Полный текст (1 457 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فَقَالَ «١» : «وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ «٢» . خِبْتُ «٣» وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ» .
وَنَهَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ قَتْلَهُ» .
- وَلَمَّا تَصَدَّى لَهُ غورث «٥» بن الحارث ليفتك «٦» به ﷺ ، وهو مُنْتَبِذٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَحْدَهُ قَائِلًا «٧» ، وَالنَّاسُ قَائِلُونَ في غزاة «٨» فلم ينته رسول الله ﷺ إلا وَهُوَ قَائِمٌ، وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ.
فَقَالَ: من يمنعك مني.
فقال: «الله»
الحواشي
(١) رواه مسلم عن جابر ﵄. ونحوه في صحيح البخاري. وأخرجه البيهقي وهو حديث صحيح. وفي ألفاظه اختلاف، والمآل واحد.(٢) وفي مسلم: أو لست أحق أهل الأرض أن أطيع الله ؟! وغضب ﷺ حتى أحمرت وجنتاء..(٣) خبت.. نقلها النووي في شرح مسلم على وجهي الضم والفتح.(٤) وهو عمر بن الخطاب ﵁ كما في صحيح البخاري. أو خالد بن الوليد. أو كلاهما كما في مسلم.(٥) وردت القصة في سيرة ابن هشام برواية تختلف عن المذكورة هنا بعض الشيء انظر السيرة ج ٣ س ٢١٦ تحقيق السقا ورفاقه ووردت في بعض السير بشكل قريب من الوارد هنا ولكن باسم دعثور بدلا من غورث.(٦) على ما رواه البيهقي.(٧) وهي ذات الرقاع رابع سنة للهجرة.(٨) وقائلون: من القيلولة أي نائمون في النهار.стр. 212
فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَالَ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي» .
قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ.
فَتَرَكَهُ وَعَفَا عَنْهُ،
فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ «١» .
- وَمِنْ عَظِيمِ خَبَرِهِ فِي الْعَفْوِ عَفْوُهُ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ «٢» الَّتِي سَمَّتْهُ فِي الشَّاةِ بَعْدَ اعْتِرَافِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ «٣» .
- وَأَنَّهُ لم يؤاخذ لبيد «٤» بن الأعظم إِذْ سَحَرَهُ وَقَدْ أُعْلِمَ بِهِ وَأُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْحِ أَمْرِهِ «٥» ، وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ مُعَاقَبَتِهِ.
- وَكَذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذْ «٦» عَبْدَ اللَّهِ «٧» بْنَ أبي وأشباهه من
الحواشي
(١) ورواه الشيخان بدون سقوط السيف، وقوله ﷺ ، من يمنعك مني، وجواب غورث.(٢) هي زينب بنت الحارث بن سلام.(٣) على ما رواه الشيخان ... وكان يجب أن تقدم جملة (على الصحيح من الرواية) بعد كلمة عفوه لأن صحة الرواية لعفوه، لا لاعترافها.(٤) هو رجل من بني زريق وهم بطن من الانصار.. وفي الصحيحين أن لبيدا يهودي وقيل إنه منافق وسيأتي عن المصنف أنه حكم بإسلامه(٥) رواه أحمد والنسائي والبيهقي في دلائله.(٦) على ما رواه الشيخان.(٧) عبد الله بن أبي خزرجي كان يرتجي أن يكون حاكم الأنصار قبل هجرة النبي-стр. 213
الْمُنَافِقِينَ «١» ، بِعَظِيمِ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي جِهَتِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، بَلْ قَالَ «٢» لِمَنْ أَشَارَ بِقَتْلِ بعضهم: «لا. لِئَلَّا يُتَحَدَّثُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» «٣»
وَعَنْ أنس «٤» ﵁ قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَجَبَذَهُ أَعْرَابِيٌّ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَثَّرَتْ حَاشِيَةُ الْبُرْدِ فِي صَفْحَةِ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرِيَّ هَذَيْنِ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ «٥» . فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مالك ولا من مال أَبِيكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «الْمَالُ مَالُ اللَّهِ. وَأَنَا عَبْدُهُ» ثُمَّ قَالَ: «وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ مَا فَعَلْتَ بِي» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «لِمَ» قَالَ: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة.
الحواشي
(١) قال ابن عباس: كان المنافقون من الرجال ثلثمائة، ومن النساء مئة وسبعين.(٢) على المريسيع ماء لبني المصطلق.(٣) وهذا الحديث رواه الشيخان. وروى الطبراني: عرض ولد عبد الله على الرسول ﷺ بقتل أبيه، ومنعه الرسول ﷺ عن ذلك.(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٥) الى هنا رواه الشيخان. واخرجه بلفظ المصنف البيهقي في الأدب من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 214
فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ أمر أن يحمل له على بعير شَعِيرٌ، وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ «١» ﵂: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ، مَا لَمْ تَكُنْ حُرْمَةً مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا ضَرَبَ خادما وَلَا امْرَأَةً «٢» ...
- وَجِيءَ إِلَيْهِ بِرَجُلٍ «٣» ، فَقِيلَ: هَذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لَنْ تُرَاعَ، لَنْ تُرَاعَ وَلَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَمْ تُسَلَّطْ عَلَيَّ» .
- وَجَاءَهُ «٤» زَيْدُ «٥» بْنُ سَعْنَةَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَجَبَذَ ثَوْبَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثيابه، وأغلظ له، ثم قال:
الحواشي
(١) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .(٢) رواه الشيخان.(٣) هذا الحديث أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، ولم يسميا الرجل.(٤) وهو حديث طويل رواه البيهقي مفصلا عن ابن سلام، ووصله ابن حبان، والطبراني، وأبو نعيم عن عبد الله بن سلام أيضا، وسنده صحيح كما قاله السيوطي.(٥) وهو حبر من أحبار اليهود وفي التهذيب: هو صحابي من أحبار اليهود الذين أسلموا وهو من أكثرهم مالا وعلما، حسن إسلامه وشهد المشاهد وتوفي مرجعه ﷺ من تبوك.стр. 215
إِنَّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمَطْلَبِ مُطْلٌ، فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ «١» ، وَشَدَّدَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يتبسم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أنا، وهو، كنا إلى غير هذا منك أحوج يَا عُمَرُ. تَأْمُرُنِي بِحُسْنِ الْقَضَاءِ. وَتَأْمُرُهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي» .
ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ ثَلَاثٌ» .
وَأَمَرَ عُمَرَ «٢» يَقْضِيهِ مَالَهُ، وَيَزِيدَهُ عِشْرِينَ صاعا لما روّعه.
- فكان سبب إسلامه وذلك أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَا بَقِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النبوة شيء إلا وقد عرفتهما في وجه مُحَمَّدٍ إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا:
- يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلُهُ،
- وَلَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ إِلَّا حِلْمًا فَاخْتَبَرْتُهُ بِهَذَا فَوَجَدْتُهُ كَمَا وُصِفَ ... وَالْحَدِيثُ عَنْ حِلْمِهِ ﷺ وَصَبْرِهِ، وَعَفْوِهِ عند المقدرة أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ، وَحَسْبُكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِمَّا فِي الصَّحِيحِ وَالْمُصَنَّفَاتِ الثَّابِتَةِ، إِلَى مَا بَلَغَ مُتَوَاتِرًا مَبْلَغَ الْيَقِينِ، مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مُقَاسَاةِ قُرَيْشٍ، وَأَذَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُصَابَرَةِ الشَّدَائِدِ الصَّعْبَةِ مَعَهُمْ، إِلَى أَنْ أَظْفَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَحَكَّمَهُ فِيهِمْ وَهُمْ لَا يشكّون في استئصال
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٦» .(٢) تقدمت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٦» .стр. 216
شَأْفَتِهِمْ، وَإِبَادَةِ خَضْرَائِهِمْ «١» ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ عَفَا وَصَفَحَ:
وَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ إِنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ» ؟
قَالُوا: خَيْرًا.. أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ.
فَقَالَ: «٢» [أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ» ] «٣» الآية «إذهبوا فأنتم الطلقاء» .
وقال «٤» أنس «٥» ﵁: هَبَطَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ التَّنْعِيمِ «٦» صَلَاةَ الصُّبْحِ لِيَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأُخِذُوا، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ» «٧» الآية.
الحواشي
(١) خضرائهم: جمعهم وسوادهم.(٢) قال ذلك يوم فتح مكة آخذا بعضادتي باب الكعبة على ما رواه ابن سعد والنسائي وابن زنجويه.(٣) « ... الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» سورة يوسف «٩٢» .(٤) كما رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٦) أقرب أطراف مكة إليها، على بعد ثلاثة أو أربعة أميال منها على طريق المدينة والشام، سميت بذلك لأنه بقربها جبل يسمى «نعيم» على يمينها وعلى شمالها آخر يسمى «ناعم» والوادي «نعمان» .(٧) « ... وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ» سورة الفتح «٢٤»стр. 217
وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ «١» وَقَدْ سِيقَ إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ جَلَبَ إِلَيْهِ الْأَحْزَابَ وَقَتَلَ عَمَّهُ، وَأَصْحَابَهُ، ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه فِي الْقَوْلِ:
«وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ!! أَلَمْ يئن لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟! فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَوْصَلَكَ وَأَكْرَمَكَ. «٢»
- وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضى، ﷺ .
الحواشي
(١) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، اسلم يوم فتح مكة وشهد مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حنينا وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أوقية وزنها له بلال، كان شيخ مكة ورئيسها ورئيس قريش بعد أبي جهل، عاش ﵁ إلى سنة ٣١ هـ حيث مات ودفن بالبقيع.(٢) والحديث بكامله مذكور في السير، وقد اخرجه الطبراني والبيهقي عن ابن عباس بسند صحيح.стр. 218
الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
وَأَمَّا الْجُودُ والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها مُتَقَارِبَةٌ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهَا بِفُرُوقٍ، فَجَعَلُوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فِيمَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَنَفْعُهُ، وَسَمَّوْهُ أَيْضًا جُرْأَةً، وَهُوَ ضِدُّ النَّذَالَةِ.
- وَالسَّمَاحَةُ: التَّجَافِي عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّكَاسَةِ «١» .
- وَالسَّخَاءُ: سُهُولَةُ الْإِنْفَاقِ، وَتَجَنُّبُ اكْتِسَابِ مَا لا يحمد، وهو ضد التقتير.
فكان ﷺ لَا يُوَازَى فِي هذه الأخلاق الكريمة. ولا يبارى «٢» .
الحواشي
(١) الشكاسه: سوء الخلق.(٢) فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم.стр. 219
بهذا وصفه كل من عرفه.
عن ابن المنكدر «١» قال: سَمِعْتُ جَابِرَ «٢» بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «٣» :
«مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا» .
وَعَنْ أَنَسٍ «٤» وَسَهْلِ «٥» بن سعد ﵄ مثله.
وقال «٦» ابن عباس «٧» ﵄: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الريح المرسلة.
الحواشي
(١) انفرد بابن المنكدر مسلم، ورواه البخاري عن جابر وابي المنكدر: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي الحافظ عن أبيه وعن عائشة وابي هريرة رضي الله تعالى عنهما وأخرج له أصحاب الكتب الستة.(٢) مرت ترجمته في ص «١٥٤» رقم «١» .(٣) رواه البخاري في الأدب ومسلم في فضائله ﷺ . والترمذي في شمائله.(٤) مرت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» وأخرج حديث أنس مسلم.(٥) هو سهيل بن سعد الساعدي من مشاهير الصحابة يقال: كان اسمه «حزنا» فغيره النبي ﷺ . قال الزهري: مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة وذلك سنة ٩١ هـ.. وأخرج حديث سهل الدارمي والطيالسي.(٦) كما روى عنه الشيخان.(٧) تقدمت ترجمته في ص «٥٢» رقم «٦» .стр. 220
وعن «١» أنس «٢» ﵁: أَنَّ رَجُلًا «٣» سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فرجع إلى قومه، وَقَالَ: أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يخشى فاقة.
- وأعطى غير واحد «٤» مئة من الإبل.
- وأعطى «٥» صفوان مئة ثم مئة.
وَهَذِهِ كَانَتْ خُلُقُهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ «٦» بْنُ نَوْفَلٍ: إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ «٧» ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ.
الحواشي
(١) كما رواه مسلم.(٢) تقدمت ترجمته ص «٤٧» رقم «١» .(٣) هو صفوان بن أمية الجمحي القرشي.(٤) كأبي سفيان، وابنه معاوية، ويزيد، ومع مئة كل واحد أوقية.. وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام.(٥) كما رواه مسلم. وصفوان بن أمية الجمحي القرشي، كنيته أبو وهب اسلم يوم الفتح شهد حنينا والطائف وهو مشرك فلما أعطاه النبي ﷺ ما أعطاه قال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم، روى له أصحاب الكتب الستة توفي في خلافة سيدنا معاوية بمكة سنة ٤٢ هـ.(٦) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ، تهود ثم تنصر وكان مترهبا، وآمن بنبوته ﷺ ولكنه لم يدرك زمن الرسالة ولذا فإن الاكثر على أنه صحابي. رآه النبي ﷺ في منامه في الجنة.(٧) هذا بعض حديث صحيح رواه الشيخان. لكن قال السيوطي ﵀ في تخريجه: القائل له ﷺ هذا، إنما هو خديجة ﵂، والذي في صحيح البخاري وغيره أنه من قول خديجة.стр. 221
- ورد على هوازن «١» سباياها، وكانت سِتَّةَ آلَافٍ.
- وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ «٢» مِنَ الذَّهَبِ مَا لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ «٣» .
- وَحُمِلَ «٤» إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فقسمها، فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا.
- وَجَاءَهُ «٥» رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ» .
فَقَالَ له عمر «٦» ﵁: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ «٧» مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا،
فتبسم ﷺ ، وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وجهه «٨» ، وقال: «بهذا أمرت»
الحواشي
(١) قبيلة تسكن منطقة حنين ...(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .(٣) كما رواه البخاري عن أنس تعليقا.(٤) على ما رواه أبو الحسن ابن الضحاك في شمائله عن الحسن مرسلا.(٥) كما رواه الترمذي في شمائله، وقال الحلبي: هذا الرجل لا أعرفه.(٦) مرت ترجمته في ص «١١٣» رقم «٤» .(٧) هو بلال، ولكنه من المهاجرين، وقد يجمع بأنهما قالا له ...(٨) تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائلهстр. 222
ذَكَرَهُ «١» التِّرْمِذِيُّ «٢» وَذُكِرَ «٣» عَنْ مُعَوِّذِ «٤» بْنِ عَفْرَاءَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ- يُرِيدُ طَبَقًا-، وَأُجْرِ زُغْبٍ «٥» - يُرِيدُ قِثَّاءً- فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا وَذَهَبًا.
قال «٦» أنس «٧» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
- والخبر بجوده ﷺ وكرمه كثير.
وعن «٨» أبي هريرة ﵁: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَاسْتَلَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نصف وسق، فجاء يَتَقَاضَاهُ فَأَعْطَاهُ وَسْقًا، وَقَالَ: «نِصْفُهُ قَضَاءٌ وَنِصْفُهُ نائل» .
الحواشي
(١) في كتاب الشمائل.(٢) مرت ترجمته في ص «١٨١» رقم «٤» .(٣) ذكره الترمذي في شمائله أيضا، وأخرجه الطبراني وأحمد عن الربيع بنت معوذ، وسنده حسن.(٤) هو معوذ بن الحرث الأنصاري، تعاون مع أخيه في قتل عدو الله أبي جهل واستشهد في غزوة بدر نفسها.(٥) زغب: صغار الريش.(٦) فيما رواه الترمذي.(٧) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٨) هذا الحديث لا يعرف من رواه. وأبو هريرة تقدمت ترجمته في ص «٣١» رقم «٥» .стр. 223
الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ
وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ.
- فَالشَّجَاعَةُ: فَضِيلَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَانْقِيَادِهَا لِلْعَقْلِ.
- وَالنَّجْدَةُ: ثِقَةُ النَّفْسِ عِنْدَ اسْتِرْسَالِهَا إِلَى الْمَوْتِ، حَيْثُ يُحْمَدُ فِعْلُهَا دُونَ خَوْفٍ.
وَكَانَ ﷺ بالمكان الذي لا يجهل، وقد حَضَرَ الْمَوَاقِفَ الصَّعْبَةَ، وَفَرَّ الْكُمَاةُ «١» وَالْأَبْطَالُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَبْرَحُ، وَمُقْبِلٌ لَا يُدْبِرُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ، وَمَا شُجَاعٌ إِلَّا وَقَدْ أُحْصِيَتْ لَهُ فَرَّةٌ، وَحُفِظَتْ عَنْهُ جَوْلَةُ، سواه.
الحواشي
(١) الكماة: جمع كمي، وهو الشجاع المكمى في سلاحه والساتر لنفسه بدرعه.стр. 224
عن أبي إسحق «١» : سَمِعَ الْبَرَاءَ «٢» وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!
قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ «٣» .
ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو «٤» سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا النبي لا كذب» .
وزاد غَيْرُهُ «٥» «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ» .
قِيلَ: فَمَا رؤي يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بغلته.
وذكر مسلم «٦» عن العباس «٧» ﵄ قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
الحواشي
(١) أبو اسحق عمرو بن عبد الله السبعي الهمداني الكوفي تابعي جليل أحد أعلام الحديث أخذه عن عدة من الصحابة والتابعين، كان صواما قواما غازيا. أخرج له أصحاب الكتب الستة وله ترجمة في الميزان توفي سنة ١٢٧ هـ.(٢) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد ومسلم في المغازي والنسائي في السير.(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٢٩» رقم «١» .(٥) غير البراء.(٦) تقدمت ترجمته في ص «١٥٨» رقم «٢» .(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٨١» رقم «١» .стр. 225
يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا، أكفها إرادة أن لا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، ثُمَّ نَادَى «يا للمسلمين» الحديث.
وَقِيلَ «١» : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَضِبَ- وَلَا يَغْضَبُ إِلَّا لِلَّهِ- لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ «٢» ابْنُ عُمَرَ «٣» ﵄: مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ وَلَا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ ولا أرضى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَالَ «٤» عَلِيٌّ «٥» ﵁: إِنَّا كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ- وَيُرْوَى اشْتَدَّ الْبَأْسُ- وَاحْمَرَّتِ الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا.
وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب مِنْهُ ﷺ إِذَا دَنَا العدو لقربه منه.
الحواشي
(١) كما في حديث ابن ابي هالة.(٢) كما رواه الدارمي.(٣) تقدمت ترجمته في ص «١٨٢» رقم «١» .(٤) كما رواه أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي، وأخرج مسلم بعضه.(٥) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .стр. 226
وعن «١» أنس «٢» ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ.
لَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي «٣» طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
«لَنْ تُرَاعُوا» .
وَقَالَ «٤» عِمْرَانُ «٥» بْنُ حُصَيْنٍ: مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتِيبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ.
- وَلَمَّا رَآهُ «٦» أُبَيُّ بْنُ «٧» خلف يوم أحد، وهو يقول: أين
الحواشي
(١) كما في حديث الشيخين.(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٣) هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي، كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم، وكان يرمي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في أحد توفي سنة ٥٠ هـ.(٤) كما رواه أبو الشيخ في الأخلاق.(٥) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ويكنى أبا عبيد وكان اسلامه عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة. وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم توفي سنة ٥٢ هـ..(٦) على ما رواه ابن سعد والبيهقي وعبد الرزاق مرسلا، والواقدي موصولا.(٧) أبي بن خلف: من المؤذين للنبي ﷺ في مكة وهو الذي استثار عقبة بن أبي معيط حتى تفل في وجه النبي ﷺ فنزلت: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى -стр. 227
مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ افْتَدَى يَوْمَ بَدْرٍ: عِنْدِي فَرَسٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا «١» مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: ﷺ «أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، فَلَمَّا رَآهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَدَّ أُبَيٌّ عَلَى فَرَسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَكَذَا» أَيْ خَلُّوا طَرِيقَهُ، وَتَنَاوَلَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ «٢» بْنِ الصِّمَّةِ، فَانْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرُوا عَنْهُ تَطَايُرَ الشُّعَرَاءِ «٣» عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ «٤» مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا وَقِيلَ: بَلْ كَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ.
فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ: قتلني محمد.
الحواشي
(١) مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا.(٢) الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك، يذكره ابن اسحاق في البدريين من بني عامر بن مالك بن النجار. وقد قتل ﵁ شهيدا مع من بعثهم الرسول ﷺ مع عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة يوم بئر معونة وغدر بهم عامر على رأس أربعة من أحد.(٣) الشعراء: ذباب أحمر او أزرق يقع على الحيوان فيؤذيه.(٤) تدأدأ: تدحرج.стр. 228
وهم يقولون: لا بأس عليك.
فقال: لو كان مابي بِجَمِيعِ النَّاسِ لَقَتَلَهُمْ. أَلَيْسَ قَدْ قَالَ «أَنَا أَقْتُلُكَ» !! وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
فَمَاتَ بسرف «١» ، في قفولهم إلى مكة.
الحواشي
(١) سرف: مكان على بعد ستة أميال من مكة كان فيه زواج ميمونة زوج النبي ﷺ في عمرة القضاء.стр. 229
الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْحَيَاءُ وَالْإِغْضَاءُ
وَأَمَّا الْحَيَاءُ وَالْإِغْضَاءُ
- فَالْحَيَاءُ: رِقَّةٌ تَعْتَرِي وَجْهَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ فِعْلِ مَا يَتَوَقَّعُ كَرَاهِيَتَهُ، أَوْ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ خَيْرًا مِنْ فِعْلِهِ.
- وَالْإِغْضَاءُ: التَّغَافُلُ عَمَّا يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ بِطَبِيعَتِهِ.
- وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَكْثَرَهُمْ عَنِ العورات إغضاء.
قال الله تعالى: «إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ» «١» الآية..
عَنْ «٢» أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «٣» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
الحواشي
(١) «وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» الأحزاب «٥٣» .(٢) كما رواه أبو داوود ...(٣) تقدمت ترجمته في ص «٦٣» رقم «١» .стр. 230
أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا. وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.
وَكَانَ ﷺ لَطِيفَ الْبَشَرَةِ، رَقِيقَ الظَّاهِرِ، لَا يُشَافِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُهُ، حَيَاءً، وَكَرَمَ نَفْسٍ.
وَعَنْ «١» عَائِشَةَ «٢» ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مَا يَكْرَهُهُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ كَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ:
«مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَصْنَعُونَ أَوْ يَقُولُونَ كَذَا» يَنْهَى عَنْهُ، وَلَا يُسَمِّي فَاعِلَهُ.
وَرَوَى «٣» أَنَسٌ «٤» ﵁: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا- وَكَانَ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ- فَلَمَّا خَرَجَ، قَالَ: «لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَغْسِلُ هَذَا» وَيُرْوَى يَنْزِعُهَا.
قَالَتْ «٥» عائشة ﵂ فِي الصَّحِيحِ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ
الحواشي
(١) كما في الصحيحين وأخرجه الترمذي في الشمائل وابن ماجه في الزهد.(٢) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .(٣) كما رواه ابو داوود.(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٥) كما رواه الترمذي.стр. 231
فحّاشا، ولا متفحشا، ولا صخابا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ.
وَقَدْ حُكِيَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ عن التوراة، من رِوَايَةِ ابْنِ سَلَامٍ «١» وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ «٢» عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ «٣» : أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَيَائِهِ لَا يُثَبِّتُ بَصَرَهُ فِي وَجْهِ أَحَدٍ وَأَنَّهُ كَانَ يُكَنِّي عَمَّا اضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ مما يكره «٤» .
وَعَنْ «٥» عَائِشَةَ «٦» ﵂: مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قط ...
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في ص «٧٣» رقم «٣» .(٢) تقدمت ترجمته في ص «٧٢» رقم «٣» .(٣) أي عن النبي ﷺ في الاحياء وقال العراقي لم أعرف وروده في الأنباء.(٤) قال السيوطي: حديث أنه كان يكني عما اضطره الكلام إليه معلوم من أحواله وأقواله في الأحاديث المشهورة.(٥) رواه الترمذي في الشمائل.(٦) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .стр. 232
الفصل السّادس عشر حسن العشرة والأدب وبسط الخلق
وَأَمَّا حُسْنُ عِشْرَتِهِ. وَأَدَبُهُ، وَبَسْطُ خُلُقِهِ ﷺ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَبِحَيْثُ انْتَشَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ.
قَالَ «١» عَلِيٌّ «٢» ﵁ فِي وَصْفِهِ ﵊:
«كَانَ أَوْسَعَ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً، وألينهم عريكة «٣» ، وأكرمهم عشرة.
عن قيس «٤» بن سعد ﵁ قال: «زارنا رسول الله
الحواشي
(١) في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي في شمائله.(٢) تقدمت ترجمته في ص «٥٤» رقم «٤» .(٣) عريكة: طبيعة.(٤) قيس بن سعد بن عبادة أبو عبد الله الخزرجي، كان صاحب الشرطة للنبي ﷺ ، كان ضخما مفرط الطول نبيلا جميلا جوادا سيدا من ذوي الرأي والدهاء توفي في المدينة آخر خلافة معاوية.стр. 233
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ قِصَّةً فِي آخِرِهَا- فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَرَّبَ لَهُ سَعْدٌ حِمَارًا، وَطِأَ عَلَيْهِ بِقَطِيفَةٍ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ:
يَا قَيْسُ، اصْحَبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
قال قيس: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْكَبْ» فَأَبَيْتُ.
فَقَالَ: «إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْصَرِفَ» فَانْصَرَفْتُ «١» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «ارْكَبْ أَمَامِي فَصَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدِّمِهَا» .
- وَكَانَ «٢» رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤَلِّفُهُمْ، وَلَا يُنَفِّرُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ، وَلَا خُلُقَهُ. يَتَعَهَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، ولا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
- مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَارَبَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يكون هو المنصرف عنه.
الحواشي
(١) الحديث رواه أبو داوود في الادب والنسائي في اليوم والليلة.(٢) كما في شمائل الترمذي من حديث هند بن أبي هالة.стр. 234
- وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أو بميسور من القول. وقد وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، بِهَذَا وَصَفَهُ ابْنُ أَبِي «١» هَالَةَ قَالَ: وَكَانَ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ، ولا صخّاب وَلَا فَحَّاشٍ، وَلَا عَيَّابٍ، وَلَا مَدَّاحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي، وَلَا يُؤَيِّسُ مِنْهُ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» «٢» وقال تعالى:
«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» «٣» الْآيَةَ.
- وَكَانَ «٤» يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ، وَيَقْبَلُ «٥» الْهَدِيَّةَ، ولو كانت كراعا «٦» ، ويكافيء عليها.
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٤» .(٢) سورة آل عمران «١٥٩» .(٣) «.... فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» سورة فصلت «٣٤» .(٤) على ما رواه ابن سعد مرسلا.(٥) على ما رواه البخاري.(٦) الكراع: بالضم في البقر والغنم وهو مستدق الساق.стр. 235
قال «١» أنس «٢» ﵁: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ «٣» فَمَا قَالَ لِي: «أُفٍّ» قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ:؟!، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟!.
وَعَنْ «٤» عَائِشَةَ «٥» ﵂: مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنُ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ» .
وَقَالَ «٦» جَرِيرُ «٧» بن عبد الله ﵁: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ.
- وَكَانَ يُمَازِحُ «٨» أَصْحَابَهُ، وَيُخَالِطُهُمْ، وَيُحَادِثُهُمْ، وَيُدَاعِبُ
الحواشي
(١) رواه الشيخان.(٢) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .(٣) وفي رواية لمسلم تسع سنين.(٤) كما رواه أبو نعيم في دلائل النبوة بسند واه.(٥) تقدمت ترجمتها في ص «١٤٦» رقم «٥» .(٦) رواه الشيخان.(٧) جرير بن عبد الله البجلي سيد قومه قدم على النبي ﷺ سنة ١٠ من الهجرة فقال عنه: يطلع عليكم خير ذي يمن، كان جميلا حتى قال عنه سيدنا عمر إنه يوسف هذه الأمة كان له اثر عظيم في فتح القادسية ثم سكن جزيرة الكوفة مات سنة ٥١ هـ.(٨) كما رواه الترمذي في باب مزاحه ﷺ .стр. 236
صِبْيَانَهُمْ، وَيُجْلِسُهُمْ فِي حِجْرِهِ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ «١» وَالْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «٢» .
قال «٣» أنس «٤» ﵁: مَا الْتَقَمَ أَحَدٌ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرجل هو الذي يحني رَأْسَهُ، وَمَا أَخَذَ أَحَدٌ بِيَدِهِ، فَيُرْسِلُ يَدَهُ حتى يرسلها الآخذ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ.
وَكَانَ «٥» يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيَبْدَأُ أصحابه بالمصافحة، لم يُرَ «٦» قَطُّ مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ حَتَّى يُضَيِّقَ بِهِمَا عَلَى أَحَدٍ، يُكْرِمُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا بَسَطَ لَهُ ثَوْبَهُ، وَيُؤْثِرُهُ بِالْوِسَادَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهَا إن أبى، ويكني أصحابه، ويدعوهم
الحواشي
(١) كان يجيب دعوة العبد. أخرجه البزار عن جابر والترمذي وابن ماجه عن أنس ﵄.(٢) هذا من المعلوم والصحيح في قصة المتخلفين عن غزوة تبوك.(٣) رواه أبو داوود والترمذي والبيهقي عنه. والبزار عنه أبي هريرة وابن عمر ﵄.(٤) تقدمت ترجمتة في ص «٤٧» رقم «١» .(٥) على ما في حديث ابن أبي هالة، وأخرج أبو داوود عن أبي ذر مثله.(٦) كما رواه الدارقطني في غريب مالك وضعفه.стр. 237
بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِمْ، تَكْرِمَةً لَهُمْ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ، حَتَّى يَتَجَوَّزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ- وَيُرْوَى بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ- وَرُوِيَ «١» :
أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى صَلَاتِهِ.
- وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا، وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا، مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أَوْ يَعِظْ، أَوْ يَخْطُبْ.
وَقَالَ «٢» عَبْدُ اللَّهِ «٣» بْنُ الْحَارِثِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وعن «٤» أنس «٥» ﵁: كان خدم المدينة يأتون رسول
الحواشي
(١) لم يجد له العراقي أصلا ... وفي الصحيح: إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهة أن أشق عليه.... فلو أورده المصنف لكان أظهر.(٢) على ما رواه أحمد والترمذي بسند حسن في المناقب من الجامع، وهو في الشمائل أيضا.(٣) عبد الله بن الحارث الزبيري سكن مصر وكان آخر من مات من الصحابة فيها في بلدة تسمى سفط وذلك سنة ٨٥ هـ.(٤) رواه مسلم.(٥) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «٦» .стр. 238
اللَّهِ ﷺ ، إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ، بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِآنِيَةٍ أَلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ في الغداة الباردة، يريدون «١» به التبرك.
الحواشي
(١) لعل زيادة «يريدون به التبرك» من زيادة المصنف فإن البغوي رحمه الله تعالى رواه في مصابيحه بدون هذه الزيادة.стр. 239
الفصل السّابع عشر الشفقة والرّحمة
وَأَمَّا الشَّفَقَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ:
«عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» «١» .
وَقَالَ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» «٢» .
قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ فَضْلِهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ اسْمَيْنِ مِنْ أسمائه، فقال: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .
وحكى الإمام «٣» أبو بكر بن فورك نحوه.
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ «٤» قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غزوة، وذكر
الحواشي
(١) سورة يونس «١٢٨» .(٢) سورة الانبياء «١٥٧» .(٣) تقدمت ترجمته في ص «١١٩» رقم «٤» .(٤) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري فقيه محدث من الاعلام التابعين رأى عشرة من الصحابة، كتب عمر بن عبد العزيز الى الآفاق عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه توفي سنة ١٢٤ هـ.стр. 240
حُنَيْنًا، قَالَ: فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفوان «١» بن أمية مئة من النعم، ثم مئة، ثم مئه،
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ «٢» : حَدَّثَنَا سَعِيدُ «٣» بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ صَفْوَانَ «٤» قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ.
وَرَوِيَ «٥» : أَنَّ أَعْرَابِيًا جَاءَهُ يَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ:
«أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ» ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَلَا أَجْمَلْتَ فَغَضِبَ الْمُسْلِمُونَ وَقَامُوا إِلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ كُفُّوا، ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فأرسل إليه ﷺ وَزَادَهُ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ «أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ» قَالَ: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «إنك قلت ما قلت، وفي نفس أَصْحَابِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَقُلْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا قُلْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى يذهب
الحواشي
(١) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٥» .(٢) تقدمت ترجمته في ص «٢٥١» رقم «٤» .(٣) سعيد بن المسيب بكسر الياء المشددة امام التابعين وسيدهم جمع بين الفقه والحديث والعبادة والورع. روي عنه أنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وقال ما فاتتني التكبيرة الاولى وما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة منذ خمسين سنة، ولد لسنتين مضتامن خلافة عمر وتوفي بالمدينة سنة ٩١ هـ.(٤) تقدمت ترجمته في ص «٢٣٢» رقم «٥» .(٥) رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بسند ضعيف. وكذا ابن حيان وغيره.стр. 241
مَا فِي صُدُورِهِمْ عَلَيْكَ» قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، أَوِ الْعَشِيُّ، جَاءَ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ قَالَ مَا قَالَ فَزِدْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَضِيَ. أَكَذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ أَهْلٍ وَعَشِيرَةٍ خيرا.
فقال النبي ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا رَجُلٍ لَهُ نَاقَةٌ شَرَدَتْ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَزِيدُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَنَادَاهُمْ صَاحِبُهَا: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ نَاقَتِي فَإِنِّي أَرْفَقُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ، فَتَوَجَّهَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا، فَأَخَذَ لَهَا مَنْ قُمَامِ الْأَرْضِ، فَرَدَّهَا، حَتَّى جَاءَتْ وَاسْتَنَاخَتْ، وَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا وَاسْتَوَى عَلَيْهَا.
وَإِنِّي لَوْ تَرَكْتُكُمْ حَيْثُ قَالَ الرَّجُلُ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوهُ دخل النار» .
وروي «١» عنه ﷺ : «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» .
- وَمِنْ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ ﷺ تخفيفه وتسهله عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهَتُهُ أَشْيَاءَ مَخَافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
الحواشي
(١) هو مروي من طريق أبي داوود والترمذي عن ابن مسعود ﵁.стр. 242
كَقَوْلِهِ «١» ﵊: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» «٢» .
- وَخَبَرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ «٣» ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْوِصَالِ «٤» ، وَكَرَاهَتُهُ دُخُولَ الْكَعْبَةِ «٥» لِئَلَّا تَتَعَنَّتَ أُمَّتُهُ، وَرَغْبَتُهُ لِرَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَ سَبَّهُ وَلَعْنَهُ لَهُمْ رَحْمَةً بِهِمْ، وَأَنَّهُ «٦» كَانَ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِهِ.
- وَمِنْ شَفَقَتِهِ ﷺ أَنْ دَعَا رَبَّهُ وَعَاهَدَهُ.
فَقَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَبْتُهُ، أَوْ لَعَنْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً ورحمة، وصلاة وطهورا، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» «٧»
الحواشي
(١) كما رواه الشيخان.(٢) وفي مسلم عند كل صلاة وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة.(٣) لعله أراد خبر الشيخين في قيام الليل: خذوا من العمل ما تطيقون. اذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فان احدكم اذا صلّى وهو ناعس لا يدري لعله يريد يستغفر الله فيسب نفسه ... أو ما روياه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حيث قال: وأما انا فارقد وأقوم واصلي ... ومنعه من قيام الليل.(٤) كما رواه الشيخان.(٥) رواه أبو داوود والترمذي، وصححه.(٦) رواه الشيخان عن أنس ﵁.(٧) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وروي هذا الحديث من طرق أخرى.стр. 243
- وَلَمَّا كَذَّبَهُ «١» قَوْمُهُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَمَرَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ:
مُرْنِي بما شئت، إن شئت أن أطلق عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
وَرَوَى «٢» ابْنُ الْمُنْكَدِرِ «٣» : أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ أَنْ تُطِيعَكَ فَقَالَ: «أُؤَخِّرُ عَنْ أُمَّتِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» .
قَالَتْ «٤» عَائِشَةُ «٥» ﵂: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اختار أيسرهما.
الحواشي
(١) رواه الشيخان وأصحاب الكتب الستة.(٢) الحديث مرسل، إلا انه مما لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الموصول، ولا سيما يعضده الحديث السابق في الصحيحين.(٣) تقدمت ترجمته في ص «٢٣١» رقم «١» .(٤) الحديث مر الكلام عليه.(٥) تقدمت ترجمتها في ص(١٤٦) رقم(٥) .стр. 244
قال «١» ابْنُ مَسْعُودٍ «٢» ﵁: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
وَعَنْ «٣» عَائِشَةَ «٤» : أَنَّهَا رَكِبَتْ بَعِيرًا وَفِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ» .
الحواشي
(١) فيما رواه الشيخان.(٢) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب حليف بني زهرة، اسلم قديما، وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعليه قال بحقه النبي ﷺ «تمسكو بعهد ابن ام عبد» توفي سنة ٣٢ هـ بالمدينة المنورة.(٣) هذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن المقدام عن أبيه عن عائشة ﵂ وبعضه في مسلم.(٤) تقدمت ترجمته في ص «١٤٦» رقم «٥» .стр. 245
الفصل الثامن عشر الوفاء وحسن العهد وصلة الرّحم
وَأَمَّا خُلُقُهُ ﷺ فِي الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم:
فعن «١» عبد الله بن الْحَمْسَاءِ قَالَ «٢» : بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعٍ، قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: «يَا فَتَى لَقَدْ شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن «٣» أنس «٤» ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أتي بهدية،
الحواشي
(١) هذا الحديث رواه أبو داوود وهو من افراده، وأخرجه أيضا ابن منده في المعرفة، والخرائطي في مكارم الاخلاق.(٢) العامري الصحابي وقد قيل إنه عبد الله بن أبي الجدعاء التميمي ويقال الكناني الذي ذكره البخاري في الصحابة.(٣) كما رواه البخاري في الادب المفرد.(٤) تقدمت ترجمته في ص «٤٧» رقم «١» .стр. 246
قَالَ: اذْهَبُوا بِهَا إِلَى بَيْتِ فُلَانَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةً لِخَدِيجَةَ، إِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَةَ.
وعن «١» عائشة «٢» ﵂: قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَإِنْ كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها.
- وَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا «٣» ، فَارْتَاحَ إِلَيْهَا «٤» .
- وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَهَشَّ لَهَا، وَأَحْسَنَ السُّؤَالَ عَنْهَا فَلَمَّا خَرَجَتْ، قَالَ: «إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ «٥» » .
وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: كَانَ يَصِلُ ذَوِي رَحِمِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْثِرَهُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ﷺ : «إِنَّ آلَ بني فلان ليسوا لي
الحواشي
(١) كما في الصحيحين.(٢) تقدمت ترجمتها في ص(١٤٦) رقم(٥) .(٣) وهي هالة بنت خويلد بن اسد ام ابي العاص بن الربيع، زوج زينب بنته ﷺ .(٤) وهذا الحديث في البخاري.(٥) رواه الحاكم في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا.стр. 247
بِأَوْلِيَاءَ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» «١» .
- وقد «٢» صلى ﵊ بأمامة «٣» ابنة ابنته زينب «٤» يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قام حملها.
وعن «٥» أبي قتادة «٦» : جاء وَفْدٌ لِلنَّجَاشِيِّ «٧» فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْدِمُهُمْ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: نَكْفِيكَ.
فَقَالَ: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أُكَافِئَهُمْ» .
- وَلَمَّا جِيءَ بِأُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ الشَّيْمَاءِ «٨» فِي سَبَايَا هَوَازِنَ، وَتَعَرَّفَتْ لَهُ، بَسَطَ لَهَا رداءه، وقال لها: «إن احببت أقمت
الحواشي
(١) رواه الشيخان.(٢) رواه الشيخان.(٣) وهي بنت أبي العاص بن الربيع وكان ﷺ يحبها وتزوجها علي كرم الله وجهه بعد فاطمة ﵂ ثم تزوجها بعده المغيرة بن نوفل فماتت عنده.(٤) هي أكبر بناته ﷺ تزوجها أبو العاص بن الربيع ابن خالتها أسر في بدر مع من أسر من المشركين وأطلقه رسول الله ﷺ ، أسلم سنة سبع من الهجرة فرد النبي ﷺ عليه زينب بالنكاح الأول توفيت في حياة النبي ﷺ سنة ٨ هـ.(٥) كما رواه البيهقي.(٦) الحارث بن ربعي الصحابي الأنصاري فارس رسول الله ﷺ روى له أحمد وأصحاب السنن توفي سنة ٥٤ هـ.(٧) تقدمت ترجمته في ص «١٦٤» رقم «٢» .(٨) واسمها جدامة وهي بنت حليمة السعدية وقيل أختها، أسلمت وأسلم أبوها الحارث حين قدم الى مكة المكرمة.стр. 248
عندي مكرمة محبة، أَوْ مَتَّعْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ» . فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا فَمَتَّعَهَا «١» .
وَقَالَ «٢» أَبُو الطُّفَيْلِ «٣» : رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «٤» ، وَأَنَا غُلَامٌ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ مِنْهُ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ التي أرضعته.
وعن «٥» عمرو بْنِ السَّائِبِ «٦» : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا، فَأَقْبَلَ أَبُوهُ «٧» مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَوَضَعَ لَهُ بَعْضَ ثَوْبِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ لَهَا شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أقبل أخوه «٨» من الرضاعة، فقام ﷺ فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
الحواشي
(١) الحديث رواه ابن اسحق والبيهقي.(٢) رواه ابو داوود بسند حسن.(٣) هو عامر بن واثلة وقد تقدمت ترجمته في ص «١٤٧» رقم «٢» .(٤) وكان بالجعرانة يقسم لحما.(٥) رواه أبو داوود مرسلا عنه.(٦) من أجلة التابعين والثقات روى عن أسامة بن زيد وروى عنه جماعة وأخرج له أبو داوود.(٧) هو الحارث بن عبد العزى، واختلف في اسلامه.(٨) هو عبد الله بن الحارث.стр. 249
- وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَى ثُوَيْبَةَ «١» ، مَوْلَاةِ أَبِي لَهَبٍ «٢» مُرْضِعَتِهِ بِصِلَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ سَأَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهَا، فَقِيلَ: لَا أَحَدَ «٣»
وَفِي حَدِيثِ «٤» خَدِيجَةَ «٥» ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ له ﷺ : أبشر، فو الله لا يخزيك اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ «٦» ، وتكسب المعدوم وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.
الحواشي
(١) وهي جارية معتقة لأبي لهب أسلمت، وماتت بمكة بعد هجرته ﵊(٢) ابو لهب عم النبي ﷺ واسمه عبد العزى وكنى بذلك لتوقد لونه وذكر القرآن بهذه الكنية للاشارة إلى انه جهنمي. مات بعد غزوة بدر.(٣) الحديث رواه ابن سعد عن الواقدي عن غير واحد من أهل العلم.(٤) كما رواه الشيخان.(٥) الزوجة الاولى للنبي ﷺ وهي التي حملت معه الكثير من اعباء الدعوة الى الله تعالى في اول رسالته افضل نسائه ﵊ لما قاسته من الآلام وكابدته من العناء حتى ماتت ﵂ بعد حصار المسلمين في شعب بني هاشم وقبل الهجرة الى المدينة.(٦) الكل: ثقيل الحمل، العاجز عن تحمله.стр. 250
الفصل التّاسع عشر التواضع
وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ ﷺ ، عَلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَرِفْعَةِ رُتْبَتِهِ، فَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَعْدَمَهُمْ كِبْرًا.
- وَحَسْبُكَ أَنَّهُ «١» خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا، أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، فَقَالَ لَهُ إِسْرَافِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ:
فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ بِمَا تَوَاضَعْتَ لَهُ أَنَّكَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «٢» ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ، وأول شافع.
وعن «٣» أبي أمامة «٤» قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
الحواشي
(١) رواه أحمد والبيهقي.(٢) رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.(٣) هذا الحديث رواه أبو داوود وابن ماجه مسندا.(٤) الباهلي والسهمي وهو صدي بن عجلان بن وهب أخرج له الستة وهو من بقايا الصحابة بحمص توفي سنة ٨١ هـ.следующие страницы →