← Тафсир

Тафсир · id 23631

تفسير القاسمي محاسن التأويل

جمال الدين القاسمي

Полный текст (4 837 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدوّ في الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب. وسنذكر. في تنبيه يأتي، التحقيق في كون تحريم القتال فيها محكما أو منسوخا. قال الراغب: إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو: سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإنّ قتال النبيّ ﷺ لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال: أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي «١» . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإنّ النبيّ ﷺ : سمّى الحجّ (سبيل الله) . قال الحراليّ: و (الصدّ) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكرّه، و (السبيل) : طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكلّ سالك منهجه. وصدّ مبتدأ. وَكُفْرٌ بِهِ أي: بالسبيل- أعني الدين- أو بالله، عطف عليه. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سَبِيلِ اللَّهِ أي: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في بِهِ أي: كفر به وبالمسجد الحرام. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أي: أهل المسجد الحرام- وهم: رسول الله ﷺ والمؤمنون الذين هم أولياؤه- وهو عطف على صَدٌّ أيضا مِنْهُ من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام. لأنّ الإخراج فتنة وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام، أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر..! هذا، وقيل: خبر صَدٌّ وكُفْرٌ محذوف لدلالة ما تقدم عليه.

стр. 597

وأشار الرازيّ إلى إعراب آخر وهو: إنّ صَدٌّ وكُفْرٌ معطوفان على كَبِيرٌ أي: قتال فيه، موصوف بهذه الصفات. وعليه ف (أكبر) خبر (إخراج) فقط. وقد جنح لهذا المهايميّ حيث قال في (تفسيره) : قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ من المعاصي الكبائر كيف (و) هو صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن التجارة التي جعلها الله سبيل الرزق لعباده (و) لو استبيح هذا القتل فهو كُفْرٌ بِهِ وصدّ عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام، فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر (و) لكن إِخْراجُ أَهْلِهِ أي إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبيّ والمؤمنون مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ... إلى آخره. وهذا الوجه من الإعراب بديع، والأكثرون على الأول. قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في تأويل هذه الآية: يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم- وإن كان كبيرا- فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصدّ عن سبيله وعن بيته، وإخراج المسلمين- الذين هم أهله- منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به- أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. ومما نسب لأبي بكر الصديق ﵁ في هذا المعنى هذه الأبيات، ويقال هي لعبد الله بن جحش: تعدّون قتلا في الحرام عظيمة! ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمّد ... وكفر به، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا- وإن عيّرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا ... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما، وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القدّ عاند قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : وأكثر السلف فسروا «الفتنة» هنا بالشرك، كقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٣٩] ويدلّ عليه قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلّا أن تبرأوا منه وأنكروه. وحقيقتها أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه، ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتتن به. ولهذا

стр. 598

يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: ١٤] . قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها، كقوله: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر: ٢٤] . وكما فتنوا عباده على الشرك، فتنوا على النار وقيل لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: ١٤] . ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ... [البروج: ١٠] ، فسّرت الفتنة- هنا- بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعمّ من ذلك. وحقيقته: عذّبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأمّا الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله إليه كقوله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام: ٥٣] ، وقول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [الأعراف: ١٥٥] فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشرّ، بالنعم والمصائب. فهذه لون، وفتنة المشركين لون. وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليّ ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفّين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا- لون آخر. وهي الفتنة التي قال فيها محمد ﷺ «١» : ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ... وأحاديث الفتنة- التي أمر رسول الله ﷺ فيها باعتزال الطائفتين- هي هذه الفتنة «٢» . وقد

стр. 599

تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة: ٤٩] . يقوله الجدّ بن قيس لما. ندبه رسول الله ﷺ إلى تبوك، يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات الأصفر فإني لا أصبر عنهنّ..! قال تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي: وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر. والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتل في الشهر الحرام، بل أخبر الله أنه كبير وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرّد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقّ بالذم، والعيب والعقوبة، لا سيما أولياؤه. كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم. في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع ... ! فكيف يقاس ببغيض عدوّ جاء بكلّ قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن؟ .. تنبيه: اتفق الجمهور على أنّ حكم هذه الآية: حرمة القتال في الشهر الحرام. ثم اختلفوا أنّ ذلك الحكم هل بقي أم نسخ؟. قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية. ما نصه: منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإنّ رسول الله ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة. فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك. قال الزهريّ عن عروة عن مروان والمسور، وكذلك قال الواقديّ: خرج في أوّل سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر. فإنّ خروجه كان في أواخر المحرم لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبيّ ﷺ أصحابه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال وأن لا يفروا. وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في ذلك. لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة. ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام دفعا، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء. فالجمهور جوّزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ﵏. وذهب عطاء وغيره إلى أنّه ثابت غير منسوخ وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر

стр. 600

الحرام ولا نسخ من تحريمه شيء..! وأقوى من هذين الاستدلالين، الاستدلال بحصار النبيّ ﷺ للطائف. فإنه خرج إليها في أواخر شوال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. فبعضها كان في ذي العقدة. فإنه فتح مكة لعشر بقين من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة. فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها. ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصروه عشرين ليلة. وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك. وقد قيل إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. (قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك) وهذا عجيب منه. فمن أين له هذا التصحيح والجزم به..؟ وفي (الصحيحين) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنّعوا، وذكر الحديث. فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب. ومع هذا، فلا دليل في القصة لأنّ غزو الطائف كان في تمام غزوة هوازن. وهم بدءوا رسول الله ﷺ بالقتال. ولما انهزموا دخل ملكهم- وهو مالك بن عوف النضريّ- مع ثقيف في حصن الطائف. فحاربت رسول الله ﷺ . فكان غزوهم من تمام الغزو التي شرع فيها، والله أعلم. وقال الله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [المائدة: ٢] ، وقال في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فهاتان آيتان مدنيتان. بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام. وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله ناسخ لحكمها. ولا اجتمعت الأمة على نسخه. ومن استدلّ على النسخ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] ، ونحوها من العمومات، فقد استدلّ على النسخ بما لا يدلّ. ومن استدل عليه بأنّ النبيّ ﷺ بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة، فقد استدلّ بغير دليل. لأنّ ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام. وَلا يَزالُونَ- يعني أهل مكة- يُقاتِلُونَكُمْ- أيها المؤمنون- حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي: يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر إِنِ اسْتَطاعُوا أي: قدروا على ردّتكم. وفيه استبعاد لاستطاعتهم. فهو كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به. وجملة وَلا يَزالُونَ إما معطوفة على يَسْئَلُونَكَ أو معترضة. والمقصود: تحذير المؤمنين منهم وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور، لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين.

