بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المؤمنون
سميت بهم لاشتمالها على جلائل أوصافهم ونتائجها، في أولها وفي قوله:
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون: ٥٧] ، إلى قوله: سابِقُونَ أفاده المهايميّ. وهي مكية. واستثنى بعضهم منها آية حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ [المؤمنون: ٦٤] ، إلى قوله: مُبْلِسُونَ وآيها مائة وثماني عشرة.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم «١» وغيرهما عن عبد الله بن السائب قال: صلّى النبيّ ﷺ بمكة الصبح. فاستفتح سورة المؤمنون. حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى، أخذته سعلة فركع.
стр. 3397
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ أي دخلوا في الفوز الأعظم الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ أي متذللون مع خوف وسكون للجوارح، لاستيلاء الخشية والهيبة على قلوبهم وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. أي عن الفضول وما لا يعني من الأقوال والأفعال، معرضون في عامة أوقاتهم، لاستغراقهم بالجد وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ أي للتجرد عن رذيلة البخل.
قيل: السورة مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة؟ وجوابه: إن الذي فرض بالمدينة إنما هو النصب والمقادير الخاصة. وإلا فأصل التفضل بالعفو مشروع في أوائل البعثة، فلا حاجة إلى دعوى إرادة زكاة النفوس من الشرك والعصيان، لعدم التبادر إليه وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ لأنه الحق المأذون فيه فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ أي الكاملون في العدوان المرتكبونه على أنفسهم.
تنبيهات:
الأول- دلت الآية على تعليق فلاح العبد على حفظ فرجه، وأنه لا سبيل له إلى الفلاح بدونه، وتضمنت هذه الآية ثلاثة أمور: من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين. وأنه من الملومين. ومن العادين. ففاته الفلاح واستحق اسم العدوان ووقع في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها، أيسر من بعض ذلك. وقد أمر الله تعالى نبيا أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم. وأن يعلمهم أنه مشاهد
стр. 3398
لأعمالهم، مطلع عليها، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر، جعل الأمر بغضّه مقدما على حفظ الفرج. فإن الحوادث مبدؤها من النظر. كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر. ثم تكون نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة. ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه:
اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بوّاب نفسه على هذه الأبواب الأربعة. ويلازم الرباط على ثغورها. فمنها يدخل عليه العدوّ، فيجوس خلال الديار ويتبروا ما علوا تبيرا.
الثاني- روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى.
واحتج
بحديث عبد الله «١» بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال:
أن تجعل لله ندّا وهو خلقك قال قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قال قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك
. والنبيّ ﷺ ذكر من كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال السائل. فإنه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعه وما هو أعظم كل نوع، فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندّا.
وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم أنواع الزنى أن يزني بحليلة جاره. فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق. فالزنى بالمرأة التي لها زوج، أعظم إثما وعقوبة من الزنى بالتي لا زوج لها إذا فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه، لم يكن منه، وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات الزوج فإذا كان زوجها جارا له، انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وأذى جاره بأعلى أنواع الأذى. وذلك من أعظم البوائق.
وقد ثبت عن النبيّ «٢» ﷺ أنه قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته
. فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنى بامرأة الجار. فإن كان الجار أخا له، أو قريبا من أقاربه، انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم. فإن كان الجار غائبا في طاعة الله، كالصلاة وطلب العلم والجهاد، تضاعف الإثم. فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه، انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.
стр. 3399
فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا، كان الإثم أعظم. فإن كان شيخا كان أعظم إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله، كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة، تضاعف الإثم.
وعلى هذا، فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة والله المستعان.
الثالث- أجمع المسلمون على أن حكم التلوّط مع المملوك كحكمه مع غيره، ومن ظن أن تلوط الإنسان مع مملوكه جائز، واحتجّ على ذلك بقوله تعالى:
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ وقاس ذلك على أمته المملوكة، فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد. فإن تاب وإلا قتل وضربت عنقه.
وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره. في الإثم والحكم. أفاد هذا وما قبله بتمامه الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي) . وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨ الى ١١]
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ أي قائمون عليها بحفظها وإصلاحها.
والآية تحتمل العموم في كل ما اؤتمنوا عليه وعوهدوا، من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم. ولذا عدت الخيانة في الأمانة من آيات النفاق في الحديث المشهور «١» وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أي يحافظون عليها. وذلك أن لا يسهوا عنها ويؤدّوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها. وليس هذا تكريرا لما وصفهم به أولا. فإن الخشوع في الصلاة، غير المحافظة عليها. وتقديم الخشوع اهتماما به. حتى كأن الصلاة، لا يعتد بها بدونه، أو لعموم هذا له. وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة، تعظيم لشأنها أُولئِكَ أي الجامعون لهذه الأوصاف هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ أي الجنة هُمْ فِيها خالِدُونَ أي لا يخرجون منها أبدا.
стр. 3400
ثم أشار تعالى إلى مبدأ خلقه الإنسان وتقليبه في أطوار شتى، حتى نما كاملا، وإلى ما خلقه من عالم السماء والأرض، وسخره لمنافعه، ليشكر مولاه ويعبده، كما أمره وهداه، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي ابتدأنا خلقه مِنْ سُلالَةٍ أي خلاصة مِنْ طِينٍ أي تراب خلط بماء فصار نباتا فأكله إنسان فصار دما ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً أي بأن خلقناه منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة بالتصفية فِي قَرارٍ أي مستقر، وهو رحم المرأة الذي نقل إليه مَكِينٍ أي متمكن لا يمجّ ما فيه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ١٤]
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي بالاستحالة من بياض إلى حمرة كالدم الجامد فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي بأن صلبناها وجعلناها عمودا للبدن، على هيئات وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً أي جعلناه محيطا بها ساترا لها كاللباس ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي بتمييز أعضائه وتصويره، وجعله في أحسن تقويم فَتَبارَكَ اللَّهُ أي تعاظم قدرة وحكمة وتصرفا أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي المقدّرين. ف (الخلق) بمعنى التقدير كقوله:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
لا بمعنى الإيجاد. إذ لا خالق غيره، إلا أن يكون على الفرض.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٥ الى ١٧]
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي بعد ما ذكر من الأمور العجيبة وتحصيل هذه الكمالات لَمَيِّتُونَ أي لصائرون إلى الموت.
стр. 3401
قال المهايميّ: والحكيم لا يتلف ما استكمله بأنواع التكميل، ولذلك سيبعثه كما قال ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ أي من قبوركم للحساب والمجازاة وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ أي سبع سموات هي طرق للملائكة والكواكب فيها مسيرها.
قال بعض علماء الفلك (في تفسير هذه الآية) : أي سبعة أفلاك، للسبع سموات، لكل سماء طريق تجري بما معها من الأقمار. قال: فبذلك دلنا الله سبحانه بأن العالم الشمسيّ ينقسم إلى سبع طرائق، خلاف طريق الأرض الذي يعيّنه قوله تعالى فَوْقَكُمْ فالمسافة ابتداء من منتصف البعد بين الشمس وعطارد تقريبا، إلى منتهى فلك نبتون، تنقسم إلى سبعة أقسام بحسب بعد كل سيار. كل قسم تجري فيه سماء بما معها. ويسمى هذا الطريق فلكا. وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ أي عن ذلك المخلوق، الذي هو السموات، أو جميع المخلوقات. فالتعريف على الأول، عهديّ. وعلى الثاني استغراقيّ. أي ما كنا مهملين أمر الخلق، بل نحفظه وندبر أمره حتى يبلغ منتهى ما قدر له من الكمال، حسبما اقتضته الحكمة، وتعلقت به المشيئة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ١٨]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨)
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بتقدير يصلون معه إلى منفعتهم. أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ أي جعلناه قارّا فيها، يتفجر من الأماكن التي أراد سبحانه إحياءها كقوله فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١] ، وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ أي إزالته بالتغوير وبغيره، كما قدرنا على إنزاله. ففي تنكير (ذهاب) إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإبعاد به.
قال الزمخشري: فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها، إذا لم تشكر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها أي في الجنات فَواكِهُ
стр. 3402
كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً
بالنصب عطف على (جنات) وقرئت مرفوعة على الابتداء. أي ومما أنشئ لكم شجرة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ وهو جبل بفلسطين، أو بين مصر وأيلة (بفتح الهمزة) محل معروف يسمى اليوم (العقبة) وهو على مراحل من مصر. قاله الشهاب و (الشجرة) شجرة الزيتون، نسبت إلى الطور لأنه مبدؤها. أو لكثرتها فيه تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي ملتبسة بالدهن المستصبح به وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ أي وبإدام يغمس فيه الخبز ف (الصبغ) كالصباغ ما يصطبغ به من الإدام. ويختص بكل إدام مائع، يقال (صبغ اللقمة: دهنها وغمسها) وكل ما غمس فقد صبغ. كذا في (المصباح) و (التاج) .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً أي تعتبرون بحالها وتستدلون بها نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها أي من الألبان وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ أي في ظهورها وأصوافها وشعورها ونتاجها وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أي بخلقه وتسخيره وإلهامه. فله الحمد.
قال الزمخشري: والقصد بالأنعام أي الإبل، لأنها هي المحمول عليها في العادة. وقرنها بالفلك التي هي السفائن، لأنها سفائن البر.
قال ذو الرمة:
سفينة برّ تحت خدّي زمامها قال الشهاب: وجعل الإبل سفائن البر معروف مشهور. وهي استعارة لطيفة وقد تصرفوا فيها تصرفات بديعة. كقول بعض المتأخرين:
لمن شحر قد أثقلتها ثمارها ... سفائن برّ والسّراب بحارها
ولما بيّن تعالى دلائل التوحيد، تأثره بقصص بعثة الرسل لعلوّ كلمته، فقال سبحانه:
стр. 3403
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا أي الداعي إلى عبادة الله وحده. بدعوى الرسالة منه إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [يونس: ٧٨] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي إرسال رسول لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي من السماء ما سَمِعْنا بِهذا أي بمثل ما يدعو إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي لعله يرجع أو يفيق من جنته أو يتمادى فنكيد له. قال الرازيّ: واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عن شبههم هذه الخمسة، لركاكتها ووضوح فسادها. وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولا إلا لأنه من جنس الملك. وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات. فسواء كان من جنس الملك أو جنس البشر، فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا. بل جعل الرسول من جملة البشر أولى. لما مرّ بيانه في السور المتقدمة. وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة. وأما قولهم يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله، حتى يلزمهم الانقياد لطاعته، فهذا واجب على الرسول. وإن أرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد، فالأنبياء منزّهون عن ذلك. وأما قولهم ما سَمِعْنا بِهذا فهو استدلال بعدم التقليد، على عدم وجود الشيء. وهو في غاية السقوط. لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء. فعدمه من أن يدل على عدمه؟ وأما قولهم بِهِ جِنَّةٌ فقد كذبوا. لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله. وأما قولهم فَتَرَبَّصُوا بِهِ فضعيف. لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوّته وهي المعجزة، وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته. لأن الدولة لا تدل على الحقيقة. وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول قوله، سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر. ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور، لا جرم تركها الله سبحانه، انتهى.
стр. 3404
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٦ الى ٣٠]
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
قالَ أي بعد ما أيس من إيمانهم رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا أي ملتبسا بحفظنا وكلاءتنا، لا تلحقها آفة ولا يعترضها نقص.
عبر بكثرة آلة الحس التي بها يحفظ الشيء، ويراعى من الاختلال والزيغ، عن المبالغة في الحفظ والرعاية، على طريق التمثيل، وقيل: المعنى بمرأى منا ومشهد في حفظنا وكلاءتنا. بناء على أن المراد بالعين البصر، وأنه يسمى البصر عينا لأجل أنه مما يتعلق به ويقوم به. من باب تسمية الشيء باسم محله. وباسم ما هو قائم به.
قال الإمام ابن فورك في (متشابه الحديث) - بعد حكاية نحو ما تقدم-: وقد اختلف أصحابنا فيما يثبت لله من الوصف له بالعين. فمنهم من قال: إن المراد به البصر والرؤية. ومنهم من قال: إن طريق إثباتها صفة لله تعالى بالسمع.
وسبيل القول فيها كسبيل القول في اليد والوجه. انتهى.
ومذهب السلف أن الصفات يحتذي فيها حذو الذات، فكما أنها منزهة عن التشبيه والتمثيل والتكييف، فكذلك الصفات إثباتها منزه عن ذلك وعن التحريف والتأويل. وقوله تعالى وَوَحْيِنا أي أمرنا وتعليمنا كيف تصنع فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا وَفارَ التَّنُّورُ كناية عن الشدة. كقولهم (حمي الوطيس) . و (التنور) كانون الخبز حقيقة. وأطلقه بعضهم على وجه الأرض ومنبع الماء، للآية مجازا فَاسْلُكْ فِيها أي فأدخل في الفلك مِنْ كُلٍّ أي من كل أمة زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي في الدعاء لهم بالنجاة، عند مشاهدة هلاكهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي في بحر الهلاك، كما غرقوا في بحر الضلال وظلمهم أنفسهم، بعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي أي في السفينة أو منها مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي لمن أنزلته منزل قربك إِنَّ
стр. 3405
فِي ذلِكَ
أي فيما فعل بنوح وقومه لَآياتٍ أي يستدل بها ويعتبر أولو الأبصار وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويدّكر. كقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥] ، و (إن) مخففة على الأصح- وقيل نافية. واللام بمعنى (إلا) والجملة حالية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٣١]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ هم عاد أو ثمود. قال الشهاب: ليس في الآية تعيين لهؤلاء. لكن الأول مأثور عن ابن عباس ﵄. وأيده في (الكشف) بمجيء قصتهم بعد قصة نوح في سورة الأعراف وهود وغيرهما. وعليه أكثر المفسرين. ومن ذهب إلى أنهم ثمود قوم صالح ﵇، استدل بذكر الصيحة لأنهم المهلكون بها. كما صرح به في هذه السورة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٢ الى ٤١]
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)
إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ أي نعّمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ أي لعزة أنفسكم، بالتذلل لمثلكم أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ
стр. 3406
تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
أي من الأجداث أحياء كما كنتم هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ تكرير لتأكيد البعد. أي بعد الوقوع أو الصحة لما توعدون من البعث إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعض ويولد بعض. لينقرض قرن ويأتي قرن آخر. ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي العقوبة الهائلة، أو صيحة ملك بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً أي كغثاء السيل فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي هلاكا لهم. إخبار أو دعاء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٥]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها أي وقتها الذي عين لهلاكها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا أي متواترين، واحدا بعد واحد كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي في الإهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي أخبارا يسمر بها ويتعجب منها. يعني أنهم فنوا ولم يبق إلا خبرهم، إن خيرا وإن شرّا.
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي حجة واضحة ملزمة للخصم. والمراد به الآيات نفسها. عبر عنها بذلك على طريقة العطف، تنبيها على جمعها لعنوانين جليلين.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٦ الى ٤٨]
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا أي عن الانقياد وإرسال بني إسرائيل مع موسى لأرض كنعان، وتحريرهم من تلك العبودية لهم وَكانُوا قَوْماً عالِينَ أي متمردين
стр. 3407
فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ أي المغرقين في البحر.
فائدة:
قال الزمخشريّ البشر يكون واحدا وجمعا بَشَراً سَوِيًّا
[مريم: ١٧] ، لِبَشَرَيْنِ [المؤمنون: ٤٧] ، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ [مريم: ٢٦] ، و (مثل) و (غير) يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [النساء:
١٤٠] ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] ، ويقال أيضا: هما مثلاه وهم أمثاله إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة لَعَلَّهُمْ أي قومه يَهْتَدُونَ أي إلى طريق الحق، بما فيها من الشرائع والأحكام وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً أي دلالة على قدرتنا الباهرة. لأنها ولدته من دون مسيس. فالآية أمر واحد نسب إليهما. أو المعنى: وجعلنا ابن مريم آية بما ظهر منه من الخوارق، وأمه آية بأنها ولدته من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها وَآوَيْناهُما أي جعلنا مأواهما أي منزلهما إِلى رَبْوَةٍ أي أرض مرتفعة، ذاتِ قَرارٍ أي مستقر من أرض منبسطة مستوية. وعن قتادة: ذات ثمار وماء. يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها وَمَعِينٍ أي وماء معين ظاهر جار. من (معن الماء إذا جرى) أو مدرك بالعين (من عانه) إذا أدركه بعينه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥١]
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ نداء وخطاب لجميع الأنبياء باعتبار زمان كلّ وعهده. فدخل فيه عيسى دخولا أوليّا. أو يكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة. وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم. واحتجاجا على الرهابنة في رفض الطيبات. وقوله
стр. 3408
وَاعْمَلُوا صالِحاً أي عملا صالحا. فإنه الذي به سعادة الدارين. وقوله إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي ذو علم لا يخفى عليّ منها شيء. فأنا مجازيكم بجميعها، وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٢]
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي واعلموا أن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أُمَّةً واحِدَةً أي ملة واحدة، وهي شريعة الإسلام. إسلام الوجه لله تعالى بعبادته وحده.
كقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] ، (فالأمة) هنا بمعنى الملة والدين وَأَنَا رَبُّكُمْ أي من غير شريك فَاتَّقُونِ أي فخافوا عقابي، في مفارقة الدين والجماعة. قيل: إنه اختير على قوله: (فاعبدون) الواقع في سورة الأنبياء، لأنه أبلغ في التخويف، لذكره بعد إهلاك الأمم، بخلاف ما ثمة وهذا بناء على أنه تذييل للقصص السابقة، أو لقصة عيسى ﵊، لا ابتداء كلام. فإنه حينئذ لا يفيده. إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة. كذا في (العناية) .
ثم قص ما وقع من أمم الرسل بعدهم من مخالفة الأمر، بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً أي جعلوا دينهم بينهم قطعا وفرقا منوعة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئن النفس، معتقد أنه على الحق فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي في جهالتهم، ومشيهم مع هواهم، ونبذهم كتاب الله حَتَّى حِينٍ أي إلى وقت يستفيقون فيه من سباتهم، بظهور دين الله وعلو كلمته وهزم عدوه. وشبه جهالتهم بالماء الذي يغمر القامة، لأنهم مغمورون فيها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ أي نعطيهم إياه، ونجعله مددا لهم مِنْ مالٍ وَبَنِينَ
стр. 3409
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
أي كلّا. لا نفعل ذلك. بل هم لا يشعرون أصلا. كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور، ليتأمّلوا ويعرفوا أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم. وهم يحسبونه معاجلة فيما لهم فيه إكرام. ثم بين سبحانه من له المسارعة في الخيرات من أوليائه وعباده، بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦١]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي من خوف عذابه حذرون وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ أي شركا جليّا، ولا خفيّا وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا أي يعطون ما أعطوه من الصدقات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي من رجوعهم إليه تعالى، فتخشى أن تحاسب على ما قصرت من الحقوق، أو غفلت عنه من الآداب أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي في نيل الخيرات التي من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة. كما في قوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [آل عمران:
١٤٨] ، وقوله تعالى: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧] ، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم، خلا أنه غيّر الأسلوب، حيث لم يقل أولئك نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بل أسند المسارعة إليهم، إيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم. وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات. لا أنهم خارجون عنها، متوجهون إليها، بطريق المسارعة كما في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران: ١٣٣] الآية أفاده أبو السعود.
وَهُمْ لَها سابِقُونَ أي إياها سابقون. أي ينالونها قبل الآخرة، حيث عجلت لهم في الدنيا، فتكون اللام لتقوية العمل. كما في قوله تعالى هُمْ لَها عامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣] ، وقيل: المراد بِالْخَيْراتِ الطاعات. والمعنى: يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة. وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون الناس، والله أعلم، وقوله تعالى:
стр. 3410
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها جملة مستأنفة، سيقت للتحريض على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الخيرات، ببيان سهولته، وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة. أي سنتنا جارية على ألا نكلف نفسا من النفوس إلا ما في وسعها. أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة أعمال أولئك الصالحين، ببيان أنه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم. فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين، فلا عليهم، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم، أفاده أبو السعود، وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وهو كتاب الأعمال. كقوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩] ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا أي مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين وَلَهُمْ أَعْمالٌ أي سيئة كثيرة مِنْ دُونِ ذلِكَ أي الذي ذكر من كون قلوبهم في غفلة، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم هُمْ لَها عامِلُونَ أي معتادون لا يزايلونها.
تنبيه:
أغرب الإمام أبو مسلم الأصفهانيّ فيما نقله عنه الرازيّ، فذهب إلى أن قوله تعالى بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا ... إلى آخر الآية، من تتمة صفات المؤمنين المشفقين. كأنه سبحانه قال بعد وصفهم وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون، ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم ينطق بالحق وهم لا يظلمون.
بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة، وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ. أي لهم أيضا من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه. إما أعمالا قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل. ثم إنه تعالى رجع.
قال الرازيّ: وقول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن ردّ الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين، كان أولى من ردّه إلى ما بعد منه، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته، بأن قلبه في غمرة، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أو ردّه، وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر. انتهى.
стр. 3411
وبعد فإن نظم الآية الكريمة يحتمل لذلك. ولكن لم يرد وصف الغمرة في حق المؤمنين أصلا بل لم يوصف بها إلا قلوب المجرمين، كما تراه في الآيات أولا.
فالذوق الصحيح ورعاية نظائر الآيات، يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد الإباء. والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٦٤]
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أي متنعميهم بِالْعَذابِ أي بالانتقام، مثل أخذهم يوم بدر إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ أي يصرخون باستغاثة أو الآية. كقوله تعالى:
ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً [المزمل: ١١- ١٣] . وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٧]
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧)
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ أي يقال لهم تبكيتا لهم: لا تجأروا، فإن الجؤار غير نافع لكم إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بالبيت الحرام والذي سوغ الإضمار، شهرتهم بالاستكبار به، وأن لا مفخر لهم إلا أنهم قوّامه. وجوز تضمين (مستكبرين) معنى (مكذبين) والضمير للتنزيل الكريم. أي مكذبين تكذيب استكبار. ولم يذكروا احتمال إرجاع الضمير (للنكوص) إشارة إلى زيادة عتوهم، وأنهم يفتخرون بهذا الإعراض ولا يرهبون مما ينذرون به، كقوله: وَلَّى مُسْتَكْبِراً [لقمان: ٧] ، وليس ببعيد. فتأمل. سامِراً تَهْجُرُونَ يعني أنهم يسمرون ليلا بذكر القرآن وبالطعن فيه، وتسميته سحرا وشعرا ونحو ذلك. وهو معنى (تهجرون) من (الهجر) بالضم، وهو الفحش في القول. أو معناه تعرضون. من (الهجر) بالفتح.
تنبيه:
قال أبو البقاء: (سامرا) حال أيضا وهو مصدر. كقولهم (قم قائما) وقد جاء من المصادر على لفظ اسم الفاعل نحو العاقبة والعافية. وقيل: هو واحد في موضع الجميع. انتهى.
стр. 3412
فيكون واحدا أقيم مقام الجمع. وقيل هو اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب. قال الشهاب: وعلى كونه مصدرا فيشمل القليل والكثير أيضا، باعتبار أصله. ولكن مجيء المصدر على وزن (فاعل) نادر. وقرئ (سمّرا) بضم وتشديد.
(سمّار) بزيادة ألف.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٦٨]
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي القرآن، ليعلموا أنه الحق المبين، فيصدقوا به وبمن جاء به أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أي من الهدى والحق، فاستبدعوه واستبعدوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال. مع أن المجيء بما لم يعهد، لا يوجب النفرة. لأن المألوف قد يكون باطلا، فتقتضي به الحكمة التحذير منه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي جاحدون بما أرسل به. وهذا توبيخ آخر يشير إلى عظيم جهالتهم، بأنهم ما عرفوا شأنه ولا دروا سر ما بعث به مما يؤسف له. كما قال: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس: ٣٠] ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون، أو جن يخبلونه. وهذا توبيخ آخر، فيه تعجيب من تلونهم في الجحود، وتفننهم في العناد، ثم أشار إلى أنه لم يحملهم على ذلك إلا أنفتهم للحق كبرا وعتوّا بقوله بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ أي لما فيهم من الزيغ والانحراف.
قال القاشانيّ: ولما أبطلوا استعداداتهم وأطفأوا نورها بالرين والطبع، على مقتضى قوى النفس والطبع، واشتد احتجابهم بالغواشي الظلمانية عن نور الهدى والعقل، لم يمكنهم تدبر القول ولم يفهموا حقائق التوحيد، والعدل فنسبوه إلى الجنة ولم يعرفوه، للتقابل بين النور والظلمة، والتضادّ بين الباطل والحق، وأنكروه وكرهوا الحق الذي جاء به.
стр. 3413
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧١ الى ٧٤]
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ أي ولو كان ما كرهوه من الحق الذي هو التوحيد والعدل المبعوث بهما الرسول صلوات الله عليه، موافقا لأهوائهم المتفرقة في الباطل، الناشئة من نفوسهم الظالمة المظلمة، لفسد نظام الكون لانعدام العدل الذي قامت به السماوات والأرض، والتوحيد الذي به قوامهما فلزم فساد الكون لأن مناط النظام ليس إلا ذلك، وفيه من تنويه شأن الحق، والتنبيه على سموّ مكانه، ما لا يخفى بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ إضراب عن توبيخهم بكراهته، وانتقال إلى لومهم بالنفور عما ترغب فيه كل نفس من خيرها. أي ليس هو مكروها بل هو عظة لهم لو اتعظوا. أو فخرهم أو متمناهم لأنهم كانوا يقولون لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٦٨- ١٦٩] ، فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أي بالنكوص عنه. وأعاد الذكر تفخيما. وأضافه لهم لسبقه. وفي سورة الأنبياء ذِكْرِ رَبِّهِمْ [الأنبياء: ٤٢] ، لاقتضاء ما قبله له أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً أي جعلا على أداء الرسالة، فلأجل ذلك لا يؤمنون فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ أي عطاؤه وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ أي منحرفون. قال القاشانيّ: الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه، هو طريق التوحيد المستلزم لحصول العدالة في النفس، ووجود المحبة في القلب. وشهود الوحدة. والذين يحتجبون عن عالم النور بالظلمات، وعن القدس بالرجس، إنما هم منهمكون في الظلم والبغضاء والعداوة، والركون إلى الكثرة. فلا جرم أنهم عن الصراط ناكبون منحرفون إلى ضده. فهو في واد وهم في واد. وقال الزمخشريّ: قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم، واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم. مع إبراز المكنون من
стр. 3414
أدوائهم، وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون، بعد ظهور الحق، وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٧٥]
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
قال ابن جرير: أي ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع والهزال لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يعني في عتوهم وجرأتهم على ربهم يَعْمَهُونَ يعني يترددون. وأشار ابن كثير إلى معنى آخر فقال:
يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم، بأنه لو أزاح عنهم الضر، وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣] ، وقال:
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:
٢٧- ٢٨] الآية. فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، لو كان كيف يكون.
انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٧٦]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ.
قال ابن جرير: أي ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا وسخطنا، وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف فما استكانوا لربهم. أي فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ . وعن الحسن قال: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة. فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية. ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله. وقرأ هذه الآية وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ.
стр. 3415
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٧٧]
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ يعني ما نزل بهم من القتال والقتل يوم بدر، أو باب المجاعة والضر، وهو ما روي عن مجاهد واختاره ابن جرير إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ أي حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن. ثم أشار تعالى إلى قدرته على البعث بآياته المبصرة في الأنفس والآفاق، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٧٨]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨)
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ أي لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي نعمة الله في ذلك، بصرفها لما خلقت له. وهو أن يدرك.
وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد
والقلة في الآية هذه ونظائرها، بمعنى النفي، في أسلوب التنزيل الكريم. لأن الخطاب للمشركين.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٩ الى ٨١]
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلقكم وبثكم بالتناسل فيها وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تجمعون يوم القيامة، بعد تفرقكم إلى موقف الحساب وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي أي خلقه، أي يجعلهم أحياء، بعد أن كانوا نطفا أمواتا، ينفخ الروح فيها، بعد الأطوار التي تأتي عليها وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي بالطول والقصر.
فهو متوليه ولا يقدر على تصريفهما غيره أَفَلا تَعْقِلُونَ أي: إن من أنشأ ذلك ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم. ثم بين تعالى أنهم لم يعتبروا بآياته، ولا تدبروا ما احتج عليهم من الحجج الدالة على قدرته على فعل كل ما يشاء، بقوله: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي من الأمم المكذبة رسلها.
стр. 3416
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أي أحياء، كهيئتنا قبل الممات لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي ما سطروه في كتبهم، مما لا حقيقة له:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٥]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥)
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي فتعلمون أن من ابتدأ ذلك، قدر على إعادته.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٧]
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧)
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أي عقابه على شرككم به، وتكذيبكم خبره وخبر رسوله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ أي يغيث من أراد، ممن قصد بسوء وَلا يُجارُ عَلَيْهِ أي ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه عذابه وعقابه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي تخدعون عن توحيده وطاعته، مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة ف (السحر) مستعار للخديعة. وتكرير إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لاستهانتهم، وتجهيلهم، لكمال ظهور الأمر.
стр. 3417
قال في (الإكليل) : قال مكيّ: في هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين، وإقامة الحجة وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف في دين الله.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٤]
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي في دعواهم أن له ولدا ومعه شريكا مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ لأنه يجب أن يتخالفا بالذات، وإلا لما تصوّر العدد- والمتخالفان بالذات يجب أن يتخالفا في الأفعال فيذهب كل بما خلقه، ويستبد به، ويظهر بينهم التحارب والتغالب، فيفسد نظام الكون، كما تقدم بيانه في آية لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ أي من العذاب. أي إن كان لا بد من أن تريني. لأن (ما) و (النون) للتأكيد رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي نجني من عذابهم. وفيه إيذان بكمال فظاعة ما وعدوه من العذاب، وكونه بحيث يجب أن يستعيذ منه من لا يمكن أن يحيق به. وردّ لإنكارهم إياه واستعجالهم به، استهزاء. وتكرير النداء، لإظهار زيادة الابتهال.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٥ الى ١٠٠]
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ أي من العذاب لَقادِرُونَ أي: وإنما نؤخره لحكمة بلوغ الكتاب أجله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالخلة التي هي أحسن
стр. 3418
الخلال. وهو العفو الصفح السَّيِّئَةَ يعنى أذى المشركين نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ أي فسيرون جزاءه وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ أي وساوسهم المغرية على الباطل والشرور والفساد، والصدّ عن الحق وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أي يحضروني في حال من الأحوال حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ أي حتى إذا احتضر وشاهد أمارات العذاب، وعاين وحشة هيئات السيئات، تمنى الرجوع، وأظهر الندامة، ونذر العمل الصالح في الإيمان الذي ترك. وقوله تعالى كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ يعني قوله (ربّ ارجعون) إلخ هُوَ قائِلُها أي لا يجاب إليها ولا تسمع منه، يعني أنه لم يحصل إلا على الحسرة والندامة، والتلفظ بألفاظ التحسر والندم، والدعوة دون المنفعة والفائدة والإجابة. والآية نظيرها قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون: ١٠] ، وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي حائل يحول بينهم وبين الرجعة، يلبثون فيه إلى يوم القيامة.
لطيفة:
الواو في (ارجعون) قيل لتعظيم المخاطب وهو الله تعالى، وردّه ابن مالك بأنه لا يعرف أحدا يقول (رب ارحموني، ونحوه) لما فيه من إيهام التعدد. مدفوع بأنه لا يلزم من عدم صدوره عنا كذلك، ألا يطلقه الله تعالى على نفسه. كما في ضمير المتكلم. وقيل إنه لتكرير قوله (ارجعني) كما قيل في (قفا) و (أطرقا) إن أصله (قف قف) على التأكيد، وبه فسر قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ق: ٢٤] ، قال الشهاب: فيكون من باب استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة، بقطع النظر عن معناه، وهو كثير في الضمائر. كاستعمال الضمير المجرور الظاهر مكان المرفوع المستتر في (كفى به) حتى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أخرى، ومن لفظ إلى آخر. وما نحن فيه من هذا القبيل. فإنه غيّر الضميران المستتران إلى ضمير مثنى ظاهر. فلزم الاكتفاء بأحد لفظي الفعل، وجعل دلالة الضمير على المثنى على تكرير الفعل، قائما مقامه في التأكيد، من غير تجوز فيه ولابن جني في (الخصائص) كلام يدل على ما ذكرناه.
انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ١٠١]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١)
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ أي لشدة الهول من هجوم ما شغل
стр. 3419
البال حتى زال به التعاطف والتآلف، إذ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤- ٣٧] ، ونفي نفع النسب، إذا دهم مثل ذلك معروف.
كما قال:
لا نسب اليوم ولا خلّة ... اتّسع الخرق على الراقع
وَلا يَتَساءَلُونَ أي لا يسأل بعضهم بعضا، لعظم الفزع وشدة مآبهم من الأهوال، وذهولهم عما كان بينهم من الأحوال، فتنقطع العلائق والوصل التي كانت بينهم، وجليّ أن نفي التساؤل إنما هو وقت النفخ، كما دل عليه قوله فَإِذا أي فوقت القيام من القبور وهو المطلع يشتغل كل بنفسه. وأما ما بعده فقد يقع التساؤل، كما قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٢٧] و [الطور: ٢٥] ، لأن يوم القيامة يوم ممتد. ففيه مشاهد ومواقف. فيقع في بعضها تساؤل وفي بعضها دهشة تمنع منه.
تنبيه:
روى هنا بعض المفسرين أخبارا في نفع النسب النبويّ. وحبذا لو روي شيء منها في الصحيحين، أو في مسانيد من التزم الصحة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٤]
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي رجحت حسناته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي بتضييع ما منحت من الاستعداد لأن تربح في تجارة الكمال، بفطرة الإيمان وصالح الأعمال، ولله در القائل:
إذا كان رأس المال عمرك، فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ أي تحرقها. وتخصيص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء. فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار وَهُمْ فِيها كالِحُونَ أي مشوهون، قبيحو المنظر. ويقال لهم تعنيفا وتوبيخا:
стр. 3420
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦)
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا أي ملكتنا شِقْوَتُنا أي التي اقترفناها بسوء اختيارنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ أي عن الحق، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب، قال أبو السعود: وهذا، كما ترى، اعتراف منهم، بأن ما أصابهم قد أصابهم بسوء صنيعهم، وأما ما قيل من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من الشقاوة الأزلية، فمع أنه باطل في نفسه، لما أنه لا يكتب عليهم من السعادة والشقاوة إلا ما علم الله تعالى أنهم يفعلونه باختيارهم، ضرورة أن العلم تابع للمعلوم- يردّه قوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ أي أخرجنا من النار، وارجعنا إلى الدنيا. فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فإنا متجاوزون الحدّ في الظلم. ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم، لما سألوا الرجعة إلى الدنيا، ولما وعدوا الإيمان والطاعة قالَ اخْسَؤُا فِيها أي ذلوا فيها كخسء الكلاب وَلا تُكَلِّمُونِ أي في رفع العذاب، فإنه لا يرفع ولا يخفف. ثم أشار إلى علة ذلك بقوله تعالى إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي وهم المؤمنون يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ أي بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.
ثم أشار تعالى لبيان حسن حالهم، وأنهم انتفعوا بما آذوهم، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١١ الى ١١٤]
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)
стр. 3421
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قالَ أي الله أو الملك المأمور بسؤالهم كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا، لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي شيئا ما. أو لو كنتم من أهل العلم.
والجواب محذوف، ثقة بدلالة ما سبق عليه. أي لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها، كما علمتم اليوم ولعملتم بموجبه ولم تخلدوا إليها.
قال الرازيّ: الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، فقد كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا. ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء، ولا إعادة. فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة وهم فيها مخلدون، سألهم: كم لبثتم في الأرض؟ تنبيها لهم على أن ما ظنوه دائما طويلا، فهو يسير، بالإضافة إلى ما أنكروه. فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا. من حيث أيقنوا خلافه. فليس الغرض مجرد السؤال، بل ما ذكر.
قال الزمخشريّ: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا، بالإضافة إلى خلودهم، ولما هم فيه من عذابها. لأن الممتحن يستطيل أيام محنته، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور. وأيام السرور قصار، أو لأن المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدّقهم الله في تقالّهم لسني لبثهم في الدنيا، ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. وقرئ (فسل العادين) والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين، إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم. لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدها، فسل من فيه أن يعدّ، ويقدر أن يلقى إليه فكره. وقيل: فسل الملائكة الذين يعدون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١١٥ الى ١١٨]
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً أي بغير حكمة، حتى أنكرتم البعث وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ أي للجزاء فَتَعالَى اللَّهُ أي تعاظم عما تصفون، لأنه الْمَلِكُ الْحَقُّ أي المتصرف وحده، الذي قصد بالخلق معرفته وعبادته. والذي لا يترك الجزاء بل يحق الحق لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ أي العظيم المجيد. وقرئ
стр. 3422
بالرفع وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ قال ابن جرير: أي: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، معبودا آخر لا حجة لما بما يقول ولا بينة. فإنما حساب عمله السيّئ عند ربه. وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه. فإنه لا ينجح أهل الكفر بالله، عنده، ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم، قال الزمخشريّ: وقوله لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ كقوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً [آل عمران: ١٥١] ، وهي صفة لازمة، نحو قوله يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] ، جيء بها للتوكيد، لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان. ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء. كقولك (من أحسن إلى زيد- لا أحق بالإحسان منه- فالله مثيبه) .
قال في (الانتصاف) : إن كان صفة، فالمقصود بها التهكم بمدعي إله مع الله، كقوله بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً [آل عمران: ١٥١] ، فنفى إنزال السلطان به، وإن لم يكن في نفس الأمر سلطان، لا منزل ولا غير منزل.
وقال الرازيّ: نبه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد. انتهى.
ثم أمر تعالى نبيّه بالابتهال إليه واستغفاره والثناء عليه، بقوله وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ أي خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته.
стр. 3423
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النور
سميت به لاشتمالها على ما أمكن من بيان النور الإلهيّ، بالتمثيل المفيد كمال المعرفة الممكنة لنوع الإنسان، مع مقدماتها، وهي أعظم مقاصد القرآن- قاله المهايميّ، وهي مدنية. وقال القرطبيّ: إن آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ [النور: ٥٨] ، إلخ مكية وهي أربع وستون آية.
стр. 3424
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (٢٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)
سُورَةٌ أَنْزَلْناها خبر محذوف. أي هذه السورة. والتنكير للتفخيم وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيّا وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتذكرونها فتعملون بموجبها. قال الإمام ابن تيمية ﵀، في تفسير هذه الآيات: هذه السورة فرضها تعالى بالبينات والتقدير والحدود، التي من يتعد حلالها إلى الحرام فقد ظلم نفسه. ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود. وبيّن فيها فرض العقوبة وآية الجلد وفريضة الشهادة على الزنى وفريضة شهادة المتلاعنين. كل منهما يشهد أربع شهادات بالله. ونهى فيها عن تعدي حدود الله في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان. سواء كان في منزله أو ولايته. ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه. إذ الحقوق نوعان: نوع لله فلا يتعدى حدوده، ونوع للعبادة فيه أمر فلا يفعل إلا بإذن المالك، فليس لأحد أن يفعل شيئا في حق غيره إلا بإذن الله. وإن لم يأذن المالك فإذن الله هو الأصل، وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الإذن فيه. ولهذا ضمنها الاستئذان في المساكن والمطاعم وفي الأمور الجامعة. كالصلاة والجهاد ونحوهما. ووسطها بذكر النور الذي هو مادة كل خير وصلاح كل شيء. وهو ينشأ عن امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وعن الصبر على ذلك، فإنه ضياء. فإن حفظ الحدود بتقوى الله، يجعل لصاحبه نورا. كما قال تعالى:
اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ... [الحديد: ٢٨] الآية. فضدّ النور الظلمة، ولهذا عقب ذكر النور وأعمال لمؤمنين بأعمال الكفار. وأهل البدع والضلال. فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ [النور: ٣٩] الآية، إلى قوله: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ ... [النور: ٤٠] الآية، وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة. وظلم العبد نفسه من الظلم. فإن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، ونقصا
стр. 3425
في الرزق، وبغضا في قلوب الخلق. كما روي ذلك عن ابن عباس، يوضحه أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور، وأعمال الكفار بالظلمة. والإيمان اسم جامع لكل ما يحبه الله. والكفر اسم جامع لكل ما يبغضه، وإن كان لا يكفر العبد إذا كان معه أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي. كما لا يصير مؤمنا إذا كان معه بعض فروع الإيمان. ولغضّ البصر اختصاص بالنور كما
في حديث أبي هريرة الذي صححه الترمذيّ «١» : أن العبد إذا أذنب.. الحديث.
وفيه: فذلك الرّان الذي ذكر الله. وفي الصحيح «٢» : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. والغين حجاب رقيق أرقّ من الغيم، فأخبر أنه يستغفر ليزيل الغين، فلا يكون نكتة سوداء. كما أنها إذا أزيلت لا تصير رينا. وقال حذيفة: إن الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء.
فكلما ازداد العبد إيمانا، ازداد قلبه بياضا، وفي خطبة الإمام أحمد، في الرد على الزنادقة: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصّرون بنور الله أهل العمى.. إلخ. وقد قرن الله سبحانه بين الهدى والضلال بما يشبه هذا. كقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: ١٩- ٢٠] ، وقال: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود: ٢٤] ، وقال: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[البقرة: ١٧] الآيات، وهذا النور الذي يكون للمؤمن في الدنيا على حسن عمله واعتقاده، يظهر في الآخرة، كما قال تعالى: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ.. [الحديد: ١٢- ١٥] الآية، فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة، كما في سورة النور عقيب أمره بغض البصر والتوبة. وذكر ذلك بعد أمره بحقوق الأهلين والأزواج وما يتعلق بالنساء. وقال في سورة الحديد يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد: ١٢- ١٥] ، فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون به، ويطلبون الاقتباس من نورهم، فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم.
كما أنهم في الدنيا لما فقدوا النور كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [البقرة: ١٧] الآية.
وقوله تعالى:
стр. 3426
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (٢٤) : آية ٢]
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان أحكامها. أي كل من زنى من الرجال والنساء، فأقيموا عليه هذا الحد. وهو أن يجلد، أي يضرب على جلده مائة جلدة، عقوبة لما صنع وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ أي رقة ورحمة في طاعته فيما أمركم به، من إقامة الحد عليهما، على ما ألزمكم به إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب. فإن من كان بذلك مصدقا، فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه، خوف عقابه على معاصيه وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي وليحضر جلدهما طائفة من أهل الإيمان بالله ورسوله، قال ابن جرير: العرب تسمي الواحد فما زاد طائفة.
قال ابن تيمية عليه الرحمة: فأمر تعالى بعقوبتهما بحضور طائفة من المؤمنين. وذلك بشهادته على نفسه أو شهادة المؤمنين عليه. لأن المعصية إذا ظهرت كانت عقوبتها ظاهرة. كما
في الأثر: (من أذنب سرا فليتب سرا. ومن أذنب علانية فليتب علانية)
وليس من الستر الذي يحبه الله، كما
في الحديث (إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها. فإذا أعلنت ولم تنكر، ضرت العامة)
فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن. ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة. كما روي عن الحسن وغيره، لأنه لما أعلن استحق العقوبة. وأدناها أن يذم عليها لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته. ولو لم يذكر إلا بما فيه لاغتر به الناس. فإذا ذكر انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته. قال الحسن: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروا بما فيه كي يحذره الناس. و (الفجور) اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح، يدل السامع له على فجور قلب قائله. ولهذا استحق الهجرة، إذا أعلن ببدعة أو معصية، أو فجور أو تهتك أو مخالطة لمن هذا حاله. بهذا لا يبالي بطعن الناس عليه. فإن هجره نوع تعزير له. فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر أسرّ هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات وهجرة السيئات، كقوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ٥] ، وقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا [المزمل: ١٠] ، وقوله:
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ [النساء:
стр. 3427
٤٠] ، وقد روي عن عمر أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب به أخوه إلى أميرها عمرو بن العاص ليحده، جلده سرا، فبعث إليه عمر ينكر عليه. ولم يعتدّ بذلك حتى أرسل إلى ابنه، فأقدمه المدينة وجلده علانية، وعاش ابنه مدة ثم مرض ثم مات ولم يمت من الجلد، ولا ضربه بعد الموت، كما يزعمه الكذابون.
وقوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ نهى تعالى عما يأمر به الشيطان في العقوبات عموما وفي الفواحش خصوصا. فإن هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة، والرأفة التي يزينها الشيطان بانعطاف القلوب على أهل الفواحش، حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الدياثة، إذا رأى من يهوى بعض المتصلين به، أو يعاشره عشرة منكرة ولو كان ولده، رقّ به وظن أن هذا من رحمة الخلق. وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم دين وإعانة على الإثم والعدوان. وترك للتناهي عن المنكر. وتدخل النفس به في القيادة التي هي أعظم من الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع قومها، في استحسان ما كانوا يتعاطونه من إتيان الذكران والمعاونة لهم على ذلك، وكانت في الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط، وفي الباطن منافقة على دين قومها. لا تقلي عملهم كما قلاه لوط. وكما فعل النسوة بيوسف. فإنهن أعنّ امرأة العزيز على ما دعته إلى من فعل الفاحشة معها ولهذا قال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: ٣٣] ، وذلك بعد قولهن إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب. فإن الشهوة توجب السكر كما قال تعالى: إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢] ، وفي الصحيحين «١» ومن حديث أبي هريرة (العينان تزنيان) إلخ فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع كالنظر والاستمتاع والمخاطبة. ومنهم من يرتقي إلى المس والمباشرة. ومنهم من يقبل وينظر. وكل ذلك حرام. وقد نهانا الله سبحانه أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما دونه من هجر؟ ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقلاهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنى المذكورة في الحديث. والمحب، وإن كان يحب النظر والاستمتاع بصورة المحبوب وكلامه، فليس دواؤه في ذلك، لأنه مريض. والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه، فأخذتنا به رأفة، فقد أعناه على ما يهلكه ويضره وقال تعالى:
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] ، أي فيها الشفاء والبرء
стр. 3428
من ذلك. بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها، مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يزيد علته. ولا يظن أنه إذا استمتع بمحرم يسكن بلاؤه. بل ذلك يوجب له زيادة في البلاء. فإنه وإن سكن ما به عقيب استمتاعه، أعقبه ذلك مرضا عظيما لا يتخلص منه، بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء. ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية أدوية نافعة. وهي من رأفة الله بعباده، الداخلة في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء:
١٠٧] ، فمن ترك هذه الرحمة النافعة، لرأفة بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه، وإن كان لا يريد إلا الخير، إذ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض النساء بمرضاهن وبمن يربينهن من أولادهن في ترك تأديبهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير. ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وبرودة القلب والدياثة. وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه.
وهو بمنزلة جماعة مرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم، فوجد كبيرهم مرارته، فترك شربه. ونهى عن سقيه للباقين. ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين محبوبا له. إما لقرابة أو مودة أو إحسان، أو لما يرجوه منه، أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأوّل «١»
(إنّما يرحم الله من عباده الرّحماء)
وليس كما قال. بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه. بل
قد ورد «٢»
(لا يدخل الجنة ديوث)
فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها، ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها، لم يكن مريدا للعقوبة عليها. فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه، قال تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الآية. في دين الله هو طاعته وطاعة رسوله. المبنيّ على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله. فالرحمة مأمور بها بخلاف الرأفة في دين الله. والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها. فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة، زيّن له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار،. وإن رآه مائلا إلى الشدة، زيّن له الشدة في غير ذات الله، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما
стр. 3429
يحبه. ويترك من اللين والصلة والإحسان والبر ما يأمر الله به. فالأول مذنب والثاني مسرف. وفليقولا جميعا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا [آل عمران: ١٤٧] ، الآية. وقوله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فالمؤمن بذلك يفعل ما يحبه الله، وينهى عما يبغضه الله. ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه.، فتارة تغلب عليه الشدة وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠] ، والنظر والمباشرة، وإن كان بعضه من اللمم، فإن دوام ذلك وما يتصل به، من المعاشرة والمباشرة قد تكون أعظم بكثير من فساد زنى لا إصرار فيه. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك. كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: ١٦٥] الآية. ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط. وقد جمع النبيّ ﷺ الحدود فيما
رواه أبو داود من حديث ابن عمر «١»
(من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضادّ الله في أمره. ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط لله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه، حبس في ردعة الخبال حتى يخرج مما قال)
. فالشافع في الحدود مضادّ لله في أمره. فلا يجوز أن يأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصي، وجماع ذلك كله قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: ٥٤] ، وقوله:
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] ، فإن هذه الكبائر كلها من شعب الكفر كما
في الصحاح «٢»
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
إلخ. ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة بهم. ولا منافاة بين كون الواحد يحب من وجه ويبغض من وجه، ويثاب من وجه ويعاقب من وجه. خلافا للخوارج والمعتزلة. ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يرحم من وجه آخر، فيحسن إليه ويدعى له.
وهذا الجانب أغلب في الشريعة، كما في صفة الرب .
ففي الصحيح «٣»
(إن رحمتي تغلب غضبي)
وقال:
стр. 3430
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩- ٥٠] ، وقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨] ، فجعل الرحمة صفة مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين. وقال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ [النساء: ١٥] الآية، وفي الحديث «١» بيان السبيل الذي جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام في البكر، وفي الثيب الرجم لكن الذي في الحديث الجلد والنفي للبكر من الرجال وأما الآية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء إلى الموت، والسبيل للنساء خاصة. ومن الفقهاء من لا يوجب مع الحد تغريبا، ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة. كما أن أكثرهم لا يوجبون الجلد مع الرجم. ومنهم من يوجبهما جميعا. كما «٢» فعل بشراحة الهمدانية، حيث جلدها ثم رجمها. وقال:
جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة نبيّه. رواه البخاريّ. والله سبحانه ذكر في سورة النساء ما يختص بهن من العقوبة. ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما، فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما، إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:
١٦] ، فإن الأذى يتناول الصنفين. وأما الإمساك فيختص بالنساء، لأن المرأة يجب أن تصان بما لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك الزينة وترك التبرج، لأن ظهورها يسبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن، وقوله: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: ١٥] ، دل على شيئين: على نصاب الشهادة وعلى أن الشهداء على نسائنا منا. وهذا لا نزاع فيه. وأما شهادة الكفار بعضهم على بعض ففيها روايتان عن أحمد. الثانية أنها تقبل. اختارها أبو الخطاب. وهو قول أبي حنيفة. وهو أشبه بالكتاب والسنة.
وقوله ﷺ : (لا تجوز شهادة أهل ملة على ملة، إلا أمتي)
فمفهومه جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض. ولكن فيه: أن المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم، لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] ، وفي آخر الحج مثلها وفي البخاري «٣» من حديث أبي سعيد (يدعى نوح) الحديث. وكذلك فيهما «٤» من حديث أنس، شهادتهم على
стр. 3431
الجنازتين خيرا وشرا،
فقال (أنتم شهداء الله في أرضه)
الحديث. ولهذا، لما كان أهل السنة والجماعة لم يشوبوا الإسلام بغيره، كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة، بخلاف أهل البدع والأهواء، كالخوارج والروافض، فإن بينهم من العداوة والظلم ما يخرجهم عن هذه الحقية التي جعلها الله لأهل السنة، قال فيهم (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) واستدل من جوّز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ [المائدة: ١٠٦] الآية، قالوا: دلت على قبول شهادتهم على المسلمين. ففيه تنبيه على قبول شهادة بعضهم على بعض بطريق الأولى. ثم نسخ الظاهر لا يوجب نسخ الفحوى، والتنبيه على الأقوى. كما نص عليه أحمد وغيره من أئمة الحديث الموافقين للسلف. ولهذا يجوز في الشهادة للضرورة ما لا يجوز في غيرها. كما تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال. حتى نص أحمد على قبول شهادتين في الحدود التي تكون في مجامعهن الخاصة. فالكفار الذي لا يختلط بهم المسلمون أولى، والله أمرنا أن نحكم بينهم، والنبيّ ﷺ «١» رجم الزانيين من اليهود، ومن غير سماع إقرار منهم ولا شهادة مسلم. ولولا قبول شهادة بعضهم على بعض لم يجز ذلك. وفي تولي بعضهم مال بعض، نزاع، فهل يتولى الكافر العدل في دينه، مال ولده الكافر؟ على قولين والصواب المقطوع به أن بعضهم أولى ببعض وقد مضت السنة بذلك وسنة خلفائه. وقوله تعالى: فَآذُوهُما أمر.
بالأذى مطلقا، ولم يذكر صفته ولا قدره. ولفظ (الأذى) يستعمل في الأقوال كثيرا.
كقوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [آل عمران: ١١١] ، والإعراض هو الإمساك عن الإيذاء. فالمذنب لا يزال يؤذي وينهى ويوبخ إلا أن يتوب. وأدنى ذلك هجره. فلا يكلم بالكلام الطيب. وهذه محكمة فمن أتى الفاحشة وجب إيذاؤه بالكلام الزاجر إلى أن يتوب. وليس ذلك محدودا بقدر ولا صفة. إلا ما يكون زاجرا له داعيا إلى حصول المقصود، وهو توبته وصلاحه. وعلّقه تعالى على التوبة والإصلاح، فإذا لم يوجدا، فلا يجوز أن يكون الأمر بالإعراض موجودا. فأما من تاب بترك الفاحشة ولم يصلح، فتنازعوا: هل من شرط التوبة صلاح العمل؟ على قولين. وهذه تشبه قوله فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥] ، فعلق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح. مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب الكفّ
стр. 3432
عنهم. ثم إن صلوا وزكوا، وإلا عوقبوا على ترك الفعل. لأن الشارع في التوبة شرع الكف عن أذاه. ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام. وكذلك التائب من الفاحشة.
وهذه الآية مما يستدل به على التعزير بالأذى. والأذى، وإن كان كثيرا يستعمل في الكلام، فليس مختصّا به.
كقوله لمن بصق في القبلة «١» (إنك قد آذيت الله ورسوله)
وكذا
قوله في حق فاطمة «٢»
(ويؤذيني ما آذاها)
وقوله «٣»
لمن أكل البصل (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)
وهل يكون من توبته اعترافه بالذنب؟
فإذا ثبت الذنب بإقراره فجحد وكذب الشهود أو ثبت بشهادة شهود. فيه نزاع.
فذكر أحمد أنه لا توبة لمن جحد. واستدل بقصة عليّ بن أبي طالب: أنه أتى بجماعة ممن شهد عليهم بالزندقة، فاعترف منهم ناس فتابوا. فقبل توبتهم. وجحد جماعة فقتلهم.
وقال ﷺ لعائشة «٤»
(فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه)
فمن أذنب سرا فليتب سرا، كما
في الحديث «٥»
(ومن ابتلي بشيء من هذه القاذروات فليستتر)
إلخ،
وفي الصحيح «٦»
(كل أمتي معافى إلا المجاهرون)
الحديث. فإذا ظهر من العبد الذنب فلا بد من ظهور التوبة. ومع الجحود لا تظهر التوبة. فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب. ولهذا كان السلف يستعملون ذلك فيمن أظهر بدعة أو فجورا، فإن هذا أظهر حال الضالين، وهذا أظهر حال المغضوب عليهم. ومن أذاه منعه، مع القدرة، من الإمامة والحكم والفتيا والرواية والشهادة. وأما بدون القدرة، فليفعل المقدور عليه. ولم يعلق الأذية على استشهاد أربعة، وليس هذا من حمل المطلق على المقيد. لأن ذلك لا بد أن يكون فيه الحكم واحدا، مثل الإعتاق. فإذا كان متفقا في الجنس دون النوع كإطلاق الأيدي في التيمم، وتقييدها إلى المرافق في الوضوء، فلا يحمل. ولم يحمل الصحابة والتابعون المطلق على المقيد في قوله تعالى:
стр. 3433
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣] ، وقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] ، قالوا: الشرط في الربائب خاصة. قالوا: أبهموا ما أبهم الله. والمبهم هو المطلق. والمشروط فيه هو المقيد.
لكن تنازعوا: هل الموت كالدخول؟ على قولين. وذلك لأن الحكم مختلف، والقيد ليس متساويا في الأعيان. فإن تحريم جنس، ليس مثل تحريم جنس يخالفه. كما أن تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير، لما كان أجناسا، فليس تقييد الدم بالمسفوح موجبا تقييد الميتة والخنزير أن يكون مسفوحا. وهنا القيد قيد الربيبة بدخول أمها.
والدخول بالأم لا يوجد مثله في حليلة الأب وأم المرأة. إذ بالدخول في الحليلة، بها نفسها. وفي أم المرأة ببنتها. وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على المقيد في نصاب الشهادة. بل لما ذكر الله في آية الدّين فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [البقرة: ٢٨٢] ، وفي الرجعة رَجُلَيْنِ [الطلاق: ٢] ، أقروا كلا منهما على حاله. لأن سبب الحكم مختلف وهو المال والبضع. كما أن إقامة الحد في الفاحشة والقذف بها اعتبر فيه أربعة، فلا يقاس بذلك عقود الأثمان والأبضاع، وذكر في حد القذف ثلاثة أحكام:
جلد ثمانين، وترك قبول شهادتهم أبدا، وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا [النور:
٤- ٥] الآية. والتوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف، وترفع الفسق بلا تردد.
والأكثر قالوا: ترفع المنع من قبول الشهادة. وإذا اشتهر عن شخص الفاحشة لم يرجم، كما
في الصحيح «١»
(إن جاءت به يشبه الزوج فقد كذب عليها وإن جاءت به يشبه الرجل الذي رماها به، فقد صدق عليها)
فجاءت به على النعت المكروه.
فقال النبيّ ﷺ (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)
فقيل لابن عباس: هذه التي
قال فيها (لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها)
فقال: لا. تلك امرأة كانت تعلن السوء في الإسلام فقد أخبر أنه لا يرجم أحدا إلا ببينة، ولو ظهر على الشخص السوء. ودل الحديث على أن الشبه له تأثير في ذلك، ولم تكن بينة. وكذلك ثبت عنه في الجنازة لما أثنوا عليها شرّا، والأخرى خيرا.
فقال (أنتم شهداء الله في أرضه)
وفي المسند عنه «٢» أنه قال (يوشك أن تعلموا أهل الجنّة من أهل النّار) قالوا يا رسول الله! وبم ذاك؟ قال بالثناء الحسن وبالثناء السيّئ فقد جعل الاستفاضة حجة وبينة في هذه الأحكام
. ولم يجعلها حجة في الرجم. وكذلك تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين في
стр. 3434
الوصية في السفر. وكذلك تقبل شهادة الصبيان في الجراح إذا أدّوها قبل التفرق، في إحدى الروايتين. وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل والمرأة أو الصبي في لحاف، أو بيت مرحاض، أو محلولي السراويل، ويوجد مع ذلك ما يدل على ذلك، من وجود اللحاف فقد خرج عن العادة إلى مكانهما أو يكون مع أحدهما أو معهما ضوء قد أظهره، فرآه فأطفأه فإن إطفاءه دليل على استخفائه بما يفعل. فإن لم يكن ما يستخفي به إلا ما شهد به الشاهد، كان ذلك من أعظم البيان على ما شهد به فهذا باب عظيم النفع في الدين. وهو مما جاءت الشريعة التي أهملها كثير من القضاة والمتفقهة، زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا بشهود عاينوا، أو إقرار مسموع. وهذا خلاف ما تواترات به السنّة وسنة الخلفاء الراشدين. وما فطرت عليه القلوب التي تعرف المعروف وتنكر المنكر. ويدل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية. ففيها دلالات: إحداها أنه لم يأمر بالتبين عند مجيء كل فاسق بكل نبأ إذ من الأنباء ما ينهى فيه عن التبين. ومنه ما يباح فيه ترك التبين. ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة لبعض الناس، لأنه علل بخشية الإصابة، بجهالة. فلو كان كل ما أصيب بنبإ كذلك، لم تحصل التفرقة بين العدل والفاسق.
بل هذه دلالة واحدة على أن الإصابة بنبإ كذلك لم تحصل التفرقة بين العدل والفاسق، بل هذه دلالة واحدة على أن الإصابة بنبإ العدل الواحد لا ينهى عنه مطلقا.
وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد في جنس العقوبات. فإن سبب نزول الآية يدل على ذلك. فإنها نزلت بإخبار واحد. أن قوما قد حاربوا بالردة أو نقض العهد.
وفيه أيضا أنه متى اقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه فقد استبان الأمر وزال الأمر بالتثبت. فيجوز إصابة القوم إذا. فكيف خبر العدل مع دلالة أخرى؟ ولهذا كان أصح القولين، أن مثل هذا لوث في القسامة فإذا انضاف أيمان المقسمين صار ذلك بينة تبيح دم المقسم عليه. وقوله بِجَهالَةٍ جعل المحذور هو الإصابة لقوم بلا علم. فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور. وهذا هو المناط الذي دل عليه القرآن كما قال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦] ، وقال: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] ، وأيضا علل بخوف الندم وهو إنما يحصل على عقوبة البريء من الذنب كما
في السنن «١»
(ادرءوا الحدود بالشبهات. فإن الإمام، أن
стр. 3435
يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)
فإذا حصل عنده علم أنه لم يعاقب إلا مذنبا، فإنه لا يندم ولا يكون فيه خطأ. وقد ذكر الشافعيّ وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين: أحدهما الزنى، والثاني المخنّث «١» ، فيما
روت أم سلمة أن النبيّ ﷺ دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول لعبد الله أخيها: إن فتح الله لكم الطائف غدا، أدلك على ابنة غيلان. فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله ﷺ : (أخرجوهم من بيوتكم) . أخرجاه
،
وفي لفظ (لا يدخل هؤلاء عليكم)
وفي رواية (أرى هذا يعرف مثل هذا. لا يدخلن عليكم بعد اليوم)
وقال ابن جريج: هو هيت. وقال غيره: هنب. وقيل: ماتع. وذكر بعضهم أنهم ثلاثة: نهم وهيت وماتع.
ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى. إنما كان تخنيثهم لينا في القول، وخضابا في الأيدي والأرجل، ولعبا كلعب النساء. وفي السنن: أنه أمر بمخنث فنفي إلى النقيع.
فإذا كان الله أمر بإخراج هؤلاء من البيوت، فمعلوم أن الذي يمكن الرجال من نفسه، شر من هؤلاء: وهو أحق بالنفي. فإن المخنث فيه فساد للرجال والنساء. لأنه إذا تشبه بالنساء، فقد يعاشرنه وهو رجل، فيفسدهن. ولأنها إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل وتعاشر الصنفين. وقد تختار مجامعة النساء كما يختار هو مجامعة الرجال.
وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به، بمشاهدته وعشقه فإذا خرج إلى بلد ووجد هناك من يفعل به، فهنا يكون نفيه بحبسه في مكان ليس معه غيره فيه.
وإن خيف خروجه، قيد إذ هذا هو معنى نفيه. ولهذا تنازع العلماء في نفي المحارب: هل هو طرده بحيث لا يأوي إلى بلد، أو حبسه، أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا؟ فعن أحمد ثلاث روايات: الثالثة أعدل وأحسن. فإن نفيه بحيث لا يأوي إلى بلد لا يمكن، لتفرق الرعية واختلافهم واختلاف هممهم. وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج إلى مؤونة. وروي أن هنبا لما اشتكى الجوع أمره النبيّ ﷺ أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته، والذي جاءت به الشريعة من النفي هو نوع من الهجرة وليس كنفي الثلاثة «٢» الذين خلفوا، ولا هجرهم. فإنه لم يمنعهم من مشاهد الناس وحضور مجامعهم في الصلاة وغيرها. وذلك أن الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضا. فمن كانت مخالطته تضر، استحق