بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأسأل الله أن يهدينا سواء صراطه المستقيم.
стр. 2
مقدمة الطبعة الجديدة
قيّض الله لهذا الكتاب من الانتشار ومن إقبال الناس عليه، ما لم يقيضه لأيّ من الكتب الأخرى التي وفقني الله لتأليفها وإخراجها.
ومرد ذلك، في يقيني، إلى المنهج الذي سلكته في كتابة السيرة النّبوية، والذي تضمن تصحيحا للأخطاء، بل للانحرافات، التي وقع فيها كثير من الكتّاب العصريين، لا سيما أولئك الذين يتعاملون مع الشعار العصري المشبوه: (قراءة معاصرة) .
ولقد تحدثت عن هذه الأخطاء وعن العوامل الخفية والمصطنعة التي أدت إليها، كما تحدثت عن المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع في كتابة السيرة النّبوية، مقارنا بالمدارس والمناهج الأخرى، وذلك في فصل أضفته، في إحدى الطبعات الأخيرة لهذا الكتاب، إلى المقدّمات الهامة التي افتتحته بها؛ وعنوانه (السّيرة النّبوية، كيف تطورت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم) .
كثيرون هم الذين حلّلوا حياة رسول الله ﷺ في كتاباتهم، على أنها عظمة إنسانية مجردة، كالتي اتّصف بها كثير من القادة والرجال الذين خلوا من قبله وجاؤوا من بعده؛ وكثيرون هم الذين أصرّوا على أن يفهموا الناس أن الفتح الإسلامي الذي قاده رسول الله؛ إنما هو ثورة يسار اقتصادي ضدّ يمين متطرف! .. وكثيرون هم الذين أوهموا الناس، أو حاولوا أن يوهموهم، أن الدوافع الخفية التي قادت رسول الله ومن معه إلى ما صنع، إنما تتمثل في الرغبة الطامحة إلى نقل الزعامة والسيادة من أيدي الأعاجم إلى أيدي العرب. وجنّدت لهذه الأغراض أقلام، ونثرت ابتغاء تحقيق ذلك أعطيات وأموال؛ ورشح مؤلف هذا الكتاب ذاته في يوم من الأيام، لسلوك هذا الطريق وكتابة سيرة رسول الله بالطريقة التي تخدم هذه الأغراض، وطلب منه ذلك مباشرة وعلانية.
غير أن التّجربة أثبتت أن كلّا من الأسلوب أو المنهج أو حوك التصورات المصطنعة، لا يقوى على تحويل الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق. فلقد انقشعت سحب هذه الكتابات كلها، على الرغم من كثافتها، وعادت شمس الحقيقة ساطعة من ورائها كما هي. وبقي الناس عامة والمثقفون خاصة، على يقين بأن عظمة رسول الله ثمرة من ثمار نبوته، قبل أن تكون من نسيج إنسانيته. وبأن الفتح الذي تمّ على يده، كان قياما بأمر الله، ولم يكن لحاقا وراء مال.. وبأن السيادة فوق هذه الأرض- فيما علّمنا إيّاه رسول الله- إنما هي للإنسان من حيث هو، فهو
стр. 3
المستخلف عن الله، وهو المكرّم بحكم الله؛ فإن تفاوت الناس وراء هذه السيادة، فإنما يتفاوتون بالتقوى والعمل الصالح، لا بأي من الامتيازات الأخرى التي قد يتباهى بها بعض الناس.
لا جرم أن شدة إقبال الناس على ما كتبته من تصحيح لتلك الأغلاط أو الانحرافات، تعود إلى سبب واحد لا ثاني له، هو تعلّق الفطرة الإنسانية الأصيلة بالحق أينما لاح وأيّا كان المنادي به؛ وثقل الباطل عليها واشمئزازها منه، مهما كانت المغريات التي أنيط بها أو الزينة التي غمس فيها.
ولعل هذا من بعض معنى قول الله : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.
هذا، إلى جانب ما هو بيّن واضح، من أن عقول أكثر الناس تتجه اليوم إلى البحث عن الحقيقة.. الحقيقة الصافية عن الشوائب والمتحررة من سلطان الأغراض والأسبقيات، لا سيما بعد أن ظهر للعيان كيف مني الإنسان بالمصائب الفادحة من جراء التلاعب بالحقائق والسعي إلى إخضاعها لحكم الرعونات والمصالح والأهواء. ولعل هذا من بعض العوامل الكامنة وراء ما نشاهده جميعا من الصحوة الإسلامية، على سائر الأصعدة، وبين جميع الفئات.
*** أما هذه الطبعة، فإنها تمتاز- بعد العناية التي وفقنا الله لها في التّنضيد والإخراج- بقسم سابع يتضمن بيانا موجزا للخلافة الراشدة، وقد كان لا بدّ أن نسير في ذلك على المنهج المتّبع ذاته، فنتبع الحديث عن حياة كل خليفة وأهم الأحداث التي جرت في عهده بالعبر والعظات التي تؤخذ من ذلك.
وبهذا نكون قد وفقنا لجعل هذا الكتاب مصدرا وافيا لسيرة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، مع التحليل الذي يضع القارئ أمام فقه ذلك كله، ويصله بالمعاني والمبادئ التي تعدّ ثمرة هذه الدراسة، وأهم الأغراض التي ينبغي أن تقصد من ورائها.
والفضل أولا وآخرا في هذا التوفيق لله وحده.
كل ما أرجوه من الله ، بعد أن أكرمني بهذا التوفيق، أن يزيد من إنعامه فيكرمني بالإخلاص لوجهه الكريم، ويطهّر قلبي عما دون ذلك من الدوافع والأغراض.
ويقيني الذي لا يدخله ريب، أن الأمر كله بيد الله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله.
دمشق ١٥ رمضان ١٤١١ هـ ١ نيسان ١٩٩١ م محمد سعيد رمضان البوطي
стр. 4
مقدمة الطبعة الثانية
١- هذه الطبعة الثانية لكتاب فقه السّيرة، أقدمها إلى الذين تعنيهم دراسة سيرة المصطفى ﷺ ، ويهمهم الوقوف على فقه السّيرة ودروسها وعظاتها، بعد أن زدت في كثير من أبحاثه، وعدت بالتهذيب والتنقيح إلى بعض فصوله، رجاء أن يزداد الكتاب بذلك قربا إلى الكمال، مع اليقين بأن الكمال المطلق غاية لا تدرك، والعصمة من الزلل مستوى لا يصار إليه، اللهم إلا ما أكرم الله به من ذلك أنبياءه المقربين، فتلك مزية لهم لم تعط لغيرهم، وإنما أكرمهم الله بها لكي يتضح للناس الفرق بين من يعمل عقله في المسائل تأملا واجتهادا، وبين من أرشده الله إلى الحق فيها وحيا وإلهاما، مع ما أولاهم من العقل الكامل والبصيرة النيرة الصافية.
٢- وما كنت أتوقع، يوم ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب أن تنفد نسخها في هذه المدة اليسيرة، وأن تجد ما وجدته من الإقبال في مختلف البلاد العربية والإسلامية، وإن كنت أعلم أنني قد سلكت في كتابة السّيرة النّبوية والتعليق عليها مسلكا من شأنه أن يصحح أغلاط كثير ممن كتبوا فيها في هذا العصر، وأن يميط الغشاء عن المغالطات التي كانت ولا تزال تدسها أقلام كثير من الكاتبين والمستشرقين والمستغربين وهي أغلاط ومغالطات قامت لتغذيتها ورعايتها وترويجها مدرسة فكرية معينة نشأت في أواخر القرن التاسع عشر وراحت تمد من آثارها وظلالها، إلى أيامنا هذه.
٣- ولقد أدركت، مما بلغني من حمد القراء للطريقة التي كتبت بها هذه الفصول، أن تلك المدرسة لم تعد تخدع إلا قلة من بقايا المفتونين باسمها واسم مؤسسيها ودعاتها، وأن الحقائق الناصعة في حياة المصطفى ﵊ تظل هي المشرقة السائدة، ويظل العقل الحر نزاعا إليها موقنا بها غير مطمئن إلى أي تأويل أو تحليل يهدف إلى تحويرها أو التلاعب بها.
٤- ولقد علم عامة الباحثين والمفكرين أن من أهم أسباب نشأة تلك المدرسة في حينها، ذلك الانبهار الذي أصيب به كثير من العقول العربية المسلمة من أنباء النهضة العلمية في أوربا. فقد راحت تلك العقول تتوهم- تحت تأثير ذلك الانبهار- أنه ليس بين المسلمين وبين أن ينهضوا مثل تلك النهضة إلا أن يفهموا الإسلام هنا كما فهمت أوربا النّصرانية هناك، وأن يضعوا حقائق الإسلام الغيبية من وراء اكتشافات العلوم المادية، فلا يؤمنوا بغيب لم يدركه علم، ولا يعرجوا على معجزة لم يؤيدها اكتشاف أو اختراع. فإذا فعلوا ذلك نهضوا نهضة أوربا في علومها ولحقوها في رقيها وفنونها.
стр. 5
ومن هنا أنشأ أقطاب تلك المدرسة ما زعموه (الإصلاح الديني) ، والدين الصحيح ما كان يوما ليفسد حتى يحتاج إلى مصلح أو إصلاح، وكان من مظاهر هذا (الإصلاح) ظهور أول تجربة تحاول تحليل حياة الرسول ﷺ تحليلا يسير في خضوع منكسر وراء العقلية الأوربية وتحت لواء ما زعموه (العلم الحديث) . أجل فلقد كان كتاب (حياة محمد) لحسين هيكل التجربة الرائدة في هذا المضمار أعلن فيه الرجل أنه لا يريد أن يفهم حياة محمد ﵊ إلا كما يأمر به (العلم) ، ولذلك فلا خوارق ولا معجزات في حياته ﵊؛ إنما هو القرآن، والقرآن فقط. وتذكر الكاتب أن يستشهد في هذا بقول البوصيري:
لم يمتحنا بما تعي العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
ونسي أن يقف عند قوله في القصيدة ذاتها:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم
وانبرى الشيخ المراغي شيخ الأزهر إذ ذاك، يقرظ الكتاب ويبارك الخطوة الرائدة، وانطلق محمد فريد وجدي هو الآخر ينشر سلسلة مقالاته داعيا فيها إلى فهم الإسلام والسّيرة النّبوية عن طريق (العلم) ، ولو اقتضى ذلك الإعراض عن الخبر الصادق الذي ثبت في الكتاب أو السّنة، وإنما كان يقصد ب (طريق العلم) أن لا يستسلم العقل للغيبيات ولا الخوارق والمعجزات وإن جاء بها الخبر الصادق المتواتر، كأن العلم إنما يتحقق بإنكار كل ما لم يقع تحت حسك وشعورك!!
٥- ومعلوم كيف استغل الاحتلال البريطاني في مصر إذ ذاك، هذا الفهم الجديد للإسلام عند طائفة من أقطاب الفكر وحملة القلم، استغله في إضعاف الوازع الديني في أفئدة المسلمين، (وأي وازع ديني يبقى في نفس من أنكر فكرة المعجزة من أساسها في الدين، وهل الدين شيء غير معجزة الوحي الإلهي إلى رسله وأنبيائه؟) فراحت التربية الاستعمارية تباعد بين المسلمين ومنهجهم الإسلامي، وتقيم بينهم وبينه منهجا آخر، كل ما فيه من المؤيدات أنه منهج أوربي عريق! ..
٦- ثم مرت الأزمنة وتوالت السّنوات، فتبيّن لكل باحث منصف، أن تلك المدرسة لم تكن على شيء من التأمل الفكري الحر ولا من البحث العلمي النّزيه، وإنما كانت ردّ فعل أثاره الانبهار والشعور بالضعف لدى طائفة من المسلمين، تهيأ لها بسبب ظروف خاصة أحاطت بها، أن تطلع على الحياة الأوربية فتستهويها زخرفها وملذّاتها، فاتّخذوا من نزوات نفوسهم حاكما مسلطا على عقولهم واصطنعوا بذلك مدرسة فكرية ظاهرها (الإصلاح الديني) وباطنها الاستخذاء النفسي والانبهار الفكري بين يدي نهضة الغرب.
стр. 6
وتبين لكل باحث أيضا أن تلك المدرسة لم تكسب أربابها ودعاتها أي نهضة علمية كالتي نهضتها أوربا كما كانوا يوهمون أو يتوهمون. كل ما جنته أيدي ذلك (الإصلاح الديني) فقدان الحقيقتين معا، فلاهم على حقيقتهم الدينية أبقوا ولا على النهضة العلمية عثروا «١» .