стр. 601

وفي الآية إشعار بأنكم أحقّ بأن لا تزالوا تقاتلونهم. لأنهم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون، وأنهم على الباطل وهم مخذولون، ولا بدّ وإن طال المدى. لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم. ومن وكل إلى نفسه ضاع. فالأمر الذي بينكم وبينهم أشدّ من الكلام. فينبغي الاستعداد له بعدّته، والتأهّب له بأهبته، فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين، وصدّا عن السبيل. أشار لذلك البقاعي. ثم حذّر تعالى عن الارتداد بقوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ وهو الإسلام. وبناء صيغة الافتعال من الردّة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أنّ من باشر دين الحقّ يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، وردّت فِي الدُّنْيا- إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم- وَالْآخِرَةِ- إذ يسقط ثوابهم فلا يجزون ثمّة بحسناتهم وَلا يقتصر عليه بل أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي: أهل النار هُمْ فِيها خالِدُونَ مقيمون لا يموتون ولا يخرجون كسائر الكفّار. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه وَالَّذِينَ هاجَرُوا فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم أُولئِكَ وإن باشروا القتال في الشهر الحرام يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي: جنّته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجوّ للإيذان بأنهم عالمون بأنّ العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضّل منه سبحانه، لا لأنّ في فوزهم اشتباها وَاللَّهُ غَفُورٌ لهتكهم حرمة الشهر رَحِيمٌ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ هذه الآية أول آية نزلت في الخمر، على ما

стр. 602

قاله ابن عمر والشعبيّ ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ثم نزلت الآية في المائدة. وروى الإمام أحمد «١» وأبو داود «٢» والترمذي «٣» عن عمر أنّه قال- لمّا نزل تحريم الخمر: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! فنزلت هذه الآية التي في البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة- نادى أن: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر: انتهينا انتهينا. وحقيقة الخمر ما أسكر من كلّ شيء روى (الشيخان) عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال «٤» : كل مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يد منها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة. وأما الميسر فهو القمار- بكسر القاف- مصدر من يسر- كالموعد والمرجع من فعلهما يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من (اليسر) لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كدّ ولا تعب، أو من (اليسار) لأنه سلب يساره. وصفته: أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام وهي: (الفذّ، والتوأم، والرقيب، والحلس- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككتف- والنافس، والمسبل- كمحسن- والمعلّى- كمعظّم-، والمنيح- كأمير، والسّفيح- بوزن ما قبله- والوغد) لكلّ واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزّئونها عشرة أجزاء (كما قاله أبو عمر) أو ثمانية وعشرين جزءا (كما قاله الأصمعيّ) وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي (المنيح والسفيح والوغد) فلا أنصباء لها. وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم:

стр. 603

لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح وأساميهن: وغد ... وسفيح ومنيح فللفذّ سهم- أي: فرض واحد- وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلّى سبعة يجعلونها في الرّبابة (وهي خريطة) ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج. باسم رجل رجل، قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم (بفتحتين) كذا في (الكشاف) بزيادة. وفي (القاموس وشرحه) : (الميسر) اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها. كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه وقسموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ميسرا لأنه يجزّأ أجزاء. وكلّ شيء جزأته فقد يسرته ويسرت الناقة جزأت لحمها، ويسر القوم الجزور أي: اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعيّ: أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني ... ألم تعلموا أنّي ابن فارس زهدم كان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. وقوله (ييسرونني) هو من الميسر، أي: يجزونني ويقتسمونني. وقال لبيد: واعفف عن الجارات وامنحهنّ ميسرك السمينا! فجعل الجزور نفسه ميسرا. ونقل الصاغاني، أن الميسر النرد. وقال مجاهد: كلّ شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز. قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي: عظيم- وقرئ بالمثلثة- وذلك لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكبر، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلالة على غلبة الأول- ما لا يخفى على ما نطق به قوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من

стр. 604

الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرّضة ولهذا، قال عمر لمّا قرئت عليه: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠- ٩١] . تنبيه: ألّف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرّات المسكرات. ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأوراح، وما ينشأ عنها من الخسران الماليّ. وممّا قرره خمسون طبيبا منهم هذه الجمل: ١- إنّ المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده. ٢- إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال. ٣- إنها توقف النمو العقليّ والجسديّ في الأولاد. ٤- إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجرّ إلى الفقر والشقاء ٥- هي من المسكنات كالبنج والإيثر. ٦- إنها تعدّ للأمراض المعدية. ٧- إنها تعدّ بنوع خاص للتدرّن والسلّ. ٨- إنها تضرّ في ذات الرئة والحمّى التيفودية أكثر مما تنفع. ٩- إنها تقرّب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت. وتطيل مدّة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة. ١٠- إنها تعدّ لضربة الشمس والرعن في أيام الحرّ. ١١- إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد. ١٢- إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.

стр. 605

١٣- إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرّحة. ١٤- إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. ١٥- إنّ المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحّتهم. ١٦- إنّ الامتناع عنها مما يفضي إلى صحة وسعادة الجنس البشريّ. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي: يتصدقون به من أموالهم قُلِ الْعَفْوَ وهو ما يفضل عن النفقة، أي: الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه. وفي (الصحيحين) «١» عن النبيّ ﷺ قال: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول. وأخرج مسلم «٢» عن جابر: إن النبيّ ﷺ قال: ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. وروى أبو داود «٣» والنسائي «٤» عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك. قال عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر، قال أنت أعلم. كَذلِكَ- أي: كما بيّن لكم ما ذكر- يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي: الأمر والنهي وهوان الدنيا لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.

