[المجلد الثاني]
[تتمة سورة البقرة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٧٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى هذا شروع في بيان الحدود والحقوق التي لآدميّ معيّن، وهي النفوس. وكُتِبَ بمعنى فرض وأوجب.
قال الراغب: الكتابة يعبر بها عن الإيجاب. وأصل ذلك أنّ الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب. فيعبر عن المراد الذي هو المبدأ، بالكتابة التي هي المنتهى.
الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من القاتلين مِنْ أَخِيهِ أي دم أخيه المقتول شَيْءٌ بأن ترك وليّه القود منه، ونزل عن طلب الدم إلى الدية. وفي ذكر الأخوة: تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوة الإيمان فَاتِّباعٌ أي: فعلى العافي اتباع للقاتل بِالْمَعْرُوفِ بأن يطالبه بالدية بلا عنف وَعلى القاتل أَداءٌ للدّية إِلَيْهِ أي: العافي وهو الوارث بِإِحْسانٍ بلا مطل ولا بخس ذلِكَ أي: ما ذكر من الحكم وهو جواز القصاص والعفو عنه على الدية تَخْفِيفٌ تسهيل مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وَرَحْمَةٌ بكم حيث وسّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية فَلَهُ باعتدائه عَذابٌ أَلِيمٌ أمّا في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حقّ، وأمّا في الآخرة فبالنار.
تنبيهات:
الأول: قال الراغب: إن قيل: على من يتوجه هذا الوجوب في قوله تعالى:
كتب عليكم؟ أجيب: على الناس كافة. فمنهم من يلزمه استقادته- وهو الإمام- إذا طلبه الوليّ. ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل. ومنهم من يلزمه المعاونة
стр. 496
والرضا به. ومنهم من يلزمه أن لا يتعدى بل يقتص أو يأخذ الدية. والقصد بالآية:
منع التعدّي الجاهليّ.
الثاني: القصاص مصدر قاصّه، المزيد. وأصل القصّ: قطع الشيء على سبيل الاجتذاذ، ومنه: قصّ شعره وقصّ الحديث: اقتطع كلاما حادثا جدا وغيره، والقصة اسم منه. وحقيقة القصاص: أن يفعل بالقاتل والجارح مثل ما فعلا. أفاده الراغب.
الثالث: ذكر تقيّ الدين ابن تيمية في (السياسة الشرعية) جملة من أحكام القتل نأثرها عنه. قال ﵀:
القتل ثلاثة أنواع:
أحدها العمد المحض: وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا.
سواء كان يقتل بحدّه كالسيف ونحوه. أو بثقله، كالسندان وكودس القصار. أو بغير ذلك: كالتحريق، والتغريق، وإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى يخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم ... ونحو ذلك من الأفعال. فهذا إذا فعله وجب فيه القود. وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل. فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله.
قال الله تعالى: ... وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الإسراء: ٣٣] . وقيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله.
وعن أبي شريح الخزاعيّ قال: قال رسول الله ﷺ «١» : من أصيب بدم أو خبل- والخبل الجرح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا. فمن قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو أعظم جرما ممّن قتل ابتداء.
حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدّا ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول. فإنّ الله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا
стр. 497
القاتل وأولياءه. وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل. -
كسيّد القبيلة ومقدّم الطائفة-. فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء. كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما، أشرف من المقتول. فيفضي ذلك إلى أنّ أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل. وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم. وهؤلاء، قوما. فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة. وسبب ذلك:
خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى. فكتب الله علينا (القصاص) وهو المساواة والمعادلة في القتل. وأخبر أنّ فيه (حياة) فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين. وأيضا إذا علم من يريد القتل: أنه يقتل، كفّ عن القتل ... !
وقد روي عن عليّ بن أبي طالب «١» وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله ﷺ أنه قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده..! رواه أحمد وأبو داود
وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله ﷺ أن المسلمين تتكافأ دماؤهم- أي تتساوى أو تتعادل- فلا يفضل عربي على عجميّ ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين. ولا حرّ أصليّ على مولى عتيق. ولا عالم أو أمير على أميّ أو مأمور.
وهذا متفق عليه بين المسلمين. بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود. فإنه كان يقرب مدينة النبي ﷺ صنفان من اليهود: قريظة والنضير. وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء. فتحاكموا إلى النبيّ ﷺ في ذلك وفي حدّ الزاني. فإنهم كانوا قد غيّروه من الرجم إلى التحميم «٢» ، وقالوا: إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجّة
стр. 498
وإلّا أنتم فقد تركتم حكم التوراة. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ... - إلى قوله- ... وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ...
[المائدة: ٤١- ٤٢] . - إلى قوله- ... فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٤- ٤٥] ...
فبين سبحانه أنّه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ... - إلى قوله- أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٤٨- ٥٠] .
فحكم الله في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس- في البوادي والحواضر- إنما هي البغي وترك العدل. فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من الأخرى. أو مالا. أو يعلو عليها بالباطل، فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، وغيرها ... بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية..! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ، وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ
стр. 499
الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ٩- ١٠] . وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:
٤٥] .
قال أنس «١» : ما رأيت نبي الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلّا أمر فيه بالعفو..! رواه أبو داود
وغيره.
وروى مسلم في صحيحه «٢» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله.
وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحرّ مع المسلم الحرّ، فأما الذّميّ، فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم. كما أنّ المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار- رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك- ليس بكفء له، وفاقا.
ومنهم من يقول: بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحرّ بالعبد.
النوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد:
قال النبيّ ﷺ «٣» : ألا إنّ قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلّظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها.
سمّاه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة، لكنّه بفعل لا يقتل غالبا، فقد تعمّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل.
الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه: مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود، وإنما فيه الدية والكفارة.
وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم.
التنبيه الرابع: قال الراغب: إن قيل: لم قال فمن عفي له من أخيه شيء ولم يقل: فمن عفا له أخوه شيئا..؟ قيل: العدول إلى ذلك للطيفة. وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة، فعفا أحدهم. إذ القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: فمن عفي له من أخيه شيء ليدل على هذا المعنى، و (الهاء) في قوله: أخيه يجوز أن تكون للمقتول ولوليّه. وجعله أخا لوليّ الدم لا للنسب ولا لموالاة دينية، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية.
الخامس: هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] . كما أنها مقيدة وتلك مطلقة، والمطلق يحمل على
стр. 500
المقيّد، وكذا ما ورد في السنة وصحّ عن النبيّ ﷺ في هذا الباب فإنه يبيّن ما يراد في هذه الآية وآية المائدة.
وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه: لا يقتل حرّ بعبد.
كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى. فالتعويل على ذلك.
وبالجملة: فقوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... إلخ لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. هذا ما اعتمدوه، والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٧٩]
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
وقوله تعالى:
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، حيث جعل الشيء محل ضدّه، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة. وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، وعرّف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم- الذي هو القصاص- حياة عظيمة. وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة.
وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل! وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر..! فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة..! أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود. فكان القصاص سبب حياة نفسين..! هذا ما يستفاد من (الكشاف) .
لطيفة:
اتفق علماء البيان على أنّ هذه الآية- في الإيجاز مع جمع المعاني- بالغة إلى أعلى الدرجات..! وذلك لأنّ العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم:
قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقلّ القتل. وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم القتل أنفى للقتل وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها..! ومن المعلوم لكلّ ذي لبّ أنّ بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه! وأنّى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته..!
قال في (الإتقان) وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في
стр. 501
هذا المعنى وهو قولهم (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر. وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق..!
وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك..!
الأول: أنّ ما يناظره من كلامهم وهو الْقِصاصِ حَياةٌ أقلّ حروفا، فإنّ حروفه عشرة وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر..!
الثاني: أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة، والحياة ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه! الثالث: أنّ تنكير حَياةٌ يفيد تعظيما، فيدلّ على أن في القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦] . ولا كذلك المثل، فإنّ اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء! الرابع: أنّ الآية فيه مطّردة، بخلاف المثل، فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما.! وإنما ينفيه قتل خاصّ، وهو القصاص، ففيه حياة أبدا..!
الخامس: أنّ الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل. والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة..!
السادس: أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف. بخلاف قولهم. فإنّ فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول، (وظلما) مع القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصا أنفى ظلما من تركه.
السابع: أنّ في الآية طباقا، لأنّ القصاص يشعر بضدّ الحياة بخلاف المثل..!
الثامن: أن الآية اشتملت على فنّ بديع، وهو جعل أحد الضدّين- الذي هو الفناء والموت- محلّا ومكانا لضدّه- الذي هو الحياة. واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة..! ذكره في (الكشاف) ، وعبّر عنه صاحب (الإيضاح) بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال «في» عليه.
التاسع: أنّ في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة- وهو السكون بعد الحركة- وذلك مستكره. فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكّن اللسان من النطق به وظهرت بذلك فصاحته! بخلاف ما إذا تعقّب كلّ حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره: إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فحبست، ثم تحرّكت فحبست،
стр. 502
لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة! العاشر: أنّ المثل كالتناقض من حيث الظاهر. لأن الشيء لا ينفي نفسه! الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدّة، وبعدها عن غنة النون.
الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد. - إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق.
بخلاف الخروج من القاف إلى التاء- التي هي من حرف منخفض- فهو غير ملائم للقاف. وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق.
الثالث عشر: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك تكرير القاف والتاء.
الرابع عشر: سلامتها من لفظ (القتل) المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ (الحياة) فإن الطباع أقبل له من لفظ (القتل) .
الخامس عشر: أنّ لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل، بخلاف مطلق القتل.
السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات، والمثل على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول، والنفي ثان عنه.
السابع عشر: أنّ المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أنّ القصاص هو الحياة. وقوله فِي الْقِصاصِ حَياةٌ مفهوم من أول وهلة..!
الثامن عشر: أنّ في المثل بناء (أفعل التفضيل) من فعل متعدّ، والآية سالمة منه..!
التاسع عشر: أنّ (أفعل) في الغالب يقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكنّ القصاص أكثر نفيا..! وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك.
العشرون: أنّ الآية رادعة عن القتل والجرح معا، لشمول القصاص لهما.
والحياة أيضا في قصاص الأعضاء. لأنّ قطع العضو ينقص أو ينغّص مصلحة الحياة، وقد يسري النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل..!
стр. 503
في أول الآية وَلَكُمْ وفيها لطيفة: وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم..! انتهى.
وقوله تعالى يا أُولِي الْأَلْبابِ المراد به: العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف. فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعدائهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود، صار ذلك رادعا لهم. لأنّ العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه. فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكفّ والامتناع..! إلا أنّ هذا الخوف إنما يتولّد من الفكر الذي ذكرناه، ممّن له عقل يهديه إلى هذا الفكر. فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر، لا يحصل له هذا الخوف..! فلهذا السبب خصّ الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب، ثمّ علّل ذلك بقوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: الله تعالى بالانقياد لما شرع، فتتحامون القتل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٠]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)
كُتِبَ عَلَيْكُمْ أي: فرض، كما استفاض في الشرع إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أمارته وهو المرض المخوف إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالا ينبغي أن يوصي فيه، وقد أطلق في القرآن الخير وأريد به المال في آيات كثيرة: منها هذه، ومنها قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: ٢٧٢] ، ومنها: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨] ، ومنها: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:
٢٤] . إلى غيرها. وإنما سمّى المال خيرا تنبيها على معنى لطيف: وهو أنّ المال الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من وجه محمود..! كما أنّ في التسمية إشارة إلى كثرته، كما قال بعضهم: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيّب..!
وقد روى ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عليّا ﵁ دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له عليّ: إنما قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ. إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لولدك.!
وروى الحاكم عن ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا! وقال طاوس: لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا. وقال قتادة: كان يقال: ألفا فما فوقها.
