فكان أول رسول بعثه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على عينيه ونزل من سريره، فجلس على الأرض تواضعا ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته» «٢٦» .
وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم، فدفع دحية بكتاب رسول الله ﷺ إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقرأه وكان فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين «٢٧» ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» «٢٨» .
قال ابن سعد في طبقاته: «فقال هرقل بعد أن قرأ الكتاب لجمع من عظمائه وحاشيته:
يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى بن مريم، قالت الروم: وما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبي العربي. قالوا فحاصوا حيصة حمر الوحش، وتناجزوا ورفعوا الصليب. فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخاف على نفسه وملكه، فسكّتهم ثم قال: إنما قلت لكم ما قلت لأختبركم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحب. فسجدوا له.
وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، وأرسل معه إليه كتابا، قال: فدفعت إليه الكتاب، فقرئ عليه، ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: مزق الله ملكه. وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك برجلين جلدين إلى هذا الرجل فليأتياني به، فبعث إليه برجلين جلدين، وكتب إليه معهما كتابا، فقدما المدينة ودفعا كتاب باذان إلى النبي ﷺ ، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد. فجاءاه من الغد فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها» - قال ابن سعد- وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع «وأن الله ﵎ سلط عليه ابنه شيرويه
стр. 247
فقتله» ، فرجعا إلى باذان بذلك، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن» «٢٩» .
وبعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى من قبل الروم شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه رباطا وقتله، قالوا ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره «٣٠» .
وبعث ﷺ برسل وكتب أخرى كثيرة إلى كثير من الأمراء العرب المتفرقين في مختلف المناطق، فأسلم منهم الكثير، وعاند البعض منهم.
وفي هذه الفترة أيضا تلاحقت الوفود تفد على رسول الله ﷺ من مختلف الجهات تعلن إسلامها وتدخل في دين الله تعالى. وممن أسلم في هذه الفترة من كبار العرب وقادتهم: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص» .
روى ابن إسحاق، عن عمرو بن العاص، قال: «خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ ، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو مقبل من مكة. فقلت: أين تريد يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله لأسلم، فحتى متى؟! قلت له: وما جئت إلا لأسلم، فقدمنا جميعا، فتقدم خالد فأسلم وبايع، ثم دنوت فبايعته» .
العبر والعظات:
معالم المرحلة الجديدة: حديث هذه السرايا التي بعثها رسول الله ﷺ منتشرة في القبائل، والكتب التي أرسلها إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم، جزء من المظاهر التي تميز هذه المرحلة من الدعوة في حياته ﵊، عن المرحلة التي قبلها.
لقد كانت المرحلة التي تسير فيها الدعوة من بدء الهجرة إلى صلح الحديبية، مرحلة دفاعية كما قلنا، إلى جانب القيام بمهام الدعوة السلمية. فلم يحدث خلال تلك المرحلة أن بدأ النبي ﷺ هجوما أو شن غزوة على فئة ما من الناس، ولم يحدث أن أرسل سرية إلى قبيلة ما ليدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا قاتلوهم عليه.
فلما أبرم صلح الحديبية بين المشركين من قريش والمسلمين في المدينة، واطمأنت أفئدة المسلمين واستراحوا من متاعب قريش ومناوشاتهم، تفرغ النبي ﷺ للدخول في مرحلة جديدة
стр. 248
لابدّ منها في حكم الشريعة الإسلامية التي بعث لتبليغها وتطبيقها، ألا وهي مرحلة قتال أولئك الذين بلغتهم الدعوة فوعوها وفهموها، ولكنهم استكبروا عن الإيمان بها والإذعان لها حقدا وعدوانا.
إنها المرحلة التي بها أنجز رسول الله ﷺ دعوة ربه، وهي المرحلة التي أصبحت- بعمله وقوله- حكما شرعيا باتفاق المسلمين في كل عصر إلى يوم القيامة، وهي المرحلة التي يحاول محترفو الغزو الفكري أن يطمسوا عليها ويغيبوها عن أعين المسلمين، بزعم أن كل ما يتعلق بالجهاد في الشريعة الإسلامية إنما هو قائم على أساس الحرب الدفاعية وردّ العدوان، وها هي ذي هيأة الأمم قامت لتتولى الدفاع وردّ العدوان عن المستضعفين، فلا حاجة إلى استبقاء مبدأ الحرب الدفاعية أيضا.
وليس سرا خافيا أن الأمر الذي يدعوهم إلى هذا الكيد والتضليل في البحث، إنما هو الخوف الشديد لدى الدول الأجنبية- غربيها وشرقيها على السواء- من أن يعود فيستيقظ في نفوس المسلمين معنى الجهاد في سبيل الله، ثم يتصل هذا المعنى بجذوة الإيمان في قلوبهم! .. فلئن تمّ هذا، فسيتم عندئذ لا محالة انهيار الحضارة الغربية مهما تطاول بنيانها.
ولقد نضجت عقلية الرجل الأوروبي لمعانقة الإسلام بمجرد أن يسمع دعوة خالصة إليه، فكيف بالدعوة الخالصة تتلوها تضحية وجهاد؟! ..
حكمة مشروعية هذه المرحلة:
ولعلك تسأل الآن، فما هي الحكمة من أن يساق المشرك أو الملحد إلى الإسلام سوقا؟
وكيف يمكن أن تفهم عقلية القرن العشرين مثل هذه الشرعة؟! ..
والجواب أنا نتساءل: فما الحكمة من أن يحمل الفرد الواحد من الدولة حملا على الخضوع لنظامها وفلسفتها، رغم ما يملكه من الحرية الحقيقية وما يتمتع به من حقيقة المساواة مع غيره من عامة أفراد الدولة حكاما ورعايا؟! ..
إن الإنسان إنما خلق فوق هذه الأرض ليقيم عليها دولة الله تعالى وحكمه فتلك هي حكمة وجوده وهي المعنى المقصود بالخلافة في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[البقرة ٢/ ٣٠] . وفلسفة هذه الدولة قائمة على حقيقة العبودية لله تعالى وحده، ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية هي لله وحده، لأنه وحده مالك الإنسان ومالك كل شيء لأنه هو وحده قيوم السموات والأرض.
فكيف يعقل أن يكون لدولة يقوم عليها عبيد مملوكون لله، حق إلزام رعاياهم بالخضوع لما يرونه لهم من النظم والمبادئ والأحكام، ثم لا يكون لخالق هؤلاء كلهم الحق في أن يلزمهم بالخضوع
стр. 249
لسلطانه والتحول عن كل عقيدة ودين إلى دينه؟! .. وإذا كان الإنسان هو خليفة الله تعالى في تطبيق أوامره وأحكامه في الأرض، فهل يكون الإلزام بالخضوع لسلطانه وحكمه إلا بواسطة الإنسان إذ يدخل في دينه ويبايع الله تعالى على بذل النفس والمال في سبيل إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي اللذين إنما خلق الإنسان لإقامتهما.
وليس من المهم بعد أن تفهم هذا، أن يكون في القرن العشرين عقول لا تريد أن تستسيغ هذا أو تفهمه، لأن من الطبيعي أن تكون ثمة عقول من هذا النوع، ما دام أن هناك أمشاجا وأخلاطا من الناس يحترفون مهمة الغزو الفكري بغية حقن الشعور الإسلامي في العالم بالحقن المتوالية المخدرة والمنومة. وهم ليسوا مشفقين على الحرية الإنسانية بمقدار ما يتربصون بها.
وليت شعري أي قيمة توجد للحرية عند أولئك الذين يظلون يكذبون على أنفسهم وعلى شعوبهم، إذ يصورون لهم الإسلام بالصور الكاذبة المنفرة، ويصورون لهم المسلمين همجا من الناس لا يزالون يعيشون في البوادي مع الإبل والأنعام، كي يصدوا بذلك تطلعاتهم الفكرية إلى فهم الإسلام ويحبسوا دوافع البحث عندهم ضمن خيوط عنكبوتية حقيرة. حتى لا يطلعوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا به، فتدول بذلك دولة البغي على الإنسان في أتعس أشكاله القذرة.
على أنه ينبغي أن لا يفوتك أن الدعوة السلمية بالحكمة والمناقشة والموعظة الحسنة في كل مجال ومكان، أمر لا بد منه إلى أمد طويل قبل ذلك وحينما ينفذ المسلمون أمر هذه الدعوة على حقيقتها ستزداد يقينا بأن الإسلام دين الفطرة وأن الناس- من أي قوم كانوا- سيجدون في هذا الدين ضالتهم المنشودة. ولن يستمر على التخلف عنه إلا الحاقدون، وذلك أكبر دليل على عدوان مبيت في نفوسهم على الإسلام ودعاته.
كما ينبغي أن لا يفوتك أن أمر هذا الإلزام الذي ذكرناه، إنما هو خاص بالملحدين والمشركين والوثنيين ومن لف لفهم. أما أهل الكتاب فلا يلزمون- كما تعلم- إلا بالخضوع لنظام المجتمع الإسلامي، اعتمادا على أن إيمانهم بالله تعالى مع احتكاكهم بالمسلمين ومعايشتهم له سينبههم إلى جادة الصواب ويحملهم على تقويم العقيدة.
ثم إن في قصة الكتب التي أرسلها ﷺ إلى الملوك والرؤساء دلالات وأحكاما كثيرة نجملها فيما يلي:
أولا: أن الدعوة التي بعث بها رسول الله ﷺ ، إنما بعث بها إلى الناس كافة، لا إلى قوم بأعيانهم، وأن رسالته إنما هي إنسانية شاملة ليس لها طابع عنصرية أو قومية أو جماعة معينة، ولذلك اتجه ﷺ بدعوته يبلغها إلى كل حكام الأرض وملوكها، روي عن أنس ﵁:
стр. 250
«أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى» .
ثانيا: يدلك موقف هرقل مع أتباعه الذين كانوا يزعمون أنهم كانوا على دين عيسى ﵊، على مدى التكبر على الحق والتعنت في الباطل عند كثير من أهل الكتاب، وهم الذين تحول الدين في تصورهم إلى تقاليد وعصبية، فلا ينظرون إليه من حيث إنه حق أو باطل بمقدار ما يتمسكون به من حيث إنه جزء من تقاليدهم ومظهر لعصبيتهم وشخصيتهم وليكن بعد ذلك إذا شاء حقا أو باطلا. ولقد بدى موقف هرقل بادئ الأمر في مظهر المتدبر المقدر لحقائق الأمور، ولكن يبدو أنه كان يسوس بذلك رعيته وحاشيته ويجس نبضهم، ليطمئن إلى ما ينبغي أن يفعله حفظا على ملكه وسلطانه حيال هذا الأمر.
ثالثا: دلّ عمل رسول الله ﷺ هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم، وكان خاتمه ﷺ من فضة، كما دلّ على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان ﷺ يضع خاتمه فيها، وهي أصبع الخنصر.
رابعا: ويدل أيضا عمله ﷺ على أنه ينبغي على المسلمين أن يهيئوا للدعوة الإسلامية في كل أرجاء الأرض وسائلها وأسبابها. ومن أهم أسباب ذلك، المعرفة بلغة الأمم والأقوام الذين يقومون بدعوتهم إلى الإسلام، وتعريفهم بمبادئه وأحكامه. فقد رأينا أنه ﷺ بعث ستة رجال من أصحابه في يوم واحد ليتفرقوا إلى الملوك الذين أرسلهم النبي ﷺ إليهم وكان كل واحد منهم يتقن لغة القوم الذين بعثه إليهم.
خامسا: يدل عمله ﷺ هذا، مع ملاحظة التوقيت الذي جاء فيه على أن على المسلمين أن يقوموا أولا بمسؤولية الدعوة فيما بينهم، وأن يصلحوا من أنفسهم، حتى إذا قطعوا من ذلك شوطا كبيرا وفرغوا من تطبيق نظام الإسلام على حياتهم وسلوكهم، آن لهم حينئذ أن يقوموا بهذا الواجب الثاني. وقد كان النبي ﷺ قادرا أن يرسل عددا من أصحابه إلى هؤلاء الرؤساء والملوك قبل هذا التاريخ بكثير، غير أن ذلك ينطوي على الإخلال بهذا الواجب الذي ذكرناه. وينبغي أن نعلم أن إصلاح المسلمين أنفسهم هو نفسه جزء عظيم من دعوة غيرهم إلى الإسلام، فالناس كانوا ولا يزالون يبحثون عن المثل الصالح في السلوك والخلق، ليقتفوا أثره ويتبعوه. ولو أن المسلمين اليوم كانوا معتزين بإسلامهم مطبقين مبادئه وأحكامه لرأيت ذلك الشعاع الهادي متوغلا بضيائه في مجاهل إفريقيا وأقاصي أوروبا.
هذا وقد كان زمن إرسال هذه الرسائل والكتب، خلال العام السابع للهجرة، كما ذكرنا، أي قبل الفتح، وذلك هو الحين الذي أجمع عليه عامة علماء السيرة. ولا يخلّ بذلك ما دلّ عليه
стр. 251
صنيع الإمام البخاري في صحيحه، فقد أورد خبر كتبه ﷺ بعد غزوة تبوك، وذلك يدل على أنه إنما كان في العام التاسع.
قال ابن حجر: «إن الجمع بين القولين أنه ﷺ ، كاتب قيصر مرتين وهذه الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإمام أحمد، وكاتب النجاشي الذي أسلم، وصلى عليه لما مات، ثم كاتب النجاشي الذي ولّي بعده، وكان كافرا» .
عمرة القضاء
ثم إن الرسول ﷺ خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة، وهو الشهر الذي صدّه فيه المشركون عن دخولها، فاعتمر عمرة القضاء. وذكر ابن سعد في طبقاته: «أن المعتمرين بها معه ﵊ كانوا ألفين، وهم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم، ولم يتخلف عنها من أهل الحديبية إلا من مات أو استشهد بخيبر» «٣١» .
قال ابن إسحاق: «وتحدثت قريش بينها بأن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة. قال:
فصفّ له المشركون عند دار الندوة، لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة. ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى هرول كذلك ثلاثة أطواف. ومشى سائرها.
قال: فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم (أي ليست سنة عامة) وذلك أن الرسول إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها» «٣٢» .
وتزوج ﷺ إذ ذاك بميمونة بنت الحارث. فقيل أنه تزوجها وهو محرم (عقد نكاحه عليها فقط) وقيل بل عقد عليها بعد التحلل وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب زوج أختها أم الفضل «٣٣» .
ولما مضى من دخوله ﵊ مكة ثلاثة أيام (وهي المدة التي قاضى قريشا على الإقامة بها) أتوا عليّا ﵁ فقالوا: «قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ » «٣٤» .
стр. 252
وبنى ﵊ بميمونة في طريقه إلى المدينة في مكان اسمه (سرف) قرب التنعيم.
ثم انصرف إلى المدينة في ذي الحجة.
العبر والعظات:
هذه العمرة تعتبر تصديقا إلهيا لما وعد به ﵊ أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت. وقد رأيت كيف سأل عمر رسول الله ﷺ أثناء صلح الحديبية: «أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال:
لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به» .
فهذا هو مصداق وعد رسول الله ﷺ . وقد نبه الله عباده إلى هذا التصديق في قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح ٤٨/ ٢٧] .
ثم إن هذه العمرة انطوت على معنى تمهيدي للفتح الكبير الذي جاء من بعده. فقد كان لمرأى ذلك العدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول الله ﷺ في طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم، في حماس ونشاط غير مأمولين منهم فيما كان يتصوره المشركون، كان لذلك أثر بعيد في نفوسهم، فقد داخلتها الرهبة منهم إذ فوجئوا بعكس ما كانوا يتصورون فيهم من الضعف والخمول بسبب ما قد يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به من حّمى يثرب وسوء مناخها. روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن المشركين لما رأوا رمل المسلمين حول الكعبة وفي المسعى قالوا بعضهم لبعضهم:
«هؤلاء الذين زعمتم أن الحّمى قد وهنتهم؟! .. هؤلاء أجلد من كذا وكذا» «٣٥» .
لا جرم أن كان لهذه العمرة إذن- بالشكل الذي تمت به- أثر بالغ في نفوس المشركين مهّد لفتح مكة فتحا سلميا كما سترى فيما بعد.
ثم إننا نأخذ من عمرة القضاء ما يلي:
أولا: استحباب الاضطباع والهرولة في طواف الأشواط الثلاثة الأولى، اتباعا لرسول الله ﷺ في ذلك. وإنما يستحب ذلك في طواف يعقبه سعي لأن الطواف الذي رمل فيه النبي ﵊ كان كذلك. والاضطباع هو جعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر. ويسن أن يفعل ذلك أيضا بين الميلين عند السعي بين الصفا والمروة للاتباع.
غير أن شيئا من ذلك لا يستحب للمرأة.
стр. 253
ثانيا: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز عقد النكاح حالة الإحرام بحج أو عمرة، اعتمادا على الرواية التي نقلت أنه ﷺ ، عقد على ميمونة أثناء إحرامه.
والذي عليه جماهير الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحا لا لنفسه ولا وكالة عن غيره مطلقا «٣٦» . وذهبت الحنفية إلى أنه لا يحرم للمحرم أن يتولى عقد النكاح مطلقا ذلك لأنهم يفسرون (النكاح) في قوله ﷺ : «إن المحرم لا ينكح ولا ينكح» «٣٧» بالجماع.
هذا وقد اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرات وحجّ حجة واحدة روى مسلم بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة في حجته «٣٨» .
غزوة مؤتة
وقد كانت في شهر جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. ومؤتة قرية على مشارف الشام، وهي التي تسمى اليوم: الكرك.
وسببها ما ذكرناه من مقتل الحارث بن عمير الأزدي، رسول رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره. فندب الناس للخروج إلى الشام، وسرعان ما اجتمع من المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل قد تهيؤوا للخروج إلى مؤتة.
ولم يخرج النبي ﷺ معهم، وبذلك تعلم أنها في الحقيقة ليست بغزوة وإنما هي سرية، ولكنّ عامة علماء السيرة أطلقوا عليها اسم الغزوة لكثرة عدد المسلمين فيها ولما كان لها من أهمية بالغة.
وقال لهم رسول الله ﷺ : «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم «٣٩» .
وأوصاهم ﷺ أن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم» .
قال ابن إسحاق: «ودّع رسول الله ﷺ وأصحابه المسلمين وأمراءهم عند خروجهم من المدينة، وفي تلك الأثناء بكى عبد الله بن رواحة، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله تعالى يذكر فيها
стр. 254
النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.
وناداهم المسلمون وهم يسيرون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مرّوا على جدثي ... أرشده الله من غاز، وقد رشدا
ولما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم: جمع هرقل لهم أكثر من مئة ألف مقاتل من الروم، وجمع شرحبيل بن عمرو مئة ألف مقاتل آخر من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء.
وسمع المسلمون بذلك فأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا. فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال لهم: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور أو شهادة.
والتقى المسلمون بأعدائهم قبيل الكرك، وقد اجتمع منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والعتاد، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه حتى قتل ﵁ طعنا بالرماح. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فأبلى بلاء عظيما، حتى إذا ألحمه القتال نزل عن فرسه فعقرها ثم انطلق يشتد في قتال القوم وهو يرتجز:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يقاتل حتى قتل ﵁، ضربه رجل من الروم فقدّه نصفين، فوجد في جسمه خمسون طعنة، ليس منها شيء في ظهره «٤٠» ! .. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وانطلق يرتجز قائلا:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه ... لتنزلن أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ... ما لي أراك تكرهين الجنّة
стр. 255
قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنّة
ولم يزل يقاتل حتى قتل ﵁. ثم اتفق الناس على إمرة خالد بن الوليد فأخذ اللواء، وقاتل المشركين حتى انهزموا، فانحاز بجيشه حينئذ عائدا إلى المدينة» .
روى البخاري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم» .
وهذا الحديث يدل كما ترى، على أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيرا، وليس كما قال بعض رواة السيرة أن المسلمين انهزموا وتفرقوا، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة. ولعل مقصود الذين قالوا هذا، أن المسلمين لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم، واكتفوا بانكشافهم عن مواقعهم، خوفا على المسلمين، وانقلبوا عائدين إلى المدينة، ولا شك أنه تدبير حكيم من خالد بن الوليد ﵁.
قال ابن حجر: وقع في المغازي لموسى بن عقبة- وهي أصح المغازي- قوله: «ثم أخذه (يعني اللواء) عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو وأظهر المسلمين» . قال العماد بن كثير: «ويمكن الجمع بأن خالدا حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير هيأة العسكر فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، ليتوهم العدو أن مددا قد جاء المسلمين. فحمل عليهم خالد فولّوا فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى «٤١» .
ولما دنوا من المدينة، تلقاهم رسول الله ﷺ ، ولقيهم الصبيان يسرعون، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر!. فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه.. وجعل الناس يصيحون بالجيش: يا فرار، فررتم في سبيل الله.. فيقول رسول الله ﷺ : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» .
العبر والعظات:
أهم ما يثير الدهشة، في هذه الغزوة، تلك النسبة الكبيرة من الفرق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم والمشركين العرب! .. لقد رأيت أن عدد المشركين ومن معهم من الروم قد بلغ ما يقرب مئتي ألف مقاتل! .. وذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد وعامة كتاب السيرة «٤٢» على حين أن عدد المسلمين لم يتجاوز ثلاثة آلاف. ومعنى ذلك أن عدد المشركين والروم
стр. 256
قد بلغوا ما لا يقل عن خمسين ضعفا لعدد المسلمين! ..
وهي نسبة إذا ما تصورتها، تجعل رقعة الجيش الإسلامي، أمام حشود الروم والمشركين، أشبه ما تكون بساقية ماء صغيرة بالنسبة إلى بحر خضم مائج، هذا إلى ما كان قد جهز به جيش الأعداء من العدة والذخيرة والسلاح ومظاهر الأبهة والبذخ، على حين أن المسلمين كانوا يعانون من ذلك القلة والفقر! ..
ومكان الدهشة في الأمر، أن تجد المسلمين بعد هذا كله- وهم سرية ليس فيها رسول الله ﷺ مقبلين غير مدبرين، لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة أمامهم وزنا، مع أنها- فيما يبدو ويظهر- لو التفّت من حولهم وطوقتهم من جهاتهم، لانقلبوا إلى ما يشبه نواة صغيرة في جوف قطعة أرض سوداء! ..
ثم إن مكان الدهشة بعد ذلك، أن يصمد المسلمون لقتال هذا اليمّ المتلاطم. يقتل أميرهم الأول، ثم الثاني، فالثالث، وهم يقتحمون أبواب الشهادة في نشوة بالغة وإقبال عجيب، حتى يدخل الرعب الإلهي في أفئدة كثير من المشركين، دون أن يكون له سبب ظاهر، فينكشفون عن مواقعهم ويدبر منهم الكثير، وتقتل منهم خلائق لا تكاد تحصى! ..
ولكن الدهشة كلها تزول، والعجب ينتهي، إذا تذكرنا ما يفعله الإيمان بالله، والاعتماد عليه، واليقين بوعده.
بل إن المدهش بالنسبة للمسلمين- إذا كانوا مسلمين- أن لا يكونوا كذلك والعجيب فيهم حقا، أن يكونوا مسلمين ثم يكون لأرقام العدد والعدّة حساب مع ذلك في أفكارهم، إلى جانب ما وعد الله به من نصر وتأييد، أو جنة ونعيم خالدين! .. فالمسلمون- كما قال عبد الله بن رواحة ﵁ لا يقاتلون بعدد ولا قوة، ولا كثرة، وإنما يقاتلون بهذا الدين الذي أكرمهم الله به.
ثم إن هذه الغزوة، تنطوي، على عظات ودلالات باهرة كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أولا: دلت توصية النبي ﷺ ، على أنه يجوز للخليفة أو رئيس المسلمين أن يعلق إمارة أحد الناس بشرط وأن يولّي المسلمين عدة أمراء بالترتيب، كما فعل النبي ﷺ في تولية زيد ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة، قال العلماء: «والصحيح أنه إذا أمر الخليفة بذلك فإن ولاية الكل تنعقد، بوقت واحد، في الحال، ولكنها لا تنفذ إلا مرتبة» «٤٣» .
ثانيا: دلت توصية الرسول ﷺ أيضا، على مشروعية اجتهاد المسلمين في اختيار أميرهم، إذا غاب أميرهم، أو وكل إليهم الخليفة اختيار من يرون. وقال الطحاوي: «هذا أصل يؤخذ منه
стр. 257
أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر» . كما دلت هذه التوصية على مشروعية اجتهاد المسلمين في حياة النبي ﷺ .
ثالثا: لقد رأيت أن النبي ﷺ نعى لأصحابه زيدا وجعفر وابن رواحة وعيناه تذرفان وبين رسول الله ﷺ وبينهم مسافات شاسعة بعيدة! ..
وهذا يدل على أن الله تعالى قد زوى لرسوله الأرض، فأصبح يرى من شأن المسلمين الذين يقاتلون على مشارف الشام، ما حدث أصحابه به، وهي من جملة الخوارق الكثيرة التي أكرم الله بها حبيبه ﷺ .
كما يدل هذا الحديث نفسه على مدى شفقته على أصحابه، فلم يكن شيئا قليلا أن يبكي رسول الله ﷺ وهو واقف في أصحابه يحدثهم عن خبر هؤلاء الشهداء. وأنت خبير أن بكاءه ﷺ عليهم، لا يتنافى مع الرضى بقضاء الله تعالى وقدره فإن العين لتدمع والقلب ليحزن- كما قال ﵊ وتلك رقة طبيعية ورحمة فطر الله الإنسان عليهما.
رابعا: وحديث نعيه ﷺ لهؤلاء الشهداء الثلاثة، يسجل فضلا خاصا لخالد بن الوليد ﵁، فقد قال لهم في آخر حديثه: «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح عليهم» . وتلك أول وقعة يحضرها خالد ﵁ في صف المسلمين، إذ لم يكن قد مضى على إسلامه إلا مدة يسيرة. ومن هنا تعلم أن الرسول ﷺ ، هو الذي سجل لقب سيف الله، لخالد ﵁.
ولقد أبلى ﵁، في هذه الغزوة بلاء رائعا، روى البخاري عنه ﵁ قال:
«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية» . قال ابن حجر: وهذا الحديث يدل على أن المسلمين قد قتلوا من المشركين كثيرا.
هذا، وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: «يا فرّار، فررتم في سبيل الله» ، فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم، وتركوا الأرض التي قاتلوا فيها كما هي ولم يكن ذلك شأنهم في الغزوات الأخرى، واكتفى خالد بذلك فكرّ عائدا إلى المدينة. ولكنه كما رأيت كان تدبيرا حكيما من خالد بن الوليد ﵁ حفظا للمسلمين وهيبتهم التي انطبعت في أفئدة الروم، ولذلك ردّ النبي ﷺ عليهم قائلا: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار، إن شاء الله» .
فتح مكة
وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
وسببها أن أناسا من بني بكر، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح. (وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين) ، فأجابوهم إلى ذلك، وخرج حشد من
стр. 258
قريش متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص، فالتقوا مع بني بكر في مكان اسمه الوتير، وبيتوا خزاعة ليلا وهم مطمئنون آمنون، فقتلوا منهم عشرين رجلا. وعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بما أصابهم، فقام وهو يجر رداءه قائلا:
«لا نصرت إن لم أنصر بني كعب، مما أنصر منه نفسي» وقال: «إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب» «٤٤» .
وندمت قريش على ما بدر منها، فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ ليجدد الهدنة ويماددها. وقدم أبو سفيان على رسول الله ﷺ فكلمه فلم يردّ عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ ، فقال: «ما أنا بفاعل» .
ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: «أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به (والذر صغار النمل) » .
وانطلق أبو سفيان عائدا إلى مكة خائبا، لم يأت بشيء!.
وتجهز رسول الله ﷺ ، وقد أخفى أمره، وقال: «اللهم خذ على أبصار فريش فلا يروني إلا بغتة» «٤٥» .
ولما أجمع النبي ﷺ المسير، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين. قال علي ﵁: «فبعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير، والمقداد. فقال:
انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة (امرأة) معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت:
ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرءا ملصقا في قريش- أي كنت حليفا لهم ولست منهم- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : إنه قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال:
стр. 259
إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.
فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ... الآيات إلى قوله تعالى: فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٤٦» .
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة كلثوم بن حسين، وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، وأرسل ﷺ إلى من حوله من العرب: أسلم وغفار ومزينة، وجهينة وغيرهم، فالتقى كلهم في الظهران- مكان بين مكة والمدينة- وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف.
ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشا بعد، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرا بسبب فشل أبي سفيان فيما جاء به إلى المدينة، فأرسلوا أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى دنوا إلى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة، فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران، إذ رآهم أناس من حرس رسول الله ﷺ فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان» «٤٧» .
قال ابن إسحاق يروي عن العباس تفصيل إيمان أبي سفيان: «فلما أصبح، غدوت به إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! .. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. وقال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله، فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فقال له العباس: ويحك! .. أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم.
قال العباس: فقلت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال:
نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
فلما أراد رسول الله ﷺ المسير مقبلا إلى مكة، قال للعباس: احبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال: فخرجت فحبسته عند مضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، ومرت القبائل عليها راياتها، كلما مرت قبيلة، قال: يا عباس من
стр. 260
هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ .. وهكذا، حتى مرّ به رسول الله ﷺ في كتيبة فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار! .. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! .. فقال: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذن» «٤٨» .
ثم قال له العباس: «النجاة إلى قومك! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
فأقبلت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه وهي تقول: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبّح من طليعة قوم! .. فقال: ويلكم لا تغرنكم هذه من نفوسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد» «٤٩» .
وبلغ رسول الله ﷺ أن سعد بن عبادة قال لأبي سفيان عندما رآه في مضيق الوادي:
«اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فلم يرض ﵊ بقوله هذا، وقال:
بل اليوم يوم الرحمة، اليوم يعظم الله الكعبة. وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم» «٥٠» إلا ستة رجال وأربعة نسوة، أمر بقتلهم حيثما وجدوا، وهم: عكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نقيد، وعبد الله بن هلال، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وفرتنى وقرينة (وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبي ﷺ «٥١» .
ودخل النبي ﷺ مكة من أعلاها (كداء) وأمر خالد بن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها: (كدى) . فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم، ولم يجد أحد منهم مقاومة، إلا خالد بن الوليد، فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية،
стр. 261
فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش، وأربعة نفر من هذيل. ورأى رسول الله ﷺ بارقة السيوف من بعيد، فأنكر ذلك، فقيل له: إنه خالد قوتل فقاتل، فقال:
«قضاء الله خير» «٥٢» .
روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر والحاكم عن أنس، أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا (متعمما) بشقة برد حبرة، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
وروى البخاري عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، يرجّع، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجع.
ودخل ﷺ مكة متجها إلى البيت، وحوله ثلاث مئة وستون صنما، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» «٥٣» . وكان في جوف البيت أيضا آلهة، فأبى أن يدخل وفيه الآلهة، وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام. فقال النبي ﷺ : «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط. ثم دخل البيت فكبّر في نواحي البيت وخرج ولم يصل فيه» «٥٤» .
وكان قد أمر ﷺ عثمان بن طلحة (وهو من حجبة البيت) أن يأتيه بالمفتاح، فجاءه به، ففتح البيت، ثم دخل النبي ﷺ البيت، ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح، وقال له: خذوها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم (أي حجابة البيت) ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم. يشير بقوله هذا إلى قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «٥٥» [النساء ٤/ ٥٨] .
وأمر رسول الله بلالا فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة. وأقبل الناس كلهم يدخلون في دين الله أفواجا. قال ابن إسحاق: وأمسك النبي ﷺ بعضادتي باب الكعبة وقد اجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم، فخطب فيهم قائلا:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا
стр. 262
كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٥٦» .
وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه ﷺ قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها أناس، لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» .
ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ ﷺ من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة ﵂، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله ﷺ : تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال، وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن. قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلّا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدا لما تقول: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال ﵊: وإنك لهند بنت عتبة؟ فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت:
وهل تزني الحرة!. قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر من قولها حتى استغرب. قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
قال: ولا تعصينني في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر: بايعهن واستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر. وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلّها الله له» «٥٧» .
وروى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام، بهذه الآية: لا يشركن بالله شيئا، قالت: وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة
стр. 263
يملكها» . وروى مسلم عن عائشة بنحوه «٥٨» .
«وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، يوم الفتح، رجلا من المشركين، وكان علي ﵁ يريد قتله، قالت: فجئت إلى النبي ﷺ فوجدته يغتسل، وفاطمة بنته تستره بثوب، قالت: فسلّمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب. فقال:
مرحبا بأم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف.
فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلا أجرته، فلان: ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» «٥٩» .
وأما أولئك النفر الذين كان رسول الله قد هدر دمهم، فقد قتل بعضهم وأسلم الآخرون:
قتل الحويرث وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة، وقتلت إحدى الجاريتين المغنيتين وأسلمت الأخرى. وشفع في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وحسن إسلامه، وأسلم عكرمة، وهبار، وهند بنت عتبة.
روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي «٦٠» أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ : «أفضالة؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال:
واذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك النبي ﷺ ثم قال: استغفر الله. ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه» .
ومرّ فضالة عائدا إلى بيته بامرأة كان يميل إليها ويتحدث معها، فقالت له: هلمّ إلى الحديث، فانبعث يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت: لا ... يأبى عليّ الله والإسلام
لو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
وأقام النبي ﷺ ، فيما رواه البخاري عن ابن عباس، تسعة عشر يوما يقصر فيها الصلاة:
يصلي ركعتين.
العبر والعظات:
الآن، وقد رأيت أحداث الفتح العظيم الذي أكرم الله به نبيه محمدا ﷺ وأصحابه،
стр. 264
تستطيع أن تبصر قيمة الدعوة السابقة وأحداثها وأن تبصر أسرارها وحكمها الإلهية مجسدة أمام عينيك.
الآن، وقد اطلعت على قصة فتح مكة، تستطيع أن تدرك قيمة الهجرة منها قبل ذلك.
تستطيع أن تدرك قيمة التضحية بالأرض والوطن والمال والأهل والعشيرة في سبيل الإسلام. فلن يضيع شيء من ذلك كله إن بقي الإسلام.. ولكن ذلك كله لن يغني عن صاحبه شيئا إن لم يكن قد بقي له الإسلام.
الآن، وقد تأملت أحداث هذا الفتح الأكبر، تستطيع أن تدرك تماما قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي تمت من قبله، إن شيئا من ذلك لم يذهب بددا، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرا، ولم يتحمل المسلمون كل ما لا قوه، مما قد رأيت في غزواتهم وأسفارهم، لأن رياح المصادمات فاجأتهم بها. ولكن كل ذلك كان جاريا وفق حساب.. وكل ذلك كان يؤدي أقساطا من ثمن الفتح والنصر.. وتلك هي سنة الله في عباده؛ لا نصر بدون إسلام صحيح، ولا إسلام بدون عبودية له، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله.
والآن، وقد رأيت خبر هذا الفتح، تستطيع أن تدرك القيمة الكبرى لصلح الحديبية، وأن تستشف من وراء ظاهرها الذي أدهش عمر وكثيرا من الصحابة، السر الإلهي الرائع، وأن تقف باطمئنان تام على المعنى الذي من أجله أطلق الله على ذلك الصلح اسم الفتح: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً وإذا أدركت هذا، أدركت مزيدا من حقائق النبوة التي كانت تقود حياة النبي ﷺ .
أتذكر يوم خرج النبي ﷺ من وطنه، مكة، مستخفيا في بطون الشعاب والأودية، مهاجرا إلى يثرب، وقد سبقه من قبله ولحقه من بعده أصحابه القلة المستضعفون يتسللون مهاجرين، وقد تركوا المال والأهل والأرض من أجل أن يبقى لهم الدين؟ ..
هاهم أولاء وقد رجعوا إلى الوطن والأهل والمال، وقد كثروا بعد قلة، وتقووا بعد ضعف، واستقبلهم أولئك الذين أخرجوهم بالأمس خاشعين أذلاء خاضعين..
ودخل أهل مكة في دين الله أفواجا، وأقبل بلال الحبشي وهو الذي طالما عذب في رمضاء مكة على أيدي المشركين، فصعد على الكعبة المشرفة ينادي بأعلى صوته:
الله أكبر.. الله أكبر.
ذلك الصوت الذي كان يهمس يوما ما تحت أسواط العذاب: أحد، أحد، أحد، ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله والكل خاشع منصت خاضع! ..
стр. 265
ألا إنها لحقيقة واحدة لا ثانية لها: هي الإسلام، فما أحمق الإنسان وما أجهله، حينما يكافح أو يناضل أو يجاهد في غير سبيل الإسلام، إنما يكافح حينئذ عن وهم لا حقيقة له ولا طائل.
*** وبعد، فإن أحداث هذا الفتح العظيم تنطوي على دلالات وأحكام كثيرة مختلفة، يجب تبصرها والوقوف عليها. وسنذكر ما تيسر ذكره من ذلك حسب ترتيب الأحداث نفسها.
أولا- ما يتعلق بالهدنة ونقضها:
١- يدلنا سبب فتح مكة، على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره، صاروا حربا لهم بذلك. ولم يبق بينهم وبين المسلمين من عهد. وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين.
٢- تدلنا الطريقة التي قصد بها رسول الله ﷺ مكة، على أنه يجوز لإمام المسلمين ورئيسهم أن يفاجئ العدو بالإغارة والحرب لدى خيانته العهد ونبذه له، ولا يجب عليه أن يعلمهم بذلك.
فقد رأيت أن النبي ﷺ لما أجمع الخروج إلى مكة دعا قائلا: «اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة» ، وهذا ما اتفق عليه عامة العلماء.
أما إذا لم تقع الخيانة، وإنما خيف منهم ذلك، بسبب علائم ودلائل قوية، فلا يجوز حينئذ للإمام أن ينبذ عهدهم ويفاجئهم بالحرب والقتال، بل لابد من إعلامهم جميعا بذلك أولا، بدليل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [الأنفال ٨/ ٥٨] أي أعلمهم كلهم عن نبذك لعهدهم.
٣- وفي عمله ﷺ أيضا دليل على أن مباشرة البعض لنقض العهد، بمثابة مباشرة الجميع لذلك، ما لم يبد الآخرون استنكارا حقيقيا له. فالنبي ﷺ اكتفى بسكوت عامة قريش وإقرارهم لما بدر من بعضهم من الإغارة على حلفاء المسلمين، دليلا على أنهم قد دخلوا بذلك معهم في خيانة العهد. وهذا لأنه لما دخلت عامة قريش في أمر الهدنة تبعا لكبارهم وممثليهم، اقتضى الأمر أن يخرج أيضا هؤلاء العامة عن الهدنة، تبعا لما قام به كبارهم وزعماؤهم وممثلوهم.
وقد قتل رسول الله ﷺ جميع مقاتلة بني قريظة دون أن يسأل كلّا منهم هل نقض العهد أم لا؟، وكذلك فعل ببني النضير فقد أجلاهم كلهم بسبب خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، وإنما كان الذين باشروا الخيانة بضعة أشخاص منهم فقط.
ثانيا- حاطب بن أبي بلتعة وما يتعلق بعمله:
١- إننا نجد أنفسنا أمام مظهر جديد آخر لنبوته ﷺ ، وما كان يؤيّد به من الوحي من قبل ربه ﷻ . لقد قال لبعض أصحابه: «اذهبوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة
стр. 266
معها كتاب فخذوه منها» ، فمن الذي أخبره بأمر هذا الكتاب وأطلعه على ما دار بين الظعينة وحاطب بن أبي بلتعة في شأنه؟ إنه الوحي.. وإذن فهي النبوة، وهي التأييد من الله تعالى لنبيه حتى يتم المخطط الإلهي للفتح العظيم الذي أكرم الله به نبيه والمسلمين.
٢- هل يجوز تعذيب المتهم بمختلف الوسائل، حملا له على الاعتراف؟ لقد استدل بعضهم بما قاله علي ﵁ لتلك المرأة: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، استدلوا بذلك على أنه يجوز للإمام أو نائبه أن يسلك من الوسائل ما يراه كفيلا بكشف الجريمة وإظهارها. كما استدلوا على ذلك بما روي من أن اليهود غيبوا أموالا في غزوة خيبر لحييّ بن أخطب فقال رسول الله ﷺ لعمه: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ (المسك وعاء من جلد) فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال لهم: قد رأيت حيي يطوف بخربة هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة» .
وبعض الباحثين اليوم، يسندون مثل هذا الرأي إلى الإمام مالك ﵁.
والحق الذي عليه كل الأئمة الأربعة وجمهور الباحثين والعلماء، أنه لا يجوز تعذيب المتهم الذي لم تثبت عليه الجريمة ببينة شرعية كافية، حملا له على الإقرار، فالمتهم بريء ما لم تثبت جريمته.
وخبر الظعينة التي أرسلها حاطب إلى مكة، وتهديد علي ﵁ لها، ليس من هذا في شيء، وذلك للسببين التاليين:
أولا: ليست تلك المرأة مجرد متهمة بما ووجهت به، بل هي حقيقة ثابتة، دلّ عليها خبر أصدق الناس محمد ﵊، وهو أقوى في دلالته من بينة الاعتراف والإقرار، فكيف يقاس عليها من حامت حوله التهم لمجرد ظنون وشكوك من أناس غير معصومين؟ وما يقال عن هذه المرأة، يقال أيضا عن عم حيي بن أخطب.
ثانيا: ليس إلقاء الثياب للتفتيش عن الكتاب، كأمر التعذيب أو الحبس، فالفرق بينهما كبير واضح، وإذا ثبت أن الكتاب معها لا محالة، ولم يكن من سبيل إلى الوصول إليه إلا بالتنقيب في ثيابها، فذلك أمر مشروع ولا ريب، بل هو واجب استلزمه أمر رسول الله ﷺ .
وأما تعذيب الزبير لعم حيي بن أخطب، فهو أولا: قائم كما قلنا على الحقيقة لا التهمة، ثم هو ثانيا متعلق بأمر الجهاد والحرابة بين المسلمين وغيرهم، فكيف يقاس عليه تعامل المسلمين بعضهم مع بعض؟!.
وأما زعم أن هذا مذهب ذهب إليه مالك ﵁ في فقهه، فهو زعم باطل مخالف لما هو معروف واضح من مذهبه.
стр. 267
جاء في المدوّنة وهو من رواية سحنون عن مالك ﵁ قوله:
«قلت أرأيت إذا أقر بشيء من الحدود بعد التهديد أو القيد أو الوعيد أو الضرب أو السجن، أيقام عليه الحد أم لا؟ قال: قال مالك: من أقر بعد التهديد أقيل، فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يقال» ثم قال: «قلت فإن ضرب وهدد فأقرّ فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق، أيقيم عليه الحدّ فيما أقر به أم لا وقد أخرج ذلك؟ قال: لا أقيم عليه الحد إلا أن يقرّ بذلك آمنا لا يخاف شيئا» «٦١» .
٣- دلنا حديث رسول الله ﷺ لحاطب وجوابه له، ثم القرآن الذي نزل بسببه، على أنه لا يجوز للمسلمين- في أي ظروف كانوا- أن يتخذوا من أعداء الله تعالى أولياء لهم يلقون إليهم بالمودة، أو أن يمدوا نحوهم يد الإخاء والتعاون، وذلك رغم ما كان قد اعتذر به حاطب من أنه لصيق بقريش ليس له فيها شيعة تدافع عنه أو يحتمي بها، فهو يريد أن يتخذ عندهم يدا يحتمي بها، عندما يحتمي غيره بما له بينهم من قرابة وأهل.
إن الآيات القرآنية نزلت صريحة تأمر المسلمين أن يجعلوا ولاءهم لله وحده، وأن يقيموا علاقاتهم مع الناس، أيّا كانوا، على أساس ما يقتضيه ولاؤهم لهذا الدين الحنيف والإخلاص له وإلا كيف يتصور أن يضحي المسلمون بأموالهم وأنفسهم وشهواتهم وأهوائهم في سبيل الله تعالى؟!.
وتلك هي مشكلة كثير ممن يعدون أنفسهم مسلمين في هذا العصر.
يقبلون إلى المساجد للصلاة، ويتمتمون بالكثير من الأذكار والأوراد، وتظل مسابحهم تطقطق حباتها في أيديهم، ولكنهم يقيمون علاقاتهم مع الناس على أساس الولاء للأهل والعشيرة، أو مصلحة المال والدنيا، أو وحي الشهوات والأغراض. ولا يهمّهم أن يبيعوا بذلك الحق بالباطل أو أن يجعلوا من دين الله غلافا للأماني الدنيوية الحقيرة! ..
أولئك هم المنافقون الذين بسببهم يعاني المسلمون من صنوف التأخر والتفرق والضعف، وتلك هي الواجهة التي تقام في كل مرة في وجه المؤامرات المختلفة التي تحاك ضدّ إسلام المسلمين ودينهم! ..
ثالثا- أمر أبي سفيان وموقف رسول الله ﷺ منه:
والعجيب في أمر أبي سفيان يوم الفتح، أن يكون هو أول وطليعة المحذرين لقومه من قتال رسول الله ﷺ ، وأن يكون في مقدمة الداخلين في دين الله أفواجا يومئذ، وهو الذي لم تخرج غزوة من مكة لحرب رسول الله ﷺ ، إلا بإشرافه وتوجيهه وتهييجه! ..
ولعل الحكمة الإلهية شاءت أن تفتح مكة بدون قتال يذكر، وأن يدين أهلها
стр. 268
لرسول الله ﷺ وهم الذين أخرجوه وآذوه وقاتلوه- بدون أيّ جهد أو مغامرة من المسلمين، فتهيأت أسباب إسلام أبي سفيان قبل غيره، وذلك في اللقاء الذي تمّ بينه وبين رسول الله ﷺ ، عند (مرّ الظهران) ، كي يعود إلى قومه في مكة، فينتزع من رؤوسهم فكرة الحرب والقتال، ويهيئ جو مكة لسلم يكون مآله دفن حياة الجاهلية والشرك وبزوغ شمس التوحيد والإسلام.
ولقد كان من مظاهر التمهيد لهذا الأمر ما أمر به الرسول ﷺ من إعلان: أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وذلك بعد أن أعلن إسلامه، إلى جانب ما في ذلك من تألف قلبه على الإسلام وتثبيته عليه. وأنت خبير أن الإسلام إنما هو الاستسلام لأركانه العملية والاعتقادية، ولا بد للمسلم بعد ذلك من رسوخ الإيمان في قلبه، وإنما يكون ذلك بمداومته على التمسك بمبادئ الإسلام وأركانه، ومن أهم ما يحفزه على المداومة والاستمرار، تألّف المسلمين لقلبه بمختلف الوسائل والأسباب المشروعة، ريثما تستقر جذور الإيمان في قلبه ويغدو إسلامه قويا صلدا لا تهزه أو تزعزعه الأعاصير.
لقد غابت هذه الحكمة من أذهان بعض الصحابة من الأنصار، حينما سمعوا رسول الله ﷺ يقول: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فظنوا أنه ﷺ شعر بالميل والعاطفة نحو بلدته وجماعته، فهو من أجل ذلك قال هذا الكلام، وأظهر وجه المسالمة والصفح! ..
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ لما قال هذه الكلمة، قال الأنصار بعضهم لبعض:
«أما الرجل فقد أدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي، قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم! .. فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله» .
وهذا الذي قلناه من الفرق بين الإسلام والإيمان، هو الذي يكشف لك ما قد تستشعره من الإشكال في الشكل الذي تمّ عليه إسلام أبي سفيان ﵁. فقد رأيت أنه أجاب رسول الله ﷺ ، حينما قال له: «ألم يأن لك أن تعلم أنني رسول الله؟ بقوله: أمّا هذه والله، فلا يزال في النفس منها شيء! .. فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك!. وحينئذ شهد شهادة الحق» .
والإشكال في هذا أنه قد يقال: فما هي قيمة إسلام لم يأت إلا بالتهديد، إذ قد كان من قبل
стр. 269
بلحظة واحدة يقول، إن في نفسه من نبوة رسول الله شيئا؟! ..
ولكن الإشكال يزول بما قد علمت، من أن المطلوب في الدنيا من المشرك أو الكافر ليس هو استقرار الإيمان كاملا في فؤاده، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين الله تعالى فيخضع لتوحيد الله تعالى ويذعن لنبوة رسوله وكل ما جاء به من عند الله ﵎. أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له.
ولذلك يقول الله تعالى في كتابه الكريم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات ٤٩/ ١٤] .
ولذلك أيضا لا يجوز للمسلم أثناء القتال أن يحمل إسلام أحد من الكفار في أثناء المعركة على الخوف من السلاح أو الرغبة في الغنيمة، أو التظاهر بما لا يوقن به، مهما كانت القرائن دالة على ذلك، لأن المطلوب ليس الاستيلاء على ما في الضمائر والقلوب ولكن المطلوب إصلاح ما هو مكشوف وظاهر. وفي ذلك يقول الله تعالى تعليقا على ما بدر من بعض الصحابة في إحدى السرايا التي أرسلها رسول الله ﷺ إذ قتل شخصا أعلن إسلامه ظنا منه أنه إنما أعلن ذلك مخافة السلاح:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا؟ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء ٤/ ٩٤] .
وانظر كيف ذكرهم بحالهم يوم أن دخلوا الإسلام جديدا، فقد كان كثير منهم إذ ذاك مثل هذا الذي لا يثقون بإسلامه اليوم، ثم منّ الله عليهم فحسن إسلامهم وتصفّى مع الاستمرار في ممارسة أحكامه، من الدّخل والشوائب.
ولقد كان من حكمة رسول الله ﷺ بعد أن أعلن أبو سفيان إسلامه، أن أمر العباس أن يقف به عند مضيق الوادي، الذي ستمر فيه جنود الله تعالى، حتى يبصر بعينه كيف أصبحت قوة الإسلام، وإلام انقلبت حال أولئك الذين هاجروا من مكة قلة مشتتين مستضعفين! .. وحتى تكون هذه العبرة البالغة أول مثبت لدينه ومؤكد لعقيدته.
وأخذ أبو سفيان يتأمل الكتائب التي تمر، واحدة إثر أخرى، وهو في دهشة وذهول مما يرى! .. والتفت يقول للعباس، وهو لا يزال تحت تأثير بقايا من الفكر الجاهلي وأوهامه:
«لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!» .
فأيقظه العباس من بقايا غفلته السابقة قائلا: «يا أبا سفيان إنها النبوة» .
أيّ ملك هذا الذي تقول؟ .. لقد ألقى الملك والمال والجاة تحت قدميه يوم أن عرضتم كل
стр. 270
ذلك عليه في مكة، وهو يعاني من تعذيبكم وإيذائكم له، وهل ألجأتموه إلى الهجرة من بلده إلا لأنه رفض أن يستبدل الملك الذي عرضتموه عليه بالنبوة التي كان يدعوكم إلى الإيمان بها؟
إنها النبوة! ..
تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس، حتى تصبح الردّ الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي ﷺ إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة، أو إحياء قومية أو عصبية وهي كلمة جاءت عنوانا لحياة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، فقد كانت ساعات عمره ومراحله كلها دليلا ناطقا على أنه إنما بعث لتبليغ رسالة الله إلى الناس، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض.
رابعا- تأملات في كيفية دخوله ﷺ إلى مكة:
١- لقد رأينا فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن المغفل أنه ﷺ كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح، يرجّع في تلاوته لها، والترجيع كيفية معينة في القراءة يترنم بها القارئ.
وهذا يدل- كما نرى- أنه ﷺ كان مستغرقا في حالة شهود مع الله تعالى أثناء دخوله مكة، فما كانت لنشوة الظفر والنصر العظيم إلى نفسه من سبيل ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره، إنما هو الانسجام التام مع شهود الله تعالى والشكر على نصره وتأييده.
ويزيد في تصوير هذا المعنى ما رواه ابن إسحاق من أنه ﷺ لما وصل إلى ذي طوى كان يضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
وهذا يعني أنه ﷺ كان مندمجا في حالة من العبودية التامة لله تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه، ونظر إلى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه، وكيف أن الله أعاده إلى البلدة التي أخرجته عزيزا منصورا مكرما! .. إنها الساعة التي ينبغي أن تمتلئ بشكر الله تعالى وحده، وينبغي أن يفيض الزمن كله فيها بمعنى العبودية التامة لله تعالى.
وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائما، عبودية مطلقة لله في السراء والضراء، في الرخاء والشدة، عند الضعف والقوة. وليس من شأن المسلمين إطلاقا، أن يتظاهروا بالذل لله تعالى كلما حاقت بهم مصيبة أو كرب، حتى إذا انكشف الكرب وزال الضر، أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شيء، ومرّوا من جنب أوامر الله تعالى وأحكامه ساهين لاهين، كأن لم يدعوه ويتذللوا له في كشف ضر مسّهم! ..
٢- يدلنا أيضا هذا الذي رواه البخاري، على مشروعية الترنم والتغني بقراءة القرآن، وهو المعنى الذي عبر عنه عبد الله بن المغفل بالترجيع. وهو الحق الذي عليه عامة العلماء من الشافعية
стр. 271
والحنفية وكثير من المالكية وغيرهم.
ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روي عن كثير من الصحابة أو التابعين مما يدل على النهي عن التطريب والتغني في تلاوة القرآن، على التطريب الذي يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف والكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة، إذ إن مثل هذه التلاوة غير جائزة باتفاق.
٣- لقد كان من التدبير الحكيم لرسول الله ﷺ ، ما أمر به أصحابه من أن يتفرقوا في مداخل مكة، فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد، وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون إلى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم في جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة ومغرياتها.
وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك، حقنا للدماء ما أمكن، وحفظا لمعنى السلامة والأمن في البلد الحرام، ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن.
خامسا- ما اختص به الحرم المكي من الأحكام:
١- حرمة القتال فيه:
لقد رأينا أن النبي ﷺ نهى أصحابه عن قتال أحد، إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال، وإلا ستة أنفار أمر رسول الله ﷺ بقتلهم أينما وجدوا.
ولقد رأينا أنه ﷺ أنكر على خالد بن الوليد قتاله لبعض أهل مكة حينما رأى بارقة السيوف على بعد، فقيل له أنه قوتل فقاتل فقال: قضاء الله خير، ولم يقع فيما عدا ذلك قتال ما في مكة.
كما رأينا أنه ﷺ قال فيما خطب به الناس يوم الفتح: «إن مكة حرّمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص في قتال فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» .
وقد أخذ عامة العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال في مكة وما يتبعها من الحرم، وهو صريح أمر النبي ﷺ في خطبة يوم الفتح.
ولكنهم بحثوا بعد هذا، في كيفية تطبيق هذا الأمر، وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التي تأمر بقتال المشركين والبغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص.
فقالوا: «أما المشركون والملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم، فقد ثبت شرعا أنه لا يجوز تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الاستيطان بمكة» وذلك باتفاق الأئمة، بل ومن
стр. 272
مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين، وذلك لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة ٩/ ٢٨] . وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها والدخول فيها، هذا إلى أن الله قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أي كافر أو مشرك فيه، وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين يتجلى في صدق الوعد الذي جاء في كتابه وعلى لسان نبيه.
وأما البغاة- وهم الذين يعلنون البغي على الإمام الصالح- فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها. قال النووي: «وهذا الذي نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نصّ عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث» .
قال الشافعي: «ويجاب عما يقتضيه ظاهر الأحاديث من منع القتال مطلقا (أي حتى للبغاة) بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعمم كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك. وأما إذا تحصن الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل» .
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيّق عليهم في كل الوجوه حتى يضطروا إلى الخروج من الحرم أو الرجوع إلى الطاعة «٦٢» .
وأما إقامة الحدود، فقد ذهب مالك والشافعي إلى أن الحدود تقام في الحرم المكي لما رواه البخاري من أن النبي ﷺ قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة» «٦٣» .
وذهب أبو حنيفة- وهو رواية عن أحمد- إلى أنه آمن مادام في الحرم، ولكن يضيّق عليه ويضطر إلى الخروج منه، حتى إذا خرج استوفي منه الحد أو القصاص، ودليل هؤلاء عموم ما قاله رسول الله ﷺ في يوم الفتح.
قال الزركشي: «فوجه الخصوصية إذن للحرم المكي، أن الكفار أو البغاة لو تحصنوا بغير مكة من البلدان الأخرى جاز نصب حرب عامة شاملة عليهم على أي وجه وبأي شكل تقتضيه المصلحة، ولكنهم لو تحصنوا بها لم يجز قتالهم على ذلك الوجه «٦٤» . قلت: هذا إلى جانب أن الله تعالى قد تعهد بأن يكون هذا الحرم موئلا ومثابة للمسلمين وحدهم، وإذا كان الواقع كذلك ففيم يقوم سبب القتال فيه إذن اللهم إلا لإقامة الحدود وردّ البغي وقد عرفت حكم كل منهما.
стр. 273
٢- تحريم صيده:
وهذا ثابت بالإجماع لقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده» . فإذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. فإن أصاب صيدا فيه وجب عليه إرساله، وإن تلف في يده ضمنه بالجزاء كالمحرم. ويستثنى من عموم حيوانات الحرم خمسة أصناف استثناها ﷺ من عموم المنع وسماها الفواسق وهي: الغراب، الحدأة، العقرب، الفأرة، الكلب العقور، وقد قاس العلماء عليها ما يشاركها في صفة الإيذاء من الحيوانات الأخرى كالحية والسباع الضارية.
٣- تحريم قطع شيء من نباته:
ودليله قول رسول الله ﷺ في الحديث السابق: «لا يعضد شوكه» وضابط ذلك قطع كل نبات أنبته الله تعالى دون أن يغرسه أحد من الناس مادام رطبا. فلا يحرم ما غرسه الآدميون، كما لا يحرم فيه ذبح الأنعام، واسترعاء خلاه ونباته وقطع ما يبس من أشجاره وأعشابه، وروى الزركشي عن أبي حنيفة وأحمد منع رعي البهائم في الحرم «٦٥» !
واستثنى الجمهور من عموم النباتات ما كان مؤذيا منها قياسا على الفواسق الخمسة التي استثناها ﷺ ، فهو من قبل تخصيص النص بالقياس «٦٦» .
٤- وجوب دخوله محرما:
فمن قصد مكة- أو قصد شيئا من حرمه كما قال النووي- وكان ممن لا يتكرر دخوله كالتجار والحطابين ومن تجبرهم مهنتهم على استمرار الدخول إلى الحرم والخروج منه، فإن عليه أن لا يدخل إلا محرما بحج أو عمرة.
وقد اختلف العلماء هل يتعلق الطلب بذلك وجوبا أم ندبا؟ المشهور عن الأئمة الثلاثة وهو المفتى به عند الحنفية والمروي عن ابن عباس أن الطلب على سبيل الوجوب. وذهب جمهور الشافعية إلى أنه على سبيل الندب.
وسبب الخلاف أن النبي ﷺ حينما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرما بدليل ما رواه مسلم وغيره أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
فالذين قالوا إن الإحرام مندوب استدلوا بهذا الحديث، والذين صححوا الوجوب، قالوا:
إن النبي ﷺ دخل خائفا من غدر الكفار فكان متهيأ لقتال من سيقاتله منهم، وهي من الحالات التي تستثنى من عموم حالات الوجوب.
стр. 274
٥- حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه:
وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول، وهو حرمة القتال فيه.
سادسا- تأملات فيما قام به ﷺ من أعمال عند الكعبة المشرفة:
١- الصلاة داخل الكعبة: ذكرنا ما رواه البخاري عن ابن عباس من أنه ﷺ لم يدخل البيت حتى أخرج ما كان فيه من أصنام وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام.. ثم دخل البيت فكبّر في نواحيه ولم يصل.
وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: «جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه» ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وقد روى البخاري عن ابن عمر قريبا من هذا.
وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين، وذلك لأن ابن عباس- وهو راوي حديث عدم الصلاة- لم يكن مع رسول الله ﷺ داخل الكعبة، وإنما أسند نفي الصلاة- كما يقول ابن حجر- تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل، على أن الفضل أيضا لم يكن معهم في الكعبة.
أما بلال، وهو الذي نقل إثبات الصلاة، فقد كان معه ﷺ ، وبناء على هذا ينبغي أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال، لسببين:
الأول: أنه مثبت فمعه زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي.
الثاني: أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه ﷺ في داخل الكعبة، أما رواية ابن عباس فهي كما علمت إنما تستند إلى نقل لا مشاهدة، وهو مرة ينقل عن أسامة، ومرة ينقل عن أخيه الفضل، والفضل لم يكن موجودا معه.
قال النووي: «أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فواجب ترجيحه» «٦٧» .
وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الصلاة تصح في داخل الكعبة إذا اتجه المصلي إلى أحد جدرانها، سواء في ذلك النافلة والفريضة. وفرق مالك: «فصحح النفل المطلق دون الفرض والرواتب» «٦٨» .
٢- حكم التصوير واتخاذ الصور: وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخاري نفسه أنه ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام، وقد روى أبو داود عن جابر رضي الله
стр. 275
عنه أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور، وقد روى البخاري في كتاب الحج عن أسامة أنه ﷺ دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم، فدعا بماء فجعل يمحوها.
وهذه الأحاديث، في مجموعها، تدل على أنه ﷺ ، أمر بالرسوم المخطوطة على الجدران فمحيت، كما أمر بالصورة المجسمة القائمة في جوفها فأخرجت، ويبدو أنه حينما دخل بعد ذلك وجد آثارا لتلك الرسوم على بعض جدرانها فدعا بماء وجعل يبالغ في حتها ومحوها.
وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام في حق التصوير والصور المجسمة وغير المجسمة. ولننقل لك في ذلك نص الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم، قال:
«قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام على كل حال، لأن فيه مضاهاة بخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.
أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام.
هذا حكم نفس التصوير. وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان، فإن كان معلقا على الحائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك، مما لا يعد ممتهنا، فحرام. وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها، مما يمتهن، فليس بحرام. ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء الله.
ولا فرق في هذا كله بين ما له ظلّ وما لا ظلّ له. هذا تلخيص مذهبنا في هذه المسألة.
وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعضهم: «إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التي ليس لها» ، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصور فيه «٦٩» ، لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة» .
ثم قال رحمه الله تعالى: «وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي إلا ما ورد في اللعب بالبنات (اللّعب) لصغار البنات، ففي ذلك رخصة» «٧٠» .
стр. 276
قلت: ويستشكل الناس حكم الصور الفوتوغرافية اليوم: هل هي في حكم الرسوم والصور التي ترسم وتخطط بمهارة اليد، أم لها حكم آخر.
وقد فهم بعضهم من علة التصوير التي ذكرها النووي فيما نقلناه من كلامه أن التصوير الفوتوغرافي ليس في حكم الرسم باليد، إذ العمل الفوتوغرافي لا يقوم على أي مهارة في الصنعة أو اليد، بحيث تتجلى فيها محاولة المضاهاة بخلق الله تعالى، إذ هو يقوم على تحريك بسيط لناحية معينة في جهاز التصوير، يتسبب عنه انحباس الظل في داخله بواسطة أحماض معينة؛ وهي حركة بسيطة يستطيع أن يقوم بها أي طفل صغير والحق أنه لا ينبغي تكلف أي فرق بين أنواع التصوير المختلفة حيطة في الأمر، ونظرا لإطلاق لفظ الحديث. نقول هذا على سبيل التورع والحيطة، أما الخوض في حقيقة حكمه الشرعي فيحتاج إلى بحث ودراسة مفصلة.
هذا فيما يتعلق بالتصوير. أما الاتخاذ فلا فرق بين الفوتوغرافي وغيره، فيما يبدو. والله أعلم.
ولكن مهما يكن، فإن لنوع الصور أثرا في الحكم على التصوير واتخاذه. فإن كان الشيء المصور من قبيل المحرمات كصور النساء وما شابه ذلك فهو محرم ولا شك، وإن كان مما تدعو المصلحة والحاجة إلى تصويره فربما كانت في ذلك رخصة؛ والله أعلم.
ثم إنه ربما يعجب بعض الناس اليوم من أن يكون التصوير أو النحت محرما في الإسلام، مع أنهما يعدّان من المقومات الفنية الكبرى لدى سائر الأمم المتحضرة في هذا العصر! ..
وسرّ العجب عند هؤلاء الناس، أنهم يتوهمون الإسلام متفقا مع هذه الحضارة الغربية اليوم، وإنما هو يخالف منها هذه المظاهر الجزئية فيعجبون للتناقض. مع أن الإسلام حينما لا يقر هذه المظاهر من الفن ويحرمها فإنما ذلك لأن للإسلام منطلقا حضاريا آخر مستقلا بذاته لا يتفق ومنطلقات هذه الحضارة التي فرضت نفسها علينا من نافذة التقليد الأعمى، ولم تتقدم إلينا عن طريق المحاكمة العقلية الصافية، فهم يحتجون على الإسلام باسم الفن، مع أن للفن في الحكم الإسلامي مضمونا آخر غير هذا المضمون الذي تلقيناه من فلسفة أخرى لا شأن لها بعقيدتنا.
٣- حجابة البيت: وبناء على ما ذكرناه من أنه ﷺ أعاد مفتاح البيت إلى عثمان بن طلحة وقال له: «خذوها خالدة مخلدة- يقصد بني عبد الدار وبني شيبة- لا ينزعها منكم إلا ظالم» ، فقد ذهب عامة العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن ينتزع حجابة البيت وسدانته منهم إلى يوم القيامة.
قال النووي نقلا عن القاضي عياض: «هي ولاية لهم عليها من رسول الله ﷺ فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبدا، ولا ينازعون فيها ولا يشاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك. أقول: وهي لا تزال اليوم في أيديهم طبق وصية النبي ﷺ وأمره.
стр. 277
٤- تكسير الأصنام: وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» . وقد روى ابن إسحاق وغيره أن كل صنم منها كان مرصصا من أسفله حتى يثبت قائما على الأرض، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذا!. ولماذا لا تنقلب لإشارته ﷺ ولا تتكسر، وقد قلب الله له جبروت قريش خضوعا وذلا، وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذي جاء به وتذعن للحق الذي نادى به!! ..
سابعا- تأملات في خطابه ﷺ يوم الفتح:
والآن.. ها هي ذي مكة: البلدة التي هاجر منها قبل ثمان سنوات، خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه، وهاهم أولاء، الذين طالما ناصبوه العداء وساموه أصناف الأذية والعذاب، مجتمعون حوله في خشوع وترقب وإطراق، فما الذي سيقوله ﷺ لهم اليوم؟!.
إن عليه قبل كل شيء أن يبدأ بالثناء على ربه الذي نصره وأيده وصدق وعده، وهكذا استفتح خطابه بقوله:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ثم عليه بعد ذلك أن يعلن أمام قريش وغيرهم من سائر الناس، عن المجتمع الجديد وشعاره وهو الشعار الذي يتجلى في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات ٤٩/ ١٣] وإذن فلتدفن تحت أقدام المسلمين بقايا تلك المآثر الجاهلية العتيقة العفنة، من التفاخر بالآباء والأجداد، والتباهي بالقومية والقبلية والعصبيات، والاعتداد بفوارق الشكل واللغة والأنساب، فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب.
لقد طويت منذ اللحظة جاهلية قريش، فلتطو معها سائر عاداتها وتقاليدها، ولتدفن في غياهب الماضي الذي أدبر، ولتغتسل قريش من بقية أدرانها لتنضم إلى القافلة وتسير مع الركب ... فإن الموعد عما قليل هناك.. عند إيوان كسرى، وداخل بلاد الروم، وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة.
وهكذا دفنت فعلا في تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام، وبايعت قريش رسول الله ﷺ على الإسلام، على أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلّة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه. وبناء على ذلك ملّكهم الله زمام العالم وأخضع لهم الدنيا.
стр. 278
فاعجب بعد ذلك لجيفة منتنة تبعث اليوم من رمسها بعد مضي أربعة عشر قرنا على موتها ودفنها! ..
ثامنا: بيعة النساء وما يتعلق بها من أحكام:
نأخذ منها ما يلي:
أولا: اشتراك المرأة مع الرجل- على أساس من المساواة التامة- في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها المسلم. ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهن العهد بالعمل على إقامة المجتمع الإسلامي بكل الوسائل المشروعة الممكنة، كما يأخذ العهد في ذلك على الرجال.
ليس بينهما فيه فرق ولا تفاوت.
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شؤون دينها، كما يتعلّم الرجل، وأن تسلك كل السّبل المشروعة الممكنة إلى التسلح بسلاح العلوم والوعي والتنبه إلى مكامن الكيد وأساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به، حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها.
وواضح أن المرأة لا تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلى أساليب الكيد الأجنبي من حولها.
ثانيا: علمت مما ذكرناه من كيفية بيعة النّبي ﷺ للنساء، أن مبايعتهن إنما كانت بالكلام فقط من غير أخذ الكف، وذلك على خلاف بيعة الرجال، فدلّ ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة امرأة أجنبية عنه، ولا أعلم خلافا في ذلك عند علماء المسلمين، اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك.
وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، كما قد يتوهم بعض الناس، فليس للعرف سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب أو السّنة إلّا حكم كان قيامه من أصله بناء على عرف شائع. فإن تبدل ذلك العرف من شأنه أن يؤثر في تغيير ذلك الحكم، إذ هو في أصله حكم شرطي مرهون بحالة معينة. وليس موضوع البحث من هذا في شيء.
ثالثا: دلّت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعه لدى الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وهو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية. وذهب بعض الحنفية إلى أن صوتها عورة للأجنبي. وهم محجوجون في ذلك بما صحّ من أحاديث بيعته ﷺ للنساء، وأحاديث كثيرة أخرى.
تاسعا: هل فتحت مكة عنوة أم صلحا ؟
اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد ﵄ وآخرون إلى أنه دخلها
стр. 279
صلحا، وكان الممثل لقريش في هذا الصلح هو أبو سفيان، وكان الاتفاق والشرط فيه على أنه:
من أغلق بابه فهو آمن، ومن أسلم فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، إلا ستة أنفس هدر دمهم.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة، واستدلوا على ذلك بالطريقة التي دخل بها المسلمون مكة، وبما كانوا يحملونه من السلاح وعدة الحرب.
واتفق الكل على أنه ﷺ لم يغنم منها مالا ولم يسب فيها ذرية، فأما من ذهب إلى أنها فتحت صلحا فسبب ذلك واضح، وأما من ذهب إلى أنها فتحت عنوة فقد قالوا إن الذي منع الرسول ﷺ من قسمتها شيء آخر تمتاز به مكة عن بقية البلاد، فإنها دار النسك ومتعبّد الحق وحرم الرّب تعالى، فكأنه وقف من الله تعالى على العالمين، ولهذا ذهب بعض العلماء ومنهم أبو حنيفة إلى منع بيع أراضي ودور مكة المكرمة «٧١» .
هذه خلاصة عن بعض الأحكام والعبر التي تؤخذ من أحداث الفتح الكبير لمكة المكرمة، وحسبنا هذا القدر من ذلك والله أعلم.
غزوة حنين
وقد كانت في شوال سنة ثمان من هجرة النّبي ﷺ .
وسببها أن الله ﷻ ، حينما فتح على رسوله مكة، ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وقد توغر صدورهم للنصر الذي آتاه الله رسوله والمؤمنين. فحشدوا حشودا كبيرة، وجمع أمرهم مالك بن عوف سيّد هوازن، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، حتى نزلوا بأوطاس (مكان بين مكة والطائف) ، وإنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار، وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد! ..
وأجمعوا المسير إلى رسول الله ﷺ . فخرج إليهم ﷺ لست ليال خلون من شوال «٧٢» في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفين من أهل مكة «٧٣» .
وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ثم يعود بذلك إليه ﷺ . فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم.
стр. 280
وكان قد ذكر لرسول الله ﷺ أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: «أغصبا يا محمد؟! .. قال: بل عارية، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح» «٧٤» .
وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول ﷺ ، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد ﷺ وأصحابه، حملة واحدة.
ووصل المسلمون إلى وادي حنين، فانحدروا فيه في غبش الصبح، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر.
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم نادى في الناس: «إليّ يا عباد الله، أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . روى مسلم عن العباس ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه، وهو على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفّها، إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: ناد أصحاب السمرة «٧٥» (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب السمرة، قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك.. وأقبلوا يقتتلون مع الكفار، وكان النداء: يا للأنصار، وأشرف رسول الله ﷺ ينظر إلى قتالهم قائلا: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ حصيّات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربّ محمد» «٧٦» .
وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا لا يلوي واحد منهم على أحد، واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله ﷺ .
وفي هذه الغزوة أعلن رسول الله ﷺ قائلا: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» «٧٧» .
فروى ابن إسحاق وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده، هو قتلهم.
стр. 281
وروى ابن إسحاق وابن سعد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، فقال لها رسول الله ﷺ : «أم سليم! .. قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك؟ - وكان معها خنجر- فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به» .
«ومرّ رسول الله ﷺ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس مجتمعون عليها، فقال ما هذا؟ قالوا امرأة قتلها خالد بن الوليد. فقال رسول الله ﷺ لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» «٧٨» .
وفرّ مالك بن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا إلى الطائف فامتنعوا بحصنها وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة.
«وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم كلها فحبست في الجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، واتجه ﷺ بمن معه إلى الطائف فحاصروها، وأخذت ثقيف تقذف المسلمين من حصونها بالنبال، فقتل بذلك ناس منهم، وظل رسول الله ﷺ في حصاره للطائف بضعة عشر يوما، وقيل بضعة وعشرين يوما. ثم بدا له أن يرتحل. روى عبد الله بن عمرو أنه ﷺ أعلن في أصحابه: إنا قافلون إن شاء الله، فقال بعض أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟ فقال لهم: اغدوا على القتال- أي فقاتلوا إن شئتم- فغدوا عليه، فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا قافلون غدا، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله ﷺ » «٧٩» .
ولما قفل رسول الله ﷺ عائدا، قال لأصحابه: قولوا «آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» ، وقال له بعض الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» «٨٠» .
قلت: وقد هدى الله ثقيفا بعد ذلك بقليل، فقد جاء وفدهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة لإعلان إسلامهم.
стр. 282
أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول الله ﷺ لها
وعاد رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، وفيها السبي والغنائم التي أخذت من هوازن في غزوة حنين، فقسم السبي هناك. ثم قدم عليه وفد من هوازن مسلمين، وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم (أي أخّرت قسم السبي والغنائم آملا إسلامكم) . وكان النّبي ﷺ قد أنظرهم بضع عشرة ليلة حين رجع من الطائف.
فقالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء علينا فليفعل «٨١» .
فنادى الناس جميعا: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله. فقال ﵊: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيّبوا، وأذنوا» «٨٢» ، فأعيد إلى هوازن سبيها.
وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن- فيما رواه ابن إسحاق- عن مالك بن عوف ما فعل؟
فقالوا بالطائف مع ثقيف، فقال لهم: «أخبروه أنه إن أتى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل، فأخبر مالك بذلك، فجاء يلحق برسول الله ﷺ حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه» .
وخصّ النّبي ﷺ المؤلّفة قلوبهم- وهم أهل مكة- بمزيد من الغنائم والآعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا: «يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!» «٨٣» .
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، ثم قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
стр. 283
«يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي» ، (كلما قال لهم من ذلك شيئا قالوا بلى، الله ورسوله أمن وأفضل) ، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل. فقال ﷺ :
«أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك» ، فصاحوا: بل المنّ علينا لله ورسوله.
ثم تابع رسول الله ﷺ قائلا: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لعاعة «٨٤» من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» .
فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا رضينا بالله ورسوله قسما ونصيبا «٨٥» .
وتبعه ﷺ ناس من الأعراب يسألونه مزيدا من العطاء، حتى اضطروه إلى سمرة تعلق بها رداؤه، فالتفت إليهم قائلا: «أعطوني ردائي أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا «٨٦» ، أيها الناس والله ما لي من فيئكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «٨٧» .
وأدركه أعرابي فجذبه ﷺ جذبة شديدة من برده، وكان عليه برد نجراني غليظ، حتى أثّرت حاشية الرداء في صفحة عنقه، وقال له، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء «٨٨» .
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، فلما فرغ، انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد.
стр. 284
العبر والعظات:
تعتبر غزوة حنين هذه درسا في العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب والمسببات من نوح ذلك الدرس الذي أوحت به غزوة بدر، بل متمما له.
فإذا كانت وقعة بدر قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئا في جنب كثرة أعدائهم، إذا كانوا صابرين ومتقين، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضا لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين. وكما نزلت آيات من كتاب الله تعالى في تقرير عبرة (بدر) ، فقد نزلت آيات منه أيضا في تقرير العبرة التي ينبغي أن تؤخذ من (حنين) .
كان المسلمون في بدر أقل عددا منهم في أي موقعة أخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئا بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم لله ولرسوله.
وكان المسلمون في حنين أكثر عددا منهم في أي موقعة أخرى خاضوها من قبل. ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئا، بسبب تلك الجماهير التي لم يتمكن الإيمان بعد في نفوسها، ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد في أعماق أفئدتها.
لقد انضمت تلك الجماهير إلى الجيش بجسومهم وأشكالهم، بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم ومستولي على نفوسهم. وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم والأشكال أي أثر في النصر والتوفيق.
فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة في متاهات وادي حنين، حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج في وجوههم، وربما امتدت ظلال هذا الهلع إلى أفئدة كثيرة من المؤمنين الصادقين أيضا بادئ الأمر.
ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار والمهاجرون صيحات رسول الله ﷺ ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين، يلتفون حول رسول الله ﷺ ، ويخوضون معه معركة حامية الوطيس، ولم يكن هؤلاء يزيدون على المئتين! ..
ولكن بهؤلاء المئتين عاد النصر إلى المسلمين، ونزلت السكينة على قلوبهم، وهزم الله عدوهم شرّ هزيمة، بعد أن كانوا اثني عشر ألفا فيهم كثير من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئا! ..
وأنزل الله تعالى هذه العظة البليغة في كتابه الكريم:
... وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ٩/ ٢٥- ٢٧] .
стр. 285
وإليك الآن ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات والأحكام.
أولا- بثّ العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم:
سبق أن ذكرنا أن هذا عمل جائز، بل هو واجب إن دعت إليه الحاجة، وهذا ما قام به رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، فقد بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليتحسس أخبار العدو ويأتي المسلمين بالخبر عن عددهم وعدّتهم، وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة.
ثانيا- للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين:
ومثل الأسلحة في ذلك ما يحتاجه الجيش من عدّة الحرب والقتال، ومثل الاستعارة تملكها منهم مجانا أو بثمن، وهذا ما فعله رسول الله في هذه الغزوة، حينما استعار أسلحة من صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركا إذ ذاك.
وهذا داخل في عموم حكم الاستعانة بالكفار عند الحرب، وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد. ويتبين لك الآن أن الاستعانة بالكفار تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الاستعانة بأشخاص منهم للقتال مع المسلمين، وهذا ما مضى الحديث عنه في غزوة أحد، وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه، واطمأن المسلمون إلى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم.
النوع الثاني: الاستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدّة، ولا خلاف في أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين، وأن لا يتسبب عن ذلك دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية. وأنت تجد أن صفوان بن أمية حينما أعار الأسلحة لرسول الله ﷺ كان في وضع المغلوب الضعيف وكان رسول الله ﷺ في المركز الأقوى «٨٩» .
ثالثا- جرأته ﷺ في الحرب:
وإنك لتبصر صورة نادرة حقا لهذه الجرأة، عندما تفرقت جموع المسلمين في الوادي وقد ولوا الأدبار، ولم يبق إلا رسول الله ﷺ وسط حومة الوغى حيث تحف به كمائن العدو التي فوجئوا بها. فثبت ثباتا عجيبا امتد أثره إلى نفوس أولئك الفارّين من أصحابه، فعادت إليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش وقوة العزيمة.
روى ابن كثير في تفسيره خبر غزوة حنين ثم قال:
«قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة. إنه في مثل هذا اليوم، في حومة الوغى، وقد انكشف عن جيشه، وهو مع هذا على بغلة، وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرّ