← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

سينصرهم. وَحاقَ معناه: نزل وثبت، وهي مستعملة في الشر. وما في قوله: ما كانُوا هو العذاب الذي كانوا يكذبون به ويستهزئون بأمره، والضمير في بِهِمْ عائد على الكفار بلا خلاف. ثم حكى حالة بعضهم ممن آمن بعد تلبس العذاب بهم فلم ينفعهم ذلك، وفي ذكر هذا حض للعرب على المبادرة وتخويف من التأني لئلا يدركهم عذاب لا تنفعهم توبة بعد تلبسه بهم. وأما قصة قوم يونس فرأوا العذاب ولم يكن تلبس بهم، وقد مر تفسيرها مستقصى في سورة يونس ﵇. و: سُنَّتَ اللَّهِ نصب على المصدر. و: خَلَتْ معناه: مضت واستمرت وصارت عادة. وقوله: هُنالِكَ إشارة إلى أوقات العذاب، أي ظهر خسرانهم وحضر جزاء كفرهم.

стр. 2242

فهرس الجزء الرابع من المحرر الوجيز

стр. 2243

فهرس المحتويات تفسير سورة مريم الآيات: ١- ٦ ٣ الآيات: ٧- ١١ ٦ الآيات: ١٢- ١٥ ٧ الآيات: ١٦- ٢٠ ٨ الآيات: ٢١- ٢٣ ٩ الآيات: ٢٤- ٢٦ ١١ الآيتان: ٢٧، ٢٨ ١٣ الآيات: ٢٩- ٣٣ ١٤ الآيات: ٣٤- ٣٦ ١٥ الآيات: ٣٧- ٤٠ ١٦ الآيات: ٤١- ٤٦ ١٧ الآيات: ٤٧- ٥٠ ١٩ الآيات: ٥١- ٥٥ ٢٠ الآيات: ٥٦- ٥٨ ٢١ الآيات: ٥٩- ٦٣ ٢٢ الآيتان: ٦٤، ٦٥ ٢٣ الآيات: ٦٦- ٦٩ ٢٥ الآيات: ٧٠- ٧٢ ٢٦ الآيتان: ٧٣، ٧٤ ٢٨ الآيات: ٧٥- ٨٠ ٢٩ الآيات: ٨١- ٨٧ ٣١ الآيات: ٨٨- ٩٦ ٣٣ الآيتان: ٩٧، ٩٨ ٣٤ تفسير سورة طه الآيات: ١- ٨ ٣٦ الآيات: ٩- ١٤ ٣٨ الآيات: ١٥- ١٨ ٣٩ الآيات: ١٩- ٣٥ ٤١ الآيات: ٣٦- ٣٩ ٤٣ الآيات: ٤٠- ٤٦ ٤٥ الآيات: ٤٧- ٤٩ ٤٦ الآيات: ٥٠- ٥٢ ٤٧ الآيات: ٥٣- ٥٩ ٤٨ الآيات: ٦٠- ٦٤ ٤٩ الآيات: ٦٥- ٦٩ ٥١ الآيتان: ٧٠، ٧١ ٥٢ الآيات: ٧٢- ٧٦ ٥٣ الآيات: ٧٧- ٧٩ ٥٤ الآيات: ٨٠- ٨٢ ٥٥ الآيات: ٨٣- ٨٥ ٥٧ الآيتان: ٨٦، ٨٧ ٥٨ الآيات: ٨٨- ٩١ ٥٩ الآيات: ٩٢- ٩٤ ٦٠ الآيات: ٩٥- ٩٧ ٦١ الآيات: ٩٨- ١٠٢ ٦٣ الآيات: ١٠٣- ١١١ ٦٤ الآيات: ١١٢- ١١٤ ٦٥ الآيات: ١١٥- ١١٧ ٦٦ الآيات: ١١٨- ١٢١ ٦٧ الآيات: ١٢٢- ١٢٦ ٦٨ الآيات: ١٢٧- ١٣٠ ٦٩ الآيات: ١٣١- ١٣٣ ٧٠

стр. 2244

الآيتان: ١٣٤، ١٣٥ ٧١ تفسير سورة الأنبياء الآيات: ١- ٤ ٧٣ الآيات: ٥- ٨ ٧٤ الآيات: ٩- ١٢ ٧٥ الآيات: ١٣- ١٦ ٧٦ الآيات: ١٧- ٢٠ ٧٧ الآيات: ٢١- ٢٤ ٧٨ الآيات: ٢٥- ٣٠ ٧٩ الآيات: ٣١- ٣٣ ٨٠ الآيات: ٣٤- ٣٨ ٨١ الآيات: ٣٩- ٤٤ ٨٣ الآيتان: ٤٥، ٤٦ ٨٤ الآيات: ٤٧- ٥٠ ٨٥ الآيات: ٥١- ٦٣ ٨٦ الآيات: ٦٤- ٧٠ ٨٧ الآيات: ٧١- ٧٣ ٨٩ الآيات: ٧٤- ٧٩ ٩٠ الآيتان: ٨٠، ٨١ ٩٣ الآيات: ٨٢- ٨٤ ٩٤ الآيتان: ٨٥، ٨٦ ٩٥ الآيتان: ٨٧، ٨٨ ٩٦ الآيات: ٨٩- ٩٥ ٩٨ الآيتان: ٩٦، ٩٧ ٩٩ الآيات: ٩٨- ١٠٣ ١٠١ الآيتان: ١٠٤، ١٠٥ ١٠٢ الآيات: ١٠٦- ١١٢ ١٠٣ تفسير سورة الحج الآيتان: ١، ٢ ١٠٥ الآيات: ٣- ٥ ١٠٧ الآيات: ٥- ١٠ ١٠٨ الآيات: ١١- ١٣ ١١٠ الآيات: ١٤- ١٧ ١١١ الآيات: ١٨- ٢٢ ١١٣ الآيات: ٢٣- ٢٥ ١١٤ الآيات: ٢٦- ٢٨ ١١٧ الآيات: ٢٩- ٣١ ١١٩ الآيات: ٣٢- ٣٥ ١٢١ الآيتان: ٣٦، ٣٧ ١٢٢ الآيات: ٣٨- ٤٠ ١٢٣ الآيات: ٤١- ٤٨ ١٢٦ الآيات: ٤٩- ٥٤ ١٢٨ الآيات: ٥٥- ٦٢ ١٣٠ الآيات: ٦٣- ٦٥ ١٣١ الآيات: ٦٦- ٧٢ ١٣٢ الآيتان: ٧٣، ٧٤ ١٣٣ الآيات: ٧٥- ٧٧ ١٣٤ الآية: ٧٨ ١٣٥ تفسير سورة المؤمنون الآيات: ١- ٧ ١٣٦ الآيات: ٨- ١٤ ١٣٧ الآيات: ١٥- ٢٠ ١٣٩ الآيتان: ٢١، ٢٢ ١٤٠ الآيات: ٢٣- ٣٠ ١٤١ الآيات: ٣١- ٣٤ ١٤٢ الآيات: ٣٥- ٣٩ ١٤٣ الآيات: ٤٠- ٤٨ ١٤٤ الآيات: ٤٩- ٥١ ١٤٥ الآيات: ٥٢- ٥٦ ١٤٦ الآيات: ٥٧- ٦١ ١٤٧ الآيات: ٦٢- ٦٤ ١٤٨ الآيات: ٦٥- ٦٨ ١٤٩ الآيات: ٦٩- ٧٥ ١٥١ الآيتان: ٧٦، ٧٧ ١٥٢ الآيات: ٧٨- ٨٣ ١٥٢ الآيات: ٨٤- ٨٩ ١٥٣

стр. 2245

الآيات: ٩٠- ٩٨ ١٥٤ الآيات: ٩٩- ١٠٢ ١٥٥ الآيات: ١٠٣- ١٠٨ ١٥٦ الآيات: ١٠٩- ١١١ ١٥٧ الآيات: ١١٢- ١١٥ ١٥٨ الآيات: ١١٦- ١١٨ ١٥٩ تفسير سورة النور الآيتان: ١، ٢ ١٦٠ الآية: ٣ ١٦٢ الآيتان: ٤، ٥ ١٦٤ الآيات: ٦- ١٠ ١٦٥ الآية: ١١ ١٦٨ الآيات: ١٢- ١٨ ١٧٠ الآيتان: ١٩، ٢٠ ١٧١ الآيتان: ٢١، ٢٢ ١٧٢ الآيات: ٢٣- ٢٥ ١٧٣ الآية: ٢٦ ١٧٤ الآيتان: ٢٧، ٢٨ ١٧٥ الآيتان: ٢٩، ٣٠ ١٧٧ الآية: ٣١ ١٧٨، ١٧٩ الآية: ٣٢ ١٨٠ الآية: ٣٣ ١٨١ الآيات: ٣٣- ٣٥ ١٨٢ الآيتان: ٣٦، ٣٧ ١٨٥ الآيات: ٣٨- ٤٠ ١٨٧ الآيتان: ٤١، ٤٢ ١٨٨ الآيتان: ٤٣، ٤٤ ١٨٩ الآيات: ٤٥- ٥٠ ١٩٠ الآيات: ٥١- ٥٤ ١٩١ الآيات: ٥٥- ٥٧ ١٩٢ الآية: ٥٨ ١٩٣ الآيتان: ٥٩، ٦٠ ١٩٤ الآية: ٦١ ١٩٥ الآية: ٦٢ ١٩٧ الآيتان: ٦٣، ٦٤ ١٩٨ تفسير سورة الفرقان الآيات: ١- ٣ ١٩٩ الآيات: ٤- ١٠ ٢٠٠ الآيات: ١١- ١٤ ٢٠٢ الآيات: ١٥- ١٩ ٢٠٣ الآيتان: ٢٠، ٢١ ٢٠٥ الآيات: ٢٢- ٢٦ ٢٠٦ الآيات: ٢٧- ٣١ ٢٠٨ الآيات: ٣٢- ٣٤ ٢٠٩ الآيات: ٣٥- ٣٩ ٢١٠ الآيات: ٤٠- ٤٤ ٢١١ الآيات: ٤٥- ٤٧ ٢١٢ الآيات: ٤٨- ٥٢ ٢١٣ الآيات: ٥٣- ٥٧ ٢١٤ الآيات: ٥٨- ٦٠ ٢١٦ الآيات: ٦١- ٦٣ ٢١٧ الآيات: ٦٤- ٧٠ ٢١٩ الآيات: ٧١- ٧٤ ٢٢١ الآيات: ٧٥- ٧٧ ٢٢٣ تفسير سورة الشعراء الآيات: ١- ٩ ٢٢٤ الآيات: ١٠- ١٩ ٢٢٦ الآيات: ٢٠- ٢٨ ٢٢٨ الآيات: ٢٩- ٣٧ ٢٢٩ الآيات: ٣٨- ٥١ ٢٣٠ الآيات: ٥٢- ٦٢ ٢٣١ الآيات: ٦٣- ٦٨ ٢٣٣ الآيات: ٦٩- ٨٧ ٢٣٤ الآيات: ٨٨- ٩٥ ٢٣٥ الآيات: ٩٦- ١٠٤ ٢٣٦ الآيات: ١٠٥- ١٢٢ ٢٣٧