٧- من أجل ذلك أردت أن يكون أهم عملي في هذا الكتاب هو الإقدام على إزالة بقية الأطلال القائمة لتلك المدرسة المذكورة.
إن المسلم لا ينبغي أن يحاول لحظة واحدة، فهم حياة رسول الله ﷺ على أنه عبقري عظيم أو قائد خطير أو داهية محنّك. فمثل هذه المحاولة ليست إلا معاندة أو معابثة للحقائق الكبرى التي تزخر بها حياة محمد ﵊. فلقد أثبتت هذه الحقائق الجلية الناصعة أن النّبي ﷺ كان متّصفا بكل صفات السّمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي، ولكن كل ذلك كان ينبع من حقيقة واحدة كبرى في حياته ﵊، ألا وهي أنه نبي مرسل من قبل الله . وإن من العبث الغريب أن نضع الفروع في موضع الأصل ثم نتجاهل وجود الأصل مطلقا!. ولا ريب أن الرّد على ذلك لا يكون إلا بلفت النظر إلى الأصل. بل إلى الأصل وحده.
كما أن المسلم لا ينبغي له أن يتصور أن المعجزة الوحيدة في حياته ﷺ إنما هي القرآن، مادام أنه لا ينكر أن له ﵊ سيرة يحاول أن يفهم حياته من خلالها. أما إن كان ينكر وجود هذه السّيرة فإن عليه أن ينكر معجزة القرآن أيضا. إذ لم تبلغنا معجزات رسول الله المختلفة إلا من حيث بلغتنا منه معجزة القرآن. والإقدام على تأويل هذا وتسليم ذاك طبق ما يستهوي النفس ويتفق مع الغرض، إسفاف غريب في تصنع البحث والفهم، لا يقدم عليه من كان كريما على نفسه معتزا بعقله.
٨- وكان فيما رأيته من الرضا والحماس اللذين استقبل بهما القرّاء عملي هذا، أعظم دليل على أن كل هذا الذي أنفقه دعاة السوء ومحترفو الغزو الفكري من مستشرقين ومستغربين وأذناب وجهال، من وقت طويل وجهد عظيم وكتابات مستفيضة متلاحقة، لا يمكنه أن يتسبب في تحويل شيء من الحق إلى الباطل أو من الباطل إلى الحق، وعلى أن الحقيقة الفكرية لا يمكن أن تغتال، ولئن أمكن مخادعتها أو التلبيس عليها، فلن يكون ذلك إلا إلى أمد.. ثم ينحسر الخداع ويزول التلبيس وتشرق الحقيقة مرة أخرى من جديد. ويستفيد المتأملون والباحثون من ذلك عبرة تمدّ أفكارهم بمزيد من الحذر والوعي.
стр. 7
ومهما يكن صحيحا ما يقوله الناس من ابتعاد المسلمين عن منهجهم الإسلامي العظيم في هذه السنوات الأخيرة، فإن الذي أعتقده أن الناشئة المسلمة اليوم تملك من الوعي الإسلامي ودقة التأمل والملاحظة ما لم يكن يملكه المسلمون في أي عهد (قريب) مضى. ولن يمر زمن طويل حتى تجد أن هذا الوعي قد انقلب إلى حركة إيجابية عاملة، تصلح الانحراف، وتقوم الاعوجاج، وتعيد البناء الإسلامي من جديد.
٩- ومن ناحية أخرى فقد فضلت أن أسير في كتابة هذه البحوث على المنهج المدرسي القائم على استنباط القواعد والأحكام، مبتعدا عن المنهج الأدبي التحليلي المجرد، وإن كان لكلّ مزيته وفائدته، ذلك لأن المجال الذي أقدم فيه الكتاب (وهو المجال الجامعي) إنما ينسجم ويتفق مع الطريقة الأولى. ولقد وجدت من رضا القرّاء عن هذا المنهج- على اختلافهم- ما دفعني إلى مزيد من التوسع في ذلك والدقة فيه. وإن كنت أعلم أنني لم أستوف البحث حقه ولم أعالج كل ما ينبغي معالجته. ومردّ ذلك: أولا، إلى عجزي وقصوري ولا شك. ثانيا، إلى أنني لا أريد أن أفيض في ذكر المسائل والأحكام ومتعلقاتها إلى الحد الذي يشق معه على القارئ أن يقرأ الكتاب كله لقاء جهد يسير. فإن الكتاب إذا تجاوز إلى هذا الحد، قلّت فائدته بنظري وأصبح مرجعا يستعان به عند المناسبات، بدلا من أن يكون كتابا سهلا سائغا يقتنى للقراءة والدرس في أعمّ الأحوال.
*** ١٠- غير أن هنالك فئة أخرى من الناس، لم يعجبها هذا الذي صنعت، بل ذهب بعض أفرادها في نقده مذهبا تسربل فيه بلباس الضغينة والحقد، بدلا من أن يظهر في مظهر البحث العلمي المتجرد.
ولوددت لو أنني نبهت إلى خطأ انحرفت إليه لدى البحث، أو غفلة أصابتني عند بيان حكم أو دليل من قبل أخ مخلص، لأشكر له تنبيهه وأدعو له بالمثوبة والأجر، ولكنني لم أقع بدلا من ذلك إلا على ما لا حصيلة له من القول المنبعث عن رغبة واضحة في الإساءة والتّشفي والانتصار للعصبة والعصبية.
١١- فلقد وجدت- مثلا- في هدي رسول الله ﷺ وعمل أصحابه ما أوضح بشكل لا خفاء فيه مشروعية التوسل برسول الله ﷺ حيّا وميتا، فقررت ذلك بعد أن عرضت بين يديه ما لا يمكن ردّه من الأدلة والبراهين.
ووجدت في سيرته ﷺ ما أوضح مشروعية القيام إكراما للقادم، فذكرت هذه الأدلة وأوضحت ما ذكره العلماء من الفرق بين القيام للقادم والقيام على الرجل الجالس، وما أوضحته
стр. 8
السّنة في ذلك، ثم قررت مشروعية هذا القيام إذا انضبط بشروطه وقيوده التي بينتها السّنة الصحيحة، وقواعد الأصول والأحكام.
ووجدت فيها ما أوضح مشروعية قضاء الصلاة الفائتة سواء فاتت بسهو أو عمد فعرضت الأدلة ثم قررت الحكم على ضوئها.
ولو وجدت الأدلة قاضية بغير الذي اعتمدته، لقلت غير ذلك، ولا تبعت ما يرشد إليه الأصل والدليل، ولكنني لا أستطيع بأي حال أن أغمض العين عن مدرك الأحكام وأدلتها، لأقلد فئة من الناس اليوم، طاب لها أن تتخذ من مخالفة الأئمة وجمهور العلماء مذهبا جديدا، وألا يتورع الكثير منها عن انتقاصهم، بل عن لعنهم على رؤوس الأشهاد.
ونعوذ بالله من أن ينقلب لدينا البحث العلمي في العقل، إلى مثل هذه العصبية المستحكمة في النفس! ..
١٢- ولوددت والله، لو أن هذه الفئة التي تظل تشغل أفكار الناس وأوقاتهم بآرائها واجتهاداتها الفرعية، حاولت أن تشتغل هي الأخرى بهذا الذي وقع الناس فيه من أمور ومشكلات جسيمة خطيرة تحتاج إلى بذل الطاقات الهائلة وحصر الجهود العظيمة في سبيل معالجتها وتخليص المسلمين من آفاتها. ولكنها تظل ويا للعجب متنكرة متجاهلة لكل هذا الذي يفور به الزمن من أحداث، ويحوم حول العقل من قوانص الدين والإيمان، لتضمن لنفسها العكوف الهادئ على هذا الذي تسعى لإثارته بين الناس من مسائل لا جديد فيها أكثر مما وقع من خلاف قديم، ولا فائدة ترجى من الخصومة فيها أكثر من إثارة الضغائن في النفوس.
ولقد كان بوسع هذه الفئة أيضا- لو أنها كانت مخلصة لوجه الله في دأبها هذا- أن تعتنق الرأي الذي تطمئن إليه، ثم تترك الآخرين لما اطمأنوا هم أيضا إليه من المذهب والرأي، وتقلع عن الاستمرار في محاولة بسط سلطانها على الناس بالخصومة والعنف وتسفيه الأفكار. فلقد ظل جمهور المسلمين من قبلنا يجتمعون على التمسك بالأمور القطعية من اعتقادية وعملية، ويضفرون الجهود للاهتمام بها والذود عنها، فإذا ما بحثوا بعد ذلك في الأمور الاجتهادية الظنية لم يبالوا أن يختلفوا في صدد كثير منها إلى مذاهب متعددة دون أن يندفع أحد فيهم إلى محاولة بسط سلطانه على الآخرين واستعبادهم لما انقدح في ذهنه من الرأي.
ولو أنهم ﵃ فعلوا شيئا من هذا، لقضي على الوحدة الإسلامية قبل أن تدرج من المهد، ولما عثرنا في تاريخنا الإسلامي على شيء مما نظل نزهى به اليوم من مظاهر القوة والحضارة والمجد.
١٣- وأنا إنما أدعو القارئ بصدد البحث في هذه المسائل التي خالفت فيها هذه الفئة المذكورة، والتقيت في فهمها بمذهب جمهور المسلمين إلى أن يمعن النظر في الدليل وسلامته وقوته،
стр. 9
بعد أن يكون على بيّنة منه ومن طريقة الاستدلال به. ولا عليه بعد ذلك أن يركن إلى ما يطمئن إليه فكره وعقله، دون أن يجعل لأي تعصب فكري إلى نفسه من سبيل.
وإنما الخطورة كل الخطورة في أن يتحول الرأي في العقل إلى عصبية مستكنة في النفس، وليست الخطورة في أن يختلف اثنان حول مسألة انقدح لكل منهما فيها دليل مقنع.
وأسأل الله سبحانه أن يجمعنا على الحق ويهدينا سواء السبيل، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه إنه سميع مجيب.
دمشق محمد سعيد بن ملا رمضان البوطي ١٧ جمادى الأولى ١٣٨٨ ١٠ أيلول ١٩٦٨ م
стр. 10
القسم الأوّل مقدّمات
أهميّة السّيرة النبويّة في فهم الإسلام
ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية وفقهها، مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث ولذا فلا ينبغي أن نعتبر دراسة فقه السيرة النبوية من جملة الدراسة التاريخية، شأنها كشأن الاطلاع على سيرة خليفة من الخلفاء أو عهد من العهود التاريخية الغابرة.
وإنما الغرض منها؛ أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته ﷺ ، بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكاما مجردة في الذهن.
أي إن دراسة السيرة النبوية، ليست سوى عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة، في مثلها الأعلى محمد ﷺ .
وإذا أردنا أن نجرئ هذا الغرض ونصنّف أجزاءه، فإن من الممكن حصرها في الأهداف التفصيلية التالية:
١- فهم شخصية الرسول ﷺ (النبوية) من خلال حياته وظروفه التي عاش فيها، للتأكد من أن محمدا ﵊ لم يكن مجرد عبقري سمت به عبقريته بين قومه، ولكنه قبل ذلك رسول أيّده الله بوحي من عنده وتوفيق من لدنه.
٢- أن يجد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دستورا يتمسك به ويسير عليه ولا ريب أن الإنسان مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه واجد كل ذلك في حياة رسول الله ﷺ على أعظم ما يكون من الوضوح والكمال. ولذا جعله الله قدوة للإنسانية كلها إذ قال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب ٣٣/ ٢١] .
стр. 11
٣- أن يجد الإنسان في دراسة سيرته ﵊ ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وتذوق روحه ومقاصده، إذ إن كثيرا من آيات القرآن إنما تفسرها وتجلّيها الأحداث التي مرت برسول الله ﷺ ومواقفه منها.
٤- أن يتجمع لدى المسلم من خلال دراسة سيرته ﷺ ، أكبر قدر من الثقافة والمعارف الإسلامية الصحيحة، سواء ما كان منها متعلقا بالعقيدة أو الأحكام أو الأخلاق، إذ لا ريب أن حياته ﵊ إنما هي صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادئ الإسلام وأحكامه.
٥- أن يكون لدى المعلم والداعية الإسلامي نموذج حيّ عن طرائق التربية والتعليم، فلقد كان محمد ﷺ معلما ناصحا ومربيا فاضلا لم يأل جهدا في تلمس أجدى الطرق الصالحة إلى كل من التربية والتعليم خلال مختلف مراحل دعوته.
