← Тафсир

Тафсир · id 23632

تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

ابن عطية

Полный текст (3 012 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المجلد الاول] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة «المحرر الوجيز» لابن عطية الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى. وبعد- فقد قال ربنا جل شأنه كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] وقال سبحانه: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٧، ٢٨] . وقال عز من قائل: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] وقال عز شأنه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧] وقال عبد الله بن مسعود: من أراد العلم فليثوّر القرآن «١» . وفي رواية أخرى أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين. وتثوير القرآن: مناقشته ومدارسته والبحث فيه. وهو ما يعرف به. علم التفسير وهو في اللغة: مصدر فسّر.. بمعنى الإيضاح والتبيين. قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣] أي بيانا وتفصيلا. والفسر: البيان وكشف المغطى. قال أبو حيان: ويطلق التفسير أيضا على التعرية للانطلاق، يقال: فسرت الفرس: عرّيته لينطلق، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري. أما في الاصطلاح فقد عرف بعدة تعريفات منها: هو: علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات ذلك «٢» .

стр. 2

- وقال الزركشي «١» : هو علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من: علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ. - وقال السيوطي «٢» : هو علم نزول الآيات وشؤونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها، وهذا التعريف أتم في الدلالة من تعريفي أبي حيان والزركشي. - وقيل «٣» : هو: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية. - وقيل «٤» : هو: اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع. ومن عدّ التفسير علما تسامح «٥» . التأويل وقد عرفنا معنى التفسير لغة واصطلاحا فما معنى التأويل؟ هو في اللغة: من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤول يسوس الكلام ويضعه في موضعه. وقيل: من الأول وهو الرجوع، فكأن المؤول أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني. وأوّل الكلام وتأوّله: دبره وقدره. وأوله وتأوله: فسره «٦» . في الاصطلاح أولا: في الاصطلاح: عند السلف: أ- تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أم خالفه. وعليه فيكون التأويل والتفسير مترادفين.

стр. 3

ب- نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب. وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به، وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر «١» .. ثانيا: عند الخلف: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به «٢» . الفرق بين التفسير والتأويل اختلف العلماء في بيان الفرق بين التفسير والتأويل: - فقد ذهب بعضهم إلى أن التفسير والتأويل بمعنى واحد. وهؤلاء يمثلهم أبو عبيدة وطائفة معه. - وقيل: التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا. والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. وقيل غير ذلك «٣» . والراجح: أن التفسير ما كان راجعا إلى الرواية، والتأويل: ما كان راجعا إلى الدراية، وذلك: لأن التفسير معناه: الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد بطريق مأثور. والتأويل: ملحوظ فيه ترجيح أحد احتمالات اللفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد «٤» . أقسام التفسير «٥» أولا: التفسير بالمأثور.. أي المنقول، ويشمل: ١- تفسير القرآن بالقرآن . ٢- تفسير الرسول للقرآن. ٣- تفسير الصحابة للقرآن. ٤- تفسير التابعين للقرآن. ولنعرّف كلّ نوع من هذه الأنواع. ١- تفسير القرآن بالقرآن اشتمل القرآن الكريم على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص.

стр. 4

وما أوجز في موضع بسط في موضع آخر. وما أجمل في مكان بيّن في آخر. وما جاء مطلقا في آية قد يلحقه التقييد في أخرى. وما كان عاما في مكان قد يدخله التخصيص في مكان آخر. من هنا: كان على من يفسر القرآن الكريم أن يرجع إلى القرآن أولا، يبحث فيه عن تفسير ما يريد، فيقابل الآيات بعضها ببعض، ويستعين بما جاء مسهبا ليعرف به ما جاء موجزا، وبالمبين ليفهم به المجمل، ويحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص. ولا يجوز لأحد- كائنا من كان- أن يتخطى هذا التفسير القرآني. أمثلة لتفسير القرآن بالقرآن. أ- حمل المجمل على المبين ليبين به: - قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة: ٢٧] . فسرتها آية الأعراف (٢٣) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وقال تعالى في سورة المائدة [آية: ١] : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ... فسرتها [آية: ٣] من السورة نفسها: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... الآية. ب- حمل المطلق على المقيد: - وقد مثلوا لذلك بآية الوضوء والتيمم، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦] ومطلقة في التيمم في قوله تعالى- في الآية نفسها- فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ... فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا. - ومنه في كفارة الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... [المجادلة: ٣] . وفي كفارة القتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فيحمل المطلق في الأولى على المقيد في الثانية. ت- حمل العام على الخاص: - ومنه: نفي الخلة والشفاعة على جهة العموم في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ... [البقرة: ٢٥٤] . فقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة في قوله الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] . واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة بقوله وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم: ٢٦] . - وقال تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ٢٣] .

стр. 5

خصص بمثل قوله وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] . ث- ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف لخلق آدم من تراب في بعض الآيات، ومن طين في غيرها، ومن حمأ مسنون في ثالثة، ومن صلصال.... فإن هذا ذكر للأطوار التي مر بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه. ج- التفصيل بعد الإجمال: كقوله تعالى وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ... الآيات فقد فصلت بقوله سبحانه: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ.... وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ... وَأَصْحابُ الشِّمالِ.... وهناك غير ذلك كثير. ٢- تفسير الرسول للقرآن قال عز من قائل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. قال ابن عباس في قوله تعالى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. تبيين حلاله وحرامه. وقد ثبت أن جبريل كان ينزل على الرسول ﷺ في رمضان فيتدارسان القرآن، وعند ما نزل عليه قوله سبحانه خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وقال ربنا لرسوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] . وعن المقدام بن معديكرب: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكىء على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد. إلا أن يستغني عنها صاحبها.... الحديث» . وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا.. وعلى ذلك: فإذا لم نجد تفسير ما نريد من الآيات في القرآن فعلينا أن نلجأ إلى السنة ففيها: - أ- بيان المجمل وتفصيله: مثل: - بيان الرسول ﷺ لمواقيت الصلاة، وعددها، وعدد ركعاتها، وكيفيتها. - بيانه ﷺ لمقادير الزكاة، وأوقاتها وأنواعها، وبيان مناسك الحج.

стр. 6

إذ قال ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال «خذوا عني مناسككم» . ب- توضيح المشكل: من ذلك تفسيره ﷺ للخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... فقد فسره ﷺ بأنه: بياض النهار، وسواد الليل. ومنه: تفسيره ﷺ للقوة الواردة في قوله سبحانه وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. فقد روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وهو على المنبر- «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» ألا وإن القوة الرمي. ألا وإن القوة الرمي. ألا وإن القوة الرمي» . ت- تخصيص العام: - ومن تخصيصه ﷺ الظلم في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.... الآية حين فهم بعض الصحابة بأن المراد بالظلم العموم فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟. فخصصه ﷺ بقوله «ليس بذلك، إنما هو الشرك» - ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. - ومنه تخصيصه ﷺ المورّث بغير الأنبياء بقوله «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» وفي حديث آخر «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بحظّ وافر ... » . ث- تقييد المطلق: - كما في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... إذ قيدت باليمين. وقد جيء إليه ﷺ بسارق فأمر بقطع يمينه. - وكما في حديث «سعد» في الوصية- مما جاء في الصحيحين وغيرهما- عن سعد بن أبي وقاص قال: «مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ... الحديث» . ج- تأكيد ما جاء في القرآن: مثال ذلك: قوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» فهو موافق لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ....

стр. 7

ح- بيان معنى لفظ أو متعلقه: مثال ذلك تفسير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ. فقد أخرج أحمد والترمذي- وحسنه- وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين هم النصارى» . خ- بيان أحكام زائدة على ما جاء في القرآن: فقد أورد القرآن- مثلا- المحرمات في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ... حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... الآيات. فأثبتت الأحاديث زيادة على ذلك مثلا: الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها. وهناك أنواع أخرى من تفسير الرسول ﷺ للقرآن. يقول الطبري: «إن مما أنزل الله في القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره ونهيه، وندبه وإرشاده.... إلخ» . وقال أبو حيان: - في معرض حديثه عما يحتاج إليه المفسر: الوجه الرابع: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن الرسول ﷺ وذلك من علم الحديث. القدر الذي فسره الرسول من القرآن الرأي الأول: اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: كله، وقال بعضهم: بعضه. فمن الذين قالوا: كله، ابن تيمية.. يقول- ومن ذهب مذهبه-: إن النبي ﷺ بيّن لأصحابه كل معاني القرآن الكريم، كما بين لهم ألفاظه، فلم يترك فيه جزءا يحتاج إلى بيان إلا بينه وفسره. وقد استدلوا على ذلك بما يأتي ١- قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فالبيان في الآية يتناول بيان معاني القرآن كله، وبيان معاني ألفاظه. ٢- ما روي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وابن مسعود- وغيرهما ﵃ أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. وذكر الإمام مالك في الموطأ: أن ابن عمر أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنوات.

стр. 8

٣- إن العادة تمنع قوما أن يقرؤوا كتابا ولا يستفسروه، فكيف بالقرآن كتاب الله الذي به نجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. ٤- ما أخرجه الإمام أحمد- في مسنده- وابن ماجة عن عمر من أن الرسول ﷺ قبض قبل أن يفسر آية الربا.. قالوا: فحوى ذلك: أن النبي ﷺ كان يفسر كل ما نزل من القرآن ولم يفسر هذه الآية. وقد ردّ عليه بما يلي: ١- إنه لا دليل في آية سورة النحل على أن الرسول فسر القرآن كله، وإنما البيان والتبيين لا يكون إلا لما أشكل فهمه. ثم إن الآية نفسها تبين أن المطلوب من المسلمين أن يتفكروا في آيات القرآن.. ٢- ولا دليل في ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي- أيضا- لأنهم لم يحددوا الزمن الذي كانوا يحفظون فيه العشر آيات.. ثم إنهم كانوا يعلمون كثيرا منه مما لا يحتاج إلى بيان فهم أهل اللسان الأول، والبيان والفصاحة. ٣- استدلالهم بأن الرسول ﷺ توفي قبل تفسير آية الربا لا يدل على ما أرادوا- وإنما هو دليل على أن الرسول ﷺ لم يبين لهم كل معاني القرآن. ثم إن ابن تيمية نفسه يقول في أحسن طرق التفسير: الأول: إن أصح الطرق تفسير القرآن بالقرآن. الثاني: فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة. الثالث: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى الناس بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها. الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا عند الصحابة ما نريد رجعنا إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر..... إلخ. معنى ذلك أن الرسول لم يفسر القرآن الكريم كله. الرأي الثاني: وهو للسيوطي وغيره، الذين ذهبوا إلى أن الرسول ﷺ لم يبين لأصحابه معاني القرآن كله، وإنما بين القليل النادر، واستدلوا على ذلك ب: ١- حديث روي عن السيدة عائشة- رواه البزار: عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد، علمه إياهن جبريل. ٢- بيان الرسول لكل معاني القرآن متعذر. ٣- لو فسر الرسول القرآن كله ما دعا لابن عباس قائلا: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» .

стр. 9

الرد عليهم: ١- أما الحديث الذي استدلوا به فهو حديث منكر غريب لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيري، وهو مطعون فيه. ٢- وأما الدليل الثاني فلا بد أيضا على ندرة ما جاء عن النبي ﷺ في التفسير، إذ إن دعوة إمكان التفسير بالنسبة لآيات قلائل، وتعذره للكل غير مسلمة. ٣- لو سلمنا أن الدليل الثالث يدل على أن النبي ﷺ لم يفسر كل معاني القرآن، فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى. التوفيق بين الرأيين روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال «١» : التفسير على أربعة أوجه: - وجه تعرفه العرب من كلامها. - وتفسير لا يعذر أحد بجهالته. - وتفسير يعلمه العلماء. - وتفسير لا يعلمه إلا الله. ولم يفسر الرسول ﷺ لأصحابه ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذي لا يعذر أحد بجهله لأنه لا يخفى على أحد، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة ... وإنما فسر لهم الرسول ﷺ بعض المغيبات التي أخفاها الله عنهم ... وفسر لهم أيضا كثيرا مما يندرج تحت القسم الثالث وهو ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم، كبيان المجمل، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، وما إلى ذلك مما خفي معناه، والتبس به المراد «٢» . ٣- تفسير الصحابة للقرآن إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة والأحاديث عن النبي ﷺ رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة. ذلك: أنهم أدرى منا بالقرآن، فقد بين لهم الرسول معانيه، وأزال مشكله، وشرح مجمله. وهم أعلم بتفسيره منا لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقلب المستضيء، والعقل الذكي، ولا سيما كبراءهم وعلماءهم كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبيّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأمثالهم.

стр. 10

عن عبد الله بن مسعود قال: «من كان منكم متأسيا فليتأسّ بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم» . وقال الإمام الشافعي عنهم: «هم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا» . أدوات الاجتهاد في التفسير عند الصحابة أ- معرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها، فإن ذلك يعين على فهم الآيات التي لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب. «فقد ورد أن عمر بن الخطاب قال: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر العرب، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم» . ب- معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ... في عصر التنزيل. فذلك مما يعين على فهم القرآن ويبعد من الوقوع في الشّبه. فمن عرف منهم أن خزاعة عبدت «الشعرى» ولم يعبد العرب كوكبا سواها عرف سر تخصيصها بالذكر في قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى. ت- معرفة أسباب النزول وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات فإنها قرائن تعين على الفهم. يقول الواحدي «١» : لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها. وفي جواب ابن عباس لعمر بن الخطاب ما يبين أهمية معرفة سبب النزول: إذ سأله عمر بن الخطاب عن سر اختلاف الأمة، فقال له: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا «٢» . ث- معرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن، إذ تعين على فهم الآيات التي تتحدث عنهم أو ترد عليهم. ح- قوة الفهم وسعة الإدراك. وبدهي أنهم قد تفاوتوا في ذلك، وقد كان ابن عباس صاحب النصيب الأوفر في ذلك، بدعاء النبي ﷺ له.

стр. 11

أشهر مفسري القرآن من الصحابة اشتهر من الصحابة بتفسير القرآن الكريم: الخلفاء الأربعة- عبد الله بن مسعود- أبي بن كعب- زيد بن ثابت- الزبير بن العوام- عبد الله بن عباس. علي بن أبي طالب: ومعظم ما روي من التفسير عن الخلفاء الراشدين هو عن عليّ كرّم الله وجهه، وذلك لبعده عن مهام الخلافة إلى نهاية خلافة عثمان. ثم إنه نشأ في بيت النبوة، وترعرع في كنف رسول الله ﷺ فنهل من علمه، ثم زوّجه ﷺ ابنته فاطمة الزهراء. وقد دخل على تفسيره الشيء الكثير مما لم يقل به ولم يعلمه، إنما نسبه إليه غلاة الشيعة. فإذا ما ثبت عنه قول صحيح النسبة إليه- كما يقول سعيد بن جبير. ( ... لم نعدل إلى غيره) وقد قال عليّ عن نفسه وهو يخطب «١» : سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. وقال- فيما رواه ابن سعد-: «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلام نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا ناطقا» . وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله من علي» . عبد الله بن مسعود: كان من أعلم الناس بالتفسير- يقول عن نفسه «٢» : والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقد زكّاه عليّ- كرم الله وجهه- وشهد له بسعة علمه وعلو كعبه في ذلك، فقد قالوا لعلي: أخبرنا عن ابن مسعود، قال: «علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما» .

стр. 12

روى البخاري عن مسروق قال: ذكر عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن عمرو- يعني: ابن العاص، فقال: لا أزال أحبه بعد ما سمعت النبي ﷺ يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب» . أبيّ بن كعب: أحد المشهورين بحفظ القرآن، العالمين بقراءته، وأحد كتاب الوحي للرسول ﷺ . قال فيه عمر بن الخطاب: «أبيّ أقرؤنا» . رواه البخاري. قال له النبي ﷺ : إن الله أمرني أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا.... قال: وسماني؟ قال «نعم» فبكى. وفي رواية أخرى: قال ﷺ : إني أمرت أن أعرض عليك القرآن، فقال أبيّ: بالله آمنت، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت، قال: فرد النبي ﷺ القول، فقال: يا رسول الله: وذكرت هناك؟ قال: نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى، قال: فأقرأ إذن يا رسول الله. وفرح أبيّ فرحة غامرة، صرح بها حين سئل: وفرحت بذلك؟ فأجابه: وما يمنعني وهو يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وقال ﷺ : «استقرئوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» «١» . يقول عبد الله بن عباس «٢» : «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدا إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ فجعلت أسأل أبي بن كعب يوما عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة» . زيد بن ثابت: كان من كتاب الوحي، ذا بصيرة نافذة، وعقل واع، وبديهة حاضرة، ولذلك أمره ﷺ أن يتعلم السريانية والعبرانية حتى لا يزيدوا في رسائله ﷺ . قال زيد: فتعلمت السريانية في خمسة عشر يوما- والعبرانية في خمسة عشر يوما «٣» .

стр. 13

هو: أعلم الناس بالفرائض- قال النبي ﷺ لأصحابه: «أفرض أمتي زيد بن ثابت» «١» . وقال سليمان بن يسار «٢» : «ما كان عمر ولا عثمان يقدمان على زيد بن ثابت أحدا في القضاء، والفتوى، والفرائض، والقراءة» . عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن: هو أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن، سماه ابن مسعود: ترجمان القرآن، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. تردد ابن عباس كثيرا على بيت النبوة، إذ فيه خالته «ميمونة» زوج الرسول ﷺ . فكانت تؤنسه وتلاطفه، وكان ﷺ ينظر إليه نظرة إعجاب، وتوسم فيه الخير الكثير، ودعا له بقوله: اللهم آته الحكمة. ودعا له ﷺ قائلا: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. ورآه جبريل عند الرسول ﷺ فأوصاه به وقال: إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوص به خيرا وقد نهل من مأدبة الرسول العلمية والخلقية فهو الذي قال له ﷺ : يا غلام: «إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» «٣» . ولما توفي الرسول ﷺ واصل ابن عباس رحلة العلم، فتتلمذ على كبار الصحابة، فكان كثيرا ما يجلس على باب أحدهم وهو قائل- أي وقت القيلولة- فيتوسد رداءه، وتسفي عليه الريح التراب، حتى يخرج الصحابي فيراه فيقول له: يا ابن عم رسول الله: ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فيجيب حبر الأمة: لا، أنا أحق أن آتيك، ثم يسأله عما يحتاج إليه من العلم. وفي خلافة عمر بن الخطاب ظهر نبوغه الشديد فكان عمر يدنيه من مجلسه، ويعده للمعضلات، وإذا أشكلت عليه قضية دعاه، فقال له: أنت لها ولأمثالها، ثم يأخذ بقوله، ولا يدعو لذلك أحدا «٤» . وأحب عمر فيه- مع علمه- جرأته رغم حداثة سنه. قال عمر يوما لأصحاب النبي ﷺ : فيمن ترون نزلت هذه الآية أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... الآية؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم.

стр. 14

وهنا برزت جرأة ابن عباس فقال بكل أدب وتوقير لأصحاب النبي ﷺ : في نفسي منها شيء. فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: رجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله «١» . قال عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس: أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده. وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، وتأويل وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ منه ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ولا أفقه في رأي، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه. ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط مسألة إلا وجد عنده علما. وقيل لطاوس: لزمت هذا الغلام- يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ !! قال: إني رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس. قيمة تفسيره: يقول علي كرم الله وجهه عن تفسيره: «كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق» . وقال ابن عمر: ابن عباس أعلم أمة محمد بما نزل على محمد. وقال تلميذه مجاهد عنه: إنه إذا فسر الشيء رأيت عليه النور. قيمة التفسير المأثور عن الصحابة قال العلماء: - إن التفسير المأثور عن الصحابة له حكم المرفوع إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول وما ليس للصحابي فيه رأي. - أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوف عليه ما دام لم يسنده إلى رسول الله ﷺ .

стр. 15

- وما حكم عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز رده اتفاقا، بل يأخذه المفسر ولا يعدل عنه إلى غيره بأية حال. - وما حكم عليه بالوقف اختلف العلماء فيه: - قال بعضهم: لا يجب الأخذ به لأن الصحابي مجتهد والمجتهد قد يخطىء وقد يصيب. - وقال بعضهم: يجب الأخذ به لظن سماعهم من الرسول ﷺ ، ولأنهم حتى مع تفسيرهم القرآن برأيهم فهم أصوب لدرايتهم بكتاب الله، إذ هم أهل اللسان، ولبركة صحبتهم للرسول ﷺ ، والتخلق بأخلاقه ﷺ ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح ولا سيما علماؤهم الكبار كابن مسعود وابن عباس. قال ابن كثير: « ... وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى الناس بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ... » وقال الزركشي: «اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل وقسم لم يرد. والأول: إما أن يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة، أو رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند. والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، أو مما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه» . مدارس التفسير ١- مدرسة مكة قامت مدرسة التفسير في مكة على يدي عبد الله بن عباس، فهو مؤسسها وأستاذها. فكان يجلس لأصحابه من التابعين يفسر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما خفي من معانيه وقد كانت هذه المدرسة أهم المدارس نظرا ل: - مركز مكة الروحي لدى المسلمين جميعا. - لأن أستاذها ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. يقول ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح. وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وتتميز هذه المدرسة بنهج المنهج اللغوي في تفسير القرآن، ولا عجب فأستاذها ابن عباس وهو من

стр. 16

هو في حفظ الشعر العربي، ومسائل نافع بن الأزرق وأجوبة ابن عباس عليها تدل على مدى تبحره في ذلك.. ٢- مدرسة المدينة قامت هذه المدرسة على يدي أبي بن كعب ﵁، ولأن المدينة كانت دار الإسلام وقطب رحاه في حياة النبي ﷺ بعد الهجرة، وكانت مقر الخلافة الراشدة- كانت لها مكانتها عند المسلمين ولا زالت، ومن هنا كانت مركزا علميا مهما- ومن أشهر من تتلمذ على يدي أبيّ في هذه المدرسة: زيد بن أسلم، أبو العالية، محمد بن كعب القرظي ... مدرسة العراق وقد قامت هذه المدرسة على يدي الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فهو أستاذها الأول، ذلك أن عمر بن الخطاب لما ولّي عمار بن ياسر على الكوفة سيّر معه عبد الله بن مسعود معلما ووزيرا. ويمتاز أهل العراق بأنهم أهل الرأي. وهذه ظاهرة نجدها بكثرة في مسائل الخلاف. وأشهر رجال هذه المدرسة: علقمة بن قيس، مسروق، الأسود بن يزيد، مرة الهمداني، عامر الشعبي، الحسن البصري، قتادة. وهؤلاء الذين تخرجوا في تلك المدارس هم مفسرو التابعين للقرآن الكريم. من أهم كتب التفسير بالمأثور ١- جامع البيان في تفسير القرآن للطبري. ٢- بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي انظر الكلام مفصلا في تحقيقنا لدار الكتب العلمية. ٣- معالم التنزيل للبغوي. ٤- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية وهو الذي نحن بصدده. ٥- تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير. ٦- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. ثانيا: التفسير بالرأي والمراد بالرأي: الاجتهاد.. فالتفسير بالرأي: هو تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب ومفاهيمهم في القول، ومعرفته للألفاظ ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي، ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر.

стр. 17

وقد اختلف العلماء في جواز التفسير بالرأي اختلافا كبيرا لا داعي للخوض فيه فعليك بمقدمه البحر المحيط واللباب في علوم الكتاب وبحر العلوم فقد فصلنا القول فيه وفي مذاهب أهل العلم في حكم التفسير بالرأي. من أشهر كتب التفسير بالرأي ١- مفاتيح الغيب للإمام الفخر الرازي. ٢- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. ٣- مدارك التنزيل وحقائق التأويل للتقي. ٤- لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن ٥- البحر المحيط لأبي حيان.. منهج ابن عطية في التفسير لقد سلك ابن عطية في تأليف كتابه «المحرر الوجيز» مسالك المفسرين فجاء كتابه جامعا بين المأثور والمعقول فمن أهم الأسس التي قام عليها منهجه في تفسيره: ١- الجانب الأثري يذكر ابن عطية دائما ما روي عن سيدنا رسول الله ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن ولكن دون ذكر أسانيد المرويات وكثيرا لا يذكر تخريج الحديث ويكتفي أحيانا بذكر الصحابي الراوي للحديث وكان ينقل عن ابن جرير الطبري كثيرا ويناقش رأيه ويرد عليه أحيانا. ٢- جانب الرأي عند ابن عطية كان ابن عطية ﵀ يكثر في تفسيره من ذكر وجوه الاحتمالات التي يمكن حمل الآية عليها ناقلا ذلك عن المفسرين وغيرهم فيقوم بتفسير الآية بعبارة عذبة سهلة- مناقشا ما ينقله من آراء وكان كثير الاستشهاد بالشعر العربي، فعني بالشواهد الأدبية للعبارات كما أنه يحتكم إلى اللغة العربية عند ما يوجه بعض المعاني، وهو كثير الاهتمام بالصناعة النحوية كما أنه يتعرض كثيرا للقراءات وتوجيهها في آيات الذكر الحكيم. قال أبو حيان في مقدمة تفسيره في صدد المقارنة بين ابن عطية والزمخشري: «وكتاب ابن عطية أنقل، وأجمع، وأخلص، وكتاب الزمخشري ألخص، وأغوص» .

стр. 18

مصادر ابن عطية لا شك أن المصادر تعتبر النواة الأولى للمفسر سواء كانت هذه المصادر تلقى عن الشيوخ أو متمثلة في الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير فيمكن أن نقسم المصادر إلى نوعين: المصدر الأول وهو شيوخه وقد تقدم الكلام عليهم والمصدر الثاني وهو الكتب التي استفاد منها في كتابة التفسير فنقول ولله الحمد والمنة: فكان من أهم الكتب التي تأثر بها التفسير القيم المسمى ب: ١- «جامع البيان في تفسير القرآن» : وتفسير ابن جرير هو لأبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ولد سنة أربع وعشرين ومائتين وتوفي سنة عشر وثلاثمائة وكان حافظا لكتاب الله ومحيطا بالآيات ناسخها ومنسوخها وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها وبأحوال الصحابة ولذلك كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله «١» . ومع جلال قدر الإمام الطبري عند أهل العلم وخاصة الإمام ابن عطية الغرناطي لم يكن موقف ابن عطية موقف المتأثر «٢» دائما الذي ينقل أقوال الطبري ويوافقه في جميع ما ذهب إليه، بل كان ابن عطية كثيرا ما يناقش الإمام الطبري فيما ذهب إليه وهنا تتضح شخصية الإمام ابن عطية في نظر الباحثين. ٢- «شفاء الصدور» : لأبي بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش المقرئ المفسر، كان إمام أهل العراق في القراءات والتفسير قرأ القرآن على هارون بن موسى الأخفش، وابن أبي مهران وجماعة وقرأ عليه خلائق وروى الحديث عن أبي مسلم الكجّي ومطين والحسن بن سفيان وآخرين، وروى عنه الدارقطني وابن شاهين وأبو علي بن شاذان وجماعة. ضعفه جماعة قال البرقاني: كل حديث النقاش منكر، فقال الخطيب: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقال الذهبي: ليس بثقة على جلالته ونبله «٣» . ولضعف هذا الرجل كان نقل الإمام ابن عطية عنه على حذر وخيفة فكان ينظر إلى كلامه بعين الناقد البصير فإن كان ضعيفا نبه عليه وعبر عنه بأنه وهم. ٣- «التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل» : وهو لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي التميمي مقرىء أندلسي أصله من المهدية بالقيروان وكان

стр. 19

مقدما في القراءات والعربية ومات في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة «١» . والمهدوي: نسبة إلى المهدية، بينها وبين القيروان مرحلتان بناها أحمد بن إسماعيل المهدي على ساحل البحر «٢» . يقول شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الوهاب فايد: وكان موقف ابن عطية من هذا المصدر أننا نجده أحيانا يستشهد بكلام المهدوي دون أن يعقب عليه وكأنه بذلك يشير إلى أن كلامه محتمل في معنى الآية وفي كثير من الأحيان ينقل كلام المهدوي في الآية ثم يردفه بالتعقيب عليه «٣» . ٤- «الهداية إلى بلوغ النهاية» : هو لمكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار أبو محمد القيسي، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية. وكان موقف ابن عطية من هذا التفسير مشابها إلى حد كبير تفسير الإمام المهدوي «٤» . مصادر ابن عطية في الحديث السنة النبوية الشريفة تعتبر أصلا من أصول التشريع الإسلامي فهي شارحة للقرآن الكريم مفصلة لمجمله، مقيدة لمطلقه مخصصة لعامه مبينة لمبهمه مظهرة لأسراره «٥» فكان ابن عطية ينهل من الكتاب الكريم فإن لم يجد أخذ من السنة الصحيحة فكان من أهم المصادر التي استفاد منها في كتابه أولا: ١- صحيح البخاري المسمى بالجامع الصحيح. وهو لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة ٢٥٦ هـ وقد خرج الإمام ابن عطية عنه كثيرا. ٢- المسند الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة ٢٦١ هـ «٦» وهو من المصادر الهامة لابن عطية قد خرج عنه كثيرا. ٣- سنن أبي داود. وهو سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر المتوفى سنة ٢٧٥ هـ. «٧»

стр. 20

٤- الجامع الصحيح المسمى بسنن الترمذي. وهو للإمام أبي عيسى بن محمد بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي البوغي الترمذي الضرير، توفي سنة ٢٧٩ هـ وقيل غير ذلك «١» . ٥- سنن النسائي للإمام أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني توفي في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة «٣٠٣» هـ «٢» . وغير ذلك من المصادر التي ستقف عليها من خلال قراءتك في الكتاب. مصادره في علم القراءات ١- القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة ... والمقري: العالم بها رواها مشافهة، فلو حفظ التيسير مثلا ليس له أن يقرىء، بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة. وكان تفسير ابن عطية مملوءا بالقراءات مستعملها وشاذها فكان اعتماده على مصادر كثيرة من أبرزها: ١- «المحتسب» وهو كتاب متداول بين أهل العلم مطبوع في مجلدين وهو لأبي الفتح عثمان بن جني- بسكون الياء معرب- من حذاق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، توفي سنة ٣٩٢ «٣» . قلت: وقد أكثر النقل عنه بخاصة في توجيه القراءات الشاذة. ٢- «الحجة في علل القراءات السبع» لأبي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان الإمام أبي علي الفارسي توفي ببغداد سنة ٣٧٧ هـ «٤» . يقول الأستاذ عبد الوهاب: «وقد لا حظت أن ابن عطية في بعض نقوله عن أبي علي الفارسي كانت له شخصيته الناقدة وعقليته الفاحصة، حيث كان أحيانا يناقش الفارسي ويتعقبه في أقواله وآرائه» .. وذكر لذلك أمثلة ...

стр. 21

٣- التيسير لأبي عمرو بن عثمان بن سعيد بن عثمان، أبي عمرو الداني ويقال له ابن الصيرفي من موالي بني أمية: أحد حفاظ الحديث، توفي سنة ٤٤٤ هـ «١» . وكان ابن عطية ينقل منه كثير وهذا يتضح لقارىء الكتاب. مصادر ابن عطية في اللغة والنحو والمعاني ١- معاني القرآن للفراء وهو لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء كان من أعلام أهل الكوفة بالنحو بعد أستاذه الكسائي وقال فيه أبو العباس ثعلب: لولا الفراء ما كانت عربية، لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد، توفي سنة ٢١٧ هـ «٢» . ٢- معاني القرآن للزجاج لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج، أحد أئمة أهل العربية وأقدم أصحاب المبرد توفي سنة ٣١١ هـ. ٣- «الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني» وهو لأبي علي الفارسي. ٤- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري. كان من أعلم الناس بالعربية وأخبار العرب توفي سنة ٢٠٩ هـ. ٥- «الكتاب» لسيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين ويقال له أبو الحسن مولى بني الحارث بن كعب ولقب بسيبويه ومعناه رائحة التفاح توفي سنة ١٨٠ هـ وقيل غير ذلك «٣» . ٦- المقتضب لأبي العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري أبي العباس المبرد إمام العربية في زمانه توفي سنة ٢٨٥ هـ «٤» .

стр. 22

٧- العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله، توفي سنة ١٧٠ هـ «١» . ٨- إصلاح المنطق ليعقوب بن إسحاق بن السكيت أبي يوسف من أكابر أهل اللغة قال المبرد عن كتابه: ما رأيت للبغداديين كتابا خيرا من كتاب يعقوب بن السكيت في المنطق، توفي سنة ٢٤٤ هـ «٢» . ٩- الفصيح لأبي العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني مولاهم البغدادي الإمام أبي العباس ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة، توفي سنة ٢٩١ هـ «٣» . ١٠- «المجمل في اللغة» لأحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب أبي الحسين اللغوي القزويني، توفي سنة ٣٩٥ بالريّ «٤» . ١٠- المخصص لعلي بن أحمد بن سيده اللغوي النحوي الأندلسي أبي الحسن الضرير صاحب المحكم والمحيط توفي سنة ٤٥٨ هـ «٥» . مصادر ابن عطية في الفقه والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية «٦» وعرفه ابن خلدون في مقدمته فقال: الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة وهي متلقاة من الكتاب وما نصه الشارع لمعرفته من الأدلة فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها فقه. فالفقه في تفسير ابن عطية متلقى من كتب المذاهب المختلفة خاصة المذهب المالكي حيث إنه السائد آنذاك فمن أهم المصادر:

стр. 23

١- الموطأ وهو لإمام دار الهجرة مالك بن أنس وهو أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة، توفي سنة ١٧٩ هـ ودفن بالبقيع «١» . ٢- المختصر لعبد الله بن عبد الحكم بن أعين كان من أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه الرياسة بعد أشهب، توفي سنة ٢١٤ هـ «٢» . ٣- المدونة وهي أصل المذهب المالكي وعمدته قال سحنون: إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن تجزي في الصلاة عن غيرها ولا يجزي غيرها عنها. وأصل المدونة أسئلة أسد بن الفرات علي بن عبد الرحمن بن القاسم بعد وفاة مالك فأجابه ابن القاسم بنص قول مالك مما سمعه منه أو بلغه عنه أو قاسه على قوله ورحل بها أسد إلى القيروان فكانت تسمى «الأسدية» و «كتاب أسد» و «مسائل ابن القاسم» ثم طلبها سحنون من أسد فمنعه إياها فتلطف به سحنون حتى وصلت إليه فرحل بها سحنون إلى ابن القاسم فسمعها منه وأصلح فيها أشياء كثيرة رجع ابن القاسم عنها ثم كتب ابن القاسم إلى أسد أن يعرض كتابه على سحنون ويصلحه منها فأنف عن ذلك فرتبها سحنون فأصبحت المدونة المشهورة بين الخلائق «٣» . ٤- الواضحة لعبد الملك بن حبيب السلمي فقيه أهل الأندلس، توفي سنة ١٨٣ هـ «٤» . ٥- التفريع لأبي القاسم بن الجلاب المتوفى سنة ٣٧٨ هـ «٥» . ٦- «الإشراف على مذاهب أهل العلم» لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة ٣٠٩ هـ «٦» .

стр. 24

الترجمة اسمه ومولده القاضي أبو محمد: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الرؤوف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية المحاربي الداخل «١» . ولد سنة ثمانين وأربعمائة واعتنى به والده ولحق به الكبار وطلب العلم وهو مراهق وكان يتوقد ذكاء. شيوخه ١- والده الحافظ الناقد المجود أبوبكر غالب بن عبد الرحمن. وكان والده يعتبر اللبنة الأولى له في تلقينه للعلوم والمعارف لا سيما وهو إمام جليل قال عنه ابن بشكوال كان حافظا للحديث وطرقه وعلله عارفا بالرجال ذاكرا لمتونه ومعانيه وكان أديبا شاعرا لغويا دينا فاضلا توفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة من جمادى الآخرة وله سبع وسبعون سنة. «٢» ٢- الحافظ الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي الغساني محدث الأندلس، كان بصيرا بالعربية واللغة والشعر والأنساب وتصدر بجامع قرطبة وأخذ عنه الأعلام وكان مما أخذ عنه الإمام ابن عطية رحمهما الله. وتوفي سنة ٤٩٨ هـ «٣» . ٣- الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن سكرة الصدفي. كان عالما بالحديث وطرقه، عارفا بالقراءات وله الباع الطويل في الرجال والعلل والأسماء والجرح والتعديل وكان حسن الخط جيد الضبط توفي سنة ٥١٤ «٤» . ٤- الإمام أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري المعروف بابن الباذش كانت له الإمامة بالأندلس في صناعة العربية وإقراء القرآن توفي سنة ٥٢٨ «٥» .

стр. 25

٥- الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب القرطبي وصفه ابن بشكوال بقوله «آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد وسعة الرواية» «١» توفي سنة ٥٢٠ هـ. ٦- الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد العزيز بن حمدين التغلبي أجلّ رجال الأندلس وزعيمها في وقته ومقدمها جلالة ووجاهة وفهما ونباهة، مع النظر الصحيح في الفقه والأدب البارع والتقدم في النثر والنظم توفي سنة ٥٠٨ هـ «٢» . ٧- الفقيه أبو بحر سفيان بن العاصي بن أحمد الأسدي من جلة العلماء وكبار الأدباء ضابطا لكتبه صدوقا في روايته من أهل الرواية والدراية توفي سنة ٥٢٠ هـ «٣» . تلاميذه لقد فاق الإمام ابن عطية الغرناطي في كثير من العلوم والمعارف فكان من الطبيعي أن ينهل منه وينتفع به ويتتلمذ عليه فقد درس عليه كثير من رواد العلم فمن أشهرهم: ١- الإمام الحافظ الثقة أبو بكر محمد بن خير بن عمر الإشبيلي المتوفى سنة ٥٧٥ هـ. ٢- الإمام الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة المرسي المتوفى سنة ٥٩٩ هـ. ٣- الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري المشهور بابن حبيش المتوفى سنة ٥٨٤ هـ. ٤- الإمام الفيلسوف أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي المتوفى سنة ٥٨١ هـ. ٥- الإمام العالم الثقة أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي القرطبي توفي سنة ٥٩٢ هـ.

стр. 26

مصنفاته ساهم ابن عطية ﵀ في إثراء المكتبة الإسلامية بالذخائر والنفائس فكان من أشهر هذه النفائس. التفسير وهو يعد من أشهر كتب التفسير بالمأثور فهو جليل الفائدة عظيم النفع، وكان الباعث «١» على وضع هذا التفسير هو التقرب إلى الله تعالى فقال في مقدمة تفسيره إنه أراد أن يختار لنفسه وينظر في علم يعد أنواره لظلم رمسه، فعلم أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم ووجد أن علم كتاب الله هو أمتن العلوم حبالا وأرسخها جبالا وأجملها آثارا وأسطعها أنوارا، وأيقن أنه أعظم العلوم تقربا إلى الله تعالى وتخليصا للنيات، ونهيا عن الباطل وحضا على الصالحات ورجا من وراء اشتغاله بهذا العلم- أن الله تعالى يحرم على النار فكرا عمرته أكثر عمره معانيه، ولسانا مرن على آياته ومثانيه، ونفسا ميزت براعة رصفه ومبانيه، وجالت سوامها في ميادينه ومغانيه ومن أجل هذا كله ثنى إلى هذا العلم عنان النظر وأقطع جانب الفكر وجعله فائدة العمر. هل وضع له اسما؟ يرى الدكتور عبد الوهاب فائد مع جمع من المؤرخين أن ابن عطية لم يضع لتفسيره اسما خاصا به فقد ذكره ابن عميرة الضبي «٢» فقال: ألف ابن عطية تفسيرا ضخما أربى فيه على كل متقدم وذكر أيضا لسان الدين بن الخطيب وهو من علماء القرن الثامن الهجري أنه ألف كتابا في التفسير يسمى بالوجيز فأحسن فيه وأبدع- وطار- لحسن نيته- كل مطار وأما من أطلق عليه اسمه المعروف الآن وهو المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. فهو ملا كاتب حلبي المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ فهو الذي أطلق عليه ومن ثم نستطيع أن نقول إن هذا الاسم لم يكن من وضع ابن عطية «٣» . الفهرست وقد كتبه سنة (٥٣٣) وهو محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢٦٤٩١) ب.

стр. 27

ثناء العلماء عليه قال الذهبي في السير «١» : الإمام العلامة شيخ المفسرين كان إماما في الفقه وفي التفسير وفي العربية قويّ المشاركة، ذكيا فطنا مدركا من أوعية العلم. وقال ابن الزبير: كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا، بارعا شاعرا مفيدا، ضابطا سنيا فاضلا من بيت علم وجلالة، غاية في توقد الذهن وحسن الفهم وجلالة التصرف «٢» . وقال ابن فرحون «٣» : كان فقيها عالما بالتفسير، والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب مقيدا حسن التقييد. وقال الداودي كما قال ابن فرحون وبهذا نكون قد علمنا أن كتب التراجم والسير أجمعت على توثيقه وسعة علمه، وتفسيره خير شاهد على ثقته وأمانته. ولله الحمد والمنة وفاته في ليلة خامس عشر رمضان سنة اثنتين- وقيل إحدى، وقيل ست- وأربعين وخمسمائة توفي هذا الإمام الجليل بلورقة عليه هواطل رحمة الغفور المنان.

стр. 28

[مقدمة] بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله الملك العظيم وصلى الله على سيدنا محمد الكريم وعلى آله قال الشيخ الإمام، الفقيه الأجل، الحافظ الأكمل، القاضي الأعدل، أبو محمد عبد الحق، ابن الفقيه الإمام الحافظ أبي بكر غالب، بن عبد الرحمن، بن غالب، بن عبد الرؤوف، بن تمام، بن عبد الله، بن تمام، بن عطية، بن خالد، بن عطية، وهو الداخل إلى الأندلس، ابن خالد، بن خفاف، بن أسلم، بن مكرم المحاربي من ولد زيد، بن محارب، بن خصفة، بن قيس عيلان من أهل غرناطة، ﵀ ونفعه والمسلمين بما دون. الحمد لله الذي برأ النسم، وأفاض النعم، ومنح القسم، وسنى من توحيده وعبادته العصم، ذي العزة القاهرة، والقدرة الباهرة، والآلاء المتظاهرة، الذي أوجدنا بعد العدم، وجعلنا الخيار الوسط من الأمم، وخولنا عوارف لا تحصى، وهدانا شرعة رمت بنا من رضوانه إلى الغرض الأقصى، أنزل إلينا القرآن العزيز، وعد فيه وبشر وأوعد وحذر، ونهى وأمر، وأكمل فيه الدين، وجعله الوسيلة الناجحة والحبل المتين، ويسره للذكر، وخلده غابر الدهر، عصمة للمعتصمين، ونورا صادعا في مشكلات المختصمين، وحجة قائمة على العالم، ودعوة شاملة لفرق بني آدم، كلامه الذي أعجز الفصحاء، وأخرس البلغاء، وشرف العلماء، له الحمد دائبا، والشكر واصبا، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، وأفضل الصلاة والتسليم، على محمد رسوله الكريم، صفوته من العباد، وشفيع الخلائق في المعاد، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الناهض بأعباء الرسالة والتبليغ الأعصم، والمخصوص بشرف السعاية في الصلاح الأعظم، صلى الله عليه وعلى آله صلاة مستمرة الدوام، جديدة على مر الليالي والأيام. وبعد، أرشدني الله وإياك، فإني لما رأيت العلوم فنونا، وحديث المعارف شجونا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن الوجه لمن تشزن للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفا خيارا، ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غرارا، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، حتى ينضي مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسئاد، ويطعم الصبر ويكتحل بالسهاد، فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقا، وأدمنت حتى تفسخت أينا وتصببت عرقا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتخير من العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه، ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه، أو يؤول إليه، ويعنى بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم

стр. 29

كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلى أقواله، ويحتذون على مثاله. فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدت أمتنها حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، هو العلم الذي جعل للشرع قواما، واستعمل سائر المعارف خداما منه تأخذ مبادئها، وبه تعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع وما خالفه رفض ودفع، فهو عنصرها النمير، وسراجها الوهاج، وقمرها المنير. وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى، وتخليصا للنيات، ونهيا عن الباطل، وحضا على الصالحات، إذ ليس من علوم الدنيا فيختل حامله من منازلها صيدا، ويمشي في التلطف لها رويدا. ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكرا عمرته أكثر عمره معانيه، ولسانا مرن على آياته ومثانيه، ونفسا ميزت براعة رصفه ومبانيه، وجالت سومها في ميادينه ومغانيه، فثنيت إليه عنان النظر، وأقطعته جانب الفكر، وجعلته فائدة العمر، وما ونيت- علم الله- إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب، ويمس من لغوب، أو بحسب تعهد نصيب من سائر المعارف. فلما سلكت سبله بفضل الله ذللا، وبلغت من اطراد الفهم فيه أملا، رأيت أن نكته وفوائده تغلب قوة الحفظ وتفدح، وتسنح لمن يروم تقييدها في فكره وتبرح، وأنها قد أخذت بحظها من الثقل، فهي تتفصى من الصدر تفصي الإبل من العقل. قال الله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] . قال المفسرون: أي علم معانيه والعمل بها، وقد قال النبي ﷺ : «قيدوا العلم بالكتاب» ففزعت إلى تعليق ما يتخيل لي في المناظرة من علم التفسير وترتيب المعاني، وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به، وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح- رضوان الله عليهم- كتاب الله من مقاصده العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز، وأهل القول بعلم الباطن، وغيرهم، فمتى وقع لأحد من العلماء الذين قد حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين، نبهت عليه، وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة، وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب المفسرين، ورأيت أن تصنيف التفسير كما صنع المهدوي- ﵀ مفرق للنظر، مشعب للفكر وقصدت إيراد جميع القراءات: مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول. وأنا أسأل الله جلت قدرته، أن يجعل ذلك كله لوجهه، وأن يبارك فيه وينفع به، وأنا وإن كنت من

стр. 30

المقصرين فقد ذكرت في هذا الكتاب كثيرا من علم التفسير، وحملت خواطري فيه على التعب الخطير، وعمرت به زمني، واستفرغت فيه منني، إذ كتاب الله تعالى لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلته ثمرة وجودي، ونخبة مجهودي، فليستصوب للمرء اجتهاده، وليعذر في تقصيره وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولنقدم بين يدي القول في التفسير أشياء قد قدم أكثرها المفسرون، وأشياء ينبغي أن تكون راسخة في حفظ الناظر في هذا العلم مجتمعة لذهنه

стр. 31

باب ما ورد عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وعن نبهاء العلماء، في فضل القرآن المجيد وصورة الاعتصام به قال رسول الله ﷺ : «إنه ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قيل: فما النجاة منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو فصل ليس بالهزل، من تركه تجبرا قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، من علم علمه سبق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم» . قال أنس بن مالك في تفسير قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [البقرة: ٢٥٦، لقمان: ٢٢] . قال: هي القرآن. وقال رسول الله ﷺ : «من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن» . وقال ﵇: «اتلوا هذا القرآن، فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات، أما إني لا أقول «الم» حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف» . وروي عنه ﵇ أنه قال في آخر خطبة خطبها وهو مريض: «أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين، إنه لن تعمى أبصاركم، ولن تضل قلوبكم، ولن تزل أقدامكم، ولن تقصر أيديكم، كتاب الله سبب بينكم وبينه، طرفه بيده، وطرفه بأيديكم، فاعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، ألا وعترتي، وأهل بيتي، هو الثقل الآخر، فلا تسبعوهم فتهلكوا» . وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم صار الشعر والخطب يمل ما أعيد منها، والقرآن لا يمل؟ فقال: لأن القرآن حجة على أهل الدهر الثاني، كما هو حجة على أهل الدهر الأول، فكل طائفة تتلقاه غضا جديدا ولأن كل امرئ في نفسه متى أعاده وفكر فيه تلقى منه في كل مرة علوما غضة، وليس هذا كله في الشعر والخطب. وقيل لمحمد بن سعيد: ما هذا الترديد للقصص في القرآن؟ فقال: ليكون لمن قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ القرآن فرأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله» .

стр. 32

وقال ﵇: «ما من شفيع أفضل عند الله من القرآن، لا نبي ولا ملك» . وقال ﵇: «أفضل عبادة أمتي القرآن» . وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: «من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه» . وحدث أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن» . وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «أشراف أمتي حملة القرآن» . وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٢] . فقال: «سابقكم سابق، ومقتصدكم ناج، وظالمكم مغفور له» . وقال رسول الله ﷺ : «ألا إن أصفر البيوت بيت صفر من كتاب الله» . وروى أنس أن رسول الله ﷺ قال: «القرآن شافع، مشفع، وما حل مصدق من شفع له القرآن نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة كبه الله لوجهه في النار، وأحق من شفع له القرآن أهله وحملته، وأولى من محل به من عدل عنه وضيعه» . وقال ﷺ : «إن الذي يتعاهد هذا القرآن ويشتد عليه له أجران، والذي يقرأه وهو خفيف عليه مع السفرة الكرام البررة» . وقال ابن مسعود: مل أصحاب النبي ﷺ ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ الآية [الزمر: ٢٣] ، ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: قص علينا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣] . وروى عثمان بن عفان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» . وقال عبد الله بن مسعود: «إن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن» . ومر أعرابي على عبد الله بن مسعود وعنده قوم يقرؤون القرآن، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال له ابن مسعود: يقتسمون ميراث محمد ﷺ . ومرت امرأة على عيسى ابن مريم ﵇ فقال: طوبى لبطن حملك، ولثديين رضعت منهما، فقال عيسى: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبع ما فيه. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: ١٩٣] قال: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي ﷺ .

стр. 33

وقال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [يونس: ٥٨] قال: «الإسلام والقرآن» . وقيل لعبد الله بن مسعود: إنك لتقل الصوم؟ فقال: «إنه يشغلني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إليّ منه» . وقال قوم من الأنصار للنبي ﷺ : «ألم تر يا رسول الله ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح فقال لهم: فلعله قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت بن قيس، فقال: نعم قرأت سورة البقرة» . وفي هذا المعنى حديث صحيح عن أسيد بن حضير في تنزل الملائكة في الظلة لصوته بقراءة سورة البقرة. وذكر أبو عمرو الداني عن علي الأثرم قال: كنت أتكلم في الكسائي وأقع فيه، فرأيته في النوم وعليه ثياب بيض ووجهه كالقمر فقلت: يا أبا الحسن ما فعل الله بك؟ فقال: «غفر لي بالقرآن» . وقال عقبة بن عامر: «عهد إلينا رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: عليكم بالقرآن» . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن من أشراط الساعة أن يبسط القول ويخزن الفعل ويرفع الأشرار ويوضع الأخيار وأن تقرأ المثناة على رؤوس الناس لا تغير، قيل وما المثناة؟ قال: ما استكتب من غير كتاب الله، قيل له: فكيف بما جاء من حديث رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما أخذتموه عمن تأمنونه على نفسه ودينه فاعقلوه، وعليكم بالقرآن فتعلموه وعلموه أبناءكم فإنكم عنه تسألون وبه تجزون، وكفى به واعظا لمن عقل. وقال رجل لأبي الدرداء: إن إخوانا لك من أهل الكوفة يقرئونك السلام ويأمرونك أن توصيهم، فقال: أقرئهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم على القصد والسهولة، ويجنبهم الجور والحزونة. وقال رجل لعبد الله بن مسعود: أوصني، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وروى أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ سئل عن أحسن الناس قراءة أو صوتا بالقرآن، فقال: «الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى» . وقال ﵇: «اقرؤوا القرآن قبل أن يجيء قوم يقيمونه كما يقام القدح ويضيعون معانيه يتعجلون أجره ولا يتأجلونه» . ويروى أن أهل اليمن لما قدموا أيام أبي بكر الصديق- ﵁ سمعوا القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر: «هكذا كنا، ثم قست القلوب» . وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ مرة: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ، ما لَهُ مِنْ دافِعٍ [الطور: ٧] فأنّ أنة عيد منها عشرين يوما.

стр. 34

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملا تركبونه، فتقطعون به المراحل، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار. وكان ابن مسعود ﵁ يقول: «أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا درسه عملا، إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به» . قال القاضي عبد الحق ﵁: قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. [القمر: ١٧- ٢٢، ٣٢- ٤٠] . وقال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] أي علم معانيه، والعمل به، والقيام بحقوقه ثقيل، فمال الناس إلى الميسر، وتركوا الثقيل، وهو المطلوب منهم. وقيل ليوسف بن أسباط: بأي شيء تدعو إذا ختمت القرآن؟ قال: «أستغفر الله من تلاوتي لأني إذا ختمته وتذكرت ما فيه من الأعمال خشيت المقت فأعدل إلى الاستغفار والتسبيح» . وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما ختمته أردت الرجوع من أوله فقال لي: اتخذت القراءة عليّ عملا اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك وانظر ماذا يفهمك منه فاعمل به.

стр. 35

باب في فضل تفسير القرآن والكلام على لغته والنظر في إعرابه ودقائق معانيه روى ابن عباس أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: أي علم القرآن أفضل؟ فقال النبي ﷺ : «عربيته فالتمسوها في الشعر» . وقال أيضا ﷺ : «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه فإن الله يحب أن يعرب» . قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: إعراب القرآن أصل في الشريعة، لأن بذلك تقوم معانيه التي هي الشرع. وقال أبو العالية في تفسير قوله : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] ، قال: «الحكمة» الفهم في القرآن، وقال قتادة: «الحكمة» القرآن والفقه فيه، وقال غيره: «الحكمة» تفسير القرآن. وذكر علي بن أبي طالب ﵁ جابر بن عبد الله فوصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: ١٩٧] . وقال الشعبي: رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إليه حتى علم تفسيرها. وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة لا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب. وقال ابن عباس: «الذي يقرأ ولا يفسر كالأعرابي الذي يهذ الشعر» . وقال مجاهد: «أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل» . وقال الحسن: «والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيمن أنزلت وما يعني بها» . وقال النبي ﷺ : «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» . وقال الحسن: «أهلكتهم العجمة، يقرأ أحدهم الآية فيعيى بوجوهها حتى يفتري على الله فيها» . وكان ابن عباس يبدأ في مجلسه بالقرآن ثم بالتفسير ثم بالحديث. وقال علي بن أبي طالب ﵁: «ما من شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن رأي الرجل يعجز عنه» .

стр. 36

باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يفسّر من كتاب الله إلّا آيا بعدد علّمه إياهنّ جبريل» . قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: ومعنى هذا الحديث: في مغيبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» . قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه. وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم، وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك ﵃. فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب ﵁، ويتلوه عبد الله بن العباس ﵄، وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب ﵁. وقال ابن عباس: «ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب» . وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه. وكان عبد الله بن مسعود يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» ، وهو الذي يقول فيه رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين» وحسبك بهذه الدعوة. وقال عنه علي بن أبي طالب: «ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق» ، ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن متقدم.

стр. 37

ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة. قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة، والضحاك بن مزاحم، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير. وأما السدي ﵀ فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح، لأنه كان يراهما مقصرين في النظر، ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، وألف الناس فيه كعبد الرزاق، والمفضل، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم. ثم إن محمد بن جرير الطبري ﵀ جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد وشفى في الإسناد. ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي فإن كلامهما منخول وأما أبو بكر النقاش، وأبو جعفر النحاس، فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكي بن أبي طالب ﵁، وأبو العباس المهدوي ﵀ متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور ﵏، ونضر وجوههم.

стр. 38

(باب معنى قول النبي ﷺ «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه» اختلف الناس في معنى هذا الحديث، اختلافا شديدا، فذهب فريق من العلماء إلى أن تلك الحروف السبعة هي فيما يتفق أن يقال على سبعة أوجه فما دونها، كتعال، وأقبل، وإليّ، ونحوي، وقصدي، واقرب، وجىء، وكاللغات التي في أف، وكالحروف التي في كتاب الله فيها قراءات كثيرة، وهذا قول ضعيف. قال ابن شهاب في كتاب مسلم: «بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام» . قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: وهذا كلام محتمل. وقال فريق من العلماء: «إن المراد بالسبعة الأحرف معاني كتاب الله تعالى، وهي: أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. وهذا أيضا ضعيف، لأن هذه لا تسمى أحرفا، وأيضا: فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا في تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة. وحكى صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وقد حكى نحوه القاضي أبو بكر بن الطيب، قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعة، منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: هن أطهر، وأطهر. ومنها ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه بالإعراب، مثل: ربنا باعد وباعد. ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل: نشرها، وننشزها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه كقوله: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ٥] ، وكالصوف المنفوش، ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الواقعة: ٢٩] وطلع منضود، ومنها بالتقديم والتأخير كقوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] . وسكرة الحق بالموت. ومنها بالزيادة والنقصان كقوله: «تسع وتسعون نعجة أنثى» . وذكر القاضي أبو بكر بن الطيب في معنى هذه السبعة الأحرف حديثا عن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، نهي، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وائتمروا، وانتهوا، واعتبروا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه» . قال القاضي أبو محمد: فهذا تفسير منه ﷺ للأحرف السبعة، ولكن ليست هذه التي أجاز لهم القراءة بها على اختلافها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى:

стр. 39

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: ١١] أي على وجه وطريقة، هي ريب وشك، فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. وذكر القاضي أيضا أن أبيّا ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أبيّ إني أقرئت القرآن على حرف أو حرفين ثم زادني الملك حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف وكاف إن قلت غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم حكيم، وكذلك ما لم تختم عذابا برحمة، أو رحمة بعذاب» . قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وقد أسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه. قال القاضي ابن الطيب: «وهذه أيضا سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق، وغير السبعة التي هي قراءات ووسع فيها، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله تعالى» . وإذا ثبتت هذه الرواية حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسما لله في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه. قال القاضي: «وزعم قوم أن كل كلمة تختلف القراءة فيها فإنها على سبعة أوجه، وإلا بطل معنى الحديث» . قالوا: «وتعرف بعض الوجوه بمجيء الخبر به، ولا نعرف بعضها، إذا لم يأت به خبر» . قال: وقال قوم: ظاهر الحديث يوجب أن يوجد في القرآن كلمة أو كلمتان تقرءان على سبعة أوجه، فإذا حصل ذلك تم معنى الحديث» . قال القاضي أبو بكر بن الطيب: «وقد زعم قوم أن معنى الحديث أنه نزل على سبع لغات مختلفات وهذا باطل إلا أن يريد الوجوه المختلفة التي تستعمل في القصة الواحدة. والدليل على ذلك أن لغة عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وهشام بن حكيم، وابن مسعود، واحدة، وقراءتهم مختلفة، وخرجوا بها إلى المناكرة» . فأما الأحرف السبعة التي صوب رسول الله ﷺ القراءة بجميعها- وهي التي راجع فيها فزاده وسهل عليه لعلمه تعالى بما هم عليه من اختلافهم في اللغات- فلها سبعة أوجه، وسبع قراءات مختلفات، وطرائق يقرأ بها على اختلافها في جميع القرآن أو معظمه، حسبما تقتضيه العبارة في قوله: «أنزل القرآن» فإنما يريد به الجميع أو المعظم، فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها ويدل على ذلك قول الناس: حرف أبيّ وحرف ابن مسعود، ونقول في الجملة إن القرآن منزل على سبعة أحرف من اللغات، والإعراب، وتغيير الأسماء والصور، وإن ذلك مفترق في كتاب الله ليس بموجود في حرف واحد، وسورة واحدة، يقطع على اجتماع ذلك فيها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: انتهى ما جمعت من كلام القاضي أبي بكر ﵁، وإطلاقه البطلان على القول الذي حكاه فيه نظر، لأن المذهب الصحيح الذي قرره آخرا من قوله

стр. 40

«ونقول في الجملة» إنما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وهو اختلاف ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض في الأكثر، وإنما هو أن قريشا استعملت في عباراتها شيئا، واستعملت هذيل شيئا غيره في ذلك المعنى، وسعد بن بكر غيره، والجميع كلامهم في الجملة ولغتهم. واستدلال القاضي ﵁ بأن لغة عمر وأبيّ وهشام وابن مسعود واحدة فيه نظر، لأن ما استعملته قريش في عبارتها ومنهم عمر وهشام، وما استعملته الأنصار ومنهم أبيّ وما استعملته هذيل ومنهم ابن مسعود، قد يختلف، ومن ذلك النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب الله سبحانه، فليست لغتهم واحدة في كل شيء، وأيضا فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعا من قبيلة واحدة، لما كان اختلافهم حجة على من قال: إن القرآن أنزل على سبع لغات لأن مناكرتهم لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس في لغته فأنكره، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي ﷺ وعساه قد أقرأه ما ليس من لغته واستعمال قبيلته. فكأن القاضي ﵀، إنما أبطل أن يكون النبي ﷺ قصد في قوله: على سبعة أحرف عد اللغات التي تختلف بجملتها وأن تكون سبعا متباينة لسبع قبائل تقرأ كل قبيلة القرآن كله بحرفها ولا تدخل عليها لغة غيرها، بل قصد النبي ﵇ عنده- عد الوجوه والطرائق المختلفة في كتاب الله مرة من جهة لغة، ومرة من جهة إعراب، وغير ذلك، ولا مرية أن هذه الوجوه والطرائق إنما اختلفت لاختلاف في العبارات بين الجملة التي نزل القرآن بلسانها وذلك يقال فيه اختلاف لغات. وصحيح أن يقصد ﵇ عد الأنحاء والوجوه التي اختلفت في القرآن، بسبب اختلاف عبارات اللغات. وصحيح أن يقصد عد الجماهير والرؤوس من الجملة التي نزل القرآن بلسانها، وهي قبائل مضر فجعلها سبعة، وهذا أكثر توسعة للنبي ﵇، لأن الانحاء تبقى غير محصورة، فعسى أن الملك أقرأه بأكثر من سبعة طرائق ووجوه. قال القاضي في كلامه المتقدم: «فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها» . قال القاضي أبو محمد ﵁: والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن تروى عن النبي ﵇، ومال كثير من أهل العلم كأبي عبيد، وغيره، إلى أن معنى الحديث المذكور أنه أنزل على سبع لغات لسبع قبائل انبث فيه من كل لغة منها، وهذا القول هو المتقرر من كلام القاضي ﵁ وقد ذكر بعضهم قبائل من العرب روما منهم أن يعينوا السبع التي يحسن أن تكون مراده ﵇، نظروا في ذلك بحسب القطر ومن جاور منشأ النبي ﵇. واختلفوا في التسمية وأكثروا، وأنا ألخص الغرض جهدي بحول الله: فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر، لأن النبي ﵇ قرشي، واسترضع في بني سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وعقت تمائمه وهو يخالط في اللسان كنانة، وهذيلا، وثقيفا، وخزاعة،
следующие страницы →