стр. 504
ومنه يعلم أن لا تحديد للكثرة المفهومة، وأنّ مردّها للعرف لاختلاف أحوال الزمان والمكان.
ثم ذكر نائب فاعل (كتب) بعد أن اشتد التشوّف إليه، فقال الْوَصِيَّةُ وتذكير الفعل الرافع لها: إمّا لأنه أريد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكّر الضمير في قوله فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ وإمّا للفصل بين الفعل ونائبه، لأنّ الكلام لما طال، كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث. وقوله لِلْوالِدَيْنِ بدأ بهما لشرفهما وعظم حقّهما وَالْأَقْرَبِينَ من عداهما من جميع القرابات بِالْمَعْرُوفِ وهو ما تتقبله الأنفس ولا تجد منه تكرّها.
وفي الصحيحين «١» : أنّ سعدا قال: يا رسول الله، إنّ لي مالا ولا يرثني إلّا ابنة لي. أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا..! قال: فبالشطر؟ قال لا..! قال: فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير، إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس!
وفي صحيح البخاري «٢» أن ابن عباس قال: لو أنّ الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإنّ رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير..!
وروى الإمام أحمد «٣» عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة أنّ جدّه أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال حنيفة: إنّي أوصيت
стр. 505
ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطيبة، فقال النبيّ ﷺ : لا لا لا..! الصدقة خمس، وإلّا فعشر، وإلّا فخمس عشرة، وإلّا فعشرون، وإلّا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلّا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون! وذكر الحديث بطوله
. ثمّ أكد تعالى الوجوب بقوله حَقًّا- وكذا قوله- عَلَى الْمُتَّقِينَ فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله عن النقير والقطمير.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨١]
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)
فَمَنْ بَدَّلَهُ أي: فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع، من الأوصياء والشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي بعد ما وصل إليه وتحقق لديه فَإِنَّما إِثْمُهُ أي التبديل- عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع، فلا يلحق الموصي منه شيء وقد وقع أجره على الله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيد شديد للمبدّلين.
هذا، وما ذكرناه من أنّ المنهيّ عن التبديل إمّا الأوصياء أو الشهود هو المشهور. وهناك وجه آخر- أراه أقرب- وهو أن يكون المنهيّ عن التغيير هو الموصي نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بيّن تعالى الوصية إليها. وذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأبعدين الأجانب، طلبا للفخر والشرف. ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة والضرّ، فأوجب الله تعالى الوصية لهؤلاء منعا للقوم عمّا اعتادوه- كذا قاله الأصم.
стр. 506
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٢]
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
فَمَنْ خافَ أي توقّع وعلم، وهذا في كلامهم شائع، ويقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظّن الغالب، الجاري مجرى العلم مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ميلا عن الحقّ، بالخطإ في الوصية، والتصرف فيما ليس له أَوْ إِثْماً أي: ميلا فيها عمدا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي: بينه وبين الموصى لهم- وهم الوالدان والأقربون- بإجرائهم على طريق الشرع.
قال ابن جرير: بأن يأمره بالعدل في وصيته، وأن ينهاهم عن منعه فيما أذن له فيه وأبيح له. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: بهذا التبديل، لأن تبديله تبديل باطل إلى حقّ! - إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن جرير: أي غفور للموصي- فيما كان حدّث به نفسه من الجنف والإثم إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته- فتجاوز له عما كان حدّث به نفسه من الجور إذ لم يمض ذلك، رَحِيمٌ بالمصلح بين الوصيّ وبين من أراد أن يحيف عليه لغيره أو يأثم فيه له..!
تنبيه:
(ما أفادته الآية من فرضية الوصية للوالدين والأقربين) ذكر بعضهم: أنه كان واجبا قبل نزول آية المواريث. فلمّا نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدّرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمّل منّة الموصي. ولهذا جاء
في الحديث «١» - الذي في السنن وغيرها- عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقه، فلا وصيّة لوارث..!» .
ونصّ الإمام الشافعي على أنّ هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في
أنّ النبي ﷺ قال عام الفتح: «لا وصية لوارث»
. ويأثرونه عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة. فهو أقوى من نقل واحد.
стр. 507
قال الإمام مالك في «الموطأ» : السنّة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنّه: لا تجوز وصيّة لوارث إلّا أن يجيز له ذلك ورثة الميّت.
وذهبت طائفة إلى أنّ الآية محكمة لا تخالف آية المواريث. والمعنى: كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أو كتب على المحتضر: أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم! فلا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطيّة من الله تعالى، والوصية عطيّة ممن حضره الموت. فالوارث جمع له بين الوصيّة والميراث بحكم الآيتين. ولو فرض المنافاة، لأمكن جعل آية الميراث مخصّصة لهذه الآية. بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثا لأجل صلة الرحم. فقد أكد تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى في غير ما آية، فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة، أو ذوي رحم مفروضة..! قالوا: ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم..!.
ومما استدلّ به على وجوب الوصيّة، من السنّة:
خبر الصحيحين «١» عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «٢» : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيّته مكتوبة عنده
. قال ابن عمر: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلّا وعندي وصيّتي..! والآيات والأحاديث- بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم- كثيرة جدّا..!.
ظهر لي في آية كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ... إلخ- وكان درسنا صباحا من البخاريّ في كتاب (الوصايا) - أنّ هذه الآية ليست منسوخة- كما قيل- بل هي محكمة بطريقة لا أدري هل أحد سبقني بها أم لا؟ فإني- في تفسيري المسمّى بمحاسن التأويل- نقلت هناك مذاهب العلماء، ولا يحضرني الآن أن ما سأذكره مأثور أم لا؟ وهو أنّ هذه الآية مع آية: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ، متلاقيتان في المعنى، من حيث إنّ المراد بالوصيّة: وصية الله في إيتاء ذوي الحقوق حقوقهم، وعدم الغض منها، والحذر من تبديلها، لما يلحق المبدّل من الوعيد الشديد..!
وخلاصة المعنى على ما ظهر:
стр. 508
كُتِبَ عَلَيْكُمْ أي: فرض عليكم فرضا مؤكّدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا يعتوره تغيير إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي: قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي: مالا يورث الْوَصِيَّةُ أي: المعهودة، وهي وصيّة الله في إيتاء كل ذي حقّ حقّه، على ما بينته تلك الآية لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أي: في إبلاغهم فرضهم المبين في آية يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فإنه أجمع آية حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما فَمَنْ بَدَّلَهُ أي: هذا المكتوب الحقّ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي: فعلم الحق المفروض فيه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: فلا يخفى عليه شيء من حال الممتثل والمبدّل، وقوله تعالى فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أي: ميلا عمّا فرضه تعالى أَوْ إِثْماً أي: بقطع من يستحقّ عن حقّه، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس التي لم يدركها نور التهذيب فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي: بأمر رضي به الكل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: لأنّ الصلح جائز إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا، والله أعلم. المنقول من الدفتر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ- فرض- عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
واعلم أنّ مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحسانا إليهم، وحميّة، وجنّة..! فإن المقصود من الصيام: حبس النفس عن الشهوات، وفطمها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به ممّا فيه حياتها الأبدية..! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين..! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كلّ عضو منها وكلّ قوّة عن جماحها، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنّة المجاهدين، ورياضة الأبرار والمقرّبين..! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإنّ الصائم لا يفعل شيئا، إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل
стр. 509
معبوده. فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته. وهو سرّ بين العبد وربّه، ولا يطلع عليه سواه..!.
والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة. وأمّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر. وذلك حقيقة الصوم..!
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة. وحميتها عن التخليط الجالب لها الموادّ الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها. واستفراغ الموادّ الردية المانعة له من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها.
ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات. فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى في تتمة الآية: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ،
وقال النبي ﷺ «١» : الصوم جنّة.
وأمر «٢» من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه، بالصيام. وجعله وجاء هذه الشهوة.
وكان هدى رسول الله ﷺ فيه أكمل الهدى، وأعظم تحصيلا للمقصود، وأسهله على النفوس..! ولما كان فطم النفس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة. لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة. وألفت أوامر القرآن. فنقلت إليه بالتدريج. وكان فرضه السنة الثانية من الهجرة. فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسعة رمضانات. وفرض أوّلا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كلّ يوم مسكينا. ثمّ نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة- إذا لم يطيقا الصيام- فإنهما يفطران ويطعمان عن كلّ يوم مسكينا- كما سيأتي بيانه- وكان للصوم رتب ثلاث: أحدها: إيجابه بوصف التخيير. والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة: وهي التي استقرّ عليها الشرع إلى يوم القيامة..! كذا أفاده ابن القيم في زاد المعاد.
стр. 510
وقوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين به فإنّ الشاقّ إذا عمّ سهل عمله! والمماثلة إنّما هي في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، وفيه دليل على أنّ الصوم عبادة قديمة.
وفي التوراة، سفر عزرا، الأصحاح الثاني، ص ٧٥٠:
(٢١) «وناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه طريقا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل مالنا» .
وفي سفر إشعياء، الأصحاح الثامن والخمسون ص ١٠٦٢:
(٣) «يقولون لماذا صمنا ولم ننظر. ذلّلنا أنفسنا ولم نلاحظ. ها إنكم في يوم صومكم توجدون مسرّة وبكل أشغالكم تسخّرون» .
(٤) ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشرّ. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء.
(٥) أمثل هذا يكون صوم أختاره. يوما يذلّل الإنسان فيه نفسه يحنى كالأسلة رأسه ويفرش تحته مسحا ورمادا. هل تسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب؟ ... إلخ.
وفي سفر يوئيل، الأصحاح الأول، ص ١٢٩٩:
(١٤) قدّسوا صوما.
وفي الأصحاح الثاني، ص ١٣٠٠:
(١٢) ولكن الآن يقول الرب: ارجعوا إليّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح.
(١٣) ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة..
(١٥) ... قدّسوا صوما نادوا باعتكاف.
(١٦) اجمعوا الشعب قدسوا الجماعة.
وفي سفر زكريا، الأصحاح الثامن، ص ١٣٤٧:
(١٩) هكذا قال رب الجنود. إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجا وفرحا وأعيادا طيبة. فأحبوا الحق والسلام.
стр. 511
وفي إنجيل متّى، الأصحاح السادس ص ١١:
(١٧) وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك.
(١٨) لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.
الأصحاح السابع عشر ص ٣٢:
لما رأى عيسى ﵊ فتى وأخرج منه الشيطان قال لأصحابه.
(٢١) وأما هذا الجنس فلا- يخرج إلا بالصلاة والصوم.
وفي الأصحاح الرابع ص ٦:
(٢) فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا (أي المسيح ﵇ .
وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، الأصحاح السادس ص ٢٩٥:
(٤) بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدّام الله في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضيقات.
(٥) في ضربات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصوام.
وفي الأصحاح الحادي عشر ص ٣٠١:
(٢٧) في تعب وكدّ. في أسهار مرارا كثيرة. في جوع وعطش. في أصوام مرارا كثيرة. في برد وعري.
هذا، ومتى أطلق الصوم في كل شريعة، فلا يقصد به الّا الامتناع عن الأكل كلّ النهار إلى المساء، لا مجرّد إبدال طعام بطعام.
وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: تجعلون بينكم وبين سخطه تعالى وقاية بالمسارعة إليه، والمواظبة عليه، رجاء لرضاه تعالى فإنّ الصوم يكسر الشهوة، فيقمع الهوى، فيردع عن مواقعة السوء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٤]
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام
стр. 512
معدودات وهي أيام شهر رمضان، كما بينها تعالى فيما بعد بقوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أي: مرضا يضرّه الصوم، أو يعسر معه.
والمرض: السقم وهو نقيض الصحة واضطراب الطبيعة بعد صفائها واعتدالها أَوْ عَلى سَفَرٍ أي: فأفطر فَعِدَّةٌ أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير المعدودات المذكورة، وإنما رخّص الفطر في حال المرض والسفر لما في ذلك من المشقة. وقد سافر رسول الله ﷺ في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها: في غزوة بدر وغزوة الفتح.
قال عمر بن الخطاب «١» : غزونا مع رسول الله ﷺ في رمضان غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما.
تنبيهات
الأول: ثبت أنه ﷺ صام في السفر وأفطر، كما خيّر بعض الصحابة بين الصوم والفطر.
ففي الصحيحين «٢» : عن أبي الدرداء ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حارّ، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ، وما فينا صائم إلّا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة
. وقوله (في بعض أسفاره) وقع في إحدى روايتي مسلم، بدله (في شهر رمضان) .
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال «٣» : سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم.
وفي رواية: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما غابت الشمس قال لرجل: انزل فاجدح لنا..! فقال: يا رسول الله! لو أمسيت. قال: أنزل فاجدح لنا قال: إن عليك نهارا. فنزل، فجدح له، فشرب، ثمّ قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا- وأشار بيده نحو المشرق- فقد أفطر الصائم. رواه الشيخان. واللفظ لمسلم.
وعن ابن عباس ﵄ قال «٤» : خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى
стр. 513
مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس. فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان.
فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر. رواه الشيخان. واللفظ للبخاريّ.
وعن قزعة قال «١» : أتيت أبا سعيد الخدريّ فسألته عن الصوم في السفر فقال:
سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكّة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم! فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر.
ثمّ نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا.
وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر، رواه مسلم.
وعن عائشة «٢» : أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال للنبيّ ﷺ :
أأصوم في السفر؟. - وكان كثير الصيام- فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر.
رواه البخاريّ.
ورواه مسلم من طريق آخر، أنه قال: يا رسول الله! أجد بي قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله. فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه.
وعن أنس بن مالك قال «٣» : كنا نسافر مع النبيّ ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. رواه الشيخان.
الثاني: لا يخفى أنّ جواز الصوم للمسافر، إذا أطاقه بلا ضرر. وأمّا إذا شقّ عليه الصوم فلا ريب في كراهته، لما
في الصحيحين «٤» : عن جابر ﵁ قال: كان
стр. 514
رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما، ورجل قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا:
صائم، فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر.
فلا ينافي هذا ما تقدم، كما لا يرد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن السياق والقرائن تدل على تخصيصه بمن شقّ عليه الصوم. وما تقدم، في غيره.
قال ابن دقيق العيد: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم وبين مجرد العام على سبب. فإن بين المقامين فرقا واضحا. ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب. فإنّ مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به. كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان. وأمّا السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في هذا الحديث. انتهى. وهو استنباط جيد. وبالجملة: فالمريض والمسافر يباح لهما الفطر. فإن صاما، صحّ. فإن تضرّرا، كره..!.
الثالث: لم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدّ، ولا صحّ عنه في ذلك شيء. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبيّ في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد ﷺ ..! وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أنّ ذلك سنته وهديه ﷺ . كما
قال عبيد بن جبر «١» : ركبت مع أبي بصرة الغفاريّ صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان. فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت:
ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ رواه أبو داود وأحمد.
ولفظ أحمد: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء. وذلك في رمضان، فقلت يا أبا بصرة! والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد. فقال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فقلت لا! قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما حوزنا (قيل: أي موضعهم الذي أرادوه) وقال «٢» محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان- وهو يريد السفر- وقد رحلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟
قال: سنّة. ثم ركب
. قال الترمذي: حديث حسن. وقال الدارقطنيّ فيه: فأكل وقد تقارب غروب الشمس..! وهذه الآثار صريحة أنّ من أنشأ السفر في أثناء يوم من
стр. 515
رمضان فله الفطر فيه. قاله في (زاد المعاد) .
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي الصوم، إن أفطروا فِدْيَةٌ أي إعطاء فدية وهي طَعامُ مِسْكِينٍ و «الفدية» ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يقصّر فيها، و «الطعام» ما يؤكل وما به قوام البدن فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بأن أطعم أكثر من مسكين فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ لأنه فعل ما يدل على مزيد حبّه لربه وَأَنْ تَصُومُوا أيها المطيقون خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية وإن زادت إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي فضيلة الصوم وفوائده، أو إن كنتم من أهل العلم.
وقد ذهب الأكثرون إلى أن هذه الآية منسوخة بما بعدها. فإنه كان في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخّص لهم في الإفطار والفدية. كما روى مسلم «١» عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها. وأسند من طريق آخر عن سلمة أيضا قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. وفي البخاري «٢» : قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها شَهْرُ رَمَضانَ.... الآية. ثم روي عن ابن أبي ليلى: حدثنا أصحاب محمد ﷺ : نزل رمضان فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسخت وأمروا بالصوم. ثم أسند أيضا عن ابن عمر أنه قال: هي منسوخة.
هذا وقد روى البخاري «٣» في (التفسير) : عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كلّ يوم مسكينا.
هذا، وقد ذكر البخاري «٤» في (التفسير) : أنّ أنس بن مالك أطعم- بعد ما
стр. 516
كبر- عاما أو عامين، كلّ يوم مسكينا، خبزا ولحما، وأفطر، رواه تعليقا. ووصله أبو يعلى الموصليّ في «مسنده» . ورواه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه. وروى محمد بن هشام في فوائده عن حميد قال:
ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا..!
فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر ... !
ولما أبهم الأمر في الأيام عيّنت هنا بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٥]
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
شَهْرُ رَمَضانَ لأنّ ذلك أفخم وآكد من تعيينه من أوّل الأمر.
وقال الراغب: جعل معالم فرضه على الأهلة ليبادر الإنسان به في كلّ وقت من أوقات السنة، كما يدور الشهر فيه من الصيف والشتاء والربيعين.
وفي رفع شَهْرُ وجهان: أحدهما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات. فعلى هذا يكون قوله الَّذِي أُنْزِلَ نعتا للشهر أو لرمضان.
والثاني هو مبتدأ. ثم في الخبر وجهان: أحدهما الَّذِي أُنْزِلَ والثاني إنّ الَّذِي أُنْزِلَ صفة، والخبر هو الجملة التي هي قوله فَمَنْ شَهِدَ.
فإن قيل: لو كان خبرا لم يكن فيه الفاء لأنّ شهر رمضان لا يشبه الشرط!.
قيل: الفاء- على قول الأخفش- زائدة. وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر ب الَّذِي، فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس (الذي) . ومثله قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ٨] ، فإن قيل: فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيما أي: فمن شهده منكم. كذا في العكبريّ.
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي: ابتدأ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر.
قال الرازيّ: لأن مبادي الملل والدول هي التي يؤرخ بها، لكونها أشرف
стр. 517
الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة.
وقال سفيان بن عيينة: معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله أن يقال: أنزل الله في الصديق كذا آية، يريدون في فضله.
وقال ابن الأنباريّ: أنزل- في إيجاب صومه على الخلق- القرآن، كما يقال:
أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها، والله أعلم.
قال الحراليّ: أشعرت الآية أنّ في الصوم حسن تلقّ لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجّد الليل، وهو صيغة مبالغة من (القرء) وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح. انتهى.
وفي مدحه- بإنزاله فيه- مدح للقرآن به، من حيث أشعر أنّ من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، ليوقف على حقيقة ما اتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة، من أنّه لا ريب فيه، وأنه هدى، على وجه أعمّ من ذلك الأول. فقال تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ نصب على الحال. وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ عطف على الحال قبله. فهي حال أيضا. والظرف صفة. أي:
أنزل حال كونه هداية للناس، وآيات واضحة مرشدة إلى الحقّ، فارقة بينه وبين الباطل. ولدفع سؤال التكرار في قوله وَبَيِّناتٍ.... إلخ بعد قوله هُدىً لِلنَّاسِ حمل بعض المفسرين الهدى الأول بواسطة النكرة على الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعني هدايته بإعجازه. والثاني على الهدى الحاصل باشتماله على الواضحات من أمر الدين، والفرقان بين الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات.
وثمّة وجه آخر نقله الرازيّ: وهو أن الْهُدى الثاني المراد به التوراة والإنجيل.
قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: ٣- ٤] . فبين تعالى أن القرآن- مع كونه هدى في نفسه- ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان، والله أعلم.
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر- أي: حضر فيه بأن كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة. ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في
стр. 518
البيان. ثم أعيد ذكر الرخصة بقوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لئلّا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنّه خير، أن الصوم حتم لا تتناوله الرخصة بوجه، أو تتناوله، ولكنها مفضولة. وفيه عناية بأمر الرخصة، وأنها محبوبة له تعالى كما ورد. وفي إطلاقه، إشعار بصحة وقوع القضاء متتابعا وغير متتابع يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ أي تشريع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر، وبقصر الصوم على شهر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ في جعله عزيمة على الكلّ، وزيادته على شهر.
قال الحراليّ: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم. والعسر ما يجهد النفس ويضرّ الجسم.
قال الشعبيّ: إذا اختلف عليك أمران، فإنّ أيسرهما أقربهما إلى الحقّ، لهذه الآية.
وروى الإمام أحمد مرفوعا «١» : إنّ خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره.
وروى أيضا «٢» : إنّ دين الله في يسر (ثلاثا) .
وفي الصحيحين «٣» : أنّ رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما إلى اليمن: يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا.
وفي السنن والمسانيد «٤» : أن رسول الله ﷺ قال: بعثت بالحنيفية السمحة.
стр. 519
أي التي لا إصر فيها ولا حرج. كما قال تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، [الحج: ٧٨] .
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. علل لفعل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. ولهذه الأمور شرع ذلك. يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخّص له بمراعاة عدّة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر. فقوله لِتُكْمِلُوا علّة الأمر بمراعاة العدّة. وَلِتُكَبِّرُوا.
علّة ما علّم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علّة الترخيص والتيسير. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيّنه إلّا النقّاب المحدث من علماء البيان! وإما عدّي فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد. كأنه قيل: ولتكبّروا الله حامدين على ما هداكم. ومعنى وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وإرادة أن تشكروا. ويجوز عطفها على اليسر أي: يريد بكم لتكملوا ... إلخ، كقوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ... إلخ. [الصف: ٨] والمراد بالتكبير تعظيمه تعالى والثناء عليه- كذا أفاده الزمخشري.
قال الحراليّ: وفي لفظ: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ، إشعار لما أظهرته السنّة من صلاة العيد، وأعلن فيها بالتكبير. وكرر مع الجهر فيها لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنّما يكون علنا. وجعلت في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير. لأن تكبير الله إنما هو بما جلّ من مخلوقاته. انتهى ملخصا.
وقال ابن كثير: وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ. أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة: ٢٠٠] وقال فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: ١٠] وقال وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ [ق:
٣٩- ٤٠] ولهذا جاءت السنّة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
وقال ابن عباس «١» : ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلّا بالتكبير.
стр. 520
ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفطر من هذه الآية.
حتى ذهب داود بن عليّ الأصبهانيّ الظاهريّ إلى وجوبه في عيد الفطر، لظاهر الأمر في قوله وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀:
أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه. انتهى.
وفي (زوائد المشكاة) عن عبد الله بن عمر أنّه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلّى. ثم يكبّر حتى يأتي الإمام. وفي رواية: رفعه إلى النبي ﷺ رواه الدارقطنيّ. وعن نافع أنّ ابن عمر كان يغدو إلى المصلّى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبّر حتى يأتي المصلّى، ثم يكبّر بالمصلّي حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير. رواه الشافعيّ.
قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ: حديث أنه ﷺ كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى، رواه الحاكم والبيهقيّ من حديث ابن عمر من طرق مرفوعا وموقوفا، وصحّح وقفه. ورواه الشافعيّ موقوفا أيضا.
وفي الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا: زينوا أعيادكم بالتكبير. إسناده غريب.
انتهى.
وفائدة طلب الشكر في هذا الموضع، هو أنّه تعالى، لما أمر بالتكبير، وهو لا يتم إلّا بأن يعلم العبد جلال الله وكبرياءه وعزته وعظمته، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين. ثمّ يعلم أنه سبحانه- مع جلاله وعزّته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلا عن هذا المسكين- خصه الله بهذه الهداية العظيمة- لا بدّ وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته، فلهذا قال وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أفاده الرازيّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٦]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ قال الراغب: هذه الآية من تمام الآية الأولى. لأنه لما حث على تكبيره وشكره على ما قيّضه لهم من تمام الصوم، بيّن أنّ
стр. 521
الذي يذكرونه ويشكرونه قريب منهم، ومجيب لهم إذا دعوه، ثم تمم ما بقي من أحكام الصوم.
قال الرازيّ: إنّ السؤال متى كان مبهما، والجواب مفصّلا، دلّ الجواب على أنّ المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعيّن. فلما قال في الجواب فَإِنِّي قَرِيبٌ علمنا أنّ السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، أي كما صرّحت به الرواية السابقة.
والقريب من أسمائه تعالى الحسنى. ومعناه القريب من عبده بسماعه دعاءه، ورؤيته تضرّعه، وعلمه به، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] وقال وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وقال ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧] .
قال الإمام تقيّ الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، في عقيدته الواسطية:
ودخل- فيما ذكرناه من الإيمان بالله- الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسول الله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة. من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه. وهو معهم سبحانه أينما كانوا. يعلم ما هم عاملون.
كما جمع بين ذلك في قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وليس معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أنه مختلط بالخلق، فإنّ هذا لا توجبه اللغة. وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة. وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. بل القمر- آية من آيات الله- من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان. وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه. مهيمن عليهم، مطلع إليهم. إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكلّ هذا الكلام الذي ذكره الله من أنّه فوق العرش، وأنّه معنا- حقّ على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. ودخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه، كما قال تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... الآية.
وفي الصحيح عن النبيّ ﷺ «١» : إنّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته.
وما ذكر في الكتاب والسنة- من قربه ومعيته- لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته..! فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وهو عليّ في دنوّه، قريب في علوّه..! انتهى كلامه، رحمه الله تعالى.
стр. 522
وقوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب وتحقيق له. ووعد للداعي بالإجابة. وقد قرئ في السبع بإثبات الياء في (الداع) و (دعان) في الوصل دون الوقف، وبالحذف مطلقا.
تنبيهات:
الأول: في معنى الدعاء:
قال في القاموس وشرحه: الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال. ويطلق على العبادة والاستغاثة.
الثاني: فيما فسرّ به قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ:
قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في هديه ﷺ في سجوده ما نصه: وأمر- يعني النبيّ ﷺ بالدعاء في السجود، وقال «١» : إنه ضمن أن يستجاب لكم
. وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود؟ أو أمر بأنّ الداعي إذا دعا في محلّ فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين..! وأحسن ما يحمل عليه الحديث، أنّ الدعاء نوعان:
دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبيّ ﷺ كان يكثر في سجوده من النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة- أيضا- نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب. وبكلّ واحد من النوعين فسرّ قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. والصحيح أنّه يعمّ النوعين. انتهى.
الثالث: فيمن هو الداعي المجاب:
قال الراغب: بيّن تعالى- في هذه الآية- إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبّه بقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] . إن قيل:
قد ضمن في الآيتين أنّ من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه! قيل: إنّه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] وإنّما عنى به الموصوفين بقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [الحجر: ٤٢] ، وقوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ [الفرقان: ٦٣]
стр. 523
الآيات وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف: ١٨٠] ، ويخلص النيّة، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أنّ نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوّله وأعطاه. ومعلوم أنّ من هذا حاله فمجاب الدعوة..!
وقال ابن القيّم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) ما نصّه، بعد جمل: وكذلك الدعاء. فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره. إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإمّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإمّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو اللهو وغلبتها عليه. كما
في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة.
واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه!.
فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها. كما
في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «١» : «أيها الناس! إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيبا. وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: ٥١] ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] ، ثم ذكر:
الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء: يا ربّ يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فإنّى يستجاب لذلك..!»
وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب (الزهد) لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله إلى نبيّهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إليّ أكفّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام. الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلّا بعدا..!.
ثم قال ابن القيم ﵀: والدعاء من أنفع الأدوية. وهو عدوّ البلاء، يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن. كما
стр. 524
روى الحاكم في (صحيحه) من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين، ونور السموات والأرض! وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها، أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني، أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث، أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه..!.
وقد روى الحاكم في (صحيحه) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وإنّ البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة!.
وفيه أيضا، من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم، عباد الله، بالدعاء!.
وفيه أيضا: من حديث ثوبان عن النبيّ ﷺ : لا يردّ القدر إلّا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلّا البرّ. وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه..!.
ثم قال ابن القيّم ﵁: ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء.
وقد روى ابن ماجة في (سننه) «١» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يسأل الله يغضب عليه!
وفي (صحيح الحاكم) من حديث أنس عن النبيّ ﷺ : لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد.
وذكر الأوزاعي عن الزهريّ عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله يحبّ الملحّين في الدعاء!
وفي كتاب (الزهد) للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورّق: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجل في البحر على خشبة. فهو يدعو: يا ربّ! لعلّ الله أن ينجيه..!.
ثم قال ابن القيّم، نوّر الله ضريحه: ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه. فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله..!
وفي البخاري «٢» من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول: دعوت فلم يستجب لي!.
وفي صحيح مسلم «٣» عنه: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل! قيل: يا رسول
стр. 525
الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي.
فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء.
وفي (مسند أحمد) «١» من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا: يا رسول الله! كيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت لربي فلم يستجب لي.
ثم قال:
فصل
وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلّا وتضرّعا ورقّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده ﷺ ، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة- فإن هذا الدعاء لا يكاد يردّ أبدا. ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبيّ ﷺ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. فمنها ما
في السنن وفي (صحيح ابن حبان) «٢» من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي- لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا..! فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب!
وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم.!
وفي السنن «٣» و (صحيح ابن حبان) أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي ثم دعا:
اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنّان بديع السموات والأرض، يا ذا
стр. 526
الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! فقال النبيّ ﷺ : لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى!
وأخرج الحديثين أحمد في (مسنده) وفي (جامع الترمذي) «١» من حديث أسماء بنت يزيد: أن النبيّ ﷺ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وفي (مسند أحمد) «٢»
و (صحيح الحاكم) من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن النبيّ ﷺ أنه قال ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام.
يعني: تعلّقوا بها والزموها وداوموا عليها.
وفي (جامع الترمذيّ) «٣» من حديث أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم. وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم..!
وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث.
وفي (صحيح الحاكم) «٤» من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه.
قال القاسم: فالتمستها فإذا هي آية الحيّ القيوم.
وفي (جامع الترمذيّ) «٥» و (صحيح الحاكم) من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبيّ ﷺ قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فإنه لم يدع بها رجل مسلم، في شيء قط، إلّا استجاب الله له
قال الترمذيّ: حديث صحيح.
وفي (صحيح الحاكم) أيضا من حديث سعد عن النبي ﷺ : ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهمّ فدعا به يفرج الله عنه: دعاء ذي النون.
وفي (صحيحه) أيضا عنه أنه سمع النبيّ ﷺ وهو يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس. فقال رجل: يا رسول الله! هل كان ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:
٨٨] ، فأيّما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر
стр. 527
شهيد. وإن برأ، برأ مغفورا له!
وفي (الصحيحين) «١» من حديث ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات وربّ الأرض رب العرش الكريم.!
وفي (مسند الإمام أحمد) «٢» من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: علّمني رسول الله ﷺ إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلّا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله ربّ العالمين.
وفي (مسنده) أيضا «٣» ، من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن فقال:
اللهمّ! إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك. ناصيتي بيدك. ماض فيّ حكمك. عدل فيّ قضاؤك. أسألك اللهمّ بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك. أو علّمته أحدا من خلقك. أو أنزلته في كتابك. أو استأثرت به في علم الغيب عندك. أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همّي.! إلّا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحا. فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلّمها؟ قال: بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها.
وقال ابن مسعود: ما كرب نبيّ من الأنبياء إلّا استغاث بالتسبيح.
ثم قال ابن القيّم: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، فيكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله. أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته. أو صادف الدعاء وقت إجابة. ونحو ذلك، فأجيبت دعوته. فيظنّ الظانّ أنّ السرّ في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به. فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرّده كاف في حصول المطلوب كان غالطا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. ومن هذا، قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب. فيظنّ الجاهل أنّ السرّ للقبر. ولم يعلم أنّ السرّ للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحبّ إلى الله..!.
стр. 528
ثمّ قال ابن القيّم: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح. والسلاح بضاربه لا بحدّه فقط! فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به. والساعد ساعد قويّ، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدوّ..! ومتى تخلّف واحد من هذه الثلاثة، تخلّف التأثير..! فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثمّ مانع من الإجابة- لم يحصل التأثير..!.
ثم قال ابن القيّم: وهنا سؤال مشهور وهو: أنّ المدعو به إن كان قد قدّر لم يكن بدّ من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدّر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. فظنت طائفة صحة هذا السؤال.، فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه! وهؤلاء- مع فرط جهلهم وضلالهم- يتناقضون. فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم إن كان الشبع والريّ قد قدّر لك فلا بد من وقوعهما. أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدرا لم يقعا. أكلت أو لم تأكل. وإن كان الولد قدّر لك، فلا بدّ منه، وطأت الزوجة والأمة أو لم تطأهما. وإن لم يقدّر لم يكن.
فلا حاجة إلى التزويج والتسرّي. وهلمّ جرّا ... فهل يقال: هذا عاقل أو آدميّ؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا.
وتكايس بعضهم. وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبّد المحض. يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما..! ولا فرق- عند هذا الكيّس- بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب.
وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق..! وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجرّدة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة.
فمتى وفّق العبد للدعاء كان ذلك علامة له، وأمارة على أنّ حاجته قد قضيت..!
وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء. فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر..! قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنّها أسباب له..! وهكذا- عندهم- الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سببا البتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلّا بمجرد الاقتران العاديّ لا التأثير السببيّ. وخالفوا، بذلك، الحسّ والعقل والشرع وسائر طوائف العقلاء. بل أضحكوا عليهم العقلاء..! والصواب أنّ هاهنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل، وهو: إنّ هذا المقدور قدّر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرّدا عن سببه ولكن قدّر
стр. 529
بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. وكذلك قدّر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحقّ، وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له. وحينئذ، فالدعاء، من أقوى الأسباب. فإذا قدّر وقوع المدعوّ به بالدعاء، لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب! ولمّا كان الصحابة ﵃ أعلم الأمّة بالله ورسوله وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. وكان عمر ﵁ يستنصر به على عدوّه. وكان أعظم جنده، وكان يقول للصحابة:
لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء! وكان يقول: إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن همّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإنّ الإجابة معه..!.
فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإنّ الله سبحانه يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] ، وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ.
وفي (سنن ابن ماجة) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يسأل الله يغضب عليه.
وهذا يدلّ على أن رضاه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب ﵎ فكلّ خير في رضاه، كما أنّ كلّ بلاء ومصيبة في غضبه..!
وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب (الزهد) أثرا: أنا الله لا إله إلّا أنا، إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد!
وقد دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم- على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها- على أنّ التقرب إلى ربّ العالمين، وطلب مرضاته، والبرّ والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكلّ خير وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكلّ شرّ..! فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرّب إليه والإحسان إلى خلقه! وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السرور في الدنيا والآخرة- في كتابه- على الأعمال، ترتب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلّة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع: فتارة يرتب الحكم الخبريّ الكونيّ والأمر الشرعيّ على الوصف المناسب له، كقوله تعالى فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
[الأعراف: ١٦٦] ، وقوله فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥] ، وقوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