وإن من أهم ما يجعل سيرته ﷺ وافية بتحقيق هذه الأهداف كلها أن حياته ﵊ شاملة لكل النواحي الإنسانية والاجتماعية التي توجد في الإنسان من حيث إنه فرد مستقل بذاته أو من حيث إنه عضو فعال في المجتمع.
فحياته ﵊ تقدم إلينا نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، الباذل منتهى الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته، ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة، وللزوج المثالي في حسن معاملته، وللأب في حنو عاطفته، مع تفريق دقيق بين الحقوق والواجبات لكل من الزوجة والأولاد، وللقائد الحربي الماهر والسياسي الصادق المحنك، وللمسلم الجامع- في دقة وعدل- بين واجب التعبد والتبتل لربه، والمعاشرة الفكهة اللطيفة مع أهله وأصحابه.
لا جرم إذن، أن دراسة سيرة النبي ﷺ ليست إلا إبرازا لهذه الجوانب الإنسانية كلها مجسدة في أرفع نموذج وأتم صورة.
стр. 12
السّيرة النبويّة كيف تطوّرت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم
السيرة النبوية والتاريخ:
لا ريب أن سيرة سيدنا محمد ﷺ تشكل الركيزة الأساسية لحركة التاريخ العظيم الذي يعتز به المسلمون على اختلاف لغاتهم وأقطارهم.
وانطلاقا من هذه السيرة دون المسلمون التاريخ ... ذلك لأن أول ما دونه الكاتبون المسلمون من وقائع التاريخ وأحداثه، هو أحداث السيرة النبوية، ثم تلا ذلك تدوين الأحداث التي تسلسلت على أثرها إلى يومنا هذا.
حتى التاريخ الجاهلي الذي ينبسط منتشرا وراء سور الإسلام في الجزيرة العربية، إنما وعاه المسلمون من العرب وغيرهم، واتجهوا إلى رصده وتدوينه، على هدي الإسلام الذي جاء فحدد معنى الجاهلية، وعلى ضوء المعلمة التاريخية الكبرى التي تمثلت في مولد أفضل الورى سيدنا محمد ﷺ وسيرة حياته.
إذن، فالسيرة النبوية تشكل المحور الذي تدور حوله حركة التدوين لتاريخ الإسلام في الجزيرة العربية. بل هي العامل الذي أثر في أحداث الجزيرة العربية أولا، ثم في أحداث سائر العالم الإسلامي ثانيا.
ولقد امتلك فن الرواية لأحداث التاريخ عند العرب والمسلمين منهجا علميا دقيقا لرصد الوقائع وتمييز الصحيح منها عن غيره، لم يملك مثله غيرهم. غير أنهم لم يكونوا ليكتشفوا هذا المنهج، ولم يكونوا لينجحوا في وضعه موضع التنفيذ في كتاباتهم التاريخية، لولا السيرة النبوية التي وجدوا أنفسهم أمام ضرورة دينية تحملهم على تدوينها تدوينا صحيحا، على نحو لا يشوبها وهم ولا يتسلل إليها خلط أو افتراء.. ذلك لأنهم علموا أن سيرة سيدنا رسول الله ﷺ وسنته هما المفتاح الأول لفهم كتاب الله تعالى. ثم هما النموذج الأسمى لكيفية تطبيقه والعمل به. فكان أن نهض بهم دافع اليقين بنبوة رسول الله ﷺ ، وبأن القرآن كلام الله تعالى، وبأنهم يحملون مسؤولية العمل بمقتضاه، وأن الله محاسبهم على ذلك حسابا دقيقا- نهض بهم اليقين بكل ذلك إلى تحمل أقسى الجهد في سبيل الوصول إلى منهج علمي تحصن فيه حقائق السيرة والسنة النبوية المطهرة.
وإنما أقصد بالمنهج العلمي قواعد مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل. فمن المعلوم أن
стр. 13
ذلك إنما وجد أولا لخدمة السنة المطهرة التي لا بد أن تكون السيرة النبوية العامة قاعدة لها. ثم إنه أصبح بعد ذلك منهجا لخدمة التاريخ عموما، وميزانا لتمييز حقائقه عن الأباطيل التي قد تعلق به.
يتبين لك من هذا أن كتابة السيرة النبوية، كانت البوابة العريضة الهامة التي دخل منها المسلمون إلى دراسة التاريخ وتدوينه عموما، وأن القواعد العلمية التي استعانوا بها لضبط الروايات والأخبار، هي ذاتها القواعد التي أبدعتها عقول المسلمين شعورا منهم بالحاجة الماسة إلى حفظ مصادر الإسلام وينابيعه الأولى من أن يصيبها أي دخيل يعكرها.
كيف بدأت ثم تطورت كتابة السيرة:
تأتي كتابة السيرة النبوية- من حيث الترتيب الزمني- في الدرجة الثانية بالنسبة لكتابة السنة النبوية. فلا جرم أن كتابة السنة، أي الحديث النبوي، كانت أسبق من كتابة السيرة النبوية عموما. إذ السنة بدأت كتابتها، كما هو معلوم، في حياة رسول الله ﷺ ، بإذن، بل بأمر منه ﵊. وذلك بعد أن اطمأن إلى أن أصحابه قد تنبهوا للفارق الكبير بين أسلوبي القرآن المعجز والحديث النبوي البليغ، فلن يقعوا في لبس بينهما.
أما كتابة حياة رسول الله ﷺ ومغازيه بصورة عامة، فقد جاء ذلك متأخرا عن البدء بكتابة السنة، وإن كان الصحابة يهتمون بنقل سيرته ومغازيه شفاها..
ولعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما، هو عروة بن الزبير المتوفى ٩٢ هـ ثم أبان بن عثمان المتوفى ١٠٥ هـ ثم وهب بن منبه المتوفى ١١٠ هـ ثم شرحبيل بن سعد المتوفى ١٢٣ هـ ثم ابن شهاب الزهري المتوفى ١٢٤ هـ.
إن هؤلاء يعدون، ولا ريب، في مقدمة من اهتموا بكتابة السيرة النبوية، كما تعد كتاباتهم طليعة هذا العمل العلمي العظيم، بل تعد الخطوة الأولى- كما ألمحنا- إلى كتابة التاريخ والاهتمام به عموما، هذا بقطع النظر عن أن الكثير من أحداث السيرة منثور في كتاب الله تعالى، وفي بطون كتب السنة التي تهتم من سيرته ﷺ بأقواله وأفعاله، لا سيما ما يتعلق منها بالتشريع.
غير أن جميع ما كتبه هؤلاء قد باد وتلف مع الزمن، فلم يصل إلينا منه شيء. ولم يبق منه إلا بقايا متناثرة، روى بعضها الطبري. ويقال إن بعضها الآخر- وهو جزء مما كتبه وهب بن منبه- محفوظ في مدينة هايدلبرج بألمانيا.
ولكن جاء في الطبقة التي تلي هؤلاء من تلقف كل ما كتبوه، فأثبتوا جلّه في مدوناتهم التي وصل إلينا معظمها بحمد الله وتوفيقه. ولقد كان في مقدمة هذه الطبقة محمد بن إسحاق المتوفى عام ١٥٢ هـ. وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يعدّ من أوثق ما كتب في السيرة
стр. 14
النبوية في ذلك العهد «١» ولئن لم يصل إلينا كتابه (المغازي) بذاته، إلا أن أبا محمد عبد الملك المعروف بابن هشام قد جاء من بعده، فروى لنا كتابه هذا مهذبا منقحا، ولم يكن قد مضى على تأليف ابن إسحاق له أكثر من خمسين سنة.
يقول ابن خلكان: «وابن هشام هذا، هو الذي جمع سيرة رسول الله ﷺ ، من المغازي والسير لابن إسحاق، وهذبها، ولخصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس والمعروفة بسيرة ابن هشام» «٢» .
وعلى كل، فإن مصادر السيرة النبوية التي اعتمدها سائر الكتاب على اختلاف طبقاتهم محصورة في المصادر التالية:
أولا- كتاب الله تعالى. فهو المعتمد الأول في معرفة الملامح العامة لحياة النبي ﷺ ، وفي الاطلاع على المراحل الإجمالية لسيرته الشريفة، بقطع النظر عن أسلوب القرآن في بيان ذلك.
ثانيا- كتب السنة النبوية، وهي تلك التي كتبها أئمة الحديث المعروفون بصدقهم وأمانتهم، كالكتب الستة وموطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد وغيره، وإن كانت عناية هذه الكتب الأولى إنما تنصرف إلى أقوال رسول الله وأفعاله من حيث إنها مصدر تشريع، لا من حيث هي تاريخ يدوّن. ولذلك رتبت أحاديث كثير من هذه الكتب على الأبواب الفقهية، ورتب بعضها على أسماء الصحابة الذين رووا هذه الأحاديث، ولم يراع فيها التتابع الزمني للأحداث.
ثالثا- الرواة الذين اهتموا بسيرة النبي ﷺ وحياته عموما، وقد كان في الصحابة الكثير ممن اهتم بذلك، بل ما من صحابي كان مع رسول الله ﷺ في مشهد من مشاهد سيرته إلا ورواه لسائر الصحابة ولمن بعده أكثر من مرة. ولكن دون أن يهتم واحد منهم في بادئ الأمر بجمع هذه السيرة وتدوينها. وأحب أن ألفت النظر هنا إلى الفرق بين عموم ما يسمى كتابة وتقييدا، وخصوص ما يسمى تأليفا أو تدوينا. أما الأول فقد كان موجودا بالنسبة للسنة في حياة رسول الله ﷺ كما ذكرنا آنفا، وأما الثاني، ويراد به الجمع والتنسيق بين دفتين، فقد ظهر فيما بعد، عندما ظهرت الحاجة إلى ذلك.
المنهج العلمي في رواية السيرة النبوية:
من المعلوم أن كتابة السيرة النبوية، تدخل في عموم ما يسمى تأريخا، وإن كانت السيرة النبوية، - كما أوضحنا- منطلقا للتأريخ وحافزا على رصد الوقائع والأحداث التي خلت قبلها والتي جاءت متسلسلة على أعقابها.
стр. 15
ولكن على أيّ منهج اعتمد كتّاب السيرة في تاريخها وتدوينها؟
لقد كان منهجهم المعتمد في ذلك اتباع ما يسمى اليوم بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ، طبق قواعد علمية سنشير إليها.
ومعنى هذا أن كتّاب السيرة النبوية وعلماءها، لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة، إلا تثبيت ما هو ثابت منها، بمقياس علمي يتمثل في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن، وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.
فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلى أخبار ووقائع، وقفوا عندها، ودونوها، دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية أو مألوفاتهم البيئية إلى شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير.
لقد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية التي يتم الوصول إلى معرفتها، ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهى الدقة، حقيقة مقدسة، يجب أن تجلى أمام الأبصار والبصائر كما هي، كما كانوا يرون أن من الخيانة التي لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ومن ثمار العصبية، حاكّم مسلّط يستبعد منها ما يشاء ويحوّر فيها كما يريد.
ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية، وعلى ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ، وصلت إلينا سيرة المصطفى ﷺ بدءا من ولادته ونسبه، إلى طفولته، فصبوته اليافعة، إلى الإرهاصات الخارقة التي صاحبت مراحل طفولته وشبابه، إلى بعثته وظاهرة الوحي التي تجلت في حياته، إلى أخلاقه وصدقه وأمانته، إلى الخوارق والمعجزات التي أجراها الله تعالى على يده، إلى مراحل الدعوة التي سار فيها لتلبية أمر ربه؛ من سلم، فدفاع، فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلى الله تعالى أيّ تهديد، إلى الأحكام والمبادئ الشرعية التي أوحي بها إليه، قرآنا معجزا يتلى، وأحاديث نبوية تشرح وتبين.
لقد كان العمل التاريخي إذن بالنسبة إلى هذه السلسلة من سيرته ﷺ ، ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة، ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله، ومن حيث الرجال وتراجمهم، ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه.
أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمي آخر لا شأن له بالتاريخ، وما ينبغي أن يمزج به بحال من الأحوال.
إنه عمل علمي متميز، ومستقل بذاته، ينهض بدوره على منهج وقواعد أخرى، من شأنها أن
стр. 16
تضبط عملية استنباط النتائج والمبادئ من تلك الأحداث، ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية التي يعبر عنها أمثال وليم جيمس بإرادة الاعتقاد.
من هذه القواعد: القياس الاستقرائي، وقانون الالتزام بأنواعه المختلفة، والدلالات بأنواعها.. إلخ.
ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية طبقا لهذه القواعد أحكام كثيرة، منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين، ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك. والمهم في هذا الصدد أن نعلم بأنها جاءت منفصلة عن التأريخ وتدوينه، بعيدة عن معناه ومضمونه، وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخرى نهضت في حد وجودها على البنيان التاريخي الذي قام بدوره على القواعد العلمية التي ذكرناها.
السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة في كتابة التاريخ:
في القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه، إلى جانب الطريقة الموضوعية، أو ما يسمونه بالمذهب العلمي، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب فيما أطلق عليه اسم المذهب الذاتي. ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه والمتحمسين له.
ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتية أو اتجاهه الفكري والديني أو السياسي، في تفسير الأحداث وتعليلها والحكم على أبطالها.. بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ، لا مجرد وصف الأخبار وتجميع الوقائع العارية.
وهذه الطريقة تجعل كتابة التاريخ وتدوينه عملا فنيا مجردا، ولا تسمح بعدّه نهوضا بعمل علمي دقيق.
ونحن، وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخية ونقدها، فإن علينا ألّا نخفي أسفنا من أن يجد هذا المذهب- في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيته- دعاة إليه ومؤمنين به. ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال، بفعل سبحات من أخيلة التوسم وشهوة الذات وعصبية النفس والهوى.
وكم من حقيقة مسخت، وأحداث نكّست، وأمجاد دثرت، وبرءاء ظلموا، تحت سلطان هذه المحكمة الوهمية الجائرة.
فهل كان لهذا المذهب الجديد من تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها؟
والحقيقة أن هذا المذهب الجديد في كتابة التاريخ قد أصبح أساسا لمدرسة جديدة في دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين. فكيف نشأت هذه المدرسة؟ .. وما هي عوامل نشأتها؟ .. وما مصيرها اليوم؟ ..
تعود نشأة هذه المدرسة إلى أيام الاحتلال البريطاني لمصر، لقد كانت مصر آنذاك منبر العالم
стр. 17
الإسلامي كما نعلم، يعنو إليه بتفكيره وعقله كلما أراد أن يعلم عن الإسلام علما، كما يعنو إلى كعبة الله بوجهه كلما أراد حجا أو صلاة.
وكان في استمرار هذا الصوت العظيم من جانب، وفي استمرار إنصات العالم الإسلامي إليه من جانب آخر، ما لا يدع للاحتلال البريطاني فرصة هدوء أو استقرار. ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادي كله تحت سلطان من قوة الحديد والنار. فإنه خضوع موقوت لا يطمأن إليه، ما بقيت للأزهر هذه القيادة الحية.
لذا فقد كان لابد للاحتلال البريطاني من الإقدام على أحد علاجين لا ثالث لهما:
أولهما: أن يقطّع ما بين الأزهر والأمة، بحيث لا يبقى له عليها من سلطان.
ثانيهما: أن يتم التسلل إلى مركز العمليات القيادية في الأزهر ذاته، فتوجّه قيادته الوجهة التي ترضي مصالح الاحتلال وتهيئ له أسباب الطمأنينة والاستقرار.
ولم تتردد بريطانيا في اختيار العلاج الثاني، نظرا إلى أنه أقرب منالا وأبعد عن الملاحظة والانتباه «٣» .
وكان السبيل الوحيد إلى هذا التسلل نحو القيادة العلمية والفكرية داخل الأزهر، الاعتماد على نقطة ضعف أليمة كانت تعاني منها مشاعر الأمة الإسلامية عامة، بما فيها مصر وغيرها. وهي إحساس المسلمين بما انتابهم من الضيعة والتخلف والشتات، إلى جانب ملاحظتهم للنهضة العجيبة التي نهضها الغرب في شتى المجالات الفكرية والعلمية والحضارية! .. لقد كان المسلمون يتطلعون ولا ريب إلى اليوم الذي يتحررون فيه من الأثقال التي خلفتهم إلى الوراء، ليشتركوا مع الآخرين في رحلة الحضارة والمدنية والعلم الحديث.
من هذا السبيل تسلل الهمس، بل الكيد الاستعماري إلى صدور بعض من قادة الفكر في مصر. ولقد كان مؤدى هذا الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله، إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم ... فالدين شيء والعلم شيء آخر، ولا يتم التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثاني. وإذا كان العالم الإسلامي حريصا حقا على مثل هذا التحرر فلا مناص له من أن يسلك الطريق ذاته، وأن يفهم الإسلام هنا، كما فهم الغرب النصرانية هناك. ولا يتحقق ذلك إلا بتخلص الفكر الإسلامي من سائر الغيبيات التي لا تفهم ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث.
وسرعان ما خضع لهذا الهمس، أولئك الذين انبهرت أبصارهم بمظاهر النهضة الأوربية الحديثة. ممن لم تترسخ حقائق الإيمان بالله في قلوبهم، ولا تجلت حقائق العلم الحديث وضوابطه في
стр. 18
عقولهم. فتنادوا فيما بينهم إلى التحرر من كل عقيدة غيبية لم تصل إليها اكتشافات العلم الحديث، ولم تدخل تحت سلطان التجربة والمشاهدة الإنسانية.
فكان أن قاموا بما أسمي فيما بعد بالإصلاح الديني. واقتضى منهم ذلك، أمورا عديدة، منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها، واعتماد منهج جديد في تحليلها، يتفق وما قصدوا إليه من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيات والخوارق التي لا يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول.
ولقد كان لهم في الطريقة الذاتية في كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه.
وبدأت تظهر كتب وكتابات في السّيرة النّبوية، تستبدل بميزان الرواية والسند وقواعد التحديث وشروطه، طريقة الاستنتاج الشخصي، وميزان الرّضا النفسي، ومنهج التوسم الذي لا يضبطه شيء إلا دوافع الرغبة، وكوامن الأغراض والمذاهب التي يضمرها المؤلّف.
واعتمادا على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون، كل ما قد يخالف المألوف، مما يدخل في باب المعجزات والخوارق، من سيرته ﷺ . وراحوا يروجون له صفة العبقرية والعظمة والبطولة وما شاكلها، شغلا للقارئ بها عن صفات قد تجره إلى غير المألوف من النّبوة والوحي والرسالة ونحوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية النّبي ﷺ .
ويعدّ كتاب (حياة محمد) لحسين هيكل أبرز نموذج لهذا الاتجاه في كتابة السّيرة النّبوية.
ويعبر مؤلّفه عن اتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول:
«إنني لم آخذ بما سجلته كتب السّيرة والحديث، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية» ! ..
ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة في كتابة السّيرة وفهمها، تلك المقالات المتتابعة التي نشرها المرحوم محمد فريد وجدي في مجلة نور الإسلام تحت عنوان: (السّيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة) والتي يقول في بعض منها:
«وقد لا حظ قرّاؤنا أننا نحرص فيما نكتبه في هذه السّيرة، على ألا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز، ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشيء من التّكلف» .
ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التي ظهرت لطائفة من المستشرقين عن حياة سيّدنا محمد ﷺ ، في نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التي قامت على المنهج الذاتي الذي ألمحنا إليه آنفا.
إنك لتراهم يمجدون شخص محمد ﷺ ، وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة، ولكن بعيدا عن
стр. 19
كل ما قد ينبّه القارئ إلى شيء من معنى النّبوة أو الوحي في حياته، وبعيدا عن الاهتمام بالأسانيد والروايات التي قد يضطرهم الأخذ بها إلى اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم اعتمادها أو الاهتمام بها.
وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة، في اتّباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السّيرة النّبوية مهما جاءت مدعومة بدلائل العلم واليقين، متّخذين من ميولهم النفسية، ورغباتهم الشخصية وأهدافهم البعيدة، حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل، وحكما مطلقا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه.
لقد رأينا- مثلا- أن كل خارقة مما قد جاء به متواتر السّنة، وربما صريح القرآن تؤول، ولو بتكلف وتمحل، بما يعيدها إلى الوفاق مع المألوف، وبما يجعلها تنسجم مع الغرض المطلوب.
فطير الأبابيل يؤول- على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة- بداء الجدري.
والإسراء الذي جاء به صريح القرآن، يحمل على سياحة الروح وعالم الرؤى.
والملائكة الذين أمدّ الله المسلمين بهم في غزوة بدر يؤولون بالدّعم المعنوي الذي أكرمهم الله به! ...
وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت على هذا الطريق، تفسير النّبوة في حياة سيّدنا رسول الله ﷺ وإيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامي، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين، أثارتها النوازع الاقتصادية انتجاعا للرزق وطلبا للتوسع، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع! ..
وبعد، فقد كانت هذه الطريقة في دراسة السّيرة النّبوية خصوصا، والتاريخ الإسلامي عموما، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين وصادفت هوى وقبولا حسنا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء.
لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلامية، إنما قصد في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها.
وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية، إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثرا بعد عين. ذلك لأن الوحي الإلهي- وهو ينبوع الإسلام ومصدره- يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها. ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما قد جاء في السّيرة النّبوية من خوارق العادات، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث، يكون أسرع إلى رفض
стр. 20
الوحي الإلهي كله بما يتبعه ويتضمنه من إخباراته عن النشور والحساب والجنة والنار بالحجة الطبيعية ذاتها.
كما غاب عنهم أن الدين الصالح في ذاته لا يحتاج في عصر ما إلى مصلح يتدارك شأنه، أو إصلاح يغيّر من جوهره.
غاب عن هؤلاء الناس هذا كله، مع أن إدراكهم له كان من أبسط مقتضيات العلم. لو كانوا يتمتعون بحقيقته وينسجمون مع منطقيته. لكن أعينهم عشيت في غمرة انبهارها بالنهضة الأوربية الحديثة وما قد حفّ بها من شعارات العلم وألفاظه، فلم تبصر من حقائق المنطق والعلم إلا عناوينها وشعاراتها، وقد كانوا بأمس الحاجة إلى فهم كامل لما وراء تلك العناوين وإلى هضم صحيح لمضمون تلك الشعارات. فلم يعد يستأثر بتفكيرهم إلا خيال نهضة (إصلاحية) تطور العقيدة الإسلامية هنا كما تطورت العقيدة النصرانية هناك.
وهكذا، فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة التي أشرنا إليها بإيجاز، هياجا في النفس، أكثر من أن يكون حقيقة علمية مدروسة استحوذت على العقل.
مصير هذه المدرسة اليوم:
والحقيقة أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السّيرة وفهمها، والحماسة التي ظهرت يوما ما لدى البعض في الأخذ بها- إنما كان منعطفا تاريخيا ومرّ.. وعذر أولئك الذين كتب عليهم أن يمروا بذلك المنعطف أو يمر هو بهم، أنهم كانوا- كما قلنا- يفتحون أعينهم إذ ذاك على خبر النهضة العلمية في أوربا، بعد طول غفلة وإغماض. وإنه لأمر طبيعي أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء، فلا تتبين حقائق الأشياء، ولا تتميز الأشباه عن بعضها. حتى إذا مرّ وقت، واستراحت العين إلى الضياء، أخذت الأشياء تتمايز وبدت الحقائق واضحة جلية لالبس فيها ولا غموض.
وهذا ما قد تمّ فعلا. فقد انجابت الغاشية، وصفت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار؛ أبصار الجيل الواعي المثقف اليوم. فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم وجوهره، بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه وانخدعوا بشعاراته، ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العليم والمفكر الحر، بأن شيئا مما يسمى بالخوارق والمعجزات لا يمكن أن يتنافى في جوهره مع حقائق العلم وموازينه.
ذلك لأن هذه الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس. وما كان للإلف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن. وهيهات أن يقضي العلم يوما ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف هو وحده ممكن الوقوع، وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع.
ولقد علم كل باحث ومثقف اليوم بأن أحدث ما انتهت إليه مدارك العلماء في هذا الصدد،
стр. 21
هو أن العلاقة التي نراها بين الأسباب ومسبباتها، ليست إلا علاقة اقتران مطرد، اكتسبت تحليلا، ثم تعليلا، ثم استنبط منها القانون الذي هو تابع لظهور تلك العلاقة وليس العكس.
فإن رحت تسأل القانون العلمي عن رأيه في خارقة أو معجزة إلهية، قال لك بلسان الحال الذي يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر: ليست الخوارق والمعجزات من موضوعات بحثي واختصاصي، فلا حكم لي عليها بشيء. ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامي فإنها تصبح في تلك الحال موضوعا جاهزا للنظر والتحليل، ثم الشرح والتعليل، ثم تغطي تلك الخارقة بقانونها التابع لها «٤» .