стр. 606

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٠] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) فِي الدُّنْيا أنها فانية- والآخرة- أنها باقية، وفي أمورهما لتصلحوها ولا تتحملوا مفسداتهما، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى أخرج أبو داود «١» والنسائي «٢» والحاكم وغيرهم، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] . وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ . فأنزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وقوله تعالى: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. وإنما أقيم غاية المداخلة- أعني الإصلاح- مقامها، تنبيها على أنّ المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ظاهرا. كأنها عين الإصلاح وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ تعاشروهم ولم تجانبوهم فَإِخْوانُكُمْ فهم إخوانكم في الدين- الذي هو أقوى من العلاقة النسبية. ومن حقوق الإخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع. قال الأصبهانيّ: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم أوسع. وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار. يخرجون النفقات بالسوية، ويتباينون في قلة المطعم وكثرته. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم مِنَ الْمُصْلِحِ لها، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحرّوا غير الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على

стр. 607

العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة. هذا، وقد حمل القاضي قوله تعالى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على جهات المصالح والخيرات العائدة إلى الوليّ واليتيم. قال ﵀: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأنّ هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة. ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة. ويدخل أيضا معنى قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء: ٢] . ومعنى قوله خَيْرٌ يتناول حال المتكفّل. أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم. ويتناول حال اليتيم أيضا. أي: هذا العمل خير لليتيم من حيث إنّه يتضمّن صلاح نفسه وصلاح ماله. فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والوليّ. وروى البخاريّ «١» عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا. وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وروى نحوه مسلم أيضا في (صحيحه) «٢» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي: لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله تعالى. قال ابن كثير: هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنّه يدخل فيها كل مشركة

стр. 608

من كتابية ووثنية، فقد خصّ من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [المائدة: ٥] . وقد بسط العلّامة الرازيّ هاهنا الكلام على أنّ لفظ (المشرك) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب؟ فانظره. والتحقيق: أن المشرك لا يتناول الكتابيّ، لأن آيات القرآن صريحة في التفرقة بينهما. وعطف أحدهما على الآخر في مثل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: ٦] . وسرّ ذلك، أن المشرك هو من يتدين بالشرك. أي: يكون أصل دينه الإشراك والكتابيّ- وإن طرأ في دينه الشرك- فلم يكن من أصله وجوهره. وقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ تعليل للنهي عن مواصلتهنّ، وترغيب في مواصلة المؤمنات أي: ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرقّ وقلة الخطر خير من مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن. فإن نقصان الرّقّيّة فيها مجبور بالإيمان الذي هو أجلّ كمالات الإنسان وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أي: المشركة بحسنها ونسبها وغيرهما. فإن نقصان الكفر لا يجبر بها وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ بضمّ التاء- من الإنكاح وهو التزويج أي: لا تزوّجوا الكفار- بأيّ كفر كان- من المسلمات حَتَّى يُؤْمِنُوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مع ما به من ذلّ الرّقيّة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بداعي الرغبة فيه الدنيوية، فإن ذهاب الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها. وأفهم هذا خيرية الحرّة والحرّ المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما، إعلاما بأن خيريّتهما أمر مقطوع به، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدّونه دنيّا فشرّفه الإيمان، ومن يعدّونه شريفا فحقّره الكفران. ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدلّ على أنه- وإن كان دنيّا- موضع التفضيل لعلوّ وصفه. وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه- أفاده البقاعيّ. ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى: أُولئِكَ أي: المذكورون من المشركات والمشركين يَدْعُونَ من يقارنهم ويعاشرهم إِلَى النَّارِ أي: إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكلّ ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا..! وَاللَّهُ يَدْعُوا

стр. 609

أي: بما يأمر به على ألسنة رسله إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي: العمل المؤدّي إليهما. وتقديم الجنة هنا على المغفرة مع سبقها عليها، لرعاية مقابلة النار ابتداء بِإِذْنِهِ بأمره وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أمره ونهيه في التزويج لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يتعظوا وينتهوا عن تزويج الحرام، ويوالوا أولياء الله- وهم المؤمنون- بالمعاشرة والمصاهرة فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران. هذا وقد قيل: معنى وَاللَّهُ يَدْعُوا وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون. على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعلهم فعل نفسه صورة. وملحظة رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا إنّ فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: وَيُبَيِّنُ لله تعالى، فيلزم التفكيك: تنبيه: قال الراغب: حقيقة التذكّر، الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما اشتبه القلب. قال: إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟ قيل: إن الله ركّب فينا بالفطرة معرفته ومعرفة آلائه. والإنسان- باستفادة العلم- يتذكّر ما ذكر فيه، فهذا معنى التذكر، ثم قال: وقد قيل: الرجاء من الله واجب. بمعنى أنه إذا رجانا حقّق رجانا. قال: وهذه مسألة لا يمكن تصوّرها إن لم نبلغها بتعاطي هذه الأفعال التي شرطها الله تعالى. فلذلك صعب إدراكها لنا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٢] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمّى الحيض أيضا. أي: هل يسبب ويقتضي مجانبة مسّ من رأته؟ قُلْ هُوَ أَذىً، أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه. نفرة منه وكراهة له. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أي: فاجتنبوا مجامعتهنّ في زمنه. قال الراغب: في قوله تعالى: هُوَ أَذىً، تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه،

стр. 610

كأنّ قيل: الحيض أذى وكلّ أذى متحاشى منه. ولمّا كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرّما، صرّح بتحريمه بقوله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ. روى الإمام أحمد ومسلم «١» عن ثابت عن أنس ﵁: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبيّ ﷺ النبيّ ﷺ فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ... ، إلى آخر الآية. فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد ابن بشر فقالا: يا رسول! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننّا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبيّ ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به عدم قربانهنّ، لا عدم القرب منهنّ، وكنى بقربانهنّ، المنهيّ عنه، عن مباضعتهنّ. فدلّ على جواز التمتع بهنّ حينئذ فيما دون الفرج. ففي (الصحيحين) «٢» عن عائشة ﵂ قالت: كنت أرجّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض. وفيهما «٣» عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يتّكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. وروى مسلم «٤» عنها أيضا قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبيّ ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب. وأتعرّق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبيّ ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ. وفي (الصحيحين) «٥» - واللفظ لمسلم- عن ميمونة قالت: كان رسول الله

стр. 611

صلّى الله عليه وسلّم يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّض. وفي لفظ له: كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب. وقوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع: بفتح الطاء والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدلّ صريحا على أنّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... ، إلخ. والقراءة الثانية وإن دلّت على أنّ الغاية هو انقطاع الدم- بناء على ما قيل: إنّ الطهر انقطاع الدم. والتطهر الاغتسال- إلّا أنّه لما ضمّ إليها قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ، صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلّمه! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا. وكذلك الآية- لمّا دلت على وجوب الأمرين- وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلّا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد كما بيّنا. وقد روى مسلم «١» عن عائشة: إنّ أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصبّ عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها- والفرصة بالكسر: قطعة من صوف أو قطن أو غيره- تتبع بها أثر الدم. ثم آذن تعالى أنّ التطهر شرط في إباحة قربانهنّ، لا يصحّ بدونه، بقوله سبحانه فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي: فجامعوهنّ من المكان الذي أمركم الله بتجنّبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي: المتنزّهين عن الفواحش والأقذار. كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها- بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه- وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهّر.

стр. 612

القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٣] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، روى الشيخان «١» عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثمّ حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. وعند مسلم عن الزهريّ: إن شاء مجبّية، وإن شاء غير مجبية، غير أنّ ذلك في صمام واحد. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهريّ، لخلوّها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. و (المجبّية) كملبّية: المنكبّة على وجهها، و (الصمام الواحد) : الفرج، وقوله تعالى: حَرْثٌ لَكُمْ، الحرث: إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله والكلام إما بحذف المضاف، أي مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول أي: محروثات. وإنما شبّهن لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث إنّ كلّا منهما مادة لما يحصل منه. ولمّا عبّر تعالى عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان كما تقدّم، فقال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، أي: فأتوهنّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أيّ جهة شئتم، لا تخطر عليكم جهة دون جهة. والمعنى: جامعوهن من أيّ جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. وفي تخصيص (الحرث) بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه. قال الزمخشريّ: وقوله تعالى: هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ- مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وقد ورد- في سبب نزول هذه الآية- رواية أخرى أخرجها أبو داود «٢» والحاكم

стр. 613

عن ابن عباس قال: كان هذا الحيّ من الأنصار (وهم أهل وثن) مع هذا الحيّ من يهود (وهم أهل كتاب) كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنّهم لا يأتون النساء إلّا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهنّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف. فاصنع ذلك، وإلّا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فأنزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. تنبيه: ما ذكرناه من الروايات هو المعوّل عليه عند المحققين. وثمة روايات أخر تدلّ على أنّ هذه الآية إنّما أنزلت رخصة في إتيان النساء في أدبارهنّ. قال الطحاويّ: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال (يعني وطء المرأة في دبرها) ثم قرأ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاويّ نقلها ابن كثير. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ: قال ابن القاسم: ولم أدرك أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه. والمدنيّون يروون فيه الرخصة عن النبيّ ﷺ . يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد. أما حديث ابن عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم. وسعيد بن يسار. وغيرهم. أمّا نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدّا. منها رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله ابن عمر العمريّ، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.

стр. 614

قال الدّارقطنيّ، في أحاديث مالك التي رواها خارج (الموطّأ) : حدثنا أبو جعفر الأسوانيّ المالكيّ بمصر. حدثنا محمد بن أحمد بن حماد. حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفهريّ. حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله. حدّثنا الدراورديّ عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك علىّ المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ، فقال: تدري يا نافع فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال قلت: لا؟ قال، فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها. فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا. إلّا في دبرها: قال أبو ثابت: وحدثني به الدراورديّ عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع مثله. وفي تفسير البقرة من صحيح البخاريّ: حدثنا إسحاق. حدثنا النضر. حدثنا ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال: تدري فيم أنزلت؟ فقلت: لا! قال: نزلت في كذا وكذا. ثم مضى. وعن عبد الصمد: حدثني أبي- يعني عبد الوارث- حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، قال: يأتيها في ... قال: ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، هكذا وقع عنده. والرواية الأولى- في تفسير إسحاق بن راهويه-. مثل ما ساق، لكن عيّن الآية وهي نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، وعيّن قوله كذا وكذا. فقال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وكذا رواه الطبريّ من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد الصمد فهي في تفسير إسحاق أيضا عنه، وقال فيه: يأتيها في الدبر. وأمّا رواية محمد: فأخرجها الطبرانيّ في (الأوسط) عن عليّ بن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ رخصة في إتيان الدبر. وأخرجه الحاكم في (تاريخه) من طريق عيسى بن مثرود عن عبد الرحمن بن القاسم. ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. ورواه الدارقطنيّ في (غرائب مالك) من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحارث المدنيّ عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في (الرواة) عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبديّ. ورواه أبو إسحاق الثعلبيّ في (تفسيره) والدّارقطنيّ- أيضا- من

стр. 615

طريق إسحاق بن محمد الفرويّ. ورواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من طريق محمد بن صدقة الفدكيّ، كلّهم عن مالك. قال الدّارقطنيّ: هذا ثابت عن مالك. وأمّا زيد بن أسلم: فروى النسائيّ والطبريّ من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر: أنّ رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله ﷺ فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية. وأمّا عبيد الله بن عبد الله بن عمر: فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان عنه: أنّ ابن عمر كان لا يرى به بأسا. موقوف. وأمّا سعيد بن يسار: فروى النسائيّ والطحاويّ والطبريّ من طريق عبد الرحمن ابن القاسم قال: قلت لمالك: إنّ عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن (والتحميض: الإتيان في الدبر) فقال: أفّ! أو يفعل هذا مسلم؟ قال ابن القاسم: فقال لي مالك: أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنّه سأل ابن عمر عنه فقال: لا بأس به. وأمّا حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في (تفسيره) والطبريّ والطحاويّ من طرق: عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا: أثفرها! فأنزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن سعد، ولفظه: كنّا نأتي النساء في أدبارهنّ ويسمّى ذلك الإثفار، فأنزل الله الآية. ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام- ولم يسمّ أبا سعيد- قال: كان رجال من الأنصار ... هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) ، وابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ. وكلّها معلولة. ولذا قال البزار: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في الإطلاق وكلّ ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح. وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاريّ.

стр. 616

وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعيّ أنّه قال: لم يصح عن رسول الله ﷺ في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنّه حلال. وروى أحمد بن أسامة التجيبي من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريما. وقال ابن رشد في كتاب (البيان والتحصيل في شرح العتبية) روى العتبيّ عن ابن القاسم عن مالك أنّه قال له- وقد سأله عن ذلك مخليا به- فقال: حلال ليس به بأس. وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال: قال الشافعيّ كلاما كلّم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات- وإن لم تصح- فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلّمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأيّ شيء حرّمته؟ قال: بقول الله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وقال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، والحرث لا يكون إلّا في الفرج قلت: أفيكون محرّما لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث..؟ قال: لا! قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا! قلت: فلم تحتج بما لا حجّة فيه؟ قال: فإن الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ... الآية. قال: فقلت له: إنّ هذا مما يحتجّون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم: لعلّ الشافعيّ كان يقول بذلك في القديم. فأمّا في الجديد، فالمشهور أنّه حرّمه. فقد روى الأصمّ عن الربيع قال: قال الشافعيّ نصّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال: قال الشافعيّ قال الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، احتملت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها. لأنّ أَنَّى شِئْتُمْ، يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما أنّ (الحرث) إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلّا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال: فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين: أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به. وعليه، فيكون الشافعيّ رجع عن القديم. وحديث خزيمة رواه الشافعيّ

стр. 617

وأحمد والنسائيّ وابن ماجة «١» وابن حبان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت: أنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهنّ فقال: حلال. فلمّا ولّى الرجل دعاه- أو أمر به فدعي- فقال: كيف قلت؟ في أيّ الخرزتين؟ أمن دبرها في قبلها؟ فنعم! أم من دبرها في دبرها فلا؟ إنّ الله لا يستحيي من الحقّ. لا تأتوا النساء في أدبارهنّ. قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) : وفي إسناده عمرو بن أحيحة. وهو مجهول الحال. واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ثم قال الحافظ: وقد قال الشافعيّ: غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة- يعني حيث رواه. وتقدم قول البزار: وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت، من طريق فيه، فغير صحيح. وقال الرازيّ في (تفسيره) : ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المراد من الآية: أنّ الرجل مخيّر بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها. فقوله: أَنَّى شِئْتُمْ، محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنّه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهنّ. وهذا قول مالك. واختيار السيد المرتضى من الشيعة. والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق ﵁. وبالجملة: فهذا المقام من معارك الرجال، ومجاول الأبطال. وقد استفيد مما أسلفناه: أنّ من جوّز ذلك وقف مع لفظ الآية. فإنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة. قال بعض المفسرين: إنّ العرب تسمّي النساء حرثا قال الشاعر: إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همّه أكل الجراد يريد: امرأتي، وقال آخر: إنما الأرحام أرض ... ولنا محترثات فقلبنا الزرع فيها، ... وعلى الله النبات..! وحينئذ، ففي قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، إطلاق في إتيانهنّ على جميع الوجوه. فيدخل فيه محل النزاع. واعتمد أيضا من سبب النزول ما رواه البخاريّ عن ابن عمر كما تقدّم. وقال في رواية جابر المروية في (الصحيح) المتقدّمة: إنّ ورود العام على

стр. 618

سبب لا يقصره عليه. وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر، ﵃، المروىّ في (سنن أبي داود) بأنّ سنده ليس على شرط البخاريّ فلا يعارضه. فيقدّم الأصحّ سندا. ونظر إلى أنه لم يصح عن النبيّ ﷺ في هذا الباب حديث. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : ذهب جماعة من أئمة الحديث- كالبخاريّ والذهليّ والبزّار والنسائيّ وأبي عليّ النيسابوري- إلى أنّه لا يثبت فيه شيء. وأمّا من منع ذلك: فتأوّل الآيات المتقدّمة على صمام واحد. ونظر إلى أن الأحاديث المرويّة- من طرق متعدّدة- بالزجر عن تعاطيه وإن لم تكن على شرط الشيخين في الصحة، إلّا أنّ مجموعها صالح للاحتجاج به. وقد استقصى الأحاديث الواردة في ذلك، الحافظ الذهبيّ في جزء جمعه في ذلك. وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) وكذا الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) وقد هوّل- عليه الرحمة- في شأنه تهويلا عظيما. فقال في كتابه المذكور، في الكلام على هديه ﷺ في الجماع، ما نصّه: وأمّا الدبر، فلم يبح قط على لسان نبيّ من الأنبياء. ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه. ثمّ ساق أخبار النهي عنه- وقال بعد: وقد دلّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه إنما أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد، لا في الحشّ الذي هو موضع الأذى. وموضع الحرث هو المراد من قوله مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ... الآية- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أَنَّى شِئْتُمْ أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف: قال ابن عباس: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ، يعني الفرج وإذا كان الله حرّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحشّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضا، فللمرأة حقّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإنّ الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيّئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. وأيضا فإنّ ذلك مضرّ بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن، وراحة الرجل منه، والوطء

стр. 619

في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كلّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعيّ ... وأيضا يضرّ من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة. وأيضا فإنه محلّ القذر والنّجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا فإنه يضرّ بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا فإنه يسوّد الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء، يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بدّ. وأيضا فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح. إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدّهما. كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه فأيّ خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شرّ يأمنه؟ وكيف حياة عبد قد حلّت عليه لعنه الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟. أقول: أخذ هذا ابن القيم من أحاديث وردت في لعن فاعل ذلك، وعدم نظر الحقّ إليه بيد أنها ضعيفة «١» . ثم قال ابن القيّم: وأيضا فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضا فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب

стр. 620

والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه. وأيضا فإنه يورث من المهانة والسّفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا فإنه يكسو العبد من حلّة المقت والبغضاء وازدراء الناس له، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحسّ. فصلوات الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به. وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة، نبّه على أن لا يكون المرء في قيدها بل في قيد الطاعة، فقال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، أي: ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة، كقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تجترئوا على المعاصي وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ صائرون إليه فاستعدّوا للقائه وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، (العرضة) بضم العين فعلة بمعنى مفعول- كالقبضة والغرفة- وهي اسم ما تعرضه دون الشيء. من عرض العود على الإناء. فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير. وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات- من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد- ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه. فقيل لهم: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، أي: حاجزا لما حلفتم عليه. وسمّي المحلف عليه يمينا لتلبّسه باليمين. كحديث: من حلف على يمين. الآتي ذكره. أي: على شيء مما يحلف عليه. وقوله: أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، عطف بيان لِأَيْمانِكُمْ، أي: للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس- أفاده الزمخشريّ. وعلى هذا التأويل: الآية. كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ

стр. 621

أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: ٢٢] . والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف. ورواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير. وقد ثبت في (الصحيحين) «١» عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها» . وروى مسلم «٢» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» . وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسّرين. وهو النهي عن الجراءة على الله تعالى بكثرة الحلف به. وذلك لأنّ من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له. يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. وقال الشاعر: ولا تجعليني عرضة للوائم وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم: ١٠] . وقال تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ [المائدة: ٨٩] . والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثيّر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برّت والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان: أنّ من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك. ولا يبقى لليمين في قلبه وقع. فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة. فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين. وأيضا، كلّما كان الإنسان أكثر

стр. 622

تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية. ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجلّ وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وأمّا قوله تعالى بعد ذلك أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، فهو علّة للنهي. أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا. لأنّ الحلّاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٥] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية- إذ لم تقصدوا هتك حرمته- وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها. كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ، وهو المعنيّ بقوله وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النيّة. يعني: ربط القلب به لفوات تعظيم أمره، ولهتك حرمته بنقض اليمين المقصودة. روي عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى والله! أخرجه البخاريّ ومالك وأبو داود «١» ، وهذا لفظ البخاريّ. وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين. ولفظ رواية ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إنما اللغو في المزاحة والهزل وهو قول الرجل: لا والله! وبلى والله! فذاك لا كفّارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله. ويروى في تفسير لغو اليمين: هو أن يحلف على الشيء يظنّه، ثم يظهر

стр. 623

خلافه. ويروى: أن يحلف وهو غضبان: ويروى غير ذلك، كما ساقها ابن كثير، مسندة. وقد ظهر- للفقير- أن لا تنافي بين هذه الروايات. لأنّ كل ما لا عقد للقلب معه من الأيمان فهو لغو بأي صورة كانت وحالة وقعت. فكل ما روي في تفسير الآية فهو مما يشمله اللغو. والله أعلم. والمراد من المؤاخذة: إيجاب الكفّارة. كما بيّن ذلك في آية المائدة: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ. وَاللَّهُ غَفُورٌ، يعني: لعباده فيما لغو من أيمانهم فلم يؤاخذهم به حَلِيمٌ، يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة تربّصا بالتوبة. والجملة تذييل للحكمين السابقين. فائدته الامتنان على المؤمنين، وشمول مغفرته وإحسانه لهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو لغة، الامتناع باليمين. وخصّ في عرف الشرع: بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة (من) تضمينا له معنى: يمتنعون من نسائهم. وهو أحسن من إقامة (من) مقام (على) . وجعل سبحانه للأزواج مدّة أربعة أشهر يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإمّا أن يفيء وأما أن يطلق. وقد اشتهر عن عليّ وابن عباس ﵃ أنّ الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله ﷺ «١» مع نسائه. وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر. فاحتجّ على محمد بقول عليّ كرّم الله وجهه، فاحتجّ عليه محمد بالآية فسكت. وقد اتفق الأئمة

стр. 624

على أن المولى إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها هنا لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التكفير ثابت على حالف. قال العلّامة صديق خان في (تفسيره) : اعلم أن أهل كل مذهب قد فسّروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر واضح وهو أنّ الله جعل الأجل لمن يولي (أي: يحلف من امرأته) أربعة أشهر ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدّة فَإِنْ فاؤُ، أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، لذلك منهم عَلِيمٌ، به. فهذا معنى الآية الذي لا شكّ فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته- ولم يقيد بمدة، أو قيّد بزيادة على أربعة أشهر- كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها. أو طلقها، وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأمّا إذا وقّت بدون أربعة أشهر: فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة. كما فعل رسول الله ﷺ حين آلى من نسائه شهرا. فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح عنه ﷺ من قوله: «من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» . قال الحراليّ: وفي قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أنّ الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أنّ العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربّص المرأة في عدتها بآية تربّص الزوج في إيلائه. قال الإمام ابن كثير: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم- في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر- الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني إلّا خليل ألاعبه فو الله! لولا الله، أني أراقبه ... لحرّك من هذا السرير جوانبه..!

стр. 625

فسأل عمر ابنته حفصة ﵄: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك. وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس- وكان قد أدرك أصحاب النبيّ ﷺ قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنّه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة- وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول: تطاول هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرّقني إلّا ضجيع ألاعبه ألاعبه طورا وطورا كأنما ... بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه يسرّ به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه فو الله! لولا الله، لا شيء غيره، ... لنقّض من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكّلا ... بأنفاسنا، لا يفتر، الدهر، كاتبه مخافة ربي، والحياء يصدّني، ... وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه.! ثم ذكر بقية ذلك- كما تقدم أو نحوه- وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت. وأريد بالمطلقات: المدخول بهن من ذوات الأقراء، لما دلت الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. أما غير المدخولة فلا عدّة عليها لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ [الأحزاب: ٤٩] وأما التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤] ، وأما الحامل فعدتها وضع الحمل لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] .

