ثم مرت الأيام، وطاح كسرى، وبقي الإسلام يغزو الأفئدة والبلاد..
وجاءت الأنباء أنّ بعوث محمد ﷺ في بعض الأرجاء أمكنها نشر الإسلام، وتثبيت هدايته، حتى دخلت فيه اليمن وعمان والبحرين، فارتد استبشار المشركين خذلانا، وفكرت قبائل شتى في الانقياد لحكمه، خصوصا ورقعة الكفر تنكمش يوما بعد يوم أمام موجات الوحي الجارف، وإن بقيت أخرى مصرّة على جاهليتها:
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ
(٤٥) [الأنبياء] .
стр. 352
عمرة القضاء
أوشكت السنة السابعة أن تنقضي، وحقّ للمسلمين أن يعودوا إلى مكة ليؤدّوا مناسك العمرة، التي حرموا من أدائها قبلا، لقد تأخّروا عاما وهم كارهون، لكنّ مكاسبهم للدعوة في هذه الفترة أربت على الأماني، وها هم أولاء يسوقون الهدي إلى الحرم مرة أخرى، ويجرّون وراءهم أذيال نصر عريض.
وأحبّ أهل مكة أن يعزّوا أنفسهم وهم يجلون عنها- وفق الاتفاق المبرم- ليدخلها النبي ﷺ وصحابته معتمرين، فأشاعوا أن المسلمين يعانون عسرة وجهدا.
قال ابن عباس: صفّوا له عند (دار الندوة) لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلمّا دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى ثم قال:
«رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوّة» «١» ، ثم استلم الركن وأخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عنهم.
والتّطواف بهذه السرعة إظهار لبأس المسلمين، وتكذيب لإشاعات الضعف، وقد مضت السّنّة به بعد ذلك.
стр. 353
وروي «١» : أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة كان عبد الله بن رواحة اخذا بخطام ناقته، وهو ينشد:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... خلّوا فكلّ الخير في رسوله!
يا ربّ إنّي مؤمن بقيله ... أعرف حقّ الله في قبوله
وأقام الرسول ﷺ ثلاثة أيام، جاء في نهايتها نفر من قريش يذكّرونه بانقضاء الأجل المضروب، ويقولون له: اخرج عنّا، فقال لهم الرسول ﷺ : «لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما، فحضرتموه؟» «٢» .
قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا.
وكان العبّاس عمّ رسول الله ﷺ قد زوّجه من ميمونة بنت الحارث، خالة عبد الله بن عباس، فعقد عليها في مكة، وبنى بها في سرف، وفي هذه العمرة نزل قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) [الفتح] .
стр. 354
غزوة مؤنة
عزّ على المسلمين مصرع رسولهم إلى أمير بصرى، والطريقة الشائنة التي عومل بها، فقد أوثق شرحبيل بن عمرو رباطه، ثم قدّمه فضرب عنقه، ولم يقتل أحد غيره من بعوث الرسول ﷺ الكثيرة إلى الافاق، والرّسل لا يقتلون، لذلك كان وقع هذه الإهانة شديدا على المسلمين، فعزموا على الاقتصاص لرجلهم، وعلى زلزلة الوالي الأثيم الذي صنع ما صنع لحساب الرومان.
وتجهّز المسلمون في جيش يعتبر بالنسبة لهم كبيرا، إذ بلغت عدّته ثلاثة الاف، وخرج أهل المدينة يودّعون الجيش الزاحف، وهم يقولون: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة يردّ على هذا الوداع:
لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزّبدا!
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا!
حتّى يقال- إذا مرّوا على جدثي- ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا!
ورتب النبيّ ﷺ قادة الجيش، فجعل الأمير زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة» «١» .
وانطلق الجيش إلى مشارف الشام.
إلا أنّ أخباره سبقته إلى الروم، ولا بدّ أن تهاويل كثيرة أحاطت بسمعة المسلمين وطاقاتهم الحربية، مما جعل القوم يستعدون للقتال بجيش كثيف.
فلمّا وصل المسلمون إلى (معان) عرفوا أنّ في انتظارهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف أخرى من نصارى العرب.
والهجوم على جيش تلك عدته مجازفة مخوفة، فأقام المسلمون ليلتين
стр. 355
ب (معان) يتدبّرون أمرهم، وقال نفر منهم: نكتب إلى رسول الله، نخبره بعدد عدونا، فإمّا أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، ولم يرق لعبد الله بن رواحة فشجّع الناس قائلا: يا قوم! والله إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون الشهادة! - وما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة.
وكان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر التردد وقرروا القتال مهما كانت النتائج.
وابن رواحة شاعر حادّ العاطفة، وقد أحسّ منذ خروجه أن الاستشهاد مقبل عليه، فهو يتهيأ له بقلبه ولسانه، وقد تكون العسكرية في تصرف غير ما أوحى به، غير أنّ المسلمين ما إن سمعوا حديث الفداء والموت في سبيل الله حتى جاشت بأنفسهم محبة الاخرة، ثم ذكروا أنهم نصروا في معارك سابقة باستعداد أقل من عدوهم، فأقدموا مطمئنين.
عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة، فلمّا دنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدّة والسّلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري!! فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة! كأنّك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم- وأبو هريرة ممّن أسلموا بعد الحديبية- فقال له ثابت: إنّك لم تشهد بدرا معنا، إنّا لم ننصر بالكثرة.
والتقى الجمعان، وعبث أن ننتظر من ثلاثة الاف بطل أن يصاولوا في ميدان مكشوف فيالق تربو عليهم سبعين ضعفا.
قاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم.
وتلقّف الراية جعفر بن أبي طالب، فأقبل على الروم يجالدهم بعنف.
روى أبو داود حديث شاهد عيان يقول: لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم على فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، وهو ينشد:
يا حبّذا الجنّة واقترابها! ... طيّبة، وباردا شرابها!
والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها!
عليّ إن لاقيتها ضرابها!
стр. 356
قيل: إنّ رجلا من الروم ضربه ضربة قطعه نصفين.
وقيل: أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وقد رزق جعفر هذه الشهادة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
فلما قتل حمل عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فلمّا أحسّ دقّة الموقف، وشدة الضغط، عراه بعض التردد، ثم أقنع نفسه بورود المصير الذي ذاق صاحباه، فأقبل على الساحة المضطرمة وهو يقول:
يا نفس إن لا تقتلي تموتي! ... هذا حمام الموت قد صليت!
وما تمنّيت فقد أعطيت! ... إن تفعلي فعلهما هديت!
ثم أقدم، وجاءه ابن عم له بقطعة لحم فناولها إياه وهو يقول: شدّ بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فما كاد يقطع منها مضغة حتى سمع الحطمة في ناحية من الجبهة استعرت بها الحرب، فقال لنفسه: وأنت في الدنيا؟ ورمى بالطعام من يده.. ثم انتضى سيفه، وتقدّم حتى قتل.
وأخذ الراية التي تداولتها أيدي الأمراء الثلاثة ثابت بن أقرم، وصاح:
يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم! قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل! فاصطلح الناس على (خالد بن الوليد) ، وثابت أبى القيادة لا نكوصا عن الموت، بل شعورا بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من ايات الجرأة في هذا الموقف العصيب. وليت كلّ امرئ يعرف أقدار الناس، ينزلهم منازلهم التي يستحقونها، فلا يكلف أمته أن تحمل عجزه وأثرته.
وأخذ الراية (خالد) فشرع يقاتل ويحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الانسحاب شاقّ مرهق، خصوصا وخالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة.
روى البخاري عن خالد: اندقّت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
ودخل الليل على المتحاربين، فكان هدنة مؤقتة، فلما طلع الصبح كان خالد قد أعاد تنظيم قواته القليلة، فجعل المقدمة ساقة والميمنة ميسرة.
وجعل هدفه مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر، دون أن يعرّض كتلة الجيش لالتحام عام، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الالاف القليلة
стр. 357
التي معه، وإنقاذ سمعة المسلمين في أول معركة لهم مع الدولة الكبرى.
والعجيب أنّ الرومان أعياهم هذا القتال، وأصيبوا فيه بخسائر كبيرة؛ بل إنّ بعض فرقهم انكشف، وولّى مهزوما. واكتفى خالد بهذه النتيجة، واثر الانصراف بمن معه.
عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» «١» .
وروى ابن إسحاق «٢» ، عن رسول الله ﷺ : «لقد رفعوا إلى الجنة- فيما يرى النائم- على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: ممّ هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد، ثم مضى» .
[التربية الجهادية للمجتمع المسلم] :
والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة أن شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدّا لم تعرفه أمة معاصرة، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقداما حقّر أمامهم كبرياء الأمم التي عاشت مع التاريخ دهرا تصول وتجول لا يقفها شيء.
إن الاستهتار بالخطر والطيران إلى الموت ليسا فروسية احتكرها الرجال المقاتلون واحدهم، بل هي قوة غامرة قاهرة، تعدّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أمة كفاح غال عزيز، وحسبك أن جيش (مؤتة) لما عاد إلى المدينة قابله الصبية بصيحات الاستنكار يقولون: يا فرّار!، فررتم في سبيل الله؟
إنّ أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومن معه فرارا، يقابل بحثو التراب. أيّ جيل قويّ نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟! أيّ نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟ من اباؤهم؟ من أمهاتهم؟
كيف كان الاباء يربون؟ وكيف كانت الأمهات يدللن؟.
стр. 358
إن مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس.
[مكانة القادة الثلاثة في الجنة] :
تحدث النبي ﷺ عن قادة الجيش الذين قتلوا، فقال لأصحابه: «ما يسرّهم أنّهم عندنا» «١» . أجل، إنّ الجوار الذي صاروا إليه أحبّ لنفوسهم، وأقرّ لعيونهم من الدنيا وما فيها ومن فيها. أما أسرهم ففي كفالة الله، وهو نعم المولى ونعم النصير.
عن عبد الله بن جعفر- ابن الشهيد- جاءنا النبيّ ﷺ بعد ثلاث من موت جعفر فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، وادعوا لي بني أخي» .
قال عبد الله: فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: «ادعوا إليّ الحلّاق» ، فجيء بالحلّاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال الرسول ﵊ مداعبا-: «أمّا محمّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأمّا عبد الله فشبيه خلقي وخلقي» ، ثم أخذ بيدي فأشالها، وقال: «اللهمّ اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» .
قالها ثلاث مرات.
قال عبد الله: وجاءت أمّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تحزّنه، فقال لها النبي ﷺ : «العيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدّنيا والاخرة؟!» «٢» .
ولم ير المسلمون في نتائج (مؤتة) ما يسكن ثائرتهم، فإن القبائل المنتصرة بالشمال استظهرت بالرومان على مقاتلتهم، واستطاعت بذلك النجاة من عدوانها على الحارث بن عمير، ولا بدّ من قذف الرعب في قلوبها، وإشعارها بأنّ بعوث الإسلام لا تلقى هذا الهوان. وهكذا اتجه نشاط المسلمين العسكري إلى ميدان جديد بعيد.
стр. 359
ذات السلاسل
كانت (مؤتة) في جمادى الأولى من السنة الثامنة، ولم يلبث المسلمون طويلا بعدها حتى عادوا إلى مشارف الشام؛ يلاحقون خصومهم قبل أن يستريحوا، فخرج (عمرو بن العاص) ليؤدّب القبائل الضاربة هناك إلا أنه خشي من كثرة عدوه، فأرسل إلى النبيّ ﷺ يطلب مددا، وانحاز إلى ماء يسمّى السلاسل حتى يجيئه العون.
وبعث رسول الله ﷺ جيشا من المهاجرين الأولين- فيهم أبو بكر وعمر- يقوده أبو عبيدة بن الجراح. ووصّاه رسول الله ﷺ حين وجّهه لنجدة (عمرو) فقال: لا تختلفا «١» .
فلما وصل أبو عبيدة قال له عمرو: إنما جئت مددا لي، فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه! فقال عمرو: أنت مدد لي! - وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا- فقال: يا عمرو! إن رسول الله ﷺ قال لي: «لا تختلفا» ، وإنك إن عصيتني أطعتك! قال عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي. قال: فدونك، فصلّى عمرو بالناس، وتولى قيادهم جميعا.
وأخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغّل في بلاد بليّ وعذرة وبلقين وطيّئ. وكلما انتهى إلى موضع قيل له: كان هنا (جمع) فلما سمعوا بك تفرّقوا! وظفر مرة بواحد من هذه الجموع فاقتتلوا، وحمل عليهم المسلمون فهزموا، وأعجزوهم هربا في البلاد.
ومع أنّ عمرا دوّخ أولئك الأعراب، وشتّت شملهم؛ إلا أنّه لم يلقهم في معركة حاسمة، وعلى أية حال فإنّ سمعة المسلمين انزاح عنها غبار كثير بهذه الغزوة.
стр. 360
[فقه عمرو] :
وحدث أنّ عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة، وخشي على نفسه إن اغتسل أن يعتلّ، فتيمم، وصلّى بالنّاس، وكأنّ بعض الصحابة شكّ في هذا الصنيع من عمرو، فذهب إلى النبي ﷺ يقول له: إن عمرا صلّى بنا وهو جنب! فقال الرسول ﷺ : «يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟» . فأخبره بالذي منعه من الاغتسال. لقد خاف على نفسه قسوة البرد، والله يقول:
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: ٢٩] .
فضحك الرسول ﷺ ولم يقل شيئا «١» .
وفقه عمرو في هذه المسألة صحيح، فإنّ التيمّم يجوز إذا كان استعمال الماء مظنة الضرر.
стр. 361
الفتح الأعظم
شغل المسلمون بعد عهد الحديبية بنشر الدعوة، وعرض تعاليم الإسلام على كل ذي عقل، وكان وفاؤهم لقريش أمرا مقررا فيما أحبوا وفيما كرهوا.
ورأى الناس من ذلك الايات البينات!!.
لكنّ قريشا ظلّت على جمودها القديم في إدارة سياستها، غير واعية للأحداث الخطيرة التي غيّرت مجرى الأحوال في الجزيرة العربية، وتوشك أن تغيره في العالم كله.
وقد جرها فقدان هذا الوعي إلى حماقة كبيرة، أصبح بعدها عهد الحديبية لغوا، وذلك أنها مع حلفائها من بني بكر هاجموا خزاعة- وهي مع المسلمين في حلف واحد- وقاتلوهم، فأصابوا منهم رجالا، وانحازت خزاعة إلى الحرم إذ لم تكن متأهبة لحرب، فتبعهم بنو بكر يقتلونهم، وقريش تمدّهم بالسلاح، وتعينهم على البغي.
وأحسّ نفر من بني بكر أنّهم دخلوا الحرم- حيث لا يجوز قتال- فقالوا لرئيسهم نوفل بن معاوية: إنّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال نوفل: لا إله اليوم يا بني بكر.. أصيبوا ثأركم..!!.
وفزعت خزاعة لما حلّ بها، فبعثت إلى رسول الله ﷺ (عمرو بن سالم) يقصّ عليه نبأها، فلمّا قدم المدينة وقف على النبي ﷺ وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس يقول:
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنّا والدا ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزيدا
стр. 362
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتلونا ركّعا وسجّدا
فقال رسول الله ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» «١» ..
[أبو سفيان يحاول إصلاح ما أفسده قومه] :
وأحست قريش- بعد فوات الأوان- خطأها، فخرج أبو سفيان إلى المدينة يصلح ما أفسده قومه، ويحاول أن يعيد للعقد المهدر حرمته!.
وبلغ المدينة، فذهب إلى ابنته أمّ حبيبة، وأراد أن يجلس على الفراش؛ فطوته دونه. فقال: يا بنية! ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنّي؟!.
فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس! قال: والله! لقد أصابك بعدي شرّ! ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلّمه، فلم يرد عليه شيئا «٢» .
واستشفع أبو سفيان بأبي بكر ليحدّث النبي ﷺ في هذا الشأن فرفض، فتركه إلى عمر، فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله! والله لو لم أجد إلا الذّرّ لجاهدتكم به.
فتركهما إلى عليّ فردّ عليه: والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، ثم نصحه أن يعود من حيث جاء.. فقفل أبو سفيان إلى قومه، يخبرهم بما لقي من صدود.
وأمر النبيّ ﷺ النّاس أن يتجهزوا، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وأوصاهم بالجد والبدار. وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها
стр. 363
في بلادها» «١» !.
واستمع المسلمون لأمر نبيّهم، فمضوا يعبّئون قواهم للّقاء المنتظر، وهم مدركون أنّ الساعة الفاصلة مع أهل مكة قد دنت.
[إنه شهد بدرا ..] :
ووقع في هذه الفترة الدقيقة حادث مستغرب؛ فإنّ رجلا من أهل السابقة في جهاد المشركين تطوّع بإرسال كتاب إلى قريش يخبرهم فيه أن محمدا ﷺ سائر إليهم بجيشه.
وقد رأيت أنّ المسلمين حراص على إخفاء خطة الغزو، أليس مما يقرّب نجاحهم ويخفف خسائرهم؟ ولعلّه يدفع قريشا إلى التسليم دون أن تسفك الدماء عبثا.
وما معنى الكتابة إليهم إلا التحريض على حرب الله ورسوله ﷺ ، والاستكثار من أسباب المقاومة؟.
عن علي بن أبي طالب: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال:
«انطلقوا حتّى تأتوا روضة (خاخ) ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» .
فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي! فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ .
فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكّة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله. فقال: «يا حاطب، ما هذا؟!» فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش- كنت حليفا لها، ولم أكن من صميمها- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ : «أما إنّه قد صدقكم» ! فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: «إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ .. لعلّ الله
стр. 364
قد اطّلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!» .
ونزل قول الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) [الممتحنة] «١» .
إن حاطبا خرج عن جادّة الصواب بهذا العمل.
وما كان له أن يوادّ المشركين، وهم الذين تبجّحوا بالكفران، وتظاهروا على العدوان، وصنعوا بالمسلمين ما حاطب أعلم به من غيره.
لكنّ الإنسان الكبير تعرض له فترات يصغر فيها، والله أبرّ بعباده من أن يؤاخذهم بسورات الضعف التي تعرو نورهم فيخبو، وسعيهم فيكبوا.
وقد استكشف النبيّ ﷺ خبيئة حاطب، فعرف أنّه لم يكذبه في اعتذاره، إنّهم مقبلون على معركة كبيرة، قد ينهزمون فيها، فتقوم العصبيات القديمة بحماية الأقارب الشاردين، ويبقى حاطب لا حمى له، فليتخذ تلك اليد عند قريش حيطة للمستقبل.
ذلك ما فكر فيه حاطب، وهو خطأ، فإنّ المشركين لم يذكروا في عداوة الإسلام رحما ولا أهلا، وما ينبغي- ولو دارت علينا الدوائر- أن نبقي لهم ودّا، وقد خاصمناهم في ذات الله، وأخذ علينا العهد أن نبذل في حربهم أنفسنا وأموالنا ...
ولو جاز اتخاذ يد عندهم فكيف يتوسّل لذلك بعمل يعدّ خيانة كبيرة فادحة الإضرار بالإسلام وأهله؟!.
على أنّ حاطبا شفع له ماضيه الكريم، فجبرت عثرته، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يذكروا الرجل بأفضل ما فيه، وبهذا التقدير السمح علّمنا الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا.
[إسلام العباس ﵁] :
سرى القلق في ربوع مكة عقب أوبة أبي سفيان، ورأى العباس بن
стр. 365
عبد المطلب أن يسلم هو وعياله، وأن يهجروا مكة إلى المدينة، فقابلوا رسول الله ﷺ في الطريق مقبلا بجيشه على مكة، وخرج كذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية، فلقيا النبي ﷺ بالأبواء- وهما ابن عمه وابن عمّته- وكانا من أشدّ الناس إيذاء له بمكة، فأعرض عنهما لما ذكر من مساءتهما.
لكنّ عليّ بن أبي طالب أشار إلى ابن عمه أبي سفيان بوسيلة يترضّى بها رسول الله ﷺ . قال له: ائته من قبل وجهه، وقل ما قال إخوة يوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه جوابا. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله ﷺ : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] .
وأنشده أبو سفيان أبياتا جاء فيها:
لعمرك إنّي حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلّني ... على الله من طرّدته كلّ مطرد
فضرب الرسول ﷺ على صدره وهو يقول له: «أنت طردتني كلّ مطرد» «١» .
[تعمية أخبار الجيش] :
وسار الجيش يطوي الوهاد والنجاد مسرعا إلى مكة حتى بلغ «مرّ الظهران» قريبا منها في العشاء، فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران في معسكر يضمّ عشرة الاف، حتى أضاء منها الوادي، وأهل مكة في عماية من أمرهم، لا يدرون عن القضاء النازل بهم شيئا ... وعزّ على العباس أن تجتاح مكة في أعقاب قتال تتنافى فيه، ولا يغنيها فتيلا.
فخرج يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي ﷺ وتدخلها في أمانه.
وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرّفون الأخبار، ويتسمعون ما يقال، فلمّا اقتربوا من الوادي راعهم ما به.
стр. 366
قال أبو سفيان زعيم مكة: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا!!.
فقال بديل بن ورقاء: هذه- والله- خزاعة، حمشتها الحرب.
فردّ أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وكان المسلمون على خطتهم المرسومة، يبثون العيون حولهم، حتى يأخذوا قريشا على غرّة، فلا ترى من التسليم بدّا، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك، ومعهم حكيم بن حزام، فأخذتهم، وعادت بهم مسرعة إلى رسول الله ﷺ ، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره، فلما دخلوا على النبي ﷺ حادثهم عامّة الليل، فانشرحت صدورهم بالإسلام، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح ...
ثم سألوه الأمان لقريش، فقال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق بابه فهو امن» «١» .
وإنما أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا، ولا يكلّف جهدا، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله ﷺ ، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول:
ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة!
стр. 367
فيقول: ما لي ولمزينة؟! ... حتى نفذت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان؟. حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال:
سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟.
قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار.
قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!!.
قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن «١» .
[دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام] :
ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أنّ من ورائه إعصارا، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عاليا واضحا: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت:
اقتلوا الحميت الدسم الأحمش- أي هذا الزقّ المنتفخ- قبّحت من طليعة قوم.
ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن.
قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون.
стр. 368
على حين كان الجيش الزاحف يتقدّم ورسول الله ﷺ على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشّع لله، لقد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كاد عثنونه «١» يمسّ واسطة الرحل «٢» .
إنّ الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحفّ به ينتظر إشارة منه، فلا يبقى بمكة شيء امن، إنّ هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا..! وأيّ كرامة عظمى حفّه الله بها في هذا الصباح الميمون! وكلّما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء ويبدو أنّ هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور.
فإنّ (سعد بن عبادة) زعيم الخزرج ذكر ما فعل أهل مكة، وما فرّطوا في جنب الله، ثم شعر بزمام القوة في يده فصاح: اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا.
وبلغت هذه الكلمة مسامع الرسول ﷺ فقال: «بل اليوم يوم تعظّم فيه الكعبة «٣» . اليوم يوم أعزّ الله فيه قريشا» ، وأمر أن ينزع اللواء من سعد، ويدفع إلى ابنه مخافة أن تكون لسعد صولة في الناس.
[دخول جيش المسلمين مكة] :
وسار رسول الله ﷺ فدخل مكة من أعلاها «٤» . وأمر قادة جيشه ألا يقاتلوا
стр. 369
إلا من قاتلهم «١» فدخلت سائر الفرق من أنحاء مكة الاخرى.
ودخل (خالد بن الوليد) من أسفل مكة. وكان هناك نفر من قريش غاظهم هذا التسليم، فتجمّعوا عند (الخندمة) يقودهم (عكرمة بن أبي جهل) و (سهيل بن عمرو) و (صفوان بن أمية) ، إلا أنّ الحقيقة الكبيرة صدمت غرورهم فبددته، فإن خالدا حصدهم حصدا، حتى لاذ القوم بالفرار، ومن طريف ما وقع أنّ (حماس بن خالد) من قبيلة بني بكر، كان قد أعدّ سلاحا لمقاتلة المسلمين، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله: لماذا تعدّ ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، وقالت امرأته له يوما: والله ما أرى أنّه يقوم لمحمد وصحبه شيء! فقال: إنّي والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ... ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما علي علّه ... هذا سلاح كامل وألّه «٢»
وذو غرارين سريع السّله
فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئا من قتال مع رجال عكرمة.
ثم أحسّ بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد، فخرج منهزما حتى بلغ بيته فقال لامرأته: أغلقي عليّ الباب..!.
فقالت المرأة لفارسها المعلم: فأين ما كنت تقول؟ فقال- يعتذر- لها:
إنّك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه «٣» ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كلّ ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت «٤» خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللّوم أدنى كلمه!!
وسكنت مكة، واستسلم سادتها وأتباعها، وعلت كلمة الله في جنباتها، ثم نهض رسول الله إلى البيت العتيق فطوّف به، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة.
كانت هذه الحجارة- قبل ساعة- الهة مقدسة، وهي- الان- جصّ وتراب
стр. 370
وأنقاض، يهدمها نبيّ التوحيد وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ... [الإسراء: ٨١] «١» .
[مشاهد بعد الفتح] :
ثم أمر بالكعبة ففتحت، فرأى الصّور تملؤها، وفيها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام! فقال- ساخطا على المشركين-: «قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قطّ» «٢» ، ومحا ذلك كلّه «٣» . حتى إذا طهّر المسجد من الأوثان، أقبل على قريش، وهم صفوف صفوف، يرقبون قضاءه فيهم، فأمسك بعضادتي الباب- باب الكعبة- وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده» .
ثم قال: «يا معشر قريش! ما ترون أنّي فاعل بكم؟» .
قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!
قال: «فإنّي أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٤» .
وعند ما كان رسول الله ﷺ بالمسجد يجهز على الوثنية في عاصمتها الكبرى، اقترب منه (فضالة بن عمير) يريد أن يجد له فرصة ليقتله.
فنظر إليه النبيّ ﷺ نظرة عرف بها طويته إلا أنّه في غمرة النصر الذي أكرمه الله به، لم يجد في نفسه على الرجل، بل استدعاه ثم سأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .
стр. 371
قال: لا شيء! كنت أذكر الله!! فضحك النبيّ ﷺ ثم قال: «استغفر الله» .
وتلطّف معه الرسول ﷺ ، فوضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه «١» .
وكانت لفضالة في جاهليته هنات، فمرّ- وهو راجع إلى أهله- بامرأة لها معه شأن. فلما رأته قالت: هلمّ إلى الحديث! فانبعث يقول:
قالت: هلمّ إلى الحديث، فقلت: لا ... يأبى عليك الله والإسلام
لو ما رأيت محمّدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيّنا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
وصعد بلال فوق ظهر الكعبة، فأذّن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على اذانهم كأنهم في حلم، إنّ هذه الكلمات تقصف في الجوّ فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين.
الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
هذه الصيحات المؤكدة تذكّر الناس بالغاية الأولى من محياهم، وبالمرجع الحق بعد مماتهم، فكم ضلّلت البشر غايات صغيرة، أركضتهم على ظهر الأرض ركض الوحوش في البراري، واجتذبت انتباههم كلّه، فاستغرقوا في السعي وراء الحطام! وامتلكت عواطفهم كلها، فالحزن يقتلهم للحرمان، والفرح يقتلهم بالامتلاء، ولم يسفّه المرء نفسه بالغيبوبة في هذه التوافه؟.
إنّ صوت الحق يستخرجه من وراء هذه الحجب المتراكمة ليلقي في روعه ما كان ينساه، وهو تكبير سيّد الوجود، ورب العالمين، سيده ومولاه.
أشهد ألاإله إلا الله، أشهد ألاإله إلا الله.
لقد سقط الشركاء جميعا، طالما تضرّع الناس للوهم، واعتزّوا بالهباء، وأمّلوا الخير فيمن لا يملك لنفسه نفعا، وانتظروا النجدة ممن لا يدفع عن نفسه عدوان ذبابة. ولم الخبط في هذه المتاهات؟ إن كان المغفّلون يشركون مع الله بعض خلائقه أو يؤلهونها دونه؟ فالمسلمون لا يعرفون إلا الله ربّا، ولا يرون غيره موئلا.
والتوحيد المحض، هو المنهج العتيد للغاية التي استهدفوها.
стр. 372
ولكن من الأسوة؟ من الإمام في هذه السبيل؟ من الطليعة الهادية المؤنسة؟
إنّ المؤذن يستتلي ليذكر الجواب:
أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله.
سيرة هذا الرجل النبيل هي المثل الكامل لكل إنسان يبغي الحياة الصحيحة، إنّ محمدا إنسان، يرسم بسنّته الفاضلة السلوك الفريد لمن اعتنق الحق وعاش له.
وهو يهيب بكل ذي عقل أن يقبل على الخير، وأن ينشط إلى مرضاة وليّ أمره، ووليّ نعمته، فيحثّ الناس أولا على أداء عبادة ميسورة رقيقة:
حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة.
هذه الصلوات هي لحظات التأمل في ضجيج الدنيا، هي لحظات الماب كلّما انحرف الإنسان عن الجادة، هي لحظات الخضوع لله كلّما هاج بالمرء النزق، وطغت على فكره الأثرة، فنظر إلى ما حوله وكأنّه إله صغير، هي لحظات الاستمداد والإلهام.
وما أفقر الإنسان- برغم غروره- إلى من يلهمه الرشد فلا يستحمق، ويمده بالقوة فلا يعجز ويستكين.
ثم يحث الناس- أخيرا- على تجنب الخيبة في شؤونهم كلها.
والخيبة إنما تكون في الجهد الضائع سدى، في العمل الباطل لأنه خطأ، سواء كان الخطأ في الأداء أو في المقصد.. وهو يحذّر من هذه الخيبة عند ما يدعو: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.
ويوم يخرج العمل من الإنسان وهو صحيح في صورته ونيته، فقد أفلح، ولو كان من أعمال الدنيا البحتة، ألم يعلّم الله نبيّه أن يجعل شؤون حياته، بعد نسكه وصلاته خالصة لله؟:
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام] .
ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصغار ما عدا الله من غايات، والتزام توحيده أبدا، ومن ثمّ يعود إلى تقرير الغاية والمنهج مرة أخرى.
الله أكبر الله أكبر ... لا إله إلا الله ...
стр. 373
إنّ كلمات الأذان تمثّل العناوين البارزة لرسالة كبيرة في الإصلاح، ولذلك جاء في السنن الثابتة أنّ المسلم عند ما يسمعها يقول:
«اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة، والصلاة القائمة، ات سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنّك لا تخلف الميعاد» «١» .
[ذكريات الشهداء] :
وفي يوم الفتح قد ترجع بنا الذكريات إلى رجال لم يشهدوا هذا النصر المبين، ولم يسمعوا صوت بلال يرنّ فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد، ولم يروا الأصنام مكبوبة على وجوهها مسوّاة بالرغام، ولم يروا عبّادها الأقدمين، وقد ألقوا السلم واتجهوا إلى الإسلام.
إنهم قتلوا أو ماتوا إبّان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر.
ولكنّ النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير، وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة.
إنه ليس من الضروري أن يشهد كلّ جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه، وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء (حمزة) ومن معه.
والقران الكريم ينبّه أصحاب الحق إلى أنّ المعوّل في الحساب الكامل على الدار الاخرة، لا على الدار الدنيا، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) [غافر] .
ودخل رسول الله ﷺ مكة في رمضان، وظلّ بها سائر الشهر يقصر، ويفطر أكثر من خمسة عشر يوما، وكان قد خرج من المدينة صائما، ثم أفطر هو وصحبه في الطريق «٢» .
стр. 374
فلمّا استقرّ الأمر شرع يبايع الناس على الإسلام «١» ، فجاءه الكبار والصغار والرجال والنساء، فتمت البيعة على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا «٢» .
وسنّة رسول الله ﷺ في مبايعة النساء أن يأخذ عليهنّ الميثاق كلاما لا مصافحة.
فعن عائشة: «لا والله ما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ» «٣» .
[إسلام فيه دخن] :
وهكذا دخل أهل مكة في الإسلام، وإن كان بعضهم بقي على ريبته وجاهليته يتعلّق بالأصنام، ويستقسم بالأزلام، وأولئك تركوا للأيام تشفي جهلهم، وتحيي ما مات من قلوبهم وألبابهم.
وما دامت الدولة التي تحمي الوثنية وتقاتل دونها قد ذهبت، فسوف تتلاشى هذه الخرافة من تلقاء نفسها.
إنّ فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة، ولقد أفلحت خطة المسلمين في تعمية الأخبار على قريش، حتى بوغتوا في عقر دارهم، فلم يجدوا مناصا من الاستسلام، فما استطاعوا الجلاد، ولا استجلاب الأمداد، وفتح العرب جميعا أعينهم، فإذا هم أمام الأمر الواقع؛ حتى خيل إليهم أنّ النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفكّ عنها!.
стр. 375
معركة حنين
بيد أنّ هذا الغلب- فتح مكة- كان له ردّ فعل معاكس لدى القبائل الكبيرة القريبة من مكة، وفي مقدمتها (هوازن) و (ثقيف) وتعتبر الطائف قصبتها، وهي أكبر المدن في الجزيرة بعد مكة ويثرب.
اجتمع رؤساء هذه القبائل على (مالك بن عوف) سيد (هوازن) ، وأجمعوا أمرهم على المسير لقتل المسلمين قبل أن تتوطّد دعائم الفتح، وقبل أن يتحرّكوا لاستئصال ما بقي من معالم الوثنية المدبرة.
وكان (مالك بن عوف) شجاعا مقداما، إلا أنّه سقيم الرأي سيّئ المشورة.
فأمر قومه- وهم خارجون للغزو- أن يأخذوا معهم نساءهم وأموالهم وذراريهم؛ ليشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه، فلا يفرّ عنها.
وقد اعترضه (دريد بن الصمّة) ، وهو فارس مجرّب محنّك، وقال له: هل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.
فسفّه مالك رأيه، وأصر على خطته.
وعلم المسلمون بمخرج أعدائهم، فأرسلوا عيونهم يتعرّفون عدتهم وهيئتهم.
روى أبو داود: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى (حنين) . فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» «١» .
إنّ السهولة التي تمّ بها فتح مكة، وإحساس جمهور المؤمنين أنّ الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة فلن تبدي مقاومة تذكر، وظنّ حدثاء العهد بالإسلام أنّ
стр. 376
شيئا ما لن يقف في طريقه، كلّ ذلك جعل الجيش يزحف للقاء المشركين وهو غير مكترث لما سوف يواجه، ولم يكترث؟!.
إنّهم- وهم قلة- كانوا يكسبون المعارك الطاحنة، فكيف وهم اليوم يخرجون في عدد لم يجمعوا مثله قبلا؟! قيل: إنّ أبا بكر الصدّيق لما نظر إلى الجيش قال: لن نغلب اليوم من قلّة..!.
ذلك أنّ المسلمين بلغوا اثني عشر ألفا بمن انضمّ إليهم من أهل مكة.
هزيمة:
وسار الجيش الواثق حتى وصل إلى وادي (حنين) .
وكان (مالك بن عوف) ورجاله قد سبقوا إلى احتلال مضايقه، وانبثوا في الشعاب والأجناب المنيعة، ثم تهيئوا لاستقبال المسلمين.
وأقبلت الطلائع الغفيرة تتدافع نحو الوادي- وهي غافلة عمّا يكمن فيه- وكان واديا أجوف منحدرا، ينحطّ فيه الركبان كلّما أوغلوا كأنهم يسيرون إلى هاوية.
فلمّا تكاثرت في دروبه الفرق الزاحفة، لم يرعهم إلا وابل من السهام يتساقط فوقهم من المكامن العالية، وكان غبش الفجر لا يزال يترك بقاياه في الجو الغائم، فارتاعت المقدمة لهذه المفاجأة، فهي في عماية من الليل وعماية من أمرها، لا تعرف إلا أن تستدير ثم تولي الأدبار.
وانتشرت موجة الفزع، فكسرت الصفوف المرصوصة وبعثرتها.
واستغل رجال (مالك بن عوف) هذا الارتباك فهجمت كتائبهم، وحملت الخيل على ما أمامها، فانكفأ المسلمون مهزومين، لا يلوي أحد على أحد.
ونظر زعماء مكة إلى الجيش المولّي نظرة تشفّ وفرح.
وعاد إلى بعضهم كفره بالله ورسوله ﷺ فقال (أبو سفيان) : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! ولا عجب.. فإنّ الأزلام التي يستقسم بها في جاهليته لا تزال في كنانته.
وقال (كلدة بن الجنيد) : ألا بطل السحر اليوم.
فأجابه (صفوان بن أمية) - ولما يزل مشركا-: اسكت فضّ الله فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني رجل من (قريش) أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من (هوازن) .
стр. 377
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وقد أغضبه هذا الفرار، فقال: «أين أيها النّاس؟! هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله» .
فلا يرد عليه شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها «١» .
ولمح النبي ﷺ وراءها رجلا من (هوازن) على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، (وهوازن) خلفه، إذا أدرك الفارين طعن برمحه، وإذا فاتوه رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.
إن الذي تولّى كبر هذه المهزلة الشائنة هم الطلقاء من أهل مكة ورعاع البدو. ووقف النبي ﷺ ساكن الجأش، يدير الرأي في خطة ينقذ بها سمعة الإسلام ومستقبله، وقد أحاط به لفيف من المهاجرين الأولين ومن أهل بيته.
فأمر العبّاس بن عبد المطلب- وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا أصحاب البيعة يوم الحديبية «٢» ..
لقد هداه الحقّ أن يهتف بأصحاب العقائد، ورجال الفداء عند الصدام فهم واحدهم- الذين تنجح بهم الرسالات وتفرّج الكروب.
أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم، فما يقوم بهم أمر، أو تثبت بهم قدم.
الثبات والنصر:
وفي ضجة الفزع الذي ساد المعركة أولا، علت صيحات العباس ﵁، ووصلت إلى اذان الرجال المشدوهين لما وقع، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت.
إذا أراد أحدهم أن يعطف بعيره ليعود به لا يقدر من ضغط الفارين، فما يجد بدا من أن يقذف درعه من عنقه، ويحمل سيفه وترسه ثم يؤمّ الصوت.
واجتمع حول رسول الله ﷺ عدد من الرجال الذين دعاهم، وهم يصيحون:
لبيك لبيك، حتى قارب القوم مئة، فاستقبل النبي ﷺ بهم المشركين، وقد ملك
стр. 378
زمام الموقف، وأعاد الكرّة عليهم، فاجتلد الفريقان اجتلادا شديدا.
وقصد (علي) وأحد الأنصار إلى حامل العلم في طليعة (هوازن) ، فضرب (علي) عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ثم استمكن منه الأنصاري، فهوى به عن رحله.
وكان النبي ﷺ على بغلته يقول:
«أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب» «١»
ويدعو: «اللهم نزّل نصرك» «٢» .
والمهاجرون والأنصار قد التحموا مع رجال (هوازن) و (ثقيف) .
قال العباس: ونظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم فقال: «الان حمي الوطيس» ، ثم أخذ حصيّات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربّ محمد» .
قال العباس: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم فما زلت أجد حدّهم كليلا، وأمرهم مدبرا «٣» .
ولم يطل وقت، حتى كان رجال (ثقيف) ومن معهم يوغلون مولّين الأدبار في وادي حنين، ورجع الطلقاء والبدو إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هم يرون الأسرى مكتفين!.
وفي هذه المعركة نزل قول الله : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) [التوبة] .
واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها: (أوطاس) .
فأرسل النبي ﷺ في أعقابهم (أبا عامر الأشعري) فقاتلهم حتى قتل، فأخذ الراية منه ابن أخيه (أبو موسى الأشعري) فما زال يناوش القوم حتى بدّد شملهم،
стр. 379
وهزموا شر هزيمة «١» .
واضطر (مالك بن عوف) ومن معه من رجالات قومه أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى (الطائف) فيمتنعوا بحصنها، تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة.
فإنّ مالكا- كما علمت- خرج يغزو، ومعه نساء القبيلة وما تملك.
فخلّف في الميدان أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفا من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة الاف من السبي.
الغنائم:
وكره رسول الله ﷺ أن يقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنّى، يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيحرزوا ما فقدوا.
ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد «٢» .
فشرع يسكت المتطلّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، وبدأ بقسمة المال، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي، بل أول من حظي بالأنصبة الجزلة.
أخذ (أبو سفيان) مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، فقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية، فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد «٣» .
وأقبل رؤساء القبائل وأولو النّهمة يتسابقون إلى أخذ ما يمكن أخذه.
وشاع في الناس أنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال، وأكبّ عليه الأعراب، يقولون: يا رسول الله! اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه! فقال:
«أيّها الناس، ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسّمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» .
стр. 380
ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال:
«أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «١» .
إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا.
وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الاخرة المؤثرين ما عند الله.
ولكنّهم اليوم- بعد ما أعلنوا إسلامهم- يبغون من الرسول ﷺ أن يفتح عليهم خزائن الدنيا؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم.
والحق أنّ الرسول ﷺ وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس، وتحبيبهم في الإسلام.
ولو عاقبهم على جبنهم في (حنين) لنال منهم أيّ منال.
روى الإمام أحمد «٢» أنّ (أبا طلحة) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين- لقي زوجته (أمّ سليم) ومعها خنجر، فقال لها: ما هذا؟. قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه- وذلك في معركة حنين-، فقال أبو طلحة لرسول الله ﷺ : أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك النبيّ ﷺ . فقالت أم سليم: يا رسول الله! أقتل من بعدها الطلقاء ... انهزموا بك! فقال: «إنّ الله قد كفى وأحسن يا أمّ سليم» .
والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع، هم الذين كفروا عند الطمع.
وشاء النبي ﷺ أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا.
стр. 381
وماذا يصنع؟ إنّ في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلّ تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها امنة! فكذلك هذه الأصناف من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهشّ له.
عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء «١» .. إنّ هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه من عطاء يملأ جيوبه ويسكّن مطامعه.
ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه «٢» .
حكمة هذا التقسيم:
وهذه السياسة البعيدة لم تفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى بالاعتراض، فهناك مؤمنون ظنّوا هذا الحرمان ضربا من الإعراض عنهم والإهمال لأمرهم.
روى البخاريّ عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع اخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: «إنّي أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم: عمرو بن تغلب» .
قال عمرو: فما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله حمر النعم..
فكانت هذه التزكية تطييبا لخاطر الرجل أرجح لديه من أثمن الأموال.
وكان الأنصار ممّن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة.
стр. 382
لقد حرموا جميعا أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة، فطاروا يقاتلون مع رسول الله ﷺ ، حتى تبدّل الفرار انتصارا، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين تعود ملأى.
أما هم.. فلم يمنحوا شيئا قط؟.
عن أبي سعيد الخدري ﵁: لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي والله- رسول الله قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم؟ قال: «فيم؟» قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء.
قال رسول الله ﷺ : «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.
فقال رسول الله ﷺ : «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني» .
فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة ... حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم.
فخرج رسول الله ﷺ ، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار! ألم اتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى! قال رسول الله ﷺ :
«ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!» .
قالوا: وما نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله.
قال: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فامنّاك، ومخذولا فنصرناك ... » .
فقالوا: المنّ لله ورسوله.
فقال: «أوجدتم في نفوسكم- يا معشر الأنصار- في لعاعة من الدنيا تألّفت
стр. 383
بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟.
فو الذي نفسي بيده، لو أنّ الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار.
اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا: رضينا بالله ربا، ورسوله قسما، ثم انصرف.. وتفرقوا «١» ...
والأنصار- في تاريخ الدعوات- مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى؛ حتى إذا استوت على سوقها، وتجاوزت أيام محنتها ومؤنتها، وتدلّت ثمارها وحلا جناها، جاءت أيد غير أيديهم، فقطفت ما تشتهي، ولم تكتف بذلك! بل لطمت أيدي الغارسين حتى لا تلقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا!!.
ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام، فقد اتضح وجه الرشد في هذه القسمة الحصيفة ...
ولكنّا نذكر في مناقب الأنصار، وافتراض ترفّعهم عن الدنيا في سبيل الدين، وتأليف الناس عليه، أنّ شؤون الحكم ابتعدت عنهم، واحتازها غيرهم وهم لها أكفاء، فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في أيدي الطلقاء.
ولا ريبة في أنّ أولئك المتجرّدين لله سوف يلقون جزاءهم الأوفى، وأن شأن الدنيا أنزل قدرا من أن يأسى عليه رجل العقيدة.
غير أننا نتساءل: أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرة؟ أم كان سوء حظّ الإسلام أن يلقى هذا اللون من الحكام، فيقصى أصحاب السبق
стр. 384
وأولو النصرة، ويملك زمام الدين اخر الناس دخولا فيه وبصرا به؟!.
عودة وفد هوازن:
وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وسألوا رسول الله ﷺ أن يردّ عليهم سبيهم وثروتهم! فقال لهم: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا.
فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
«أمّا بعد، فإنّ إخوانكم هؤلاء، قد جاؤوا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل» . فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: «إنّا لا ندري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» .
فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه أنهم قد طيبوا وأذنوا «١» .
حصار الطائف:
أما ثقيف فإنها- بعد أن تراجعت منهزمة في (حنين) و (أوطاس) - دخلت حصونها، وتهيّأت فيها لحصار طويل، وعرف المسلمون أنّ القوم لا يزالون على إصرارهم والبقاء على جاهليتهم، وأنّ الخسائر التي لحقت بهم لم تكسر شوكتهم ولم ترهق عزيمتهم، فقرّروا السير إليهم ومناجزتهم، وللمسلمين خبرة قديمة بهذا الأسلوب من القتال، فقد حاصروا وحوصروا، وعرفوا أنجح طرائق الهجوم والدفاع. ونهض رسول الله ﷺ بجيشه حتى اقترب من الطائف، فعسكر حولها، وأخذت ثقيف من حصونها تقذف النبال، فأصيب نفر من المسلمين، واضطر الجيش أن يؤخر مواقعه حتى لا تستهدف لقذائفهم.
ويظهر أنّ النبي ﷺ لم يحرص على اقتحام الحصون واستنزال أهلها قسرا كما فعل ببني إسرائيل، لقد أمّل فيهم خيرا، وأدار المعركة حولهم في حدود
стр. 385
ضيقة، وبضحايا يسيرة، وظل يحاصرهم خمس عشرة ليلة. ثم بدا له أن يدعهم وشأنهم، وأشار على المسلمين بذلك، فرغبوا أولا في إطالة حصارها حتى تفتح عليهم، ثم نزلوا أخيرا على رأيه.
وروي أنّ رسول الله ﷺ استشار نوفل بن معاوية فقال: «يا نوفل! ما ترى في المقام عليهم؟» فقال: يا رسول الله! ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرّك «١» ! فأمر النبيّ ﷺ عمر بن الخطاب: أن يؤذّن في الناس بالرحيل «٢» .
فلما قفلت بهم المطايا، قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا» «٣» !.
ولم يطل بقاء ثقيف على شركها، فما هي إلا شهور قلائل حتى أرسلوا وفدهم إلى المدينة يخبر النبي ﷺ برغبتهم في الإسلام، وانفساح قلوبهم له.
إلى دار الهجرة:
عاد المسلمون من الطائف إلى مكة، لا ليعاودوا المقام فيها بعد أن فتحها الله عليهم، بل لينظّموا أمورها ثم يرتحلوا إلى مهجرهم الخالد ...
إن صلتهم بالمدينة أضحت من العمق والقوة بحيث لا يرجحها وطن قديم ولا ذكريات عزيزة.
روي أنّ النبي ﷺ لما فتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فتهامسوا فيما بينهم: أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله! فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم!» «٤» .
стр. 386
ولما كان أهل مكة حدثاء عهد بالإسلام، وفقههم في أحكامه ومراميه قليل، فإنّ النبي ﷺ خلّف فيهم (معاذ بن جبل) يعلّمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم «١» .
وجعل (عتّاب بن أسيد) أميرا على مكة «٢» وعمره يومئذ عشرون سنة.
وكان (عتاب) شابا ذكيا، قنوعا شجاعا، وقد تقرّر له من مال المسلمين درهم كلّ يوم، وهو مرتب الإمارة، فقرّت بذلك عينه، بل إنّه خطب الناس فقال:
أيها الناس! أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد.
ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة في الشهر الأخير من السنة الثامنة.
لله ما أفسح المدى بين هذه الأوبة الظافرة بعد أن توّج الله هامته بالفتح المبين، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام!.
لقد جاءه مطاردا يبغي الأمان، غريبا مستوحشا ينشد الإيلاف والإيناس، فأكرم أهله مثواه، واووه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، واستخفّوا بعداوة الناس جميعا من أجله، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجرا خائفا، لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها، فأنهضها ليعزها بالإسلام، وعفا عن خطيئاتها الأولى:
... إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩٠] .
стр. 387
موقف المنافقين:
وكان حقيقا بالذين خالجتهم الريبة في رسالة محمد ﷺ أن يتوسّموا في هذه الايات البيّنات ما يقربهم من دينه، ويغريهم بالتصديق ونبذ الجفوة والعناد.
إلّا أنّ النفوس الخسيسة تزداد شرا وجحودا كلّما ازداد خصومها نجاحا وصعودا.
فما تظنه سبب إقبالها قد يكون سبب انتكاسها.
لذلك لا يستغرب أن يرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فيجد قلوب المنافقين لا تزال مطوية على دخلها، تبتسم للفاتح العائد، وهي تودّ لو لم تر شبحه، يستوي في ذلك رؤساء العشائر الذين وهى سلطانهم أمام انتشار الإسلام، وسواد الأعراب الذين يمرحون في البادية كالسوائم الغافل، لا يكادون يفقهون حديثا.
وثمّ أمر اخر زاد في غواية المنافقين وتربّصهم الشر بالإسلام ونبي الإسلام، ذلك هو عرفانهم بالخصومة التي نشبت بين المسلمين والرومان، وإدراكهم لما تحمله في أطوائها من خطورة وعنف.
فالعرب ينظرون إلى دولة الروم نظرة أهل إفريقية اليوم إلى أوروبة وأمريكة، إنّها قوة لا تنال ولا تناوش.
ولئن كان الرومان بهذه المثابة المرهوبة فإنّ محمدا- كما عرف القوم من سيرته- لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض، وقد مضى برسالته يذيب ما اعترضه من عوائق، فمحا الوثنية، وأجلى اليهودية، وقاوم بطش الروم مقاومة الواثق المعتد.
والمنافقون مسرورون بهذه الخصومة الجديدة، يحسبون أنّ مقبرة الإسلام ستحفر فيها.
لذلك لما أعلن النبي ﷺ في المدينة أنّه منطلق إلى (تبوك) تجمّع رهط من المنافقين فقال بعضهم لبعض- مشيرين إلى المسلمين-: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟.
والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال ... إرجافا وترهيبا للمؤمنين!!.
стр. 388
غزوة تبوك
عزم النبي ﷺ أن يرسي العلائق بين الإسلام والنصرانية على دعائم مكينة.
وهو لا يقبل مساومة في ترك دعاته أحرارا يعرضون دينهم على الناس، فإن راقهم دخلوه، وإن ساءهم تركوه.
يجب أن تتاح الفرص المعقولة لإفهام الجماهير ما تدعى إليه.
أما أن تقطع أعناق الدعاة، وتقام الأسوار الكثيفة في وجوههم، فهذا ما يقاومه الإسلام بالقوة.
ثم إنّ الرومان في الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان قوم غزاة، لا تربطهم بأهل البلاد الأولين إلا صلات القهر الماديّ والأدبيّ.
فالذي يعترض على زحف الإسلام إلى الشمال يجب أن يسأل نفسه قبل ذلك: لم سكت عن زحف الرومان إلى الجنوب؟ وعن الطريقة التي يباشرون بها حكم هذه الأقطار المغلوبة على أمرها؟.
والمقارنة المنصفة تجعل ما يطلبه النبي ﷺ شيئا لا غبار عليه.
دعوا العقائد المختلفة تبين عن نفسها، وتجذب الشعوب إليها، أو تصرفهم عنها ... لكنّ هذا الطلب قوبل بالردّ المسلّح.
فلا دولة الروم تفتح أبواب المصيدة عن الفرائس التي تضطرب داخل جدرانها، ولا كنيسة الروم ترحّب بهذا الجو الجديد.
قلنا في كتابنا (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام) في صدد غزوة تبوك:
« ... والكنيسة لا تطيق أن يعيش بجانبها رأي يخالف في الفروع التافهة، فكيف تسمح بالبقاء لدين ينكر سلطة رجالها؟ لأنه لا يرى بين العباد وربهم وسائط، وينكر عقيدة الفداء التي ترتكز عليها؛ لأنه يا بني الجزاء على عمل الإنسان واحده.
стр. 389
فليس للإنسان إلا ما سعى، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] .
ثم هو ينكر مبدأ الشركة في الألوهية، فليس للعالم إلا رب واحد، يخضع له عيسى وأمه.
لذلك رأى الروم أن يعيدوا الكرّة، فيضربوا الإسلام في شمال الجزيرة ضربة تردّه من حيث جاء، وتوصد عليه أبواب الحدود، فلا يستطيع التسرّب منها ... وتضمن الكنيسة بعدئذ انفرادها بالضمير البشري، حتى إذا قرعت أجراسها لم يشب رنينها صدى لمؤذن يهتف بتكبير الله وتوحيده، ويدعو للصلاة والفلاح.
وترامت إلى النبي ﷺ في المدينة أنباء هذا الإعداد الماكر، وتاريخ النصرانية- منذ تولّت الحكم- يؤكّد نية العدوان لدى رجال الكهنوت.
فلم ير النبي ﷺ بدّا من استنفار المسلمين لملاقاة هذا العدوان المبيت.
والتهيؤ لملاقاة الروم جاء في أيام قيظ وقحط.
والسير إليهم يتطلّب جهدا مضنيا ونفقة كبيرة.
وقتال الروم ليس صداما مع قبيلة محدودة العدد والعدّة، بل هو كفاح مرير مع دولة تبسط سلطانها على جملة قارّات، وتملك موارد ثرّة من الرجال والأموال.
على أنّ أصحاب العقيدة لا ينكصون أمام الصعاب، والسكوت على تحدي النصارى لهذا الدين ورغبتهم الملحة في القضاء عليه يعتبر انتحارا وبوارا، فليتحامل المسلمون على أنفسهم إذا وليواجهوا مستقبلهم بما يفرض من تضحيات وتفديات.
وللظروف العصيبة التي اكتنفت إعداد هذا الجيش سمّي جيش العسرة.
والايات التي أنزلها الله في كتابه- متعلقة بغزوة العسرة- هي أطول ما نزل في قتال بين المسلمين وخصومهم.
وقد بدأت باستنهاض الهمم لردّ هجوم المسيحية على الإسلام، وإفهام المسلمين مغبة تقصيرهم في أداء هذه الفريضة، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة من تفريط في حماية دينه ونصرة نبيّه، وإنّ التراجع أمام الصعوبات الحائلة- دون قتال الروم- يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى
стр. 390
الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [التوبة] .
ومضت الايات تتحدّث في صرامة وعنف، ففضحت المنافقين، وكشفت عن المترددين. وأهانت طلاب الدّعة والراحة، الذين اثروا ظلّ القعود في بيوتهم وحقولهم على حرّ الصحراء، ووعثاء السفر، ومتاعب الجلاد:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) [التوبة] .
وأنباء جيش العسرة تفيض بها صفحات طوال من سورة التوبة.
ولعلّ من البيّن في أسلوب القران وهو يصف هذا الجهاد، أنه لم تأخذه هوادة في التنويه بمن اشتركوا فيه، والتنديد بمن تخلّفوا عنه، ولا عجب، فتحديد موقف الإسلام من النصرانية، هو بتّ في مستقبل الدين كلّه إلى الأبد.
فإما ثبت المسلمون أمام لدد الكنيسة المتعصبة، وإمّا أحرقتهم نارها فلم يبق لدينهم أثر؛ وكان لهذا الحزم أطيب النتائج، فخرج المسلمون في تعبئة لم يخرجوا من قبل في مثلها، وانطلقوا صوب الشمال حيث تربض جيوش الروم ... » «١» .
[دعوة إلى البذل والعطاء] :
وتجلت- في هذا الإعداد- طوايا النفوس، ومقدار ما استودعت من قبل من إخلاص وسماحة ونشاط، فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم لتجهيز الجيش، وإمداده بحاجته من الرواحل والسلاح والخيل، منهم عثمان بن عفان الذي سبق في بذله سبقا بعيدا، حتى إنّ الرسول ﷺ عجب من كثرة ما أنفق، وقال: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «٢» .