهيب في صدور الرائين وَقَدْ أَفْلَحَ أي فاز بالإنعامات العظيمة من فرعون وملئه الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى أي علا وغلب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٦] قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ أي التي ألقوها يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي حيّات تسعى على بطونها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٧ الى ٦٩] فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأَوْجَسَ أي أحس فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى وذلك لما جبل عليه الإنسان من النفرة من الحيات. أو خاف من توهم الخلق المعارضة، بأن لهم من حبالهم وعصيهم حيات. كما أن له من عصاه حيّة قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا أي تلتقطه بفمها إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ في مقابلة آية ربانية وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى أي لا يفوز بمطلوبه، أيّ مكان جاء لدفع الحق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٠ الى ٧١] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا فألقي السّحرة سجّدا، تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية ربانية قالُوا آمَنَّا

стр. 3251

بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ أي فرعون آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي فاتفقتم معه ليكون لكم الملك فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من جانبين متخالفين وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي التي هي أقوى الأخشاب وأخشنها وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى يعني أنكم إنما آمنتم برب موسى خوفا من شدة عذابه. أو من تخليده في العذاب وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى فإن رب موسى لم يقطع من أحد يده ورجله من خلاف، ولم يصلبه في جذوع النخل، ولم يبقه مصلوبا، قاله المهايميّ. وضعّفه الزمخشري بأن فرعون يريد نفسه وموسى ﵇، بدليل قوله: آمَنْتُمْ لَهُ أي لموسى. واللام مع الإيمان، في كتاب الله، لغير الله تعالى كقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وقصده إظهار اقتداره وبطشه، وما ضرى به من تعذيب الناس بأنواع العذاب. وتوضيع موسى ﵇ واستضعافه مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٢] قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ أي نختارك بالإيمان والاتباع عَلى ما جاءَنا أي من الله على يد موسى مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا أي وعلى الذي خلقنا. واختيار هذا الوصف للإشعار بعلة الحكم. فإن خالقيته تعالى لهم، وكون فرعون من جملة مخلوقاته، مما يوجب عدم إيثارهم له عليه، . وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون بقوله آمَنْتُمْ لَهُ وقيل هو قسم محذوف الجواب فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي اصنع ما أنت صانعه. وهذا جواب عن تهديده بقوله فَلَأُقَطِّعَنَّ إلخ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا أي فيها وهي لا بقاء لها، ولا سلطان لك بعدها. وإنما البغية الآخرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٣] إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى أي ثوابا.

стр. 3252

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٤] إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها أي فينقضي عذابه وَلا يَحْيى أي حياة طيبة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٥] وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى أي المنازل الرفيعة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٦] جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي تطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة. لطائف: من (الكشاف) و (حواشيه للناصر) . الأولى- في تخيير السحرة بين إلقاء موسى وإلقائهم، استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح. وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم. وكأن الله عزّ وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى- صلوات الله عليه- اختيار إلقائهم، أوّلا، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويستنفدوا أقصى طرقهم ومجهودهم. فإذا فعلوا أظهر الله سلطانه، وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين. وعبرة بينة للمعتبرين. وقبل ذلك تأدبوا معه بقولهم فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ ففوضوا ضرب الموعد إليه، وكما ألهم الله موسى ها هنا، أن يجعلهم مبتدئين بما معهم، ليكون إلقاؤه العصا، بعد، قذفا بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، كذلك ألهمه من الأول، أن يجعل موعدهم يوم زينتهم وعيدهم، ليكون الحق أبلج على رؤوس الأشهاد، فيكون أفضح لكيدهم وأهتك لستر حرمهم.