وقد انقرض الزمن الذي كان بعض العلماء يظنون فيه أن أثر الأسباب الطبيعية في مسبباتها أثر حتمي يستعصي على التخلف والتغيير. وانتصر الحق الذي طالما نبّه إليه ودافع عنه علماء المسلمين عامة والإمام الغزالي خاصة، من أن علاقات الأسباب بمسبباتها ليست أكثر من رابطة اقتران مجردة. وما العلم في أحكامه وقوانينه إلا جدار ينهض فوق أساس هذا الاقتران وحده. أما سرّ هذا الاقتران فهو عند ذلك الإله العظيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
ولقد رأينا العالم التجريبي (دافيد هيوم) كيف يجلّي هذه الحقيقة بأنصع بيان صارم.
نعم، لا بد أن يشترط كل إنسان عاقل يحترم العقل والحقيقة، لقبوله أيّ خبر، سواء تضمن أمرا خارقا أو مألوفا، شرطا واحدا، ألا وهو أن يصل ذلك الخبر إليه عن طريق علمي سليم ينهض على قواعد الرواية والإسناد ومقتضيات الجرح والتعديل، بحيث يورث الجزم واليقين، وتفصيل القول في هذه الموازين العلمية العظيمة يستلزم كلاما طويل الذيل لسنا بصدد شيء منه الآن.
إنّ رجل العلم اليوم. ليأخذ منه العجب كل مأخذ، عندما يقف أمام هذا الذي يقوله رجل مثل حسين هيكل في مقدمة كتابه (حياة محمد) :
«وإنني لم آخذ بما سجلته كتب السّيرة والحديث، لأنني فضلت أن أجري في هذا البحث على الطريقة العلمية» ! ..
أي أنه يطمئنك إلى أنه لم يأخذ حتى بما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم، حفظا لكرامة العلم! .. إذن فإن ما يرويه الإمام البخاري ضمن قيود رائعة عجيبة من الحيطة العلمية النادرة في رواية الكلمة والخبر، انحراف عن جادة العلم.. على حين تكون طريقة الاستنتاج والحدس والتخمين وما يسمونه بمنهج التوسم، حفظا لكرامته والتزاما لميزانه وجادّته! ..
أليس هذا من أفجع الكوارث النازلة برأس العلم؟ ..
стр. 22
وأخيرا: كيف ندرس السّيرة النّبوية على ضوء ما قد ذكرناه:
من المعلوم أن محمدا ﷺ ، عندما ظهر في الجزيرة العربية، قدّم نفسه إلى العالم على أنه نبي مرسل من قبل الله إلى الناس كافة، ليؤكد لهم الحقيقة التي بعث بها الأنبياء الذين خلوا من قبل، وليحمّلهم المسؤوليات ذاتها التي حمّلها الأنبياء السابقون أقوامهم، موضحا أنه آخر نبيّ مرسل في سلسلة الرّسل الذين تعاقبوا مع الزمن، ثم زاد نفسه تعريفا لهم فأوضح أنه ليس إلا بشرا من الناس يسري عليه جميع سمات البشرية وأحكامها، ولكن الله ائتمنه- بوساطة الوحي- على تبليغ الناس رسالة تعرفهم بهوياتهم الحقيقية، وتنبههم إلى موقع هذه الحياة الدنيا من خارطة المملكة الإلهية زمانا ومكانا، وإلى مصيرهم الذي سيلقونه حتما بعد الموت، كما تلفت نظرهم إلى ضرورة انسجامهم في سلوكهم الاختياري مع هوياتهم التي لا مفرّ منها، أي أن عليهم أن يكونوا عبيدا لله بيقينهم وسلوكهم الاختياري، كما تحققت فيهم هذه العبودية بالواقع الاضطراري. ثم أكّد لهم بكل مناسبة أنه لا يملك أن يزيد أو ينقص أو يبدل شيئا من مضمون هذه الرسالة التي حمّله الله مسؤولية إبلاغها إلى الناس جميعا، بل أكّد البيان الإلهي ذاته هذه الحقيقة قائلا:
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [سورة الحاقة ٦٩/ ٤٤- ٤٧] .
وإذن، فإن محمدا ﷺ لم يقدم نفسه إلى العالم زعيما سياسيا، أو قائدا وطنيا، أو رجل فكرة ومذهب، أو مصلحا اجتماعيا.. بل لم يتخذ لنفسه، خلال حياته كلها، أي سلوك قد يوحي بأنه يسعى سعيا ذاتيا إلى شيء من ذلك.
وإذا كان الأمر هكذا، فإن الذي يفرضه المنطق علينا، عندما نريد أن ندرس حياة رجل هذا شأنه، أن ندرس حياته العامة من خلال الهوية التي قدّم نفسه إلى العالم على أساسها، لنستجلي فيها دلائل الصدق أو عدمه على ما يقول! ..
وهذا يلزمنا، بلا ريب، أن ندرس جميع النواحي الشخصية والإنسانية في حياته، ولكن على أن نجعل من ذلك كله قبسا هاديا يكشف لنا ببرهان علمي وموضوعي عن حقيقة هذه الهوية التي قدّم نفسه إلى العالم على أساسها.
نعم، ربما كان مقبولا أن نزعم بأننا لسنا مضطرين أن نشغل أفكارنا وعقولنا بهذا الذي أراد محمد ﷺ أن يشغل الناس به من معاني النّبوة والرّسالة في شخصه، لو أن الأمر لم يكن متعلقا بمصيرنا، ولم يكن له من شأن بحريتنا وسلوكنا.
أما وإن القضية متعلقة بذواتنا، وتكشف- إن صحّ الأمر- عن واجبات في المعرفة والسلوك إن لم نسع إلى تحقيقها، وقعنا من ذلك في مغبة شقاء عظيم وهلاك وبيل، إذن فالمسألة أخطر من أن نتصور أنها لا تعنينا، أو أن نمرّ عليها معرضين عابثين! ..
стр. 23
من العبث البيّن عندئذ أن نعرض عن دراسة هذه الهوية التي عرّف محمد ﷺ العالم على نفسه من خلالها، ثم نتشاغل بالتأمل في جوانب أخرى من شخصه لا صلة لها بنا، وليس لها بتلك الهوية أي تعلق أو مساس.
أجل، وأي عبث أعبث من أن يقف أمامنا هذا الرجل: محمد بن عبد الله ﷺ ، ليكشف لنا عن ذاته، ثم ليقول لنا محذرا بملء يقينه ومشاعره: «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وو الله إنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا» ثم لا يهمنا من شخصه وكلامه إلّا التأمل في عبقريته أو فصاحته وحكمته؟! ..
أليس هذا، كما لو أقبل إليك إنسان وأنت على مفترق طرق، يعرّفك منها على السبيل الموصل الهادي ويحذرك من المتاهات المهلكة، فلم تلتفت من كل ما يقوله لك إلا إلى مظهره ولون ثيابه وطريقة حديثه، ثم رحت تجعل من ذلك موضع درس وتحليل تستغرق فيه؟! ..
إن المنطق يقضي أن ندرس حياة سيدنا محمد ﷺ من شتى جوانبها: نشأته وأخلاقه، وحياته الشخصية والبيتية، وصبره وكفاحه، وسلمه وحربه، وتعامله مع أصدقائه وأعدائه، وموقفه من الدنيا وأهوائها وزخرفها، دراسة موضوعية تتوخى الصدق والدقة بناء على المنهج العلمي الذي يقضي باتّباع قواعد الرواية والإسناد وشروط الصحة فيها.. أقول إن المنطق يقضي بأن ندرس ذلك كله، ولكن على أن نتخذ منه سلّما للوصول إلى نهاية من البحث والدرس نتأكد فيها من نبوته، ونتبين فيها حقيقة الوحي في حياته. حتى إذا تجلّى لنا ذلك بعد البحث الموضوعي المتجرد عن أيّ هوى أو عصبية، أدركنا أنه ﷺ ، لم يخترع لنا من عنده شرعة وأحكاما، وإنما كان أمينا على إبلاغها إيانا، قضاء مبرما من لدن ربّ العالمين، وعندئذ نتنبه إلى عظم مسؤولياتنا تجاه هذه الشرائع والأحكام رعاية وتنفيذا.
ثم إن كل من ألزم نفسه من دراسة السّيرة النّبوية بالجوانب الإنسانية المجردة، وراح يحللها بعيدا عن الهوية التي قدم النّبي ﷺ نفسه للناس على أساسها، لا بدّ أن يحبس نفسه ضمن ألغاز مغلقة لا سبيل إلى الخروج منها بأي تحليل.
لا بدّ مثلا أن يقف ذاهلا حائرا أمام لغز الفتح الإسلامي الذي قضى بأن يكون لطائفة من السّيوف القديمة التي طالما أكل بعضها بعضا سلطان سحري في القضاء على حصن الحضارة الفارسية وجبروت البأس الروماني.
ولا بدّ مثلا أن يقف حائرا كل الحيرة أمام لغز القانون الذي تكامل في الجزيرة العربية قبل أن ينمو فيها نبت أي ثقافة، وقبل أن يمتد عليها رواق أي مدنية أو حضارة! .. تشريع متكامل توجت به الجزيرة العربية، وهي لا تزال في مرحلة المهد من سعيها إلى المعرفة والثقافة والحياة
стр. 24
الاجتماعية المعقدة، كيف يتفق ذلك مع ما هو بدهي عند علماء الاجتماع من أن نشأة القانون المتكامل في حياة الأمة ثمرة لنضجها الثقافي والحضاري، ونتيجة لتركيبها الاجتماعي المتطور؟! ..
ألغاز مقفلة، لا يمكن لمن لم يضع نبوة محمد ﷺ في الحسبان، أن يجد لها أي حلّ في نطاق الأسباب والتعليلات المادية المألوفة. وكم رأينا من باحثين- من هذا القبيل- يتطوحون بأفكارهم ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن مخرج من الحيرة، دون أن يعودوا من سعيهم بأي طائل.
ولكن سبيل المخرج من هذه الحيرة واضح مع ذلك.
فالسبيل هو أن نكون منطقيين وموضوعيين في دراسة السّيرة النّبوية، نجعل من الهوية التي عرّف محمد ﷺ على نفسه من خلالها محورا لدراسة حياته العامة كما قلنا.
حتى إذا أسلمتنا هذه الدّراسة إلى اليقين بأنه نبي مرسل من قبل الله ، أسلمتنا نبوّته بدورها إلى المخرج من الحيرة والوقوف على السّر بالنسبة لهذه الألغاز، إن النّبي الصادق في نبوته لا بدّ أن يكون مؤيدا من قبل الإله الذي أرسله، ولا بدّ أن يكون القرآن وحي هذا الإله إليه.
فالقانون المتكامل إذن تنزيله وشرعته وليس من تأليف أمّة أميّة حتى يقع العجب وتطبق الحيرة.
وهذا الإله يقول للمؤمنين في محكم تبيانه: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٣٩] ، ويقول: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ.
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [سورة القصص ٢٨/ ٥] ، ويقول: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة الأنفال ٨/ ٩- ١٠] .
فقد اتّضح المبهم، وظهر الحلّ، وانجابت الغاشية، وعاد الأمر طبيعيا إذ ينصر خالق القوى والقدر عباده المؤمنين به الملتزمين بمنهجه ويحقق لهم الفوز على من يشاء.
بل الحيرة كل الحيرة كانت تقع لو أن الله التزم النصر لرسوله والتأييد لعباده المؤمنين، ثم لم تقع معجزة ذلك النصر والتأييد.
стр. 25
سرّ اختيار الجزيرة العربيّة مهدا لنشأة الإسلام
ولا بدّ قبل أن ندخل في الحديث عن سيرته ﷺ ، وعن الجزيرة العربيّة التي نشأ فيها واختاره الله منها- من أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون بعثته ﵊ في هذه البقعة من العالم دون غيرها، وأن تكون نشأة الدعوة الإسلامية على يد العرب قبل غيرهم.
ولبيان هذا ينبغي أولا أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام، وأن نتصور البقعة الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها، وأن نتصور في مقابل ذلك ما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك؛ كالفرس والروم واليونان والهنود، من العادات والطباع والخصائص الحضارية.
ولنبدأ أولا بعرض موجز لما كانت عليه الأمم التي تعيش من حول الجزيرة العربيّة قبيل الإسلام.
كان يتصدر العالم إذ ذاك دولتان اثنتان، تتقاسمان العالم المتمدن هما: فارس والروم، ويأتي من ورائهما اليونان والهند.