стр. 626

فهذه الآية من العام المخصوص. قال الزمخشريّ: فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربّص؟ قلت: هو خبر في معنى الأمر، وأصل الكلام (وليتربص المطلقات) ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله. فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء: (رحمك الله) أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل (ويتربص المطلقات) لم يكن بتلك الوكادة.. فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث. لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. و (القرء) : من الأضداد. يطلق على الحيض والطهر. نص عليه من أئمة اللغة: أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم. والبحث في ترجيح أحدهما طويل الذيل، استوفاه الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) فانظره. ولمن نظر إلى موضوعه اللغويّ أن يقول: تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض. فأيهما اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به. والله أعلم. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ، - أي: المطلقات- أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، من الحيض أو الولد، استعجالا في العدة أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ، أي: إن جرين على مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، المخوف من جزائه. ودلّ هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ. لأنه أمر لا يعلم إلّا من جهتهن. ويتعذر إقامة البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحقّ. وهذه الآية دالة على أنّ كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد وَبُعُولَتُهُنَّ- أي: أزواجهن- أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، أي: برجعتهنّ، والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها فِي ذلِكَ، أي: في زمان التربص. وهي أيام الأقراء. أما أذا انقضت مدة التربص فهي أحقّ بنفسها ولا تحلّ له إلّا بنكاح مستأنف بوليّ وشهود ومهر جديد. ولا خلاف في ذلك إِنْ أَرادُوا، أي: بالرجعة إِصْلاحاً، لما بينهم وبينهن، وإحسانا إليهن، ولم يريدوا مضارتهن. وإلّا فالرجعة محرمة لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [البقرة: ٢٣١] ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ،

стр. 627

أي: ولهن على الرجال مثل ما للرجال عليهن. فليؤدّ كلّ واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. كما ثبت في (صحيح مسلم) «١» : عن جابر أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجّة الوداع: «فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهنّ رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . وعن معاوية بن حيدة قال: «قلت: يا رسول الله! ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت. وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» . رواه أبو داود «٢» وقال: معنى (لا تقبح) : لا تقل قبحك الله. وعن أبي هريرة «٣» : أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلّا بإذنه. ولا تأذن في بيته إلّا بإذنه» . متفق عليه. وعن ابن عمر «٤» : أنّ النبيّ ﷺ قال: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته. والأمير راع. والرجل راع على أهل بيته. والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» . متفق عليه. وعن طلق بن عليّ: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» . رواه الترمذيّ «٥» والنسائيّ. وعن أبي هريرة ﵁ «٦» قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح» . متفق عليه.

стр. 628

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنى لأحبّ أن أتزيّن للمرأة كما أحب أن تتزيّن لي. لأنّ الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. تنبيه: (المعروف) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، مما قبله العقل، ووافق كرم النفس، وأقره الشرع. وقد قال بعض الفقهاء: لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه، لأنّ المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيرها من منافعها..! ولكن مفاد الآية يردّ هذا ويدلّ على وجوب المعروف من مثلها لمثله وبه أفتى الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية. وإليه ذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوز جانيّ واحتجّا بما روي: أن النبيّ ﷺ قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت وعلى ما كان خارجا من البيت من عمل. رواه الجوزجانيّ من طرق. واستدلّ بالآية أيضا على وجوب إخدامها، إذا كان مثلها لا يخدم نفسها. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي: زيادة في الحق وفضيلة. كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: ٣٤] . وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . رواه الترمذي «١» وقال: حديث حسن صحيح. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أي: غالب في انتقامه ممن عصاه، حكيم في أمره وشرعه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٩] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ بتقدير مضاف، خبره ما بعده. أي: عدد الطلاق

стр. 629

الذي يستحق الزوج فيه الردّ والرجعة مرتان أي: اثنتان، وإيثار ما ورد به النظم الكريم عليه للإيذان بأنّ حقهما أن يقعا مرّة بعد مرّة لا دفعة واحدة، وإن كان حكم الردّ ثابتا حينئذ أيضا. قال ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام: من أنّ الرجل كان أحقّ برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله تعالى على ثلاث طلقات: وأباح الرجعة في المرة وثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... الآية. قال الإمام أبو داود في (سننه) «١» : باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث. ثم أسند عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحقّ برجعتها وإن طلقها ثلاثا. فنسخ ذلك، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ.. الآية. ورواه النسائيّ وغيره. وروى الترمذي «٢» عن عائشة قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك تبينين مني ولا أوويك أبدا..! قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك. فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبيّ ﷺ فأخبرته، فسكت النبيّ ﷺ حتى نزل القرآن الطَّلاقُ مَرَّتانِ.. الآية . قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا. من كان طلق ومن لم يكن طلق. ثم أسنده عن عروة ولم يذكر عائشة، وقال: هو أصح!. وقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، أي فالحكم بعد تطليق الرجل امرأته تطليقتين: أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء، ولا ينفر الناس عنها. قال الرازيّ: الحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشقّ عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر. فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم

стр. 630

أثبت تعالى حقّ المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف. وإن كان الأصلح له تسريحها سرّحها على أحسن الوجوه. وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ، - أي: أيها المطلّقون- أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً- من المهر وغيره- إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي: فيما يلزمها من حقوق الزوجية- فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي: نفسها عن ضرره أي: لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في إعطائه. وهذه الآية أصل في الخلع. وقد ذكر ابن جرير: أنّ هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وكانت زوجته لا تطيقه بغضا. ففي (صحيح البخاريّ) «١» عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! ما أعيب عليه في خلق ولا دين. ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم! قال رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . وقد بسط طرق هذ الحديث مع أحكام الخلع الإمام ابن كثير في (تفسيره) ، وكذا شمس الدين ابن القيّم في (زاد المعاد) فلتنظر ثمّه. تِلْكَ- أي: الأحكام العظيمة المتقدمة للطلاق والرجعة والخلع وغيرها ... - حُدُودَ اللَّهِ- شرائعه- فَلا تَعْتَدُوها- بالمخالفة والرفض- وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أي: لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٠] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) فَإِنْ طَلَّقَها- أي: بعد التطليقتين- فَلا تَحِلُّ لَهُ- برجعة ولا بنكاح جديد- مِنْ بَعْدُ- أي: من بعد هذا الطلاق- حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أي:

стр. 631

حتى تذوق وطء زوج آخر، وهي العسيلة التي صرح بها النبيّ ﷺ في نكاح صحيح. وفي جعل هذا غاية للحلّ، زجر لمن له غرض مّا في امرأته عن طلاقها ثلاثا، لأنّ كلّ ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر. فروع مهمة تتعلق بهذه الآية الأول: قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : حكم رسول الله ﷺ في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني. ثبت في (الصحيحين) «١» عن عائشة ﵂: «أن امرأة رفاعة القرظيّ جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنّ رفاعة طلقني فبتّ طلاقي. وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظيّ وإن ما معه مثل الهدبة! فقال رسول الله ﷺ : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . وفي (سنن النسائيّ) «٢» : عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «العسيلة الجماع ولو لم ينزل» . وفيها «٣» عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: لا تحلّ للأول حتى يجامعها الآخر» . فتضمن هذا الحكم أمورا: أحدها: أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل: أنه لا يقدر على جماعها. الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد فإنّ قوله مردود بالسنة التي لا مردّ لها. الثالث: أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. الرابع: أنه ﷺ لم يجعل مجرد العقد المقصود- الذي هو نكاح رغبة- كافيا، ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء..!

