← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٣ الى ٤] وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) اختلف الناس في معنى قوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فقال قوم: المعنى وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ في الجاهلية، كأنه قال: والذين كان الظهار عادتهم ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام، وقاله القتبي وقال أهل الظاهر المعنى: والذين يظاهرون ثم يظاهرون ثم ثانية فلا يلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد الرجل الظهار، قاله منذر بن سعيد، وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وإن كان القشيري قد حكاه عن بكير بن عبد الله بن الأشج وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: «فتحرير رقبة لما قالوا» ، وهذا أيضا قول يفسد نظر الآية، وحكي عن الأخفش، لكنه غير قوي. وقال قتادة وطاوس ومالك والزهري وجماعة كثيرة من أهل العلم معنى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي للوطء فالمعنى ثم يعودون لما قالوا إنهم لا يعودون فإذا ظاهر الرجل ثم وطئ فحينئذ تلزمه الكفارة في ذمته وإن طلق أو ماتت امرأته. وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك أيضا وفريق يَعُودُونَ معناه: بالعوم على إمساك الزوجة ووطئها والتزام التكفير لذلك، فمتى وقع من المظاهر هذا العزم لزمت الكفارة ذمته، طلق أو ماتت المرأة. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان في مذهب مالك ﵀ وهما حسنان لزمت الكفارة فيهما بشرطين: ظهار وعود. واختلفا في العود ما هو؟ وقال الشافعي العود الموجب للكفارة: أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار ويمضي بعد الظهار ما يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق، والرقبة في الظهار لا تكون عند مالك إلا مؤمنة، رد هذا: إلى المقيد الذي في كفارة القتل الخطأ. واختلف والناس في قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فقال الحسن والثوري وجماعة من قبل الوطء، وجعلت المسيس هاهنا الوطء، فأباحت للمظاهر التقبيل والمضاجعة والاستمتاع بأعلى المرأة كالحائض. وقال جمهور أهل العلم قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا عام في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لمظاهر أن يطأ ولا يقبل ولا يلمس بيده، ولا يفعل شيئا من هذا النوع إلا بعد الكفارة، وهذا قول مالك ﵀. وقوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى التحرير أي فعل عظة لكم لتنتهوا عن الظهار، والتتابع في الشهرين صيامهما ولا بين أيامهما، وجائز أن يصومهما الرجل بالعدد، فيصوم ستين يوما تباعا، وجائز أن يصومهما

стр. 2522

بالأهلة، يبدأ مع الهلال ويفطر مع الهلال، وإن جاء أحد شهريه ناقصا، وذلك مجزئ عنه، وجائز إن بدأ صومه في وسط الشهر أن يبعض الشهر الأول فيصوم إلى الهلال ثم يصوم شهرا بالهلال ثم يتم الشهر الأول بالعدد. ولا خلاف أحفظه من أهل العلم أن الصائم في الظهار إن أفسد التتابع باختياره أنه يبتدأ صومها. واختلف الناس إذا أفسده لعذر غالب: كالمرض والنسيان ونحوه، فقال أصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه والنخعي وابن جبير والحكم بن عيينة والثوري: يبتدئ، وقال مالك والشافعي وغيره: يبني. وأجمعوا على الحائض وأنها تبني في صومها التتابع. وإطعام المساكين في الظهار هو بالمد الهاشمي عند مالك، وهو مد وثلث بمد النبي ﷺ ، وقيل مدان غير ثلث. وروى عنه ابن وهب أنه يطعم كل مسكين مدين بمد النبي ﵇ وفي العلماء من يرى إطعام الظهار مدا بمد النبي ﵇، ولا يجزئ في إطعام الظهار إلا إكمال عدد المساكين، ولا يجوز أن يطعم ثلاثين مرتين ولا ما أشبهه، والطعام عو غالب قوت البلد. قال مالك ﵀ وعطاء وغيره: إطعام المساكين أيضا هو قبل التماس حملا على العتق والصوم. وقال أبو حنيفة وجمهور من أهل العلم لم ينص الله على الشرط هنا، فنحن نلتزمه، فجاز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ويستمتع. وقوله: ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم، والإطعام ثم شدد تعالى بقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي فالتزموها وقفوا عندها، ثم توعد الكافرين بهذا الحديث والحكم الشرعي. قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) هذه الآيات نزلت في منافقين وقوم من اليهود كانوا في المدينة يتمرسون برسول الله ﷺ والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون عليهم ويتمنون فيهم المكروه ويتناجون بذلك، فنزلت هذه الآيات إلى آخر أمر النجوى فيهم، والمحادة: أن يعطي الإنسان صاحبه حد قوله أو سلاحه وسائر أفعاله. وقال قوم: هو أن يكون الإنسان في حد، وصاحبه في حد مخالف. و: كبت الرجل: إذا بقي خزيان يبصر ما يكره ولا يقدر على دفعه. وقال قوم منهم أبو عبيدة أصله كبدوا، أي أصابهم داء في أكبادهم، فأبدلت الدال تاء.

стр. 2523

قال القاضي أبو محمد: وهذا غير قوي. و: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ سابقوا الأمم الماضية الذين حادوا الرسل قديما. وقوله تعالى: وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يريد في هذا القرآن، فليس هؤلاء المنافقون بأعذر من المتقدمين. وقوله تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ العامل في: يَوْمَ قوله: مُهِينٌ، ويحتمل أن يكون فعلا مضمرا تقديره: اذكر. وقوله: وَنَسُوهُ نسيان على بابه، لأن الكافر لا يحفظ تفاصيل أعماله ولما أخبر تعالى أنه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقف محمد ﵇ توقيفا تشاركه فيه أمته. وقوله تعالى: مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ، يحتمل مِنْ نَجْوى أن يكون مصدرا مضافا إلى ثَلاثَةٍ، كأنه قال: من سرار ثلاثة، ويحتمل نَجْوى أن يكون المراد به جمعا من الناس مسمى بالمصدر كما قال في آية أخرى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الإسراء: ٤٧] أي أولو نجوى، فيكون قوله تعالى: ثَلاثَةٍ على هذا بدلا مِنْ نَجْوى وفي هذا نظر. وقوله تعالى: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ أي بعلمه وإحاطته ومقدرته. وقرأ جمهور الناس: «ما يكون» وقرأ أبو جعفر القارئ وأبو جيوة: «ما تكون» بالتاء منقوطة من فوق. وفي مصحف ابن مسعود: «ولا أربعة إلا الله خامسهم» ، وكذلك: «إلا الله رابعهم» ، و: «إلا الله سادسهم» . وقرأ جمهور القراء: «ولا أكثر» عطفا على اللفظ المخفوض، وقرأ الأعمش والحسن وابن أبي إسحاق: «ولا أكثر» بالرفع عطفا على الموضع، لأن التقدير ما يكون نجوى، ومن جعل النجوى مصدرا محضا قدر قبل أَدْنى فعلا تقديره: ولا يكون أدنى. وقرأ الخليل بن أحمد: «ولا أكبر» ، بالباء واحدة من تحت، وباقي الآية بين. قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : آية ٨] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول الله عن التناجي بحضرة المؤمنين وإظهار ما يستراب منه من ذلك فلم ينتهوا، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس نزلت في اليهود والمنافقين. وقرأ جمهور القراء والناس: «ويتناجون» على وزن يتفاعلون، وقرأ حمزة والأعمش وطلحة وابن وثاب «وينتجون» على وزن يفتعلون وهما بمعنى واحد كيقتتلون ويتقاتلون وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «وعصيان الرسول» .

стр. 2524

وقوله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ الآية، يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية السام عليك يا محمد، وذلك أنه روي أن اليهود كانت تأتي فتقول: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، وإياه كانوا يريدون، فكان رسول الله ﷺ يقول: «وعليكم» ، فسمعتهم عائشة يوما فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله: «مهلا يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش» ، قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت وعليكم» . ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن نلقى محمدا بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ولو كان نبيا لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود. قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٩ الى ١٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) وصى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بأن لا يكون لهم تناج في مكروه، وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة. وخص «الإثم» بالذكر لعمومه وَالْعُدْوانِ لعظمته في نفسه، إذ هي ظلامات العباد، وكذلك مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ذكرها طعنا على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك. وقرأ جمهور الناس: «فلا تتناجوا» على وزن تتفاعلوا، وقرأ ابن محيصن «تناجوا» بحذف التاء الواحدة. وقرأ بعض القراء: «فلا تّناجوا» بشد التاء لأنها أدغمت التاء في التاء، وقرأ الأعمش وأهل الكوفة: «فلا تنتجوا» على وزن تفتعلوا. والناس: على ضم العين من «العدوان» . وقرأها أبو حيوة بكسر العين حيث وقع. وقرأ الضحاك وغيره: «ومعصيات الرسول» على الجمع فيهما. ثم أمر بالتناجي بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى، وذكر بالحشر الذي معه الحساب ودخول أحد الدارين وقوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوى، ليست إِنَّمَا للحصر ولكنها لتأكيد الخبر. واختلف الناس في النَّجْوى التي هي مِنَ الشَّيْطانِ التي أخبر عنها في هذه الآية، فقال جماعة من المفسرين أراد: إِنَّمَا النَّجْوى في الإثم والعدوان ومعصية الرسول مِنَ الشَّيْطانِ، وقال قتادة وغيره: الإشارة إلى نجوى المنافقين واليهود، وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: الإشارة إلى نجوى قوم من المسلمين كانوا يقصدون مناجاة النبي ﵇، وليس لهم حاجة ولا ضرورة إلى ذلك، وإنما كانوا يريدون التبجح بذلك، وكان المسلمون يظنون أن تلك النجوى في أخبار بعد وقاصد أو نحوه. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يعضدهما ما يأتي من ألفاظ الآية، ولا يعضد القول الأول.

стр. 2525

وقال عطية العوفي في هذه الآية: نزلت في المنامات التي يراها المؤمن فتسوءه، وما يراه النائم فكأنه نجوى يناجى بها. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول أجنبي من المعنى الذي قبله والذي بعده. وقرأ نافع وأهل المدينة: «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي، والفعل مسند إلى الشَّيْطانِ، وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وغيرهم: «ليحزن» بفتح الياء وضم الزاي، تقول حزنت قلب الرجل: إذا جعلت فيه حزنا، فهو كقولك كحلت العين، وهو ضرب من التعدي، كأن المفعول ظرف. وقد ذكر سيبويه ﵀ هذا النوع من تعدي الأفعال، وقرأ بعض الناس: «ليحزن» بفتح الياء والزاي. و: الَّذِينَ على هذه القراءة رفع بإسناد الفعل إليهم، يقال حزن الرجل بكسر الزاي. ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدا إلا أن يكون ضر بإذن الله أي بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه ﵎: وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف، وللخوف اللاحق للقلوب في هذا قال رسول الله ﷺ : «لا يتناجى اثنان دون الثالث» . قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١١ الى ١٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) قرأ جمهور الناس: «تفسحوا» ، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند: «تفاسحوا» ، وقرأ جمهور القراء: «في المجلس» ، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى: «في المجالس» . واختلف الناس في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: نزلت في مقاعد الحرب والقتال. وقال زيد بن أسلم وقتادة: نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي ﷺ ، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكانا، فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل: أقام رسول الله ﷺ قوما ليجلس أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم» ، وقال بعض الناس: إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي ﷺ في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: «في المجلس» ، ومن قرأ «في المجالس» فذلك مراده أيضا لأن لكل أحد مجلسا في بيت النبي ﷺ وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم: السبب مجلس النبي ﵇، والحكم

стр. 2526

في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي ﷺ : «أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركبا في المجالس» ، وهذا قول مالك ﵀ وقال: ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ: «في المجالس» ، ومن قرأ: «في المجلس» فذلك على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه في حديث النبي ﷺ حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر مكانه، فأما القيام إجلالا فجائز بالحديث قوله ﵇ حين أقبل سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم» ، وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به لقوله ﵇: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . وقوله تعالى: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ معناه: في رحمته وجنته، وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا معناه: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه نشوز العظام أي نباتها، والنشز من الأرض المرتفع، واختلف الناس في هذا النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك معناه: إذا دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه: إذا دعوا إلى القيام عن النبي ﵇ لأنه كان أحيانا يحب الانفراد في آمر الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهدا بالنبي ﵇، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون معناه: انْشُزُوا في المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع الموضع، فيجيء انْشُزُوا في غرض واحد مع قوله تَفَسَّحُوا، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: «انشزوا» برفع الشين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة او الأعرج. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال: نشز ينشز كحشر يحشر ويحشر وعكف يعكف ويعكف. وقوله يَرْفَعِ اللَّهُ جواب الأمر، واختلف الناس في ترتيب قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ فقال جماعة من المتأولين المعنى: يَرْفَعِ اللَّهُ المؤمنين العلماء منكم دَرَجاتٍ، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بمنزلة قولك جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلا واحدا، وقال آخرون المعنى: يَرْفَعِ اللَّهُ المؤمنين والعلماء الصنفين جميعا دَرَجاتٍ لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاما للعلماء وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وتم القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع على هذا التأويل وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: فضل العلم أحب إلى من فضل العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى وحذر بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ الآية. روي عن ابن عباس وقتادة في سببها أن قوما من شباب المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي ﷺ في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان رسول الله ﷺ سمحا لا يرد أحدا فنزلت هذه الآية مشددة عليهم أمر المناجاة، وقال مقاتل: نزلت في الأغنياء لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي ﷺ . وقال جماعة من الرواة: لم يعمل بهذه الآية بل نسخت قبل العمل لكن استقر حكمها بالعزم عليه كأمر إبراهيم ﵇ في ذبح ابنه، وصح

стр. 2527

عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي ﷺ في أمر ضروري فصرفت دينارا بعشرة دراهم، ثم ناجيته عشر مرار أقدم في كل مرة درهما، وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار فقال علي ثم فهم رسول الله ﷺ أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي: كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة، أتراه دينارا؟، قلت: لا، قال نصف دينار، قلت: لا، قال فكم: قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد، فأنزل الله الرخصة. قال القاضي أبو محمد: يريد للواجد وأما من لا يجد فالرخصة له ثابتة أولا بقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وقال مقاتل: بقي هذا الحكم عشرة أيام، وقال قتادة: بقي ساعة من نهار، وقرأ جمهور من الناس: «صدقة» بالإفراد، وقرأ بعض القراء «صدقات» بالجمع. قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٣ الى ١٦] أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) الإشفاق: الفزع من العجز عن الشيء المتصدق به أو من ذهاب المال في الصدقة وله وجوه كثيرة يقال فيها الإشفاق، لكنه في هذا الموضع كما ذكرت، وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ معناه: رجع بكم، وقوله فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ الآية المعنى دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم ومن قال إن هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة، فقوله ضعيف لا يحصل كيف النسخ، وما ذكر في نحو هذا عن ابن عباس لا يصح عنه والله أعلم، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من اليهود وهم المغضوب عليهم، وقال الطبري: ما هُمْ يريد به المنافقين ومِنْكُمْ يريد به المؤمنين ومِنْهُمْ يريد به اليهود. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء: ١٤٣] ، ومع قوله ﵇: «مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين لأنه مع المؤمنين بقوله ومع الكافرين بقلبه» ، ولكن هذه الآية تحتمل تأويلا آخر وهو أن يكون قوله ما هُمْ يريد به اليهود، وقوله: وَلا مِنْهُمْ يريد به المنافقين فيجيء فعل المنافقين على هذا التأويل أحسن لأنهم تولوا قوما مغضوبا عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صوابا. وقوله يَحْلِفُونَ يعني المنافقين لأنهم كانوا إذا وقفوا على ما يأتون به من بغض النبي ﷺ وشتمه وموالاة عدوه حلفوا أنهم لا يفعلون ذلك واستسهلوا الحنث، ورويت من هذا نوازل كثيرة اختصرتها إيجازا وإذا تتبعت في المصنفات وجدت كقول ابن أبي لئن رجعنا إلى المدينة وحلفه على أنه لم يقل وغير

стр. 2528

ذلك، والعذاب الشديد هو عذاب الآخرة. وقرأ جمهور الناس: «أيمانهم» جمع يمين. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «إيمانهم» ، أي يظهرونه من الإيمان والجنة: ما يتستر به ويتقي المحذور، ومنه المجن: وهو الترس: وقوله فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يحتمل أن يكون الفعل غير متعد كما تقول صد زيد، أي صدوا هم أنفسهم عن سبيل الله والإيمان برسوله، ويحتمل أن يكون متعديا أي صدوا غيرهم من الناس عن الإيمان ممن اقتدى بهم وجرى في مضمارهم، ويحتمل أن يكون المعنى فَصَدُّوا المسلمين عن قتلهم، وتلك «سبيل اللَّهِ» فيهم لكن ما أظهروه من الإيمان صدوا به المسلمين عن ذلك، والمهين: المذل من الهوان. قوله : [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٧ الى ٢١] لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) روي أن المنافقين فخروا بكثرة أموالهم وأولادهم وأظهروا السرور بذلك، فنزلت الآية معلمة أن ذلك لا غناء له عنهم ولا مدفع بسببه. والعامل في قوله يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ، أَصْحابُ على تقدير فعل، وأخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية أنه ستكون لهم أيمان يوم القيامة وبين يدي الله يخيل إليهم بجهلهم أنها تنفعهم وتقبل منهم، وهذا هو حسابهم أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ، أي على فعل نافع لهم، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: قال النبي ﵇: «ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله، فتأتي القدرية مسودة وجوههم زرقة أعينهم، فيقولون والله ما عبدنا شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا اتخذنا من دونك وليا» ، قال ابن عباس: صدقوا والله ولكن أتاهم الإشراك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه الآية، وقوله تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ معناه: تملكهم من كل جهة وغلب على نفوسهم، وهذا الفعل مما استعمل على الأصل فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال: استحاذ، وحكى الفراء في كتاب اللغات أن عمر ﵁ قرأ: «استحاذ» . ويُحَادُّونَ معناه: يعطون الحد من الأفعال والأقوال، وقال بعض أهل المعاني: معناه يكونون في حد غير الحد الذي شرع الله تعالى، ثم قضى تعالى على محاده بالذل وأخبر أنه كتب فيما أمضاه من قضائه وقدره في الأزل أنه يغلب هو ورسله كل من حاد الله والرسل. وقرأ نافع وابن عامر: «ورسلي» بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها. وقال الحسن وغيره: ما أمر الله تعالى قط رسولا بالقتال إلا وغلبه، وظفره بقوته وعزته لا رب سواه، وقال غيره: ومن لم يؤمر بقتال فهو غالب بالحجة. قوله :

стр. 2529

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ٢٢] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) نفت هذه الآية أن يوجد من يؤمن بالله تعالى حق الإيمان ويلتزم شعبه على الكمال يواد كافرا أو منافقا. ومعنى يواد: يكون بينهما من اللطف بحيث يود كل واحد منهما صاحبه، وعلى هذا التأويل قال بعض الصحابة: اللهم لا تجعل لمشرك قبلي يدا فتكون سببا للمودة فإنك تقول وتلا هذه الآية، وتحتمل الآية أن يريد بها لا يوجد من يؤمن بالله والبعث يواد مَنْ حَادَّ اللَّهَ من حيث هو محاد لأنه حينئذ يود المحادة، وذلك يوجب أن لا يكون مؤمنا. ويروى أن هذه الآية نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة ومخاطبته أهل مكة، وظاهر هذه الآيات، أنها متصلة المعنى، وأن هذا في معنى الذم للمنافقين الموالين لليهود، وإذا قلنا إنها في أمر حاطب جاء ذلك أجنبيا في أمر المنافقين، وإن كان شبيها به، والإخوان هنا إخوة النسب، كما عرف الإخوة أنه في النسب، وقد يكون مستعملا في إيخاء الود، وكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ معناه: أثبته. وخلقه بالإيجاد، وذهب أبو على الفارسي وغيره من المعتزلة، إلى أن المعنى جعل في قلوبهم علامات تعرف الملائكة بها أنهم مؤمنون، وذلك لأنهم يرون العبد يخلق إيمانه، وقد صرح النقاش بهذا المذهب، وما أراه إلا قاله غير محصل لما قال. وأما أبو علي فعن بصيرته، وقرأ جمهور القراء «كتب» على بناء الفعل للفاعل، «والإيمان» بالنصب، وقرأ أبو حيوة وعاصم في رواية المفضل عنه «كتب» على بناء الفعل للمفعول، «والإيمان» بالرفع، وقوله أُولئِكَ إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية، لأن المعنى لكنك تجدهم لا يوادون من حاد الله، وقوله تعالى: بِرُوحٍ مِنْهُ معناه: بهدى ولطف ونور وتوفيق إلهي ينقدح من القرآن، وكلام النبي ﵇، وقيل: المعنى بالقرآن لأنه روح، قيل: المعنى بجبريل ﵇، والحزب الطريق الذي يجمعه مذهب واحد، والمفلح: الفائز ببغيته، وباقي الآية بين.

стр. 2530

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحشر هذه السورة مدنية باتفاق من أهل العلم، وهي سورة بني النضير، وذلك أن رسول الله كان عاهد بني النضير على سلم، وهم يرون أنه لا تردد له راية، فلما جرت هزيمة أحد ارتابوا وداخلوا قريشا وغدروا، فلما رجع النبي ﷺ من أحد تبين له معتقد بني النضير، وغدرهم بعهده، وموالاتهم للكفرة، فجمع إليهم وحاصرهم وعاهدهم على أن يجليهم عن أرضهم، فارتحلوا إلى بلاد مختلفة: خيبر والشام وغير ذلك من البلاد، ثم كان أمر بني قريظة مرجعه من الأحزاب. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) قد تقدم القول في تسبيح الجمادات التي يتناولها عموم ما في السماوات والأرض وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك. فقال قوم: ذلك على الحقيقة، وقال آخرون: ذلك مجاز أي آثار الصنعة فيها والإيجاد لها كالتسبيح وداعية إلى التسبيح ممن له أن يسبح، قال مكي سَبَّحَ معناه: صلى وسجد فهذا كله بمعنى الخضوع والطوع، والْعَزِيزُ الْحَكِيمُ صفتان مناسبتان لما يأتي بعد من قصة العدو الذي أخرجهم من ديارهم، والَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النضير، وكانت قبيلة عظيمة من بني إسرائيل موازية في القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان يقال للقبيلتين الكاهنان، لأنهما من ولد الكاهن بن هارون، وكانت أرضهم وحصونهم قريبة من المدينة، ولهم نخل وأموال عظيمة، فلما رجع رسول الله ﷺ من أحد خرج إلى بني النضير فحاصرهم وأجلاهم على أن يحملوا من أموالهم ما أقلته إبلهم حاشى الحلقة وهي جميع السلاح، فخرجوا إلى بلاد مختلفة فذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. وقوله تعالى: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ اختلف الناس في معنى ذلك بعد اتفاقهم على أن الْحَشْرِ: الجمع والتوجيه إلى ناحية ما. فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: أراد حشر القيامة أي هذا أوله، والقيام من القبور آخره، وروي أن النبي ﷺ قال لهم: «امضوا هذا

стр. 2531

أول الحشر وإنا على الأثر» . وقال عكرمة والزهري وغيرهما: المعنى لِأَوَّلِ موضع الْحَشْرِ وهو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير جاءت إلى الشام، وقد روي أن حشر القيامة هو إلى بلد الشام وأن النبي ﷺ قال لبني النضير «اخرجوا» ، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» ، وقال قوم في كتاب المهدوي: المراد الْحَشْرِ في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فهذا الذي فعل رسول الله ﷺ ببني النضير أوله، والذي فعل عمر بن الخطاب بأهل خيبر آخره، وأخبرت الآية بمغيب وقد أخبر النبي ﷺ بجلاء أهل خيبر، ويحتمل أن يكون آخر الحشر في قول النبي ﵇ في مرضه: «لا يبقين دينان في جزيرة العرب» ، فإن ذلك يتضمن إجلاء بقاياهم قال الخليل في ما حكى الزجاج: سميت جزيرة لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات، وفي هذه الإحاطة نظر. وقوله تعالى: ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا معناه: لمنعتهم وكثرة عددهم، فلم تكن آمالكم وظنونكم تنتهي إلى أنهم يخرجون ويدعون أموالهم لكم، وبحسب ذلك من المنعة والعدد والتحصن ظنوا هم أن لن يقدر عليهم وقوله تعالى: مِنَ اللَّهِ يريد: من جند الله حزب الله وقوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ عبارة عن إظهاره تعالى المسلمين عليهم وإلقائهم في حيز الهزم والذل. وقرأ الجمهور: «الرعب» بسكون العين، وقرأ أبو جعفر وشيبة، بضم العين، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فقال الضحاك والزجاج وغيره: كلما هدم المسلمون من حصنهم في القتال هدموا هم من البيوت وخربوا الحصون دأبا فهذا معنى تخريبهم. وقال الزهراوي وغيره كانوا لما أبيح لهم ما تستقل به الإبل لا يدعون خشبة حسنة ولا نجافا ولا سارية إلا قلعوه وخربوا البيوت عنه، وقوله تعالى: وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ من حيث فعلهم، وكفرهم داعية إلى تخريب المؤمنين بيوتهم، فكأنهم قد خربوها هم بأيدي المؤمنين. وقال جماعة من المفسرين: إنهم لما أزمعوا الجلاء شحوا على ترك البيوت سليمة للمؤمنين فهدموا وخربوا لمعنى الإفساد على من يأتي. قال قتادة: خرب المؤمنون من خارج ليدخلوا وخربوهم من داخل. وقرأ جمهور القراء: «يخربون» بسكون الخاء وتخفيف الراء. وقرأ أبو عمرو وحده والحسن بخلاف عنه وقتادة وعيسى بفتح الخاء وشد الراء. فقال فريق من العلماء اللغويين القراءتان بمعنى واحد وقال أبو عمرو بن العلاء: خرب، معناه: هدم وأفسد وأخرب معناه ترك الموضع خرابا وذهب عنه، ثم نبه تعالى المؤمنين وغيرهم ممن له أن ينظر على نصرة رسوله وصنعه له فيمن حاده وناوأه بقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي العيون والأفهام. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٣ الى ٦] وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو النضير ممن حل بالحجاز

стр. 2532

بعد موت موسى ﵇ بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى ﵇ قال لهم لا تستحيوا أحدا، فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل بالشام وجدوا موسى ميتا، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم علينا بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل على بني إسرائيل جلاء فنالهم هذا الْجَلاءَ على يدي محمد ﷺ ، ولولا ذلك لَعَذَّبَهُمْ الله فِي الدُّنْيا بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم. ويقال: جلا الرجل وأجلاه غيره، وقد يقال: أجلى الرجل نفسه بمعنى جلا، والمشاقة كون الإنسان في شق ومخالفه في شق، وقوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ سببها أن بعض أصحاب النبي ﷺ وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون، فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك بعض الصحابة وذلك في صدر الحرب معهم، فنزلت الآية معلمة أن جميع ما جرى من قطع أو إمساك فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وردت الآية على قول بني النضير، إن محمدا ينهى عن الفساد وها هو ذا يفسد فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه لِيُخْزِيَ به الْفاسِقِينَ من بني النضير، واختلف الناس في اللينة، فقال الحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون: اللينة النخلة اسمان بمعنى واحد وجمعها لين وليان، قال الشاعر [امرؤ القيس] : [المتقارب] وسالفة كسحوق الليان ... أضرم فيها الغوي السعر وقال الآخر [ذو الرمة] : طراق الخوافي واقع فوق لينة ... ندى ليله في ريشه يترقرق وقال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللينة من النخل ما لم يكن عجوة. وقال سفيان بن سعيد الثوري: اللينة الكريمة من النخل، وقال أبو عبيدة فيما روي عنه وسفيان: اللينة: ما تمرها لون وهو نوع من التمر، يقال له اللون، قال سفيان، هو شديد الصفرة يشف عن نواة من التمر فيرى من خارج وأصلها لونة فأبدلت لموافقة الكسرة، وقال أيضا أبو عبيدة اللين: ألوان النخل المختلطة التي ليس فيها عجوة ولا برني. وقرأ ابن مسعود والأعمش: «أو تركتموها قوماء على أصولها» ، وقوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الآية. إعلام إنما أخذ لبني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي ﷺ وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خمس الغنائم، وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها، ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها رسول الله ﷺ لنفسه قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار شيئا، غير أن أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف شكيا عظيمة فأعطاهما، هذا قول جماعة من العلماء، وفي ذلك قول عمر بن الخطاب: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه المسلمون ب خَيْلٍ وَلا رِكابٍ فكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي منها جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. قال بعض العلماء: وكذلك كل ما فتح على الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة والوجيف: دون

стр. 2533

التضريب، يقال وجف الفرس وأوجفه الراكب والإيجاف: سرعة السير والاجتهاد فيه. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٧ الى ٨] ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) أَهْلِ الْقُرى المذكورون في هذه الآية هم أهل الصفراء والينبوع ووادي القرى، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية، وحكمها مخالف لبني النضير، ولم يحبس من هذه رسول الله ﷺ لنفسه شيئا بل أمضاها لغيره، وذلك أنها في ذلك الوقت فتحت، واختلف الناس في صفة فتحها فقيل: عن لها رسول الله ﷺ . وبعث بعثا إلى كل مكان فطاع وأعطاه أهله فكان مما لم يوجف عليه، وكان حكمه حكم خمس الغنائم، وليس في الآية نسخ على هذا التأويل، وأعطى رسول الله ﷺ جميع ذلك للمهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا. وقال قتادة وزيد بن رومان: كانت هذه القرى قد أوجف عليها، ولكن هذا حكم ما يوجف عليه، ثم نسخ الله تعالى هذا الحكم بآية الأنفال فجعل فيها الخمس لهذه الأصناف وبقيت الأربعة الأخماس للمقاتلة، وآية هذه السورة لم يكن فيها للمقاتلة شيء، وهذا القول يضعف، لأن آية الأنفال نزلت إثر بدر وقبل بني النضير وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيف. والْقُرْبى في هذه الآية قرابة النبي ﷺ منعوا الصدقة وعوضوا من الفيء. وقوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ مخاطبة للأنصار لأنه لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غني، وقرأ جمهور الناس «يكون» بالياء، وقرأ أبو جعفر وابن مسعود وهشام عن ابن عامر: بالتاء وهي كان التامة. وقرأ جمهور الناس: «دولة» بضم الدال ونصب الهاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «دولة» بفتح الدال ونصب الهاء. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وهشام عن ابن عامر: «دولة» بضم الدال والهاء. وقال عيسى بن عمرهما بمعنى واحد. وقال الكسائي وحذاق النظرة الفتح في الملك: بضم الميم لأنها الفعلة في الدهر والضم في الملك بكسر الميم. والمعنى أنها كالعواري فيتداول ذلك المال الأغنياء بتصرفاتهم ويبقى المساكين بلا شيء ولا حظ في شيء من هذه الأموال ليتيم غني ولا لابن سبيل حاضر المال، وقد مضى القول في الغنائم في سورة الأنفال، وروي: أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا: لنا منها سهمنا فنزل قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الآية، مؤدبا في ذلك وزاجرا ثم اطرد بعد معنى الآية في أوامر النبي ﷺ ونواهيه حتى قال قوم إن الخمر محرمة في كتاب الله بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود: لعنة الواشمة والمستوشمة الحديث. ورأى محرما في ثيابه المخيطة. فقال له: اطرح هذا عنك، فقال له الرجل: أتقرأ علي بذلك آية من كتاب الله تعالى فقال ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ بيان لقوله: وَالْمَساكِينِ وَابْنِ

стр. 2534

السَّبِيلِ فكرر لام الجر لما كانت الأولى مجرورة باللام ليبين أن البدل إنما هو منها، ثم وصفهم تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم وتوجب الإشفاق عليهم وهي إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وجميع المهاجرين إما أخرجهم الكفار وإما أحوال الكفار وظهورهم، وفرض الهجرة في ذلك الوقت، ووصفهم بالفقر وإن كان لهم بعض أحوال وهي حال للفقر في اللغة، وقد مضى بيان هذا في سورة الكهف. وقوله يَبْتَغُونَ في موضع الحال، و «الفضل والرضوان» يراد به الآخرة والجنة، و «نصر الله» تعالى هو نصر شرعه ونبيه، والصَّادِقُونَ في هذه الآية يجمع صدق اللسان وصدق الأفعال، لأن أفعالهم في أمر هجرتهم إنما كانت وفق أقوالهم. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٩ الى ١٠] وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) الَّذِينَ تَبَوَّؤُا هم الأنصار، والضمير في قَبْلِهِمْ للمهاجرين، و «الدار» هي المدينة، والمعنى: تبوءوا الدار مع الإيمان معا، وبهذا الاقتران يصح معنى قوله: مِنْ قَبْلِهِمْ فتأمله، وَالْإِيمانَ لا يتبوأ لأنه ليس مكانا ولكن هذا من بليغ الكلام ويتخرج على وجوه كلها جميل حسن. وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار بأنهم يُحِبُّونَ المهاجرين، وبأنهم يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وبأنهم قد وقوا شح أنفسهم لأن مقتضى قوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الآية. أن هؤلاء الممدوحين قد وقوا الشح، والحاجة: الحسد في هذا الموضع، قاله الحسن وتعم بعد جميع الوجوه التي هي بخلاف ما فعله النبي ﷺ في إعطاء المهاجرين أموال بني النضير والقرى، وأُوتُوا معناه: أعطوا، والضمير المرفوع بأن لم يسم فاعله هو للمهاجرين، وقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ الآية، صفة للأنصار. وقد روي من غير ما طريق، أنها نزلت بسبب رجل من الأنصار، قال أبو المتوكل: هو ثابت بن قيس، وقال أبي هريرة في كتاب مكي: كنية هذا الرجل أبو طلحة، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل ندب رسول الله ﷺ قالت: والله ما عندنا إلا قوت الصبية، فقال: نومي صبيتك وأطفئي السراج وقدمي ما عندك للضيف ونوهمه نحن أنا نأكل، ففعلا ذلك فلما غدا على رسول الله ﷺ قال: عجب الله من فعلكما البارحة، ونزلت الآية في ذلك، والإيثار على النفس أكرم خلق، وقال حذيفة العدوي: طلبت يوم اليرموك ابن عم لي في الجرحى ومعي شيء من ماء، فوجدته، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يصيح آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاصي، فقلت: اشرب فإذا آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته، فإذا به قد فاضت نفسه، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات، فعجبت من إيثارهم ﵏ وقال أبو زيد البسطامي:

стр. 2535

قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا كلاب بلخ، فقلت له: فما هو عندكم، فقال: إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وروي: أن سبب هذه الآية أن النبي ﷺ لما قسم هذه القرى في المهاجرين قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه» ، فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، فنزلت هذه الآية. والخصاصة: الفاقة والحاجة، وهو مأخوذ من خصائص البيت وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح فكأن حال الفقير هي كذلك يتخللها النقص والاحتياج، و «شح النفس» هو كثرة منعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء، وقد قال رسول الله ﷺ : «من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برىء من الشح» ، واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا وعلى هذا التأويل، كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ يطوف ويقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقيل له في ذلك فقال إذا وقيته لم أفعل سوءا. قال القاضي أبو محمد: «شح النفس» فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به، وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئا نهاه الله تعالى عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شح النفس. وقال ابن مسعود ﵀ «شح النفس» : هو أكل مال الغير بالباطل، وأما منع الإنسان ماله فهو بخل وهو قبيح، ولكنه ليس بالشح. وقرأ عبد الله بن عمر: «شح» بكسر السين، ويوقى وزنه: يفعل من وقى يقي مثل وزن يزن. وقرأ أبو حيوة: «يوقّ» بفتح الواو وشد القاف والْمُفْلِحُونَ: الفائزون ببغيتهم. واختلف الناس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ فقال الفراء: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدة النبي ﷺ . وقال جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، فوصف الله تعالى القول الذي ينبغي أن يلتزمه كل من لم يكن من الصدر الأول وإعراب الَّذِينَ رفع عطفا على هُمُ أو على الَّذِينَ أو رفع بالابتداء. وقوله تعالى: يَقُولُونَ حال فيها الفائدة والمراد: والذين جاؤوا قائلون كذا أو يكون يقولون صفة، ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حظ له في الغنيمة أدبا له، وجاء عراقيون إلى علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ فقالوا: لا، أفمن الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ؟ قالوا: لا، قال فقد تبرأتم من هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية. قوموا فعل الله بكم وفعل، وقال الحسن أدركت ثلاثمائة من الصحابة منهم سبعون بدريا كلهم يحدثني أن النبي ﷺ قال: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فالجماعة أن لا تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا أحدا من أهل التوحيد بذنب» . والغل: الحقد والاعتقاد الرديء، وقرأ الأعمش: «في قلوبنا غمرا للذين» والغمر: الحقد، وقد تقدم الاختلاف في قراءة رَؤُفٌ. قوله :

стр. 2536

[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١١ الى ١٣] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم، أثبتوا في معاقلكم فإنا معكم حيثما تقلبت حالكم، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى نفوسهم عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليهم فيتم لهم مرادهم وكانوا كذبة فيما قالوا من ذلك، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بني النضير بل قعدوا في ديارهم. وقوله : لَئِنْ نَصَرُوهُمْ معناه: ولئن حاولوا ذلك فإنهم ينهزمون، ثم لا ينصر الله تعالى منهم أحدا، وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: لا يَخْرُجُونَ و: لا يَنْصُرُونَهُمْ لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر، ثم خاطب تعالى أمة محمد مخبرا أن اليهود والمنافقين أشد خوفا من المؤمنين منهم من الله تعالى، لأنهم يتوقعون عاجل الشر من المؤمنين، ولا يؤمنون بآجل العذاب من الله تعالى وذلك لقلة فهمهم بالأمور وفقهم بالحق. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٤ الى ١٧] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) الضمير في قوله تعالى: لا يُقاتِلُونَكُمْ لبني النضير وجميع اليهود، وهذا قول جماعة المفسرين، ويحتمل أن يريد بذلك: اليهود والمنافقين، لأن دخول المنافقين في قوله تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متمكن بين. ومعنى الآية: لا يُقاتِلُونَكُمْ في جيش مفحص، والقرى المدن. قال الفراء هذا جمع شاذ. قال الزجاج: ما في القرآن فليس بشاذ وهو مثل ضيعة وضيع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وكثير من المكيين «جدار» على معنى الجنس. وقرأ كثير من المكيين وهارون عن ابن كثير: «جدر» بفتح الجيم وسكون الدال ومعناه أصل بنيان كالسور ونحوه، وقرأ الباقون من القراء «جدر» بضم الجيم والدال وهو جمع جدار، وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة «جدر» بضم الجيم وسكون الدال وهو تخفيف في جمع جدار، ويحتمل أن يكون من جدر النخل أي من وراء نخلهم إذ هي مما يتقى به عند المضايقة، وقوله تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي في عائلتهم وأحبتهم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «تحسبهم جميعا

стр. 2537

وفي قلوبهم أشتات» ، وهذه حال الجماعات المتخاذلة وهي المغلوبة أبدا فيما يحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات وهو التفرق ونحوه، وقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ معناه مثلهم كَمَثَلِ، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قال ابن عباس: هم بنو قينقاع، لأن النبي ﷺ أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير وكانوا مثلا لهم، وقال قتادة ومجاهد: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أهل بدر الكفار فإنهم قبلهم ومثل لهم في أن غلبوا وقهروا، وقال بعض المتأولين: الضمير في قوله قَبْلِهِمْ للمنافقين، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم منافقوا الأمم المتقدمة وذلك أنهم غلبوا ونالتهم الذلة على وجه الدهر فهم مثل لهؤلاء، ولكن قوله قَرِيباً إما أن يكون في زمن موسى وإلا فالتأويل المذكور يضعف، إلا أن تجعل قَرِيباً ظرفا للذوق، فيكون التقدير ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ قَرِيباً من عصيانهم وبحدثانه، ولا يكون المعنى أن المثل قريب في الزمن من الممثل له، وعلى كل تأويل ف قَرِيباً ظرف أو نعت لظرف والوبال: الشدة والمكروه وعاقبة السوء، و «العذاب الأليم» : هو في الآخرة، وقوله تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ معناه مثل هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير كَمَثَلِ الشَّيْطانِ والإنسان، فالمنافقون مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أن «الشيطان» و «الإنسان» في هذه الآية أسماء جنس لأن العرف أن يعمل هذا شياطين بناس كما يغوي الشيطان الإنسان ثم يفر منه بعد أن يورطه، كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر، فلما نشب بنو النضير وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص أن هذا شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص، وذكر الزجاج أن اسمه برصيص، قالوا إنه استودع امرأة وقيل سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ففعل ثم شهره، فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وهو قد قال: إنها قد ماتت فقمت عليها ودفنتها، فلما وجدت مقتولة علموا كذبه فتعرض له الشيطان فقال له: اكفر واسجد لي وأنجيك، ففعل وتركه عند ذلك. وقال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، وهذا كله حديث ضعيف، والتأويل الأول هو وجه الكلام وقول الشيطان: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلا آخر، وقوله تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما الآية، يحتمل الضمير أن يعود على المخصوصين المذكورين، ويحتمل أن يعود على اسمي الجنس أي هذا هو عاقبة كل شيطان وإنسان يكون أمرهما هكذا، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «عاقبتهما» بالرفع، وقرأ جمهور الناس: «عاقبتهما» بالنصب وموضع أن يخالف إعراب المعاقبة في القراءتين إن شاء الله تعالى، وقرأ الأعمش وابن مسعود: «خالدان» بالرفع على أنه خبر «أن» ، والظرف ملغى، ويلحق هذه الآية من الاعتراض إلغاء الظرف مرتين قاله الفراء، وذلك جائز عند سيبويه على التأكيد. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)

стр. 2538

هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية. وقرأ جمهور الناس: «ولتنظر» بسكون اللام وجزم الراء على الأمر، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة وفرقة كذلك بالأمر إلا أنها كسرت اللام على أصل لام الأمر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما روي عنه: «ولتنظر» بنصب الراء على لام كي كأنه قال وأمرنا بالتقوى لتنظروا، كأنه قال: اتَّقُوا اللَّهَ ولتكن تقواكم «لتنظر» ، وقوله تعالى: لِغَدٍ يريد يوم القيامة، قال قتادة: قرب الله القيامة حتى جعلها غدا، وذلك أنها آتية لا محالة وكل آت قريب، ويحتمل أن يريد بقوله لِغَدٍ: ليوم الموت، لأنه لكل إنسان كغده ومعنى الآية: ما قدمت من الأعمال، فإذا نظرها الإنسان تزيد من الصالحات، وكف عن السيئات، وقال مجاهد وابن زيد: الأمس: الدنيا، وغد: الآخرة، وقرأ الجمهور: «ولا تكونوا» بالتاء من فوق على مخاطبة جميع الذين آمنوا، وقرأ أبو حيوة «يكونوا» بالياء من تحت كناية عن النفس التي هي اسم الجنس، والذين نَسُوا اللَّهَ هم الكفار، والمعنى: تركوا الله وغفلوا عنه، حتى كانوا كالناسين، وعبر عما حفهم به من الضلالة ب فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ سمى عقوبتهم باسم ذنبهم بوجه ما، وهذا أيضا هو الجزاء على الذنب بالذنب تكسبوهم نسيان جهة الله فعاقبهم الله تعالى بأن جعلهم ينسون أنفسهم، قال سفيان: المعنى حظ أنفسهم، ويعطي لفظ هذه الآية، أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: اعرف نفسك تعرف ربك، وروي عنه أنه قال أيضا: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وقرأ ابن مسعود: «ولا أصحاب الجنة» بزيادة لا. وقوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ الآية، موعظة للإنسان أو ذم لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعي الله تعالى، وذلك أن القرآن نزل عليهم وفهموه وأعرضوا عنه، وهو لو نزل على جبل وفهم الجبل منه ما فهم الإنسان لخشع واستكان وتصدع خشية الله تعالى، وإذا كان الجبل على عظمه وقوته يفعل هذا فما عسى أن يحتاج ابن آدم يفعل؟ لكنه يعرض ويصد على حقارته وضعفه، وضرب الله تعالى هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه، وقرأ طلحة بن مصرف «مصدعا» على إدغام التاء في الصاد. قوله : [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٢٢ الى ٢٤] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)

стр. 2539

لما قال تعالى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية، و «الغيب» ما غاب عن المخلوقين، و «الشهادة» ما شاهدوه. وقال حرب المكي «الغيب» : الآخرة «والشهادة» : الدنيا. وقرأ جمهور الناس: «القدوس» بضم القاف، وهو فعول من تقدس إذا تطهر، وحظيرة القدس الجنة، لأنها طاهرة، ومنه روح القدس، ومنه الأرض المقدسة بيت المقدس، وروي عن أبي ذر أنه قرأ: «القدوس» بفتح القاف وهي لغة، والسَّلامُ معناه: الذي سلم من جوره، وهذا اسم على حذف مضاف أي ذو «السلام» ، لأن الإيمان به وتوحيده وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها، والْمُؤْمِنُ اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. قال أحمد بن يحيى ثعلب معناه: المصدق للمؤمنين في أنهم آمنوا. قال النحاس: أو في شهادتهم على الناس في القيامة. وقال ناس من المتأولين معناه: المصدق نفسه في أقواله الأزلية: لا إله غيره والْمُهَيْمِنُ معناه: الأمين والحفيظ. قاله ابن عباس وقال مؤرج: الْمُهَيْمِنُ: الشاهد بلغة قريش، وهذا بناء لم يجىء منه في الصفات إلا مهيمن ومسيطر ومبيقر ومبيطر، جاء منه في الأسماء مجيمر: وهو اسم واد ومديبر. و: الْعَزِيزُ الذي لا يغلب والقاهر الذي لا يقهر يقال عزيز إذا غلب برفع العين في المستقبل. قال الله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: ٢٣] أي غلبني، وفي المثل من عز بزّ أي من غلب سلب، والْجَبَّارُ هو الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق رتبه، ومنه نخلة جبارة إذا لم تلحق وأنشد الزهراوي: [الطويل] أطافت به جيلان عند قطاعه ... وردت إليه الماء حتى تجبرا والْمُتَكَبِّرُ معناه الذي له التكبر حقا، ثم نزه الله تعالى نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات، و: الْبارِئُ بمعنى الْخالِقُ، برأ الله الخلق أي أوجدهم، و: الْمُصَوِّرُ هو الذي يوجد الصور، وقرأ علي بن أبي طالب: «المصوّر» بنصب الواو والراء على إعمال الْبارِئُ به، وهي حسنة يراد بها الجنس في الصور، وقال قوم عن علي بن أبي طالب ﵁ إنه قرأ: «المصوّر» بفتح الواو وكسر الراء على قولهم الحسن الوجه وقوله تعالى: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته لا إله إلا هو، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله ﷺ بقوله: «إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» ، وقد ذكرها الترمذي وغيره مسندة، واختلف في بعضها ولم يصح فيها شيء إلا إحصاؤها دون تعين، وباقي الآية بين.

стр. 2540

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الممتحنة وهي مدنية بإجماع المفسرين. قوله : [سورة الممتحنة (٦٠) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) العدو اسم يقع للجمع والمفرد والمراد به هاهنا كفار قريش، وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية فورى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده، منهم حاطب بن أبي بلتعة فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله ﷺ إياهم فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ، فبعث عليا والزبير وثالثا هو المقداد، وقيل أبو مرثد، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة واسمها سارة مولاة لقوم من قريش، وقيل بل كانت امرأة من مزينة ولم تكن سارة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئا، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسول الله ﷺ ولا تكذبي والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. قالت: أعرضوا عني فحلته من قرون رأسها، وقيل: أخرجته من حجزتها، فجاؤوا به رسول الله ﷺ فقال لحاطب: من كتب هذا؟ فقال: أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل علي فو الله ما فعلت ذلك ارتدادا عن ديني ولا رغبة عنه ولكني كنت أمرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ صدق حاطب إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر. فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ولا تقولوا لحاطب إلا خير» ، فنزلت الآية بهذا السبب، وروي أن حاطبا كتب أن رسول الله ﷺ يريد غزوكم في مثل الليل، والسيل، وأقسم بالله لو غزاكم وحده لنصر عليكم فكيف وهو في جمع كثير، وتُلْقُونَ في موضع الصفة ل أَوْلِياءَ، وألقيت يتعدى

стр. 2541

بحرف الجر، وبغير حرف جر، فدخول الباء وزوالها سواء، وهذا نظير قوله : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩] وقوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [آل عمران: ١٥١] وروى ابن المعلى عن عاصم أنه قرأ: «وقد كفروا لما» بلام ... وقوله تعالى: يُخْرِجُونَ في موضع الحال من الضمير في كَفَرُوا والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم، وهي حال موصوفة، فلذلك ساق الفعل مستقبلا والإخراج قد مر، وتضييق الكفار على النبي ﷺ والمؤمنين إخراج إذ كان مؤديا إلى الخروج، وقوله تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا مفعول من أجله أي اخرجوا لأجل أن آمنتم بربكم، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ شرط جوابه متقدم في معنى ما قبله، وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: «إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء» وجِهاداً نصب على المصدر وكذلك ابْتِغاءَ، ويجوز أن يكون ذلك مفعولا من أجله، و «المرضاة» مصدر كالرضى، وتُسِرُّونَ بدل من تُلْقُونَ ، ويجوز أن تكون في موضع خبر ابتداء، كأنه قال أنتم تُسِرُّونَ، ويصح أن تكون فعلا مرسلا ابتدئ به القول والإلقاء بالمودة معنى ما، والإسرار بها معنى زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن تُسِرُّونَ فعل ابتدئ به القول أي تفعلون ذلك وأنا أعلم، وقوله تعالى: أَعْلَمُ يحتمل أن يكون أفعل، ويحتمل أن يكون فعلا لأنك تقول علمت بكذا فتدخل الباء وقوله تعالى: وَأَنَا أَعْلَمُ الآية، جملة في موضع الحال، وقرأ أهل المدينة «وأنا» بإشباع الألف في الإدراج، وقرأ غيرهم «وأنا» بطرح الألف في الإدراج، والضمير في يَفْعَلْهُ عائد على الاتخاذ المذكور، ويجوز أن تكون سَواءَ مفعولا ب ضَلَّ وذلك على بعد، وذلك على تعدي ضَلَّ، ويجوز أن يكون ظرفا على غير التعدي لأنه يجيء بالوجهين والأول أحسن في المعنى، والسواء الوسط وذلك لأنه تتساوى نسبته إلى أطراف الشيء والسبيل هنا شرع الله وطريق دينه. قوله : [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٢ الى ٤] إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) أخبر الله تعالى أن مداراة هؤلاء الكفار غير نافعة في الدنيا وأنها ضارة في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعهم فقال تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي إن يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم، ظهرت العداوة وانبسطت أيديهم بضرركم وقتلكم وألسنتهم بسبكم، وهذا هو السوء، وأشد من هذا كله أنهم إنما يقنعهم منكم أن تكفروا وهذا هو ودهم، ثم أخبر تعالى أن هذه الأرحام التي رغبتم في وصلها ليست بنافعة يوم القيامة فالعامل في يَوْمَ قوله تَنْفَعَكُمْ، وقال بعض النحاة في كتاب الزهراوي، العامل فيه يَفْصِلُ وهو

стр. 2542

مما بعده لا مما قبله، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والعامة: «يفصل» بضم الياء وسكون الفاء وتخفيف الصاد مفتوحة، وقرأ ابن عامر والأعرج وعيسى: «يفصّل» بضم الياء وفتح الفاء وشد الصاد منصوبة، واختلف على هاتين القراءتين في إعراب قوله: بَيْنَكُمْ فقيل: نصب على الظرفية، وقيل رفع على ما لم يسم فاعله إلا أن لفظه بقي منصوبا لأنه كذلك كثر استعماله، وقرأ عاصم والحسن والأعمش: «يفصل» بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد خفيفة، وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب: «يفصّل» بضم الياء وفتح الفاء وشد الصاد المكسورة، وإسناد الفعل في هاتين القراءتين إلى الله تعالى، وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف: «نفصّل» بنون العظمة مرفوعة وفتح الفاء وشد الصاد المكسورة، وقرأ بعض الناس: «نفصل» بنون العظمة مفتوحة وسكون الفاء، وقرأ أبو حيوة، بضم الياء وسكون الفاء وكسر الصاد خفيفة من: «أفصل» وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وعيد وتحذير، وقرأ جمهور السبعة: «إسوة» بكسر الهمزة، وقرأ عاصم وحده: «أسوة» بضمها وهما لغتان، والمعنى: قدوة وإمام ومثال، و «إبراهيم» هو خليل الرحمن، واختلف الناس في الَّذِينَ مَعَهُ، فقال قوم من المتأولين أراد من آمن به من الناس، وقال الطبري وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من عصره، وهذا القول أرجح لأنه لم يرو أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحته نمرودا، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا من بلد النمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك، وهذه الأسوة مقيدة في التبري عن الإشراك وهو مطرد في كل ملة، وفي نبينا ﵇ أسوة حسنة على الإطلاق لأنها في العقائد وفي أحكام الشرع كلها، وقرأ جمهور الناس «برءاء» على وزن فعلاء الهمزة الأولى لام الفعل، وقرأ عيسى الثقفي: «براء» ، على وزن فعال، بكسر الباء ككريم وكرام، وقرأ يزيد بن القعقاع: «براء» على وزن فعال، بضم الفاء كنوام، وقد رويت عن عيسى قراءة، قال أبو حاتم: زعموا أنه عيسى الهمداني ويجوز: «براء» على المصدر بفتح الباء يوصف به الجمع والإفراد، وقوله: كَفَرْنا بِكُمْ أي كذبناكم في أقوالكم ولم نؤمن بشيء منها، ونظير هذا قوله ﵇ حكاية عن قول الله : فهو مؤمن بي كافر بالكوكب ولم تلحق العلامة في: بَدا لأن تأنيث الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ غير حقيقي، ثم استثنى تعالى استغفار إبراهيم لأبيه، وذكر أنه كان عن موعدة وقد تفسر ذلك في موضعه، وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى عند مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم: أن الأسوة لكم في هذا الوجه، لا في هذا الآخر لأنه كان في علة ليست في نازلتكم، ويحتمل أن يكون استثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت أي لم تبق صلة إلا كذا، وقوله تعالى: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا الآية، حكاية عن قول إبراهيم والذين معه إنه هكذا كان. قوله : [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٥ الى ٧] رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) قوله تعالى: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا الآية، حكاية عن إبراهيم ومن معه والمعنى: لا تغلبهم علينا، فتكون

стр. 2543

لهم فتنة وسبب ضلالة، لأنهم يتمسكون بكفرهم ويقولون إنما غلبناهم لأنا على الحق وهم على الباطل، نحا هذا المنحى قتادة وأبو مجلز، وقال ابن عباس المعنى: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا عن أدياننا فكأنه قال: لا تجعلنا مفتونين فعبر عن ذلك بالمصدر وهذا أرجح الأقوال لأنهم إنما دعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة إنما دعوا للكفار. أما أن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي يسببه فتن الكفار فجاء في المعنى تحليق بليغ، ونحوه قول النبي ﷺ : «بئس الميت سعد- ليهود- لأنهم يقولون لو كان محمد نبيا لم يمت صاحبه» ، وقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ الآية خطاب لأمة محمد ﷺ وقوله: لِمَنْ بدل من قوله لَكُمْ وكرر حرف الجر ليتحقق البدل وذلك عرف هذه المبدلات، ومنه قوله تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [الحشر: ٨] وهو في القرآن كثير وأكثر ما يلزم من الحروف في اللام، ثم أعلم تعالى باستغنائه عن العباد وأنه الْحَمِيدُ في ذاته وأفعاله لا ينقص ذلك كفر كافر ولا نفاق منافق. وروي أن هذه الآيات لما نزلت وأزمع المؤمنون امتثال أمرها وصرم حبال الكفرة وإظهار عداوتهم لحقهم تأسف على قراباتهم وهم من أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل فنزلت: عَسَى اللَّهُ الآية مؤنسة في ذلك ومرجية أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح وصار الجميع إخوانا، ومن ذكر أن هذه المودة تزويج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وأنها كانت بعد الفتح، فقد أخطأ لأن النبي ﷺ تزوجها وقت هجرة الحبشة، وهذه الآيات نزلت سنة ست من الهجرة، ولا يصح ذلك عن ابن عباس إلا أن يسوقه مثالا وإن كان متقدما لهذه الآية، لأنه استمر بعد الفتح كسائر ما نشأ من المودات، وعَسَى من الله واجبة الوقوع إن شاء الله تعالى. قوله : [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ٨ الى ١١] لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) اختلف الناس في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن يبروا من هم. فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا وكانوا لذلك في رتبة سوء لتركهم فرض الهجرة وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن وأبو صالح: أراد خزاعة وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار إلا أنهم كانوا مظاهرين للنبي ﷺ محبين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة وبنو الحارث بن عبد مناة ومزينة، وقال قوم: أراد من كفار قريش من لم يقاتل: ولا أخرج ولا أظهر سوءا، وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال، وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء والصبيان من الكفرة، وقال إن الآية نزلت بسبب أم أسماء حين استأذنت النبي ﷺ في برها وصلتها فأذن

стр. 2544

لها، وكانت المرأة خالتها فيما روي فسمتها في حديثها أما، وقال أبو جعفر بن النحاس والثعلبي: أراد المستضعفين من المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة، وهذا قول ضعيف. وقال مرة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس، قال وقتادة نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] . وقوله تعالى: أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل، وهذا هو بدل الاشتمال، والإقساط: العدل، وظاهَرُوا معناه: عاونوا، و «الذين قاتلوا في الدين وأخرجوا» هم مردة قريش وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآية نزلت إثر صلح الحديبية، وذلك أن الصلح تضمن أن يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلما من رجل وامرأة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية، وحكم أن المهاجرة لا ترد إلى الكفار بل تبقى تستبرئ وتتزوج ويعطى زوجها الكافر الصداق الذي أنفق، وأمر أيضا المؤمنين بطلب صداق من فرت امرأته من المؤمنين، وحكم تعالى بهذا في النازلة وسماهم مؤمنات قبل أن يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن، ومُهاجِراتٍ نصب على الحال، فَامْتَحِنُوهُنَّ معناه: جربوهن واستخبروا حقيقة ما عندهن. واختلف الناس في هذا الامتحان كيف هو، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: كان بأن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغض زوجها ولا لجريرة جرت ولا لسبب من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. قال ابن عباس: الامتحان أن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلت ذلك لم ترد، فقال فريق منهم عائشة أم المؤمنين: الامتحان هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذا من ترك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحان، وقيل: إن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدحداحة وفي كتاب الثعلبي أنها نزلت في سبيعة بنت الحارث، وقوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ إشارة إلى الاسترابة ببعضهن وحض على امتحانهن، وذكر تعالى العلة في أن لا يرد النساء إلى الكفار وهي امتناع الوطء وحرمته، وقرأ طلحة: «لا هن يحللن لهم» . قوله : وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا...... أمر الله تعالى أن يؤتى الكفار مهور نسائهم اللاتي هاجرن مؤمنات ورفع الجناح في أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن، وأمر المسلمين بفراق الكافرات وأن لا يمسكوا بعصمهن، فقيل: الآيات في عابدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها، ابتداء، وقيل: هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب، والعصم: جمع عصمة: وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وكذلك العصمة في كل شيء، السبب الذي يعتصم به، ويعتمد عليه، وقرأ جمهور السبعة والناس: «تمسكوا» بضم التاء وكسر السين وتخفيفها من

стр. 2545

أمسك، وقرأ أبو عمرو وحده وابن جبير ومجاهد والأعرج والحسن بخلاف «ولا تمسكوا» من مسك، بالشد في السين، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى وابن عامر في رواية عبد المجيد: «تمسّكوا» بفتح التاء والميم، وفتح السين وشدها، وقرأ الحسن: «تمسكوا» بفتح التاء وسكون الميم وكسر السين مخففة. ورأيت لأبي علي الفارسي أنه قال: سمعت الفقيه أبا الحسن الكرخي يقول في تفسير قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ، إنه في الرجال والنساء، فقلت له: النحويون لا يرون هذا إلا في النساء، لأن كوافر: جمع كافرة، فقال وأيش يمنع من هذا أليس الناس يقولون: طائفة كافرة، وفرقة كافرة، فبهت، وقلت هذا تأييد، وأمر تعالى أن يسأل أيضا الكافرون أن يدفعوا الصدقات التي أعطاها المؤمنون لمن فر من أزواجهم إلى الكفار، وقرر الحكم بذلك على الجميع، فروي عن ابن شهاب أن قريشا قالت: نحن لا نرضى هذا الحكم ولا نلتزمه ولا ندفع لأحد صداقا فنزلت بسبب ذلك هذه الآية الأخرى: وَإِنْ فاتَكُمْ الآية، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق، قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: خمس نسوة من نساء المهاجرين رجعن عن الإسلام ولحقن بالمشركين: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد، وفاطمة بنت أبي أمية أخت أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص، وأم كلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم النبي ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة. واختلف الناس في أي مال يدفع إليه الصداق، فقال محمد بن شهاب الزهري: يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواجهم، وأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه حسبما ذكرناه، وهذا قول صحيح يقتضيه قوله تعالى: فَعاقَبْتُمْ وسنبين ذلك في تفسير اللفظة إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد وقتادة: يدفع إليه من غنائم المغازي، وقال هؤلاء التعقيب بالغزو والمغنم وتأولوا اللفظة بهذا المعنى، وقال الزهري أيضا: يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، والعاقبة في هذه الآية، ليست بمعنى مجازاة السوء بالسوء لكنها بمعنى فصرتم منهم إلى الحال التي صاروا إليها منكم وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجكم، وهكذا هو التعقيب على الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة ويركب هذا عقبة. وقرأ ابن مسعود: «وإن فاتكم أحد من أزواجكم» ويقال عاقب الرجل صاحبه في كذا، أي جاء فعل كل واحد منهما بعقب فعل الآخر، ومنه قول الشاعر [الكميت] : وحاردت النكد الجلاد ولم يكن ... لعقبة قدر المستعيرين معقب ويقال: «عقب» بشد القاف، أي أصاب عقبى، والتعقيب: غزو إثر غزو، ويقال «عقب» بتخفيفها، ويقال: «عقب» بكسرها كل ذلك بمعنى: يقرب بعضه من بعض وبجميع ذلك قرىء، قرأ جمهور الناس: «عاقبتم» وقرأ الأعرج ومجاهد والزهري وعكرمة وحميد: «عقّبتم» بالتشديد في القاف، وقرأ الأعرج أيضا وأبو حيوة والزهري أيضا: «عقبتم» بفتح القاف خفيفة، وقرأ النخعي والزهري أيضا: «عقبتم» بكسر القاف وكلها بمعنى: غنمتم، وروي عن مجاهد: «أعقبتم» بألف مقطوعة قبل العين، وهذه الآية كلها قد ارتفع حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى وهي الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه.

стр. 2546

قوله : [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٢ الى ١٣] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا وهي كانت في المعنى بيعة الرجال قبل فرض القتال، وسماهم «المؤمنات» بحسب الظاهر من أمرهن، ورفض الاشتراك هو محض الإيمان، وقتل الأولاد وهو من خوف الفقر، وكانت العرب تفعل ذلك. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن: «يقتّلن» بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء المشددة، و «الإتيان بالبهتان» ، قال أكثر المفسرين معناه أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس هو له واللفظ أعم من هذا التخصيص، فإن الفرية بالقول على أحد من الناس بعضيهة لمن هذا، وإن الكذب فيما ائتمن فيه من الحمل والحيض لفرية بهتان، وبعض أقوى من بعض وذلك أن بعض الناس قال بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ يراد به اللسان والفم في الكلام والقبلة ونحوه، «وبين الأرجل» يراد به الفروج وولد الإلحاق ونحوه، والمعروف الذي نهي عن العصيان فيه، قال أنس وابن عباس، وزيد بن أسلم: هو النوح، وشق الجيوب ووشم الوجوه ووصل الشعر وغير ذلك من أوامر الشريعة، فرضها وندبها. ويروى أن جماعة نساء فيهن هند بنت عتبة بايعن رسول الله ﷺ فقرأ عليهن الآي، فلما قررهن على أن لا يشركن قالت هند: وكيف نطمع أن تقبل منا ما لم تقبله من الرجال؟ بمعنى أن هذا بين لزومه، فلما وقف على السرقة، قالت: والله إني لأصيب الهنة من مال أبي سفيان لا أدري أيحل لي ذلك، فقال أبو سفيان: ذلك لك حلال فيما مضى وبقي، وقال لها رسول الله ﷺ : «كلي وولدك بالمعروف» . وقدر تكرر هذا المعنى في الحديث الآخر قولها إن أبا سفيان رجل مسيك فلما وقف على الزنا قالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ قال لها رسول الله ﷺ : «لا ما تزني الحرة» ، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء في أغلب الأمر، وفيما تعرف مثل هند وإلا فالبغايا قد كن أحرارا، فلما وقف على قتل الأولاد، قالت: نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم أنت ببدر كبارا، فضحك رسول الله ﷺ ، فلما وقف على العصيان بالمعروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك، ويروى أن جماعة نساء بايعن النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله نبايعك على كذا وكذا الآية، فلما فرغن قال رسول الله ﷺ : «فيما استطعتن وأطلقتن» ، فقلن الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا. وقوله تعالى: فَبايِعْهُنَّ امض معهن صفقة الإيمان بأن يعطين ذلك من أنفسهن ويعطين عليه الجنة، واختلفت هيئات مبايعة رسول الله ﷺ النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد

стр. 2547

امرأة أجنبية قط، فروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولا، وقال: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» ، وقالت أسماء بنت يزيد: كنت في النسوة المبايعات فقلت: يا رسول الله ابسط يدك نبايعك، فقال لي ﵇: «إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن ما أخذ الله عليهن» ، وذكر النقاش حديثا أن النبي ﷺ مد يده من خارج بيت ومد نساء من الأنصار أيديهن من داخله فبايعهن وما قدمته أثبت، وروي عن الشعبي أنه لف ثوبا كثيفا قطريا على يده وجاء نسوة فلمسن يده كذلك، وروي عن الكلبي: أنه قدم عمر بن الخطاب فلمس نساء يده وهو خارج من بيت وهن فيه بحيث لا يراهن، وذكر النقاش وغيره: أن النبي ﷺ بايعه النساء على الصفا بمكة وعمر بن الخطاب يصافحهن، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورفعه النقاش عن ابن عباس وعن عروة بن مسعود الثقفي: أنه ﵇ غمس يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسن أيديهن فيه. ثم أمره تعالى بالاستغفار لهن ورجاهن في غفرانه ورحمته بقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقوله تعالى: قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال ابن زيد والحسن ومنذر بن سعيد هم اليهود لأن غضب الله قد صار عرفا لهم، وقال ابن عباس: هم في هذه الآية كفار قريش لأن كل كافر فعليه غضب من الله لا يرد بذلك ثبوت الغضب على اليهود. قال القاضي أبو محمد: ولا سيما في المردة ككفار قريش إذ أعمالهم مغضبة ليست بمجرد ضلال بل فيها شرارات مقصودة، وفي الكلام في التشبيه الذي في قوله: كَما يَئِسَ يتبين الاحتياج إلى هذا الخلاف وذلك أن اليأس من الآخرة إما أن يكون بالتكذيب بها، وهذا هو يأس كفار مكة، قال معنى قوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ كما يئس الكافر من صاحب قبر لأنه إذا مات له حميم قال: هذا آخر العهد به لن يبعث أبدا، فمعنى الآية: أن اعتقاد أهل مكة في الآخرة كاعتقاد الكافر في البعث ولقاء موتاه، وهذا هو تأويل ابن عباس والحسن وقتادة في معنى قوله تعالى: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ، ومن قال إن القوم المشار إليهم هم اليهود، قال معنى قوله: يَئِسَ الْكُفَّارُ أي كما يئس الكافر من الرحمة إذا مات وكان صاحب قبر، وذلك أنه يروى أن الكافر إذا كان في قبره عرض عليه مقعده في الجنة أن لو كان مؤمنا ثم يعرض عليه مقعده من النار الذي يصير إليه فهو يائس من رحمة الله مع علمه بها ويقينه، وهذا تأويل مجاهد وابن جبير وابن زيد في قوله: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ فمعنى الآية: أن يأس اليهود من رحمة الله في الآخرة مع علمهم بها كيأس ذلك الكافر في قبره وذلك لأنهم قد رين على قلوبهم وحملهم الحسد على ترك الإيمان وغلب على ظنونهم أنهم معذبون، وهذه كانت صفة كثير من معاصري النبي ﷺ ، ومِنَ في قوله مِنْ أَصْحابِ على القول الأول هي لابتداء الغاية، وفي القول الثاني هي لبيان الجنس والتبعيض يتوجهان فيها وبيان الجنس أظهر. نجز تفسير سورة الممتحنة والحمد لله على ذلك.

стр. 2548

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الصّفّ وهي مدنية في قول الجمهور، وقال مكي عن ابن عباس والمهدوي عن عطاء ومجاهد إنها مكية والأول أصح لأن معاني السورة تعضده ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني. قوله : [سورة الصف (٦١) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) قد تقدم القول غير مرة في تسبيح الجمادات، والْعَزِيزُ في سلطانه وقدرته، والْحَكِيمُ في أفعاله وتدبيره، واختلف الناس في السبب الذي نزلت فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ فقال ابن عباس وأبو صالح: نزلت بسبب أن جماعة قالوا: لوددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد وأعلمهم بفضله لديه وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض قد تكرهه قوم منهم، وفر من فر يوم أحد فعاتبهم الله بهذه الآية بسبب أن جماعة من شباب المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا ويقولون فعلنا وصنعنا وذلك كذب، فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في المنافقين لأن جملة منهم كانوا يقولون للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، فنزلت الآية عتابا لهم، وحكم هذه الآية باق غابر الدهر، وكل من يقول ما لا يفعل، فهو ممقوت مذق الكلام، والقول الآخر في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلحين بالنفاق فلذلك خوطبوا بالمؤمنين أي في زعمكم وما تظهرون، والقول الأول يترجح بما يأتي بعد من أمر الجهاد والقتال. و «المقت» : البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت، وهذا حد المقت فتأمله، ومَقْتاً نصب على التمييز، والتقدير كَبُرَ فعلكم مَقْتاً، والمراد كبر مقت فعلكم فحذف المضاف إليه ونصب المضاف على التمييز، وهذا كما تريد تفقأ شحم بطنك فتقول: تفقأ بطنك شحما، وأَنْ تَقُولُوا، يحتمل أن يكون بدلا من المقدر، ويحتمل أن يكون فاعلا ب كَبُرَ، وقول المرء ما لا يفعل

стр. 2549

موجب مقت الله تعالى، ولذلك فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير وآثروا السكوت، ثم وكد تعالى الإخبار بمحبته للمقاتلين صَفًّا، ومحبة الله تعالى هي ما يظهر عليهم من نصره وكرامته وهي صفة فعل وليست بمعنى الإرادة، لأن الإرادة لا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيرا، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان لأن التراص فيه يتمكن، وهذا ضعيف خفي على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفي التصاف وإنما المقصد الجد في كل أوطان القتال وأحواله، وقصد بالذكر أشد الأحوال وهي الحالة التي تحوج إلى القتال صَفًّا متراصا، ونابت هذه الحال المذكورة مناب جميع الأحوال، وقضت الآية بأن الذين يبلغ جدهم إلى هذه الحال حريون بأن لا يقصروا عن حال، و «المرصوص» المصفوف المتضام، وقال أبو بحرية ﵀: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجبوا فؤادي ومنه قول الشاعر [ابن أبي العنبس الثقفي] : [مجزوء الكامل] وبالشعب بين صفائح ... صم ترصص بالجنوب وقال منذر بن سعيد والبراء وغيره: «المرصوص» المعقود بالرصاص، وهذا يحتمل أن يكون أصل اللفظة، ثم ذكر الله تعالى مقالة موسى وذلك ضرب مثل للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون ذكرهم الله تعالى بقوم آذوا نبيهم على علم منهم بنبوته وزاغُوا ف أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، أي فاحذروا أيها المؤمنون أن يصيركم العصيان، وقول الباطل إلى مثل حالهم، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية، المعنى: أنهم أشباههم في أنهم لما زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وقوله لِمَ تُؤْذُونَنِي تقرير، والمعنى تُؤْذُونَنِي بتعنيتكم وعصيانكم واقتراحاتكم، وهذه كانت أفعال بني إسرائيل، وانظر إنه تعالى أسند الزيغ إليهم لكونه فعل حطيطة، كما قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ [الحشر: ١٩] وهذا يخالف قوله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] فأسند التوبة إلى نفسه لكونها فعل رفعة ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠] ، و «زاغ» معناه: مال، وصار عرفها في الميل عن الحق، وأَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ معناه: طبع عليها وختم وكثر ميلها عن الحق، وهذه العقوبة على الذنب بالذنب، وأمال ابن أبي إسحاق: زاغُوا. قوله : [سورة الصف (٦١) : الآيات ٦ الى ٨] وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) المعنى: «واذكر يا محمد إذ قال عيسى» ، وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لكفار قريش، وحكي عن موسى أنه قال: يا قَوْمِ [الصف: ٥] وعن عيسى أنه قال: يا بَنِي إِسْرائِيلَ من حيث لم يكن له فيهم

стр. 2550

أب، ومُصَدِّقاً، حال مؤكدة، وَمُبَشِّراً عطف عليه، وقوله تعالى: يَأْتِي مِنْ بَعْدِي، وقوله: اسْمُهُ أَحْمَدُ جملتان كل واحدة منهما في موضع خفض على الصفة لرسول، وأَحْمَدُ فعل سمي به، ويحتمل أن يكون أفعل كأسود، وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك هاهنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية إنما أراد: اسمه هذه الكلمة، وذكر أبو علي هذا الغرض ومنه ينفك إعراب قوله تعالى يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ [الأنبياء: ٦٠] ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: «بعدي» بفتح الياء، وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ، الآية يحتمل أن يريد عِيسَى، وتكون الآية وما بعدها تمثيلا بأولئك لهؤلاء المعاصرين لمحمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون التمثيل قد فرغ عند قوله: اسْمُهُ أَحْمَدُ، ثم خرج إلى ذكر أَحْمَدُ لما تطرق ذكره، فقال مخاطبة للمؤمنين، فَلَمَّا جاء أحمد هؤلاء الكفار قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ، و «البينات» هي الآيات والعلامات، وقرأ جمهور الناس: «هذا ساحر» إشارة إلى ما جاء به، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش وابن وثاب: «هذا سحر» إشارة إليه بنفسه، وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ تعجيب وتقرير أي لا أحد أظلم منه، و «افتراء الكذب» هو قولهم: هذا سِحْرٌ، وما جرى مجرى هذا من الأقوال التي هي اختلاق وبغير دليل، وقرأ الجمهور: «يدعى» على بناء الفعل للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف «يدعي» بمعنى ينتمي وينتسب ومن ذلك قول الشاعر [ساعدة بن عجلان الهذلي] : [الكامل] فرميت فوق ملاءة محبوكة ... وأبنت للأشهاد حزة أدعي والمعنى على هذه القراءة إنما هو إشارة إلى الأنبياء ﵈ لما حكي عن الكفار أنهم قالوا: «هذا ساحر» ، بين بعد ذلك أن العقل لا يقبله، أي وهل أظلم من هذا الذي يزعم أنه نبي ويدعي إلى الإسلام وهو مع ذلك مفتر على ربه وهذا دليل واضح لأن مسالك أهل الافتراء والمخرقة إنما هي دون هذا وفي أمور خسيسة، وضبط النقاش هذه القراءة «يدّعى» بضم الياء وفتح الدال المشددة على ما لم يسم فاعله، والضمير في يُرِيدُونَ للكفار، واللام في قوله: لِيُطْفِؤُا لام مؤكدة، دخلت على المفعول لأن التقدير: «يريدون أن يطفئوا» وأن مع الفعل بتأويل المصدر فكأنه قال: يريدون إطفاء، وأكثر ما تلتزم هذه اللام المفعول إذا تقدم تقول لزيد: ضربت ولرؤيتك قصدت، ونُورَ اللَّهِ هو شرعه وبراهينه. وقوله تعالى: بِأَفْواهِهِمْ إشارة إلى الأقوال أي بقولهم: سحر وشعر وتكهن وغير ذلك، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن والحسن وطلحة والأعرج: «والله متمّ» بالتنوين، «نوره» «نوره» بالنصب، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش: «متم نوره» بالإضافة وهي في معنى الانفصال وفي هذا نظر. قوله : [سورة الصف (٦١) : الآيات ٩ الى ١٢] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)

стр. 2551

هذا تأكيد لأمر الرسالة وشد لأزرها كما يقول الإنسان لأمر يثبته ويقويه أنا فعلته، أي فمن يقدر على معارضته فليعارض، والرسول المشار إليه محمد ﷺ ، وقوله تعالى: عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ لفظ يصلح للعموم وأن يكون المعنى أو لا يبقى موضع فيه دين غير الإسلام، وهذا لا يكون إلا عند نزول عيسى ابن مريم، قاله مجاهد وأبو هريرة، ويحتمل أن يكون المعنى أن يظهره حتى لا يوجد دين إلا الإسلام أظهر منه، وهذا قد كان ووجد، ثم ندب تعالى المؤمنين وحضهم على الجهاد بهذه التجارة التي بينها، وهي أن يعطي المرء نفسه وماله، ويأخذ ثمنا جنة الخلد. وقرأ جمهور القراء والناس: «تنجيكم» بتخفيف النون وكسر الجيم دون شد، وقرأ ابن عامر وحده والحسن والأعرج وابن أبي إسحاق: «تنجّيكم» بفتح النون وشد الجيم، وقوله تعالى: تُؤْمِنُونَ لفظه الخبر ومعناه الأمر أي آمنوا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «أليم آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا» ، وقوله تُؤْمِنُونَ فعل مرفوع تقديره ذلك أنه تؤمنون، وقال الأخفش: هو عطف بيان على تِجارَةٍ، قال المبرد: هو بمعنى آمنوا على الأمر ولذلك جاء يَغْفِرْ مجزوما، وقوله تعالى: ذلِكُمْ أشار إلى الجهاد والإيمان، وخَيْرٌ هنا يحتمل أن يكون للتفضيل، فالمعنى من كل عمل، ويحتمل أن يكون إخبارا، أن هذا خير في ذاته ونفسه، وانجزم قوله يَغْفِرْ على الجواب للأمر المقدر في تُؤْمِنُونَ، أو على ما يتضمنه قوله: هَلْ أَدُلُّكُمْ من الحض والأمر وإلى نحو هذا ذهب الفراء، وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: «يغفلكم» بإدغام الراء في اللام ولا يجيز ذلك سيبويه وقوله تعالى: وَمَساكِنَ عطف على جَنَّاتٍ، وطيب المساكن سعتها وجمالها، وقيل طيبها المعرفة بدوام أمرها، وهذا هو الصحيح، وأي طيب مع الفناء والموت. قوله : [سورة الصف (٦١) : الآيات ١٣ الى ١٤] وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) قوله تعالى: وَأُخْرى قال الأخفش هي في موضع خفض على تِجارَةٍ [الصف: ١٠] ، وهذا قول قلق، قد رد عليه ناس، واحتج له آخرون، والصحيح ضعفه، لأن هذه «الأخرى» ليست مما دل عليه إنما هي مما أعطى ثمنا وجزاء على الإيمان والجهاد بالنفس والمال، وقال الفراء: وَأُخْرى في موضع رفع، وقال قوم: إن أُخْرى، في موضع نصب بإضمار فعل، كأنه قال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ [الصف: ١٢] ويمنحكم أخرى، وهي النصر والفتح القريب، وقرأ ابن أبي عبلة «نصرا من الله وفتحا» ، بالنصب فيهما، ووصفها تعالى بأن النفوس تحبها من حيث هي عاجلة في الدنيا، وقد وكلت

стр. 2552

النفس لحب العاجل، ففي هذا تحريض، ثم قواه تعالى بقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وهذه الألفاظ في غاية الإيجاز، وبراعة المعنى، ثم ندب تعالى المؤمنين إلى النصرة، ووضع لهم هذا الاسم، وإن كان العرف قد خص به الأوس والخزرج، وسماهم الله تعالى به، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والأعرج وعيسى: «أنصارا» ، بتنوين الأنصار، وقرأ الباقون والحسن والجحدري «أنصار الله» ، بالإضافة، وفي حرف عبد الله: «أنتم أنصار الله» ، ثم ضرب تعالى لهم المثل بقوم بادروا حين دعوا، وهم «الحواريون» : خلصان الأنبياء، سموا بذلك لأنه ردد اختبارهم وتصفيتهم، وكذلك رد تنخيل الحواري: فاللفظتان في الحور، وقيل: «الحواريون» سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا غسالين، نصروا عيسى، واستعمل اسمهم حتى قيل للناصر العاضد حواري، وقال النبي ﷺ : «وحواريي الزبير» ، وافتراق طوائف بني إسرائيل هو في أمر عيسى ﵇، قال قتادة: والطائفة الكافرة ثلاث فرق: اليعقوبية: وهم قالوا هو الله، والإسرائيلية: وهم قالوا ابن الله، والنسطورية: وهم قالوا هو إله، وأمه إله والله ثالثهما، تعالى الله عن أقوالهم علوا كبيرا. وقوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ قيل ذلك قبل محمد ﷺ ، وبعد فترة من رفع عيسى ﵇، رد الله تعالى الكرة لمن آمن به، فغلبوا الكافرين الذين قتلوا صاحبه الذي ألقي عليه الشبه، وقيل ذلك بمحمد ﷺ ، أصبح المؤمن بعيسى ظاهرا لإيمانه بمحمد ﷺ ، وذلك أنه لا يؤمن أحد حق الإيمان بعيسى، إلا وفي ضمن ذلك الإيمان بمحمد لأنه بشر به، وحرض عليه، وقيل كان المؤمنون به قديما ظاهِرِينَ بالحجة، وإن كانوا مفرقين في البلاد، مغلوبين في ظاهر الحياة الدنيا، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن: «فأيدنا» مخففة الياء ممدودة الألف. نجز تفسير سورة الصف ولله الحمد كثيرا.

стр. 2553

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الجمعة وهي مدنية وذكر النقاش قولا إنها مكية، وذلك خطأ ممن قاله، لأن أمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك أمر الجمعة لم يكن قط بمكة، أعني إقامتها وصلاتها، وأما أمر الانفضاض فلا مرية في كونه بالمدينة، وذكر النقاش عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ حين نزلت سورة الجمعة وهذا أيضا ضعيف لأن أبا هريرة إنما أسلم أيام خيبر. قوله : [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) تقدم القول في لفظ الآية الأولى، واختلفت القراءة في إعراب الصفات في آخرها. فقرأ جمهور الناس: الْمَلِكِ بالخفض نعتا لِلَّهِ، وكذلك ما بعده، وقرأ أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو الدينار: «الملك» بالرفع على القطع، وفتح أبو الدينار القاف من «القدوس» ، والْأُمِّيِّينَ: يراد بهم العرب، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ كتابا، قيل هو منسوب إلى الأم، أي هو على الخلقة الأولى في بطن أمه، وقيل هو منسوب إلى الأمة، أي على سليقة البشر دون تعلم، وقيل منسوب إلى أم القرى وهي مكة وهذا ضعيف، لأن الوصف ب الْأُمِّيِّينَ على هذا يقف على قريش، وإنما المراد جميع العرب، وفيهم قال النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا» . وهذه الآية تعديد نعمة الله عندهم فيما أولاهم، والآية المتلوة: القرآن يُزَكِّيهِمْ معناه: يطهرهم من الشرك ويمني الخير فيهم، والْكِتابَ: الوحي المتلو، وَالْحِكْمَةَ: السنة التي هي لسانه ﵇، ثم أظهر تعالى تأكيد النعمة بذكر حالهم التي كانت في الضد من الهداية، وذلك في قوله تعالى: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ في موضع خفض عطفا على الْأُمِّيِّينَ وفي موضع نصب عطفا على الضمائر المتقدمة.

стр. 2554

واختلف الناس في المعنيين بقوله: وَآخَرِينَ من هم؟ فقال أبو هريرة وغيره: أراد فارسا، وقد سئل رسول الله ﷺ : من الآخرون؟ فأخذ بيد سلمان وقال: «لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء» . أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: أراد الروم والعجم، فقوله تعالى: مِنْهُمْ على هذين القولين: إنما يريد في البشرية والإيمان كأنه قال: وفي آخرين من الناس: وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: أراد التابعين من أبناء العرب، فقوله: مِنْهُمْ يريد به النسب والإيمان، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وابن حبان: أراد بقوله: وَآخَرِينَ جميع طوائف الناس، ويكون منهم في البشرية والإيمان على ما قلناه وذلك أنا نجد بعثه ﵇ إلى جميع الخلائق، وقال ابن عمر لأهل اليمن: أنتم هم، وقوله تعالى: لَمَّا يَلْحَقُوا نفي لما قرب من الحال، والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا فهي «لم» زيدت عليها «ما» تأكيدا. قال سيبويه «لما» نفي قولك قد فعل، و «لن» قولك فعل دون قد، وقوله تعالى: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ الآية، تبيين لموقع النعمة، وتخصيصه إياهم بها. قوله : [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٥ الى ٨] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ هم بنو إسرائيل الأحبار المعاصرون لرسول الله ﷺ ، وحُمِّلُوا معناه: كلفوا القيام بأوامرها ونواهيها، فهذا كمال حمل الإنسان الأمانة، وليس ذلك من الحمل على الظهر، وإن كان مشتقا منه، وذكر تعالى أنهم لَمْ يَحْمِلُوها، أي لم يطيعوا أمرها، ويقفوا عند حدها حين كذبوا بمحمد ﵊، و «التوراة» تنطق بنبوته، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار عليه أسفار، فهي عنده والزبل وغير ذلك بمنزلة واحدة، وقرأ يحيى بن يعمر: «حملوا» بفتح الحاء والميم مخففة، وقرأ المأمون العباسي: «يحمّل أسفارا» بضم الياء وفتح الحاء وشد الميم مفتوحة، وفي مصحف ابن مسعود: «كمثل حمار» بغير تعريف، والسفر: الكتاب المجتمع الأوراق منضودة، ثم بين حال مثلهم وفساده بقوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ وقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ الآية، روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر رسول الله ﷺ خاطبوا يهود خيبر في أمره، وذكروا لهم نبوته، وقالوا: إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن رأيتم خلافه خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن، وأبناء عزير ابن الله ومنا الأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب، نحن أحق بالنبوة من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت الآية بمعنى: أنكم إذا

стр. 2555

كنتم من الله تعالى بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الحسية أحب إليكم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة، أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يتمنونه ولا يلقونه إلا كرها لعلمهم بسوء حالهم عند الله وبعدهم منه. هذا هو المعنى اللازم من ألفاظ الآية، وروى كثير من المفسرين أن الله تعالى جعل هذه الآية معجزة لمحمد ﷺ فيهم، وآية باهرة، وأعلمه أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودة مات وفارق الدنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «تمنوا الموت» على جهة التعجيز وإظهار الآية، فما تمناه أحد خوفا من الموت، وثقة بصدق محمد ﷺ ، ثم توعدهم تعالى بالموت الذي لا محيد لهم عنه، ثم بما بعده من الرد إلى الله تعالى، وقرأ ابن مسعود: «منه ملاقيكم» بإسقاط فَإِنَّهُ، وقوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ أي إنباء معاقب مجاز عليه بالتعذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق «فتمنوا الموت» بكسر الواو وكذلك يحيى بن يعمر. قوله : [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٩ الى ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) «النداء بالجمعة» هو في ناحية من المسجد، وكان على الجدار في مسجد رسول الله ﷺ . وقال السائب بن يزيد: كان للنبي ﷺ مؤذن واحد على باب المسجد، وفي مصنف أبي داود: كان بين يديه وهو على منبر أذان، وهو الذي استعمل بنو أمية، وبقي بقرطبة إلى الآن، ثم زاد عثمان النداء على الزوراء ليسمع الناس، فقوم عبروا عن زيادة عثمان بالثاني، كأنهم لم يعتدوا الذي كان بين يدي النبي ﷺ ، وقوم عبروا عنه بالثالث، وقرأ الأعمش وابن الزبير: «الجمعة» بإسكان الميم وهي لغة، والمأمور بالسعي هو المؤمن الصحيح البالغ الحر الذكر، ولا جمعة على مسافر في طاعة، فإن حضرها أحسن، وأجزأته. واختلف الناس في الحد الذي يلزم منه السعي، فقال مالك: ثلاثة أميال. قال القاضي أبو محمد: من منزل الساعي إلى المنادي، وقال فريق: من منزل الساعي إلى أول المدينة التي فيها النداء، وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل المدينة كلها السعي من سمع النداء ومن لم يسمع، وإن كانت أقطارها فوق ثلاثة أميال. قال أبو حنيفة: ولا من منزله خارج المدينة كزرارة من الكوفة، وإنما بينهما مجرى نهر، ولا يجوز لهم إقامتها لأن من شروطها الجامع والسلطان القاهر، والسوق القائمة، وقال بعض أهل العلم: يلزم السعي من خمسة أميال، وقال الزهري: من ستة أميال، وقال أيضا: من أربعة

стр. 2556

أميال وقاله ابن المنكدر، وقال ابن عمر وابن المسيب وابن حنبل: إنما يلزم السعي من سمع النداء، وفي هذا نظر. والسعي في الآية: ليس الإسراع في المشي كالسعي بين الصفا والمروة، وإنما هو بمعنى قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩] ، فالقيام والوضوء ولبس الثوب والمشي سعي كله إلى ذكر الله تعالى، قال الحسن وقتادة ومالك وغيرهم: إنما تؤتى الصلاة بالسكينة، فالسعي هو بالنية والإرادة، والعمل والذكر هو وعظ الخطبة قاله ابن المسيب، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : «إن الملائكة على باب المسجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول إذا خرج الإمام طويت الصحف وجلست الملائكة يستمعون الذكر» ، والخطبة عند جمهور العلماء شرط في انعقاد الجمعة، وقال الحسن: وهي مستحبة، وقرأ عمر بن الخطاب، وعلي وأبي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وجماعة من التابعين: «فامضوا إلى ذكر الله» ، وقال ابن مسعود: لو قرأت «فاسعوا» لأسرعت حتى يقع ردائي. واختلف الناس في: «البيع» في الوقت المنهي عنه إذا وقع ما الحكم فيه بعد إجماعهم على وجوب امتناعه بدءا، فقال الشافعي: يمضي، وقال مرة: يفسخ ما لم يفت فإن فات صح بالقيمة، واختلف في وقت التقويم، فقيل: وقت القبض، وقيل: وقت الحكم، وقوله تعالى: ذلِكُمْ إشارة إلى السعي وترك البيع، وقوله: فَانْتَشِرُوا أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر الإباحة، وكذلك قوله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أنه الإباحة في طلب المعاش، وأن ذلك مثل قوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: ٢] إلا ما روي عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة» . قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة، ويكون نحوه صبيحة يوم السبت، قاله جعفر بن محمد الصادق، وقال مكحول: الفضل المبتغي العلم، فينبغي أن يطلب إثر الجمعة، وقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً الآية نزلت بسبب أن رسول الله ﷺ كان قائما على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، قال مجاهد: وكان من عرفهم أن يدخل عير الميرة بالطبل والمعازف والصياح سرورا بها، فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه وتركوا رسول الله ﷺ قائما على المنبر ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا. قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. قال القاضي أبو محمد: ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما أذكر الآن، إلا إني سمعت أبي ﵁ يقول: هم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الحادي عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: عبد الله بن مسعود، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: بقي معه ثمانية نفر، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على المنفضين من السماء» ، وفي حديث آخر: «والذي نفس محمد بيده، ولو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد، أسال عليكم الوادي نارا» . وقال قتادة: بلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، لأن قدوم العير كان يوافق يوم الجمعة يشبه أن المراحل كانت تعطي

стр. 2557

ذلك. وقال تعالى: إِلَيْها ولم يقل تهمما بالأهم، إذ هي كانت سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها، وفي مصحف ابن مسعود: «ومن التجارة للذين اتقوا والله خير الرازقين» . وتأمل إن قدمت التجارة مع الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين، وهذه الآية، قيام الخطيب، وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية وخطب جالسا، والرازق صفة فعل، وقد يتصف بها بعض البشر تجوزا إذا كان سبب رزق الحيوان، وَاللَّهُ تعالى خَيْرُ الرَّازِقِينَ. نجز تفسير سورة الجمعة والحمد لله كثيرا.

стр. 2558

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المنافقون وهي مدنية بإجماع، وذلك أنها نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك، ذكر الله تعالى فيها ما تقدم من المنافقين من خلفهم وشهادتهم في الظاهر بالإيمان وأنهم كذبة، وذكر فيها ما تأخر منهم ووقع في تلك الغزوة، وسيأتي بيان ذلك فصلا فصلا عند تفسير الآيات إن شاء الله. قوله : [سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) فضح الله تعالى بهذه الآية سريرة المنافقين، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وهم في إخبارهم هذا كاذبون، لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في قلبه، وكسرت الألف من «إن» في الثلاثة، لدخول اللام المؤكدة في الخبر، وذلك لا يكون مع المفتوحة، وقوله: نَشْهَدُ وما جرى مجراها من أفعال اليقين، والعلم يجاب بما يجاب به القسم، وهي بمنزلة القسم، وقرأ الناس: «أيمانهم» جميع يمين، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف «إيمانهم» ، بكسر الألف، أي هذا الذي تظهرون، وهذا على حذف مضاف، تقديره: إظهار إيمانهم، والجنة: ما يستتر به في الأجرام والمعاني، وقوله تعالى: فَصَدُّوا يحتمل أن يكون غير متعد تقول: صد زيد، ويحتمل أن يكون متعديا كما قال: صددت الكأس عنا أم عمرو والمعنى: صدوا غيرهم ممن كان يريد الإيمان أو من المؤمنين في أن يقاتلوهم وينكروا عليهم،

стр. 2559

وتلك سبيل الله فيهم، وقد تقدم تفسير نظير هذه الآية، وقوله تعالى: ذلِكَ إشارة إلى فعل الله تعالى في فضيحتهم وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى ساء عملهم أن كفروا بعد إيمانهم، وقوله تعالى: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا إما أن يريد به منهم من كان آمن ثم نافق بعد صحة من إيمانه، وقد كان هذا موجودا، وإما أن يريدهم كلهم، فالمعنى ذلك أنهم أظهروا الإيمان ثم كفروا في الباطن أمرهم فسمى ذلك الإظهار إيمانا، وقرأ بعض القراء: «فطبع» على بناء الفعل للفاعل، وقرأ جمهور القراء: «فطبع» بضم الطاء على بنائه للمفعول بغير إدغام. وأدغم أبو عمرو، وقرأ الأعمش: «فطبع الله» ، وعبر بالطبع عما خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر والمصير إلى النار، وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ توبيخ لهم لأنهم كانوا رجالا أجمل شيء وأفصحه، فكان نظرهم يروق وقولهم يخيب، ولكن الله تعالى جعلهم «كالخشب المسندة» ، وإنما هي أجرام لا عقول لها، معتمدة على غيرها، لا تثبت بأنفسها، ومنه قولهم: تساند القوم إذا اصطفوا وتقابلوا للقتال، وقد يحتمل أن يشبه اصطفافهم في الأندية باصطفاف الخشب المسندة وخلوهم من الأفهام النافعة خلو الخشب من ذلك، وقال رجل لابن سيرين: رأيتني في النوم محتضنا خشبة، فقال ابن سيرين: أظنك من أهل هذه الآية وتلا: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ. وقرأ عكرمة وعطية: «يسمع» مضمومة بالياء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وعاصم: «خشب» بضم الخاء والشين، وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: «خشب» بضم الخاء وإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار ابن عبيد. وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: «خشب» بفتح الخاء والشين، وذلك كله جمع خشبة بفتح الخاء والشين، فالقراءتان أولا كما تقول: بدنة وبدن وبدن: قاله سيبويه، والأخيرة على الباب في تمرة وتمر. وكان عبد الله بن أبي من أبهى المنافقين وأطولهم، ويدل على ذلك أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه، وقد تقدم في سورة البقرة تحرير أمر المنافقين وكيف سترهم الإسلام. وقوله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، فضح أيضا لما كانوا يسرونه من الخوف، وذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يأمر النبي ﷺ عن الله بقتلهم، وقال مقاتل: فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة أو صياحا بأي وجه كان أو أخبروا بنزول وحي طارت عقولهم حتى يسكن ذلك. ويكون في غير شأنهم، وجرى هذا اللفظ مثلا في الخائف، ونحو قول الشاعر [بشار بن برد العقيلي] : [الوافر] يروّعه السرار بكل أرض ... مخافة أن يكون به السرار وقول جرير: [الكامل] ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا ثم أخبر تعالى بأنهم الْعَدُوُّ وحذر منهم، والْعَدُوُّ يقع للواحد والجمع، وقوله تعالى: قاتَلَهُمُ اللَّهُ دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة، وتمني الشر لهم، وقوله تعالى: أَنَّى يُؤْفَكُونَ معناه: كيف يصرفون، ويحتمل أن يكون أَنَّى استفهاما، كأنه قال كيف يصرفون أو لأي سبب لا يرون

стр. 2560

أنفسهم، ويحتمل أن يكون: أَنَّى ظرفا ل قاتَلَهُمُ كأنه قال قاتَلَهُمُ اللَّهُ، كيف انصرفوا أو صرفوا، فلا يكون في القول استفهام على هذا. قوله : [سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ٥ الى ٨] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) كان أمر عبد الله بن أبي ابن سلول، أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء سبق إليه المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعض الغلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلت فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون ومن لا يتحرى يسمي المهاجرين الجلابيب ومنه قول حسان بن ثابت: [البسيط] أرى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن القريعة أمسى بيضة البلد فقال النبي ﷺ : «أتحض علينا يا حسان» ، ثم إن الجهجاه الغفاري كان أجيرا لعمر بن الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن وبرة الجهني وكان حليفا للأوس فكسع الجهجاه سنانا، فغضب سنان فتأثروا، ودعا الجهجاه: يا للمهاجرين، ودعا سنان: يا للأنصار، فخرج رسول الله ﷺ فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» ، فلما أخبر بالقصة، قال: «دعوها فإنها منتنة» . واجتمع في الأمر عبد الله بن أبيّ في قوم من المنافقين، وكان معهم زيد بن أرقم فتى صغيرا لم يتحفظ منه، فقال عبد الله بن أبي: أوقد تداعوا علينا فو الله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وقال لهم: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وقال لهم: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفروا، فذهب زيد بن أرقم إلى عمه وكان في حجره وأخبره، فأتى به إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال له رسول الله ﷺ : «يا زيد، غضبت على الرجل أو لعلك وهمت» ، فأقسم زيد ما كان شيء من ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبيّ ما حكى، فعاتب رسول الله ﷺ رسول الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف ما قال، وكذّب زيدا، وحلف معه قوم من المنافقين، فكذب رسول الله ﷺ زيدا، وصدق عبد الله بن أبي، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياء من الناس،
следующие страницы →