← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قتادة إلا بأن يكون معنى قوله قُضِيَ الْأَمْرُ أي قضي كلامي وقلت ما عندي وتم، والله أعلم بما يكون بعد. وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون ظَنَّ مسندا إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمرا، لأنه دخلته أبهة السرور بما بشر به وصار في رتبة من يؤمل حين ظن وغلب على معتقده أنه ناج: وذلك بخلاف ما نزل بالآخر المعرف بالصلب. ومعنى الآية: قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى مع الملك: اذْكُرْنِي عند الملك، فيحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق، أو يذكره بهما. والضمير في أنساه قيل: هو عائد على يوسف ﵇، أي نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فروي أن جبريل ﵇ جاءه فعاتبه عن الله في ذلك، وطول سجنه عقوبة على ذلك، وقيل: أوحي إليه: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، وقيل: إن الضمير في أنساه عائد على الساقي- قاله ابن إسحاق- أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، و «الرب» - على هذا التأويل- الملك. وبِضْعَ في كلام العرب اختلف فيه، فالأكثر على أنه من الثلاثة إلى العشرة، قاله ابن عباس، وعلى هذا هو فقه مذهب مالك ﵀ في الدعاوى والأيمان وقال أبو عبيدة: «البضع» لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد إلى الأربعة، وقال الأخفش «البضع» من الواحد إلى العشرة، وقال قتادة: «البضع» من الثلاثة إلى التسعة، ويقوي هذا ما روي من أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق في قصة خطره مع قريش في غلبة الروم لفارس «أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع» . وقال مجاهد: من الثلاثة إلى السبعة، قال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع العشرات، لا يذكر مع مائة ولا مع ألف، والذي روي في هذه الآية أن يوسف ﵇ سجن خمس سنين ثم نزلت له قصة الفتيين وعوقب على قوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ بالبقاء في السجن سبع سنين، فكانت مدة سجنه اثنتي عشرة سنة، وقيل: عوقب ببقاء سنتين، وقال الحسن: قال رسول الله ﷺ : «لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» ، ثم بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤٣ الى ٤٥] وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) المعنى: وَقالَ الْمَلِكُ الأعظم: إِنِّي أَرى يريد في منامه، وقد جاء ذلك مبينا في قوله تعالى:

стр. 1367

إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٤] . وحكيت حال ماضية ف أَرى وهو مستقبل من حيث يستقبل النظر في الرؤيا. سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يروى أنه قال: رأيتها خارجة من نهر، وخرجت وراءها سَبْعٌ عِجافٌ، فرأيتها أكلت تلك السمان حتى حصلت في بطونها ورأى «السنابل» أيضا كما ذكر، و «العجاف» التي بلغت غاية الهزال، ومنه قول الشاعر: [الكامل] ورجال مكة مسنتون عجاف ثم قال لجماعته وحاضريه: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي. قرأت فرقة بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بأن لفظت بألف «أفتوني» واوا. وقوله لِلرُّءْيا دخلت اللام لمعنى التأكيد والربط، وذلك أن المفعول إذا تقدم حسن في بعض الأفعال أن تدخل عليه لام، وإذا تأخر لم يحتج الفعل إلى ذلك. و «عبارة الرؤيا» مأخوذة من عبر النهر، وهو تجاوزه من شط إلى شط، فكأن عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها. وقوله: قالُوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ الآية، «الضغث» في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد. وربما كان من أخلاط النبات، فمن ذلك قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً [ص: ٤٤] وروي أنه أخذ عثكالا من النخل، وروي أن رسول الله ﷺ فعل نحو هذا في حد أقامه على رجل زمن، ومن ذلك قول ابن مقبل: [الكامل] خود كأنّ فراشها وضعت به ... أضغاث ريحان غداة شمال ومن الأخلاط قول العرب في أمثالها: ضغث على إبالة فيشبه اختلاط الأحلام باختلاط الجملة من النبات، والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بذلك، أي بما هو مختلط ورديء فإنما نفوا عن أنفسهم عبر الأحلام لا عبر الرؤيا على الإطلاق، وقد قال النبي ﷺ : «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» . وقال للذي كان يرى رأسه يقطع ثم يرده فيرجع: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في النوم فلا يحدث بذلك» . قال القاضي أبو محمد: فالأحلام وحدثان النفس ملغاة، والرؤيا هي التي تعبر ويلتمس علمها. والباء في قولهم بِعالِمِينَ للتأكيد، وفي قولهم: بِتَأْوِيلِ للتعدية وهي متعلقة بقولهم بِعالِمِينَ. والْأَحْلامِ جمع حلم، يقال: حلم الرجل- بفتح اللام- يحلم: إذا خيل إليه في منامه، والأحلام مما أثبتته الشريعة، وقال رسول الله ﷺ : «الرؤيا من الله وهي المبشرة والحلم المحزن من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليتفل على يساره ثلاث مرات وليقل: أعوذ بالله من شر ما رأيت، فإنها لا تضره» . وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه. ولما سمع الساقي- الذي نجا- هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر يوسف وعلمه بتأويل الأحلام والرؤى، فقال مقالته في هذه الآية.

стр. 1368

وادَّكَرَ أصله ادتكر- افتعل- من الذكر، قلبت التاء دالا وأدغم الأول في الثاني، ثم بدلت دالا غير منقوطة لقوة الدال وجلدها، وبعض العرب يقول: اذكر وقرىء «فهل من مذكر» [القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١] بالنقط ومِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١] على اللغتين وقرأ جمهور الناس: «بعد أمة» وهي المدة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة «بعد أمة» وهو النسيان، وقرأ مجاهد وشبل بن عزرة «بعد أمه» بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي، وقرأ الأشهب العقيلي «بعد إمة» بكسر الهمزة، والإمة: النعمة والمعنى: بعد نعمة أنعمها الله على يوسف في تقريب إطلاقه وعزته. وبقوله: ادَّكَرَ يقوي قول من يقول: إن الضمير في أَنْسانِيهُ [الكهف: ٦٣] عائد على الساقي، والأمر محتمل. وقرأ الجمهور: «أنا أنبئكم» وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «أنا آتيكم» ، وكذلك في مصحف أبي بن كعب. وقوله: فَأَرْسِلُونِ استئذان في المضي، فقيل: كان السجن في غير مدينة الملك- قاله ابن عباس- وقيل: كان فيها. قال القاضي أبو محمد: ويرسم الناس اليوم سجن يوسف في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤٦ الى ٤٩] يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) المعنى: فجاء الرسول- وهو الساقي- إلى يوسف فقال له: يا يوسف أَيُّهَا الصِّدِّيقُ- وسماه صديقا من حيث كان جرب صدقه في غير شيء- وهو بناء مبالغة من صدق، وسمي أبو بكر صديقا من صدق غيره، إذ مع كل تصديق صدق، فالمصدق بالحقائق صادق أيضا، وعلى هذا سمي المؤمنون صديقين في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: ١٩] . ثم قال: أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ أي فيمن رأى في المنام سبع بقرات، وحكى النقاش حديثا روى فيه: أن جبريل ﵇ دخل على يوسف في السجن وبشره بعطف الله تعالى عليه، وأخرجه من، السجن وأنه قد أحدث للملك منامة جعلها سببا لفرج يوسف. ويروى أن الملك كان يرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يخرجن من نهر، وتخرج وراءها سَبْعٌ عِجافٌ، فتأكل العجاف السمان، فكان يعجب كيف

стр. 1369

غلبتها وكيف وسعت السمان في بطون العجاف، وكان يرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وقد التفت بها سبع يابسات، حتى كانت تغطي خضرتها فعجب أيضا لذلك. وقوله: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أي تأويل هذه الرؤيا، فيزول هم الملك لذلك وهم الناس. وقيل: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سببا لتخلصك. وقوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ الآية، تضمن هذا الكلام من يوسف ﵇ ثلاثة أنواع من القول: أحدها: تعبير بالمعنى لا باللفظ. والثاني: عرض رأي وأمر به، وهو قوله: فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ. والثالث: الإعلام بالغيب في أمر العام الثامن، قاله قتادة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا ألا يكون غيبا، بل علم العبارة، أعطى انقطاع الجدب بعد سبع، ومعلوم أنه لا يقطعه إلا خصب شاف، كما أعطى أن النهر مثال للزمان. إذ هو أشبه شيء به فجاءت البقرات مثالا للسنين. ودَأَباً معناه: ملازمة لعادتكم في الزراعة، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] كدأبك من أم الحويرث قبلها.. البيت وقرأ جمهور السبعة «دأبا» بإسكان الهمزة، وقرأ عاصم وحده «دأبا» بفتح الهمزة، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج القراءة، وهما مثل: نهر ونهر. والناصب لقوله: دَأَباً تَزْرَعُونَ، عند أبي العباس المبرد، إذ في قوله تَزْرَعُونَ تدأبون، وهي عنده مثل قولهم: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه هذا الظاهر، كأنه قال: تزرعون تدأبون دأبا. وقوله فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل، فإن الحبة إذا بقيت في خبائها انحفظت والمعنى: اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب، ويؤكل الأقدم فالأقدم فإذا جاءت السنون الجدبة تقوت الناس الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر، وادخروا أيضا الشيء الذي يصاب في أعوام الجدب على قلته، وحملت الأعوام بعضها على بعض حتى يتخلص الناس، وإلى هذه السنين أشار النبي ﵇ في دعائه على قريش: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» ، فابتدأ ذلك بهم ونزلت سنة حصت كل شيء حتى دعا لهم النبي ﵇ فارتفع ذلك عنهم ولم يتماد سبع سنين، وروي أن يوسف ﵇ لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره، قال له الملك: قد أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة، فكان هذا أول ما ولي يوسف. وأسند الأكل في قوله: يَأْكُلْنَ إلى السنين اتساعا من حيث يؤكل فيها كما قال تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [النمل: ٨٦، يونس: ٦٧، غافر: ٦١] وكما قال: نهارك بطال وليلك قائم وهذا كثير في كلام

стр. 1370

العرب. ويحتمل أن يسمى فعل الجدب وإيباس البلالات أكلا، وفي الحديث: «فأصابتهم سنة حصت كل شيء» وقال الأعرابي في السنة جمشت النجم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم. وتُحْصِنُونَ معناه تحرزون وتخزنون، قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ، ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز. وقوله: يُغاثُ جائز أن يكون من الغيث، وهو قول ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين، أي يمطرون، وجائز أن يكون من أغاثهم الله، أذا فرج عنهم، ومنه الغوث وهو الفرج. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم «يعصرون» بفتح الياء وكسر الصاد، وقرأ حمزة والكسائي ذلك بالتاء على المخاطبة، وقال جمهور المفسرين: هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل وجميع ما يعصر، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة وروي أنهم لم يعصروا شيئا مدة الجدب، والحلب منه لأنه عصر للضروع. وقال أبو عبيدة وغيره: ذلك مأخوذ من العصرة والعصر وهو الملجأ ومنه قول أبي زبيد في عثمان ﵁: [الخفيف] صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل] لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري ومنه قول ابن مقبل: [البسيط] وصاحبي وهوه مستوهل زعل ... يحول بين حمار الوحش والعصر ومنه قول لبيد: [الطويل] فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافا بغير معصر أي بغير ملتجأ، فالآية على معنى ينجون بالعصرة. وقرأ الأعرج وعيسى وجعفر بن محمد «يعصرون» بضم الياء وفتح الصاد، وهذا مأخوذ من العصرة، أي يؤتون بعصرة ويحتمل أن يكون من عصرات السحاب ماءها عليهم، قال ابن المستنير: معناها يمطرون، وحكى النقاش أنه قرىء «يعصرون» وجعلها من عصر البلل ونحوه. ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة ردا كثيرا بغير حجة. قوله : [سورة يوسف (١٢) : آية ٥٠] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) في تضاعيف هذه الآية محذوفات يعطيها ظاهر الكلام ويدل عليها، والمعنى هنا: فرجع الرسول إلى

стр. 1371

الملأ والملك فقص عليهم مقالة يوسف، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن، مع ما وصفه به الرسول من الصدق في المنامة المتقدمة، فعظم يوسف في نفس الملك، وقال ائْتُونِي بِهِ، فلما وصل الرسول في إخراجه إليه، وقال: إن الملك قد أمر بأن تخرج، قال له: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ- أي الملك- وقل له: ما بالُ النِّسْوَةِ ومقصد يوسف ﵇ إنما كان- وقل له: يستقصي عن ذنبي وينظر في أمري، هل سجنت بحق أو بظلم. فرسم قصته بطرف منها إذا وقع النظر عليه بان الأمر كله. ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له. وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو حيوة «النّسوة» بضم النون، وقرأ الباقون «النّسوة» بكسر النون. وهما لغتان في تكسير نساء الذي هو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقرأت فرقة «اللايي» بالياء، وقرأ فرقة «اللاتي» بالتاء وكلاهما جمع التي. وكان هذا الفعل من يوسف ﵇ أناة وصبرا وطلبا لبراءة الساحة، وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا، فيراه الناس بتلك العين أبدا، ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه، فأراد يوسف ﵇ أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير، وحينئذ يخرج للإخطاء والمنزلة وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «يرحم الله أخي يوسف، لقد كان صابرا حليما، ولو لبثت في السجن لبثه لأجبت الداعي ولم ألتمس العذر حينئذ» ، وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. وهنا اعتراض ينبغي أن ينفصل عنه، وذلك أن النبي ﷺ ، إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف، فما باله هو، يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره، فالوجه في ذلك أن النبي ﷺ إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي له جهة أيضا من الجودة، أي لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله ﷺ حمل الناس على الأحزم من الأمور، وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما تنتج له من ذلك البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف ﵇ أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي ﷺ بنفسه إليها حالة حزم ومدح، وما فعله يوسف ﵇ صبر عظيم وجلد. وقوله إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ يحتمل أن يريد بالرب الله ، وفي الآية وعيد- على هذا- وتهديد، ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه، ففي ذلك استشهاد به وتقريع له. والضمير في «كَيْدَهُنَّ» ل النِّسْوَةِ المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ذنب. قوله :

стр. 1372

[سورة يوسف (١٢) : آية ٥١] قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) المعنى: فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وقال لهن: ما خَطْبُكُنَّ ... الآية، أي: أي شيء كانت قصتكن؟ فهو استدعاء منه أن يعلمنه القصة فجاوب النساء بجواب جيد، تظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف بعض براءة، وذلك أن الملك لما قرر لهن أنهن راودنه قلن- جوابا عن ذلك- حاشَ لِلَّهِ وقد يحتمل- على بعد- أن يكون قولهن حاشَ لِلَّهِ في جهة يوسف ﵇، وقولهن: ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ليس بإبراء تام، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في إحدى الجهتين، ولو قلن: ما علمن عليه إلا خيرا لكان أدخل في التبرية. وقد بوب البخاري على هذه الألفاظ على أنها تزكية، وأدخل قول أسامة بن زيد في حديث الإفك: أهلك ولا نعلم إلا خيرا. قال القاضي أبو محمد: وأما مالك ﵀ فلا يقنع بهذا في تزكية الشاهد، لأنه ليس بإثبات العدالة. قال بعض المفسرين فلما سمعت زوجة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في الخزي حضرتها نية وتحقيق، فقالت: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. وحَصْحَصَ معناه: تبين بعد خفائه، كذا قال الخليل وغيره وقيل: هو مأخوذ من الحصة، أي بانت حصته من حصة الباطل. ثم أقرت على نفسها بالمراودة والتزمت الذنب وأبرأت يوسف البراءة التامة. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٣] ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) قالت جماعة من أهل التأويل: هذه المقالة هي من يوسف ﵇، وذلك: لِيَعْلَمَ العزيز سيدي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في أهله وهو غائب، وليعلم أيضا أن الله تعالى لا يَهْدِي كيد خائن ولا يرشد سعيه. قال القاضي أبو محمد: والهدى للكيد مستعار، بمعنى لا يكلمه ولا يمضيه على طريق إصابة، ورب كيد مهدي إذا كان من تقي في مصلحة. واختلفت هذه الجماعة فقال ابن جريج: هذه المقالة من يوسف هي متصلة بقوله للرسول: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٠] ، وفي الكلام تقديم وتأخير، فالإشارة بقوله: ذلِكَ- على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن والتماسه البراءة أي هذا ليعلم سيدي أني لم أخنه. وقال بعضهم: إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٥١] فالإشارة- على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه، وهذا يضعف، لأنه

стр. 1373

يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ائْتُونِي بِهِ [يوسف: ٥٤] . وقالت فرقة من أهل التأويل: هذه الآية من قول امرأة العزيز، وكلامها متصل، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه والتقدير- على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم أني لم أخنه وأن الله لا يهدي ... وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير: وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين. وقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي الآية، هذه أيضا مختلف فيها هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها: فمن قال من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك، وقال نحوه ابن عباس وابن جبير وعكرمة والضحاك. وروي أن المرأة قالت له ذلك، قاله السدي، وروي أن يوسف تذكر من تلقائه ما كان هم به فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، قاله ابن عباس أيضا. ومن قال: إن المرأة قالت وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي فوجه كلامها الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببدع ولا ذلك نكير على البشر فأبرىء أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وأمارة بناء مبالغة، وما في قوله: إِلَّا ما رَحِمَ مصدرية، هذا قول الجمهور فيها، وهو على هذا. استثناء منقطع، أي إلا رحمة ربي. ويجوز أن تكون بمعنى «من» ، هذا على أن تكون النفس يراد بها النفوس إذ النفس تجري صفة لمن يعقل كالعين والسمع، كذا قال أبو علي، فتقدير الآية: إلا النفوس التي يرحمها الله. قال القاضي أبو محمد: وإذن النفس اسم جنس، فصح أن تقع ما مكان «من» إذ هي كذلك في صفات من يعقل وفي أجناسه، وهو نص في كلام المبرد، وهو- عندي- معنى كلام سيبويه، وهو مذهب أبي علي- ذكره في البغداديات. ويجوز أن تكون ما ظرفية، المعنى: أن النفس لأمارة بالسوء إلا مدة رحمة الله العبد وذهابه عن اشتهاء المعاصي. ثم ترجى في آخر الآية بقوله: إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٤ الى ٥٧] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)

стр. 1374

المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضا صبره وجلده، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي أمّ يوسف ﵇ بتثبته في السجن أن يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمل أن الملك قال أولا- حين تحقق علمه- ائْتُونِي بِهِ [يوسف: ٥٠] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همته وجودة نظره قال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما جاءه وكلمه قال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ فدل ذلك على أنه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه، إذ المرء مخبوء تحت لسانه ثم لما زاول الأعمال مشى القدمية حتى ولاه خطة العزيز. وأَمِينٌ من الأمانة، وقالت فرقة هو بمعنى آمن. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يخرج من نمط الكلام وينحط إكرام يوسف كثيرا ويروى أن الملك لما أدنى يوسف قال له: إني أشاركك في كل شيء إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي وأن لا يأكل معي عبدي، فقال له يوسف: أتأنف أن آكل معك؟ أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم الخليل، وابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الصديق. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الحديث بعد وضعف، وقد قال ابن ميسرة: إنما جرى هذا في أول أمره، كان يأكل مع العزيز، فلما جرت قصد المرأة قالت للعزيز: أتدع هذا يواكلك؟ فقال له: اذهب فكل مع العبيد فأنف وقال ما تقدم. اما ان الظاهر من قصته وقت محاورة الملك أنه كان على عبودية، وإلا كان اللائق به أن ينتحي بنفسه عن عمل الكافر، لأن القوم كانوا أهل أوثان ومحاورة يوسف لصاحبي السجن تقضي بذلك. وسمى الله تعالى فرعون مصر ملكا إذ هي حكاية اسم مضى حكمه وتصرم زمنه، ولو كان حيا لكان حكما له إذا قيل لكافر: ملك أو أمير، ولهذا كتب النبي ﷺ إلى هرقل فقال: «عظيم الروم» ، ولم يقل: ملكا ولا أميرا، لأن ذلك حكم، والحق أن يسلم ويسلموا. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه كيفما تقلب، ولو كتب له النبي ﵇: أمير الروم، لتمسك بتلك الحجة على نحو تمسك زياد في قوله: شهد- والله- لي أبو الحسن. وقوله تعالى: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ الآية، فهم يوسف ﵇ من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك، فألقى يده في الفصل الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله وعند أهله.

стр. 1375

قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك. قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه ﵇ لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مع نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين ... الحديث بكماله فجائز للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه، وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره. وخَزائِنِ لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره. وحَفِيظٌ عَلِيمٌ صفتان تعم وجوه التثقيف والحيطة لا خلل معهما لعامل. وقد خصص الناس بهاتين الصفتين أشياء، مثل قولهم: «حفيظ» بالحساب «عليم» بالألسن، وقول بعضهم: «حفيظ» لما استودعتني، «عليم» بسني الجوع، وهذا كله تخصيص لا وجه له، وإنما أراد باتصافه أن يعرف الملك بالوجه الذي به يستحق الكون على خزائن الأرض فاتصف بأنه يحفظ المجبي من كل جهة تحتاج إلى الحفظ. ويعلم التناول أجمع. وروي عن مالك بن أنس أنه قال: مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية. وقوله خَزائِنِ الْأَرْضِ يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط، ويؤكد أن تسمى خزانة الأرض نصبتها في بلاد الأرض وتوسطها، فمنها ينقل الناس إلى أقطار الأرض وهي محل كل جالب. وقوله تعالى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ الآية، الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به كهذه الأفعال المنصوصة، درجناه في الرتب ونقلناه فمكنا له في الأرض. قال القاضي أبو محمد: فروي أن العزيز مات في تلك الليالي، وقال ابن إسحاق: بل عزله الملك ثم مات أطفير، فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته، فلما دخلت عليه عروسا قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت أردت؟ فقالت له: أيها الصديق كنت في غاية الجمال، وكنت شابة عذراء، وكان زوجي لا يطأ، فغلبتني نفسي في حبك، فدخل يوسف بها فوجدها بكرا، وولدت له ولدين. وروي أن الملك عزل العزيز، وولاه موضعه، ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع، قال مجاهد: وأسلم الملك آخر أمره، ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه، ومات وافتقرت زوجته، وزمنت وشاخت، فلما كان في بعض الأيام. لقيت يوسف في طريق، والجنود حوله ووراءه، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، وَسُبْحانَ اللَّهِ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨] فصاحت به وقالت: سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذل الأرباب بالمعصية، فعرفها، وقالت له: تعطف عليّ وارزقني شيئا فدعاها وكلمها، وأشفق لحالها، ودعا الله تعالى، فرد عليها جمالها وتزوجها. قال القاضي أبو محمد: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام بسوقه. وقرأ الجمهور: «حيث يشاء» على الإخبار عن يوسف وقرأ ابن كثير وحده «حيث نشاء» بالنون على ضمير المتكلم. أي حيث يشاء الله من تصرف يوسف على اختلاف تصرفه، وحكى أبو حاتم هذه

стр. 1376

القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين وقال أبو علي: إما أن يكون تقدير هذه القراءة: حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات، فهي قرب يريدها الله ويشاؤها وإما أن يكون معناها: حيث يشاء يوسف، لكن أضاف الله المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده، وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] . قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من أبي على نزغة اعتزالية، وتحفظ من أن أفعال العباد من فاعلين، فتأمله. واللام في قوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ يجوز أن تكون على حد التي في قوله رَدِفَ لَكُمْ [النمل: ٧٢] ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] . وقوله: يَتَبَوَّأُ في موضع نصب على الحال، وحَيْثُ يَشاءُ نصب على الظرف أو على المفعول به، كما قال الشماخ: حيث تكوى النواحز. وباقي الآية بين. ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد، والجري على طريق الحق لا يضيع عند الله ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا، عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد وأحرى أن تجعل غرضا ومقصدا، وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير من حاله العظيمة في الدنيا. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٠] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قال السدي وغيره: سبب مجيئهم أن الجماعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد التي كان بها يعقوب، وروي أنه كان في الغربات من أرض فلسطين بغور الشام. وقيل: كان بالأولاج من ناحية الشعب، وكان صاحب بادية له إبل وشاء، فأصابهم الجوع، وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة، فكان الناس يمتارون من عند يوسف، وهو في رتبة العزيز المتقدم، وكان لا يعطي الوارد أكثر من حمل بعير، يسوي بين الناس، فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه هم، لبعد العهد وتغير سنه، ولم يقع لهم- بسبب ملكه ولسانه القبطي- ظن عليه وروي في بعض القصص: أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم، فباحثهم بأن قال لهم- بترجمان- أظنكم جواسيس، فاحتاجوا- حينئذ- إلى التعريف بأنفسهم فقالوا: نحن أبناء رجل صديق، وكنا اثني عشر، ذهب واحد منا في البرية، وبقي أصغرنا عند أبينا، وجئنا نحن للميرة، وسقنا بعير الباقي منا، وكانوا عشرة، ولهم أحد عشر بعيرا فقال لهم يوسف: ولم تخلف أخوكم؟ قالوا: لمحبة أبينا فيه، قال: فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لم أحبه

стр. 1377

أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين؟ وروي في القصص أنهم وردوا مصر، واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستئذان، فعرفهم، وأمر بإنزالهم، وأدخلهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وأهبة شنيعة وروي أنه كان متلثما أبدا سترا لجماله، وأنه كان يأخذ الصواع فينقره، ويفهم من طنينه صدق ما يحدث به أو كذبه فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا قال لهم يوسف: صدقتم، فلما قالوا: وكان لنا أخ أكله الذئب، طن يوسف الصاع وقال: كذبتم، ثم تغير لهم، وقال: أراكم جواسيس، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك، في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة. و «الجهاز» ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وكل ما يحمل، وكذلك جهاز العروس وجهاز الميت. وقول يوسف ﵇: أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ الآية، يرغبهم في نفسهم آخرا، ويؤنسهم ويستميلهم. والْمُنْزِلِينَ يعني المضيفين في قطره ووقته، و «الجهاز» - المشار إليه- الطعام الذي كان حمله لهم، ثم توعدهم إن لم يجيئوا بالأخ بأنه لا كيل لهم عنده في المستأنف، وأمرهم ألا يقربوا له بلدا ولا طاعة، ولا تَقْرَبُونِ نهي لفظا ومعنى، ويجوز أن يكون لفظه الخبر ومعناه النهي، وتحذف إحدى النونين كما قرىء فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤]- بكسر النون- وهذا خبر لا غير. وخلط النحاس في هذا الموضع وقال مالك ﵀: هذه الآية وما يليها تقتضي أن كيل الطعام على البائع، وكذلك هي الرواية في التولية والشركة: أنها بمنزلة البيع، والرواية في القرض: أن الكيل على المستقرض. وروي أنه حبس منهم شمعون رهينة حتى يجيئوه ببنيامين، - قاله السدي- وروي: أنه لم يحبس منهم أحدا. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيطن فيقول لهم: إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أبا شيخا» . قال القاضي أبو محمد: كأنها حيلة وإيهام لهم، وروي: أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهارا لعزته بحسب غلائه في تلك المدة، وروي: أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس، ثم أملاكهم، فمن هناك ليس لأحد في أرض مصر ومزارعها ملك. وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦١ الى ٦٣] قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) تقدم معنى «المراودة» أي سنفائل أباه في أن يتركه يأتي معنا إليك، ثم شددوا هذه المقالة بأن

стр. 1378

التزموها له في قولهم: وَإِنَّا لَفاعِلُونَ، وأراد يوسف ﵇ المبالغة في استمالتهم بأن رد مال كل واحد منهم في رحله بين طعامه، وأمر بذلك فتيانه. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: «لفتيته» وقرأ حمزة والكسائي: «لفتيانه» ، واختلف عن عاصم، ففتيان للكثرة- على مراعاة المأمورين- وفتية للقلة- على مراعاة المتناولين وهم الخدمة- ويكون هذا الوصف للحر والعبد. وفي مصحف ابن مسعود: «وقال لفتيانه» وهو يكايلهم. وقوله لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها يريد: لعلهم يعرفون لها يدا، أو تكرمة يرون حقها، فيرغبون فينا، فلعلهم يرجعون حينئذ وأما ميز البضاعة فلا يقال فيه: لعل، وقيل: قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن، وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف: ٦٥] يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم، فيرغبهم في نفسه كالذي كان وخص البضاعة بعينها- دون أن يعطيهم غيرها من الأموال- لأنها أوقع في نفوسهم، إذ يعرفون حلها، وماله هو إنما كان عندهم مالا مجهول الحال، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة ويظهر أن ما فعل يوسف من صلتهم، وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه، إذ هو ملك عدل وهم أهل إيمان ونبوة وقيل: علم عدم البضاعة والدراهم عند أبيه، فرد البضاعة إليهم لئلا يمنعهم العدم من الانصراف إليه وقيل: جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك، ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة الرحم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: «نكتل» بالنون على مراعاة مُنِعَ مِنَّا ويقويه: وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَزْدادُ [يوسف: ٦٥] وقرأ حمزة والكسائي: «يكتل» بالياء، أي يكتل يامين كما اكتلنا نحن. وأصل نَكْتَلْ، وزنه نفتعل. وقولهم مُنِعَ مِنَّا ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي [يوسف: ٦٠] فهو خوف في المستأنف وقيل: أشاروا إلى بعير بنيامين- الذي لم يمتر- والأول أرجح. ثم تضمنوا له حفظه وحيطته. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٤ الى ٦٥] قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قوله هَلْ توقيف وتقرير، وتألم يعقوب ﵇ من فرقة بنيامين، ولم يصرح بمنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة، لكنه أعلمهم بقلة طمأنينته إليهم. وأنه يخاف عليه من كيدهم، ولكن

стр. 1379

ظاهر أمرهم أنهم كانوا نبئوا وانتقلت حالهم، فلم يخف كمثل ما خاف على يوسف من قبل، لكن أعلم بأن في نفسه شيئا، ثم استسلم لله تعالى، بخلاف عبارته في قصة يوسف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم- في رواية أبي بكر- «خير حفظا» وقرأ حمزة والكسائي وحفص- عن عاصم- «خير حافظا» ونصب ذلك- في القراءتين- على التمييز. وقال الزجاج: يجوز أن ينصب «حافظا» على الحال، وضعف ذلك أبو علي الفارسي، لأنها حال لا بد للكلام والمعنى منها، وذلك بخلاف شرط الحال، وإنما المعنى أن حافظ الله خير حافظكم. ومن قرأ «حفظا» فهو مع قولهم: وَنَحْفَظُ أَخانا. ومن قرأ «حافظا» فهو مع قولهم وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [يوسف: ٦٣] فاستسلم يعقوب ﵇ لله وتوكل عليه. قال أبو عمرو الداني: قرأ ابن مسعود: «فالله خير حافظ وهو خير الحافظين» . قال القاضي أبو محمد: وفي هذا بعد. وقوله: فَتَحُوا مَتاعَهُمْ سمى المشدود المربوط بحملته متاعا، فلذلك حسن الفتح فيه، قرأ جمهور الناس: «ردت» بضم الراء، على اللغة الفاشية عن العرب، وتليها لغة من يشم، وتليها لغة من يكسر. وقرأ علقمة ويحيى بن وثاب «ردت» بكسر الراء على لغة من يكسر- وهي في بني ضبة-، قال أبو الفتح: وأما المعتل- نحو قيل وبيع- فالفاشي فيه الكسر، ثم الإشمام، ثم الضم، فيقولون: قول وبوع، وأنشد ثعلب: [الرجز] ... وقول لا أهل له ولا مال قال الزجاج: من قرأ: «ردت» بكسر الراء- جعلها منقولة من الدال- كما فعل في قيل وبيع- لتدل على أن أصل الدال الكسرة. وقوله ما نَبْغِي يحتمل أن تكون ما استفهاما، قاله قتادة. ونَبْغِي من البغية، أي ما نطلب بعد هذه التكرمة؟ هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا. قال الزجّاج: ويحتمل أن تكون ما نافية، أي ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أيضا أن تكون نافية، ونَبْغِي من البغي، أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا في وصف إجماله وإكرامه هذه البضاعة مردودة. وقرأ أبو حيوة «ما تبغي» - بالتاء، على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى: ما تريد وما تطلب؟ قال المهدوي: وروتها عائشة عن النبي ﷺ ، وقرأت فرقة: «ونمير» بفتح النون- من مار يمير: إذا جلب الخير، ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر] بعثتك مائرا فمكثت حولا ... متى يأتي غياثك من تغيث وقرأت عائشة ﵂: «ونمير» بضم النون- وهي من قراءة أبي عبد الرحمن السلمي- وعلى هذا يقال: مار وأمار بمعنى ... ؟ وقولهم: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة ولم

стр. 1380

يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه: وقال مجاهد: كَيْلَ بَعِيرٍ أراد كيل حمار. قال: وبعض العرب يقول للحمار بعير. قال القاضي أبو محمد: وهذا شاذ. وقولهم: ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ تقرير بغير ألف، أي أذلك كيل يسير في مثل هذا العام فيهمل أمره؟ وقيل: معناه: يَسِيرٌ على يوسف أن يعطيه. وقال الحسن البصري: وقد كان يوسف وعدهم أن يزيدهم حمل بعير بغير ثمن وقال السدي: معنى ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل. قال القاضي أبو محمد: فكأنهم أنسوه على هذا بقرب الأوبة. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٦ الى ٦٧] قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) أراد يعقوب ﵇ أن يتوثق منهم. و «الموثق» - مفعل- من الوثاقة. فلما عاهدوه أشهد الله بينه وبينهم بقوله: اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ و «الوكيل» القيم الحافظ الضامن. وقرأ ابن كثير «تؤتوني» بياء في الوصل والوقف، وروي عن نافع أنه وصل بياء ووقف دونها. والباقون تركوا الياء في الوجهين. وقوله: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ قيل: خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة. قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره: والعين حق، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» ، وفي تعوذه ﵇: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامة» . وقيل: خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل: أنتم جواسيس ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر. وقيل: طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو يتطلعوا خبر يوسف- وهذا ضعيف يرده: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فإن ذلك لا يتركب على هذا المقصد. وقوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص. وقال مجاهد: المعنى: إلا أن تهلكوا جميعا. وقال قتادة: إلا ألا تطيقوا ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه لفظ الآية. وانظر أن يعقوب ﵇ قد توثق في هذه القصة، وأشهد الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، فهذا توكل مع تسبب، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع بماء وبقل البرية ونحوه، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء

стр. 1381

عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، وما تجاوز ذلك من الإلقاء باليد مختلف في جوازه، وقد فضله بعض المجيزين له، ولا أقول بذلك، وباقي الآية بين. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٨ الى ٦٩] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا. وفي كتاب أبي منصور المهراني: أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف فبكى. وقوله: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها بمثابة قولهم: لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أربا ليعقوب قضاه. وطيبا لنفسه تمسك به وأمر بحبسه. فجواب لَمَّا في معنى قوله: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وإِلَّا حاجَةً استثناء ليس من الأول. وال حاجَةً هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين. قال مجاهد: «الحاجة» : خيفة العين، وقاله ابن إسحاق، وفي عبارتهما تجوز: ونظير هذا الفعل أن رسول الله ﷺ سد كوة في قبر بحجر وقال: «إن هذا لا يغني شيئا ولكنه تطيب لنفس الحي» . قال القاضي أبو محمد: وقوله- عندي- ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ معناه: ما رد عنهم قدرا، لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين، وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته قدر السلامة فوصى وقضى بذلك حاجته في نفسه في أن يتنعم برجائه، أن تصادف القدر في سلامتهم. ثم أثنى الله على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غير ذلك في العموم وقال إن أكثر الناس ليس كذلك، وقيل: معناه: إنه لعامل بما علمناه- قاله قتادة- وقال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالما. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يعطيه اللفظ، اما انه صحيح في نفسه يرجحه المعنى، ومات تقتضيه منزلة يعقوب ﵇. قال أبو حاتم: قرأ الأعمش لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ. ويحتمل أن يكون جواب لَمَّا في هذه الآية محذوفا مقدرا، ثم يخبر عن دخولهم أنه ما كانَ يُغْنِي ... الآية. وقوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ الآية. المعنى أنه لما دخل إخوة يوسف عليه ورأى أخاه شكر ذلك لهم- على ما روي- وضم إليه أخاه وآواه إلى نفسه: ومن هذه الكلمة المأوى. وكان بنيامين

стр. 1382

شقيق يوسف فآواه. وصورة ذلك- على ما روي عن ابن إسحاق وغيره- أن يوسف ﵇ أمر صاحب ضيافته أن ينزلهم رجلين رجلين، فبقي يامين وحده، فقال يوسف: أنا أنزل هذا مع نفسي، ففعل وبات عنده وقال له: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ واختلف المتأولون في هذا اللفظ فقال ابن إسحاق وغيره: أخبره بأنه أخوه حقيقة واستكتمه، وقال له: لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم. وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إلى ما يعمله فتيان يوسف، من أمر السقاية ونحو ذلك ويحتمل أن يشير إلى ما عمله الإخوة قديما. وقال وهب بن منبه: إنما أخبره أنه أخوه في الود مقام أخيه الذاهب، ولم يكشف إليه الأمر بل تركه تجوز عليه الحيلة كسائر إخوته. وتَبْتَئِسْ- تفتعل- من البؤس، أي لا تحزن ولا تهتم، وهكذا عبر المفسرون. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٠ الى ٧٥] فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف ﵇، وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه الغرم، فعلم يوسف أن إخوته- لثقتهم ببراءة ساحتهم- سيدعون في السرقة إلى حكمهم فتحيل لذلك، واستسهل الأمر- على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب ﵇، وعليهم- لما علم في ذلك من الصلاح في الأجل، وبوحي لا محالة وإرادة من الله محنتهم بذلك، - هذا تأويل قوم، ويقويه. قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦] وقيل: إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط، ثم إن حافظها فقدها، فنادى على ما ظهر إليه- ورجحه الطبري وتفتيش الأوعية يرد عليه. وقيل: إنهم لما كانوا قد باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وإنه عوقب على ذلك بأن قالوا: «فقد سرق أخ له من قبل» وقوله: جَعَلَ أي بأمره خدمته وفتيانه. وقرأ ابن مسعود «وجعل» بزيادة واو. والسِّقايَةَ: الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل الطعام للناس، هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد. قال القاضي أبو محمد: وفي كتب من حرر أمرها أنها شكل له رأسان ويصل بينهما مقبض تمسك الأيدي فيه فيكال الطعام بالرأس الواحد ويشرب بالرأس الثاني أو بهما. فيشبه أن تكون لشرب أضياف

стр. 1383

الملك وفي أطعمته الجميلة التي يحتاج فيها إلى عظيم الأواني. وقال سعيد بن جبير: ال صُواعَ مثل المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو، قال: وحدثني ابن عباس أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية. قال القاضي أبو محمد: وقال ابن جبير- أيضا- «الصواع» : المكوك الفارسي الذي تلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة- وهذا قول الجمهور- وروي أنها كانت من ذهب قال الزجاج: وقيل: كان من مسك. قال القاضي أبو محمد: وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل: كان يشبه الطاس، وقيل: من نحاس- قاله ابن عباس أيضا- ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم من يامين- قاله السدي، وهو الظاهر. فلما فصلت العير بأوفارها وخرجت من مصر- فيما روي وقالت فرقة بل قبل الخروج من مصر- أمر بهم فحبسوا. وأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ و «مخاطبة العير» تجوز، والمراد أربابها، وإنما المراد: أيتها القافلة أو الرفقة، وقال مجاهد: كانت دوابهم حميرا، ووصفهم بالسرقة من حيث سرق في الظاهر أحدهم، وهذا كما تقول: بنو فلان قتلوا فلانا، وإنما قتله أحدهم. فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة أقبلوا عليهم وساءهم أن يرموا بهذه المنقبة، وقالوا: ماذا تَفْقِدُونَ ليقع التفتيش فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإنكار من أول، بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به، فلا يحتاج إلى خصام. وقرأ أبو عبد الرحمن: «تفقدون» بضم التاء، وضعفها أبو حاتم. قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ: وهو المكيال وهو السقاية رسمه أولا بإحدى جهتيه وآخرا بالثانية. وقرأ جمهور الناس «صواع» بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة: «صواع» بكسر الصاد وبألف، وقرأ أبو هريرة ومجاهد «صاع الملك» بفتح الصاد دون واو، وقرأ عبد الله بن عوف: «صوع» بضم الصاد، وقرأ أبو رجاء «صوع» وهذه لغة في المكيال- قاله أبو الفتح وغيره- وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد: يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر: «صوغ» بالغين منقوطة- وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان من ذهب أو من فضة، فهو مصدر سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال أبو حاتم: وقرأ سعيد بن جبير والحسن «صواغ» بضم الصاد وألف وغين معجمة. وقوله: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع- وهذا جعل- وقوله: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة- إذ هي عن الغير- تحمل هو بذلك. قال مجاهد: ال زَعِيمٌ هو المؤذن الذي قال: أَيَّتُهَا الْعِيرُ و «الزعيم» : الضامن- في كلام العرب- ويسمى الرئيس زعيما، لأنه يتضمن حوائج الناس.

стр. 1384

وقوله: قالُوا: تَاللَّهِ الآية، روي: أن إخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أي لقد علمتم منا التحري وروي أنهم كانوا قد اشتهروا في مصر بصلاح وتعفف، وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، فلذلك قالوا: لقد علمتم ما جئنا لفساد وما نحن أهل سرقة. والتاء في تَاللَّهِ بدل من واو- كما أبدلت في تراث وفي التورية وفي التخمة- ولا تدخل التاء في القسم إلا في المكتوبة من بين أسماء الله تعالى، لا في غير ذلك- لا تقول: تالرحمن ولا تالرحيم-. وقوله تعالى: قالُوا: فَما جَزاؤُهُ الآية، قال فتيان يوسف: فما جزاء السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قولكم: وَما كُنَّا سارِقِينَ؟ فقال إخوة يوسف: جزاء السارق والحكم الذي تتضمنه هذه الألفاظ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ف جَزاؤُهُ الأول مبتدأ ومَنْ والجملة خبر قوله: جَزاؤُهُ الأول، والضمير في قالُوا جَزاؤُهُ للسارق. ويصح أن تكون مَنْ خبرا عائد على مَنْ ويكون قوله: فَهُوَ جَزاؤُهُ زياد بيان وتأكيد. وليس هذا الموضع- عندي- من مواضع إبراز الضمير على ما ذهب إليه بعض المفسرين، ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله فَهُوَ جَزاؤُهُ وقولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب شرعهم إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملا. لكنهم التزموا أن من وجد في رحله فهو مأخوذ على أنه سارق. وقولهم كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة: أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق. قال القاضي أبو محمد: وحكى بعض الناس: أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع، وهذا ضعيف، ما كان قط فيما علمت، وحكى الزهراوي عن السدي: أن حكمهم إنما كان أن يستخدم السارق على قدر سرقته وهذا يضعفه رجوع الصواع فكان ينبغي ألا يؤخذ بنيامين إذ لم يبق فيما يخدم. قوله : [سورة يوسف (١٢) : آية ٧٦] فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) بدؤه- أيضا- من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة. وقرأ جمهور الناس «وعاء» بكسر الواو، وقرأ الحسن «وعاء» بضمها، وقرأ ابن جبير «أعاء» بهمزة بدل الواو، وذلك شائع في الواو المكسورة، وهو أكثر في المضمومة، وقد جاء من المفتوحة: أحد في وحد. وأضاف الله تعالى إلى ضميره لما أخرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتياد الناس كيد، وقال السدي والضحاك: كِدْنا معناه: صنعنا.

стр. 1385

ودِينِ الْمَلِكِ فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء والحكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا متقارب، والاستثناء في هذه الآية حكاية حال، التقدير: إلا ان شاء الله ما وقع من هذه الحيلة ويحتمل أن يقدر أن تسنن لما قرر النفي. وقرأ الجمهور «نرفع» على ضمير المعظم و «نشاء» كذلك، وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء، أي الله تعالى: «وقرأ أبو عمرو ونافع وأهل المدينة «درجات من» بإضافة الدرجات إلى مَنْ، وقرأ عاصم وابن محيصن «درجات من» بتنوين» الدرجات، وقرأ الجمهور، «وفوق كل ذي علم» . وقرأ ابن مسعود «وفوق كل ذي عالم» والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر وإما الله . وأما على قراءة ابن مسعود فقيل: ذِي زائدة، وقيل: «عالم» مصدر كالباطل. وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئا استغفر الله تائبا من فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره، أن المستغفر كان يوسف لأنه كان يفتشهم يعلم أين الصواع، حتى فرغ منهم وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئا، فقال له إخوته، والله لا تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية- وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن إنما سرقه برأيه، فإنما يقال جميع ذلك كان بأمر الله تعالى، ويقوي ذلك قوله: كِدْنا، وكيف لا يكون برأي يوسف وهو مضطر في محاولته إلى أن يلزمهم حكم السرقة له أخذ أخيه. والضمير في قوله: اسْتَخْرَجَها عائد على السِّقايَةَ [يوسف: ٧٠] ، ويحتمل أن يعود على السرقة. وروي أن إخوة يوسف لما رأوا ذلك قالوا: يا بنيامين بن راحيل قبحك الله ولدت أمك أخوين لصّين، كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يديه إلى السماء وقال: والله ما فعلت، فقالوا له: فمن وضعها في رحلك قال: الذي وضع البضاعة في رحالكم. وما ذكرناه من المعنى في قوله: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ هو قول الحسن وقتادة، وقد روي عن ابن عباس، وروي أيضا عنه ﵁: أنه حدث يوما بحديث عجيب فتعجب منه رجل ممن حضر، وقال: الحمد لله وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وقال ابن عباس: بئس ما قلت، إنما العليم لله وهو فوق كل ذي علم. قال القاضي أبو محمد: فبين هذا وبين قول الحسن فرق. قوله : [سورة يوسف (١٢) : آية ٧٧] قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) الضمير في قالُوا لإخوة يوسف، والأخ الذي أشاروا إليه هو يوسف، ونكروه تحقيرا للأمر، إذ

стр. 1386

كان مما لا علم للحاضرين به، ثم ألصقوه ببنيامين، إذ كان شقيقه، ويحتمل قولهم: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ تأويلين. أحدهما: أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف ﵉، بحسب ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل، لأن أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل: يوسف وبنيامين. والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين- مظنونة- كأنهم قالوا: إن كان هذا الذي رمي به بنيامين حقا في نفسه فالذي رمي به يوسف قبل حق إذا، وكأن قصة يوسف والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة وبنيامين. وقال بعض المفسرين: التقدير: فقد قيل عن يوسف إنه سرق، ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية. وهذه الأقوال منهم ﵈ إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في النازلتين، فلم يقعوا في غيبة ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان. وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه: الجمهور منها على أن عمته كانت ربته، فلما شب أراد يعقوب أخذه منها، فولعت به وأشفقت من فراقه، فأخذت منطقة إسحاق- وكانت متوارثة عندهم- فنطقته بها من تحت ثيابه، ثم صاحت وقالت: إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها، ففتشت فوجدت عنده، فاسترقّته- حسبما كان في شرعه- وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه. وقال ابن إدريس عن أبيه: إنما أكل بنو يعقوب طعاما فأخذ يوسف عرقا فخبأه فرموه لذلك بالسرقة، وقال سعيد بن جبير وقتادة: إنما أمرته أمه أن يسرق صنما لأبيها، فسرقه وكسره، وكان ذلك- منها ومنه- تغييرا للمنكر، فرموه لذلك بالسرقة، وفي كتاب الزجاج: أنه كان صنم ذهب. والضمير في قوله: فَأَسَرَّها عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من قولهم، والكلام يتضمنها، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر وهذا كقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٠] فهي مراد بها الحالة المتحصلة من هذه الأفعال. وقال قوم: أسر المجازاة، وقال قوم: أسر الحجة، وما قدمناه أليق. وقرأ ابن أبي عبلة: «فأسره يوسف» بضمير تذكير. وقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً الآية، الظاهر منه أنه قالها إفصاحا فكأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم تجهمهم بقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي لسوء أفعالكم، والله يعلم إن كان ما وصفتموه حقا، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم، ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى

стр. 1387

الله عليه وسلم. وقالت فرقة- وهو ظاهر كلام ابن عباس- لم يقل يوسف هذا الكلام إلا في نفسه- وإنما هو تفسير للذي أسر في نفسه، أي هذه المقالة هي التي أسر، فكأن المراد في نفسه: أنتم ... وذكر الطبري هنا قصصا اختصاره: أنه لما استخرجت السقاية من رحل بنيامين قال إخوته: يا بني راحيل ألا يزال البلاء ينالنا من جهتكم؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم: ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم لئلا نؤخذ بها. ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فطن، فقال: إنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه، فسجد بنيامين وقال: أيها العزيز سل صواعك هذا يخبرك بالحق. قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص الذي آثرنا اختصاره. وروي أن روبيل غضب ووقف شعره حتى خرج من ثيابه، فأمر يوسف بنيا له، فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل: لقد مسني أحد من ولد يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة يوسف- وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك- فلما أحس يوسف بذلك قام إلى روبيل فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه عند ذلك وقالوا: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ... [يوسف: ٨٨] قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٨ الى ٨٠] قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) خاطبوه باسم الْعَزِيزُ إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته- على ما روي في ذلك- وقولهم: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ يحتمل أن يكون مجازا وهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر ليسترقّ بدل من أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في استنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف مَعاذَ اللَّهِ لأنه تعوذ من غير جائز، ويحتمل أن يكون قولهم فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ حقيقة، وبعيد عليهم- وهم أنبياء- أن يريدوا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك، ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف ﵇ من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها لمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في مثل ذلك- على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة- فلا يجوز ذلك إجماعا. وفي الواضحة: إن الحمالة بالوجه فقط في جميع الحدود جائزة إلا في النفس.

стр. 1388

وقولهم: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله- معهم ومع غيرهم- ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا- وهذا تأويل ابن إسحاق. ومَعاذَ نصب على المصدر، ولا يجوز إظهار الفعل معه، والظلم في قوله: لَظالِمُونَ على حقيقته، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه، وذكر الطبري أنه روي أن يوسف أيأسهم بلفظه هذا، قال لهم: إذا أتيتم أباكم فاقرأوا ﵇، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك يوسف، ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله. وقوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ الآية، يقال: يئس واستيأس بمعنى واحد، كما يقال: سخر واستسخر، ومنه قوله تعالى: يَسْتَسْخِرُونَ [الصافات: ١٤] وكما يقال: عجب واستعجب، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم ومنه نوك واستنوك- وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات: واستنوكت وللشباب نوك. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير: «استأيسوا» و «لا تأيسوا» و «لا يأيس» و «حتى إذا استأيس الرسل» أصله استأيسوا- استفعلوا- ومن أيس- على قلب الفعل من يئس إلى أيس، وليس هذا كجذب وجبذ بل هذان أصلان والأول قلب، دل على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد، وهو اليأس، ولجذب وجبذ مصدران. وقوله: خَلَصُوا نَجِيًّا معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا، والنجي لفظ يوصف به من له نجوى واحدا أو جماعة أو مؤنثا أو مذكرا، فهو مثل عدو وعدل، وجمعه أنجية، قال لبيد: وشهدت أنجية الأفاقة عاليا ... كعبي وأرداف الملوك شهود وكَبِيرُهُمْ قال مجاهد: هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأيا وتدبيرا وعلما- وإن كان روبيل أسنهم- وقال قتادة: هو روبيل لأنه أسنهم، وهذا أظهر ورجحه الطبري. وقال السدي: معنى الآية: وقال كبيرهم في العلم، وذكرهم أخوهم الميثاق في قوله يعقوب لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يوسف: ٦٦] . وقوله: ما فَرَّطْتُمْ يصح أن تكون ما صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله: فِي يُوسُفَ- كذا قال أبو علي- ولا يجوز أن يكون قوله: مِنْ قَبْلُ متعلقا ب فَرَّطْتُمْ. قال القاضي أبو محمد: وإنما تكون- على هذا- مصدرية، التقدير: من قبل تفريطكم في يوسف واقع أو مستقر، وبهذا المقدر يتعلق قوله: مِنْ قَبْلُ. ويصح أن يكون في موضع نصب عطفا، على أن التقدير: وتعلموا تفريطكم أو وتعلموا الذي فرطتم، فيصح- على هذا الوجه- أن يكون بمعنى الذي ويصح أن تكون مصدرية.

стр. 1389

وقوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أراد أرض القطر والموضع الذي ناله فيه المكروه المؤدي إلى سخط أبيه، والمقصد بهذا اللفظ التحريج على نفسه والتزام التضييق، كأنه سجن نفسه في ذلك القطر ليبلي عذرا. وقوله: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي لفظ عام بجميع ما يمكن أن يرده من القدر كالموت أو النصرة وبلوغ الأمل وغير ذلك، وقال أبو صالح: أو يحكم الله لي بالسيف. ونصب يَحْكُمَ بالعطف على يَأْذَنَ، ويجوز أن تكون أَوْ في هذا الموضع بمعنى إلا أن، كما تقول: لألزمنك أو تقضيني حقي، فتنصب على هذا يَحْكُمَ ب أَوْ. وروي أنهم لما وصلوا إلى يعقوب بكى وقال: يا بني ما تذهبون عني مرة إلا نقصتم: ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم فنقصتم شمعون حيث ارتهن، ثم ذهبتم فنقصتم بنيامين وروبيل. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨١ الى ٨٣] ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) الأمر بالرجوع قيل: هو من قول كبيرهم، وقيل: بل هو من قول يوسف لهم، والأول أظهر. وقرأ الجمهور «سرق» على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو رزين «سرّق» بضم السين وكسر الراء وتشديدها، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعل سارقا بما ظهر من الحال- ورويت هذه القراءة عن الكسائي- وقرأ الضحاك: «إن ابنك سارق» بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد- على القراءتين- في قولهم وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أي وقولنا لك: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما جرى، والعلم في الغيب إلى الله، ليس في ذلك حفظنا، هذا قول ابن إسحاق، وقال ابن زيد: قولهم: ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا أرادوا به: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقّ في شرعك إلا بما علمنا من ذلك، وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أن السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا. وقرأ الحسن «وما شهدنا عليه إلا بما علمنا» بزيادة «عليه» . ويحتمل قوله: وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع منا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه. وروي أن معنى قولهم: لِلْغَيْبِ أي الليل، والغيب: الليل- بلغة حمير- فكأنهم قالوا: وما شهدنا

стр. 1390

عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه. ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها- وهي مصر، قاله ابن عباس وغيره، وهذا مجاز، والمراد أهلها، وكذلك قوله: وَالْعِيرَ، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال: هذا من الحذف وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له. قال القاضي أبو محمد: وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه- هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر- وليس كل حذف مجازا، ورجح أبو المعالي- في هذه الآية- أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا. وقالت فرقة: بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن جوز فبعيد، والأول أقوى، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر، تقديره: فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال: بَلْ سَوَّلَتْ، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره: فلما رجعوا قالوا: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ الآية. والظاهر أن قوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً. إنما هو ظن سيء بهم، كما كان في قصة يوسف قبل، فاتفق أن صدق ظنه هناك، ولم يتحقق هنا، وسَوَّلَتْ معناه: زينت وخيلت وجعلته سولا، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه. وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت. وإما خبر ابتداء تقديره، فأمري أو شأني، أو صبري صبر جميل وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبرا، ومعنى وصفه بالجمال: أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء الله تعالى. ثم ترجى ﵇ من الله أن يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا من جهات: إحداها: الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها. والثانية: حسن ظنه بالله تعالى في كل حال. والثالثة: ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له- من هنا- تحسس ورجاء. والوصف «بالعلم والإحكام» لائق بما يرجوه من لقاء بنيه، وفيها تسليم لحكمة الله تعالى في جميع ما جرى عليه. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٤ الى ٨٦] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦)

стр. 1391

المعنى: أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به، تَوَلَّى عَنْهُمْ أي زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف، قال الحسن: خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب: يا أَسَفى. قال القاضي أبو محمد: والمراد: «يا أسفي» . لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفا نحو: يا غلاما ويا أبتا، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك. وقيل: قوله: يا أَسَفى على جهة الندبة، وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلدا منه ﵇، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر الجميل، وقيل: قوله: يا أَسَفى نداء فيه استغاثة. قال القاضي أبو محمد: ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع ويا أَسَفى لهذه الأمة وليعقوب ﵇. وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن، وروي «أن يعقوب ﵇ حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط» ، رواه الحسن عن النبي ﷺ . وقرأ ابن عباس ومجاهد «من الحزن» بفتح الحاء والزاي، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي. وهو كَظِيمٌ يمعنى كاظم، كما قال وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران: ١٣٤] ، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ناس: كَظِيمٌ بمعني: مكظوم. قال القاضي أبو محمد: وقد وصف الله تعالى يونس ﵇ بمكظوم في قوله إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [القلم: ٤٨] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس «الكظيم» بالمكروب وبالمكمود- وذلك كله متقارب- وقال منذر بن سعيد: الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب، ومنه قول الله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم: فأسفت فلطمتها وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم. قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا المنزع: أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها، وقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا الآية، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ومنه قول الآخر: تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس

стр. 1392

أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي: وقد تحذف أيضا ما في هذا الموضع. قال القاضي أبو محمد: وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر: [الطويل] فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما قبل الزّند قادح وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف «لا» ، وليست «ما» ، وفتىء بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل، تقول: والله لا فتئت قاعدا كما تقول: لا زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل] فما فتئت حتى كأن غبارها ... سرادق يوم ذي رياح يرفّع و «الحرض» : الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس، وعلى هذا المعنى قراءة الجمهور «حرضا» بفتح الراء والحاء ... وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت فرقة «حرضا» بضم الحاء وسكون الراء. وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع بلفظ واحد، كعدل وعدو، وقيل في قراءة الحسن: انه يراد: فتات الأشنان أي باليا متعتتا، ويقال من هذا المعنى الذي هو شن الهم والهرم: رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [البسيط] إني امرؤ لجّ بي حبّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم وقد سمع من العرب: رجل محرض، قال الشاعر- وهو امرؤ القيس: [الطويل] أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كأحراض بكر في الديار مريض و «الحرض» - بالجملة- الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد: «الحرض» : ما دون الموت، قال قتادة: «الحرض» : البالي الهرم، وقال نحوه الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق: حَرَضاً معناه فاسد لا عقل له فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له: أنت لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك. فأجابهم يعقوب ﵇ رادّا عليهم: أي أني لست ممن يجزع ويضجر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف في ذلك. و «البث» ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أن يبثه وينشره، وأكثر ما يستعمل «البث» في المكروه، وقال أبو عبيدة وغيره: «البث» : أشد الحزن، وقد يستعمل «البث» في المخفي على الجملة ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: ولا يولج الكف ليعلم «البث» ، ومنه قولهم: أبثك حديثي. وقرأ عيسى: «وحزني» بفتح الحاء والزاي. وحكى الطبري بسند: أن يعقوب دخل على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له فرعون: ما بلغ بك هذا يا إبراهيم؟ فقالوا: إنه يعقوب، فقال: ما بلغ بك هذا يا يعقوب؟ قال له: طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة فاغفرها لي، وأسند الطبري إلى الحسن قال: كان بين خروج يوسف عن يعقوب إلى دخول يعقوب على يوسف ثمانون

стр. 1393

سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى كف بصره، وما في الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب. وقوله: أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة أو إلى ما وقع في نفسه عن قول ملك مصر: إني أدعو له برؤية ابنه قبل الموت، وهذا هو حسن الظن الذي قدمناه. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٧ الى ٨٨] يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) المعنى: اذْهَبُوا إلى الأرض التي جئتم منها وتركتم أخويكم بنيامين وروبيل، فَتَحَسَّسُوا، أي استقصوا ونقروا، والتحسس: طلب الشيء بالحواس من البصر والسمع، ويستعمل في الخير والشر، فمن استعماله في الخير هذه الآية، وفي الشر نهي النبي ﷺ في قوله: ولا تحسسوا. وقوله: مِنْ يُوسُفَ يتعلق بمحذوف يعمل فيه تحسسوا التقدير: فتحسسوا نبأ أو حقيقة من أمر يوسف. لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازا. وقرأت فرقة: «تيأسوا» وقرأت فرقة «تأيسوا» على ما تقدم، وقرأ الأعرج «تئسوا» بكسر التاء. وخص يوسف وبنيامين بالذكر لأن روبيل إنما بقي مختارا. وهذان قد منعا الأوبة. و «الروح» : الرحمة. ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى. وقرأ الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز «من روح الله» بضم الراء. وكأن معنى هذه القراءة لا تأيسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه فيرجى، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع ومن هذا قول عبيد: وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب ويظهر من حديث الذي قال: إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في البحر والبر في يوم راح. فلئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من الناس، إنه يئس من روح الله، وليس الأمر كذلك، لأن قول النبي ﷺ في آخر الحديث فغفر الله له يقتضي أنه مات مؤمنا إذ لا يغفر

стр. 1394

الله لكافر، فبقي أن يتأول الحديث، إما على أن قدر بمعنى ضيق وناقش الحساب، فذلك معنى بين، وإما أن تكون من القدرة، ويقع خطأ في أن ظن في أن الاجتماع بعد السحق والتذرية محال لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه فغلط في أن جعل الجائز محالا، ولا يلزمه بهذا كفر. قال النقاش: وقرأ ابن مسعود «من فضل» وقرأ أبي بن كعب: «من رحمة الله» . وقوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ الآية، في هذا الموضع اختصار محذوفات يعطيها الظاهر، وهي: أنهم نفذوا من الشام إلى مصر ووصلوها والضمير في عَلَيْهِ عائد على يوسف، والضُّرُّ أرادوا به المسغبة التي كانوا بسبيلها وأمر أخيهم الذي أهم أباهم وغم جميعهم، و «البضاعة» : القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، ولزمها عرف الفقه فيما لا حظ لحاملها من الربح، وال مُزْجاةٍ معناها المدفوعة المتحيل لها، ومنه إزجاء السحاب، ومنه إزجاء الإبل كما قال الشاعر: على زواحف تزجى مخهارير وكما قال النابغة: [البسيط] وهبت الريح من تلقاء ذي أزل ... تزجى مع الليل من صرّادها صرما وقال الأعشى: [الكامل] الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها وقال الآخر: بحاجة غير مزجاة من الحاج وقال حاتم: ليبك على ملحان ضيف مدفع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا فجملة هذا أن من يسوق شيئا ويتلطف في تسييره فقد أزجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة، فقيل: كان ذلك لأنها كانت زيوفا- قاله ابن عباس- وقال الحسن: كانت قليلة، وقيل: كانت ناقصة- قاله ابن جبير- وقيل: كانت بضاعتهم عروضا، فلذلك قالوا هذا. واختلف في تلك العروض: ما كانت؟ فقيل: كانت السمن والصوف- قاله عبد الله بن الحارث- وقال علي بن أبي طالب: كانت قديد وحش- ذكره النقاش- وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: كانت الصنوبر والحبة الخضراء. قال القاضي أبو محمد: وهي الفستق. وقيل: كانت المقل، وقيل: كانت القطن، وقيل: كانت الحبال والأعدال والأقتاب. وحكى مكي أن مالكا ﵀ قال: المزجاة: الجائزة. قال القاضي أبو محمد: ولا أعرف لهذا وجها، والمعنى يأباه. ويحتمل أن صحف على مالك وأن

стр. 1395

لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء. واستند مالك ﵀ في أن الكيل على البائع إلى هذه الآية، وذلك ظاهر منها وليس بنص. وقولهم: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا معناه بما بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة، قاله السدي وغيره. وقيل: كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على محمد، قاله سفيان بن عيينة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، يرده حديث النبي ﷺ في قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة» . وقالت فرقة: كانت الصدقة عليهم محرمة ولكن قالوا هذا تجوزا واستعطافا منهم في المبايعة، كما تقول لمن تساومه في سلعة: هبني من ثمنها كذا وخذ كذا، فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال حتى يرجع معك إلى سومك، وقال ابن جريج: إنما خصوا بقولهم وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا أمر أخيهم بنيامين، أي أوف لنا الكيل في المبايعة وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. وقولهم: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قال النقاش: يقال: هو من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكا كافرا على غير دينهم، ولو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك في الآخرة، كذبوا، فقالوا له لفظا يوهمه أنهم أرادوه وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٩ الى ٩٢] قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) روي أن يوسف ﵇ لما قال إخوته مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف: ٨٨] واستعطفوه- رق ورحمهم، قال ابن إسحاق: وارفض دمعه باكيا فشرع في كشف أمره إليهم، فيروى أنه حسر قناعه وقال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ الآية. وقوله: فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما وإذاية بنيامين. بعد مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، ولم يشر إلى قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئا، ونسبهم إما إلى جهل المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم هذه المخاطبة- ويشبه أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم- تنبهوا ووقع لهم من الظن القوي أنه يوسف، فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر. وقرأت فرقة «أإنك يوسف» بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين همزتين وتحقيقهما «أإنك» ،

стр. 1396

وقرأت فرقة بتسهيل الثانية «إنك» ، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير «إنك» على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب «أإنك أو أنت يوسف» قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر «إن» كأنه قال: أإنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني: أن في قراءة أبي بن كعب: «أو أنت يوسف» وتأولت فرقة ممن قرأ «إنك» إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام، فأجابهم يوسف كاشفا أمره قال: أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي وقال مجاهد: أراد مَنْ يَتَّقِ في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي: المعنى: مَنْ يَتَّقِ الزنى ويصبر على العزوبة. قال القاضي أبو محمد: ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم، وإنما قال هذان ما خصصا، لأنها كانت من نوازله، ولو فرضنا نزول غيرها به لا تقى وصبر. وقرأ الجمهور «من يتق ويصبر» وقرأ ابن كثير وحده: «من يتقي ويصبر» بإثبات الياء، واختلف في وجه ذلك، فقيل: قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر] ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد قال أبو علي: وهذا مما لا نحمله عليه، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام، وقيل: «من» بمعنى الذي و «يتقي» فعل مرفوع، و «يصبر» عطف على المعنى لأن «من» وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى الشرط، ونحوه قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [المنافقون: ١٠] وقيل: أراد «يصبر» بالرفع لكنه سكن الراء تخفيفا، كما قرأ أبو عمرو: وَيَأْمُرُكُمْ [البقرة: ٦٧] بإسكان الراء. وقوله تعالى: قالُوا: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا الآية، هذا منهم استنزال ليوسف وإقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه. وآثَرَكَ لفظ يعم جميع التفضيل وأنواع العطايا، والأصل فيها همزتان وخففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، والمصدر إيثار، وخاطئين من خطىء يخطأ، وهو المعتمد للخطأ، والمخطئ من أخطأ، وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه، ومن ذلك قول الشاعر- وهو أمية بن الأسكر-[الوافر] وإن مهاجرين تكتفاه ... غداة إذ لقد خطئا وخابا وقوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ عفو جميل، وقال عكرمة: أوحى الله إلى يوسف: بعفوك على إخوتك رفعت لك ذكرك وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لما وردا مهاجرين على رسول الله ﷺ أعرض عنهما لقبح فعلهما معه قبل، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه الشفاعة، فأبى، وأتيا عمر فكذلك، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي، وذهب عبد الله إلى أخته أم سلمة، فقال علي ﵁: الرأي أن تلقيا رسول الله ﷺ في الحفل فتصيحان به: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا بد لذلك أن يقول: لا تثريب عليكما، ففعلا ذلك، فقال لهما رسول الله ﷺ : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الآية.

стр. 1397

والتثريب: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ونحوه، وقد عبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير، ومنه قول النبي ﵇: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب» ، أي لا يعير، أخرجه الشيخان في الحدود. ووقف بعض القراءة عَلَيْكُمُ وابتدأ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ووقف أكثرهم: الْيَوْمَ وابتدأ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ على جهة الدعاء- وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو الصحيح- والْيَوْمَ ظرف، فعلى هذا فالعامل فيه ما يتعلق به عَلَيْكُمُ تقديره: لا تثريب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وهذا الوقف أرجح في المعنى، لأن الآخر فيه حكم على مغفرة الله، اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٣ الى ٩٥] اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيرا ويزول عماه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله. قال النقاش: وروي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار وكان من ثياب الجنة. وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين العرابة في أن وجد ريحه من بعد، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد. وأما «أهلهم» فروي: أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفسا بين رجال ونساء- وفي هذا العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف أمره لإخوته سألهم عن أبيهم: ما حاله؟ فقالوا: ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي الآية. وقوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ الآية، معناه: فصلت العير من مصر متوجهة إلى موضع يعقوب، حسبما اختلف فيه، فقيل: كان على مقربة من بيت المقدس، وقيل كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم وقبورهم حتى الآن هناك. وروي أن يعقوب وجد رِيحَ يُوسُفَ وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس، وقال: هاجت ريح فحملت عرفه وروي: أنه كان بينهما ثمانون فرسخا- قاله الحسن- وابن جريج قال: وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة.

стр. 1398

قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول. وروي: أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوما، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي عن أبي أيوب الهوزني: أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه، فروي: أنهم كانوا حفدته، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته. وتُفَنِّدُونِ معناه: تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] يا عاذليّ دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمري بمردود ويقال: أفند الدهر فلانا: إذا أفسده. قال ابن مقبل: [الطويل] دع الدهر يفعل ما أراد فإنه ... إذا كلف الإفناد بالناس أفندا ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة: [البسيط] إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فأحددها عن الفند وقال منذر بن سعيد: يقال: شيخ مفند: أي قد فسد رأيه، ولا يقال: عجوز. قال القاضي أبو محمد: والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، وإما لكذبه، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله ﵇ أو هرما مفندا. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه تسفهون، وقال ابن عباس- أيضا- تجهلون، وقال ابن جبير وعطاء: معناه: تكذبون، وقال ابن إسحاق: معناه: تضعفون، وقال ابن زيد ومجاهد: معناه: تقولون: ذهب عقلك، وقال الحسن: معناه: تهرمون. والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف. قال الطبري: أصل التفنيد الإفساد. وقولهم: لَفِي ضَلالِكَ يريدون في انتكافك وتحيرك، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادة ﵀: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله ﵇، وقال ابن عباس: المعنى: لفي خطئك. قال القاضي أبو محمد: وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له: ذو الحزنين. قوله :

стр. 1399

[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٦ الى ١٠٠] فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) روي عن ابن عباس: أن الْبَشِيرُ كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم. قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي ﵁ قال: سمعت الواعظ أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يقول: إن يوسف ﵇ لما قال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي [يوسف: ٩٣] قال يهوذا لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة فتركوه وذلك. وقال هذا المعنى السدي. وارتد معناه: رجع هو، يقال: ارتد الرجل ورده غيره، وبَصِيراً معناه: مبصرا، ثم وقفهم على قوله: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وهذا- والله أعلم- هو انتظاره لتأويل الرؤيا- ويحتمل أن يشير إلى حسن ظنه بالله تعالى فقط. وروي: أنه قال للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام قال: الحمد لله، الآن كملت النعمة. وفي مصحف ابن مسعود: «فلما أن جاء البشير من بين يدي العير» ، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنه قال: أَنْ في قوله: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ زائدة، والعرب تزيدها أحيانا في الكلام بعد لما وبعد حتى فقط، تقول: لما جئت كان كذا، ولما أن جئت، وكذلك تقول: ما قام زيد حتى قمت، وحتى أن قمت. وقوله: قالُوا: يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الآية، روي أن يوسف ﵇ لما غفر لإخوته، وتحققوا أيضا أن يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ما يغني عنا هذا إن لم يغفر الله لنا؟! فطلبوا- حينئذ- من يعقوب أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطأ، فقال لهم يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ، فقالت فرقة: سوفهم إلى السحر، وروي عن محارب بن دثار أنه قال: كان عم لي يأتي المسجد فسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي، فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسئل عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال: إن يعقوب ﵇ أخر بنيه إلى السحر، ويقوي هذا التأويل قول النبي ﷺ : «ينزل ربنا كل ليلة إذا كان الثلث الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟» الحديث. ويقويه قوله تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: ١٧] . وقالت فرقة: إنما سوفهم يعقوب إلى قيام الليل، وقالت فرقة- منهم سعيد بن جبير- سوفهم يعقوب إلى الليالي البيض، فإن الدعاء فيهن يستجاب وقيل: إنما أخرهم إلى ليلة الجمعة، وروى ابن عباس هذا التأويل عن النبي ﷺ ، قال: «أخرهم يعقوب حتى تأتي له الجمعة» .

стр. 1400

ثم رجاهم يعقوب ﵇ بقوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وقوله: فَلَمَّا دَخَلُوا الآية، هاهنا محذوفات يدل عليها الظاهر، وهي: فرحل يعقوب بأهله أجمعين وساروا حتى بلغوا يوسف، فلما دخلوا عليه. وآوى معناه: ضم وأظهر الحماية بهما، وفي الحديث: «أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله» . وقيل: أراد «بالأبوين» : أباه وأمه- قاله ابن إسحاق والحسن- وقال بعضهم: أباه وجدته- أم أمه- حكاه الزهراوي- وقيل: أباه وخالته، لأن أمه قد كانت ماتت- قاله السدي-. قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر- بحسب اللفظ- إلا لو ثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت. وفي مصحف ابن مسعود: «آوى إليه أبويه وإخوته» . وقوله: ادْخُلُوا مِصْرَ معناه: تمكنوا واسكنوا واستقروا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه، وقيل: بل قال لهم ذلك في الطريق حين تلقاهم- قاله السدي- وهذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه بقوله في المستقبل، وقال ابن جريج: هذا مؤخر في اللفظ وهو متصل في المعنى بقوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل ضعف. والْعَرْشِ: سرير الملك، وكل ما عرش فهو عريش وعرش، وخصصت اللغة العرش لسرير الملك، وخَرُّوا معناه: تصوبوا إلى الأرض، واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود- على أي هيئة كان- فإنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم. وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن: الضمير في لَهُ لله . قال القاضي أبو محمد: ورد على هذا القول. وحكى الطبري: أن يعقوب لما بلغ مصر في جملته كلم يوسف فرعون في تلقيه فخرج إليه وخرج الملوك معه فلما دنا يوسف من يعقوب وكان يعقوب يمشي متوكئا على يهوذا- قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، قال: لا هو ابنك، قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان. قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص، وفي هذا الوقت قال يوسف ليعقوب: إن فرعون قد أحسن إلينا فادخل عليه شاكرا، فدخل عليه، فقال فرعون: يا شيخ ما مصيرك إلى ما أرى؟ قال: تتابع البلاء عليّ. قال: فما زالت قدمه حتى نزل الوحي: يا يعقوب، أتشكوني إلى من لا يضرك ولا ينفعك؟ قال: يا رب ذنب فاغفره. وقال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب في المشي في بعض تلك المواطن فهبط جبريل فقال له: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي.

стр. 1401

قوله : وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ.... المعنى: قال يوسف ليعقوب: هذا السجود الذي كان منكم، هو ما آلت إليه رؤياي قديما في الأحد عشر كوكبا وفي الشمس والقمر. وقوله: قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ابتداء تعديد نعم الله تعالى عليه، وقوله: قَدْ أَحْسَنَ بِي، أي أوقع وناط إحسانه بي. فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء، وقد يقال: أحسن إليّ، وأحسن فيّ، ومنه قول عبد الله بن أبي ابن سلول: يا محمد أحسن في مواليّ وهذه المناحي مختلفة المعنى، وأليقها بيوسف قوله: بِي لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها. وذكر يوسف ﵇ إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين: أحدهما: أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع نفوسهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس. والوجه الآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا أوضح. وقوله: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة بسكنى الحاضرة، وكان منزل يعقوب ﵇ بأطراف الشام في بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية. ونَزَغَ معناه: فعل فعلا أفسد به، ومنه قول النبي ﵇: «لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده» . وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم، لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء فهي أحسن موقعا. وقوله: لِما يَشاءُ أي من الأمور أن يفعله، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا يوسف وبين ظهورها: فقالت فرقة أربعون سنة- هذا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد، وقال عبد الله بن شداد: ذلك آخر ما تبطئ الرؤيا- وقالت فرقة- منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض- ثمانون سنة. وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: اثنان وعشرون- قاله النقاش- وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون- قاله قتادة- وقال السدي وابن جبير: ستة وثلاثون سنة. وقيل: إن يوسف ﵇ عمر مائة وعشرين سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف نيفا على عشرين سنة ثم توفي ﷺ . قال القاضي أبو محمد: ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا

стр. 1402

الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم- لا إله إلا هو- وقال النقاش: كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف: ١٥] وهذا محتمل. ومما روي في أخبار يعقوب ﵇: قال الحسن: إنه لما ورده البشير لم يجد عنده شيئا يثيبه به فقال له: والله ما أصبت عندنا شيئا، وما خبزنا منذ سبع ليال، ولكن هون الله عليك سكرات الموت. ومن أخباره: أنه لما اشتد بلاؤه وقال: يا رب أعميت بصري وغيبت عني يوسف، أفما ترحمني؟ فأوحى الله إليه: سوف أرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، وما عافيتك بذلك إلا أنك طبخت في منزلك حملا فشمه جار لك ولم تساهمه بشيء، فكان يعقوب بعد يدعوه إلى غدائه وعشائه. وحكى الطبري: أنه لما اجتمع شمله كلفه بنوه أن يدعو الله لهم حتى يأتي الوحي بأن الله قد غفر لهم. قال: فكان يعقوب يصلي ويوسف وراءه وهم وراء يوسف، ويدعو لهم فلبث كذلك عشرين سنة ثم جاءه الوحي: إني قد غفرت لهم وأعطيتهم مواثيق النبوة بعدك. ومن أخباره: أنه لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يدفنه بالشام، فلما مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام، ثم مات يوسف فدفن بمصر، فلما خرج موسى- بعد ذلك- من أرض مصر احتمل عظام يوسف حتى دفنها بالشام مع آبائه. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) قرأ ابن مسعود «آتيتن» و «علمتن» بحذف الياء على التخفيف، وقرأ ابن ذر «رب آتيتني» بغير «قد» . وذكر كثير من المفسرين: أن يوسف ﵇ لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وقال ابن عباس: «لم يتمن الموت نبي غير يوسف» ، وذكر المهدوي تأويلا آخر- وهو الأقوى عندي- أن ليس في الآية تمني موت- وإنما عدد يوسف ﵇ نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي تَوَفَّنِي- إذا حان أجلي- على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت. وورد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به» . الحديث بكماله. وروي عنه ﵇ أنه قال في بعض دعائه: «وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» ، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم قد رقّ عظمي وانتشرت وعييت فتوفني غير مقصر ولا عاجز. قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن قول النبي ﷺ : لضر نزل به- إنما يريد ضرر

стр. 1403

الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحا، ويدلك على هذا قول النبي ﵇: «يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، ليس به الدين لكن ما يرى من البلاء والفتن» . قال القاضي أبو محمد: فقوله: ليس به الدين- يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين وإنما ذكر رسول الله ﷺ حالة الناس كيف تكون. وقوله: آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ قيل: مِنَ للتبعيض وقيل: لبيان الجنس وكذلك في قوله: مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ والمراد بقوله: الْأَحادِيثِ الأحلام، وقيل: قصص الأنبياء والأمم. وقوله: فاطِرَ منادى، وقوله: أَنْتَ وَلِيِّي أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي. وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ الآية، ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمد، وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه. والضمير في لَدَيْهِمْ عائد إلى إخوة يوسف، وكذلك الضمائر إلى آخر الآية، وأَجْمَعُوا معناه: عزموا وجزموا، و «الأمر» هنا هو إلقاء يوسف في الجب، و «المكر» هو أن تدبر على الإنسان تدبيرا يضره ويؤذيه، والخديعة هي أن تفعل بإنسان وتقول له ما يوجب أن يفعل هو فعلا فيه عليه ضرر. وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني أنه قال: والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن قص الله علينا نبأهم لئلا يقنط عبده. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٨] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) هاتان الآيتان تدلان أن الآية التي قبلهما فيها تعريض لقريش ومعاصري محمد ﵇، كأنه قال: فإخبارك بالغيوب دليل قائم على نبوتك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وإن كنت أنت حريصا على إيمانهم، أي يؤمن من شاء الله. وقوله: وَلَوْ حَرَصْتَ اعتراض فصيح. وقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ الآية، توبيخ للكفرة وإقامة الحجة عليهم، أي ما أسفههم؟؟؟ في أن تدعوهم إلى الله دون أن تبغي منهم أجرا فيقول قائل: بسبب الأجر يدعوهم.

стр. 1404

وقرأ مبشر بن عبيد: «وما نسألهم» بالنون. ثم ابتدأ الله تعالى الإخبار عن كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع العالم- نفعنا الله به ووفر حظنا منه بعزته-. وقرأت الجماعة «وكأيّن» بهمز الألف وشد الياء، قال سيبويه: هي كاف التشبيه اتصلت بأي، ومعناها معنى كم في التكثير. وقرأ ابن كثير «وكائن» بمد الألف وهمز الياء، وهو من اسم الفاعل من كان، فهو كائن ولكن معناه معنى كم أيضا. وقد تقدم استيعاب القراءات في هذه الكلمة في قوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قتل [آل عمران: ١٤٦] . وال آيَةٍ هنا المخلوقات المنصوبة للاعتبار والحوادث الدالة على الله سبحانه في مصنوعاته، ومعنى يَمُرُّونَ عَلَيْها الآية- أي إذا جاء منها ما يحس أو يعلم في الجملة لم يتعظ الكافر به، ولا تأمله ولا اعتبر به بحسب شهواته وعمهه، فهو لذلك كالمعرض، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل] تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها وقرأ السدي «والأرض» بالنصب بإضمار فعل، والوقف- على هذا- في السَّماواتِ وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد «والأرض» بالرفع على الابتداء، والخبر قوله: يَمُرُّونَ وعلى القراءة بخفض «الأرض» ف يَمُرُّونَ نعت لآية. وفي مصحف عبد الله: «والأرض يمشون عليها» . وقوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ الآية، قال ابن عباس: هي في أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من حيث قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد هي في كفار العرب، وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت، فسماه إيمانا وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان والأصنام- فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها. وقيل: هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وروي أن النبي ﷺ كان إذا سمع أحدهم يقول: لبيك لا شريك لك، يقول له: قط قط، أي قف هنا ولا تزد: إلا شريك هو لك. وال غاشِيَةٌ ما يغشي ويغطي ويغم، وقرأ أبو حفص مبشر بن عبد الله: «يأتيهم الساعة بغتة» بالياء، وبَغْتَةً معناه: فجأة، وذلك أصعب، وهذه الآية من قوله: وَكَأَيِّنْ وإن كانت في الكفار- بحكم ما قبلها- فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ، ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغويا كالرياء، فقد قال ﵇: «الرياء: الشرك الأصغر» . وقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها. قال ابن زيد: المعنى: هذا أمري وسنتي ومنهاجي. وقرأ ابن مسعود: «قل هذا سبيلي» «والسبيل» : المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك الطريق، وبَصِيرَةٍ: اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، و «البصيرة» أيضا في كلام العرب: الطريقة في الدم، وفي الحديث المشهور: «تنظر في النصل فلا ترى بصيرة» ، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي:

стр. 1405

راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي يصف قوما باعوا دم وليهم فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتافهم إذ هم موسومون عند الناس ببيع ذلك الدم. قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن تكون «البصيرة» في بيت الأشعر على المعتقد الحق، أي جعلوا اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول: طرح فلان أمري وراء ظهره. وقوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي يحتمل أن يكون تأكيدا للضمير في أَدْعُوا ويحتمل أن تكون الآية كلها أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة. وسُبْحانَ اللَّهِ تنزيه لله، أي وقل: سبحان الله، وقل متبرئا من الشرك. وروي أن هذه الآية: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف ﵇. قوله : [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي قالت: أبعث الله بشرا رسولا، وكالطائفة التي اقترحت ملكا وغيرهما. وقرأ الجمهور: «يوحى إليهم» بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ في رواية حفص: «نوحي» بالنون وكسر الحاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن وطلحة. والْقُرى: المدن، وخصصها دون القوم المنتوين- أهل العمود- فإنهم في كل أمة أهل جفاء وجهالة مفرطة، قال ابن زيد: أَهْلِ الْقُرى أعلم وأحلم من أهل العمود. قال القاضي أبو محمد: فإنهم قليل نبلهم ولم ينشىء الله فيهم رسولا قط. وقال الحسن: لم يبعث الله رسولا قط من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. قال القاضي أبو محمد: والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله ﵇ «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما» الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله ﷺ لسلمة بن الأكوع وقد قال ﷺ : «لا تعرب في الإسلام» وقال: من «بدا جفا» . وروي عنه معاذ بن جبل أنه قال: «الشيطان ذيب الإنسان كذيب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب وعليكم بالمساجد والجماعات والعامة» . قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين:
следующие страницы →