стр. 3253

الثانية- جوز في إيثار قوله تعالى: ما فِي يَمِينِكَ على (عصاك) وجهان: أحدهما- أن يكون تعظيما لها. أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة. فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها. وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده. فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وثانيهما- أن يكون تصغيرا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم. وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك. فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وإنما المقصود بتحقيرها في جنب القدرة، تحقير كيد السحرة بطريق الأولى. لأنها إذا كانت أعظم منّة وهي حقيرة في جانب قدرة الله تعالى، فما الظن بكيدهم وقد تلقفته هذه الحقيرة الضئيلة؟. ولأصحاب البلاغة طريق في علوّ المدح بتعظيم جيش عدوّ الممدوح، ليلزم من ذلك تعظيم جيش الممدوح وقد قهره واستولى عليه. فصغر الله أمر العصا، ليلزم منه كيد السحرة الداحض بها في طرفة عين. واعلم أنه لا بد من نكتة تناسب الأمرين- التعظيم والتحقير- وتلك، والله أعلم، هي إرادة المذكور مبهما، لأن ما فِي يَمِينِكَ أبهم من (عصاك) وللعرب مذهب في التنكير والإبهام، والإجمال، تسلكه مرة لتحقير شأن ما أبهمته، وأنه عند الناطق به أهون من أن يخصه ويوضحه. ومره لتعظيم شأنه، وليؤذن أنه من عناية المتكلم والسامع بمكان، يغني في الرمز والإشارة. فهذا هو الوجه في إسعاده بهما جميعا. ثم قال الناصر: وعندي في الآية وجه سوى قصد التعظيم والتحقير. والله أعلم. وهو أن موسى ﵇، أول ما علم أن العصا آية من الله تعالى، عند ما سأله عنها بقوله تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ثم أظهر له تعالى آيتها، فلما دخل وقت الحاجة إلى ظهور الآية منها، قال تعالى: وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قال الله تعالى له: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ وقد أظهر له آيتها، فيكون ذلك تنبيها له وتأنيسا، حيث خوطب بما عهد أن يخاطب به وقت ظهور آيتها. وذلك مقام يناسب التأنيس والتثبيت. ألا ترى إلى قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى؟ انتهى. ولأبي حيان نكتة أخرى. وهي ما في اليمين من الإشعار باليمن والبركة. ولا يقال جاء في سورة الأعراف أَلْقِ عَصاكَ والقصة واحدة. لأنه يجاب بأنه مانع من

стр. 3254

رعاية هذه النكتة فيما وقع هنا، وحكاية ما جاء بالمعنى. هذا وقال الشهاب الخفاجي: فيما ذكروه نظر لأنه إنما يتم إذا كان الخطاب بلفظ عربي أو مرادف له، يجري فيه ما يجري فيه. والأول خلاف الواقع. والثاني دونه خرط القتاد، فتأمل. أقول إنما استبعد الثاني، لتوهم أن لا بلاغة ولا نكات إلا في اللغة العربية. مع أن الأمر ليس كذلك. وحينئذ فيتعين الثاني. وهو ظاهر. وبه تستعاد تلك اللطائف. ثم أشار تعالى إلى عنايته بموسى وقومه، من إنجائهم وإهلاك عدوهم، وقد طوى هنا ما فصل في آيات أخر بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٧٧] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي سر بهم من مصر ليلا فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً أي يابسا. فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق وجاوزه إلى ساحله لا تَخافُ دَرَكاً أي لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك وَلا تَخْشى أي غرقا من بين يديك، ووحلا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٨ الى ٧٩] فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ لأنه ندم على الإذن بتسريحهم من مصر، وأنهم قهروه على قلتهم كما قال: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ [الشعراء: ٥٤- ٥٥] ، فتبعهم ومعه جنوده حتى لحقوهم، ونزلوا في الطريق الذي سلكوه. ففاجأهم الموج كما قال تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ أي علاهم منه وغمرهم، ما لا يحاط بهوله وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى أي أوردهم الهلاك،؟ لعتوّه وعناده في الدنيا والآخرة. وما هداهم سبيل الرشاد. ثم ذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل ومننه الكبرى، وما وصاهم من المحافظة على شكرها، وحذرهم من التعرض لغضبه بكفرها، بقوله سبحانه:

стр. 3255

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٠ الى ٨١] يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وهو فرعون وقومه. فقد كانوا يسومونكم سوء العذاب. يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم. وذلك بأن أقر أعينكم منهم، بإغراقهم، وأنتم تنظرون. وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ أي بمناجاة موسى وإنزال التوراة عليه. واليهود السامرية تزعم أن هذا الجبل في (نابلس) ويسمونه (جبل الطور) ويذكر في الجغرافيا بلفظ (عيبال) ولهم عيد سنوي فيه يصعدون إليه، ويقربون فيه القرابين. والله أعلم. قال الزمخشري: وإنما عدّى المواعدة إليهم، لأنها لابستهم واتصلت بهم، حيث كانت لنبيهم ونقبائهم. وإليهم رجعت منافعها التي قام بهم دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه. و (جانب) مفعول فيه، أو مفعول به على الاتساع. أو بتقدير مضاف. أي إتيان جانب. وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي من لذائذه. فإن المن كالعسل. والسلوى من الطيور الجيد لحمها وَلا تَطْغَوْا فِيهِ أي فيما رزقناكم، بأن يتعدى فيه حدود الله، ويخالف ما أمر به فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى أي هلك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٢] وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى أي تاب عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق، وعمل صالحا بجوارحه، ثم اهتدى، أي استقام وثبت على الهدى المذكور. وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. ونحوه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت: ٣٠] و [الأحقاف: ١٣] ، وفي الآية ترغيب لمن وقع في وهدة الطغيان.، ببيان المخرج له منه، كي لا ييأس. وقوله تعالى:

стр. 3256

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٣] وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى أي أيّ شيء عجّل بك عنهم، على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور، على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه ورضاه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٤] قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي قادمون ينزلون بالطور، وإنما سبقتهم بما ظننت أنه خير. ولذا قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى أي عني، بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك. واعتنائي بالوفاء بعهدك. وزيادة (ربّ) لمزيد الضراعة والابتهال، رغبة في قبول العذر. أفاده أبو السعود. فإن قيل: كان مقتضى جواب السؤال من موسى أن يقول (طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك) فالجواب. أن هذا من الغفلة عن سرّ الإنكار. وذلك لأن الإنكار بالذات إنما هو للبعد والانفصال عنهم. فهو منصبّ على القيد. كما عرف في أمثاله. فالسؤال في المعنى عن الانفصال الذي يتضمنه (أعجلك) المتعدي ب (من) . وإنكار العجلة لأنها وسيلة له. فالجواب هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي. وقوله وَعَجِلْتُ إلخ تتميم. وقيل الجواب إنما هو قوله: وَعَجِلْتُ إلخ، وما قبله تمهيد له. وقال الناصر: إنما أراد الله تعالى بسؤاله عن سبب العجلة، وهو أعلم، أن يعلم موسى أدب السفر. وهو أنه ينبغي تأخّر رئيس القوم عنهم في المسير، ليكون نظره محيطا بطائفته، ونافذا فيهم، ومهيمنا عليهم. وهذا المعنى لا يحصل في تقدمه عليهم، ألا ترى الله كيف علم هذا الأدب، لوطا، فقال: وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ [الحجر: ٦٥] ، فأمره أن يكون أخيرهم. على أن موسى ﵇ إنما أغفل هذا الأمر مبادرة إلى رضاء الله ، ومسارعة إلى الميعاد. وذلك شأن الموعود بما يسره، يود لو ركب إليه أجنحة الطير. ولا أسرّ من مواعدة الله تعالى له ﷺ . انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٥] قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ أي ابتليناهم بعد ذهابك للمناجاة وَأَضَلَّهُمُ

стр. 3257

السَّامِرِيُ يعني اليهوديّ الذي وسوس لهم أن يعبدوا عجلا يتخذوه إلها، لما طالت عليهم غيبة موسى ويئسوا من رجوعه. و (السامري) في لغة العرب، بمعني اليهودي. وقد قال بالظن، من ادعى تسميته أو حاول تعيينه. وأما الطائفة السامرية الآن فهم فئة من اليهود في (نابلس) قليلة العدد تخالف بقية اليهود في جلّ عاداتها. وقد تضمنت هذه الجملة- أعني إخباره تعالى لموسى بالفتنة- الأمر- برجوعه لقومه، وإصلاحه ما فسد من حالهم، كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٦] فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً أي حزينا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أي بإنزال التوراة عليّ، ورجوعي بها إليكم أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي زمان الإنجاز، أو مجيئي أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي أي وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا قرئ بالحركات الثلاث على الميم. قال الزمخشري: أي ما أخلفنا موعدك، بأن ملكنا أمرنا. أي لو ملكنا أمرنا، وخلينا وراءنا، لما أخلفناه. ولكن غلبنا من جهة السامريّ وكيده وَلكِنَّا حُمِّلْنا بفتح الحاء مخففا، وبضمها وكسر الميم مشددا أَوْزاراً أي أثقالا وأحمالا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أي من حلي القبط، قوم فرعون، وهو حليّ نسائهم فَقَذَفْناها أي في النار لسبكها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ أي كان إلقاؤه فَأَخْرَجَ لَهُمْ أي من تلك الحليّ المذابة عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ أي صوت عجل. وقد قيل: إنه صار حيّا، وخار