стр. 2246

الآيات: ١٢٣- ١٤٠ ٢٣٨ الآيات: ١٤١- ١٥٩ ٢٣٩ الآيات: ١٦٠- ١٧٥ ٢٤٠ الآيات: ١٧٦- ١٩١ ٢٤١ الآيات: ١٩٢- ١٩٩ ٢٤٢ الآيات: ٢٠٠- ٢١٦ ٢٤٤ الآيات: ٢١٧- ٢٢٦ ٢٤٥ الآية: ٢٢٧ ٢٤٧ تفسير سورة النمل الآيات: ١- ٥ ٢٤٨ الآيات: ٦- ٩ ٢٤٩ الآيات: ١٠- ١٢ ٢٥٠ الآيتان: ١٣، ١٤ ٢٥٢ الآيات: ١٥- ١٧ ٢٥٣ الآيتان: ١٨، ١٩ ٢٥٤ الآيات: ٢٠- ٢٣ ٢٥٥ الآيات: ٢٤- ٢٨ ٢٥٦ الآيات: ٢٩- ٣٤ ٢٥٨ الآيات: ٣٥- ٤٠ ٢٥٩ الآيات: ٤١- ٤٤ ٢٦١ الآيات: ٤٥- ٥١ ٢٦٣ الآيات: ٥٢- ٥٨ ٢٦٤ الآيات: ٥٩- ٦١ ٢٦٥ الآيات: ٦٢- ٦٦ ٢٦٧ الآيات: ٦٧- ٧٤ ٢٦٨ الآيات: ٧٥- ٨٢ ٢٦٩ الآيات: ٨٣- ٨٧ ٢٧١ الآيات: ٨٨- ٩٣ ٢٧٣ تفسير سورة القصص الآيات: ١- ٤ ٢٧٥ الآيات: ٥- ٧ ٢٧٦ الآيات: ٨- ١١ ٢٧٧ الآيات: ١٢- ١٥ ٢٧٩ الآيات: ١٦- ١٨ ٢٨٠ الآيات: ١٩- ٢١ ٢٨١ الآيات: ٢٢- ٢٤ ٢٨٢ الآيات: ٢٥- ٢٧ ٢٨٤ الآيات: ٢٨- ٣٢ ٢٨٥ الآيات: ٣٣- ٣٩ ٢٨٨ الآيات: ٤٠- ٤٦ ٢٨٩ الآيات: ٤٧- ٥٠ ٢٩٠ الآيات: ٥١- ٥٥ ٢٩١ الآيات: ٥٦- ٥٨ ٢٩٢ الآيات: ٥٩- ٦١ ٢٩٣ الآيات: ٦٢- ٦٤ ٢٩٤ الآيات: ٦٥- ٦٨ ٢٩٥ الآيات: ٦٩- ٧٣ ٢٩٦ الآيتان: ٧٤- ٧٥ ٢٩٧ الآيتان: ٧٦- ٧٧ ٢٩٨ الآيتان: ٧٨- ٧٩ ٣٠٠ الآيات: ٨٠- ٨٢ ٣٠١ الآيات: ٨٣- ٨٥ ٣٠٢ الآيات: ٨٦- ٨٨ ٣٠٣ تفسير سورة العنكبوت الآيات: ١- ٣ ٣٠٥ الآيات: ٤- ٧ ٣٠٦ الآيات: ٨- ١١ ٣٠٧ الآيات: ١٢- ١٥ ٣٠٩ الآيتان: ١٦، ١٧ ٣١٠ الآيات: ١٨- ٢٠ ٣١١ الآيات: ٢١- ٢٥ ٣١٢ الآيات: ٢٦- ٣١ ٣١٤ الآيات: ٣٢- ٣٥ ٣١٥ الآيات: ٣٦- ٣٨ ٣١٦ الآيات: ٣٩، ٤٠- ٣١٧ الآيات: ٤١- ٤٣ ٣١٨

стр. 2247

الآيتان: ٤٤، ٤٥ ٣١٩ الآية: ٤٦ ٣٢٠ الآيات: ٤٧- ٤٩ ٣٢١ الآيات: ٥٠- ٥٢ ٣٢٢ الآيات: ٥٣- ٥٥ ٣٢٣ الآيات: ٥٦- ٦٣ ٣٢٤ الآيات: ٦٤- ٦٧ ٣٢٥ الآيتان: ٦٨، ٦٩ ٣٢٦ تفسير سورة الروم الآيات: ١- ٦ ٣٢٧ الآيتان: ٧، ٨ ٣٢٩ الآيات: ٩- ١٣ ٣٣٠ الآيات: ١٤- ١٨ ٣٣١ الآيات: ١٩- ٢٢ ٣٣٢ الآيات: ٢٣- ٢٥ ٣٣٣ الآيات: ٢٦- ٢٨ ٣٣٤ الآيات: ٢٩- ٣٢ ٣٣٦ الآيات: ٣٣- ٣٥ ٣٣٧ الآيات: ٣٦- ٣٨ ٣٣٨ الآيات: ٣٩- ٤١ ٣٣٩ الآيات: ٤٢- ٤٤ ٣٤٠ الآيات: ٤٥- ٥٠ ٣٤١ الآيات: ٥١- ٥٣ ٣٤٢ الآيات: ٥٤- ٥٦ ٣٤٣ الآيات: ٥٧- ٦٠ ٣٤٤ تفسير سورة لقمان الآيات: ١- ٦ ٣٤٥ الآيات: ٧- ١١ ٣٤٦ الآيتان: ١٢، ١٣ ٣٤٧ الآيتان: ١٤، ١٥ ٣٤٨ الآيات: ١٦- ١٩ ٣٥٠ الآيتان: ٢٠، ٢١ ٣٥٢ الآيات: ٢٢- ٢٨ ٣٥٣ الآيتان: ٢٩، ٣٠ ٣٥٤ الآيتان: ٣١، ٣٢ ٣٥٥ الآيتان: ٣٣، ٣٤ ٣٥٦ تفسير سورة السجدة الآيات: ١- ٤ ٣٥٧ الآية: ٥ ٣٥٨ الآيات: ٦- ١١ ٣٥٩ الآيات: ١٢- ١٥ ٣٦١ الآيات: ١٦- ٢٠ ٣٦٢ الآيتان: ٢١، ٢٢ ٣٦٣ الآيات: ٢٣- ٢٥ ٣٦٤ الآيات: ٢٦- ٣٠ ٣٦٥ تفسير سورة الأحزاب الآيات: ١- ٤ ٣٦٧ الآيتان: ٥، ٦ ٣٦٩ الآيات: ٧- ٩ ٣٧١ الآيات: ١٠- ١٢ ٣٧٢ الآيات: ١٣- ١٥ ٣٧٣ الآيات: ١٦- ١٨ ٣٧٤ الآية: ١٩ ٣٧٥ الآيتان: ٢٠، ٢١ ٣٧٦ الآيات: ٢٢- ٢٤ ٣٧٧ الآيات: ٢٥- ٢٧ ٣٧٩ الآيتان: ٢٨- ٢٩ ٣٨٠ الآيات: ٣٠- ٣٢ ٣٨١ الآية: ٣٣ ٣٨٣ الآيتان: ٣٤، ٣٥ ٣٨٤ الآيتان: ٣٦، ٣٧ ٣٨٥ الآيات: ٣٨- ٤٤ ٣٨٧ الآيات: ٤٥- ٤٩ ٣٨٩ الآية: ٥٠ ٣٩٠ الآيتان: ٥١، ٥٢ ٣٩٢ الآية: ٥٣ ٣٩٥

стр. 2248

الآيتان: ٥٤، ٥٥ ٣٩٦ الآيات: ٥٦- ٥٨ ٣٩٧ الآيات: ٥٩- ٦٢ ٣٩٩ الآيات: ٦٣- ٦٨ ٤٠٠ الآيات: ٦٩- ٧١ ٤٠١ الآيتان: ٧٢، ٧٣ ٤٠٢ تفسير سورة سبأ الآيتان: ١، ٢ ٤٠٤ الآيات: ٣- ٨ ٤٠٥ الآيات: ٩- ١١ ٤٠٦ الآية: ١٢ ٤٠٨ الآية: ١٣ ٤٠٩ الآية: ١٤ ٤١١ الآيات: ١٥- ١٧ ٤١٣ الآيتان: ١٨، ١٩ ٤١٥ الآيات: ٢٠- ٢٢ ٤١٧ الآية: ٢٣ ٤١٨ الآيات: ٢٤- ٢٧ ٤١٩ الآيات: ٢٨- ٣٢ ٤٢٠ الآية: ٣٣ ٤٢١ الآيات: ٣٤- ٣٧ ٤٢٢ الآيات: ٣٨- ٤٣ ٤٢٣ الآيات: ٤٤- ٤٦ ٤٢٤ الآيات: ٤٧- ٥١ ٤٢٥ الآيات: ٥٢- ٥٤ ٤٢٦ تفسير سورة فاطر الآيات: ١- ٥ ٤٢٨ الآيات: ٦- ١٠ ٤٣٠ الآية: ١١ ٤٣٢ الآية: ١٢ ٤٣٣ الآيات: ١٣- ١٨ ٤٣٤ الآيات: ١٩- ٢٦ ٤٣٥ الآيتان: ٢٧، ٢٨ ٤٣٦ الآيات: ٢٩- ٣٤ ٤٣٨ الآيات: ٣٥- ٣٧ ٤٤٠ الآيات: ٣٨- ٤١ ٤٤٢ الآيتان: ٤٢، ٤٣ ٤٤٣ الآيتان: ٤٤، ٤٥ ٤٤٤ تفسير سورة يس الآيات: ١- ٥ ٤٤٥ الآيات: ٦- ٩ ٤٤٦ الآيات: ١٠- ١٢ ٤٤٧ الآيات: ١٣- ٢١ ٤٤٩ الآيات: ٢٢- ٢٧ ٤٥٠ الآيات: ٢٨- ٣٢ ٤٥٢ الآيات: ٣٣- ٤٠ ٤٥٣ الآيات: ٤١- ٤٦ ٤٥٤ الآيات: ٤٧- ٥٠ ٤٥٦ الآيات: ٥١- ٥٤ ٤٥٧ الآيات: ٥٥- ٦١ ٤٥٨ الآيات: ٦٢- ٦٥ ٤٦٠ الآيات: ٦٦- ٧٠ ٤٦١ الآيات: ٧١- ٨٠ ٤٥٣ الآيات: ٨١- ٨٣ ٤٦٤ تفسير سورة الصافات الآيات: ١- ٧ ٤٦٥ الآيات: ٨- ١٠ ٤٦٦ الآيات: ١١- ١٨ ٤٦٧ الآيات: ١٩- ٢٦ ٤٦٨ الآيات: ٢٧- ٣٤ ٤٦٩ الآيات: ٣٥- ٤٩ ٤٧١ الآيات: ٥٠- ٥٣ ٤٧٣ الآيات: ٥٤- ٦١ ٤٧٤ الآيات: ٦٢- ٧٠ ٤٧٥ الآيات: ٧١- ٧٩ ٤٧٦ الآيات: ٨٠- ٩٠ ٤٧٧

стр. 2249

الآيات: ٩١- ٩٨ ٤٧٨ الآيات: ٩٩- ١٠٢ ٤٨٠ الآيات: ١٠٣- ١١١ ٤٨١ الآيات: ١١٢- ١٢٥ ٤٨٣ الآيات: ١٢٦- ١٤٦ ٤٨٥ الآيات: ١٤٧- ١٥٧ ٤٨٧ الآيات: ١٥٨- ١٦٩ ٤٨٨ الآيات: ١٧٠- ١٨٢ ٤٨٩ تفسير سورة ص الآيات: ١- ٥ ٤٩١ الآيات: ٦- ٩ ٤٩٣ الآيات: ١٠- ١٤ ٤٩٤ الآيات: ١٥- ٢٠ ٤٩٥ الآيات: ٢١- ٢٤ ٤٩٧ الآيات: ٢٥- ٢٩ ٥٠٢ الآيات: ٣٠- ٣٥ ٥٠٣ الآيات: ٣٦- ٤٤ ٥٠٦ الآيات: ٤٥- ٥٤ ٥٠٨ الآيات: ٥٥- ٦١ ٥١٠ الآيات: ٦٢- ٦٦ ٥١٢ الآيات: ٦٧- ٧٤ ٥١٣ الآيات: ٧٥- ٨١ ٥١٤ الآيات: ٨٢- ٨٨ ٥١٦ تفسير سورة الزمر الآيات: ١- ٣ ٥١٧ الآيات: ٣- ٥ ٥١٨ الآية: ٦ ٥١٩ الآية: ٧ ٥٢٠ الآية: ٨ ٥٢١ الآيتان: ٩، ١٠ ٥٢٢ الآيات: ١١- ١٥ ٥٢٤ الآيات: ١٦- ١٨ ٥٢٥ الآيات: ١٩- ٢١ ٥٢٦ الآيتان: ٢٢، ٢٣ ٥٢٧ الآيات: ٢٤- ٢٨ ٥٢٨ الآيات: ٢٩- ٣٢ ٥٢٩ الآيات: ٣٣- ٣٧ ٥٣١ الآيات: ٣٨- ٤٠ ٥٣٢ الآيتان: ٤١، ٤٢ ٥٣٣ الآيات: ٤٣- ٤٥ ٥٣٤ الآيات: ٤٦- ٥٢ ٥٣٥ الآيات: ٥٣- ٥٥ ٥٣٦ الآيات: ٥٦- ٦٠ ٥٣٨ الآيات: ٦١- ٦٥ ٥٣٩ الآيات: ٦٦- ٦٨ ٥٤٠ الآيات: ٦٩- ٧٢ ٥٤٢ الآيات: ٧٣- ٧٥ ٥٤٣ تفسير سورة غافر الآيات: ١- ٥ ٥٤٥ الآيات: ٦- ٩ ٥٤٧ الآيات: ١٠- ١٢ ٥٤٨ الآيات: ١٣- ١٧ ٥٥٠ الآيات: ١٨- ٢١ ٥٥٢ الآيات: ٢٢- ٢٥ ٥٥٤ الآيات: ٢٦- ٢٨ ٥٥٥ الآيات: ٢٩- ٣٣ ٥٥٧ الآيتان: ٣٤، ٣٥ ٥٥٩ الآيات: ٣٦- ٤٠ ٥٦٠ الآيات: ٤١- ٤٥ ٥٦١ الآيات: ٤٦- ٥٠ ٥٦٢ الآيات: ٥١- ٥٦ ٥٦٣ الآيات: ٥٧- ٦٠ ٥٦٥ الآيات: ٦١- ٦٤ ٥٦٦ الآيات: ٦٥- ٦٧ ٥٦٧ الآيات: ٦٨- ٧٤ ٥٦٨ الآيات: ٧٥- ٧٨ ٥٦٩ الآيات: ٧٩- ٨٥ ٥٧١

стр. 2250

[المجلد الخامس] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة فصّلت هذه السورة مكية بإجماع من المفسرين، ويروى أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ﷺ ليبين عليه أمر مخالفته لقومه وليحتج عليه فيما بينه وبينه وليبعد ما جاء به، فلما تكلم عتبة، قرأ رسول الله ﷺ : حم ومر في صدر هذه السورة حتى انتهى إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] فأرعد الشيخ وقفّ شعره وأمسك على فم رسول الله ﷺ بيده وناشده بالرحم أن يمسك، وقال حين فارقه: والله لقد سمعت شيئا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) تقدم القول في أوائل السور مما يختص به الحواميم، وأمال الأعمش حم [فصلت: ١، الشورى: ١، الدخان: ١، الزخرف: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١] في كلها. و: تَنْزِيلٌ خبر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء، إما على أن يقدر الابتداء في: حم على ما تقتضيه بعض الأقوال إذا جعلت اسما للسورة أو للقرآن أو إشارة إلى حروف المعجم، وإما على أن يكون التقدير: هذا تنزيل، ويجوز أن يكون تَنْزِيلٌ ابتداء وخبره في قوله: كِتابٌ فُصِّلَتْ على معنى ذو تنزيل. و: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتا رجاء ورحمة لله تعالى. و: فُصِّلَتْ معناه بينت آياته، أي فسرت معانيه ففصل بين حلاله وحرامه وزجره وأمره ووعده ووعيده، وقيل فُصِّلَتْ في التنزيل، أي نزل نجوما، لم ينزل مرة واحدة، وقيل فُصِّلَتْ بالمواقف وأنواع أواخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ونحوها كالشعر والسجع. و: قُرْآناً نصب على الحال عند قوم، وهي مؤكدة، لأن هذه الحال ليست مما تنتقل. وقالت فرقة: هو

стр. 2251

نصب على المصدر، وقالت فرقة: قُرْآناً توطئة للحال. و: عَرَبِيًّا حال. وقالت فرقة: قُرْآناً نصب على المدح وهو قول ضعيف. وقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قالت فرقة: معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل وينظرون على طريق نظر، فكأن القرآن فصلت آياته لهؤلاء، إذ هم أهل الانتفاع بها، فخصوا بالذكر تشريفا، ومن لم ينتفع بالتفصيل فكأنه لم يفصل له. وقالت فرقة: يَعْلَمُونَ متعلق في المعنى بقوله: عَرَبِيًّا أي جعلناه بكلام العرب لقوم يعلمون ألفاظه ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب، وكأن الآية رادة على من زعم أن في كتاب الله ما ليس في كلام العرب، فالعلم على هذا التأويل أخص من العلم على التأويل الأول، والأول أشرف معنى، وبين أنه ليس في القرآن إلا ما هو من كلام العرب إما من أصل لغتها وإما عربته من لغة غيرها ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل. وقوله: بَشِيراً وَنَذِيراً نعت للقرآن، أي يبشر من آمن بالجنة، وينذر من كفر بالنار. والضمير في: أَكْثَرُهُمْ عائد على القوم المذكورين. وقوله: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ نفي لسمعهم النافع الذي يعتد به سمعا، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة وأرادوا أن يؤيسوهم من قبولهم دينهم وهي قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان وهو باب فعال وأفعلة. والكنان: ما يجمع الشيء ويضمه ويحول بينه وبين غيره، ومنه: الكن ومنه: كنانة النبل، وبها فسر مجاهد هذه الآية. و «من» في قوله: مِمَّا لابتداء الغاية وكذلك هي في قوله: وَمِنْ بَيْنِنا مؤكدة ولابتداء الغاية. والوقر: الثقل في الأذن الذي يمنع السمع. وقرأ ابن مصرف: «وقر» بكسر الواو. والحجاب: الذي أشاروا إليه: هو مخالفته إياهم ودعوته إلى الله دون أصنامهم، أي هذا أمر يحجبنا عنك، وهذه مقالة تحتمل أن تكون معها قرينة الجد في المحاورة وتتضمن المباعدة، ويحتمل أن تكون معها قرينة الهزل والاستخفاف، وكذلك قوله: فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ يحتمل أن يكون القول تهديدا، ويحتمل أن يكون متاركة محضة. وقرأ الجمهور: «قل إنما» على الأمر لمحمد ﷺ . وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: «قل إنما» على المضي والخبر عنه، وهذا هو الصدع بالتوحيد والرسالة. وقوله: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع، و «إن» في قوله: إِنَّما رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله. وقوله: فَاسْتَقِيمُوا أي على محجة الهدى وطريق الشرع والتوحيد، وهذا المعنى مضمن قوله: إِلَيْهِ. والويل: الحزن والثبور، وفسره الطبري وغيره في هذه الآية بقبح أهل النار وما يسيل منهم. وقوله تعالى: الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال الحسن وقتادة وغيره: هي زكاة المال. وروي: الزكاة قنطرة الإسلام، من قطعها نجا، ومن جانبها هلك. واحتج لهذا التأويل بقول أبي بكر في الزكاة وقت

стр. 2252

الردة. وقال ابن عباس والجمهور: الزَّكاةَ في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيره من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع. وقال الضحاك ومقاتل: معنى الزَّكاةَ هنا: النفقة في الطاعة، وأعاد الضمير في قوله: هُمْ كافِرُونَ توكيدا. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ذكر حالة الذين آمنوا معادلا بذلك حالة الكافرين المذكورين ليبين الفرق. وقوله: غَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس معناه: غير منقوص. وقالت فرقة معناه: غير مقطوع، يقال مننت الحبل: إذا قطعته. وقال مجاهد معناه: غير محسوب، لأن كل محسوب محصور، فهو معد لأن يمن به، فيظهر في الآية أنه وصفه بعدم المن والأذى من حيث هو من جهة الله تعالى، فهو شريف لا من فيه، وأعطيات البشر هي التي يدخلها المن. وقال السدي: نزلت هذه الآية من المرضى والزمنى، إذا عجزوا عن إكمال الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون، ثم أمر تعالى نبيه أن يوقفهم موبخا على كفرهم بخالق الأرض والسماوات ومخترعها، ووصف صورة خلقها ومدته، والحكمة في خلقه هذه المخلوقات في مدة ممتدة مع قدرة الله على إيجادها في حين واحد. وهي إظهار القدرة في ذلك حسب شرف الإيجاد أولا أولا. قال قوم: وليعلّم عباده التأني في الأمور والمهل، وقد تقدم القول غير مرة في نظير قوله: أَإِنَّكُمْ. واختلف رواة الحديث في اليوم الذي ابتدأ الله تعالى فيه خلق الأرض، فروي عن ابن عباس وغيره: أن أول يوم هو الأحد، وأن الله تعالى خلق فيه وفي الاثنين: الأرض، ثم خلق الجبال ونحوها يوم الثلاثاء. قال ابن عباس فمن هنا قيل: هو يوم ثقيل. ثم خلق الشجر والثمار والأنهار يوم الأربعاء، ومن هنا قيل: هو يوم راحة وتفكر في هذه التي خلقت فيه. ثم خلق السماوات وما فيها يوم الخميس ويوم الجمعة، وفي آخر ساعة من يوم الجمعة: خلق آدم. وقال السدي: وسمي يوم الجمعة لاجتماع المخلوقات فيه وتكاملها، فهذه رواية فيها أحاديث مشهورة. ولما لم يخلق تعالى في يوم السبت شيئا امتنع فيه بنو إسرائيل عن الشغل. ووقع في كتاب مسلم بن الحجاج: أن أول يوم خلق الله فيه التربة يوم السبت، ثم رتب المخلوقات على ستة أيام، وجعل الجمعة عاريا من المخلوقات على ستة أيام إلا من آدم وحده. والظاهر من القصص في طينة آدم أن الجمعة التي خلق فيها آدم قد تقدمتها أيام وجمع كثيرة، وأن هذه الأيام التي خلق الله فيها هذه

стр. 2253

المخلوقات هي أول الأيام، لأن بإيجاد الأرض والسماء والشمس وجد اليوم، وقد يحتمل أن يجعل تعالى قوله: يَوْمَيْنِ على التقدير، وإن لم تكن الشمس خلقت بعد، وكأن تفصيل الوقت يعطي أنها الأحد ويوم الاثنين كما ذكر. والأنداد: الأشباه والأمثال، وهذه إشارة إلى كل ما عبد من الملائكة والأصنام وغير ذلك. قال السدي: أكفاء من الرجال تطيعونهم. والرواسي: هي الجبال الثوابت، رسا الجبل إذا ثبت. وقوله تعالى: وَبارَكَ فِيها أي جعلها منبتة للطيبات والأطعمة، وجعلها طهورا إلى غير ذلك من وجوه البركة. وفي قراءة ابن مسعود: «وقسم فيها أقواتها» . وفي مصحف عثمان ﵁: «وقدر» واختلف الناس في معنى قوله: أَقْواتَها فقال السدي: هي أقوات البشر وأرزاقهم، وأضافها إلى الأرض من حيث هي فيها وعنها. وقال قتادة: هي أقوات الأرض من الجبال والأنهار والأشجار والصخور والمعادن والأشياء التي بها قوام الأرض ومصالحها. وروى ابن عباس ﵁ في هذا المعنى حديثا مرفوعا فشبهها بالقوت الذي به قوام الحيوان. وقال مجاهد: أراد أَقْواتَها من المطر والمياه. وقال عكرمة والضحاك ومجاهد أيضا: أراد بقوله: أَقْواتَها خصائصها التي قسمها في البلاد، فجعل في اليمن أشياء ليست في غيره، وكذلك في العراق والشام والأندلس وغيرها من الأقطار ليحتاج بعضها إلى بعض ويتقوت من هذه في هذه الملابس والمطعوم، وهذا نحو القول الأول، إلا أنه بوجه أعم منه. وقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يريد باليومين الأولين، وهذا كما تقول: بنيت جدار داري في يوم وأكملت جميعها في يومين، أي بالأول. وقرأ الحسن البصري وأبو جعفر وجمهور الناس: «سواء» بالنصب على الحال، أي سواء هي وما انقضى فيها. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «سواء» بالرفع، أي هي سواء. وقرأ الحسن وعيسى وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد: «سواء» بالخفض على نعت الأيام. واختلف المتأولون في معنى: لِلسَّائِلِينَ فقال قتادة والسدي معناه: سواء لمن سأل عن الأمر واستفهم عن حقيقة وقوعه وأراد العبرة فيه فإنه يجده كما قال . وقال ابن زيد وجماعة معناه: مستو مهيأ أمر هذه المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر عنهم ب «السائلين» بمعنى الطالبين، لأنهم من شأنهم ولا بد طلب ما ينتفعون به، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء إذ هم أهل حاجة إليها، ولفظة سَواءً تجري مجرى عدل وزور في أن ترد على المفرد والمذكر والمؤنث. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١١ الى ١٢] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) اسْتَوى إِلَى السَّماءِ معناه بقدرته واختراعه أي إلى خلق السماء وإيجادها.

стр. 2254

وقوله تعالى: وَهِيَ دُخانٌ روي أنها كانت جسما رخوا كالدخان أو البخار، وروي أنه مما أمره الله أن يصعد من الماء، وهنا لفظ متروك ويدل عليه الظاهر، وتقديره: فأوجدها وأتقنها وأكمل أمرها، وحينئذ قيل لها وللأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً. وقرأ الجمهور: «إيتيا» من أتى يأتي «قالتا أتينا» على وزن فعلنا، وذلك بمعنى إيتيا وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد: «آتيا» من آتى يؤتى «قالتا آتينا» على وزن أفعلنا، وذلك بمعنى أعطيا من أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما، والإشارة بهذا كله إلى تسخيره وما قدره الله من أعمالها. وقوله: أَوْ كَرْهاً فيه محذوف ومقتضب، والتقدير: ائْتِيا طَوْعاً وإلا أتيتما كَرْهاً. وقوله: قالَتا أراد الفرقتين المذكورتين، وجعل السماوات سماء والأرضين أرضا، ونحو هذا قول الشاعر: [الوافر] ألم يحزنك أن حبال قومي ... وقومك قد تباينتا انقطاعا جعلها فرقتين، وعبر عنها ب ائْتِيا. وقوله: طائِعِينَ لما كانت ممن يقول وهي حالة عقل جرى الضمير في طائِعِينَ ذلك المجرى، وهذا كقوله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤] ونحوه. واختلف الناس في هذه المقالة من السماء والأرض، فقالت فرقة: نطقت حقيقة، وجعل الله تعالى لها حياة وإدراكا يقتضي نطقها. وقالت فرقة: هذا مجاز، وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة القول أَتَيْنا طائِعِينَ والقول الأول أحسن، لأنه لا شيء يدفعه وإنما العبرة به أتم والقدرة فيه أظهر. وقوله تعالى: فَقَضاهُنَّ معناه: صنعهن وأوجدهن، ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال مجاهد وقتادة: أوحى إلى سكانها وعمرتها من الملائكة وإليها هي في نفسها ما شاء تعالى من الأمور التي بها قوامها وصلاحها. قال السدي وقتادة: ومن الأمور التي هي لغيرها مثل ما فيها من جبال البرد ونحوه، وأضاف الأمر إليها من حيث هو فيها، ثم أخبر تعالى أن الكواكب زين بها السماء الدنيا، وذلك ظاهر اللفظ وهو بحسب ما يقتضيه حسن البصر. وقوله تعالى: وَحِفْظاً منصوب بإضمار فعل، أي وحفظناها حفظا. وقوله: ذلِكَ إشارة إلى جميع ما ذكر، أو أوجده، بقدرته وعزته، وأحكمه بعلمه. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٣ الى ١٥] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)

стр. 2255

المعنى: فإن أعرضت قريش والعرب الذين دعوتهم إلى الله عن هذه الآيات البينة، فأعلمهم بأنك تحذرهم أن يصيبهم من العذاب الذي أصاب الأمم التي كذبت كما تكذب هي الآن. وقرأ جمهور الناس: «صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» وقرأ النخعي وأبو عبد الرحمن وابن محيصن «صعقة مثل صعقة» ، فأما هذه القراءة الأخيرة فبينة المعنى، لأن الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار، فشبهت هنا وقعة العذاب بها، لأن عادا لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة، وبالوقيعة فسر هنا «الصاعقة» ، قاله قتادة وغيره. وخص عادا وثمود بالذكر لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام. وقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أي قد تقدموا في الزمن واتصلت نذارتهم إلى أعمار عاد وثمود، وبهذا الاتصال قامت الحجة. وقوله: مِنْ خَلْفِهِمْ أي جاءهم رسول بعد اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن، فلذلك قال: وَمِنْ خَلْفِهِمْ وجاء من مجموع العبارة إقامة الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمّتهم خبرا ومباشرة، ولا يتوجه أن يجعل وَمِنْ خَلْفِهِمْ عبارة عما أتى بعدهم في الزمن، لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير، وأما الطبري فقال: الضمير في قوله: وَمِنْ خَلْفِهِمْ عائد على الرسل، والضمير في قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ على الأمم، وتابعه الثعلبي، وهذا غير قوي لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. و (أن) في قوله: أَلَّا تَعْبُدُوا نصب على إسقاط الخافض، التقدير: «بأن» . وتَعْبُدُوا مجزوم على النهي، ويتوجه أن يكون منصوبا على أن تكون (لا) نافية، وفيه بعد. وكان من تلك الأمم إنكار بعثة البشر واستدعاء الملائكة، وهذه أيضا كانت من مقالات قريش. وقوله: فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ليس على جهة الإقرار بأنهم أرسلوا بشيء، وإنما معناه على زعمكم ودعواكم. ثم وصف حالة القوم، وأن عادا طلبوا التكبر ووضعوا أنفسهم فيه بغير حق، بل بالكفر والمعاصي وغوتهم قوتهم وعظم أبدانهم والنعم فقالوا على جهة التقرير: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً فعرض الله تعالى موضع النظر بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الآية، وهذا بين في العقل، فإن للشيء المخترع له المذهب متى شاء هو أقوى منه، وأخبر تعالى عنهم بجحودهم بآياته المنصوبة للنظر والمنزلة من عنده، إذ لفظ الآيات يعم ذلك كله في المعنى. قوله :

стр. 2256

[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٦ الى ١٨] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) روي في الحديث أن الله تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا على عاد منها مقدار حلقة الخاتم، ولو فتحوا مقدار منخر الثور لهلكت الدنيا: وروي أن الريح كانت ترفع العير بأوقارها فتطيرها حتى تطرحها في البحر. وقال جابر بن عبد الله والتيمي: حبس عنهم المطر ثلاثة أعوام، وإذا أراد الله بقوم شرا حبس عنهم المطر وأرسل عليهم الرياح. واختلف الناس في الصرصر، فقال قتادة والسدي والضحاك: هو مأخوذ من الصر، وهو البرد، والمعنى: ريحا باردة لها صوت. وقال مجاهد: صرصر: شديدة السموم. وقال الطبري وجماعة من المفسرين: هو من صريصر إذا صوت صوتا يشبه الصاد والراء، وكذلك يجيء صوت الريح في كثير من الأوقات بحسب ما تلقى. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى والنخعي: بسكون الحاء وهو جمع نحس، يقال يوم نحس، فهو مصدر يوصف به أحيانا وعلى الصفة به جمع في هذه الآية، واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله: يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: ١٩] . وقال النخعي: نَحِساتٍ وليست ب «نحسات» بكسر. وقرأ الباقون وأبو جعفر وشيبة وأبو رجاء وقتادة والجحدري والأعمش: «نحسات» بكسر الحاء، وهي جمع لنحس على وزن حذر، فهو صفة لليوم مأخوذ من النحس. وقال الطبري: نحس ونحس لغتان، وليس كذلك، بل اللغة الواحدة تجمعهما، أحدهما مصدر، والآخر من أمثلة اسم الفاعل، وأنشد الفراء: [البسيط] أبلغ جذاما ولخما أن إخوتهم ... طيا وبهراء قوم نصرهم نحس وقالت فرقة: إن «نحسات» بالسكون مخفف من «نحسات» بالكسر، والمعنى في هذه اللفظة مشاييم من النحس المعروف، قاله مجاهد وقتادة والسدي: وقال الضحاك معناه: شديدة، أي شديدة البرد حتى كان البرد عذابا لهم. قال أبو علي: وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد: كأن سلافة عرضت بنحس ... يحيل شفيفها الماء الزلالا وقال ابن عباس: نَحِساتٍ معناه: متتابعات، وكانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وعذاب الخزي في الدنيا هو العذاب بسبب الكفر ومخالفة أمر الله، ولا خزي أعظم من هذا إلا ما في الآخرة من الخلود في النار. وقرأ جمهور الناس: «ثمود» بغير حرف، وهذا على إرادة القبيلة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وبكر بن حبيب: «ثمود» بالتنوين والإجراء، وهذا على إرادة الحي، وبالصرف كان الأعمش يقرأ في جميع القرآن إلا في قوله: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩] لأنه في المصحف بغير ألف. وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج بخلاف، والأعمش وعاصم «ثمود» بالنصب، وهذا على إضمار فعل يدل عليه قوله:

стр. 2257

فَهَدَيْناهُمْ، وتقديره عند سيبويه: مهما يكن من شيء فهدينا ثمود هديناهم، والرفع عنده أوجه، وروي عن ابن أبي إسحاق والأعمش: «ثمودا» منونة منصوبة، وروى الفضل عن عاصم الوجهين. وقوله تعالى: فَهَدَيْناهُمْ معناه: بينّا لهم، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد، وهذا كما هي الآن شريعة الإسلام مبينة لليهود والنصارى المختلطين لنا ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالصد، فذلك استحباب العمى على الهدى. وقوله تعالى: فَاسْتَحَبُّوا عبارة عن تكسبهم في العمى، وإلا فهو بالاختراع لله تعالى، ويدلك على أنها إشارة إلى تكسبهم قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. وقوله تعالى: الْعَذابِ الْهُونِ وصف بالمصدر، والمعنى الذي معه هوان وإذلال، ثم قرن تعالى بذكرهم ذكر من آمن واتقى ونجاته ليبين الفرق. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٩ الى ٢٢] وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) قوله تعالى: وَيَوْمَ نصب بإضمار فعل تقديره: واذكر يوم. وقرأ نافع وحده والأعرج وأهل المدينة: «نحشر» بالنون «أعداء» بالنصب، إلا أن الأعرج كسر الشين. وقرأ الباقون: «يحشر» بالياء المرفوعة، «أعداء» رفعا، وهي قراءة الأعمش والحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وقتادة وعيسى وطلحة ونافع فيما روي عنه، وحجتها يُوزَعُونَ، و: أَعْداءُ اللَّهِ هم الكفار المخالفون لأمره. و: يُوزَعُونَ قال قتادة والسدي وأهل اللغة، معناه: يكف أولهم حبسا على آخرتهم، وفي حديث أبي قحافة يوم الفتح: ذلك الوازع. وقال الحسن البصري: لا بد للقاضي من وزعة. وقال أبو بكر: إني لا أقيد من وزعة الله تعالى. و: حَتَّى غاية لهذا الحشر المذكور، وهذا وصف حال من أحوالهم في بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى جهنم فإن الله تعالى يستقرهم عند ذلك على أنفسهم ويسألون سؤال توبيخ عن كفرهم فينكرون ذلك ويحسبون أن لا شاهد عليهم، ويظنون السؤال سؤال استفهام واستخبار، فينطق الله تعالى جوارحهم بالشهادة عليهم، فروي عن النبي ﵇ أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه الأيسر ثم تنطق الجوارح، فيقول الكافر: تبا لك أيها الأعضاء، فعنك كنت أدافع. وفي حديث آخر:

стр. 2258

يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام فيتكلم الفخذ والكف. ثم ذكر الله تعالى محاورتهم لجلودهم في قولهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا أي وعذابنا عذاب لكم. واختلف الناس ما المراد بالجلود؟ فقال جمهور الناس: هي الجلود المعروفة. وقال عبد الله بن أبي جعفر: كنى بالجلود عن الفروج، وإياها أراد. وأخبر تعالى أن الجلود ترد جوابهم بأن الله الخالق المبدئ المعيد هو الذي أنطقهم. وقوله: أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ يريد كل ناطق مما هي فيه عادة أو خرق عادة. قوله : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ يحتمل أن يكون من كلام الجلود ومحاورتها، ويحتمل أن يكون من كلام الله لهم، أو من كلام ملك يأمره تعالى. وأما المعنى فيحتمل وجهين أحدهما أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم فانهملتم وجاهرتم، وهذا هو منحى مجاهد. والستر قد يتصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر: [الكامل] والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر والمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد، وهذا هو منحى السدي، كأن المعنى: وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن يشهد، لأن الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظن بأن الله تعالى لا يعلم، هو إلزامهم الكفر والجهل بالله وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الإله، لا رب غيره. وفي مصحف ابن مسعود: «ولكن زعمتم أن الله» . وحكى الطبري عن قتادة أنه عبر عن تَسْتَتِرُونَ ب «تبطنون» ، وذلك تفسير لم ينظر فيه إلى اللفظ ولا ارتباط فيه معه. وذكر الطبري وغيره حديثا عن عبد الله بن مسعود قال: إني لمستتر بأستار الكعبة إذ دخل ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ قال الآخر إنه يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع منه شيئا فإنه يسمعه كله، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فنزلت هذه الآية: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ الآية، فقرأ حتى بلغ: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت: ٢٨] . وذكر النقاش أن الثلاثة: صفوان بن أمية وفرقد بن ثمامة وأبو فاطمة. وذكر الثعلبي أن الثقفي: عبد ياليل، والقرشيان: ختناه ربيعة وصفوان ابنا أمية بن خلف، ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية، ويشبه أن رسول الله ﷺ قرأ الآية متمثلا بها عند إخبار عبد الله إياه، والله أعلم. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٣ الى ٢٦] وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)

стр. 2259

ذلِكُمْ رفع بالابتداء، والإشارة به إلى قوله: وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ [فصلت: ٢٢] قال قتادة: الظن ظنان: ظن منج، وظن مهلك. قال القاضي أبو محمد: فالمنجي: هو أن يظن الموحد العارف بربه أن الله يرحمه والمهلك: ظنون الكفرة الجاهلين على اختلافها، وفي هذا المعنى ليحيى بن أكثم رؤيا حسنة مؤنسة. وظَنُّكُمُ خبر ابتداء. وقوله: أَرْداكُمْ يصح أن يكون خبرا بعد خبر، وجوز الكوفيون أن يكون في موضع الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالا إذا اقترن ب «قد» ، تقول رأيت زيدا قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم وإن لم تظهر. ومعنى: أَرْداكُمْ أهلككم. والردى: الهلاك. وقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا مخاطبة لمحمد ﵇، والمعنى: فإن يصبروا أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك. والمثوى: موضع الإقامة. وقرأ جمهور الناس: «وإن يستعتبوا» بفتح الياء وكسر التاء الأخيرة على إسناد الفعل إليهم. «فما هم من المعتبين» بفتح التاء على معنى: وإن طلبوا العتبى وهي الرضى فما هم ممن يعطوها ويستوجبها. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري: «وإن يستعتبوا» بضم الياء وفتح التاء. «فما هم من المعتبين» بكسر التاء على معنى: وإن طلب منهم خير أو إصلاح فما هم ممن يوجد عنده، لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال ﵇: «ليس بعد الموت مستعتب» ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] . ثم وصف حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا، فختم عليهم فقال: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ أي يسرنا لهم قُرَناءَ سوء من الشياطين وغواة الإنس. وقوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي علموهم وقرروا في نفوسهم معتقدات سوء في الأمور التي تقدمتهم من أمر الرسل والنبوات، ومدح عبادة الأصنام واتباع فعل الآباء إلى غير ذلك مما يقال إنه بين أيديهم، وذلك كل ما تقدمهم في الزمان واتصل إليهم أثره أو خبره، وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحو ذلك مما يقال فيه إنه خلف الإنسان، فزينوا لهم في هذين كل ما يرديهم ويفضي بهم إلى عذاب جهنم. وقوله: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي سبق القضاء الحتم، وأمر الله بتعذيبهم في جملة أمم معذبين كفار مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقالت فرقة: فِي بمعنى: مع، أي مع أمم، والمعنى يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أن نجعل حرفا بمعنى حرف إذ قد أبى ذلك رؤساء البصريين.

стр. 2260

قوله : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ. حكاية لما فعله بعض قريش كأبي جهل، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن في المسجد الحرام ويصغي إليه الناس من مؤمن وكافر، فخشي الكفار استمالة القلوب بذلك، فقالوا: متى قرأ محمد فلنلغط نحن بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والإرجاز حتى يخفى صوته ولا يقع الاستماع منه، وهذا الفعل منهم هو اللغو. وقال أبو العالية أرادوا: قعوا فيه وعيبوه. واللغو في اللغة: سقط القول الذي لا معنى له، وهو من الخساسة والبطول في حكم لا معنى له. وقرأ جمهور الناس: «والغوا» بفتح الغين وجزم الواو. وقرأ بكر بن حبيب السهمي: «الغوا» بضم الغين وسكون الواو، ورويت عن عيسى وابن أبي إسحاق بخلاف عنهما وهما لغتان، يقال لغا يلغو، ويقال لغى يلغي، ويقال أيضا لغى يلغى، أصله يفعل بكسر العين، فرده حرف الحلق إلى الفتح، فالقراءة الأولى من يلغى، والقراءة الثانية من يلغو، قاله الأخفش. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي تطمسون أمر محمد ﵇ وتميتون ذكره وتصرفون القلوب عنه، فهذه الغاية التي تمنوها. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٢٧ الى ٣٠] فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) وقوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الفاء دخلت على لام القسم، وهي آية وعيد لقريش. والعذاب الشديد: هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها. والجزاء بأسوأ أعمالهم: هو عذاب الآخرة. وقوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى الجزاء المتقدم.. و: جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ خبر الابتداء. و: النَّارُ بدل من قوله: جَزاءُ أَعْداءِ ويجوز أن يكون: ذلِكَ خبر ابتداء تقديره: الأمر ذلك، ويكون قوله: جَزاءُ أَعْداءِ ابتداء، و: النَّارُ خبره. وقوله: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ أي موضع البقاء ومسكن العذاب الدائم، فالظرفية في قوله: فِيها متمكنة على هذا التأويل، ويحتمل أن يكون المعنى: هب لهم دار الخلد، ففي قوله: فِيها معنى التجريد كما قال الشاعر: وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل

стр. 2261

وفي قراءة عبد الله بن مسعود: «ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد» ، وسقط لَهُمْ فِيها وجحودهم بآيات الله مطرد في علاماته المنصوبة لخلقه وفي آيات كتابه المنزلة على نبيه. ثم ذكر مقالة كفار يوم القيامة إذا دخلوا النار فإنهم يرون عظيم ما حل بهم وسوء منقلبهم فتجول أفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم وبادي ضلالتهم فيعظم غيظهم وحنقهم عليه ويودون أن يحصل في أشد عذاب فحينئذ يقولون رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا، وظاهر اللفظ يقتضي أن الذي في قولهم: الَّذِينَ إنما هو للجنس، أي أَرِنَا كل مغو ومضل مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وهذا قول جماعة من المفسرين. وقال علي بن أبي طالب وقتادة. وطلبوا ولد آدم الذي سن القتل والمعصية من البشر وإبليس الأبالسة من الجن. قال القاضي أبو محمد: وتأمل هل يصح هذا عن علي بن أبي طالب ﵁، لأن ولد آدم مؤمن عاص، وهؤلاء إنما طلبوا المضلين بالكفر المؤدي إلى الخلود، وإنما القوي أنهم طلبوا النوعين، وقد أصلح بعضهم هذا القول بأن قال: يطلب ولد آدم كل عاص دخل النار من أهل الكبائر، ويطلب إبليس كل كافر، ولفظ الآية يزحم هذا التأويل، لأنه يقتضي أن الكفرة إنما طلبوا اللذين أضلا. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «أرنا» بكسر الراء، وهي رؤية عين، ولذلك فهو فعل يتعدى إلى مفعولين. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «أرنا» بسكون الراء، فقال هشام بن عمار: هو خطأ. وقال أبو علي: هي مخففة من: أَرِنَا كما قالوا: ضحك وفخذ. وقرأ أبو عمرو: بإشمام الراء الكسر، ورويت عن أهل مكة. وقوله: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يريدون في أسفل طبقة من النار، وهي أشد عذابا. وهي درك المنافقين. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا آية وعد للمؤمنين، قال سفيان بن عبد الله الثقفي، قلت للنبي ﵇: أخبرني بأمر أعتصم به، فقال: قل ربي الله ثم استقم، قلت فما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: هذا. واختلف الناس في مقتضى قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا فذهب الحسن وقتادة وجماعة إلى أن معناه: استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي، وتلا عمر بن الخطاب ﵁ هذه الآية على المنبر ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب. قال القاضي أبو محمد: ذهب ﵁ إلى حمل الناس على الأتم الأفضل، وإلا فلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب ألا تنزل الملائكة عند الموت على غير مستقيم على الطاعة وذهب أبو بكر الصديق ﵁ وجماعة معه إلى أن المعنى ثُمَّ اسْتَقامُوا على قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم. وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام. المعنى فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، وهذا هو

стр. 2262

المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد ﵇ وغيرها فرقتان: فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير آخرا إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم داخلون فيمن يقال لهم: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ومع هذا كله فلا يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالا وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعلى نحو ذلك قال سفيان: اسْتَقامُوا، عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادا كان أسرع فوزا بفضل الله تعالى. وقوله تعالى: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا أمنة عامة في كل هم مستأنف، وتسلية تامة عن كل فائت ماض. وقال مجاهد: المعنى لا تخافون ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم. وفي قراءة ابن مسعود: «الملائكة لا تخافوا» بإسقاط الألف، بمعنى يقولون لا تخافوا. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣١ الى ٣٥] نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) المتكلم ب نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ هم الملائكة القائلون: «لا تخافوا ولا تحزنوا» أي يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق نحن كنا أولياءكم في الدنيا ونحن هم في الآخرة. قال السدي المعنى: نحن حفظتكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله: فِيها عائد على الآخرة. و: تَدَّعُونَ معناه: تطلبون. و: نُزُلًا نصب على المصدر. وقراءة الجمهور: بضم الواو. وقرأ أبو حيوة: بإسكانها. وقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا الآية ابتداء توصية محمد ﵇، وهو لفظ يعم كل من دعا قديما وحديثا إلى الله تعالى وإلى طاعته من الأنبياء والمؤمنين، والمعنى: لا أحد أحسن قولا ممن هذه حاله، وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة، وبين أن حالة محمد ﵇ كانت كذلك مبرزة إلى تخصيصه بالآية ذهب السدي وابن زيد وابن سيرين. وقال قيس بن أبي حازم وعائشة أم المؤمنين وعكرمة: نزلت هذه الآية في المؤذنين. قال قيس: وَعَمِلَ صالِحاً هو الصلاة بين الآذان والإقامة. وذكر النقاش

стр. 2263

ذلك عن ابن عباس، ومعنى القول بأنها في المؤذنين أنهم داخلون فيها، وأما نزولها فبمكة بلا خلاف ولم يكن بمكة آذان وإنما ترتب بالمدينة، وأن الآذان لمن الدعاء إلى الله تعالى ولكنه جزء منه. والدعاء إلى الله بقوة كجهاد الكفار وردع الطغاة وكف الظلمة وغيره أعظم غناء من تولي الاذان إذ لا مشقة فيه والأصوب أن يعتقد أن الآية نزلت عامة. قال زيد بن علي المعنى: دعا إلى الله بالسيف. وقرأ الجمهور: «إنني» بنونين. وقرأ ابن أبي عبلة: «إني» بنون واحدة. وقال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا في أصحاب ابن مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أكملت الآذان فقل: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثم تلا هذه الآية. ثم وعظ تعالى نبيه ﵇ ونبهه على أحسن مخاطبة، فقرر أن الحسنة والسيئة لا تستوي، أي فالحسنة أفضل، وكرر في قوله: وَلَا السَّيِّئَةُ تأكيدا ليدل على أن المراد: ولا تستوي الحسنة والسيئة ولا السيئة والحسنة، فحذف اختصارا ودلت لا على هذا الحذف. وقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم، والمعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع الناس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن السير والفعلات، فمن ذلك بذل السلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء والاقتضاء وغير ذلك. قال ابن عباس: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه الله من الشيطان وخضع له عدوه، وفسر مجاهد وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، ولا شك أن السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن وهو جزء منه، ثم قال تعالى: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فدخل كاف التشبيه لأن الذي عنده عداوة لا يعود وليا حميما، وإنما يحسن ظاهره فيشبه بذلك الولي الحميم. والحميم: هو القريب الذي يحتمّ للإنسان. والضمير في قوله: يُلَقَّاها عائد على هذه الخلق التي يتضمنها قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وقالت فرقة: المراد: وما يلقى لا إله إلا الله، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا مدح بليغ للصبر، وذلك بينّ للمتأمل، لأن الصبر للطاعات وعن الشهوات جامع لخصال الخير كلها. والحظ العظيم: يحتمل أن يريد من العقل والفضل، فتكون الآية مدحا. وروي أن رجلا شتم أبا بكر الصديق بحضرة النبي ﷺ فسكت أبو بكر ساعة، ثم جاش به الغضب فرد على الرجل، فقام النبي ﵇ فاتبعه أبو بكر وقال: يا رسول الله قمت حين انتصرت، فقال إنه كان يرد عنك ملك، فلما قربت تنتصر، ذهب الملك وجاء الشيطان، فما كنت لأجالسه، ويحتمل أن يريد: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الجنة وثواب الآخرة، فتكون الآية وعدا، وبالجنة فسر فتادة الحظ هنا. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٦ الى ٣٩] وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)

стр. 2264

إِمَّا شرط، وجواب الشرط قوله: فَاسْتَعِذْ. والنزغ: فعل الشيطان في قلب أو يد من إلقاء غضب وحقد أو بطش في اليد، فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد، قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] ، ومن البطش قول النبي ﵇: «لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار» . وندب تعالى في هذه الآية المتقدمة إلى مكارم الخلق في الدفع بالتي هي أحسن، ثم أثنى على من لقيها ووعده، وعلم أن خلقة البشر تغلب أحيانا وتثور بهم سورة الغضب ونزغ الشيطان فدلهم على مذهب ذلك وهي الاستعاذة به . ثم عدد آياته لتعبر فيها من صدق عن التوحيد بذكر اللَّيْلُ وَالنَّهارُ، وذكرهما يتضمن ما فيهما من القصر والطول والتداخل والاستواء في مواضع وسائر عبرهما، وكذلك الشمس والقمر متضمن عجائبهما وحكمة الله فيهما ونفعه عباده بهما. ثم قال تعالى: لا تَسْجُدُوا لهذه المخلوقات وإن كانت تنفعكم، لأن النفع منهما إنما هو بتسخير الله إياهما، فهو الذي ينبغي أن يسجد له. والضمير في: خَلَقَهُنَّ قالت فرقة: هو عائد على الأيام المتقدم ذكرها. وقالت فرقة: الضمير عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وجمع ما لا يعقل يؤنث، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ. قال القاضي أبو محمد: ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام، ساغ أن يعود الضمير مجموعا. وقالت فرقة: هو عائد على الأربعة المذكورة، وشأن ضمير ما لا يعقل إذا كان العدد أقل من العشرة أن يجيء هكذا، فإذا زاد أفرد مؤنثا، تقول الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ومنه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ [التوبة: ٣٦] ، ومنه قول حسان بن ثابت: وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وقال السموأل: [الطويل] ولا عيب فينا غير أن سيوفنا ... بها من قراع الدارعين فلول وهذا كثير مهيع وإن كان الأمر يوجد متداخلا بعضه على بعض، ثم خاطب تعالى بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم، وأن الله تعالى غير محتاج إلى عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا الآية.

стр. 2265

وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون. و: عِنْدَ في هذه الآية ليست بظرف مكان وإنما هي بمعنى المنزلة والقربة، كما تقول زيد عند الملك جليل وفي نفسه رفيع. ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم كالنفس لابن آدم. و: يَسْأَمُونَ معناه: يميلون ثم ذكر تعالى آية منصوبة ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدل بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد بعد من تلك، وهي آية يراها عيانا كل مفطور على عقل. وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشعث بالجدب وصليم السموم فهي عابسة كما الخاشع عابس يكاد يبكي، والماء المنزل: هو المطر، واهتزاز الأرض: هو تخلخل أجزائها بالماء وتشققها للنبات. وربوها: هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به. وقرأ الجمهور: «وربت» . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «وربأت» : بألف مهموزة، ورواها الرؤاسي عن أبي عمرو، وهو أيضا بمعنى: علت وارتفعت، ومنه الربيئة، وهو الذي يرتفع حتى يرصد للقوم ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية والعبرة، وذلك إحياء الموتى. وقوله تعالى: إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عموم، والشيء في اللغة: الموجود. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٠ الى ٤٣] إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) هذه آية وعيد. والإلحاد: الميل، وهو هاهنا عن الحق، ومن الإلحاد: لحد الميت، لأنه في جانب، يقال لحد الرجل وألحد بمعنى. وقرأ الجمهور: «يلحدون» بضم الياء من ألحد. وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش: «يلحدون» بفتح الياء والحاء من لحد. واختلف المفسرون في الإلحاد الذي أشير إليه ما هو؟ فقال قتادة وغيره: الإلحاد بالتكذيب. وقال مجاهد وغيره: الإلحاد بالمكاء والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه. وقال ابن عباس: إلحادهم هو أن يوضع الكلام غير موضعه، ولفظة الإلحاد تعم هذا كله. وقوله: لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أي فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، ثم قرر على هذين القسمين أنهما خير، وهذا التقرير هم المراد به، أي فقل لهم يا محمد أَفَمَنْ. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل وعثمان بن عفان، وقيل في عمار بن ياسر، وحسن التفضيل هنا بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة وإن كانا لا يشتركان في صفة الخير من حيث كان الكلام تقريرا لا مجرد خبر، لأن المقرر قد يقرر خصمه

стр. 2266

على قسمين: أحدهما بين الفساد حتى يرى جوابه، فعساه يقع في الفاسد المعنى فيبين جهله، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى، ولا يتجه هنا أن يقال خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] فتأمله. وقوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ودليل الوعيد ومبينه قوله: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ. يريد قريشا. و «الذكر» : القرآن بإجماع. واختلف الناس في الخبر عنهم أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا في مجلسه وقال: لم أجد لها نفاذا، فقال له أبو عمرو بن العلاء: إنه منك لقريب أُولئِكَ يُنادَوْنَ [فصلت: ٤٤] . ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وإن هنالك قوما قد ذكروا بحسن رد قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ [فصلت: ٤٤] عليهم. وقالت فرقة: الخبر مضمر تقديره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ هلكوا أو ضلوا. وقال بعض نحويي الكوفة الجواب في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ حكى ذلك الطبري، وهو ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو معناه في التفسير: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ كفروا به وَإِنَّهُ لَكِتابٌ، فقال عيسى بن عمر: أجدت يا أبا عثمان. قال القاضي أبو محمد: والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد حَكِيمٍ حَمِيدٍ وهو أشد إظهارا لمذمة الكفار به، وذلك أن قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول: تخالف زيدا وهو العالم الودود الذي من شأنه ومن أمره، فهذه كلها أوصاف. ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، قال ابن عباس: معناه كريم على الله تعالى، قال مقاتل: منيع من الشيطان. قال السدي: غير مخلوق. وقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ قال قتادة والسدي: يريد الشيطان، وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا. وقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ معناه ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئا منه. وقوله: وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء منه، والمراد باللفظ على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله: تَنْزِيلٌ خبر ابتداء، أي هو تنزيل. وقوله: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تسلية للنبي ﵇ عن مقالات قومه، أي ما تلقى يا محمد من المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة إلا ما قد قيل ولقي به من تقدمك من الرسل، فلتتأسّ بهم ولتمض لأمر الله ولا يهمنك شأنهم. والمعنى

стр. 2267

الثاني: أن تكون الآية تخليصا لمعاني الشرع، أي ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسر ذلك الذي قيل لجميعهم وهو إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للطائعين وَذُو عِقابٍ للكافرين. وفي هذه الكلمات جماع النهي والزجر الموعظة، وإليها يرجع كل نظر. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٤ الى ٤٦] وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) الأعجمي: هو الذي لا يفصح عربيا كان أو غير عربي، والعجمي: الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح، وهذه الآية نزلت بسبب تخليط كان من قريش في أقوالهم من أجل الحروف التي وقعت في القرآن، وهي مما عرّب من كلام العجم: كالسجين والإستبرق ونحوه، فقال : ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا لا يبين لقالوا واعترضوا لولا بينت آياته. واختلف القراء في قوله: أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ فقراءة الجمهور على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: «أأعجمي» بهمزتين، وكأنهم كانوا ينكرون ذلك فيقولون: لولا بين أأعجمي وعربي مختلط هذا لا يحسن، وتأول ابن جبير أن معنى قولهم: أتجيئنا عجمة ونحن عرب؟ ما لنا وللعجمة؟ وقرأ الحسن البصري وأبو الأسود والجحدري وسلام والضحاك وابن عباس وابن عامر بخلاف عنهما: «أعجمي وعربي» دون استفهام وبسكون العين، كأنهم قالوا عجمة وإعراب، إن هذا لشاذ، أو كأنهم قالوا لولا فصل فصلين، فكان بعضه أعجميا يفهمه العجم، وبعضه عربيا يفهمه العرب، وهذا تأويل لابن جبير أيضا. وقرأ عمرو بن ميمون: «أعجمي» بهمزة واحدة دون مد وبفتح العين، فأخبر الله تعالى عنهم أنه لو كان على أي وجه تخيل لكان لهم قول واعتراض فاسد، هذا مقصد الكلام. وأمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يقول لهم: إن القرآن هُدىً وَشِفاءٌ للمؤمنين المبصرين للحقائق، وأنه على الذين لا يؤمنون ولا يصرفون نظرهم وحواسهم في المصنوعات عمي، لأنهم فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وعلى قلوبهم أقفال وعلى أعينهم غشاوة. واختلف الناس في قوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ فقالت فرقة: يريد ب هُوَ القرآن. وقالت فرقة: وَهُوَ يريد به الوقر. والوقر: الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات، أي هم لما لم يفهموا ولا حصلوا كالأعمى وصاحب الوقر.

стр. 2268

وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاصي: «وهو عليهم عم» بكسر الميم وتنوينه. وقال يعقوب: لا أدري أنونوا أم فتحوا الياء على الفعل الماضي؟ وبغير ياء رواها عمرو بن دينار وسليمان بن قتة عن ابن عباس. وهذه القراءة أيضا فيها استعارة، وكذلك قوله تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ يحتمل معنيين، وكلاهما مفعول للمفسرين: أحدهما أنها استعارة لقلة فهمهم، شبههم بالرجل ينادى على بعد يسمع منه الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، وهذا تأويل مجاهد، والآخر أن الكلام على الحقيقة وأن معناه أنهم يوم القيامة ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد حتى يسمع ذلك أهل الموقف، فتعظم السمعة عليهم ويحل المصاب، وهذا تأويل الضحاك بن مزاحم. ثم ضرب تعالى أمر موسى مثلا للنبي ﵇ ولقريش، أي فعل أولئك كأفعال هؤلاء حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء، والكلمة السابقة هي: حتم الله تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قولهم: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أن يعود على موسى أو على كتابه. وقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً الآية نصيحة بينة للعالم وتحذير وترجية وصدع بين الله تعالى لا يجعل شيئا من عقوبات عبيده في غير موضعها، بل هو العادل المتفضل الذي يجازي كل عبد بتكسبه. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٧ الى ٥٠] إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) المعنى: أن وقت علم الساعة ومجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى الله . وذكر تعالى الثمار وخروجها من الأكمام وحمل الإناث مثالا لجميع الأشياء، إذ كل شيء خفي فهو في حكم هذين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وطلحة والأعمش: «من ثمرة» بالإفراد على أنه اسم جنس. وقرأ نافع وابن عامر: «ثمرات» بالجمع، واختلف عن عاصم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج والحسن بخلاف، وفي مصحف عبد الله: «في ثمرة من أكمامها» . والأكمام: جمع كم، وهو غلاف التمر قبل ظهوره. وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ تقديره: واذكر يوم يناديهم والضمير في: يُنادِيهِمْ ظاهره والأسبق فيه أنه يريد به الكفار عبدة الأوثان. ويحتمل أن يريد به كل من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا

стр. 2269

ضعف، وإنما الضمير في قوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ فلا احتمال لعودته إلا على الكفار. و: آذَنَّاكَ قال ابن عباس وغيره معناه: أعلمناك ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ولا من يشهد بأن لك شريكا. وَضَلَّ عَنْهُمْ أي نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا ويدعون من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وَضَلَّ عَنْهُمْ الأصنام، أي تلفت لهم فلم يجدوا منها نصرا وتلاشى لهم أمرها. وقوله: وَظَنُّوا يحتمل أن يكون متصلا بما قبله ويكون الوقف عليه، ويكون قوله: ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استئناف نفي أن يكون لهم منجى أو موضع روغان، يقول: حاص الرجل: إذا راغ يطلب النجاة من شيء، ومنه الحديث: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي ظنوا أن هذه المقالة: ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ويحتمل أن يكون الوقف في قوله: مِنْ قَبْلُ، ويكون: وَظَنُّوا متصلا بقوله: ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين وبه فسر السدي، وهذه عبارة يطلقها أهل اللسان على الظن، ولست تجد ذلك إلا فيما علم علما قويا وتقرر في النفس ولم يتلبس به بعد، وإلا فمتى تلبس بالشيء وحصل تحت إدراك الحواس فلست تجدهم يوقعون عليه لفظة الظن. وقوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ آيات نزلت في كفار قريش، قيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في كفار وإن كان أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيه بعض المؤمنين. و: دُعاءِ الْخَيْرِ إضافته المصدر إلى المفعول، والفاعل محذوف تقديره: من دعاء الخير هو. وفي مصحف ابن مسعود: «من دعاء بالخير» . والْخَيْرِ في هذه الآية: المال والصحة، وبذلك تليق الآية بالكافر، وإن قدرناه خير الآخرة فهي للمؤمن، وأما اليأس والقنط على الإطلاق فمن صفة الكافر وحده. وقوله تعالى: لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي بعلمي وبما سعيت، ولا يرى أن النعم إنما هي بتفضل من الله تعالى: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً قول بيّن فيه الجحد والكفر. ثم يقول هذا الكافر، ولئن كان ثم رجوع كما تقولون، لتكونن لي حال ترضيني من غنى ومال وبنين، فتوعدهم الله تعالى بأنه سيعرفهم بأعمالهم الخبيثة مع إذاقتهم العذاب عليها، فهذا عذاب وخزي. وغلظ العذاب شدته وصعوبته. وقال الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁: للكافر أمنيتان، أما في دنياه فهذه: إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى. وأما في آخرته: فا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [النبأ: ٤٠] . قال القاضي أبو محمد: والأماني على الله تعالى وترك الجد في الطاعة مذموم لكل أحد، فقد قال ﵇: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. قوله : [سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥١ الى ٥٤] وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)

стр. 2270

ذكر الله تعالى الخلق الذميمة من الإنسان جملة، وهي في الكفار بينه متمكنة، وأما المؤمن في الأغلب فيشكر عند النعمة، وكثيرا ما يصبر عند الشدة. وقرأ جمهور والناس: «ونأى بجانبه» الهمزة عين الفعل. وقرأ ابن عامر: «وناء» الهمزة لام الفعل، وهي قراءة أبي جعفر، والمعنى فيهما واحد. قال أبو علي: ناء قلب ابن آدم فعل فلع، ومنه قول الشاعر [كثير] : [الطويل] وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد ومنه قول الآخر: [الطويل] وقد شاءني أهل السباق وأمعنوا وَنَأى معناه: بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. وقوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أي طويل أيضا، فاستغنى بالصفة الواحدة عن لزيمتها، إذ العرض يقتضي الطول ويتضمنه، ولم يقل طويل، لأن الطويل قد لا يكون عريضا، ف عَرِيضٍ أدل على الكثرة. ثم أمر تعالى نبيه أن يقف قريشا على هذا الاحتجاج وموضع تغريرهم بأنفسهم فقال: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ هذا الشرع مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبأمره وخالفتموه أنتم، ألستم على هلكة من قبل الله تعالى، فمن أضل ممن يبقى على مثل هذا الغرر مع الله، وهذا هو الشقاق، ثم وعد تعالى نبيه ﵇ بأنه سيري الكفار آياته. واختلف المتأولون في معنى قوله: فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فقال المنهال والسدي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله تعالى على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض كخيبر ونحوها. وَفِي أَنْفُسِهِمْ أراد به فتح مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن ينتظم الإعلام بغيب ظهر وجوده بعد كذلك ويجري معه لفظ الاستئناف الذي في الفعل. وقال الضحاك وقتادة: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما وَفِي أَنْفُسِهِمْ يوم بدر، وقال ابن زيد وعطاء: الْآفاقِ: آفاق السماء. وأراد: الآيات: في الشمس والقمر والرياح وغير ذلك. وَفِي أَنْفُسِهِمْ عبرة الإنسان بجسمه وحواسه وغريب خلقته وتدريجه في البطن ونحو ذلك، وهذه آيات قد كانت مرئية، فليس هذا المعنى يجري مع قوله: «سنري» والتأويل الأول أرجحها، والله أعلم. والضمير في قوله تعالى: أَنَّهُ الْحَقُّ عائد على الشرع والقرآن، فبإظهار الله إياه وفتح البلاد عليه تبين لهم أنه الحق.

стр. 2271

ثم قال تعالى وعدا لنبيه ﵇: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ والتقدير: أو لم يكف ربك، والباء زائدة للتأكيد، وأنه يحتمل أن يكون في موضع رفع على البدل من الموضع، إذ التقدير: أو لم يكف ربك، ويحتمل أن يكون في موضع خفض على البدل من اللفظ، وهذا كله بدل الاشتمال، ويصح أن يكون في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد. وقرأ الجمهور: «أنه» بفتح الألف، وقرأ بعض الناس «إنه» بكسرها على الاعتراض أثناء القول. وقوله: أَلا استفتاح يقتضي إقبال السامع على ما يقال له، فاستفتح الإخبار على أنهم في شك وريب وضلال أداهم إلى الشك في البعث. وقرأ جمهور الناس: «في مرية» بكسر الميم. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن: «في مرية» بضم الميم، والمعنى واحد، ثم استفتح الإخبار بإحاطته بكل شيء على معنى الوعيد لهم، وإحاطته تعالى هي بالقدرة والسلطان، لا إله إلا هو، العزيز الحكيم. نجز تفسير سورة حم السجدة، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2272

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الشّورى هذه السورة مكية بإجماع من أكثر المفسرين، وقال قتادة: فيها مدني: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: ٢٣] إلى: الصُّدُورِ [الشورى: ٢٤] وقوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ [الشورى: ٣٩] إلى قوله: مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] . وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: إن حم عسق هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله تعالى المنزلة على كل نبي أنزل عليه الكتاب، ولذلك قال تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) فصلت: حم من: عسق، ولم يفعل ذلك ب كهيعص [مريم: ١] لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها. وقرأ الجمهور: «حم عسق» . وقرأ ابن مسعود وابن عباس: «حم سق» بسقوط عين، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وروى حذيفة في هذا حديثا مضمنه: أنه سيكون في هذه الأمة مدينتان يشقهما نهر بالمشرق، تهلك إحداهما ليلا ثم تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من الليلة القابلة، وأن حم معناه: حم هذه الأمر. وعين: معناه عدلا من الله. وسين: سيكون ذلك. وقاف: معناه يقع ذلك بهم. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الأحرف التي في أوائل السور. والكاف في قوله: كَذلِكَ نعت لمصدر محذوف، والإشارة بذلك تختلف بحسب الأقوال في الحروف. وقرأ جمهور القراء: «يوحي» بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي جعفر والجحدري وعيسى وطلحة والأعمش. وقرأ أبو حيوة والأعشى عن أبي بكر عن عاصم: «نوحي» : بنون العظمة، ويكون قوله: اللَّهُ ابتداء وخبره: الْعَزِيزُ ويحتمل أن يكون خبره: لَهُ ما فِي

стр. 2273

السَّماواتِ . وقرأ ابن كثير وحده: «يوحى» بالياء وفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، وهي قراءة مجاهد، والتقدير: يوحى إليك القرآن يوحيه الله، وكما قال الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة ومه قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ [النور: ٣٦] . وقوله تعالى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يريد من الأنبياء الذين نزلت عليهم الكتب. وقوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ أي الملك والخلق والاختراع. و: الْعَلِيُّ من علو القدر والسلطان. و: الْعَظِيمُ كذلك، وليس بعلو مسافة ولا عظم جرم، تعالى الله عن ذلك وقرأ نافع والكسائي: «يكاد» بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة وأبو عمرو وعاصم: «تكاد» بالتاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي ونافع وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وقتادة: «يتفطرون» من التفطر، وهو مطاوع فطرت. وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن والأعرج وأبو رجاء والجحدري: «ينفطرون» من الإفطار وهو مطاوع فطر، والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن من سرعة جريهن خضوعا وخشية من سلطان الله تعالى وتعظيما له وطاعة، وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه مردود، لأن الله تعالى لا يوصف به. وقوله: مِنْ فَوْقِهِنَّ أي من أعلاهن. وقال الأخفش علي بن سليمان: الضمير للكفار. قال القاضي أبو محمد: المعنى من فوق الفرق والجماعات الملحدة التي من أجل أقوالها تكاد السماوات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالآية التي في: كهيعص [مريم: ١] . وقالت فرقة معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ذكر الأرض، وذكر الزجاج أنه قرىء «يتفطرن ممن فوقهن» . وقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قيل معناه: يقولون سبحان الله، وقيل معناه: يصلون لربهم. وقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قالت فرقة: هذا منسوخ بقوله تعالى: في آية أخرى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الإخبار لا يتصور. وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص في المؤمن، فكأنه قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين، إذ الكفار عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقالت فرقة: بل هي على عمومها، لكن استغفار الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة، وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وكأن الملائكة تقول: اللهم اهد أهل الأرض واغفر لهم. ويؤيد هذا التأويل تأكيده صفة الغفران والرحمة لنفسه بالاستفتاح، وذلك قوله: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي لما كان الاستغفار لجميع من في الأرض يبعد أن يجاب، رجا بأن استفتح الكلام تهيئة لنفس السامع فقال: أَلا إِنَّ اللَّهَ هو الذي يطلب هذا منه، إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة: قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٦ الى ٩] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)

стр. 2274

هذه آية تسلية للنبي ﷺ ووعيد للكفار وإزالة عن النبي ﷺ جميع الكلف سوى التبليغ فقط، لئلا يهتم بعدم إيمان قريش وغيرهم، فقال تعالى لنبيه: إن الذين اتخذوا الأصنام والأوثان أولياء من دون الله، الله هو الحفيظ عليهم كفرهم، المحصي لأعمالهم، المجازي لهم عليها بعذاب الآخرة، وأنت فلست بوكيل عليهم ولا ملازم لأمرهم حتى يؤمنوا. والوكيل: المقيم على الأمر، وما في هذا اللفظ من موادعة فهو منسوخ بآية السيف، ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي وكما قضينا أمرك هكذا وأمضيناه في هذه الصورة، كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا مبينا لهم، لا يحتاجون معه إلى آخر سواه ولا محتج غيره، إذ فهمه متأت لهم ولم يكلفك إلا إنذارا من ذكر. و: أُمَّ الْقُرى مكة، والمراد أهل مكة، ولذلك عطف مَنْ، وهي في الأغلب لمن يعقل. و: يَوْمَ الْجَمْعِ هو يوم القيامة، واقتصر في تُنْذِرَ على المفعول الأول، لأن المعنى: وتنذر أهل أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع، أي تخوفهم إياه لما فيه من عذاب من كفر، وسمي يَوْمَ الْجَمْعِ لاجتماع أهل الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني آدم للعرض. وقوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي في نفسه وذاته، وارتياب الكفار به: لا يعتد به. وقوله: فَرِيقٌ مرتفع على خبر الابتداء المضمر، كأنه قال: هم فريق في الجنة، وفريق في السعير. ثم قوى تعالى تسلية نبيه ﵇ بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من إيمانهم أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة لجمعهم عليه، ولكنه يدخل من سبقت له السعادة عنده في رحمته، وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر الميسرين لعمل الشقوة ما لهم من وليّ ولا نصير. وقوله: أَمِ اتَّخَذُوا كلام منقطع مما قبله، وليست معادلة، ولكن الكلام: كأنه أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة فقال: «بل اتخذوا» هذا مشهور قول النحويين في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن أَمِ هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه هو الولي الذي تنفع ولايته، وأنه هو الذي يحيي الموتى ويحشرهم إلى الآخرة ويبعثهم من قبورهم، وأن قدرته على كل شيء تعطي هذا وتقتضيه. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٠ الى ١٢] وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)

стр. 2275

المعنى: قل لهم يا محمد: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيها الناس من تكذيب وتصديق وإيمان وكفر وغير ذلك، فالحكم فيه والمجازاة عليه ليست إلي ولا بيدي، وإنما ذلك إِلَى اللَّهِ الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء، ثم قال: ذلكم الله ربي وعليه توكلي وإليه إنابتي ورجوعي، وهو فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي مخترعها وخالقها شق بعضها من بعض. وقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يريد: زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع الأنعام، فالظاهر أيضا والمتسق: أنه يريد: إناث الذكران، ويحتمل أن يريد الأنواع، والأول أظهر. وقوله: يَذْرَؤُكُمْ أي يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن، قاله مجاهد والناس، فلفظة ذرأ: تزيد على لفظة: خلق معنى آخر ليس في خلق، وهو توالي الطبقات على مر الزمان. وقوله: فِيهِ الضمير عائد على الجعل الذي يتضمنه قوله: جَعَلَ لَكُمْ، وهذا كما تقول: كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه. وقال القتبي: الضمير للتزويج، ولفظة: «في» مشتركة على معان، وإن كان أصلها الوعاء وإليه يردها النظر في كل وجه. وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف مؤكدة للتشبيه، فبقي التشبيه أوكد ما يكون، وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، ومن هذا قول أوس بن حجر: [المتقارب] وقتلى كمثل جذوع النخي ... ل يغشاهم سيل منهمر ومنه قول الآخر: [البسيط] سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم ... ما إن كمثلهم في الناس من أحد فجرت الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وتفترق الآية مع هذه الشواهد متى أردت أن تتبع بذهنك هذا اللفظ فتقدر للجزوع مثلا موجودا وتشبه القتل بذلك المثل أمكنك أو لا يمكنك هذا في جهة الله تعالى إلا أن تجعل المثل ما يتحصل في الذهن من العلم بالله تعالى، إذ المثل والمثال واحد، وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى: ليس كهو شيء. وقالوا لفظة مثل في الآية توكيد أو واقعة موقع هو. قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد دخول الكاف تأكيدا أنها قد تدخل على الكاف نفسها، وأنشد سيبويه: وصاليات ككما يؤثفين

стр. 2276

والمقاليد: المفاتيح، قاله ابن عباس والحسن، وقال مجاهد: أصلها بالفارسية، وهي هاهنا استعارة لوقع كل أمر تحت قدرته. وقال السدي: المقاليد: الخزائن، وفي العبارة على هذا حذف مضاف، قال قتادة: من ملك مقالد خزائن، فالخزائن في ملكه، وبسط الرزق وقدره بيّن، وقد مضى تفسيره. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٣ الى ١٤] شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) المعنى: شَرَعَ لَكُمْ وبين من المعتقدات والتوحيد ما وَصَّى بِهِ نُوحاً قبل. وقوله: وَالَّذِي عطف على ما، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة الدين مشروع اتفقت النبوات فيه، وذلك في المعتقدات أو في جملة أمرها من أن كل نبوة فإنما مضمنها معتقدات وأحكام، فيجيء المعنى على هذا: شرع لكم شرعة هي كشرعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ في أنها ذات المعتقدات المشهورة التي هي في كل نبوءة وذات أحكام كما كانت تلك كلها، وعلى هذا يتخرج ما حكاه الطبري عن قتادة قال: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً يريد الحلال والحرام، وعليه روي أن نوحا أول من أتى بتحريم البنات والأمهات. وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة، وهي المراد في قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] وأَنْ في قوله: أَنْ أَقِيمُوا يجوز أن تكون في موضع نصب بدلا من ما، ويجوز في موضع خفض بدلا من الضمير في بِهِ، وفي موضع رفع على خبر ابتداء تقديره: ذلك أن، وأَنْ تكون مفسرة بمعنى: أي، لا موضع لها من الإعراب، وإقامة الدين هو توحيد الله تعالى ورفض سواه. وقوله: وَلا تَفَرَّقُوا نهي عن المهلك من تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله في الإلفة واجتماع الكلمة. ثم أخبر تعالى نبيه بصعوبة موقع هذه الدعوة إلى إقامة الدين على المشركين بالله العابدين الأصنام. قال قتادة: كبّرت عليهم: لا إله إلا الله، وأبى الله إلا نصرها، ثم سلاه عنهم بقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي أي يختار ويصطفي، قاله مجاهد وغيره: و: يُنِيبُ معناه يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه. وقوله: وَلا تَتَفَرَّقُوا عبارة يجمع خطابها كفار العرب واليهود والنصارى وكل مدعو إلى الإسلام، فلذلك حسن أن يقال: ما تفرقوا، يعني بذلك أوائل اليهود والنصارى. والعلم الذي جاءهم: هو

стр. 2277

ما كان حصل في نفوسهم من علم كتب الله تعالى فبغى بعضهم على بعض، أداهم ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة والكلمة السابقة: قال المفسرون: هي حتمه تعالى القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، فلولا ذلك لفصل بينهم في الدنيا وغلب المحق على المبطل. وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ إشارة إلى معاصري محمد ﷺ من اليهود والنصارى، وقيل هي إشارة إلى العرب. والْكِتابَ: هو القرآن. والضمير في قوله: لَفِي شَكٍّ يحتمل أن يعود على الْكِتابَ، أو على محمد، أو على الأجل المسمى، أي في شك من البعث على قول من رأى الإشارة إلى العرب، ووصف الشك ب مُرِيبٍ مبالغة فيه. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٥ الى ١٦] فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللام في قوله: فَلِذلِكَ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فَادْعُ، وقالت فرقة: بل هي بمعنى من أجل كأنه قال: فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا فَادْعُ أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به. وخوطب ﵇ بأمر الاستقامة، وقد كان مستقيما، بمعنى: دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي ﷺ ، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] لإنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال ﵇: شيبتني هود وأخواتها، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: لأن فيها فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] وهذا الخطاب له ﵇ بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا. وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني قريشا فيما كانوا يهوونه من أن يعظم آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته. وقوله تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قالت فرقة: اللام في لِأَعْدِلَ يمعنى: أن، التقدير: بأن أعدل بينكم. وقالت فرقة المعنى: وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر عليه. وقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة بآية السيف.

стр. 2278

وقوله: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم تعاندون، وفي قوله تعالى: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وعيد. وقوله: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبدا تحاول هذا المعنى وتطمع في رد الجاهلية و: يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ معناه في توحيد الله، أي يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبه، والضمير في: لَهُ يحتمل أن يعود على اللَّهِ تعالى، أي بعد ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد ﵇. و: داحِضَةٌ معناه: زاهقة. والدحض: الزلق، وباقي الآية بيّن. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٧ الى ٢٠] اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس. و: الْكِتابَ هنا اسم جنس يعم جميع الكتب المنزلة. وقوله: بِالْحَقِّ يحتمل أن يكون المعنى بأن كان ذلك حقا واجبا للمصلحة والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمنا الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره. والْمِيزانَ هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس. وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس. قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء. وقوله: وَما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم وجاء لفظ: قَرِيبٌ مذكرا من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت. ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل مقيم لحجته على تكذيبه بذلك

стр. 2279

المستعجل به. ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة لنفس السامع، ثم رجى ﵎ عباده بقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، و: لَطِيفٌ هنا بمعنى: رفيق متحف، والعباد هنا: المؤمنون ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو إملاء واستدراج. وقال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما جحدوه، وقيل: لَطِيفٌ معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب. وقيل هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله. وقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ معناه: إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر نفسه. والحرث في هذه الآية: عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. ولما كان حرث الأرض أصلا من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن عمر: احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وقوله تعالى: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وعد منتجز. وقوله في: حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها معناه: ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة. وقرأ سلام: «نؤته» برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [القصص: ٨١] برفع الهاء فيهما. قوله : [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢١ الى ٢٣] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام. والشركاء في هذه الآية: يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في لَهُمْ للكفار المعاصرين لمحمد ﷺ ، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك هاهنا هو في الكفر

стр. 2280

والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد ب «الشركاء» : الأصنام والأوثان على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير: في: شَرَعُوا لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم. والضمير في: لَهُمْ للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و: شَرَعُوا معناه: أثبتوا ونهجوا ورسموا. والدِّينِ هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضا المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعا، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر. وكَلِمَةُ الْفَصْلِ: هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم: هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم. وقرأ جمهور الناس: «وإن الظالمين» بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. وقرأ مسلم بن جندب «وأن الظالمين» بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على: كَلِمَةُ المعنى: وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب. وقوله: تَرَى الظَّالِمِينَ هي رؤية بصر، والظَّالِمِينَ مفعول، و: مُشْفِقِينَ حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم. وقوله تعالى: وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ جملة في موضع الحال. والروضات: المواضع المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [البقرة: ٢٦٥] ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها. قال الطبري: ولا تقول العرب لموضع الأشجار رياض. وقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] . وقرأ جمهور الناس: «يبشّرهم» بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف. وقرأ مجاهد وحميد: «يبشر» بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة. قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة: «يبشر» بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير. وقال الجحدري في تفسيرها: ترى النضرة في الوجوه. وقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم. قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله ﷺ فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئا إلا أن
следующие страницы →