أما فارس فقد كانت حقلا لوساوس دينية فلسفية متصارعة مختلفة، كان فيها الزرادشتية التي اعتنقها ذوو السلطة الحاكمون، وكان من فلسفتها تفضيل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته.
حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بابنته. هذا إلى جانب انحرافات خلقية مشينة مختلفة لا مجال لسردها هنا.
وكان فيها (المزدكية) التي قامت كما يقول الإمام الشهرستاني على فلسفة أخرى هي حلّ النساء وإباحة الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ، وقد حظيت هذه الدعوة باستجابة عظيمة لدى أصحاب الرعونات والأهواء وصادفت لديهم قبولا عظيما «٥» .
وأما الرومان، فقد كانت تسيطر عليها الروح الاستعمارية، وكانت منهمكة في خلاف ديني بينها من جهة وبين نصارى الشام ومصر من جهة أخرى، وكانت تعتمد على قوتها العسكرية وطموحها الاستعماري في مغامرة عجيبة من أجل تطويرها للمسيحية والتلاعب بها حسبما توحي به مطامعها وأهواؤها المستشرية.
ولم تكن هذه الدولة في الوقت نفسه أقل انحلالا من دولة الفرس، فقد كانت تسودها حياة التبذل والانحطاط والظلم الاقتصادي من جراء كثرة الإتاوات، ومضاعفة الضرائب.
стр. 26
أما اليونان فقد كانت غارقة في هوسات من خرافاتها وأساطيرها الكلامية التي منيت بها دون أن ترقى منها إلى ثمرة أو نتيجة مفيدة.
وأما الهند، فقد كانت كما قال عنها الأستاذ أبو الحسن الندوي: إنه قد اتفقت كلمة المؤلفين في تاريخها أن أحط أدوارها ديانة وخلقا واجتماعا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس عشر الميلادي، فقد ساهمت الهند مع جاراتها وشقيقاتها في التدهور الأخلاقي والاجتماعي «٦» .
هذا، وينبغي أن نعلم أن القدر المشترك الذي أوقع هذه الأمم المختلفة فيما وقعت فيه من انحلال واضطراب وشقاء، إنما هو الحضارة والمدنية اللتان تقومان على أساس من القيم المادية وحدها دون أن يكون ثمة مثل أعلى يقود هذه الحضارة والمدينة في سبيلهما المستقيم الصحيح. ذلك أن الحضارة بمختلف مقوماتها ومظاهرها ليست سوى وسيلة وسبب.. فإن عدم أهلها التفكير الصائب والمثل الأعلى الصحيح استحالت الحضارة في أيديهم إلى وسيلة للنزول بها إلى درك الشقاء والاضطراب، أما إن أوتي أهلها مقياسا من العقل الرشيد الذي قلما يأتي إلا بواسطة الدين والوحي الإلهي. فإن القيم الحضارية والمدنية كلها تصبح وسائل جميلة سهلة إلى السعادة التامة في مختلف أنواعها ومظاهرها.
أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة، بعيدة بل منعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها. فلم يكن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية ما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخلقي ووضعها في قوالب من الدين. ولم يكن لديهم من الطغيان العسكري الروماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلط على أي رقعة من حولهم، ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليوناني ما يصبحون به فريسة للأساطير والخرافات.
كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة (الخام) التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة محوّلة، فكانت تتراآى فيها الفطرة الإنسانية السليمة، والنزعة القوية إلى الاتجاهات الإنسانية الحميدة، كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعفة. إلا أنه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك. إذ كانوا يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم- بسبب ذلك- أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة، ويتلفوا الأموال الضرورية بدافع الكرم، ويثيروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة.
وهذه الحالة هي التي عبر الله عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [سورة البقرة ٢/ ١٩٨] ، وهي صفة- إذا ما نسبت إلى حال الأمم الأخرى إذ ذاك-
стр. 27
تدل على الاعتذار لهم أكثر من أن تدل على تسفيههم أو تعييرهم بها.
ذلك أن الأمم الأخرى كانت تستهدي لانحرافاتها العظيمة بمشاعل الحضارة والثقافة والمدنية.
فكانت تتقلب في حمأة الفساد عن تبصر وتخطيط وفكر.
ثم إن الجزيرة العربية تقع- بالنسبة لرقعتها الجغرافية- في نقطة الوسط بين هذه الأمم التي كانت تموج من حولها.
والناظر إليها اليوم يجد- كما يقول الأستاذ محمد المبارك- كيف أنها تقف في الوسط التام بين حضارتين جانحتين: إحداهما حضارة الغرب المادية التي قدمت عن الإنسان صورة بتراء لا تقع حتى على جانب جزئي من الحقيقة، وأخراهما الحضارة الروحية الخيالية في أقصى الشرق كتلك التي كانت تعيش في الهند والصين وما حولهما «٧» .
فإذا تصورنا حالة العرب في جزيرتهم قبل الإسلام وحالة الأمم المختلفة الأخرى المحيطة بهم، سهل علينا أن نستجلي الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تتشرف الجزيرة العربية دون غيرها بمولده وبعثته ﷺ ، وأن يكون العرب هم الطليعة الأولى التي تحمل إلى العالم مشعل الدعوة إلى الدين الإسلامي الذي تعبد الله به الجنس البشري كله من أقصى العالم إلى أقصاه.
وهي ليست، كما يظن البعض، أن أصحاب التدين الباطل والحضارات الزائفة يصعب فيهم العلاج والتوجيه لافتخارهم بما هم عليه من الفساد، لرؤيتهم إياه شيئا صالحا، أما الذين لا يزالون يعيشون في فترة البحث والتنقيب، لا ينكرون جهلهم ولا يدّعون ما لم يؤتوه من مدنية وعلم وحضارة، فهم أطوع للعلاج والتوجيه- نقول ليست هذه هي الحكمة، لأن مثل هذا التحليل يصدق بالنسبة لمن كانت قدرته محدودة وطاقته مخلوقة فهو يفرق بين ما هو سهل وصعب عليه، فيفضل الأول ويتهرب من الثاني طمعا في الراحة وكراهية للنصب.
ولو تعلقت إرادة الله تعالى بأن يجعل مشرق الدعوة الإسلامية من جهة ما في أرض فارس أو الروم أو الهند، لهيأ لنجاح الدعوة فيها من الوسائل ماهيأ لها في الجزيرة العربية، وكيف يعزّ ذلك عليه وهو خالق كل شيء ومبدع كل وسيلة وسبب.
ولكن الحكمة في هذا الاختيار، من نوع الحكمة التي اقتضت أن يكون الرسول أميّا لا يتلو من كتاب ولا يخطه بيمينه كما قال الله تعالى حتى لا يرتاب الناس في نبوته ﵊ وحتى لا تتكاثر لديهم أسباب الشك في صدق دعوته.
إن من تتمة هذه الحكمة الإلهية أن تكون البيئة التي بعث فيها ﵊ أيضا بيئة أميّة بالنسبة للأمم الأخرى التي من حولها، أي لم يتطرق إليها شيء من الحضارات المجاورة لها، ولم تتعقد مناهجها الفكرية بشيء من تلك الفلسفات التائهة من حولها.
стр. 28
ذلك أنه كما يخشى من دخول الريبة في صدور الناس إذا ما رأوا النّبي متعلّما مطّلعا على الكتب القديمة وتاريخ الأمم البائدة وحضارات الدول المجاورة- كذلك يخشى من دخول هذه الريبة في الصدور إذا ما ظهرت الدعوة الإسلامية بين أمة لها شأن في الحضارة والمدنية والفلسفة وتاريخ ذلك، كدولة الفرس أو اليونان أو الرومان، إذ ربّ مرتاب مبطل يزعم أنها سلسلة التجارب الحضارية والأفكار الفلسفية أبدعت أخيرا هذه الحضارة الفذة والتشريع المتكامل.
ولقد أوضح القرآن الكريم هذه الحكمة بصريح العبارة حينما قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة ٦٢/ ٢] .
فلقد اقتضت إرادة الله تعالى أن يكون رسوله أميّا، وأن يكون القوم الذين ظهر فيهم هذا الرسول أميّين أيضا في غالبيتهم العظمى، حتى تكون معجزة النّبوة والشريعة الإسلامية واضحة في الأذهان لا لبس بينها وبين الدعوات البشرية المختلفة. وهذا ينطوي- كما هو واضح- على رحمة عظيمة بالعباد.
وهنالك حكم أخرى لا تخفى على الباحث نجملها فيما يلي:
١- من المعلوم أن الله قد جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشعائر الدينية، وحقق في ذلك الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊. ومن لوازم هذا كله ومتمماته أن تكون هذه البقعة المباركة نفسها مهدا للدعوة الإسلامية التي هي ملة أبينا إبراهيم وأن تكون بعثة خاتم الأنبياء ومولده فيها، كيف لا وهو من نسل إبراهيم ﵊.
٢- البقعة الجغرافية للجزيرة العربية ترشحها للقيام بعبء مثل هذه الدعوة، بسبب أنها تقع- كما قلنا- في نقطة الوسط بين الأمم المختلفة التي من حولها.
وهذا مما يجعل إشعاعات الدعوة الإسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر، وإذا أعدت النظر إلى سير الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام وعصر الخلفاء الراشدين وجدت مصداق ذلك جليا واضحا.
٣- اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون اللغة العربية هي لغة الدعوة الإسلامية، وأن تكون هي الأداة المباشرة الأولى لترجمة كلام الله وإبلاغه إيانا.
ولعلنا لو أمعنا في خصائص اللغات وقارّنا بينها، لوجدنا أن اللغة العربية تمتاز بكثير من الخصائص التي يعزّ وجودها في اللغات الأخرى. فأجدر بها أن تكون لغة المسلمين الأولى في مختلف ربوعهم وبلادهم.
стр. 29
محمد ﷺ خاتم النّبيّين وعلاقة دعوته بالدّعوات السّماوية السّابقة
محمد ﵊ خاتم الأنبياء، فلا نبي بعده. وهذا مما أجمع عليه المسلمون وعرف من الدين بالضرورة، قال ﵊: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النّبيين» «٨» .
أما دعوته ﷺ وعلاقتها بدعوات الأنبياء السابقين، فقائمة على أساس التأكيد والتتميم، كما يدلّ عليه الحديث المذكور.
وبيان ذلك أن دعوة كل نبي تقوم على أساسين اثنين. الأول العقيدة والثاني التشريع والأخلاق. فأما العقيدة فلم يختلف مضمونها منذ بعثة آدم ﵇ إلى بعثة خاتم النّبيين محمد ﷺ . إنما هي الإيمان بوحدانية الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من الصفات، والإيمان باليوم الآخر والحساب والجنة والنار. فكان كل نبي يدعو قومه إلى الإيمان بهذه الأمور. وكان كل منهم يأتي مصدقا لدعوة من قبله ومبشرا ببعثة من سيأتي بعده. وهكذا فقد تلاحقت بعثتهم إلى مختلف الأقوام والأمم ليؤكّد الجميع حقيقة واحدة أمروا بتبليغها وحمل الناس على الإذعان لها، ألا وهي الدينونة لله وحده، وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله في كتابه الكريم:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى ٤٢/ ١٣] .
بل إنه لا يتصور أن تختلف دعوات الأنبياء الصادقين في شأن العقيدة، لأن أمور العقيدة من نوع الإخبار، والإخبار عن شيء لا يمكن أن يختلف ما بين مخبر وآخر إذا فرضنا الصدق في خبر كل منهما، فمن غير المعقول أن يبعث أحد الأنبياء ليبلّغ الناس أن الله ثالث ثلاثة، سبحانه عما يقولون، ثم يبعث من بعده نبي آخر ليبلّغهم بأن الله واحد لا شريك له ويكون كل منهما صادقا فيما بلّغ عن الله تعالى.
هذا عن العقيدة، أما التشريع وهو سنّ الأحكام التي يتوخى منها تنظيم حياة المجتمع والفرد، فقد كان يختلف في الكيف والكم ما بين بعثة نبي وآخر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،
стр. 30
وسبب ذلك أن التشريع من نوع الإنشاء لا الإخبار، فلا يرد فيه ما أوردناه على اختلاف العقيدة. ثم من المفروض أن يكون للتطور الزمني ولاختلاف الأمم والأقوام أثر في تطور التشريع واختلافه، بسبب أن أصل فكرة التشريع قائم على أساس ما تقتضيه مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم، هذا إلى أن بعثة كل من الأنبياء السابقين كانت خاصة بأمة معينة ولم تكن عامة للناس كلهم، فكانت الأحكام التشريعية محصورة في إطار ضيق حسبما تقتضيه حال تلك الأمة بخصوصها.
فقد بعث موسى ﵇ مثلا إلى بني إسرائيل وكان الشأن يقضي- بالنسبة لحال بني إسرائيل إذ ذاك- أن تكون شريعتهم شديدة قائمة في مجموعها على أساس العزائم لا الرّخص. ولما مرت الأزمنة وبعث فيهم سيدنا عيسى ﵇ كان يحمل إليهم شريعة أسهل وأيسر مما كان قد بعث به موسى من قبل، وانظر في هذا إلى قول الله تعالى على لسان عيسى ﵇ وهو يخاطب بني إسرائيل:
.. وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.. الآية [آل عمران ٣/ ٥٠] .
فقد بيّن لهم أنه فيما يتعلق بأمور العقيدة، مصدّق لما جاء في التوراة ومؤكّد له ومجدّد للدعوة إليه، أما بالنسبة للتشريع وأحكام الحلال والحرام، فقد كلف ببعض التغييرات وإيجاد بعض التسهيلات ونسخ بعض ما كانوا يعانونه من الشدة في الأحكام.
وبناء على هذا فإن بعثة كل رسول تتضمن عقيدة وتشريعا:
فأما العقيدة فعمله بالنسبة لها ليس سوى التأكيد للعقيدة ذاتها التي بعث بها الرسل السابقون دون أي اختلاف أو تغيير.
وأما التشريع، فإن شريعة كل رسول ناسخة للشريعة السابقة إلا ما أيّده التشريع المتأخر، أو سكت عنه، وذلك على مذهب من يقول: شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا لم يرد ما يخالفها.
ويتّضح أنه لا توجد أديان سماوية متعددة. وإنما توجد شرائع سماوية متعددة نسخ اللاحق منها السابق إلى أن استقرت الشريعة السماوية الأخيرة التي قضت حكمة الله أن يكون مبلّغها هو خاتم الأنبياء والرّسل أجمعين.
أما الدّين الحق فواحد، بعث الأنبياء كلهم للدعوة إليه وأمر الناس بالدينونة له منذ آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، ألا وهو الإسلام.
به بعث إبراهيم وإسماعيل ويعقوب. يقول الله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، قالَ
стр. 31
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سورة البقرة ٢/ ١٣٠- ١٣٢] .
وبه بعث موسى إلى بني إسرائيل. يقول الله تعالى عن سحرة فرعون: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ، وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [سورة الأعراف ٧/ ١٢٥- ١٢٦] .
وبه بعث عيسى ﵊. يقول الله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٥٢] .
قد يقال: فلماذا يحتفظ الذين يدّعون نسبتهم إلى موسى ﵊ بعقيدة خاصة تختلف عن عقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء كلهم؟ ولماذا يؤمن الذين يدّعون نسبتهم إلى عيسى ﵊ بعقيدة خاصة أخرى؟
والجواب على هذا ما قاله الله في كتابه الكريم: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٩] .
وما قاله أيضا في سورة الشورى عقب قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ... الآية: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [سورة الشورى ٤٢/ ١٤] .
فالأنبياء كلهم بعثوا بالإسلام الذي هو الدين عند الله. وأهل الكتاب يعلمون وحدة الدين ويعلمون أن الأنبياء إنما جاؤوا ليصدق كل واحد منهم الآخر فيما بعث به من الدين، وما كانوا ليتفرقوا إلى عقائد متباينة مختلفة ولكنهم اختلفوا وتفرقوا واختلقوا على أنبيائهم ما لم يقولوه، رغم ما جاءهم من العلم في ذلك، بغيا بينهم كما قال الله تعالى.
стр. 32
الجاهليّة وما كان فيها من بقايا الحنيفيّة
وهذه أيضا مقدمة هامة لا بد من دراستها قبل الخوض في أبحاث السيرة وما فيها من فقه وعظات، إذ هي تنطوي على حقيقة لا يزال خصوم هذا الدين يطمسون عليها ويزيفونها بأشكال من الوهم والأباطيل.
وخلاصة هذه الحقيقة أن الإسلام ليس إلا امتدادا للحنيفية السمحة التي بعث الله بها أبا الأنبياء إبراهيم ﵊، وقد صرح بذلك كتاب الله ﷻ في آيات كثيرة منها قوله: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا.. [الحج ٢٢/ ٧٨] . ومنها قوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران ٣/ ٩٥] .
وأنت خبير أن العرب هم أولاد إسماعيل ﵊، فكان أن توارثوا ملة أبيهم ومنهاجه الذي بعث به من توحيد الله وعبادته والوقوف عند حدوده وتقديس حرماته، وفي مقدمة ذلك تعظيم البيت الحرام وتقديسه واحترام شعائره والذود عنه والقيام بخدمته وسدانته.
فلما امتدت بهم القرون وطال عليهم الأمد، أخذوا يخلطون الحق الذي توارثوه بكثير من الباطل الذي تسلل إليهم، شأن سائر الأمم والشعوب عندما يغشاها الجهل ويبعد بها العهد ويندسّ بين صفوفها المشعوذون والمبطلون. فدخل فيهم الشرك واعتادوا عبادة الأصنام وتسللت إليهم التقاليد الباطلة والأخلاق الفاحشة، فابتعدوا بذلك عن ضياء التوحيد وعن منهج الحنيفية وعمت بينهم الجاهلية التي رانت عليهم أمدا من الدهر، ثم انقشعت عنهم ببعثة محمد ﵊.
وكان أول من أدخل فيهم الشرك وحملهم على عبادة الأصنام عمرو بن لحيّ بن قمعة جد خزاعة. روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن أبا صالح السمان حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن جون الخزاعي: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان
стр. 33
أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي» «٩» .
وروى ابن هشام كيفية إدخال عمرو بن لحيّ هذا، عبادة الأصنام في العرب، فقال:
«خرج عمرو بن لحي من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم (مآب) من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق- وهم ولد عملاق، ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح- رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له (هبل) فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه» «١٠» .
وهكذا انتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية وشاع في أهلها الشرك، فانسلخوا بذلك عما كانوا عليه من عقيدة التوحيد واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، وانتهوا إلى مثل ما انتهت إليه الأمم الأخرى من الضلالات والقبائح في المعتقدات والأفعال.
وكان من أهم ما دفعهم إلى ذلك كله الجهل والأمية والتأثر بمن كان حولهم من أشتات القبائل والأمم.
غير أنه بقيت فيهم بقية من الناس- وإن كانت تقل مع الزمن- ظلت متمسكة بعقيدة التوحيد، سائرة على نهج الحنيفية: تصدق بالبعث والنشور وتوقن بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي، وتكره هذا الذي استحدثه العرب من عبادة الأوثان وضلالات الرأي والفكر، ولقد اشتهر من هذه البقية كثيرون، كقس بن ساعدة الإيادي ورئاب الشنّيّ وبحيرا الراهب.
كما أنه بقيت في عاداتهم بقايا من عهد إبراهيم ومبادئ الدين الحنيف وشعائره- وإن كانت تتضاءل وتضعف مع الزمن- فكانت جاهليتهم تظلّ منصبغة، بقدر ما، بآثار من شعائر الحنيفية ومبادئها، وإن كانت هذه الشعائر والمبادئ لا تكاد تظهر في حياتهم إلا مشوّهة فاسدة. وذلك كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وكالوقوف بعرفة وهدي البدن، فأصل ذلك كله مشروع ومتوارث لديهم من عهد إبراهيم ﵊ ولكنهم كانوا يطبقونه على غير وجهه ويقحمون فيه الكثير مما ليس منه، وكإهلالهم بالحج والعمرة، فقد كانت كنانة وقريش يقولون
стр. 34
إذا أهلوا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك» فيوحدونه- كما قال ابن هشام- بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده.
والخلاصة أن نشأة التاريخ العربي إنما تمت في كنف الحنيفية السمحة التي بعث بها أبو الأنبياء إبراهيم ﵊ فكانت تغمر حياتهم عقيدة التوحيد ونور الهداية والإيمان، ثم أخذ العرب يبتعدون عن ذلك الحق رويدا رويدا، بعامل امتداد الزمن وتطاول القرون وبعد العهد وأخذت حياتهم تنغمر بدلا من ذلك بظلمات الشرك وضلالات الفكر وعماهة الجهل، مع استمرار بقايا من معالم الحق القديم ومبادئه تخبّ في سير بطيء مع تاريخهم، تذوي وتضعف مع الدهر ويقل أنصارها ما بين سنة وأخرى.
فلما استنارت شعلة الدين الحنيف من جديد، ببعثة خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، أقبل الوحي الإلهي إلى كل ما قد تكثف من ضلال وظلمات خلال تلك الحقبة الطويلة من الزمن فمحاه وأنار مكانه بقبس الإيمان والتوحيد ومبادئ العدالة والحق، وأقبل إلى تلك البقايا التي امتدت بها الحياة إلى مشرق النور الجديد، مما كان قد بعث به إبراهيم ﵊ وأقرته الشرائع الإلهية، فأقرها وأكدها وجدد الدعوة إليها.
*** ولا ريب أن من نافلة القول وفضوله أن نؤكد بأن هذا الذي نقرره شيء معروف بالبداهة لمن اطلع على التاريخ. وأنه شيء ثابت بالبداهة لمن درس شيئا من الإسلام، غير أننا نضطر في هذا العصر إلى أن نضيع كثيرا من الوقت في تأكيد البدهيات وتوضيح الواضحات. وذلك بعد أن رأينا بأعيننا كيف يخضع بعض الناس اعتقاداتهم لمجرد ما قد يكون في نفوسهم من الرغبة والإرادة.
أجل، فلقد عاشت هذه النوعية من الناس، ولم يعد يهمها أنها إنما تصفّد عقلها بأقسى أغلال العبودية والاسترقاق الفكري! ..
وما أعظم الفرق بين أن تكون إرادتك من وراء عقيدتك، وبين أن تكون عقيدتك من وراء إرادتك. ما أعظم الفرق بينهما علوا وإسفافا، وعزة وانحطاطا! ..
لقد وجد ناس يقولون- على الرغم من بداهة ما قلناه ووضوح براهينه-: إن العصر الجاهلي أخذ يستيقظ قبيل البعثة على السبيل الأمثل الذي يجب اتباعه، وأخذت الأفكار العربية تثور على مظاهر الشرك وعبادة الأصنام وما يحف بها ويتبعها من خرافات الجاهلية، ولقد تمثلت هذه اليقظة ببعثة محمد ﷺ ودعوته الجديدة.
ومعنى هذه الدعوة- كما لا يخفى عليك- أن التاريخ الجاهلي كان يزداد تفتحا على حقائق التوحيد ونور الهداية مع امتداد الزمن وتطاول الدهر، أي أنهم كلما ابتعدوا عن عهد إبراهيم
стр. 35
وقامت بينه وبينهم قرون أخرى، ازدادوا قربا إلى مبادئه ودعوته حتى بلغ هذا القرب مداه الأخير إبّان بعثة المصطفى ﵊! ..
أفهكذا يقرر التاريخ، أم إنه يقرر عكس ذلك تماما في أبسط ما تنطق به (ألف باؤه) الواضحة المفهومة؟!
كل باحث ومتأمل حرّ، يعلم أن العهد الذي بعث فيه محمد ﵊، إنما كان أبعد العهود الجاهلية عن هديه ﵊ بالنسبة لسائر العهود السابقة الأخرى، والأطلال التي كانت لدى العرب عند بعثته من معالم الحنيفية ومبادئها، والتي كانت تتمثل في لمع خاطفة من كراهية الأصنام والترفع عن عبادتها وفي النزوع إلى بعض الفضائل والقيم التي أقرها الإسلام، هذه الأطلال لا تبلغ معشار ما كان بارزا واضحا منها لديهم قبل بضعة قرون. وقد كان المتوقع إذن حسب تصور هؤلاء الناس لمعنى النبوة والبعثة، أن تكون بعثته ﵊ قبل الزمن الذي بعث فيه بعدة قرون وأجيال!! ..
*** وأما أناس آخرون، فقد طاب لهم أن يقرروا بأن محمدا ﷺ لمّا لم يستطع القضاء على معظم ما كان معروفا لدى العرب من الأعراف والتقاليد والطقوس والاعتقادات الغيبية، عمد فأسبغ على كل ذلك ثوب الديانة وأخرجه مخرج التكليفات الإلهية، وبتعبير آخر: إنما أتى محمد ﵊ ليضيف إلى جملة العقائد الغيبية عند العرب رقابة عليا قوامها شخصية إله قادر على ما يشاء، فعال لما يريد. فقد استمر العرب بعد الإسلام يؤمنون بالسحر وبالجن وبسائر العقائد المماثلة، كما أنهم ظلّوا على ما كانوا عليه من الطواف بالكعبة وتقديسها وأداء طقوس وشعائر معينة نحوها.
