Полный текст (318 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَصْلٌ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَمْرِ الْمَسْكَنِ
لَمَّا عَلِمَ ﷺ أَنَّهُ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَأَنَّ الدُّنْيَا مَرْحَلَةُ مُسَافِرٍ يَنْزِلُ فِيهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهَا إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ الِاعْتِنَاءُ بِالْمَسَاكِنِ وَتَشْيِيدِهَا، وَتَعْلِيَتِهَا وَزَخْرَفَتِهَا وَتَوْسِيعِهَا، بَلْ كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ مَنَازِلِ الْمُسَافِرِ تَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَتَسْتُرُ عَنِ الْعُيُونِ، وَتَمْنَعُ مِنْ وُلُوجِ الدَّوَابِّ، وَلَا يُخَافُ سُقُوطُهَا لِفَرْطِ ثِقَلِهَا، وَلَا تُعَشِّشُ فِيهَا الْهَوَامُّ لِسِعَتِهَا وَلَا تَعْتَوِرُ عَلَيْهَا الْأَهْوِيَةُ وَالرِّيَاحُ الْمُؤْذِيَةُ لِارْتِفَاعِهَا، وَلَيْسَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ فَتُؤْذِي سَاكِنَهَا، وَلَا فِي غَايَةِ الِارْتِفَاعِ عَلَيْهَا، بَلْ وَسَطٌ، وَتِلْكَ أَعْدَلُ الْمَسَاكِنِ وَأَنْفَعُهَا، وَأَقَلُّهَا حَرًّا وَبَرْدًا، وَلَا تَضِيقُ عَنْ سَاكِنِهَا، فَيَنْحَصِرُ، وَلَا تَفْضُلُ عَنْهُ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ، فَتَأْوِي الْهَوَامُّ فِي خُلُوِّهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا كُنُفٌ تُؤْذِي سَاكِنَهَا بِرَائِحَتِهَا، بَلْ رَائِحَتُهَا مِنْ أَطْيَبِ الرَّوَائِحِ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَلَا يَزَالُ عِنْدَهُ، وَرِيحُهُ هُوَ مِنْ أَطْيَبِ الرَّائِحَةِ، وَعَرَقُهُ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ كَنِيفٌ تَظْهَرُ رَائِحَتُهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْدَلِ الْمَسَاكِنِ وَأَنْفَعِهَا وَأَوْفَقِهَا لِلْبَدَنِ، وَحِفْظِ صِحَّتِهِ.
فَصْلٌ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَمْرِ النوم واليقظة
من تدبر وَيَقَظَتَهُ ﷺ ، وَجَدَهُ أَعْدَلَ نَوْمٍ، وَأَنْفَعَهُ لِلْبَدَنِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى، فَإِنَّهُ كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي، فَيَقُومُ وَيَسْتَاكُ، وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، فَيَأْخُذُ الْبَدَنُ وَالْأَعْضَاءُ، وَالْقُوَى حَظَّهَا مِنَ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ، وَحَظَّهَا مِنَ الرِّيَاضَةِ مَعَ وُفُورِ الْأَجْرِ، وَهَذَا غَايَةُ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنَ النَّوْمِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، وَلَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ من القدر
стр. 177
الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَيَنَامُ إِذَا دَعَتْهُ الْحَاجَةُ إِلَى النَّوْمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ذَاكِرًا اللَّهَ حَتَّى تَغْلِبَهُ عيناه، غير ممتلىء الْبَدَنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا مُبَاشِرٍ بِجَنْبِهِ الْأَرْضَ، وَلَا مُتَّخِذٍ لِلْفُرُشِ الْمُرْتَفِعَةِ، بَلْ لَهُ ضِجَاعٌ مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ، وَكَانَ يَضْطَجِعُ عَلَى الْوِسَادَةِ، وَيَضَعُ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ أَحْيَانًا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا فِي النَّوْمِ وَالنَّافِعِ مِنْهُ وَالضَّارِّ، فَنَقُولُ:
النَّوْمُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ يَتْبَعُهَا غَوْرُ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَالْقُوَى إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِطَلَبِ الرَّاحَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: طَبِيعِيٌّ وَغَيْرُ طَبِيعِيٍّ. فَالطَّبِيعِيُّ: إِمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا، وَهِيَ قُوَى الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ، وَمَتَى أَمْسَكَتْ هَذِهِ الْقُوَى عَنْ تَحْرِيكِ الْبَدَنِ اسْتَرْخَى، وَاجْتَمَعَتِ الرُّطُوبَاتُ وَالْأَبْخِرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَلَّلُ وَتَتَفَرَّقُ بِالْحَرَكَاتِ وَالْيَقَظَةِ فِي الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ هَذِهِ الْقُوَى، فَيَتَخَدَّرُ وَيَسْتَرْخِي، وَذَلِكَ النَّوْمُ الطَّبِيعِيُّ.
وَأَمَّا النَّوْمُ غَيْرُ الطَّبِيعِيِّ، فَيَكُونُ لِعَرَضٍ أَوْ مَرَضٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَوْلِيَ الرُّطُوبَاتُ عَلَى الدِّمَاغِ اسْتِيلَاءً لَا تَقْدِرُ الْيَقَظَةُ عَلَى تَفْرِيقِهَا، أَوْ تَصْعَدُ أَبْخِرَةٌ رَطْبَةٌ كَثِيرَةٌ كَمَا يَكُونُ عَقِيبَ الِامْتِلَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَتُثْقِلُ الدِّمَاغَ وَتُرْخِيهِ، فَيَتَخَدَّرُ، وَيَقَعُ إِمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا، فَيَكُونُ النَّوْمُ.
وَلِلنَّوْمِ فَائِدَتَانِ جَلِيلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: سُكُونُ الْجَوَارِحِ وَرَاحَتُهَا مِمَّا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ التَّعَبِ، فَيُرِيحُ الْحَوَاسَّ مِنْ نَصَبِ الْيَقَظَةِ، وَيُزِيلُ الْإِعْيَاءَ وَالْكَلَالَ.
وَالثَّانِيَةُ: هَضْمُ الْغِذَاءِ، وَنُضْجُ الْأَخْلَاطِ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ فِي وَقْتِ النَّوْمِ تَغُورُ إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ، فَتُعِينُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَبْرُدُ ظَاهِرُهُ وَيَحْتَاجُ النَّائِمُ إِلَى فَضْلِ دِثَارٍ.
وَأَنْفَعُ النَّوْمِ: أَنْ يَنَامَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، لِيَسْتَقِرَّ الطَّعَامُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ في
стр. 178
الْمَعِدَةِ اسْتِقْرَارًا حَسَنًا، فَإِنَّ الْمَعِدَةَ أَمْيَلُ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا لِيُسْرِعَ الْهَضْمَ بِذَلِكَ لِاسْتِمَالَةِ الْمَعِدَةِ عَلَى الْكَبِدِ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ نَوْمُهُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لِيَكُونَ الْغِذَاءُ أَسْرَعَ انْحِدَارًا عَنِ الْمَعِدَةِ، فَيَكُونُ النَّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بُدَاءَةَ نَوْمِهِ وَنِهَايَتَهُ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مُضِرٌّ بِالْقَلْبِ بِسَبَبِ مَيْلِ الْأَعْضَاءِ إِلَيْهِ، فَتَنْصَبُّ إِلَيْهِ المواد.
وأردأ النَّوْمُ عَلَى الظَّهْرِ، وَلَا يَضُرُّ الِاسْتِلْقَاءُ عَلَيْهِ لِلرَّاحَةِ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ، وَأَرْدَأُ مِنْهُ أَنْ يَنَامَ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ، وَفِي «الْمُسْنَدِ» وَ «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» عَنْ أبي أمامة قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْبَطِحٍ عَلَى وَجْهِهِ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: «قُمْ أَوِ اقْعُدْ، فَإِنَّهَا نَوْمَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ» «١» .
قَالَ أبقراط فِي كِتَابِ «التَّقْدِمَةِ» : وَأَمَّا نَوْمُ الْمَرِيضِ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ فِي صِحَّتِهِ جَرَتْ بِذَلِكَ، فذلك يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَاطِ عَقْلٍ، وَعَلَى أَلَمٍ فِي نَوَاحِي الْبَطْنِ، قَالَ الشُّرَّاحُ لِكِتَابِهِ: لِأَنَّهُ خَالَفَ الْعَادَةَ الْجَيِّدَةَ إِلَى هَيْئَةٍ رَدِيئَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ.
وَالنَّوْمُ الْمُعْتَدِلُ مُمَكِّنٌ لِلْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ مِنْ أَفْعَالِهَا، مُرِيحٌ لِلْقُوَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ، مُكْثِرٌ مِنْ جَوْهَرِ حَامِلِهَا، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا عَادَ بِإِرَخَائِهِ مَانِعًا مِنْ تَحَلُّلِ. الْأَرْوَاحِ.
وَنَوْمُ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ وَالنَّوَازِلَ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ.
وَيُورِثُ الطِّحَالَ، وَيُرْخِي الْعَصَبَ، وَيُكْسِلُ، وَيُضْعِفُ الشَّهْوَةَ إِلَّا فِي الصَّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ، وَأَرْدَؤُهُ نوم أول النهار، أردأ مِنْهُ النَّوْمُ آخِرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنًا لَهُ نَائِمًا نَوْمَةَ الصُّبْحَةِ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ، أَتَنَامُ فِي السَّاعَةِ التي تقسم فيها الأرزاق.؟
стр. 179
وَقِيلَ: نَوْمُ النَّهَارِ ثَلَاثَةٌ: خُلُقٌ، وَحُرَقٌ، وَحُمْقٌ. فَالْخُلُقُ: نَوْمَةُ الْهَاجِرَةِ، وَهِيَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْحُرَقُ: نَوْمَةُ الضُّحَى، تَشْغَلُ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْحُمْقُ: نَوْمَةُ الْعَصْرِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ... خَبَالًا وَنَوْمَاتُ الْعُصَيْرِ جُنُونُ
وَنَوْمُ الصُّبْحَةِ يَمْنَعُ الرِّزْقَ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ تَطْلُبُ فِيهِ الْخَلِيقَةُ أَرْزَاقَهَا، وَهُوَ وَقْتُ قِسْمَةِ الْأَرْزَاقِ، فَنَوْمُهُ حِرْمَانٌ إِلَّا لِعَارِضٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ مُضِرٌّ جِدًّا بِالْبَدَنِ لِإِرْخَائِهِ الْبَدَنَ، وَإِفْسَادِهِ لِلْفَضَلَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي تَحْلِيلُهَا بِالرِّيَاضَةِ، فَيُحْدِثُ تَكَسُّرًا وَعِيًّا وَضَعْفًا. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّبَرُّزِ وَالْحَرَكَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَإِشْغَالِ الْمَعِدَةِ بِشَيْءٍ، فَذَلِكَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْمُوَلِّدُ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْأَدْوَاءِ.
وَالنَّوْمُ فِي الشَّمْسِ يُثِيرُ الدَّاءَ الدَّفِينَ، وَنَوْمُ الْإِنْسَانِ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ، وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ رَدِيءٌ، وَقَدْ رَوَى أبو داود فِي «سُنَنِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الشَّمْسِ فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ، وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ فَلْيَقُمْ» » .
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْعِ النَّوْمِ بَيْنَهُمَا.
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ
стр. 180
وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ، إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ» «١» .
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ عائشة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ- يَعْنِي سُنَّتَهَا- اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ «٢» .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الحكمة في النوم على الجانب الأيمن، ألايستغرق النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ، لِأَنَّ الْقَلْبَ فِيهِ مَيْلٌ إِلَى جِهَةِ الْيَسَارِ، فَإِذَا نَامَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، طَلَبَ الْقَلْبُ مُسْتَقَرَّهُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِقْرَارِ النَّائِمِ وَاسْتِثْقَالِهِ فِي نَوْمِهِ، بِخِلَافِ قَرَارِهِ فِي النَّوْمِ عَلَى الْيَسَارِ، فَإِنَّهُ مُسْتَقَرُّهُ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الدَّعَةُ التَّامَّةُ، فَيَسْتَغْرِقُ الْإِنْسَانُ فِي نَوْمِهِ، وَيَسْتَثْقِلُ، فَيَفُوتُهُ مَصَالِحُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
وَلَمَّا كَانَ النَّائِمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ، وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ- وَلِهَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ فِيهَا- كَانَ النَّائِمُ مُحْتَاجًا إِلَى مَنْ يَحْرُسُ نَفْسَهُ، وَيَحْفَظُهَا مِمَّا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ الْآفَاتِ، وَيَحْرُسُ بَدَنَهُ أَيْضًا مِنْ طَوَارِقِ الْآفَاتِ، وَكَانَ رَبُّهُ وَفَاطِرُهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ وَحْدَهُ. عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ النَّائِمَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَاتِ التَّفْوِيضِ وَالِالْتِجَاءِ، وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، لِيَسْتَدْعِيَ بِهَا كَمَالَ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ، وَحِرَاسَتِهِ لِنَفْسِهِ وَبَدَنِهِ، وَأَرْشَدَهُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَسْتَذْكِرَ الْإِيمَانَ، وَيَنَامَ عَلَيْهِ، وَيَجْعَلَ التَّكَلُّمَ بِهِ آخِرَ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَوَفَّاهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ، فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَتَضَمَّنَ هَذَا الْهَدْيُ فِي الْمَنَامِ مَصَالِحَ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَالرُّوحِ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ نَالَتْ بِهِ أمّته كلّ خير.
стр. 181
وَقَوْلُهُ: «أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ» ، أَيْ: جَعَلْتُهَا مُسَلَّمَةً لَكَ تَسْلِيمَ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ نَفْسَهُ إِلَى سَيِّدِهِ وَمَالِكِهِ. وَتَوْجِيهُ وَجْهِهِ إِلَيْهِ يَتَضَمَّنُ إِقْبَالَهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى رَبِّهِ، وَإِخْلَاصَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ لَهُ، وَإِقْرَارَهُ بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالِانْقِيَادِ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِ «١» وَذَكَرَ الْوَجْهَ إِذْ هُوَ أَشْرَفُ مَا فِي الانسان، ومجمع الحواس، وأيضا ففيه معنى الوجه وَالْقَصْدِ مِنْ قَوْلِهِ:
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ سُكُونَ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَتَهُ، وَالرِّضَى بِمَا يَقْضِيهِ وَيَخْتَارُهُ لَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَالتَّفْوِيضُ مِنْ أَشْرَفِ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا عِلَّةَ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْخَاصَّةِ خِلَافًا لِزَاعِمِي خِلَافِ ذَلِكَ.
وَإِلْجَاءُ الظَّهْرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ يَتَضَمَّنُ قُوَّةَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَالثِّقَةَ بِهِ، وَالسُّكُونَ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، لَمْ يَخَفِ السُّقُوطَ.
وَلَمَّا كَانَ لِلْقَلْبِ قُوَّتَانِ: قُوَّةُ الطَّلَبِ، وَهِيَ الرَّغْبَةُ، وَقُوَّةُ الْهَرَبِ، وَهِيَ الرَّهْبَةُ، وَكَانَ الْعَبْدُ طَالِبًا لِمَصَالِحِهِ، هَارِبًا مِنْ مَضَارِّهِ، جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ فِي هَذَا التَّفْوِيضِ وَالتَّوَجُّهِ، فَقَالَ: رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، بِأَنَّهُ لَا مَلْجَأَ لِلْعَبْدِ سِوَاهُ، وَلَا مَنْجَا لَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ، فَهُوَ الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ لِيُنَجِّيَهُ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ،
стр. 182
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» «١» ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُعِيذُ عَبْدَهُ وَيُنَجِّيهِ مِنْ بَأْسِهِ الَّذِي هُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَمِنْهُ الْبَلَاءُ، وَمِنْهُ الْإِعَانَةُ، وَمِنْهُ مَا يَطْلُبُ النَّجَاةَ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ الِالْتِجَاءُ فِي النَّجَاةِ، فَهُوَ الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ فِي أَنْ يُنْجِيَ مِمَّا مِنْهُ، وَيُسْتَعَاذُ بِهِ مِمَّا مِنْهُ، فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ «٢» قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً «٣» ثُمَّ خَتَمَ الدُّعَاءَ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي هُوَ مَلَاكُ النَّجَاةِ، وَالْفَوْزِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهَذَا هَدْيُهُ فِي نَوْمِهِ.
لَوْ لَمْ يَقُلْ إِنِّي رَسُولٌ لَكَا ... نَ شَاهِدٌ فِي هديه ينطق
فَصْلٌ
وَأَمَّا هَدْيُهُ فِي يَقَظَتِهِ، فَكَانَ يَسْتَيْقِظُ إِذَا صَاحَ الصَّارِخُ وَهُوَ الدِّيكُ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ، وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَسْتَاكُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى وُضُوئِهِ، ثُمَّ يَقِفُ لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، مُنَاجِيًا لَهُ بِكَلَامِهِ، مُثْنِيًا عَلَيْهِ، رَاجِيًا لَهُ، رَاغِبًا رَاهِبًا، فَأَيُّ حِفْظٍ لِصِحَّةِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَالرُّوحِ وَالْقُوَى، وَلِنَعِيمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فوق هذا.
فَصْلٌ
وَأَمَّا تَدْبِيرُ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَهُوَ الرِّيَاضَةُ، فَنَذْكُرُ مِنْهَا فَصْلًا يُعْلَمُ مِنْهُ مُطَابَقَةُ هَدْيِهِ فِي ذَلِكَ لِأَكْمَلِ أَنْوَاعِهِ وَأَحْمَدِهَا وَأَصْوَبِهَا، فَنَقُولُ:
стр. 183
مِنَ الْمَعْلُومِ افْتِقَارُ الْبَدَنِ فِي بَقَائِهِ إِلَى الغذاء والشراب، ولا يصير الغذاء بجملته جزآ من البدن، بل لابد أَنْ يَبْقَى مِنْهُ عِنْدَ كُلِّ هَضْمٍ بَقِيَّةٌ مَا، إِذَا كَثُرَتْ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ اجْتَمَعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَهُ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ، فَيَضُرُّ بِكَمِّيَّتِهِ بِأَنْ يَسُدَّ وَيُثْقِلَ الْبَدَنَ، وَيُوجِبَ أَمْرَاضَ الِاحْتِبَاسِ، وَإِنِ اسْتَفْرَغَ تَأَذَّى الْبَدَنُ بِالْأَدْوِيَةِ، لِأَنَّ أَكْثَرَهَا سُمِّيَّةٌ، وَلَا تَخْلُو مِنْ إِخْرَاجِ الصَّالِحِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ، وَيَضُرُّ بِكَيْفِيَّتِهِ، بِأَنْ يُسَخِّنَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بالعفن، أو يبرد بنفسسه، أَوْ يُضْعِفَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ عَنْ إِنْضَاجِهِ.
وَسُدَدُ الْفَضَلَاتِ لَا مَحَالَةَ ضَارَّةٌ تُرِكَتْ، أَوِ اسْتُفْرِغَتْ، والحركة أقوى الأسباب في منع تولدها، فإنه تُسَخِّنُ الْأَعْضَاءَ، وَتُسِيلُ فَضَلَاتِهَا، فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ، وَتُعَوِّدُ الْبَدَنَ الْخِفَّةَ وَالنَّشَاطَ، وَتَجْعَلُهُ قَابِلًا لِلْغِذَاءِ، وَتُصَلِّبُ الْمَفَاصِلَ، وَتُقَوِّي الْأَوْتَارَ وَالرِّبَاطَاتِ، وَتُؤَمِّنُ جَمِيعَ الْأَمْرَاضِ الْمَادِّيَّةِ وَأَكْثَرَ الْأَمْرَاضِ الْمِزَاجِيَّةِ إِذَا اسْتُعْمِلَ الْقَدْرُ الْمُعْتَدِلُ مِنْهَا فِي وَقْتِهِ، وَكَانَ بَاقِي التَّدْبِيرِ صَوَابًا.
وَوَقْتُ الرِّيَاضَةِ بَعْدَ انْحِدَارِ الْغِذَاءِ، وَكَمَالِ الْهَضْمِ، وَالرِّيَاضَةُ الْمُعْتَدِلَةُ هِيَ الَّتِي تَحْمَرُّ فِيهَا الْبَشَرَةُ، وَتَرْبُو وَيَتَنَدَّى بِهَا الْبَدَنُ، وَأَمَّا الَّتِي يَلْزَمُهَا سَيَلَانُ الْعَرَقِ فَمُفْرِطَةٌ، وَأَيُّ عُضْوٍ كَثُرَتْ رِيَاضَتُهُ قَوِيَ، وَخُصُوصًا عَلَى نَوْعِ تِلْكَ الرِّيَاضَةِ، بَلْ كُلُّ قُوَّةٍ فَهَذَا شَأْنُهَا، فَإِنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْحِفْظِ قَوِيَتْ حَافِظَتُهُ، وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْفِكْرِ قَوِيَتْ قُوَّتُهُ الْمُفَكِّرَةُ، وَلِكُلِّ عُضْوٍ رِيَاضَةٌ تَخُصُّهُ، فَلِلصَّدْرِ الْقِرَاءَةُ، فليبتدىء فِيهَا مِنَ الْخُفْيَةِ إِلَى الْجَهْرِ بِتَدْرِيجٍ، وَرِيَاضَةُ السَّمْعِ بِسَمْعِ الْأَصْوَاتِ، وَالْكَلَامِ بِالتَّدْرِيجِ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ الْأَخَفِّ إِلَى الْأَثْقَلِ، وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ اللِّسَانِ فِي الْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ الْبَصَرِ، وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ الْمَشْيِ بِالتَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَأَمَّا رُكُوبُ الْخَيْلِ، وَرَمْيُ النُّشَّابِ، وَالصِّرَاعُ، وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ، فَرِيَاضَةٌ لِلْبَدَنِ كُلِّهِ، وَهِيَ قَالِعَةٌ لِأَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ، كَالْجُذَامِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، والقولنج.
стр. 184
وَرِيَاضَةُ النُّفُوسِ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّأَدُّبِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَالْإِقْدَامِ وَالسَّمَاحَةِ، وَفِعْلِ الْخَيْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَرْتَاضُ بِهِ النُّفُوسُ، وَمِنْ أَعْظَمِ رِيَاضَتِهَا: الصَّبْرُ وَالْحُبُّ، وَالشَّجَاعَةُ وَالْإِحْسَانُ، فَلَا تَزَالُ تَرْتَاضُ بِذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَصِيرَ لَهَا هَذِهِ الصِّفَاتُ هَيْئَاتٍ رَاسِخَةً، وَمَلَكَاتٍ ثَابِتَةً.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَدْيَهُ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَجَدْتَهُ أَكْمَلَ هَدْيٍ حَافِظٍ لِلصِّحَّةِ وَالْقُوَى، وَنَافِعٍ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الصلاة نفسها فيها من حفظ الْبَدَنِ، وَإِذَابَةِ أَخْلَاطِهِ وَفَضَلَاتِهِ مَا هُوَ مِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لَهُ سِوَى مَا فِيهَا مِنْ حِفْظِ صِحَّةِ الْإِيمَانِ، وَسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ مِنْ أَنْفَعِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ، وَمِنْ أَمْنَعِ الْأُمُورِ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ، وَمِنْ أَنْشَطِ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ وَالرُّوحِ وَالْقَلْبِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ، فَإِنْ هُوَ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ثَانِيَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» «١» .
وَفِي الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ وَرِيَاضَةِ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ مَا لَا يَدْفَعُهُ صَحِيحُ الْفِطْرَةِ.
وَأَمَّا الْجِهَادُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحَرَكَاتِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ، وَحِفْظِ الصِّحَّةِ، وَصَلَابَةِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَدَفْعِ فَضَلَاتِهِمَا، وَزَوَالِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ، فَأَمْرٌ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ مِنْهُ نَصِيبٌ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ، وَفِعْلُ الْمَنَاسِكِ، وكذلك المسابقة على الخيل، وبالنصال، والمشيء فِي الْحَوَائِجِ، وَإِلَى الْإِخْوَانِ، وَقَضَاءُ حُقُوقِهِمْ، وَعِيَادَةُ مَرْضَاهُمْ، وَتَشْيِيعُ جَنَائِزِهِمْ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِلْجُمُعَاتِ والجماعات، وحركة الوضوء والاغتسال، وغير ذلك.
стр. 185
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْجِمَاعُ وَالْبَاهُ، فَكَانَ هَدْيُهُ فِيهِ أَكْمَلَ هَدْيٍ، يَحْفَظُ بِهِ الصِّحَّةَ وَتَتِمُّ بِهِ اللَّذَّةُ وَسُرُورُ النَّفْسِ، وَيَحْصُلُ بِهِ مَقَاصِدُهُ الَّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا، فَإِنَّ الْجِمَاعَ وُضِعَ فِي الْأَصْلِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مَقَاصِدُهُ الْأَصْلِيَّةُ: أَحَدُهَا: حِفْظُ النَّسْلِ، وَدَوَامُ النَّوْعِ إِلَى أَنْ تَتَكَامَلَ الْعُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ بُرُوزَهَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ.
الثَّانِي: إِخْرَاجُ الْمَاءِ الَّذِي يَضُرُّ احْتِبَاسُهُ وَاحْتِقَانُهُ بِجُمْلَةِ الْبَدَنِ.
الثَّالِثُ: قَضَاءُ الْوَطَرِ، وَنَيْلُ اللَّذَّةِ، وَالتَّمَتُّعُ بِالنِّعْمَةِ، وَهَذِهِ وَحْدَهَا هِيَ الْفَائِدَةُ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ، إِذْ لَا تَنَاسُلَ هُنَاكَ، وَلَا احْتِقَانَ يَسْتَفْرِغُهُ الْإِنْزَالُ.
وَفُضَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ: يَرَوْنَ أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ أَحَدِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ. قَالَ جالينوس: الْغَالِبُ عَلَى جَوْهَرِ الْمَنِيِّ النَّارُ وَالْهَوَاءُ، وَمِزَاجُهُ حَارٌّ رَطْبٌ، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الدَّمِ الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية، وإذ ثَبَتَ فَضْلُ الْمَنِيِّ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِخْرَاجُهُ إِلَّا فِي طَلَبِ النَّسْلِ، أَوْ إِخْرَاجُ الْمُحْتَقِنِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا دَامَ احْتِقَانُهُ، أَحْدَثَ أَمْرَاضًا رَدِيئَةً، مِنْهَا: الْوَسْوَاسُ، وَالْجُنُونُ، وَالصَّرَعُ وَغَيْرُ ذلك، وقد يبرىء اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ إِذَا طَالَ احْتِبَاسُهُ، فَسَدَ وَاسْتَحَالَ إِلَى كَيْفِيَّةٍ سُمِّيَّةٍ تُوجِبُ أَمْرَاضًا رَدِيئَةً كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِذَلِكَ تَدْفَعُهُ الطَّبِيعَةُ بِالِاحْتِلَامِ إِذَا كَثُرَ عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يتعاهد من نفسه ثلاثا: ألايدع الْمَشْيَ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ يَوْمًا قَدَرَ عَلَيْهِ، وينبغي ألايدع الأكل، فإن أمعاءه تضيق، وينبغي ألايدع الْجِمَاعَ، فَإِنَّ الْبِئْرَ إِذَا لَمْ تُنْزَحْ، ذَهَبَ مَاؤُهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا: مَنْ تَرَكَ الْجِمَاعَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ضَعُفَتْ قُوَى أَعْصَابِهِ، وَانْسَدَّتْ مَجَارِيهَا، وَتَقَلَّصَ ذَكَرُهُ. قَالَ: وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً تَرَكُوهُ لِنَوْعٍ مِنَ التَّقَشُّفِ، فَبَرُدَتْ أَبْدَانُهُمْ، وَعَسُرَتْ حَرَكَاتُهُمْ، وَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ كَآبَةٌ بِلَا سَبَبٍ، وَقَلَّتْ شَهَوَاتُهُمْ وهضمهم، انتهى.
стр. 186
وَمِنْ مَنَافِعِهِ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ النَّفْسِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْعِفَّةِ عَنِ الْحَرَامِ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ، فَهُوَ يَنْفَعُ نَفْسَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَيَنْفَعُ الْمَرْأَةَ، وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ يَتَعَاهَدُهُ وَيُحِبُّهُ، وَيَقُولُ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» «١» .
وَفِي كِتَابِ «الزُّهْدِ» لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ: أَصْبِرُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا أَصْبِرُ عَنْهُنَّ.
وَحَثَّ عَلَى التَّزْوِيجِ أُمَّتَهُ فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» «٢» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. «٣» .
وَقَالَ: «إِنِّي أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» «٤» .
وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْفَظُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» «٥» .
وَلَمَّا تَزَوَّجَ جابر ثَيِّبًا قَالَ لَهُ: «هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ» «٦» .
وَفِي «سُنَنِهِ» أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: «لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ» «٧» .
стр. 187
وَفِي صَحِيحِ مسلم» مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» «١» .
وَكَانَ ﷺ يُحَرِّضُ أُمَّتَهُ عَلَى نِكَاحِ الْأَبْكَارِ الْحِسَانِ، وَذَوَاتِ الدِّينِ، وَفِي «سُنَنِ النَّسَائِيِّ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» «٢» .
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» «٣» .
وَكَانَ يَحُثُّ عَلَى نِكَاحِ الْوَلُودِ، وَيَكْرَهُ الْمَرْأَةَ الَّتِي لَا تَلِدُ، كَمَا فِي «سُنَنِ أبي داود» عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: «لَا» ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ» .
وَفِي الترمذي عَنْهُ مَرْفُوعًا: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: النِّكَاحُ، وَالسِّوَاكُ وَالتَّعَطُّرُ، وَالْحِنَّاءُ» رُوِيَ فِي «الْجَامِعِ» بِالنُّونِ وَالْيَاءِ «٤» وَسَمِعْتُ أبا الحجاج الحافظ يَقُولُ: الصَّوَابُ: أَنَّهُ الْخِتَانُ، وَسَقَطَتِ النُّونُ مِنَ الْحَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ المحاملي عَنْ شَيْخِ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجِمَاعِ مُلَاعَبَةُ الْمَرْأَةِ، وَتَقْبِيلُهَا، وَمَصُّ لِسَانِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيُقَبِّلُهَا.
وَرَوَى أبو داود فِي «سُنَنِهِ» أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ عائشة، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا «٥» .
стр. 188
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُوَاقَعَةِ قَبْلَ الْمُلَاعَبَةِ.
وَكَانَ ﷺ رُبَّمَا جَامَعَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَرَوَى مسلم فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ أنس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ «١» .
وَرَوَى أبو داود فِي «سُنَنِهِ» عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ، فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اغْتَسَلْتَ غُسْلًا وَاحِدًا، فَقَالَ: «هَذَا أَزْكَى وَأَطْهَرُ وَأَطْيَبُ» «٢» .
وَشُرِعَ لِلْمُجَامِعِ إِذَا أَرَادَ الْعَوْدَ قَبْلَ الْغُسْلِ الْوُضُوءُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ، كَمَا رَوَى مسلم فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» «٣» .
وَفِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ بَعْدَ الْوَطْءِ مِنَ النَّشَاطِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وَإِخْلَافِ بَعْضِ مَا تَحَلَّلَ بِالْجِمَاعِ، وَكَمَالِ الطُّهْرِ وَالنَّظَافَةِ، وَاجْتِمَاعِ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ بَعْدَ انْتِشَارِهِ بِالْجِمَاعِ، وَحُصُولِ النَّظَافَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَيَبْغَضُ خِلَافَهَا مَا هُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّدْبِيرِ فِي الجماع، وحفظ الصحة والقوى فيه.
فَصْلٌ
وَأَنْفَعُ الْجِمَاعِ: مَا حَصَلَ بَعْدَ الْهَضْمِ، وَعِنْدَ اعْتِدَالِ الْبَدَنِ فِي حَرِّهِ وَبَرْدِهِ، وَيُبُوسَتِهِ وَرُطُوبَتِهِ، وَخَلَائِهِ وَامْتِلَائِهِ. وَضَرَرُهُ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْبَدَنِ أَسْهَلُ وَأَقَلُّ مِنْ ضَرَرِهِ عِنْدَ خُلُوِّهِ، وَكَذَلِكَ ضَرَرُهُ عِنْدَ كَثْرَةِ الرُّطُوبَةِ أَقَلُّ مِنْهُ عِنْدَ اليبوسة، وعند
стр. 189
حَرَارَتِهِ أَقَلُّ مِنْهُ عِنْدَ بُرُودَتِهِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ إِذَا اشْتَدَّتِ الشَّهْوَةُ، وَحَصَلَ الِانْتِشَارُ التَّامُّ الَّذِي لَيْسَ عَنْ تَكَلُّفٍ وَلَا فِكْرٍ فِي صُورَةٍ، وَلَا نَظَرٍ مُتَتَابِعٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْعِيَ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَيَتَكَلَّفَهَا، وَيَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَلْيُبَادِرْ إِلَيْهِ إِذَا هَاجَتْ بِهِ كَثْرَةُ الْمَنِيِّ، وَاشْتَدَّ شَبَقُهُ، وَلْيَحْذَرْ جِمَاعَ الْعَجُوزِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَالَّتِي لَا شَهْوَةَ لَهَا، وَالْمَرِيضَةِ، وَالْقَبِيحَةِ الْمَنْظَرِ، وَالْبَغِيضَةِ، فَوَطْءُ هَؤُلَاءِ يُوهِنُ الْقُوَى، وَيُضْعِفُ الْجِمَاعَ بِالْخَاصِّيَّةِ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ مِنَ الْأَطِبَّاءِ: إِنَّ جِمَاعَ الثَّيِّبِ أَنْفَعُ مِنْ جِمَاعِ الْبِكْرِ وَأَحْفَظُ لِلصِّحَّةِ، وَهَذَا مِنَ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، حَتَّى رُبَّمَا حَذَّرَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عُقَلَاءُ النَّاسِ، وَلِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الطَّبِيعَةُ وَالشَّرِيعَةُ.
وَفِي جِمَاعِ الْبِكْرِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ وَكَمَالِ التَّعَلُّقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُجَامِعِهَا، وَامْتِلَاءِ قَلْبِهَا مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَعَدَمِ تَقْسِيمِ هَوَاهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، مَا لَيْسَ لِلثَّيِّبِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لجابر: «هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا» ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ كَمَالِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، أَنَّهُنَّ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ مَنْ جُعِلْنَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَالَتْ عائشة لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِشَجَرَةٍ قَدْ أُرْتِعَ فِيهَا، وَشَجَرَةٍ لَمْ يُرْتَعْ فِيهَا، فَفِي أَيِّهِمَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: «فِي الَّتِي لَمْ يُرْتَعْ فِيهَا» «١» . تُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِكْرًا غَيْرَهَا.
وَجِمَاعُ الْمَرْأَةِ الْمَحْبُوبَةِ فِي النَّفْسِ يَقِلُّ إِضْعَافُهُ لِلْبَدَنِ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِهِ لِلْمَنِيِّ، وَجِمَاعُ الْبَغِيضَةِ يُحِلُّ الْبَدَنَ، وَيُوهِنُ الْقُوَى مَعَ قِلَّةِ اسْتِفْرَاغِهِ. وَجِمَاعُ الْحَائِضِ حَرَامٌ طَبْعًا وَشَرْعًا، فَإِنَّهُ مُضِرٌّ جِدًّا، وَالْأَطِبَّاءُ قاطبة تحذر منه.
وَأَحْسَنُ أَشْكَالِ الْجِمَاعِ أَنْ يَعْلُوَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، مستفرشا لها بعد الملاعبة والبلة، وَبِهَذَا سُمِّيَتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، كَمَا قَالَ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» «٢» ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ قَوَّامِيَّةِ الرُّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ، كَمَا قَالَ تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ «٣» ،
стр. 190
وَكَمَا قِيلَ:
إِذَا رُمْتُهَا كَانَتْ فِرَاشًا يُقِلُّنِي ... وَعِنْدَ فَرَاغِي خَادِمٌ يَتَمَلَّقُ
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ.، وَأَكْمَلُ اللِّبَاسِ وَأَسْبَغُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَإِنَّ فِرَاشَ الرَّجُلِ لِبَاسٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ لِحَافُ الْمَرْأَةِ لَهَا، فَهَذَا الشَّكْلُ الْفَاضِلُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبِهِ يَحْسُنُ مَوْقِعُ اسْتِعَارَةِ اللِّبَاسِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا، فَتَكُونُ عَلَيْهِ كَاللِّبَاسِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا ... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا
وَأَرْدَأُ أَشْكَالِهِ أَنْ تَعْلُوَهُ الْمَرْأَةُ، وَيُجَامِعَهَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الشَّكْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، بَلْ نَوْعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَفِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، أَنَّ الْمَنِيَّ يَتَعَسَّرُ خُرُوجُهُ كُلُّهُ، فَرُبَّمَا بَقِيَ فِي الْعُضْوِ مِنْهُ فَيَتَعَفَّنُ وَيَفْسُدُ، فَيَضُرُّ وَأَيْضًا: فَرُبَّمَا سَالَ إِلَى الذَّكَرِ رُطُوبَاتٌ مِنَ الْفَرْجِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الرَّحِمَ لَا يَتَمَكَّنُ من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه، وانضامه عَلَيْهِ لِتَخْلِيقِ الْوَلَدِ، وَأَيْضًا:
فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَفْعُولٌ بِهَا طَبْعًا وَشَرْعًا، وَإِذَا كَانَتْ فَاعِلَةً خَالَفَتْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَالشَّرْعِ.
وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ إِنَّمَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ عَلَى جُنُوبِهِنِّ عَلَى حَرْفٍ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أَيْسَرُ لِلْمَرْأَةِ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ تَشْرَحُ النّساء على أقفائهن، فعابت اليهود عليهما ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ «١» .
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ جابر، قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فى قلبها، كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : نِساؤُكُمْ
стр. 191
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. وَفِي لَفْظٍ لمسلم: «إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» «١» .
وَالْمُجَبِّيَةُ: الْمُنْكَبَّةُ عَلَى وَجْهِهَا، وَالصِّمَامُ الواحد: الفرج، وهو موضع الحرث والولد.
وَأَمَّا الدُّبُرُ: فَلَمْ يُبَحْ قَطُّ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ نَسَبَ إِلَى بَعْضِ السَّلَفِ إِبَاحَةَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ، وَفِي «سُنَنِ أبي داود» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا» «٢» .
وَفِي لَفْظٍ لأحمد وَابْنِ مَاجَهْ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» .
وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وأحمد: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » «٣» .
وَفِي لَفْظٍ للبيهقي: «مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْأَدْبَارِ فَقَدْ كَفَرَ» .
وَفِي «مُصَنَّفِ وَكِيعٍ» : حَدَّثَنِي زمعة بن صالح، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الله بن يزيد، قَالَ: قَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إن الله لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» . وَقَالَ مَرَّةً: «فِي أَدْبَارِهِنَّ» .
وَفِي الترمذي: عَنْ علي بن طلق، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يستحي مِنَ الْحَقِّ» «٤» . وَفِي «الْكَامِلِ» لِابْنِ عَدِيٍّ: مِنْ حَدِيثِهِ عَنِ المحاملي، عَنْ سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدّثنا محمد
стр. 192
ابن حمزة، عَنْ زيد بن رفيع، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ: «لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» .
وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ الحسن بن علي الجوهري، عَنْ أبي ذر مَرْفُوعًا: «مَنْ أَتَى الرِّجَالَ أَوِ النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَدْ كَفَرَ» .
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جابر يَرْفَعُهُ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي حُشُوشِهِنَّ» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَلَفْظُهُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا يَحِلُّ مَأْتَاكَ النِّسَاءَ فِي حُشُوشِهِنَّ» «١» .
وَقَالَ البغوي: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا همام، قَالَ: سُئِلَ قتادة عَنِ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى» .
وَقَالَ أحمد فِي «مُسْنَدِهِ» : حَدَّثَنَا عبد الرحمن، قَالَ: حَدَّثَنَا همام، أَخْبَرَنَا عَنْ قتادة، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، فَذَكَرَهُ
وَفِي «الْمُسْنَدِ» أَيْضًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: «ائْتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَ فِي الْفَرْجِ» »
وَفِي «الْمُسْنَدِ» أَيْضًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، فَقَالَ: «وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أقبل وأدبر، واتّق الحيضة والدّبر» «٣» .
стр. 193
وَفِي الترمذي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» «١» .
وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَرْفَعُهُ: «كَفَرَ بِاللَّهِ، الْعَظِيمِ عشرة من هذه الأمة: القا، وَالسَّاحِرُ، وَالدَّيُّوثُ، وَنَاكِحُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، وَمَانِعُ الزَّكَاةِ، وَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَمَاتَ، وَلَمْ يَحُجَّ، وَشَارِبُ الْخَمْرِ، وَالسَّاعِي فِي الْفِتَنِ، وَبَائِعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَمَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ» «٢» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا عبد الله بن لهيعة عن شرح بن هاعان، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَلْعُونٌ مَنْ يَأْتِي النِّسَاءَ فِي مَحَاشِّهِنَّ. يَعْنِي:
أَدْبَارَهُنَّ» «٣» .
وَفِي «مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ» ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَا «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمَدِينَةِ حتى لحق بالله ، وظنا فيها، وقال: «من نكح المرأة فِي دُبُرِهَا، أَوْ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا، حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ، وَأَحْبَطَ اللَّهُ أَجْرَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَيُدْخَلُ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ، وَيُشَدُّ عَلَيْهِ مسامير من نار» ، وقال أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا لِمَنْ لَمْ يَتُبْ.
وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابت يرفعه، «إنّ الله لا يستحي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» «٤» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ «أَخْبَرَنِي عَمِّي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله ابن علي بن السائب، عَنْ عمرو بن أحيحة بن الجلاح، عن خزيمة ابن ثابت، أن
стр. 194
رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ: «حَلَالٌ» ، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ، فِي أَيِّ الْخُرْبَتَيْنِ، أَوْ فِي أَيِّ الْخَرْزَتَيْنِ، أَوْ فِي أَيِّ الْخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا؟ فَنَعَمْ. أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا، فَلَا، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» «١» .
قَالَ الرَّبِيعُ: فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: فَمَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: عَمِّي ثِقَةٌ، وعبد الله بن علي ثِقَةٌ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الْأَنْصَارِيِّ خَيْرًا، يَعْنِي عمرو بن الجلاح، وخزيمة مِمَّنْ لَا يُشَكُّ فِي ثِقَتِهِ، فَلَسْتُ أُرَخِّصُ فيه، بل أنهى عنه.
قلت: ومن ها هنا نَشَأَ الْغَلَطُ عَلَى مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْإِبَاحَةُ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمْ أَبَاحُوا أَنْ يَكُونَ الدُّبُرُ طَرِيقًا إِلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، فَيَطَأُ مِنَ الدُّبُرِ لَا فِي الدُّبُرِ، فَاشْتَبَهَ عَلَى السَّامِعِ «مِنْ» بِ «فِي» وَلَمْ يَظُنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَهَذَا الَّذِي أَبَاحَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ، فَغَلِطَ عَلَيْهِمُ الْغَالِطُ أَقْبَحَ الْغَلَطِ وَأَفْحَشَهُ.
وَقَدْ قَالَ تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ قَالَ مجاهد: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، فَقَالَ: تَأْتِيهَا مِنْ حَيْثُ أُمِرْتَ أَنْ تَعْتَزِلَهَا يَعْنِي فِي الْحَيْضِ. وَقَالَ علي بن أبي طلحة عَنْهُ، يَقُولُ: فِي الْفَرْجِ، وَلَا تَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي دُبُرِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَبَاحَ إِتْيَانَهَا فِي الْحَرْثِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ لَا فِي الْحُشِّ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْأَذَى، وَمَوْضِعُ الْحَرْثِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (مِنْ حيث أمركم الله) قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وإتيانها في قلبها مِنْ دُبُرِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الْآيَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَالَ: أَنَّى شِئْتُمْ، أَيْ: مِنْ أَيْنَ شِئْتُمْ مِنْ أَمَامٍ أَوْ مِنْ خَلْفٍ. قَالَ ابْنُ عباس: فأتوا حرثكم، يَعْنِي: الْفَرْجَ.
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ حَرَّمَ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ لِأَجْلِ الْأَذَى الْعَارِضِ، فَمَا الظَّنُّ بِالْحُشِّ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْأَذَى اللَّازِمِ مَعَ زِيَادَةِ الْمَفْسَدَةِ بِالتَّعَرُّضِ لِانْقِطَاعِ النَّسْلِ وَالذَّرِيعَةِ الْقَرِيبَةِ جِدًّا مِنْ أَدْبَارِ النِّسَاءِ إِلَى أَدْبَارِ الصِّبْيَانِ.
стр. 195
وَأَيْضًا: فَلِلْمَرْأَةِ حَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْوَطْءِ، وَوَطْؤُهَا فِي دُبُرِهَا يُفَوِّتُ حَقَّهَا، وَلَا يَقْضِي وَطَرَهَا، وَلَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا.
وَأَيْضًا «فَإِنَّ الدُّبُرَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِهَذَا الْعَمَلِ، وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ، وإنما الذي هيىء لَهُ الْفَرْجُ، فَالْعَادِلُونَ عَنْهُ إِلَى الدُّبُرِ خَارِجُونَ عَنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ جَمِيعًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِالرُّجُلِ، وَلِهَذَا يَنْهَى عَنْهُ عُقَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّ لِلْفَرْجِ خَاصِّيَّةً فِي اجْتِذَابِ الْمَاءِ الْمُحْتَقَنِ وَرَاحَةِ الرَّجُلِ مِنْهُ، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ لَا يُعِينُ عَلَى اجْتِذَابِ جَمِيعِ الْمَاءِ، وَلَا يُخْرِجُ كُلَّ الْمُحْتَقَنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ.
وَأَيْضًا: يَضُرُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ إِحْوَاجُهُ إِلَى حَرَكَاتٍ مُتْعِبَةٍ جِدًّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلطَّبِيعَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مَحَلُّ الْقَذَرِ وَالنَّجْوِ، فَيَسْتَقْبِلُهُ الرَّجُلُ بِوَجْهِهِ، وَيُلَابِسُهُ.
وَأَيْضًا «فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَرْأَةِ جِدًّا، لِأَنَّهُ وَارِدٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ عَنِ الطِّبَاعِ، مُنَافِرٌ لَهَا غَايَةَ الْمُنَافَرَةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُحْدِثُ الْهَمَّ وَالْغَمَّ، وَالنُّفْرَةَ عَنِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُسَوِّدُ الْوَجْهَ، وَيُظْلِمُ الصَّدْرَ، وَيَطْمِسُ نُورَ الْقَلْبِ، وَيَكْسُو الْوَجْهَ وَحْشَةً تَصِيرُ عَلَيْهِ كَالسِّيمَاءِ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فِرَاسَةٍ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُوجِبُ النُّفْرَةَ وَالتَّبَاغُضَ الشَّدِيدَ، وَالتَّقَاطُعَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَلَا بُدَّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُفْسِدُ حَالَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَسَادًا لَا يَكَادُ يُرْجَى بَعْدَهُ صَلَاحٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْمَحَاسِنِ مِنْهُمَا، وَيَكْسُوهُمَا ضِدَّهَا، كَمَا يَذْهَبُ بِالْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمَا، وَيُبْدِلُهُمَا بِهَا تَبَاغُضًا وَتَلَاعُنًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ زَوَالِ النِّعَمِ، وَحُلُولِ النِّقَمِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ اللَّعْنَةَ
стр. 196
وَالْمَقْتَ مِنَ اللَّهِ، وَإِعْرَاضَهُ عَنْ فَاعِلِهِ، وَعَدَمَ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، فَأَيَّ خَيْرٍ يَرْجُوهُ بَعْدَ هَذَا، وَأَيَّ شَرٍّ يَأْمَنُهُ، وَكَيْفَ حَيَاةُ عَبْدٍ قَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَمَقْتُهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالْحَيَاءِ جُمْلَةً، وَالْحَيَاءُ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ فَإِذَا فَقَدَهَا الْقَلْبُ، اسْتَحْسَنَ الْقَبِيحَ، وَاسْتَقْبَحَ الْحَسَنَ، وَحِينَئِذٍ فَقَدِ اسْتَحْكَمَ فَسَادُهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُحِيلُ الطِّبَاعَ عَمَّا رَكَّبَهَا اللَّهُ، وَيُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ طَبْعِهِ إِلَى طَبْعٍ لَمْ يُرَكِّبِ اللَّهُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الْحَيَوَانِ، بَلْ هُوَ طَبْعٌ مَنْكُوسٌ، وَإِذَا نُكِسَ الطَّبْعُ انْتَكَسَ الْقَلْبُ، وَالْعَمَلُ، وَالْهُدَى، فَيَسْتَطِيبُ حِينَئِذٍ الْخَبِيثَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْهَيْئَاتِ وَيَفْسُدُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ وَكَلَامُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُورِثُ مِنَ الْوَقَاحَةِ وَالْجُرْأَةِ مَا لَا يُورِثُهُ سِوَاهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يُورِثُ مِنَ الْمَهَانَةِ وَالسِّفَالِ وَالْحَقَارَةِ مَا لَا يُورِثُهُ غَيْرُهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ يَكْسُو الْعَبْدَ مِنْ حُلَّةِ الْمَقْتِ وَالْبَغْضَاءِ، وَازْدِرَاءِ النَّاسِ لَهُ، وَاحْتِقَارِهِمْ إِيَّاهُ، وَاسْتِصْغَارِهِمْ لَهُ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسِّ فَصَلَ اةُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي هَدْيِهِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَهَلَاكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي مُخَالَفَةِ هديه وما جاء به.
فَصْلٌ
وَالْجِمَاعُ الضَّارُّ: نَوْعَانِ: ضَارٌّ شَرْعًا، وَضَارٌّ طَبْعًا. فَالضَّارُّ شَرْعًا:
الْمُحَرَّمُ، وَهُوَ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ. وَالتَّحْرِيمُ الْعَارِضُ مِنْهُ أَخَفُّ مِنَ اللَّازِمِ، كَتَحْرِيمِ الْإِحْرَامِ، وَالصِّيَامِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَتَحْرِيمِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَائِضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا حَدَّ فِي هَذَا الْجِمَاعِ.
وَأَمَّا اللَّازِمُ: فَنَوْعَانِ. نَوْعٌ لَا سَبِيلَ إِلَى حِلِّهِ الْبَتَّةَ، كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَهَذَا مِنْ
стр. 197
أَضَرِّ الْجِمَاعِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْقَتْلَ حَدًّا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ثَابِتٌ [١] .
وَالثَّانِي: مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، فَفِي وَطْئِهَا حَقَّانِ. حَقٌّ لِلَّهِ، وَحَقٌّ لِلزَّوْجِ. فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَإِنْ كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَأَقَارِبُ يَلْحَقُهُمُ الْعَارُ بِذَلِكَ صَارَ فِيهِ أَرْبَعَةُ حُقُوقٍ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ، صَارَ فِيهِ خَمْسَةُ حُقُوقٍ. فَمَضَرَّةُ هَذَا النَّوْعِ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِ فِي التَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا الضَّارُّ طَبْعًا، فَنَوْعَانِ أَيْضًا: نَوْعٌ ضَارٌّ بِكَيْفِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَنَوْعٌ ضَارٌّ بِكَمِّيَّتِهِ كَالْإِكْثَارِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْقُوَّةَ، وَيَضُرُّ بِالْعَصَبِ، وَيُحْدِثُ الرَّعْشَةَ، وَالْفَالِجَ، وَالتَّشَنُّجَ، وَيُضْعِفُ الْبَصَرَ وسائر القوى، ويطفىء الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ، وَيُوَسِّعُ الْمَجَارِيَ، وَيَجْعَلُهَا مُسْتَعِدَّةً لِلْفَضَلَاتِ الْمُؤْذِيَةِ.
وَأَنْفَعُ أَوْقَاتِهِ، مَا كَانَ بَعْدَ انْهِضَامِ الْغِذَاءِ فِي الْمَعِدَةِ وَفِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ لَا عَلَى جُوعٍ، فَإِنَّهُ يُضْعِفُ الْحَارَّ الْغَرِيزِيَّ، وَلَا عَلَى شِبَعٍ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَمْرَاضًا شَدِيدَةً، وَلَا عَلَى تَعَبٍ، وَلَا إِثْرَ حَمَّامٍ، وَلَا اسْتِفْرَاغٍ وَلَا انْفِعَالٍ نَفْسَانِيٍّ كَالْغَمِّ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَشِدَّةِ الْفَرَحِ.
وَأَجْوَدُ أَوْقَاتِهِ بَعْدَ هَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِذَا صَادَفَ انْهِضَامَ الطَّعَامِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ، وَيَنَامُ عَلَيْهِ، وَيَنَامُ عَقِبَهُ، فَتَرَاجَعُ إِلَيْهِ قُوَاهُ، وَلْيَحْذَرِ الْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ عَقِبَهُ، فَإِنَّهَا مُضِرَّةٌ جدا.
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي عِلَاجِ الْعِشْقِ
هَذَا مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ، مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْأَمْرَاضِ فِي ذَاتِهِ وَأَسْبَابِهِ وَعِلَاجِهِ، وَإِذَا تَمَكَّنَ وَاسْتَحْكَمَ عَزَّ عَلَى الْأَطِبَّاءِ دواؤه، وأعيى الْعَلِيلَ دَاؤُهُ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ: مِنَ النِّسَاءِ، وَعُشَّاقِ الصِّبْيَانِ الْمُرْدَانِ، فَحَكَاهُ عَنِ
стр. 198
امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي شَأْنِ يُوسُفَ، وَحَكَاهُ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ، فَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ لَمَّا جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ لُوطًا: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ، قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «١» .
وَأَمَّا مَا زَعَمَهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَقَّ قَدْرِهِ أَنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِ فِي شَأْنِ زينب بنت جحش، وَأَنَّهُ رَآهَا فَقَالَ «سُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» . وَأَخَذَتْ بِقَلْبِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: أَمْسِكْهَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ، مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٢» ، فَظَنَّ هَذَا الزَّاعِمُ أَنَّ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الْعِشْقِ، وَصَنَّفَ بَعْضُهُمْ كِتَابًا فِي الْعِشْقِ، وَذَكَرَ فِيهِ عِشْقَ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ، وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ بِالْقُرْآنِ وَبِالرُّسُلِ، وَتَحْمِيلِهِ كَلَامَ اللَّهِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ، وَنِسْبَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِنَّ زينب بنت جحش كَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَبَنَّاهُ، وَكَانَ يُدْعَى زيد بن محمد، وَكَانَتْ زينب فِيهَا شَمَمٌ وَتَرَفُّعٌ عَلَيْهِ، فَشَاوَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أمسك عليك زوجك واتّق الله» وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِنْ طَلَّقَهَا زيد، وَكَانَ يَخْشَى مِنْ قَالَةِ النَّاسِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ، لِأَنَّ زيدا كَانَ يُدْعَى ابْنَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْفَاهُ فِي نَفْسِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْخَشْيَةُ مِنَ النَّاسِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ، وَلِهَذَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُعَدِّدُ فِيهَا نِعَمَهُ عَلَيْهِ لَا يُعَاتِبُهُ فِيهَا، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْشَى النَّاسَ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ، فَلَا يَتَحَرَّجُ مَا أَحَلَّهُ لَهُ لِأَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ قَضَاءِ زيد وَطَرَهُ مِنْهَا لِتَقْتَدِيَ أُمَّتُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَيَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ مِنَ التَّبَنِّي، لَا امْرَأَةِ ابْنِهِ لصلبه «٣» ولهذا قال في آية
стр. 199
التحريم: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ «١» . وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ:
مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ «٢» وَقَالَ فِي أَوَّلِهَا: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ «٣» . فتأمّل هذا الذي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَفْعَ طَعْنِ الطَّاعِنِينَ عَنْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ نِسَاءَهُ، وَكَانَ أَحَبَّهُنُّ إِلَيْهِ عائشة ﵂، وَلَمْ تَكُنْ تَبْلُغُ مَحَبَّتُهُ لَهَا وَلَا لِأَحَدٍ سِوَى رَبِّهِ نِهَايَةَ الْحُبِّ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خليلا لأغذت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» «٤» . وَفِي لَفْظٍ: «وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خليل الرّحمن» «٥» .
فَصْلٌ
وَعِشْقُ الصُّوَرِ إِنَّمَا تُبْتَلَى بِهِ الْقُلُوبُ الْفَارِغَةُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، الْمُعْرِضَةُ عَنْهُ، الْمُتَعَوِّضَةُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ، فَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، دَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ مَرَضَ عِشْقِ الصُّوَرِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يُوسُفَ: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يُوسُفَ: ٢٤] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ سَبَبٌ لِدَفْعِ الْعِشْقِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ الَّتِي هِيَ ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ، فَصَرْفُ الْمُسَبَّبِ صَرْفٌ لِسَبَبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْعِشْقُ حَرَكَةُ قَلْبٍ فَارِغٍ، يَعْنِي فَارِغًا مِمَّا سِوَى مَعْشُوقِهِ. قَالَ تَعَالَى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أَيْ: فَارِغًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ مُوسَى لِفَرْطِ مَحَبَّتِهَا لَهُ، وَتَعَلُّقِ قَلْبِهَا بِهِ.
стр. 200
وَالْعِشْقُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: اسْتِحْسَانٍ لِلْمَعْشُوقِ، وَطَمَعٍ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَمَتَى انْتَفَى أَحَدُهُمَا انْتَفَى الْعِشْقُ، وَقَدْ أَعْيَتْ عِلَّةُ الْعِشْقِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ وَتَكَلَّمَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِكَلَامٍ يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهِ إِلَى الصَّوَابِ.
فَنَقُولُ: قَدِ اسْتَقَرَّتْ حِكْمَةُ اللَّهِ- فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ عَلَى وُقُوعِ التَّنَاسُبِ وَالتَّآلُفِ بَيْنَ الْأَشْبَاهِ، وَانْجِذَابِ الشَّيْءِ إِلَى مُوَافِقِهِ وَمُجَانِسِهِ بِالطَّبْعِ، وَهُرُوبِهِ مِنْ مُخَالِفِهِ، وَنُفْرَتِهِ عَنْهُ بِالطَّبْعِ، فَسِرُّ التَّمَازُجِ وَالِاتِّصَالِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، إِنَّمَا هُوَ التَّنَاسُبُ وَالتَّشَاكُلُ، وَالتَّوَافُقُ، وَسِرُّ التَّبَايُنِ وَالِانْفِصَالِ، إِنَّمَا هُوَ بِعَدَمِ التَّشَاكُلِ وَالتَّنَاسُبِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَامَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، فَالْمِثْلُ إِلَى مِثْلِهِ مَائِلٌ، وَإِلَيْهِ صَائِرٌ، وَالضِّدُّ عَنْ ضِدِّهِ هَارِبٌ، وَعَنْهُ نَافِرٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها «١» فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عِلَّةَ سُكُونِ الرَّجُلِ إِلَى امْرَأَتِهِ كَوْنَهَا مِنْ جِنْسِهِ وَجَوْهَرِهِ، فَعِلَّةُ السُّكُونِ الْمَذْكُورِ- وَهُوَ الْحُبُّ- كَوْنُهَا مِنْهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وَلَا الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، وَلَا فِي الْخُلُقِ وَالْهَدْيِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ السُّكُونِ وَالْمَحَبَّةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» «٢» وَفِي «مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ» وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ امْرَأَةً بِمَكَّةَ كَانَتْ تُضْحِكُ النَّاسَ، فَجَاءَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَى امْرَأَةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» الْحَدِيثَ «٣» .
وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ شَرِيعَتُهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلَا تُفَرَّقُ شَرِيعَتُهُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ أَبَدًا وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ مُتَضَادَّيْنِ، وَمَنْ ظَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِمَّا لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِالشَّرِيعَةِ، وَإِمَّا لِتَقْصِيرِهِ فِي مَعْرِفَةِ التَّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ، وَإِمَّا لِنِسْبَتِهِ إِلَى شَرِيعَتِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، بَلْ يَكُونُ مِنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، فَبِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ ظهر خلقه وشرعه،
стр. 201
وَبِالْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ قَامَ الْخَلْقُ وَالشَّرْعُ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ تَعَالَى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ «١» .
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَبَعْدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: أَزْوَاجُهُمْ أَشْبَاهُهُمْ ونظراؤهم.
وقال تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ «٢» : قَرَنَ كُلَّ صَاحِبِ عَمَلٍ بِشَكْلِهِ وَنَظِيرِهِ، فَقَرَنَ بَيْنَ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَرَنَ بين لم تحابين فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ فِي الْجَحِيمِ، فَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَفِي «مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ» وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُحِبُّ الْمَرْءُ قَوْمًا إِلَّا حُشِرَ معهم «٣» .
وَالْمَحَبَّةُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَأَفْضَلُهَا وَأَجَلُّهَا: الْمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ، وَتَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَمِنْهَا مَحَبَّةُ الِاتِّفَاقِ فِي طَرِيقَةٍ، أَوْ دِينٍ، أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ، أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ مراد ما.
ومنها مّحببة لِنَيْلِ غَرَضٍ مِنَ الْمَحْبُوبِ إِمَّا مِنْ جَاهِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ تَعْلِيمِهِ وَإِرْشَادِهِ، أَوْ قَضَاءِ وَطَرٍ مِنْهُ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ الْعَرَضِيَّةُ الَّتِي تَزُولُ بِزَوَالِ مُوجِبِهَا، فَإِنَّ مَنْ وَدَّكَ لِأَمْرٍ، وَلَّى عَنْكَ عِنْدَ انْقِضَائِهِ.
وَأَمَّا مَحَبَّةُ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ. فمحبة لازمة لا تزول
стр. 202
إِلَّا لِعَارِضٍ يُزِيلُهَا، وَمَحَبَّةُ الْعِشْقِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، فَإِنَّهَا اسْتِحْسَانٌ رُوحَانِيٌّ، وَامْتِزَاجٌ نَفْسَانِيٌّ، وَلَا يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَبَّةِ مِنَ الْوَسْوَاسِ وَالنُّحُولِ، وَشَغْلِ الْبَالِ، وَالتَّلَفِ مَا يَعْرِضُ من العشق.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْعِشْقِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاتِّصَالِ وَالتَّنَاسُبِ الرُّوحَانِيِّ، فَمَا بَالُهُ لَا يَكُونُ دَائِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ تَجِدُهُ كَثِيرًا مِنْ طَرَفِ الْعَاشِقِ وَحْدَهُ، فَلَوْ كَانَ سَبَبُهُ الِاتِّصَالَ النَّفْسِيَّ وَالِامْتِزَاجَ الرُّوحَانِيَّ، لَكَانَتِ الْمَحَبَّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُسَبِّبُهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وتخلّف المحبة من الجانب الآخر لابد أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ:
الْأَوَّلُ: عِلَّةٌ فِي الْمَحَبَّةِ، وَأَنَّهَا مَحَبَّةٌ عَرَضِيَّةٌ لَا ذَاتِيَّةٌ، وَلَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَحَبَّةِ الْعَرَضِيَّةِ، بَلْ قَدْ يَلْزَمُهَا نُفْرَةٌ مِنَ الْمَحْبُوبِ.
الثَّانِي: مَانِعٌ يقوم بالمحب يمنع مَحْبُوبِهِ لَهُ، إِمَّا فِي خُلُقِهِ، أَوْ فِي خَلْقِهِ أَوْ هَدْيِهِ أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ هَيْئَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: مَانِعٌ يَقُومُ بِالْمَحْبُوبِ يَمْنَعُ مُشَارَكَتَهُ لِلْمُحِبِّ فِي مَحَبَّتِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ الْمَانِعُ، لَقَامَ بِهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِمُحِبِّهِ مِثْلُ مَا قَامَ بِالْآخَرِ، فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ، وَكَانَتِ الْمَحَبَّةُ ذَاتِيَّةً، فَلَا يَكُونُ قَطُّ إِلَّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَوْلَا مَانِعُ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ، وَالرِّيَاسَةِ وَالْمُعَادَاةِ فِي الْكُفَّارِ، لَكَانَتِ الرُّسُلُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَمَّا زَالَ هَذَا الْمَانِعُ مِنْ قُلُوبِ أَتْبَاعِهِمْ، كَانَتْ مَحَبَّتُهُمْ لَهُمْ فوق محبة الأنفس والأهل والمال.
فَصْلٌ
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْعِشْقَ لَمَّا كَانَ مَرَضًا مِنَ الْأَمْرَاضِ، كَانَ قَابِلًا لِلْعِلَاجِ، وَلَهُ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلَاجِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لِلْعَاشِقِ سَبِيلٌ إِلَى وَصْلِ مَحْبُوبِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا، فَهُوَ
стр. 203
عِلَاجُهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» . مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . فَدَلَّ الْمُحِبَّ عَلَى عِلَاجَيْنِ:
أَصْلِيٌّ، وَبَدَلِيٌّ. وَأَمَرَهُ بِالْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْعِلَاجُ الَّذِي وُضِعَ لِهَذَا الدَّاءِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ» . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ عَقِيبَ إِحْلَالِ النِّسَاءِ حَرَائِرِهِنَّ وَإِمَائِهِنَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النِّسَاءِ: ٢٨] . فَذِكْرُ تَخْفِيفِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِخْبَارِهِ عَنْ ضَعْفِ الْإِنْسَانِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ عَنِ احْتِمَالِ هَذِهِ الشَّهْوَةِ، وَأَنَّهُ- سُبْحَانَهُ- خَفَّفَ عَنْهُ أَمْرَهَا بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ مِنْ أَطَايِبِ النِّسَاءِ مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شا مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْإِمَاءِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ عِلَاجًا لِهَذِهِ الشَّهْوَةِ، وَتَخْفِيفًا عَنْ هَذَا الْخَلْقِ الضَّعِيفِ، ورحمة به.
فَصْلٌ
وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ لِلْعَاشِقِ إِلَى وِصَالِ مَعْشُوقِهِ قَدَرًا أَوْ شَرْعًا، أَوْ هُوَ مُمْتَنِعٌ عَلْيِهِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، وَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ، فَمِنْ عِلَاجِهِ إِشْعَارُ نَفْسِهِ الْيَأْسَ مِنْهُ، فَإِنَّ النَّفْسَ مَتَى يَئِسَتْ مِنَ الشَّيْءِ، اسْتَرَاحَتْ مِنْهُ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَزَلْ مَرَضُ الْعِشْقِ مَعَ الْيَأْسِ، فَقَدِ انْحَرَفَ الطَّبْعُ انْحِرَافًا شَدِيدًا، فَيَنْتَقِلُ إِلَى عِلَاجٍ آخَرَ، وَهُوَ عِلَاجُ عَقْلِهِ بِأَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِمَا لَا مَطْمَعَ فِي حُصُولِهِ نَوْعٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَصَاحِبُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْشَقُ الشَّمْسَ، وَرُوحُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصُّعُودِ إِلَيْهَا وَالدَّوَرَانِ مَعَهَا فِي فَلَكِهَا، وَهَذَا مَعْدُودٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ فِي زُمْرَةِ الْمَجَانِينِ.
وَإِنْ كَانَ الْوِصَالُ مُتَعَذِّرًا شَرْعًا لَا قَدَرًا، فَعِلَاجُهُ بِأَنْ يُنْزِلَهُ مَنْزِلَةَ الْمُتَعَذِّرِ قَدَرًا، إِذْ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ اللَّهُ، فَعِلَاجُ الْعَبْدِ وَنَجَاتُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ، فَلْيُشْعِرْ نَفْسَهُ أَنَّهُ مَعْدُومٌ مُمْتَنِعٌ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُحَالَاتِ، فَإِنْ لَمْ تُجِبْهُ
стр. 204
النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ، فَلْيَتْرُكْهُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا خَشْيَةً، وَإِمَّا فَوَاتَ مَحْبُوبٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ، وَأَنْفَعُ لَهُ، وَخَيْرٌ لَهُ مِنْهُ، وَأَدْوَمُ لَذَّةً وَسُرُورًا، فَإِنَّ الْعَاقِلَ مَتَى وَازَنَ بَيْنَ نَيْلِ مَحْبُوبٍ سَرِيعِ الزَّوَالِ بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَأَدْوَمَ، وَأَنْفَعَ، وَأَلَذَّ أَوْ بِالْعَكْسِ، ظَهَرَ لَهُ التَّفَاوُتُ، فَلَا تَبِعْ لَذَّةَ الْأَبَدِ الَّتِي لَا خَطَرَ لَهَا بِلَذَّةِ سَاعَةٍ تَنْقَلِبُ آلَامًا، وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا أَحْلَامُ نَائِمٍ، أَوْ خَيَالٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ، فَتَذْهَبُ اللَّذَّةُ، وَتَبْقَى التَّبِعَةُ، وَتَزُولُ الشَّهْوَةُ، وَتَبْقَى الشِّقْوَةُ.
الثَّانِي: حُصُولُ مَكْرُوهٍ أَشَقُّ عَلْيِهِ مِنْ فَوَاتِ هَذَا الْمَحْبُوبِ، بَلْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ، أَعْنِي: فَوَاتَ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَحْبُوبِ، وَحُصُولَ مَا هُوَ أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ هَذَا الْمَحْبُوبِ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّ فِي إِعْطَاءِ النَّفْسِ حَظَّهَا مِنْ هَذَا الْمَحْبُوبِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، هَانَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، وَرَأَى أَنَّ صَبْرَهُ عَلَى فَوْتِهِ أَسْهَلُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَيْهِمَا بِكَثِيرٍ، فَعَقْلُهُ وَدِينُهُ، وَمُرُوءَتُهُ وَإِنْسَانِيَّتُهُ، تَأْمُرُهُ بِاحْتِمَالِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَنْقَلِبُ سَرِيعًا لَذَّةً وَسُرُورًا وَفَرَحًا لِدَفْعِ هَذَيْنِ الضَّرَرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ. وَجَهْلُهُ وَهَوَاهُ، وَظُلْمُهُ وَطَيْشُهُ، وَخِفَّتُهُ يَأْمُرُهُ بِإِيثَارِ هَذَا الْمَحْبُوبِ الْعَاجِلِ بِمَا فِيهِ جَالِبًا عَلَيْهِ مَا جَلَبَ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ هَذَا الدَّوَاءَ، وَلَمْ تُطَاوِعْهُ لِهَذِهِ الْمُعَالَجَةِ، فَلْيَنْظُرْ مَا تَجْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشَّهْوَةُ مِنْ مَفَاسِدِ عَاجِلَتِهِ، وَمَا تَمْنَعُهُ مِنْ مَصَالِحِهَا، فَإِنَّهَا أَجْلَبُ شَيْءٍ لِمَفَاسِدِ الدُّنْيَا، وَأَعْظَمُ شَيْءٍ تَعْطِيلًا لِمَصَالِحِهَا، فَإِنَّهَا تَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رُشْدِهِ الَّذِي هُوَ مِلَاكُ أَمْرِهِ، وَقِوَامُ مَصَالِحِهِ.
فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ هَذَا الدَّوَاءَ، فَلْيَتَذَكَّرْ قَبَائِحَ الْمَحْبُوبِ، وَمَا يَدْعُوهُ إِلَى النُّفْرَةِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنْ طَلَبَهَا وَتَأَمَّلَهَا، وَجَدَهَا أَضْعَافَ مَحَاسِنِهِ الَّتِي تدعوا إِلَى حُبِّهِ، وَلْيَسْأَلْ جِيرَانَهُ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ منها، فإن المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة، فالمساوىء دَاعِيَةُ الْبُغْضِ وَالنُّفْرَةِ، فَلْيُوَازِنْ بَيْنَ الدَّاعِيَيْنِ، وَلْيُحِبَّ أسبقهما وأقربهما منه بَابًا، وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ غَرَّهُ لَوْنُ جَمَالٍ عَلَى جِسْمٍ أَبْرَصَ مَجْذُومٍ وَلْيُجَاوِزْ بَصَرُهُ حُسْنَ الصُّورَةِ إِلَى قُبْحِ الْفِعْلِ، وَلْيَعْبُرْ مِنْ حُسْنِ الْمَنْظَرِ وَالْجِسْمِ إِلَى قُبْحِ الْمَخْبَرِ وَالْقَلْبِ.
فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأَدْوِيَةُ كُلُّهَا لَمْ يَبْقَ له إلا صدق الملجأ إِلَى مَنْ يُجِيبُ
стр. 205
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وَلْيَطْرَحْ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى بَابِهِ، مُسْتَغِيثًا بِهِ، مُتَضَرِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُسْتَكِينًا، فَمَتَى وُفِّقَ لِذَلِكَ، فَقَدْ قَرَعَ بَابَ التَّوْفِيقِ، فَلْيَعِفَّ وَلْيَكْتُمْ، وَلَا يُشَبِّبْ بِذِكْرِ الْمَحْبُوبِ، وَلَا يَفْضَحْهُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُعَرِّضْهُ لِلْأَذَى، فَإِنَّهُ يَكُونُ ظالما معتديا.
وَلَا يَغْتَرَّ بِالْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الذي رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ أبي يحيى القتات، عَنْ مجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ أَيْضًا، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَشِقَ، فَعَفَّ، فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ عَشِقَ وَكَتَمَ وَعَفَّ وَصَبَرَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» «١» .
فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، مَقْرُونَةٌ بِدَرَجَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَلَهَا أَعْمَالٌ وَأَحْوَالٌ، هِيَ شَرْطٌ فِي حُصُولِهَا، وَهِيَ نَوْعَانِ:
عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْخَاصَّةُ: الشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْعَامَّةُ خَمْسٌ مَذْكُورَةٌ فِي «الصَّحِيحِ» «٢» لَيْسَ الْعِشْقُ وَاحِدًا مِنْهَا. وَكَيْفَ يَكُونُ الْعِشْقُ الَّذِي هُوَ شِرْكٌ فِي الْمَحَبَّةِ، وَفَرَاغُ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهِ، وَتَمْلِيكُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ، وَالْحُبُّ لِغَيْرِهِ تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ، هَذَا مِنَ الْمُحَالِ، فَإِنَّ إِفْسَادَ عِشْقِ الصُّوَرِ لِلْقَلْبِ فَوْقَ كُلِّ إِفْسَادٍ، بَلْ هُوَ خَمْرُ الرُّوحِ الَّذِي يُسْكِرُهَا، وَيَصُدُّهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَحُبِّهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُنَاجَاتِهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ، وَيُوجِبُ عُبُودِيَّةَ الْقَلْبِ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ قَلْبَ الْعَاشِقِ مُتَعَبِّدٌ لِمَعْشُوقِهِ، بَلِ الْعِشْقُ لُبُّ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَمَالُ الذُّلِّ، وَالْحُبِّ
стр. 206
وَالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَعَبُّدُ الْقَلْبِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ أَفَاضِلِ الْمُوَحِّدِينَ وَسَادَاتِهِمْ، وَخَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَوْ كَانَ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ كَالشَّمْسِ، كَانَ غَلَطًا وَوَهْمًا، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَفْظُ الْعِشْقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ الْبَتَّةَ.
ثُمَّ إِنَّ الْعِشْقَ مِنْهُ حَلَالٌ، وَمِنْهُ حَرَامٌ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى كُلِّ عَاشِقٍ يَكْتُمُ وَيَعِفُّ بِأَنَّهُ شَهِيدٌ، فَتَرَى مَنْ يَعْشَقُ امْرَأَةَ غَيْرِهِ، أَوْ يَعْشَقُ الْمُرْدَانَ وَالْبَغَايَا، يَنَالُ بِعِشْقِهِ دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِهِ ﷺ بِالضَّرُورَةِ؟ كَيْفَ وَالْعِشْقُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهَا الْأَدْوِيَةَ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَالتَّدَاوِي مِنْهُ إِمَّا وَاجِبٌ إِنْ كَانَ عِشْقًا حَرَامًا، وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْأَمْرَاضَ وَالْآفَاتِ الَّتِي حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهَا بِالشَّهَادَةِ، وَجَدْتَهَا مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي لَا عِلَاجَ لها، كالمطعون، والمبطون، والمجنون، والحريق، وَالْغَرِيقِ، وَمَوْتِ الْمَرْأَةِ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ بَلَايَا مِنَ اللَّهِ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا، وَلَا عِلَاجَ لَهَا، وَلَيْسَتْ أَسْبَابُهَا مُحَرَّمَةً، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ فَسَادِ الْقَلْبِ وَتَعَبُّدِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِشْقِ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ هَذَا فِي إِبْطَالِ نِسْبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَلِّدْ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ الْعَالِمِينَ بِهِ وَبِعِلَلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ إِمَامٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِصِحَّةٍ، بَلْ وَلَا بِحُسْنٍ، كَيْفَ وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى سويد هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَمَوْهُ لِأَجْلِهِ بِالْعَظَائِمِ، وَاسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ غَزْوَهُ لِأَجْلِهِ. قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي «كَامِلِهِ» : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ مَا أُنْكِرَ عَلَى سويد، وَكَذَلِكَ قَالَ البيهقي: إِنَّهُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي «الذَّخِيرَةِ» وَذَكَرَهُ الحاكم فِي «تَارِيخِ نَيْسَابُورَ» وَقَالَ: أَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَدَّثْ بِهِ عَنْ غَيْرِ سويد، وَهُوَ ثِقَةٌ، وذكره أبو الفرج ابن الْجَوْزِيُّ فِي كِتَابِ «الْمَوْضُوعَاتِ» ، وَكَانَ أبو بكر الأزرق يَرْفَعُهُ أَوَّلًا عَنْ سويد، فَعُوتِبَ فِيهِ، فَأَسْقَطَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ لَا يُجَاوِزُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄.
وَمِنَ الْمَصَائِبِ الَّتِي لَا تُحْتَمَلُ جَعْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَنْ لَهُ أَدْنَى إِلْمَامٍ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ، لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْبَتَّةَ، وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَدِيثِ الماجشون عَنِ ابن أبي
стр. 207
حازم، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا، وَفِي صِحَّتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَظَرٌ، وَقَدْ رَمَى النَّاسُ سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْعَظَائِمِ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ: هُوَ سَاقِطٌ كَذَّابٌ، لَوْ كَانَ لِي فَرَسٌ وَرُمْحٌ كُنْتُ أَغْزُوهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ:
لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ قَدْ عَمِيَ فَيُلَقَّنُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَأْتِي المعضلات عَنِ الثِّقَاتِ يَجِبُ مُجَانَبَةُ مَا رَوَى. انْتَهَى. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ: إِنَّهُ صَدُوقٌ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ، ثُمَّ قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ: هُوَ ثِقَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَبِرَ كان ربما قرىء عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِيهِ بَعْضُ النَّكَارَةِ فَيُجِيزُهُ انْتَهَى. وَعِيبَ عَلَى مسلم إِخْرَاجُ حَدِيثِهِ، وَهَذِهِ حَالُهُ، وَلَكِنْ مسلم رَوَى مِنْ حَدِيثِهِ مَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا وَلَا شَاذًّا بِخِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أعلم.
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالطِّيبِ
لَمَّا كَانَتِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ غِذَاءَ الرُّوحِ، وَالرُّوحُ مَطِيَّةُ الْقُوَى، وَالْقُوَى تَزْدَادُ بِالطِّيبِ، وَهُوَ يَنْفَعُ الدِّمَاغَ وَالْقَلْبَ، وَسَائِرَ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَيُفَرِّحُ الْقَلْبَ، وَيَسُرُّ النَّفْسَ وَيَبْسُطُ الرُّوحَ، وَهُوَ أَصْدَقُ شَيْءٍ لِلرُّوحِ، وَأَشَدُّهُ مُلَاءَمَةً لَهَا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّوحِ الطَّيِّبَةِ نِسْبَةٌ قَرِيبَةٌ. كَانَ أَحَدَ الْمَحْبُوبِينَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى أَطْيَبِ الطَّيِّبِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ «١» .
وَفِي «صَحِيحِ مسلم» عَنْهُ ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدَّهُ فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، خَفِيفُ الْمَحْمَلِ» «٢» .
وَفِي «سُنَنِ أبي داود» وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ
стр. 208
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ، فَلَا يَرُدَّهُ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ «١»
«وَفِي مُسْنَدِ البزار» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنَاءَكُمْ وَسَاحَاتِكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ يَجْمَعُونَ الْأُكُبَّ فِي دُورِهِمْ» «٢» . الْأُكُبُّ: الزُّبَالَةُ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ» «٣» . وَفِي الطِّيبِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ، أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّهُ، وَالشَّيَاطِينَ تَنْفِرُ عَنْهُ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الشَّيَاطِينِ الرَّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ الْكَرِيهَةُ، فَالْأَرْوَاحُ الطَّيِّبَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ، وَكُلُّ رُوحٍ تَمِيلُ إِلَى مَا يُنَاسِبُهَا، فَالْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَالَ وَالْأَقْوَالَ، وَالْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ، وَالْمَلَابِسَ وَالرَّوَائِحَ، إِمَّا بِعُمُومِ لَفْظِهِ، أو بعموم معناه.
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ صِحَّةِ الْعَيْنِ
رَوَى أبو داود فِي «سُنَنِهِ» عَنْ عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» «٤» . قَالَ أبو عبيد: المروّح: المطيب بالمسك.
стр. 209
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ «١» .
وَفِي الترمذي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثا، يبتدىء بِهَا، وَيَخْتِمُ بِهَا، وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ «٢» .
وَقَدْ رَوَى أبو داود عَنْهُ ﷺ : «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ» «٣» . فَهَلِ الْوِتْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَيْنَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَيَكُونُ فِي هَذِهِ ثَلَاثٌ، وَفِي هَذِهِ ثِنْتَانِ، وَالْيُمْنَى أَوْلَى بِالِابْتِدَاءِ وَالتَّفْضِيلِ، أَوْ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ عَيْنٍ، فَيَكُونُ فِي هَذِهِ ثَلَاثٌ، وَفِي هَذِهِ ثَلَاثٌ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْكُحْلِ حِفْظٌ لِصِحَّةِ الْعَيْنِ، وَتَقْوِيَةٌ لِلنُّورِ الْبَاصِرِ، وَجَلَاءٌ لَهَا، وَتَلْطِيفٌ لِلْمَادَّةِ الرَّدِيئَةِ، وَاسْتِخْرَاجٌ لَهَا مَعَ الزِّينَةِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ، وَلَهُ عِنْدَ النَّوْمِ مَزِيدُ فَضْلٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْكُحْلِ، وَسُكُونِهَا عَقِيبَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ الْمُضِرَّةِ بِهَا، وَخِدْمَةِ الطَّبِيعَةِ لَهَا، وَلِلْإِثْمِدِ مِنْ ذَلِكَ خَاصِّيَّةٌ.
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» عَنْ سالم عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ: «عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ» » .
وَفِي كِتَابِ أبي نعيم: «فَإِنَّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشَّعْرِ، مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى، مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ» «٥» .
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» أَيْضًا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- ﵄ يَرْفَعُهُ:
«خَيْرُ أَكْحَالِكُمُ الْإِثْمِدُ، يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشعر» «٦» .
стр. 210
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ مُرَتَّبَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ
حَرْفُ الْهَمْزَةِ
إِثْمِدٌ: هُوَ حَجَرُ الْكُحْلِ الْأَسْوَدِ، يُؤْتَى بِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ، وَهُوَ أَفْضَلُهُ، وَيُؤْتَى بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا، وَأَجْوَدُهُ السَّرِيعُ التَّفْتِيتِ الَّذِي لِفُتَاتِهِ بَصِيصٌ، وَدَاخِلُهُ أَمْلَسُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَوْسَاخِ.
وَمِزَاجُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ يَنْفَعُ الْعَيْنَ وَيُقَوِّيهَا، وَيَشُدُّ أَعْصَابَهَا، وَيَحْفَظُ صِحَّتَهَا، وَيُذْهِبُ اللَّحْمَ الزَّائِدَ فِي الْقُرُوحِ وَيُدْمِلُهَا، وَيُنَقِّي أَوْسَاخَهَا، وَيَجْلُوهَا، وَيُذْهِبُ الصُّدَاعَ إِذَا اكْتَحَلَ بِهِ مَعَ الْعَسَلِ الْمَائِيِّ الرَّقِيقِ، وَإِذَا دُقَّ وَخُلِطَ بِبَعْضِ الشُّحُومِ الطَّرِيَّةِ، وَلُطِّخَ عَلَى حَرْقِ النَّارِ، لَمْ تَعْرِضْ فِيهِ خَشْكَرِيشَةٌ، وَنَفَعَ مِنَ التَّنَفُّطِ الْحَادِثِ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ أَجْوَدُ أَكْحَالِ الْعَيْنِ لَا سِيَّمَا لِلْمَشَايِخِ، وَالَّذِينَ قَدْ ضَعُفَتْ أَبْصَارُهُمْ إِذَا جُعِلَ معه شيء من المسك.
أترج: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» : عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يقرأ القرآن كمثل الآترجّة، طمها طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ» «١» .
فِي الْأُتْرُجِّ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: قِشْرٌ، وَلَحْمٌ، وَحَمْضٌ، وَبَزْرٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِزَاجٌ يَخُصُّهُ، فَقِشْرُهُ حَارٌّ يَابِسٌ، وَلَحْمُهُ حَارٌّ رَطْبٌ، وَحَمْضُهُ بارد يابس، وبزره حار يابس.
стр. 211
وَمِنْ مَنَافِعِ قِشْرِهِ: أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ فِي الثِّيَابِ مَنَعَ السُّوسَ، وَرَائِحَتُهُ تُصْلِحُ فَسَادَ الْهَوَاءِ وَالْوَبَاءِ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ إِذَا أَمْسَكَهُ فِي الْفَمِ، وَيُحَلِّلُ الرِّيَاحَ، وَإِذَا جُعِلَ فِي الطَّعَامِ كَالْأَبَازِيرِ، أَعَانَ عَلَى الْهَضْمِ. قَالَ صَاحِبُ «الْقَانُونِ» : وَعُصَارَةُ قِشْرِهِ تَنْفَعُ مِنْ نَهْشِ الْأَفَاعِي شُرْبًا، وَقِشْرُهُ ضِمَادًا، وَحُرَاقَةُ قِشْرِهِ طِلَاءٌ جَيِّدٌ لِلْبَرَصِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا لَحْمُهُ: فَمُلَطِّفٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ، نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ، قَامِعٌ لِلْبُخَارَاتِ الْحَارَّةِ. وَقَالَ الغافقي: أَكْلُ لَحْمِهِ يَنْفَعُ الْبَوَاسِيرَ. انْتَهَى.
وَأَمَّا حَمْضُهُ: فَقَابِضٌ كَاسِرٌ لِلصَّفْرَاءِ، وَمُسَكِّنٌ لِلْخَفَقَانِ الْحَارِّ، نَافِعٌ مِنَ الْيَرَقَانِ شُرْبًا وَاكْتِحَالًا، قَاطِعٌ لِلْقَيْءِ الصَّفْرَاوِيِّ، مُشَهٍّ لِلطَّعَامِ، عَاقِلٌ لِلطَّبِيعَةِ، نَافِعٌ مِنَ الْإِسْهَالِ الصَّفْرَاوِيِّ، وَعُصَارَةُ حَمْضِهِ يُسَكِّنُ غِلْمَةَ النِّسَاءِ، وَيَنْفَعُ طِلَاءً مِنَ الْكَلَفِ، وَيَذْهَبُ بِالْقَوْبَاءِ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْحِبْرِ إِذَا وَقَعَ فِي الثِّيَابِ قَلَعَهُ، وَلَهُ قُوَّةٌ تُلَطِّفُ، وَتَقْطَعُ، وتبرد، وتطفىء حَرَارَةَ الْكَبِدِ، وَتُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَتَمْنَعُ حِدَّةَ الْمِرَّةِ الصَّفْرَاءِ، وَتُزِيلُ الْغَمَّ الْعَارِضَ مِنْهَا، وَتُسَكِّنُ الْعَطَشَ.
وَأَمَّا بَزْرُهُ: فَلَهُ قُوَّةٌ مُحَلِّلَةٌ مُجَفِّفَةٌ. وَقَالَ ابن ماسويه: خَاصِّيَّةُ حَبِّهِ النَّفْعُ مِنَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ إِذَا شُرِبَ مِنْهُ وَزْنُ مِثْقَالٍ مُقَشَّرًا بِمَاءٍ فَاتِرٍ، وَطِلَاءٍ مَطْبُوخٍ. وَإِنْ دُقَّ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ، نَفَعَ، وَهُوَ مُلَيِّنٌ لِلطَّبِيعَةِ، مُطَيِّبٌ لِلنَّكْهَةِ، وَأَكْثَرُ هَذَا الْفِعْلِ مَوْجُودٌ فِي قِشْرِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: خَاصِّيَّةُ حَبِّهِ النَّفْعُ مِنْ لَسَعَاتِ الْعَقَارِبِ إِذَا شُرِبَ مِنْهُ وَزْنُ مِثْقَالَيْنِ مُقَشَّرًا بِمَاءٍ فَاتِرٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا دُقَّ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ اللَّدْغَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: حَبُّهُ يَصْلُحُ لِلسُّمُومِ كُلِّهَا، وَهُوَ نَافِعٌ مِنْ لَدْغِ الْهَوَامِّ كُلِّهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ الْأَكَاسِرَةِ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَطِبَّاءِ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ، وَخَيَّرَهُمْ أُدْمًا لَا يَزِيدُ لَهُمْ عَلَيْهِ، فَاخْتَارُوا الْأُتْرُجَّ، فَقِيلَ لَهُمْ: لِمَ اخْتَرْتُمُوهُ عَلَى غَيْرِهِ؟ فَقَالُوا: لِأَنَّهُ فِي الْعَاجِلِ رَيْحَانٌ، وَمَنْظَرُهُ مُفْرِحٌ، وَقِشْرُهُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَلَحْمُهُ فَاكِهَةٌ، وَحَمْضُهُ أُدْمٌ، وَحَبُّهُ تِرْيَاقٌ، وفيه دهن.
стр. 212
وَحَقِيقٌ بِشَيْءٍ هَذِهِ مَنَافِعُهُ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ خُلَاصَةُ الْوُجُودِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُحِبُّ النَّظَرَ إِلَيْهِ لِمَا في منظره من التفريح.
أرزّ: فِيهِ حَدِيثَانِ بَاطِلَانِ مَوْضُوعَانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ «لَوْ كَانَ رَجُلًا، لَكَانَ حَلِيمًا» الثَّانِي: «كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ فَفِيهِ دَاءٌ وَشِفَاءٌ إِلَّا الْأَرُزَّ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لَا دَاءَ فِيهِ» ذَكَرْنَاهُمَا تَنْبِيهًا وَتَحْذِيرًا مِنْ نِسْبَتِهِمَا إِلَيْهِ ﷺ .
وَبَعْدُ فَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ، وَهُوَ أَغْذَى الْحُبُوبِ بَعْدَ الْحِنْطَةِ، وَأَحْمَدُهَا خَلْطًا، يَشُدُّ الْبَطْنَ شَدًّا يَسِيرًا، وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُدَبِّغُهَا، وَيَمْكُثُ فِيهَا. وَأَطِبَّاءُ الْهِنْدِ تَزْعُمُ، أَنَّهُ أَحْمَدُ الْأَغْذِيَةِ وَأَنْفَعُهَا إِذَا طُبِخَ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي خِصْبِ الْبَدَنِ، وَزِيَادَةِ الْمَنِيِّ، وَكَثْرَةِ التَّغْذِيَةِ، وَتَصْفِيَةِ اللون.
أرز: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: وَهُوَ الصَّنَوْبَرُ، ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ، تُقِيمُهَا مَرَّةً، وَتُمِيلُهَا أُخْرَى، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ لَا تَزَالُ قَائِمَةً عَلَى أَصْلِهَا حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» «١» ، وَحَبُّهُ حَارٌّ رَطْبٌ، وَفِيهِ إِنْضَاجٌ وَتَلْيِينٌ، وَتَحْلِيلٌ، وَلَذْعٌ يَذْهَبُ بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ عَسِرُ الْهَضْمِ، وَفِيهِ تَغْذِيَةٌ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلسُّعَالِ، وَلِتَنْقِيَةِ رُطُوبَاتِ الرِّئَةِ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ، وَيُولِدُ مَغَصًا، وَتِرْيَاقُهُ حب الرمان المز.
إذخر: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي مَكَّةَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» .
فَقَالَ لَهُ العباس ﵁: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» «٢» .
وَالْإِذْخِرُ حَارٌّ فِي الثَّانِيَةِ، يَابِسٌ فِي الْأُولَى، لَطِيفٌ مُفَتِّحٌ لِلسُّدَدِ، وَأَفْوَاهِ الْعُرُوقِ، يُدِرُّ الْبَوْلَ وَالطَّمْثَ، وَيُفَتِّتُ الْحَصَى، وَيُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ الصُّلْبَةَ فِي الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ شُرْبًا وَضِمَادًا، وَأَصْلُهُ يُقَوِّي عَمُودَ الْأَسْنَانِ وَالْمَعِدَةَ، ويسكن الغثيان، ويقل البطن.
стр. 213
حَرْفُ الْبَاءِ
بِطِّيخٌ: رَوَى أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، يَقُولُ: «نَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» «١» .
وَفِي الْبِطِّيخِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ، وَفِيهِ جَلَاءٌ، وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا عَنِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، وَهُوَ سَرِيعُ الِاسْتِحَالَةِ إِلَى أَيِّ خَلْطٍ كَانَ صَادَفَهُ فِي الْمَعِدَةِ، وَإِذَا كَانَ آكِلُهُ مَحْرُورًا انْتَفَعَ بِهِ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ مَبْرُودًا دُفِعَ ضَرَرُهُ بِيَسِيرٍ مِنَ الزَّنْجَبِيلِ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَكْلُهُ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَيُتْبَعُ بِهِ، وَإِلَّا غَثَّى وَقَيَّأَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: إِنَّهُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَغْسِلُ البطن غسلا، ويذهب بالداء أصلا.
بلح: رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي «سُنَنِهِمَا» : مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُ الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ يَقُولُ: بَقِيَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الْحَدِيثَ بِالْعَتِيقِ» «٢» . وَفِي رِوَايَةٍ: «كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْزَنُ إِذَا رَأَى ابْنَ آدَمَ يَأْكُلُهُ يَقُولُ: عَاشَ ابْنُ مادم حَتَّى أَكَلَ الْجَدِيدَ بِالْخَلَقِ» ، رَوَاهُ البزار فِي «مُسْنَدِهِ» وَهَذَا لَفْظُهُ.
قُلْتُ: الْبَاءُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى: مَعَ، أَيْ: كُلُوا هَذَا مَعَ هَذَا قَالَ بَعْضُ أَطِبَّاءِ الْإِسْلَامِ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِ الْبَلَحِ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَكْلِ الْبُسْرِ مَعَ التَّمْرِ، لِأَنَّ الْبَلَحَ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَالتَّمْرَ حَارٌّ رَطْبٌ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِصْلَاحٌ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبُسْرُ مَعَ التَّمْرِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَارٌّ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَارَةُ التَّمْرِ أَكْثَرَ، وَلَا يَنْبَغِي مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ الْجَمْعُ بَيْنَ حَارَّيْنِ أَوْ بَارِدَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: التَّنْبِيهُ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ صِنَاعَةِ الطِّبِّ، وَمُرَاعَاةِ التَّدْبِيرِ الذي يصلح في
стр. 214
دَفْعِ كَيْفِيَّاتِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الطِّبِّيِّ الَّذِي تُحْفَظُ بِهِ الصِّحَّةُ.
وَفِي الْبَلَحِ بُرُودَةٌ وَيُبُوسَةٌ، وَهُوَ يَنْفَعُ الْفَمَ وَاللِّثَةَ وَالْمَعِدَةَ، وَهُوَ رَدِيءٌ لِلصَّدْرِ وَالرِّئَةِ بِالْخُشُونَةِ الَّتِي فِيهِ، بَطِيءٌ فِي الْمَعِدَةِ يَسِيرُ التَّغْذِيَةِ، وَهُوَ لِلنَّخْلَةِ كَالْحِصْرِمِ لِشَجَرَةِ الْعِنَبِ، وَهُمَا جَمِيعًا يُوَلِّدَانِ رِيَاحًا، وَقَرَاقِرَ، وَنَفْخًا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا شُرِبَ عَلَيْهِمَا الْمَاءُ، وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِمَا بِالتَّمْرِ، أَوْ بِالْعَسَلِ والزّبد.
بسر: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» : أَنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، لَمَّا ضَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، جَاءَهُمْ بِعَذْقٍ- وَهُوَ مِنَ النَّخْلَةِ كَالْعُنْقُودِ مِنَ الْعِنَبِ- فَقَالَ لَهُ: «هَلَّا انْتَقَيْتَ لَنَا مِنْ رطبه» فقال: «أحببت أن تنقوا مِنْ بُسْرِهِ وَرُطَبِهِ» «١» .
الْبُسْرُ: حَارٌّ يَابِسٌ، وَيُبْسُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَرِّهِ، يُنَشِّفُ الرُّطُوبَةَ، وَيَدْبَغُ الْمَعِدَةَ، وَيَحْبِسُ الْبَطْنَ، وَيَنْفَعُ اللِّثَةَ وَالْفَمَ، وَأَنْفَعُهُ مَا كَانَ هَشًّا وَحُلْوًا، وَكَثْرَةُ أَكْلِهِ وَأَكْلِ الْبَلَحِ يحدث السّدد في الأحشاء.
بيض: ذَكَرَ البيهقي فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» أَثَرًا مَرْفُوعًا: أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَكَى إِلَى اللَّهِ سبحانه الضعف، فأمره بأكل البيض. فَأَمَرَهُ بِأَكْلِ الْبَيْضِ. وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ، وَيُخْتَارُ مِنَ الْبَيْضِ الْحَدِيثُ عَلَى الْعَتِيقِ، وَبَيْضُ الدَّجَاجِ عَلَى سَائِرِ بَيْضِ الطَّيْرِ، وَهُوَ مُعْتَدِلٌ يَمِيلُ إِلَى الْبُرُودَةِ قَلِيلًا.
قَالَ صَاحِبُ «الْقَانُونِ» : وَمُحُّهُ «٢» : حَارٌّ رَطْبٌ، يُوَلِّدُ دَمًا صَحِيحًا مَحْمُودًا.
وَيُغَذِّي غذاآ يَسِيرًا، وَيُسْرِعُ الِانْحِدَارَ مِنَ الْمَعِدَةِ إِذَا كَانَ رَخْوًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُحُّ الْبَيْضِ: مُسَكِّنٌ لِلْأَلَمِ، مُمَلِّسٌ لِلْحَلْقِ وَقَصَبَةِ الرِّئَةِ، نَافِعٌ لِلْحَلْقِ وَالسُّعَالِ وَقُرُوحِ الرِّئَةِ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةِ، مُذْهِبٌ لِلْخُشُونَةِ، لَا سيما إذا أخذ بدهن اللوز والحلو،
стр. 215
وَمُنْضِجٌ لِمَا فِي الصَّدْرِ، مُلَيِّنٌ لَهُ، مُسَهِّلٌ لِخُشُونَةِ الْحَلْقِ، وَبَيَاضُهُ إِذَا قُطِرَ فِي الْعَيْنِ الْوَارِمَةِ وَرَمًا حَارًّا، بَرَّدَهُ، وَسَكَّنَ الْوَجَعَ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ حَرْقُ النَّارِ أَوْ مَا يَعْرِضُ لَهُ، لَمْ يَدَعْهُ يَتَنَفَّطُ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الوجع، منع الاحتراق العارض من الشمس، وإذا خُلِطَ بِالْكُنْدُرِ، وَلُطِّخَ عَلَى الْجَبْهَةِ، نَفَعَ مِنَ النَّزْلَةِ.
وَذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْقَانُونِ» فِي الْأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُطْلَقَةِ- فَإِنَّهُ مِمَّا لَهُ مَدْخَلٌ فِي تَقْوِيَةِ الْقَلْبِ جِدًّا أَعْنِي الصُّفْرَةَ، وَهِيَ تَجْمَعُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: سُرْعَةُ الِاسْتِحَالَةِ إِلَى الدَّمِ، وَقِلَّةُ الْفَضْلَةِ، وَكَوْنُ الدَّمِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ مُجَانِسًا لِلدَّمِ الَّذِي يَغْذُو الْقَلْبَ خَفِيفًا مُنْدَفِعًا إِلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وَلِذَلِكَ هُوَ أَوْفَقُ مَا يُتَلَافَى بِهِ عَادِيَةُ الأمراض المحللة لجوهر الروح.
بصل: رَوَى أبو داود فِي «سُنَنِهِ» : عَنْ عائشة ﵂، أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْبَصَلِ، فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِيهِ بَصَلٌ «١» .
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّهُ مَنَعَ آكِلَهُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ «٢» .
وَالْبَصَلُ: حَارٌّ فِي الثَّالِثَةِ، وَفِيهِ رُطُوبَةٌ فَضْلِيَّةٌ يَنْفَعُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمِيَاهِ، وَيَدْفَعُ رِيحَ السُّمُومِ، وَيُفَتِّقُ الشَّهْوَةَ، وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيُهَيِّجُ الْبَاهَ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ، وَيُحَسِّنُ اللَّوْنَ، ويقطع البلغم، ويجلوا الْمَعِدَةَ، وَبَزْرُهُ يُذْهِبُ الْبَهَقَ، وَيُدَلَّكُ بِهِ حَوْلَ دَاءِ الثَّعْلَبِ، فَيَنْفَعُ جِدًّا، وَهُوَ بِالْمِلْحِ يَقْلَعُ الثَّآلِيلَ، وَإِذَا شَمَّهُ مَنْ شَرِبَ دَوَاءً مُسَهِّلًا مَنَعَهُ مِنَ الْقَيْءِ وَالْغَثَيَانِ، وَأَذْهَبَ رَائِحَةَ ذَلِكَ الدَّوَاءِ، وَإِذَا اسْتَعَطَ بِمَائِهِ، نَقَّى الرَّأْسَ، وَيُقْطَرُ فِي الْأُذُنِ لِثِقَلِ السَّمْعِ وَالطَّنِينِ وَالْقَيْحِ، وَالْمَاءِ الْحَادِثِ فِي الْأُذُنَيْنِ، وَيَنْفَعُ مِنَ الْمَاءِ النَّازِلِ فِي الْعَيْنَيْنِ اكْتِحَالًا يُكْتَحَلُ بِبَزْرِهِ مَعَ الْعَسَلِ لِبَيَاضِ الْعَيْنِ، وَالْمَطْبُوخُ مِنْهُ كَثِيرُ الْغِذَاءِ يَنْفَعُ مِنَ الْيَرَقَانِ وَالسُّعَالِ، وَخُشُونَةِ الصَّدْرِ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيُلَيِّنُ الطَّبْعَ، وَيَنْفَعُ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْكَلِبِ إِذَا نُطِلَ عَلَيْهَا مَاؤُهُ بِمِلْحٍ وَسَذَابٍ، وإذا احتمل، فتح أفواه البواسير.
следующие страницы →