стр. 632

وهذ يدلّ على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى. فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها، لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار الفرس المستعار للضراب؟. وقال- عليه الرحمة- قبل ذلك: وأما نكاح المحلل، ففي (الترمذي) «١» و (المسند) «٢» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لعن الله المحلل والمحلل له» ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي (المسند) «٣» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «لعن الله المحلل المحلل له» ، وإسناده حسن. وفيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وفي (سنن ابن ماجة) «٤» من حديث عقبة بن عامر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» . فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة ﵃، وقد شهدوا على رسول الله ﷺ بلعنه أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له. وهذا: إمّا خبر عن الله فهو خبر صدق. وإمّا دعاء مستجاب قطعا. وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها. ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد. فإنّ القصود في العقود عندهم معتبرة. والأعمال بالنيات. والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم. والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل قد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها. وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك: منها ما قدمناه، ومنها ما رواه الحاكم في (مستدركه) : عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر. فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له. من غير مؤامرة منه، ليحلّها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال لا. إلّا نكاح رغبة. كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ . ثم قال: هذا

стр. 633

حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلّا رجمتهما. وروى البيهقي: أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها. ففرق بينهما. وكذا روي عن عليّ وابن عباس وغير واحد من الصحابة ﵃. وبالجملة: فالتحليل غير جائز في الشرع. ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعن الفاعل لا يدلّ على تحريم فعله لم تبق صيغة تدلّ على التحريم قط وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة فليس هو النكاح الذي ذكره الله تعالى في قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. كما أنه لو قال: (لعن الله بائع الخمر) لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ والأمر ظاهر. فصل قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقعين) : إلزام الحالف بالطلاق والعتاق، إذا حنث، بطلاق زوجته وعتق عبده- مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة- فلا يحفظ عن صحابيّ في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا. وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء- الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط- كما في (صحيح البخاريّ) «١» عن نافع قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. فهذا لا ينازع فيه إلّا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا. وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع، فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلّها في هذا الباب. فإنه صحّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صور. وصح عنهم عدم الوقوع في صور. والصواب: ما أفتوا به في النوعين. ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها. فأما الوقوع: فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاريّ عن ابن عمر، وما رواه الثوريّ عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق، ففعلته. قال: هي واحدة وهو أحق بها. على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقيّ وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يتمتع بها إلى سنة. ومن هذا قول أبي ذرّ لامرأته- وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر

стр. 634

فقال: إن عدت سألتيني فأنت طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق. وأما الآثار عنهم في خلافه: فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة- ﵃ فيمن حلفت بأنّ كلّ مملوك لها حرّ إن لم تفرّق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفّر عن يمينها ولا تفرق بينهما. رواه الأثرم في (سننه) والجوز جانيّ في (المترجم) والدّارقطنيّ والبيهقيّ. وقاعدة الإمام أحمد: أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه، يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. قال أبو محمد بن حزم: وصحّ عن ابن عمر وعائشة وأمّ سلمة- أمّي المؤمنين- أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء (كل مملوك لها حرّ وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك) كفارة يمين واحدة. وإذا صحّ هذا عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف في قول الحالف: عبده حرّ إن فعل، أنّه يجزيه كفارة يمين ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى عليّ بن أبي طالب ﵁: الحالف بالطلاق، أنه لا شيء عليه. ولم يعرف له في الصحابة مخالف؟. قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن عليّ التيميّ المعروف بابن بريرة الأندلسيّ في (شرحه لأحكام عبد الحقّ) الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك منه: وقد قدمنا في (كتاب الأيمان) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟ فقال عليّ بن أبي طالب ﵁ وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضي بالطلاق على من حلف به فحنث. ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة- هذا لفظه بعينه- فهذه فتوى أصحاب رسول الله ﷺ في الحلف بالعتق والطلاق. وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط- ولا تعارض بين ذلك- فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه..- إلى أن قال: وإذا دخلت اليمين بالطلاق في قول الحالف: أيمان البيعة تلزمني- وهي الأيمان التي رتّبها الحجاج- فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية- بمعنى أنّ الشرع اعتبرها- وجب أن تعطى حكم الأيمان. وإن لم تكن يمينا شرعيا كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيء. كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس الحلف بالطلاق شيئا. وصحّ عن عكرمة

стр. 635

من رواية سنيد بن داود في (تفسيره) عنه: إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء وصحّ عن شريح- قاضي عليّ- وابن مسعود: إنها لا يلزم بها الطلاق. وهو مذهب داود بن عليّ وجميع أصحابه. فهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. فصل وقال الإمام ابن القيّم- أيضا- في (أعلام الموقعين) : إن المطلّق في زمن النبيّ ﷺ ، وزمن أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة. كما ثبت ذلك في (الصحيح) «٢» عن ابن عباس. فروى مسلم في (صحيحه) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وروى الإمام «١» أحمد عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطّلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله ﷺ كيف طلقها؟ قال: طلقها ثلاثا، قال: فقال في مجلس واحد؟ قال: نعم! قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، قال: فرجعها . فكان ابن عباس يرى: إنما الطلاق عند كلّ طهر. وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه. ثم إن عمر بن الخطاب- ﵁ لم يخف عليه. أن هذا هو السنة، وأنه توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة. وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع كلّه جملة واحدة. كاللعان فإنه لو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينا إن هذا قاتله، كان يمينا واحدة. ولو قال المقرّ بالزنا: أنا أقرّ أربع مرات أني زنيت، كان مرة واحدة. فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك الإقرار إلّا واحدا. وقال النبيّ ﷺ «٣» : من قال في يوم (سبحان الله وبحمده) مائة مرة حطّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. فلو قال: (سبحان الله
следующие страницы →