وإنما ينطلق هؤلاء في دعواهم هذه من فرضيتين اثنتين لا يريدون أن يتصوروا خطأهما بحال، الفرضية الأولى أن محمدا ﵊ ليس نبيا. الثانية أن ما كان لدى العرب من بقايا عهد إبراهيم التي تحدثنا عنها، إنما هو من مخترعاتهم وتقاليدهم التي ابتدعوها مع الزمن من عند أنفسهم، فليس احترام الكعبة وتقديسها أثرا من آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊ كما أمره بذلك ربه، وإنما هو شيء نسجته البيئة العربية فكان تقليدا من جملة التقاليد العربية المختلقة.
وفي سبيل المحافظة على هاتين الفرضيتين أن لا يصيبهما أي خدش أو وهن، يغمض أربابهما العين عن جميع الأدلة والوقائع التاريخية الجلية الكبرى التي تقف في طريقهما أو التي تردّهما وتكشف عن زيفهما وبطلانهما.
стр. 36
غير أن من المعلوم أن البحث عن الحقيقة لا يمكن أن يوصل الباحث إليها مادام أنه لا يخط السبيل نحوها إلا ضمن ما تسمح به الفرضية التي وضعها في ذهنه سلفا وقبل أي بحث. إن من المعلوم أن مثل هذا البحث إنما هو صورة من أوضح صور العبث المضحك.
ولذلك، فإننا لا نجد مناصا من أن نأخذ بعين الاعتبار كل دليل عقلي أو واقعة تاريخية لدى محاولة الوصول إلى أي حقيقة، مادمنا لا نقصد إلا الحقيقة الذاتية نفسها، وما دمنا لا نريد أن نكذب على أنفسنا وعلى الناس فنصطنع البحث الحر ابتغاء حمل الآخرين على فكرة معينة مهما كان شأنها ومهما كانت علاقتها بالحقيقة وواقع الأمر، لا لشيء إلا لمجرد التعصب لها.
فنحن لا يمكننا بحال أن نغمض الفكر عن دلائل نبوة محمد ﷺ المختلفة مثل ظاهرة الوحي ومعجزة القرآن وظاهرة التطابق بين دعوته ودعوة الأنبياء السابقين وجملة صفاته وأخلاقه، لمجرد أن تسلم لنا فرضية أن محمدا ﵊ ليس بنبيّ.
كما أنه لا يمكننا أن نغمض الفكر عن التاريخ الذي ينص على بناء إبراهيم للكعبة المشرفة بأمر ووحي من الله ﷻ وعن جملة ما تعاقب الأنبياء على الدعوة إليه من توحيد الله والإيمان به وبالمغيبات المتعلقة بيوم الحشر والجزاء وما يتبعه من جنة ونار، مما دلت عليه نصوص الكتب السماوية السابقة وصدقه التاريخ ووعته الدهور والأجيال، لمجرد أن تسلم لنا فرضية أن ما نسميه (بقايا عهد إبراهيم) في العهد الجاهلي لم يكن إلا تقاليد ابتدعها الفكر العربي وأن محمدا ﵊ إنما جاء ليطليها بطلاء الدين.
ومن الجدير أن تعلم أن الناس الذين يطيب لهم أن يزعموا هذا الزعم، لا يسوقون بين يدي زعمهم هذا ولا من خلفه أي برهان أو دليل مهما كان نوعه، إنما هو العرض المجرد لهذا التصور وبسطه في عبارات ممطوطة مكررة ليس إلا.
ولعلك تطلب مني مثالا على ذلك. إذن فدونك فاقرأ كتاب بنية الفكر الديني للمستشرق الإنكليزي المعروف (جيب) فستبصر حينئذ مدى ما تفعله العصبية العمياء بهؤلاء الناس، تلك العصبية العجيبة التي كثيرا ما تحمل صاحبها على أن يتجرد حتى من مقومات كرامته وأن يتباله أمام شوامخ الأدلة والحقائق الناصعة كي لا يلزم بالخضوع لها.
إن بنية الفكر الديني في الإسلام بنظر جيب إنما هي تلك العقائد والأفكار الغيبية عند العرب؛ (الإحيائية العربية) فقد تأمل محمد ﷺ فيها فغير ما أمكنه تغييره ثم عمد إلى الباقي مما لم يمكنه التخلص منه فكساه حلّة الدين والإسلام ثم لم ينس أن يدعمه بهيكل من الأفكار والمواقف الدينية الملائمة، وهنا واجهته المشكلة العظمى التي اعترضت سبيله، فهو يريد أن يبني هذه الحياة الدينية لا للعرب فقط بل لشعوب وأمم بأسرها، فكان أن أقام هذه الحياة ضمن منهج القرآن.
стр. 37
تلك هي خلاصة أفكاره في الكتاب. وتقرأ هذه الأفكار من أولها إلى آخرها فلا تجده يقدم إليك دليلا واحدا على شيء مما يقول. وتتأمل في هذا الذي يعرضه، فلا تشك في أن الرجل قد استودع قواه العقلية بعيدا عن المكان الذي جلس يكتب فيه، واستعاض عنها بأوهام وخيالات خصبة راح يستوحي منها كل ما يقرره ويحكم به.
ويبدو أنه حينما جلس يكتب مقدمة الترجمة العربية له، تصور كيف أن القراء سينبذون أفكاره هذه عن الإسلام باحتقار، فراح يعتذر! ..
راح يعتذر بأن قال: «إن الأفكار التي أسست عليها هذه الفصول ليست بنات دماغ هذا المؤلف، بل سبقني إليها ودلني عليها جماعة من المفكرين ومن أقطاب المسلمين، وقد يطول إحصاؤهم، فسأكتفي بذكر أحدهم بسبيل المثال، هو الشيخ الكبير شاه ولي الله الدهلوي» .
ثم نقل نصا للشاه ولي الله الدهلوي عزاه إلى ج ١ ص ١٢٢ من كتابه حجة الله البالغة، ويبدو أنه اطمأن إلى أن أحدا من القراء لن يجشم نفسه مشقة الرجوع إلى الكتاب والتأكد من النص الذي فيه، فحرف على لسان الرجل ما شاء له هواه. واقتنص منه ما رآه كفيلا بتحوير معناه وتنكيس مقصده، حتى حمله بذلك من الوزر ما لم يحمل وأنطقه بما هو منه بريء.
فأما النص كما انتزعه واقتنصه من أصله فهو ما يلي:
«إن النبي ﷺ بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى، فالأولى إنما كانت إلى بني إسماعيل.. وهذه البعثة تستوجب أن يكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر وسنن العبادات ووجوه الارتفاقات، إذ الشرع إنما هو إصلاح ما عندهم لا تكليفهم بما لا يعرفونه أصلا» «١١» .
وأما النص الكامل الثابت في كتاب حجة الله البالغة إلى جانب نفس العبارات التي اقتنصها ليحور معناها فهو ما يلي:
«واعلم أنه ﷺ بعث بالحنيفية الإسماعيلية، لإقامة عوجها وإزالة تحريفها وإشاعة نورها، وذلك قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ولما كان الأمر على ذلك، وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة وسنتها مقررة، إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة فلا معنى لتغييرها وتبديلها، بل الواجب تقريرها لأنه أطوع لنفوسهم وأثبت عند الاحتجاج عليهم، وكان بنو إسماعيل توارثوا منهاج أبيهم إسماعيل، فكانوا على تلك الشريعة إلى أن وجد عمرو بن لحيّ، فأدخل فيها أشياء برأيه الكاسد، فضل وأضل. وشرع عبادة الأوثان وسيّب السوائب وبحر البحائر، فهنالك بطل الدين واختلط الصحيح بالفاسد وغلب عليهم الجهل والشرك والكفر فبعث الله محمدا ﷺ مقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم، فنظر ﷺ في شريعتهم فما كان منها موافقا لمنهاج
стр. 38
إسماعيل ﵇ أو من شعائر الله أبقاه، وما كان منها تحريفا أو فسادا أو من شعائر الشرك أو الكفر أبطله وسجل على إبطاله» .
ولا ريب أننا لا نسوق عمل مثل هذا (الباحث) وتحريفه، للنظر والمناقشة فمن العبث مناقشة لغو مفضوح مثل هذا اللغو، ولكننا نقصد أن يعلم القارئ مدى ما تفعله العصبية العمياء بصاحبها. كما نريد أن يقف على حقيقته ما يتمشدق به بعض الناس من منهجية البحث وموضوعيته لدى علماء الغرب ثم مدى ما يفعله التقليد الذليل الأعمى ببعض المسلمين أنفسهم!
*** إذن فقد أدركت حقيقة العلاقة بين الإسلام والفكر الجاهلي الذي كان سائدا لدى العرب قبل ظهوره، كما أدركت العلاقة بين العصر الجاهلي والملة الحنيفية التي كان قد بعث بها إبراهيم ﵊.
وقد تجلى لك من ذلك، السبب الذي من أجله أقر رسول الله ﷺ كثيرا من العادات والمبادئ التي كانت سائدة عند العرب، في حين أنه ألغى سائرها وذهب في حربها والقضاء عليها كل مذهب.
وبذلك نكون قد انتهينا من عرض هذه المقدمات التي لا بدّ منها بين يدي دراستنا لجوهر السيرة النبوية واستنباط فقهها وعظاتها.
وستجد خلال أبحاثنا القادمة مزيدا من البراهين التي تؤكد ما أوضحناه وتزيد في تجليته والكشف عن حقيقته.
стр. 39
القسم الثّاني من الميلاد إلى البعثة
نسبه ﷺ وولادته ورضاعته
أما نسبه ﷺ ، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويدعى شيبة الحمد، ابن هاشم بن عبد مناف واسمه المغيرة، ابن قصيّ ويسمى زيدا، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
فهذا القدر المتفق عليه من نسبه الشريف ﷺ ، أما ما فوق ذلك فمختلف فيه، لا يعتمد عليه في شيء. غير أن مما لا خلاف فيه أن عدنان من ولد إسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله عليهما الصلاة والسلام، وأن الله قد اختاره من أزكى القبائل وأفضل البطون وأطهر الأصلاب، فما تسلل شيء من أدران الجاهلية إلى شيء من نسبه.
روى مسلم بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بني هاشم» .
وأما ولادته ﷺ فقد كانت في عام الفيل، أي العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم غزو مكة وهدم الكعبة فرده الله عن ذلك بالآية الباهرة التي وصفها القرآن. وكانت على الأرجح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
وقد ولد يتيما، فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين فحسب فعني به جده عبد المطلب واسترضع له- على عادة العرب إذ ذاك- امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب.
وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جفّ فيها الضرع ويبس الزرع، فما هو إلا أن صار محمد ﷺ في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرّة فكانت أغنامها تروح منها عائدة إلى الدار شباعا ممتلئة الضرع.
стр. 40
وقد حصلت أثناء وجوده ﷺ في بادية بني سعد (حادثة شق الصدر) التي رواها مسلم «١» ، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تمّ له من العمر خمس سنوات.
ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمّه آمنة، وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تمّ للنبي ﷺ ثماني سنوات، فكفله عمه أبو طالب.
العبر والعظات:
يؤخذ من هذا المقطع من سيرته ﷺ مبادئ وعظات هامة نجملها فيما يلي:
١- فيما أوضحناه من نسبه الشريف ﷺ ، دلالة واضحة على أن الله ميز العرب على سائر الناس، وفضل قريشا على سائر القبائل الأخرى. تجد هذه الدلالة واضحة في الحديث الذي رويناه عن مسلم، وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى. فمن ذلك ما رواه الترمذي أنه ﷺ قام على المنبر فقال: «من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله عليك السلام، فقال:
أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» «٢» .
واعلم أن مقتضى محبة رسول الله ﷺ ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها، لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة. ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية، قد شرف كل منها- ولا ريب- بانتساب رسول الله ﷺ إليها.
ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين، عن صراط الله ، وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها الله لعباده، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسبة بينه وبين الرسول ﷺ ويلغيها من الاعتبار.
٢- ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول الله ﷺ يتيما، ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضا، فينشأ النشأة الأولى من حياته بعيدا عن تربية الأب ورعايته محروما من عاطفة الأم وحنوها.
لقد اختار الله لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة، لعلّ من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمدا ﷺ إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي