← Сира

Сира · id 23659

فقه السيرة للغزالي

محمد الغزالي

Полный текст (462 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وعند ما يجيء دور التشريع في إصلاح مجتمعنا وإقامة عوجه- من هذه الناحية- فلتتجه همة الباحثين إلى ضبط وسائل العدل ومظاهره إن أرادوا. أما الخبط في مبدأ التعدد نفسه، ومحاولة النيل منه فهو عبث. وأستطيع القول: بأنّه أثر من اثار الغزو الصليبي الحديث لبلاد الإسلام. فإنّ النصرانية- دون سائر الأديان من عهد نوح- انفردت بتحريم «١» التعدد، وحبس الرجل- مهما كان شأنه- على امرأة واحدة، وترك المجتمع بعد ذلك يعالج كثرة النساء، وهياج الغرائز بوسائله الاخرى. وفي طبقات كثيرة الان ينظر إلى التعدد على أنه منكر! وإلى الزنى على أنه مسلاة تافهة! أي أنّ المشكلة الان مشكلة الدين كله والأخلاق كلها. وتقييد التعدد- والحالة هذه- محاولة سمجة؛ لتلويث المجتمع على حساب الإسلام وباسم القانون. إنّ جمهورا كبيرا من النبيين والصالحين تزوّج بواحدة وبأكثر من واحدة، ولم يخدش ذلك تقواه، وفي صحف العهد القديم الموجودة الان ما يؤيد ذلك. والإسلام لا يرى التبتّل عن النساء عبادة- كما يفعل الرهبان- ولا الزواج إلى أربع معصية كما ينسب إلى النصرانية. إنّما المعصية ترك الغريزة الجنسية تتنزّى كيف تشاء، أو في كبتها لتتسرّب وراء وراء، كما تتسرّب المياه الجوفية تحت أديم الغبراء. [زواجه ﷺ بالسيدة خديجة] : والمحفوظ من سيرة نبي الإسلام ﷺ أنه تزوج بالسيدة خديجة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هي في سن الأربعين، وظلّ معها واحدها لا يضمّ إليها أخرى، حتى تجاوزت السيدة الفضلى الخامسة والستين. وماتت وهو- صلوات الله وسلامه عليه- فوق الخمسين. ولم يجرؤ أحد من أشدّ خصومه لددا أن ينسب إليه دنسا، أو يتهمه بريبة.

стр. 422

في هذه الفترة الخصيبة الرحبة من عمر الإنسان كان رونق العفاف والشرف يتألّق في جبينه حيث سار. ولو أنّه أحب التزوّج بأخرى ما عاقه مانع من شرع أو عقل أو عادة، فإنّ التعدد كان مألوفا بين العرب، معروفا في ديانة أبي الأنبياء إبراهيم، إلا أنّه ظل مكتفيا بمن استراح إليها واطمأنّ بصحبتها، ولو أنّها طعنت في السن، وبقي هو في كمال قوته وتمام رجولته، ولهذا المسلك دلالته القاطعة. فلما انتقلت السيدة خديجة ﵂ وأحبّ النبيّ ﷺ أن يتزوج، لم يكن البحث عن الجمال في مظانه هو الباعث له على تخيّر شريكته في حياته أو شريكاته، ولو قد فعل ذلك ما تعرّض للوم. بيد أنّ الباعث الأول كان الارتباط بالرجال الذين ازروه في دعوته وعاونوه في رسالته. [عائشة وحفصة وأم سلمة وسودة ﵅] : فاختار عائشة بنت أبي بكر ﵄ على صغر سنها، واختار حفصة بنت عمر ﵄ على قلة وسامتها. ثم اختار أمّ سلمة ﵂ أرملة قائده الذي استشهد في سبيل الله، وعانت معه امرأته ما عانت في الهجرة إلى الحبشة وفي الهجرة إلى المدينة. ومن قبل هؤلاء كانت معه سودة ﵂ وهي امرأة نزلت عن حظها من الرجال لكبرها وعزوفها. والعيشة مع أولئك الأربع لا تقوم على متاع ملحوظ ودنيا سارة. ولو قد قامت على ذلك ما كان على رسول الله ﷺ من حرج، فلأي مؤمن أن يستمتاع بأربع نسوة، وتحقيق العدل متيقن في سيرة رسول الله ﷺ . قد تقول: لكن الرسول ﷺ مات عن تسع نسوة فكيف وقع هذا، ولم نال ما لم ينل غيره؟!. أليس هذا فتحا لباب التشهّي، وإجابة لدواعي الملذة؟. ونقول: أين مكان المتعة في حياة رجل لم يسترح يوما من عناء الكفاح الموصول والجهاد المضني؟. إن حملة الرسالات الإنسانية المحدودة تعييهم هموم العيش ومشكلات

стр. 423

الشعوب، فلا يحظون بساعة راحة إلا ليستجموا قليلا، ثم ينهضوا لاستئناف اللغوب! فكيف بصاحب الرسالة العظمى؟ ولقد لقي من العرب ما رأيت! ونسأل أيضا: ما مكان المتعة في حياة رجل عزف عنها وهو شاب، فكيف يغرق فيها وهو شيخ؟!. إنّ الظروف التي أحاطت بالزوجات الخمس الاخرى، تجعل البناء بهن بعض ما كلف الرسول ﷺ بتجشمه من سياسة الأفراد والجماعات، وبعض ما كلف بتحقيقه من إقامة الخير ومحو الضر. [زواجه بالسيدة زينب ﵂] : خذ مثلا زواجه بزينب بنت جحش ﵂، كان هذا الزواج امتحانا قاسيا لرسول الله ﷺ ، أمره الله به لإبطال تقليد شائع عند العرب، وأقدم عليه الرسول ﷺ وهو شديد التحرج والحياء والأذى. وزينب هذه من قريبات الرسول ﷺ ، فهو يعرفها حق المعرفة من طفولتها، وقد رغب في أن يزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك ورفض أخوها اعتزازا بما لأسرة زينب من مكانة، فهي في ذؤابة الشرف، وما زيد؟! إنه كان عبدا، ولو أن الرسول ﷺ أكرمه فيما بعد وألحقه بنسبه فصار يدعى زيد بن محمد!!. إلا أن زينب لم تجد بدّا من الانصياع لأمر النبي ﷺ ، فقد أراد أن يحطّم الاعتزاز بالأنساب، وأن ينكح زيدا زينب! فرضيت وفي نفسها غضاضة، وقبل أخوها وهو يؤدي حق السمع والطاعة فحسب، بعد ما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (٣٦) [الأحزاب] . ودخل زيد بزينب، فوجد امرأة مصروفة الفؤاد عنه، تسلّمه جسدها وتحرمه العطف والتقدير، فثارت رجولته، وقرر ألا يبقى معها، وتدخّل النبي ﷺ بين الحين والحين لإصلاح ذات البين دون جدوى. في هذه الحال أوحى الله لنبيّه أن يدع زيدا يطلّق زوجته، وأن يتزوجها هو بعد انتهائها منه. فاعترى الرسول ﷺ همّ مقلق لهذا الأمر الغريب، وساوره التوجّس من

стр. 424

الإقدام عليه، بل أخفاه في نفسه خوفا من مغبته، فسيقول الناس: تزوّج امرأة ابنه ... وهي لا تحلّ له!!. ولكن هذا الذي سيقوله الناس هو ما أراد الله هدمه، ويجب على النبي ﷺ أن ينفذه دون تهيب. وقد تريّث النبيّ ﷺ في إنفاذ أمر الله، ولعلّه ارتقب من الله- لفرط تحرجه- أن يعفيه منه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فعند ما جاء زيد يشكو امرأته، ويعرض نيته في تطليقها، قال له النبي ﷺ : «أمسك عليك زوجك واتق الله» . عند ذلك نزل الوحي يلوم الرّسول ﷺ على توقّفه، ويعتب عليه تصرّفه، ويحضّه على إمضاء رغبة زيد في فراق امرأته، ويكلّفه بتزوجها، ولو قال الناس: تزوّج امرأة ابنه، فإنّ ادّعاء البنوة لون من التزوير، تواضع عليه العرب مراغمة للحق، وينبغي أن يقلعوا عنه، وأن يهدروا نتائجه، وليكن عمل الرسول ﷺ بنفسه، وبمن التصق به أول ما يهدم ماثر الجاهلية في العرف الشائع. هذه هي القصة كما بدأ القران الكريم يرويها: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: ٣٧] . على أنّ الغريب في هذه القصة ما أدخله المغفّلون عليها من دسائس الشهوة ومظاهر الحبّ الرخيص، فقد زعموا أنّ الرسول ﷺ أحبّ زينب، ثم كتم هذا الحب، ثم ظهر، فتزوجها بعد ما طلقت!. ثم زعموا أنّ صدر الاية السابقة جاء عتابا له عن هذه العاطفة المكبوتة. ونحن نتعجّب أشدّ العجب لهذا الخبط الهائل، ومحاولة تلبيس الحق بالباطل. من كان يمنع محمدا ﷺ من الزواج بزينب وهي قريبته- بنت عمته- وهو الذي ساقها إلى رجل لم تكن فيه راغبة، وطيّب خاطرها لترضى به؟!. أفبعد أن يقدّمها لغيره يطمع فيها؟!. ثم لننظر إلى الاية، وما يزعمون أنها تضمنته من عتاب.

стр. 425

إنهم يقولون: الذي كان يخفيه النبي ﷺ في نفسه، ويخشى فيه الناس دون الله هو ميله لزينب، أي أنّ الله- بزعمهم- يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل!. ونقول: هل الأصل الخلقي أنّ الرجل إذا أحب امرأة لغط بين الناس مشهّرا بنفسه وبمن أحبّ؟ وخصوصا إذا كان ذا عاطفة منحرفة، جعلته يحب امرأة رجل اخر؟. هل يلوم الله رجلا لأنّه أحبّ امرأة اخر فكتم هذا الحبّ في نفسه، أكان يرفع درجته لو أنّه صاغ فيها قصائد غزل؟. هذا والله هو السفه!. وهذا السفه هو ما يريد بعض المغفّلين أن يفسّروا به القران!!. إنّ الله لا يعاتب أحدا على كتمان حبّ طائش، وإنّما سياق الواقعة هو كما قصصنا عليك. فالذي أخفاه النبي ﷺ في نفسه تأذّيه من هذا الزواج المفروض، وتراخيه في إنفاذ أمر الله به، وخوفه من لغط الناس عند ما يجدون نظام التبني- كما ألفوه- قد انهار. وقد أفهم الله نبيّه أنّ أمره لا يجوز أن يقفه توهّم شيء ما. وأنّه- بإزاء التكليف الأعلى- لا مفرّ له من السمع والطاعة، شأن من سبقه من المرسلين. وإذا عدت إلى الاية التي تتضمّن القصة؛ وجدتها ختمت بقوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: ٣٧] أي من حقه أن يقع حتما. ثم أعقبها ما يؤكد هذا المعنى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) [الأحزاب] . إنّك عند ما تثبّت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله. إنّك لا تقول ذلك له وهو بصدد ارتكاب معصية، إنما تقول ذلك له وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير، يخالف التقاليد المتوارثة. وظاهر في هذه الايات كلّها أنّ الله لا يجرّئ نبيّه على التدلّه بحب امرأة،

стр. 426

إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسّك الناس بها، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، لذلك يقول الله- بعد ذلك مباشرة- وهو يهدم نظام التبني: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) [الأحزاب] . [زوجات أخريات] : أما السيدات الاخريات اللاتي بنى بهن الرسول ﷺ ، فهن نساء تنميهن أصول عريقة حتى ليعتبرن بنات ملوك!. وقد أحاطت بهن- عند دخول الإسلام- ملابسات، لا يليق أن يجهلها قائد دعوة. فأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش وقائدها عشرين سنة في حرب الإسلام أو يزيد، أئذا أسلمت وراغمت أباها وقومها في ذات الله، ثم هاجرت إلى الحبشة تاركة مكة حيث يسود أبوها وتعلو كلمته؟. أترى مثل هذه السيدة إذا مات زوجها تترك لمن يخدش مكانها؟. لقد ضمّها النبي ﷺ إلى زوجاته، إعزازا لشأنها وتقديرا لصنيعها. وصفية بنت حيي ، كان أبوها ملك اليهود. وفي الصراع بين بني إسرائيل والإسلام هلك أبوها وأخوها وزوجها، ووقعت في سهم جندي، لا يعرف إلا أنها أسيرة حرب، من حقه بملك اليمين أن يسلك معها كيف يشاء. فإذا رقّ النبي ﷺ لحالها، ووهبها حريتها، ثم جبر كسرها، وقدّر ماضيها، فتزوجها ليستطيع- بإحسانه وإكرامه- تطييب خاطرها، فهل ذلك مما يلام عليه؟. وجويرية بنت الحارث ، إنّ أباها زعيم بني المصطلق، وقد انتهت حربه مع المسلمين بهزيمة نكراء، وكادت قبيلته تهون وتذل عقب هذه الهزيمة، فواسى النبي ﷺ القائد المهزوم، ثم أصهر إليه، حتى يشعر المسلمين بما ينبغي لأتباعه من كرامة ومعونة، وقد وقع ما أحبّه النبي ﷺ ، فعادت الحرية إلى القبيلة رجالا ونساء، إذ تحرج المسلمون أن يسيئوا إلى قوم تزوج النبي ﷺ ابنتهم. وقد يسبق إلى أذهان البعداء عن السيرة أنّ حياة رسول الله ﷺ الخاصة قامت على التوسع في المطاعم والمشارب ... والمتاع الاخرى.

стр. 427

والصورة التي قد ترتسم بادئ الأمر لرجل عنده نساء أنه مغمور بالسعادة المادية، يقوم بيته على الموائد الحافلة باللحوم والفواكه، ويرتوي من الأشربة التي تسري في أوصاله بالنشوة، ثم يتقلب يبن أحضان البيضاوات والشقراوات، ويصبح يستقبل الدنيا بعد ذلك خالي البال!!. وقد تكون هذه الصورة مساوية أو مقاربة لما يدور في قصور الملوك، لكن حذار أن تسفّه نفسك فتحسب شية من هذا العيش الرخيّ في بيوت محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. انتقل على عجل إلى لون اخر من الحياة الخشنة؛ لترى فيه رجلا تعلقت همته بالحق واحده، فهو ينتعش بمعرفته، ويجتهد لجمع الناس عليه، وقرة عينه في خطوة تقربه من غايته شبرا، أما أهواء الدنيا فهي تحت قدميه ودبر أذنيه. إذا استطاعت قذائف المدافع على ظهر الأرض أن تبلغ النجوم البعيدة، ما استطاعت مغريات الحياة أن تقترب من قلب محمد الزكي النقي ﷺ . ذاك إنسان اصطفته العناية؛ فهو يحلّق في مدى اخر يقول فيه: «ما لي وللدّنيا؟! إنّما أنا كرجل قال «١» تحت ظلّ الشّجرة ثمّ راح وتركها» «٢» . يربط همم البشر بالمثل العليا، وما تصير إليه عند الله، فيقول: «موضع سوط في الجنّة خير من الدّنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» «٣» . وحياته مع زوجاته نهج من الشظف لا يطيقه أحد. روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما أعلم النبيّ ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ!!.

стр. 428

وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار!. فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. وقالت عائشة أيضا: «لقد توفّي رسول الله ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي..» . أما الفراش الذي يأوي إليه هذا النبي ﷺ فهو من أدم- جلد- حشوه ليف «١» يثوي فيه قليلا، فما أن يستدفئ به حتى يسمع الصارخ- الديك- فينهض متأهبا لصلاة الفجر. ولا نعني بهذا الوصف أنّ الإسلام يعاف الطّيبات، أو أن نبيّه يسنّ للناس تركها. كلا، فشريعة الإسلام في هذا بيّنة نيّرة، وإنّما نسرد الواقع من حياة رجل صدفت نفسه عما يقتتل الناس عليه، إنّ الرجل قد يترك لأولاده الصغار لعبة يفرحون بها ويختصمون عليها؛ لأنّ طبيعة رجولته في شغل عن عبث الصبية. إنّ بعض المخترعين والمفكرين يذهلون عن الطعام المهيأ لهم، لا ازدراء له، ولكن استغراقا فيما ملك عليهم مشاعرهم. وكأنّي أتخيل النبيّ ﷺ وهو يرى سواد الناس يتفانون على الحطام الذاهب فيهز رأسه أسفا، ويقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «٢» . ثم يضرع إلى الله: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» «٣» . إنّ من الزراية بالعقل، والجور الفاحش على التاريخ، أن يجيء رجل من عرض الطريق، فيرى أو يقال له: إنّ محمدا كان لديه نسوة عديدات. فيظنّ المسكين أنّ ذلك دلالة استكثار من الشهوات وتشبّع من الدنيا. ولا يحسبنّ أحد هذا الاخشيشان فعل من لا يجد! وأنه لو فتحت إلى بيوت

стр. 429

النبيّ ﷺ نافذة تطلّ على بحبوحة الحياة الرغدة، لاستمتاع واكتنز، واستمتاع نسوته وابتهجن. لا، كان قادرا أن يحتجز من المال الذي يمر به ويحكم فيه ما يشاء، لو يشاء، لكنّ هذا النبي السمح ﷺ كان فوق التطلع إلى اللذات الصغيرة؛ لأن عينيه ترمقان هدفا أسمى، ولو سيقت إليه خزائن الأرض لفكّر- قبل كلّ شيء- في إشباع نهمة الناس منها. عن أبي ذر: كنت أمشي مع النبيّ ﷺ في حرّة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: «يا أبا ذر» ، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا، تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار- إلا شيئا أرصده لدين- إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا» ، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه. ثم مشى فقال: «إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة، إلا من قال، هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» «١» . إنّ أشهى الطعام في فم الرجل الشبعان الممتلئ لا مذاق له، وقد كان هذا النبيّ ﷺ شبعان القلب، فما يخفّ إليه غيره من زينة الدينا لا يحرّك منه شعرة، فلا غرو إذا بعثر ما يصل إليه على المحتاجين والمترقبين، أما هو فغناه في قلبه. ذاك أدب أخذه الله به من قديم، منذ قال له: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) [طه] . غاية ما يبغيه هذا النبي ﷺ أن ينجو من ماسي الدنيا ومظالم البشر، فلا تستذله أو تستذل أهله فاقة!. إنّه يعيش على قاعدة: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «٢» ، وفي حدود

стр. 430

هذا القليل الكافي يودّ أن يخلص من عقابيل الخلق، لا له ولا عليه، ولذلك كان يدعو الله: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلّة والذّلّة، وأن أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ» «١» . ويقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتّقى والعافية والغنى» «٢» - الاستغناء-. وهذا المنهج الصارم في المعيشة تقاضى نساءه أن يتحملن شدّة ما كنّ يعرفنها من قبل، لقد جئن إليه من بيوتات كبيرة. وأكثرهنّ اعتادت في صدر حياتها الزاد الطيب والنعمة الدافقة، إما مع ابائهن وإما مع رجالهن السابقين. فلا عجب إذا تململن من هذه الحياة الجديدة، وطلبن الرغد والنعومة، واجتمعن- على ما بينهنّ من خلاف- ليسألن الرسول ﷺ مزيدا من النفقة!. إنهنّ في بيت أعظم رجل في العرب، فيجب أن تتكافأ معيشتهن مع مكانتهن، وقد تزعّم هذه المطالب عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وتبعهن الباقيات ﵅!!. وحزن رسول الله ﷺ لهذه المظاهرة! إنّه المسلم الأول على ظهر الأرض وأبصار المؤمنين والمؤمنات ترنو إليه من كلّ ناحية، وهو بصدد بناء أمة تشق طريقها وسط ألوف مؤلفة من الخصوم المتربصين.

стр. 431

فإذا لم يعش بيته عيشة المجاهد المحصور، فكيف يواصل الكفاح، ويكلف الرجال والنساء من أمته أن يذهلوا عن كل شيء إلا السير بدينهم حتى يبلغ مأمنه؟!. لذلك رفض النبي ﷺ الاستجابة لرغبات نسائه في توسيع النفقة، وكره منهنّ هذا التطلّع، فقرر مقاطعتهن، حتى شاع بين الناس أنّ النبي ﷺ طلّق نساءه جملة!. وفزع أبو بكر وعمر لهذه الإشاعة فابنة كليهما عند رسول الله ﷺ ، فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا جلية الخبر، فلمّا دخلا وجدا النبيّ ﷺ صامتا، وحوله نساؤه واجمات!! وسأله عمر: أطلّقت نساءك يا رسول الله؟ قال: «لا» . إلا أنّ جوّ الحزن كان يخيّم على المكان، فقال عمر: لأكلمنّ رسول الله لعلّه يضحك. فقال: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد- يعني زوجته- سألتني النفقة انفا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه، وقال: «هنّ حولي يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدّبها، وقام عمر إلى حفصة. كلاهما يقول: تسألن النبيّ ما ليس عنده؟!. فنهى النبي ﷺ الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئا. وكانت نساؤه- نادمات- يقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وهجرهنّ النبي ﷺ شهرا، لا يتصل بهن، حتى يشعرن بما فعلن، ونزلت ايات التخيير من عند الله تطلب إليهنّ جميعا إمّا التجرّد للدار الاخرة مع رسول هذه طريقته في حياته، وإما اللحاق بأهلهنّ حيث الملابس الحسنة والماكل الدسمة. وكان هذا الدرس كافيا ليمحو اخر ما في أنفسهنّ من رغبة لم تتجاوز المباحات المشتهاة، فاخترن- جميعا- البقاء مع النبي ﷺ على قاعدته العتيدة: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «١» ، وعشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ

стр. 432

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) [الأحزاب] «١» . فاثرن الله ورسوله والدار الاخرة ... وعشن مع النبيّ ﷺ معينات على الحق، راغبات في الثواب. وبهذا التفاني في خدمة الرسالة، والإهمال لمطالب النفس، رفع الله درجاتهن فلم يصبحن زوجات رجل يطلبن في ظلّه المتاع، بل صرن شريكات في حياة فاضلة غالية، واستحققن قول الله : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ... [الأحزاب: ٦] . وتوكيدا لهذه الأمومة الروحية شرع الحجاب الدقيق على أمهات المؤمنين، فلا يجوز لأحد من الأجانب أن يلتقي بهنّ ولو مع محرم. وسؤالهن في شؤون الدين والدنيا إنما يكون من وراء الحجاب، كما لا يجوز لأحد- بعد وفاة الرسول ﷺ أن يتزوّج بإحداهنّ. وبهذا التشريع الصارم قطع دابر الفضوليين والثقلاء، الذين يكثرون التردد على بيوت الزعماء، كما قطع دابر المتربصين منهم، الذي ينشدون الرفعة من وراء الاقتران بأولئك النساء، ولا نستغرب مثل هذا التشريع! فقد تأدّت الجرأة ببعض الناس أن يقول أحدهم: لو قبض النبيّ تزوجت عائشة! ومن حق النبي ﷺ أن يصان شعوره، وأن يصدّ عنه وعن أهله أولئك الأعراب السفهاء. ولم يعقّب الرسول ﷺ من زوجاته أولئك ولدا. أما بناته اللائي أعقبهنّ من خديجة فقد متن وهو حيّ، عدا فاطمة، فإنها بقيت بعده شهورا، ثم كانت أول أهله لحوقا به. ودخل رسول الله ﷺ بمارية التي بعث بها المقوقس إليه بعد أن أسلمت، وحملت منه، ثم وضعت له ابنا أسماه إبراهيم، باسم جدّه أبي الأنبياء، ولم يعمّر طويلا، بل مات وهو رضيع.

стр. 433

قال أنس: لقد رأيته وهو يجود بنفسه بين يدي رسول الله. فدمعت عليه عينا النبيّ ﷺ ثم قال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» «١» !. واتفق أنّ الشمس كسفت في ذلك اليوم، فتحدّث الناس أنّ الشمس كسفت لموت ابن النبي ﷺ ، فقام النبي ﷺ مصلّيا بالناس ثم قال: «يا أيها الناس! إنّ الشّمس والقمر ايتان من ايات الله ، لا ينكسفان لموت بشر، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي» «٢» .

стр. 434

(٩) حجّة الوداع

стр. 435

حجة الوداع استقرار: زالت غبرة الجاهلية عن افاق الجزيرة كما تزول بقايا الليل أمام طلائع الشروق، وصحّت العقول العليلة فلم تعد تخشى وترجو إلا الله، بعد ما ظلّت دهورا تعبد أصناما جامدة، وسمع الأذان للصلوات يشقّ أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القرّاء شمالا وجنوبا يتلون ايات الكتاب، ويقيمون أحكام الله، ويعلّمون العرب ما لم يعلموا هم ولا اباؤهم. إنّ هذه الجزيرة- منذ نشأ فوقها عمران- لم تهتزّ بمثل هذه النهضة المباركة، ولم يتألّق تاريخها تألّقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها. وكان النبيّ ﷺ في المدينة يستقبل الوفود، ويشيّعها بعد ما ينفخ فيها من روحه الكبير، ويزودها بحكمته الباهرة، فتعود من حيث أتت؛ لتنشئ في مواطنها القصية معاقل للإسلام وصحائف بيضا في تاريخ أمة. ولم يكتف النبي ﷺ بترقّب الوفود المقبلة، بل أرسل رجاله الكبار إلى الجنوب ليزيد رقعة الإسلام هناك اتساعا. فإنّ في اليمن وما حولها قبائل كثيفة العدد، ولأهل الكتاب السابقين نشاط قديم، وقد نشأ الإسلام هناك حقا وتقلّص ظل الفرس لغير عودة. إلا أنّ هذه البقاع النائية تحتاج مزيدا من رعاية وتفقّد. ومن ثمّ بعث النبيّ ﷺ خالد بن الوليد، ثم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، ثم عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين «١» . وكأنّ هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول الله ﷺ يشعره أنّ مقامه في الدنيا يوشك على النهاية! فإنّه بعد أن علّم معاذ بن جبل كيف يدعو من يلقاهم، وكيف

стр. 436

يعرّفهم دينهم خرج معه إلى ظاهر المدينة يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته!. فلما فرغ قال: «يا معاذ! إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا!! ولعلّك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» ! فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ . ثم التفت النبي ﷺ بوجهه نحو المدينة فقال: «إنّ أولى النّاس بي المتّقون، من كانوا وحيث كانوا» «١» . وقد وقع ما أومأ إليه الرسول ﷺ ، فإنّ معاذا أقام باليمن، حتى كانت حجة الوداع ، ثم كانت وفاة النبي ﷺ بعد الحج الأكبر بواحد وثمانين يوما، ومعاذ باليمن. وقد كان للعناية باليمن ما يبرّرها، فقد ظهر فيها وفي بني حنيفة دجّالان يزعمان النبوة. ولم يكن لكلا الدجّالين من خلال الرجولة وايات الخير ما يجمع عليه حفنة من الرجال. ولكنّ داء العصبية العمياء، جعل قبيلا كبيرا من الرعاع يقول: نحن نعلم أنّ مسيلمة كذاب، ولكنّ كذّاب ربيعة خير من صادق مضر!!. وقد اشتعلت فتن المتنبئين حينا، ثم داستها أقدام المجاهدين بعد، فأخمدت جذوتها، وذهبت نبوة مسيلمة وغيره كما تذهب بولة شاة على أديم الثرى. حجة الوداع: أعلن رسول الله ﷺ نيّته بالحج، وأشعر الناس بذلك حتى يصحبه من شاء. فترك المدينة أواخر ذي القعدة، بعد أن أمّر عليها في غيابه «أبا دجانة» «٢» . والحجّ هذه المرة جاء مغايرا لما ألفته العرب أيام جاهليتها. انتهت العهود المعطاة للمشركين، وحظر عليهم أن يدخلوا المسجد الحرام.

стр. 437

فأصبح أهل الموسم- قاطبة- من الموحّدين، الذين لا يعبدون مع الله شيئا، وأقبلت وفود الله من كلّ صوب، تيمم وجهها شطر البيت العتيق، وهي تعلم أنّ رسول الله ﷺ هو في هذا العام أمير حجهم ومعلمهم مناسكهم!!. ونظر رسول الله ﷺ إلى الألوف المؤلفة وهي تلبّي وتهرع إلى طاعة الله، فشرح صدره انقيادها للحق، واهتداؤها إلى الإسلام، وعزم أن يغرس في قلوبهم لباب الدين، وأن ينتهز هذا التجمّع الكريم ليقول كلمات تبدّد اخر ما أبقت الجاهلية من مخلّفات في النفوس، وتؤكّد ما يحرص الإسلام على إشاعته من اداب وعلائق وأحكام. فألقى هذه الخطبة الجامعة «١» : «أيّها النّاس! اسمعوا قولي، فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها النّاس! إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت. فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإنّ كلّ ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنّه لا ربا، وإنّ ربا العباس بن عبد المطّلب موضوع كلّه. وإنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع، وإنّ أول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وكان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل- فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهليّة. أما بعد: أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنّه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم!!.

стр. 438

أيها الناس! إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: ٣٧] ، ويحرّموا ما أحلّ الله. وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد: أيها الناس، فإنّ لكم على نسائكم حقّا، ولهنّ عليكم حقّا. لكن عليهن ألايوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهنّ ألايأتين بفاحشة مبيّنة؛ فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ عندكم عوان «١» ، لا يملكن لأنفسهنّ شيئا. وإنّكم إنّما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي فإنّي قد بلّغت. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بيّنا: كتاب الله وسنّة نبيّه. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أنّ كلّ مسلم أخ للمسلم، وأنّ المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلغت؟» . قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اشهد» . قال ابن إسحاق: كان الرجل الذي يصرخ في الناس: يقول رسول الله ﷺ وهو بعرفة- ربيعة بن أميّة بن خلف. يقول له رسول الله ﷺ : «قل: يا أيها الناس إنّ الرسول يقول: هل تدرون أيّ شهر هذا؟» فيقول لهم.. فيقولون: الشهر الحرام..!! فيقول: «قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا» ..

стр. 439

ثم يقول: «قل: يا أيها الناس إنّ رسول الله ﷺ يقول: هل تدرون أيّ بلد هذا؟» فيصرخ به! فيقولون: البلد الحرام، فيقول: «قل: إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا» . ثم يقول: يا أيها الناس! إنّ رسول الله ﷺ يقول: «هل تدرون أيّ يوم هذا؟» . فيقول لهم.. فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا..» . كان الرسول ﷺ يريد- بعد بلاء طويل في إبلاغ الرسالة- أن يفرّغ في اذان الناس وقلوبهم اخر ما لديه من نصح. كان يحسّ أنّ هذا الركب سينطلق في بيداء الحياة واحده، فهو يصرخ به كما يصرخ الوالد بابنه الذي انطلق به القطار، يوصيه الرشد، ويذكّره بما ينفعه أبدا. وكان هذا النبيّ الطيب ﷺ كلما أوجس خيفة من مكر الشيطان بالناس، عاود صيحات الإنذار، واستثار أقصى ما في الأعماق من انتباه، ثم ساق الهدى والعلم ... وقطع المعاذير المنتحلة، وانتزع- بعد ذلك- شهادة من الناس على أنفسهم وعليه أنّهم قد سمعوا، وأنّه قد بلّغ. لقد ظلّ ثلاثا وعشرين سنة يصل الأرض بالسماء، ويتلو على القاصي والداني اي الكتاب الذي نزل به الروح الأمين على قلبه، ويغسل أدران الجاهلية التي التاث بها كلّ شيء، ويربّي من هؤلاء العرب الجيل الذي يفقه الحقائق، ويفقّه العالم فيها. وها هو ذا يقود الحجيج في أوّل موسم يخلص فيه من الشرك، ويتمحّض فيه لله الواحد القهار. وها هو ذا على ناقته العضباء يستنصت الجماهير المائجة ليؤكّد المعاني التي بعث بها، والتي عرفهم عليها، ويخلّي ذمته من عهدة البلاغ والتبيان التي نيطت بعنقه. لقد أجيبت دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ حين هتف وهو يا بني البيت العتيق: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) [البقرة] . إنّ العزيز الحكيم تجلّى باسميه الجليلين على هذه الديار، فوهب العزّة

стр. 440

والحكمة- أو قل: القوّة والسياسة- لمحمد بن عبد الله، فعالج بها الاثام الجاثمة على صدر الأرض، فما استعصى على الأناة والحلم استكان للتأديب والحكم. وبهذا المنهج الجامع بين العدل والرحمة أخذت رقعة الباطل تنكمش رويدا رويدا حتى اختفت الجاهلية ولوثاتها، وثبت الإسلام، ثم أصاخ العرب- بعد ما لان قيادهم- إلى صوت الحقّ الأخير في حجة الوداع. وفي يوم عرفة من هذه الحجة العظيمة نزل قول الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ... [المائدة: ٣] . وعند ما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنّه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنّه استشعر وفاة النبيّ صلوات الله عليه وسلامه. والحقّ أن مشاعر التوديع للحياة والأحياء كانت تنضح بها بعض العبارات التي ترد على لسان الرسول ﷺ ، منها ما سبق ذكره في خطبته بالموسم، ومنها ما يقع في أثناء تعليمه الوفود المحتشدة حوله، كقوله عند جمرة العقبة: «خذوا عنّي مناسككم فلعلّي لا أحجّ بعد عامي هذا» «١» . إلى المدينة: فلما قضى الرسول ﷺ مناسكه حثّ الرّكاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظّا من الراحة، بل ليستأنف حياة الكفاح والكدح لله. إنّ المبطلين لا يدعون لأهل الحقّ مهلة يستجمّون فيها. وأصحاب الرسالات أنفسهم لا يستعيدون نشاطهم في القعود عن العمل، بل يستمدّون الطاقة على العمل من الشعور بالواجب. وراحتهم الكاملة يوم يرون بواكير نجاحه دانية القطاف. قفل الرسول ﷺ إلى المدينة ليعبّئ جيشا اخر يقاتل به الروم. فإنّ كبرياء هذه الدولة على الإسلام، جعلتها تأبى عليه حقّ الحياة، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه.

стр. 441

كان (فروة بن عمر الجذامي) واليا من قبل الروم على (معان) وما حولها من أرض الشام، فاعتنق الإسلام، وبعث إلى النبي ﷺ يخبره بذلك. وغضب الرومان، فجرّدوا على (فروة) حملة جاءت به، وألقي في السجن حتى صدر الحكم بقتله، فضربت عنقه على ماء لهم يقال له: (عفراء) بفلسطين، وترك مصلوبا ليرهب غيره أن يسلك مسلكه! وقيل: إنّه لما قدّم للقتل قال: بلّغ سراة المسلمين بأنّني ... سلم لربّي، أعظمي ودمائي فأعد رسول الله ﷺ جيشا كبيرا، وأمّر عليه أسامة بن زيد بن حارثة. وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنّ أحد أنّ بطش الكنيسة لا معقّب له، وأنّ الدخول في الإسلام يجرّ على أصحابه الحتوف فحسب. ولمّا كان (أسامة) شابا لا يتجاوز الثمانية عشر، فإنّ بعض الناس ساءتهم هذه الإمارة، واعترضوا أن يقود الرجال الكبار شابّ حدث. ولا شكّ أنّ النبيّ ﷺ لا يلتفت في ولايته إلا إلى الجدارة. فمن استحقّ منصبا بكفايته قدّمه له، غير مكترث بحداثة سنه. فإنّ كبر السّنّ لا يهب للأغبياء عقلا، ولا الصغر ينقص الأتقياء فضلا: فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشّبان والشّيب ولذلك قال رسول الله ﷺ ردا على اعتراض الناقدين-: «لئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإنّ ابنه من بعده لخليقا بها، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ» «١» . وانتدب الناس يلتفون حول (أسامة) وينتظمون في جيشه. إلّا أنّ الأخبار المقلقة عن مرض رسول الله ﷺ أكرهتهم على التريّث حتى يعرفوا ما يقضي به الله ...

стр. 442

(١٠) الرّفيق الأعلى

стр. 443

الرفيق الأعلى [شكوى النبي ﷺ ] : شعر الرسول ﷺ بوعكة المرض الذي نزل به أواخر صفر من السنة الحادية عشرة، وبدأت الامه صداعا حادا، عاناه في سكون حتى ثقل عليه الوجع وهو في بيت زوجه ميمونة.. فلم يستطع الخروج. وأذن له نساؤه أن يمرّض في بيت عائشة؛ لما رأين من ارتياحه إلى خدمتها له. فخرج من عند ميمونة بين الفضل بن العباس وعليّ بن أبي طالب ﵃. وكان الألم قد أوهى قواه، فلم يستطع مسيرا. فانتقل بينهما معصوب الرأس، تخطّ قدماه على الأرض حتى انتهى إلى بيتها «١» . واشتدّت وطأة المرض على رسول الله ﷺ ، واتّقدت حرارة العلّة في بدنه. فطلب أن يأتوه بما يتبرّد به ... ماء كثير!!: «أهريقوا عليّ سبع قرب من ابار شتّى ... » . قالت عائشة: فأقعدناه في مخضب لحفصة، ثم صببنا عليه الماء، حتى طفق يقول: «حسبكم، حسبكم» «٢» . وعند ما أحسّ الرسول ﷺ بأن سورة الحرّ خفّت عن بدنه، استدعى الفضل ابن عمه العباس فقال: «خذ بيدي يا فضل» . وهو موعوك معصوب الرأس، قال الفضل: فأخذت بيده حتى دخل المسجد، وجلس على المنبر. ثم قال: «ناد في الناس» ، فاجتمعوا إليه. وكانت ظهيرة تظللها الكابة، وتغمرها الرقّة، اشرأبّت فيها الأعناق إلى

стр. 444

الرجل الذي أحيا موات القلوب، وأخرجهم وذرياتهم ونساءهم من الظلمات إلى النور، تطلّعت إليه الأعين الحائرة فرأته متعبا. انهزمت العافية في بدنه الجلد أمام سطوة المرض العاتي. إلا أنّه أخذ يحدّثهم ويربّيهم على عهداهم به دائما. وأنصتوا، فإذا هم يسمعون منه عجبا.. أنّه لما أحس بدنوّ أجله أحبّ أن يلقى الله وليس هناك بشر يطلبه بتبعة. إنّه تحرّى العدالة في شؤونه كلّها؛ لكن من يدري؟ ربما عرض له سهو مما يعرض لبني ادم أو خطأ فجار، وهو الذي يبرأ من الجور وذويه!!. إذن ليخطب الناس في هذا حتى يستريح ضميره.. قال: «أمّا بعد أيها الناس! فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلا هو. فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه!. ألا وإنّ الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني. ألا وإنّ أحبكم إليّ من أخذ مني حقا إن كان له، أو أحلّني منه فلقيت الله وأنا طيب النّفس. وقد أرى أنّ هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مرارا» . قال الفضل: ثم نزل فصلّى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها. فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنّ لي عندك ثلاثة دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» . ثم قال النبي ﷺ : «أيها الناس، من كان عنده شيء فليؤدّه، ولا يقل: فضوح الدّنيا، ألا وإنّ فضوح الدنيا أيسر من فضوح الاخرة» !. فقام رجل فقال: يا رسول الله! عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله. قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت إليها محتاجا. قال: «خذها منه يا فضل» . ثم قال: «أيها الناس، من خشي من نفسه شيئا فليقم أدع له» . فقام رجل فقال: يا رسول الله! إنّي لكذّاب، إنّي لفاحش، وإني لنؤوم! فقال النبي ﷺ : «اللهمّ ارزقه صدقا وإيمانا، وأذهب عنه النوم» . ثم قام رجل اخر فقال: والله يا رسول الله إنّي لكذاب، وإنّي لمنافق، وما من شيء إلا قد جنيته. فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: فضحت نفسك! فقال النبي ﷺ :

стр. 445

«يا بن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الاخرة، اللهمّ ارزقه صدقا، وإيمانا، وصيّر أمره إلى خير» «١» . [اشتداد المرض] : وعاد النبي ﷺ إلى بيته اللاصق بالمسجد لينام في فراش السقام، وهو الذي لم يتعود أن يركن إليه أو يهدأ فيه. كانت هناك مهام كثيرة ترتقب صحوه ليبتّ فيها، ولكنّ أعباء العلّة حبسته في قيودها، فلم يستطع منها فكاكا. وإذا استطاع أن يخرج في فترات قليلة تخف فيها حدّة المرض، فإلى المسجد، ليلقي نظرات أخيرة على الأمة التي صنعها، والرجال الذين أحبّهم. عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله ﷺ جلس يوما على المنبر فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله» . فبكى أبو بكر، ثم قال: فديناك بابائنا وأمهاتنا يا رسول الله. قال أبو سعيد: فتعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد يخيّر، ويقول: فديناك بابائنا وأمهاتنا!. قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام» . وفي رواية: «ولكن صحبة، وإخاء إيمان، حتى يجمع الله بيننا عنده» «٢» .

стр. 446

وحدث في أثناء المرض أن مرّت أوقات هادئة خيّلت لمحبي الرسول ﷺ أنّ أمانيهم في عافيته نجحت، وأنّه يوشك أن يقوم ليستأنف كفاحه في سبيل الله، وليظلّ يحبوهم بعطفه وحرصه وإيناسه ورحمته. فعن عبد الله بن كعب بن مالك أن ابن عباس أخبره: أنّ عليّ بن أبي طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن! كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده العبّاس بن عبد المطلب فقال: ألا ترى؟ إنك بعد ثلاث عبد العصا، وإنّي أرى رسول الله ﷺ سيتوفّى في وجعه هذا، وإنّي لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت..! فاذهب إلى رسول الله ﷺ فسله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا استوصى بنا خيرا، قال عليّ: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا «١» . وظاهر أنّ العباس يعني الخلافة، فقد شعر الرجل بأن النبي ﷺ في مرض الموت، وخبرته بأقاربه حين يحتضرون جعلته صادق الحدس في تبيّن مصائرهم. ولما كان عميد بني هاشم، فقد أهمّه أن يعرف لمن ستكون سيادة الناس بعد وفاة الرسول ﷺ ، وقد اتجه إلى عليّ يبثّه مكنون نفسه؛ لأنّ عليا- بسابقته وكفايته ومنزلته في الناس، وموضعه من الرسول ﷺ يعد أول بني هاشم ترشيحا لهذا الأمر. بيد أنّ عليا كره أن يكلّم النبي ﷺ في ذلك، واثر ترك الأمر لجمهور المسلمين. وكان النبي ﷺ نفسه قد همّ بكتابة عهد يمنع شغب الطامعين في الحكم، ثم بدا له فاختار أن يدع المسلمين وشأنهم، ينتخبون لقيادتهم من يحبّون «٢» .

стр. 447

[أوامر ووصايا] : وزادت وطأة المرض على رسول الله ﷺ ، وعانى من برحائه ألما مضاعفا، حتى تأذّت فاطمة ابنته من شدّة ما يلقى، فقالت: وا كرب أبتاه!. فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» «١» . وترامت الأخبار إلى جيش أسامة، فشاع الحزن والاضطراب في صفوفه، عن محمد بن أسامة عن أبيه قال: لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلنا على رسول الله، وقد أصمت لا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ، فعرفت أنه يدعو لي «٢» . وأغمي عليه مرة فلدّه أهله «٣» ، فلما أفاق كره ذلك منهم «٤» . وكان إلى جواره قدح فيه ماء يغمس فيه يده ثم يمسح وجهه بالماء، ويقول: «اللهمّ أعنّي على سكرة الموت» «٥» . وحين عجز النبيّ ﷺ عن الصلاة بالناس استقدم أبا بكر ليؤمّهم. فخشيت عائشة أن يكره النّاس أباها، ويتشاءمون من طلعته. فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه متى يقم مقامك لا يطيق. فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» . فكرّرت عائشة اعتراضها، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «إنّكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» «٦» . وصلّى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة. وهذه الأيام التي تخلّف فيها النبي ﷺ عن أن يؤم المسلمين، كانت من

стр. 448

أشدّ الأيام ثقلا عليه، وصحّ عنه ﷺ أنّه قال: «إنّي أوعك كما يوعك الرجلان منكم» «١» . ومع فيح الحمّى وحدّة مسّها لبدنه فقد ظلّ يقظ الذّهن، مهموما بتعاليم الرسالة، حريصا على تذكير الناس بها. وكان يخشى أن ترتكس أمته فتتعلّق بالأشخاص (الأضرحة) كما ارتكس أهل الكتاب الأولون. وشدته في إخلاص التوحيد لله هي التي جعلته وهو يعالج سكرات الموت، يرهّب المسلمين من هذا المزلق. عن عائشة وابن عباس قالا: لمّا نزل رسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه فقال- وهو كذلك-: «لعنة الله على اليهود والنّصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - يحذّر مثل ما صنعوا- «٢» . وكان يخشى أن تغلب شهوات الغيّ والكبر على أمته. فإن الذين يتبعون شهوات الغيّ ينسون الصلاة، والذين يتبعون شهوات الكبر يطغون على ما تحت أيديهم من خدم ومرؤوسين ورقيق. والأمة التي تستبدّ بها هذه الشهوات لا تصلح للحياة، ولا تصلح بها حياة. ومن اليسير أن يتركها الله تلقى جزاء ما تصنع، وهو خزي الدنيا وعذاب الاخرة. هذه الخشية حملت النبيّ ﷺ وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أن ينبّه المسلمين إلى معاقد الخير ليتمسّكوا بها. عن أنس بن مالك قال: كانت عامّة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت-: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» ، حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه «٣» .

стр. 449

[حرصه ﷺ على أمته] : وربما غلبه الشوق لحضور الجماعة ورؤية الأصحاب في أيامه الأخيرة فتحامل على جسمه المنهوك، وانسلّ إلى المسجد من حجرة عائشة، فصلّى بالناس وهو قاعد. قال ابن عباس: لما مرض النبيّ ﷺ أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس، ثم وجد خفّة فخرج. فلمّا أحسّ به أبو بكر أراد أن ينكص، فأومأ إليه الرسول ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الاية التي انتهى إليها أبو بكر، فكان أبو بكر يأتمّ بالنبيّ ﷺ والناس يأتمّون بأبي بكر «١» . على أنّ أبا بكر ظلّ يصلي بالناس هذه الأوقات التي مرض فيها رسول الله ﷺ حتى صبيحة اليوم الذي قبض فيه، وكان الرسول ﷺ معلّق القلب بشؤون أمته. وكأنّ الله أراد أن يطمئنه على كمال انقيادها وحسن اتباعها، فأشهده اخر وقت حضره وهو في الدنيا، إذ أقبل المؤمنون من بيوتهم إلى المسجد فجر الإثنين الذي قبض فيه، واصطفوا لصلاتهم خشّعا مخبتين وراء إمام رقيق التلاوة، فيّاض الإخلاص، ورفع النبيّ ﷺ الستر المضروب على منزل عائشة، وفتح الباب وبرز للناس. فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم ابتهاجا برؤيته، وتفرّجوا يفسحون له مكانا، فأشار بيده أن اثبتوا على صلاتكم، وتبسّم فرحا من هيئتهم في صلاتهم.

стр. 450

قال أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله أحسن هيئة منه في تلك الساعة «١» . ثم رجع وانصرف الناس، وهم يظنّون أنّ رسول الله ﷺ قد أفاق من وجعه. واطمأنّ أبو بكر لهذا الظنّ، فرجع إلى أهله بالسّنح في ضواحي المدينة «٢» . قالت عائشة: وعاد رسول الله ﷺ من المسجد فاضطجع في حجري. ودخل علينا رجل من ال أبي بكر في يده سواك أخضر، فنظر رسول الله إلى يده نظرا عرفت منه أنّه يريده. فأخذته فألنته له، ثم أعطيته إياه. فاستنّ به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قبله، ثم وضعه. ووجدت رسول الله يثقل في حجري. فذهبت أنظر في وجهه. فإذا نظره قد شخص، وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنّة» . قلت: خيّرت فاخترت، والذي بعثك بالحق.. وقبض رسول الله ﷺ «٣» . [وفاته ﷺ واثارها على المسلمين] : وتسرّب النبأ الفادح من البيت المحزون وله طنين في الاذان، وثقل ترزح تحته النفوس، وتدور به البصائر والأبصار. وشعر المؤمنون أنّ افاق المدينة أظلمات، فتركتهم لوعة الثّكل حيارى لا يدرون ما يفعلون.

стр. 451

ووقف عمر بن الخطاب- وقد أخرجه الخبر عن وعيه- يقول: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله ﷺ توفّي، وإنّ رسول الله ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل: قد مات. والله ليرجعنّ رسول الله ﷺ فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّه مات!. وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة وهو مسجّى في ناحية البيت عليه برد حبرة. فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن يصيبك بعدها موت أبدا. وردّ الثوب على وجهه، ثم خرج، وعمر يكلّم الناس، فقال: على رسلك يا عمر فأنصت. لكنّ عمر ظلّ مهتاجا مندفعا في كلامه. فلمّا راه أبو بكر كذلك، أقبل على الناس وشرع يتكلّم، فلمّا سمعه النّاس انصرفوا عن عمر وأقبلوا عليه. وحمد أبو بكر الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإنّ محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الاية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [ال عمران] .

стр. 452

خاتمة لم تمض أيام معدودات على وفاة الرسول ﷺ حتى اشتبك الإسلام في صراع رهيب مع الوثنية، التي عاودتها الحياة فجأة، والصليبية الرابضة في شمال الجزيرة تمنع الدخول في الإسلام، وتحبط دعايته بالقوة. ولم تشهد الصحراء في حياة النبي ﷺ مثيلا لهذه المعارك الطاحنة؛ فقد اتسعت ميادينها، وتتابعت أمدادها، وفدحت مغارمها، وكثرت ضحاياها. إلا أنّ الرجال الذين ربّاهم محمد ﷺ على معرفة الحق والفناء فيه، صدقوا الله في عملهم، ونهضوا كأعتى الأبطال بالأثقال الباهظة التي رموا بها. ضربوا الوثنية في الجزيرة ضربة كسرت فقارها، واعتصرت روحها، فهمدت إلى الأبد. وردوا الرومان عن الحدود التي تمردوا بها وتجبروا فيها. ثم عادوا إلى المدينة لا ليستجمّوا، بل لينتشروا خلال المعمور من أرض الله يومئذ في نظام رتيب، وبوحي شريعة محكمة. وما هي إلا سنوات قلائل حتى كان الإسلام ملء البر والبحر، ملء السمع والبصر. والان وقد مرت قرون أربعة عشر على هذه الحقبة الزاهرة؛ إن الإسلام بعد مجد كبير- لا يحكم أمته، فضلا عن أن يوجّه العالم إلى بر يذكر أو خير يشكر. والأديان الاخرى تعيش على هامش الحياة؛ فالحضارات القائمة أو المتربصة لا تمكّن الدين من زمامها. والوثنية في الهند، وفي الشرق الأقصى، وفي بقاع أخرى: لا تزال تظلل الجوانب الداكنة من حياة العامة ومسالك الجماهير. واليهودية تنحاز بأبنائها جانبا لتغرس في قلوبهم الحقد على البشر، والنفاذ من خلل الصفوف المتناحرة بأكبر غنم لإسرائيل.

стр. 453

أما الصليبية فهي كالنبات المتسلق في خط الاستواء؛ تعتمد في بقائها على الالتحاق بالفلسفات السائدة والنظم الغالبة، كي تضمن حياة- أي حياة- لدعائمها الأولى من تثاليث وقرابين. والمسلمون سرت إليهم لوثات الاحتراف، والتعلق بالقشور والمراسيم، وردتهم رذائل الضعف والجهالة إلى أحوال أشبه بما كان يسود اليهود والنصارى على عصر النبوة والخلافة الراشدة. وقلة يسيرة منهم هي التي بقيت إلى يوم الناس هذا تغالب الجاهلية وتتشبث بالحق «١» . وإذا كان مما يعين على الأمل أن الإسلام ظلّ من الناحية العلمية محفوظا في مصدريه الخطيرين: الكتاب والسنّة، فإنّ هذا العلم المصون لا يغني أبدا عن العمل. على أن الذين يعملون للإسلام عملا صحيحا يلقون مقاومة عنيفة من شتى الجبهات الاخرى، أعني الجبهات التي قاومت امتداده من أربعة عشر قرنا، ولم تبرد عداوتها له يوما. قد يسأل سائل: هل العالم اليوم بحاجة إلى الإسلام؟. ونقول: إذا كان العالم بحاجة إلى أن يعرف الله، ويستعد للقائه، ويقدم حسابا على ما أدى في هذه الدنيا، فلا بدّ له من الإسلام. إن الارتقاء المادي لا يغني فتيلا عن التقيد بهذه الحقائق الكبيرة. قد يقال: لكن من الناس من لا يؤمن بإله قائم أو يوم اخر!. ومنهم من يؤمن بذلك على نحو غير ما جاء به الإسلام. فدعوا الناس وما يرون ... ونقول: لير الناس ما يشاؤون، ولكن ليس من حقّ العميان أن يخلعوا عيني المبصر، أو يضيّقوا عليه الخناق، لأنه يرى ما لا يرون!. فليدعوه يمشي بهدي بصره، وليدعوه كذلك يصف ما يرى في طريقه وما يتوقع.

стр. 454

فمن تبعه من غير استكراه فلينطلق معه، وإلا فليدعه، وليرفع من أمامه العوائق، وذلك ما يبغيه الإسلام فحسب. إن المبطلين يكرهون الإسلام لأنه حق ناطق، يجادل عن نفسه، ويستعلن بما فيه، ويرفض أن يتوارى أو يصمت. هذه الخاصة في الإسلام، خاصة إحقاق الحق وإبطال الباطل، أزعجت أعداءه، وجعلتهم يختلقون له التهم. فإذا رفض المهادنة فهو مهاجم، وإذا أبى أن يموت أمام كيد الخصوم فهو ينتشر بالإكراه!. وذاك سرّ الخرافة التي راجت أن الإسلام ساد بالسيف. والإسلام إنما امتشق الحسام لينجو به من غوائل الرّعاع والقطّاع. ولو ترك من غير ترويع، ما أثقل عاتقه برمح، ولا كتفى من السنان باللسان. نعم إنه كان في هذا السبيل صارما. وهل ينتظر منه إلا ذلك في ملاقاة خصوم يجرّون وراءهم كبرياء القرون الطوال وتعصبها، وضلالات تحتمي وراء غابات متشابكة من الرجال والسلاح؟!. إنه لولا هذه الصرامة ما بقيت أصوله العلمية والنفسية سليمة إلى اليوم، فإنّ الديانات التي ضعفت قبله أفلح أعداؤها في جرّها عن أصولها جرّا شنيعا فلم تعد إلى قواعدها سالمة.. أما الإسلام فإنك واجده اليوم ولو في كتابه إن لم يكن في أصحابه. قد تظنّ أنك درست حياة محمد ﷺ إذا تابعت تاريخه من المولد إلى الوفاة، وهذا خطأ بالغ. إنك لن تفقه السيرة حقّا إلا إذا درست القران الكريم والسنّة المطهرة. وبقدر ما تنال من ذلك تكون صلتك بنبي الإسلام ﷺ .

стр. 455

فهرس الموضوع الصفحة* المقدمة ٥ حول أحاديث هذا الكتاب ١١ (١) رسالة وإمام (مدخل إلى السيرة النبوية) الوثنية تسود الحضارة القديمة ١٧ طبيعة الرسالة الخاتمة ٢١ العرب حين البعثة ٢٥ رسول معلّم ٢٨ منزلة السنّة من الكتاب الكريم ٣٧ النبي ﷺ وخوارق العادات ٤٧ (٢) من الميلاد إلى البعث (العهد المكي) نسب النبي ﷺ ومولده ورضاعه ٥٩ نسبه ومكانته في قومه ٥٩ قلّة ماله ﵊ ٦٠ تاريخ مولده ﷺ ٦١ كيفية استقبال جده لمولده ٦٢ عرضه على المراضع ٦٣ شق الصدر ٦٥ بحيرا الراهب ٦٩ حياة الكدح ٧١ أهداف التعليم ٧٤ حرف الفجار ٧٥ حلف الفضول ٧٦

стр. 456

الموضوع الصفحة قوة ونشاط ٧٨ خديجة ﵂ ٨٠ الزواج الميمون ٨١ الكعبة ٨٣ باحثون عن الحق ٨٦ في غار حراء ٨٩ ورقة بن نوفل ٩١ (٣) جهاد الدعوة (في مكة) محمد ﷺ يحمل أعباء الدعوة إلى الله ٩٧ إلام يدعو الناس؟ ١٠٠ الرعيل الأول ١٠٢ إظهار الدعوة ١٠٤ أبو طالب ١٠٧ الاضطهاد ١١٠ عمار بن ياسر ﵁ ١١١ بلال ﵁ ١١٢ خباب ﵁ ١١٢ مفاوضات ١١٥ الهجرة إلى الحبشة ١١٩ التحذير من الإسرائيليات ١٢٠ الهجرة الثانية إلى الحبشة ١٢١ إسلام حمزة وعمر ﵄ ١٢٥ المقاطعة العامة ١٢٧ عام الحزن ١٣١ في الطائف ١٣٤ في جوار المطعم بن عدي ١٣٥ الإسراء والمعراج ١٣٨ لماذا المسجد الأقصى؟ ١٤٠ حكمة الإسراء ١٤٢

стр. 457

الموضوع الصفحة إكمال البناء ١٤٣ سلامة الفطرة ١٤٥ فرض الصلاة ١٤٥ صور شتى لأجزية الصالحين والطالحين ١٤٦ قريش والإسراء ١٤٧ عرض الإسلام على القبائل ١٤٨ (٤) الهجرة العامة: مقدّماتها ونتائجها (العهد المدني) تمهيد ١٥١ التحول الجديد ١٥١ بشارة اليهود بالنبي الجديد وكفرهم به ١٥١ فروق بين البلدين ١٥٣ صنع اليهود ١٥٥ بيعة العقبة الأولى ١٥٧ بيعة العقبة الكبرى ١٥٩ طلائع الهجرة ١٦٥ في دار الندوة ١٦٩ هجرة الرسول ﷺ ١٧١ درس في سياسة الأمور ١٧٣ في الغار ١٧٤ في الطريق إلى المدينة ١٧٦ دعاء ١٧٧ خبر الهجرة ينتشر في جوانب الصحراء ١٧٨ الوصول إلى المدينة ١٨٠ استقرار المدينة ١٨١ النفس العظيمة ١٨٢ مشكلات وحلول إيجابية ١٨٣ (٥) أسس البناء للمجتمع الجديد دعائم المجتمع الجديد ١٨٧

стр. 458

الموضوع الصفحة أولا: المسجد ١٨٨ ثانيا: الأخوة ١٩٠ ثالثا: غير المسلمين ١٩٣ المصطفون الأخيار ١٩٨ معنى العبادة ٢٠٣ قيادة تهوي إليها الأفئدة ٢٠٩ أوصافه وبعض أخلاقه ﷺ ٢١١ (٦) الكفاح الدامي مرحلة الإعداد للجهاد ٢١٧ تمارين ومناورات ومعارك ٢١٨ سرايا ٢٢١ حكمة بعث السرايا ٢٢٢ سرية عبد الله بن جحش ٢٢٣ معركة بدر ٢٢٦ فرار أبي سفيان بالقافلة واستصراخه أهل مكة ٢٢٧ استشارة النبي ﷺ لأصحابه ٢٢٩ دعاء النبي ﷺ بالنصر ٢٣١ بداية المعركة ٢٣٣ مقتل أبي جهل ٢٣٥ بشاشة الفوز تضحك للمؤمنين ٢٣٧ محاسبة وعتاب (في الغنائم) ٢٤٠ في الأسرى ٢٤٢ في أعقاب بدر ٢٤٤ بدء الصراع بين اليهود والمسلمين ٢٤٦ طرد يهود بني قينقاع ٢٤٧ سر نقمة اليهود على الإسلام والمسلمين ٢٤٨ مقتل كعب بن الأشرف ٢٤٩ مناوشات مع قريش ٢٥٢ بين بدر وأحد ٢٥٣ معركة أحد ٢٥٦

стр. 459

الموضوع الصفحة عبر المحنة ٢٦٥ من بطولات الصحابة وتضحياتهم ٢٦٦ إصابة النبي ﷺ ٢٦٨ دروس وعبر ٢٦٩ شهداء أحد ٢٧٢ حمراء الأسد ٢٧٥ اثار أحد ٢٧٦ قصة الرجيع ٢٧٨ شهداء القراء في بئر معونة ٢٧٩ المصاب الفادح ٢٨١ استعادة هيبة المسلمين ٢٨١ إجلاء بني النضير ٢٨٣ الثأر لأصحاب الرجيع وبئر معونة ٢٨٥ بدر الاخرة ٢٨٦ دومة الجندل ٢٨٧ غزوة بني المصطلق ٢٨٨ حديث الإفك ٢٩٢ غزوة الأحزاب ٢٩٧ مع بني قريظة ٣١٢ علي بن أبي طالب ﵁ يحمل راية المسلمين ٣١٤ نزول بني قريظة على حكم سعد ٣١٧ قتل أبي رافع عن أبي حقيق ٣١٩ (٧) طور جديد عمرة الحديبية ٣٢٥ عدم الرغبة في القتال ٣٢٧ مفاوضات ٣٢٧ محاولات للاعتداء ٣٣٠ بيعة الرضوان ٣٣١ شروط صلح الحديبية ٣٣٣ ردة فعل المسلمين على الشروط ٣٣٥

стр. 460

الموضوع الصفحة أحداث ما بعد الحديبية ٣٣٦ مع اليهود مرة أخرى (يهود خيبر) ٣٤١ حصون اليهود تتداعى ٣٤٣ نماذج من الشهادة ٣٤٦ أحداث ما بعد المعركة ٣٤٧ الأرض لله يورثها من يشاء ٣٤٩ عودة مهاجري الحبشة ٣٥١ تأديب الأعراب ٣٥٣ مكاتبة الملوك والأمراء ٣٥٦ كتابه إلى قيصر ملك الروم ٣٥٦ ردّ ملك غسان ٣٥٨ ردّ المقوقس ملك القبط ٣٥٨ ردّ فعل كسرى ملك فارس ٣٥٩ ردّ أمير البحرين ٣٦١ عمرة القضاء ٣٦٥ غزوة مؤتة ٣٦٧ التربية الجهادية للمجتمع المسلم ٣٧٠ مكانة القادة الثلاثة في الجنة ٣٧١ ذات السلاسل ٣٧٢ فقه عمرو ٣٧٣ الفتح الأعظم ٣٧٤ أبو سفيان يحاول إصلاح ما أفسده قومه ٣٧٥ إنه شهد بدرا ٣٧٦ إسلام العباس ٣٧٧ تعمية أخبار الجيش ٣٧٨ دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام ٣٨٠ دخول جيش المسلمين مكة ٣٨١ مشاهد بعد الفتح ٣٨٣ ذكريات الشهداء ٣٨٦ إسلام فيه دخن ٣٨٧ معركة حنين ٣٨٨
следующие страницы →