стр. 3258

كما يخور العجل. وقيل: لم تحلّه الحياة وإنما جعل فيه منافذ ومخارق، بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل. أفاده الرازي. وقوله: فَقالُوا أي السامريّ ومن افتتنوا به هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. ثم أنكر تعالى على من ضل بهذا العجل وأضل. مسفها لهم فيما أقدموا عليه، مما لا يشتبه بطلانه على أحد، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٨٩] أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ أي العجل إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي لا يردد لهم جوابا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي دفع ضرّ ولا جلب نفع، أي فكيف يتخذ إلها؟. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٩٠] وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ أي قبل رجوع موسى إليهم يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ أي ضللتم بعبادته وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي في عبادته سبحانه، ونبذ العجل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩١ الى ٩٣] قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى قالَ أي موسى يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أي في الغضب لله، وشدة الزجر عن الكفر. و (لا) مزيدة. أو المعنى ما حملك على أن لا تتبعني، بحمل النقيض على النقيض. فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل على مقابله. أو ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم، فتكون مفارقتك مزجرة لهم أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي وهو ما أمره به من أن يخلفه في قومه، ويصلح ما يراه فاسدا.

стр. 3259

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٩٤] قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) لَ أي هارون ابْنَ أُمَ بكسر الميم وفتحها. أراد (أمي) وذكرها أعطف لقلبه تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي أي بشعره. وكان قبض عليهما يجره إليه من شدة غضبه: نِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي بتركهم لا راعي لهم لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أي لم تراعه في الاستخلاف والوجود بين ظهرانيهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : آية ٩٥] قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ أي ثم أقبل على السامري وقال له منكرا: ما شأنك فيما صنعت؟ وما دعاك إليه؟. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي فطنت لما لم يفطنوا له فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها أي في الحلي المذاب حتى حيّ وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أي حسّنته وزينته قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ أي لعذابك مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً أي لنطيّرنّه رمادا في البحر، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر. تنبيهات: الأول- اعلم أن هارون ﵇، سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه. لأنه زجرهم عن الباطل، أوّلا بقوله إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ثم دعاهم لمعرفة الله تعالى ثانيا بقوله: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ثم دعاهم ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله تعالى:

стр. 3260

فَاتَّبِعُونِي ثم دعاهم إلى الشرائع رابعا بقوله: وَأَطِيعُوا أَمْرِي وهذا هو الترتيب الجيّد. لأنه لا بد قبل كل شيء في إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة الشبهات. ثم معرفة الله تعالى، فإنها هي الأصل. ثم النبوة ثم الشريعة. فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه. أفاده الرازي. وقد برأ الله تعالى بهذه الآيات البينات، هارون ﵇ مما افتراه عليه كتبة التوراة، من أنه هو السامري الذي اتخذ العجل وأمر بعبادته، كما هو موجود عندهم. وهو من أعظم الفري، بلا امتراء. الثاني- عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول في قوله تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ هو جبريل ﵇. وأراد بأثره، التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته. ثم اختلفوا: أن السامري متى رآه؟ فقيل: إنما رآه يوم فلق البحر. وقيل: وقت ذهابه بموسى إلى الطور. واختلفوا أيضا في: أن السامري كيف اختص برؤية جبريل ﵇، ومعرفته من بين سائر الناس؟ فقيل إنما عرفه لأنه رآه في صغره، وحفظه من قتل آل فرعون له، وكان ممن رباه. وكل هذا ليس عليه أثارة من علم ولا يدل عليه التنزيل الكريم. ولذا قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون. فههنا وجه آخر وهو: أن يكون المراد بالرسول موسى ﵇. وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره، إذا كان يمتثل رسمه. والتقدير، أن موسى ﵇ لما أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل، فقال (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أي شيئا من سنتك ودينك. فقذفته، أي طرحته. فعند ذلك أعلمه موسى ﵇ بما له من العذاب في الدنيا والآخرة. وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب، كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: ما يقول الأمير في كذا؟ وبماذا يأمر الأمير؟. وأما دعاؤه موسى ﵇ رسولا، مع جحده وكفره، فعلى مثل مذهب من حكى الله تعالى عنه قوله: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] ، وإن لم يؤمنوا بالإنزال. انتهى. قال الرازي: ما ذكره أبو مسلم أقرب إلى التحقيق مما ذكره المفسرون، لوجوه:
следующие страницы →