أنّه سأل أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: عن قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا.
وعن قتادة ...
مليكة؛ عن أم سلمة: أنّ النبي ﷺ كان يقطّع قراءته، وحديث الليث أصحّ. انتهى كلام الترمذي في «جامعه» .
(أنّه) أي: يعلى بن مملك (سأل أمّ سلمة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها، عن قراءة رسول الله ﷺ أي: عن صفتها (فإذا) - الفاء للعطف، و «إذا» للمفاجأة، والتعبير بذلك يشعر بأنها أجابت فورا لكمال ضبطها وشدّة إتقانها- (هي) أي: أمّ سلمة (تنعت) - بفتح العين- أي: تصف؛ من قولهم «نعت الرجل صاحبه: وصفه»
(قراءة مفسّرة) - بفتح السين المهملة المشدّدة-؛ من الفسر؛ وهو البيان والإيضاح، ومنه التفسير. أي: مبيّنة مشروحة واضحة؛ حال كونها مفصولة الحروف (حرفا حرفا) ؛ أي: كلمة كلمة يعني مرتّلة محقّقة.
ونعتها لقراءته ﷺ !! يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّها قالت كانت قراءته كذا وكذا،
وثانيهما: أنها قرأت قراءة مرتّلة مبيّنة؛ وقالت: كان النبي ﷺ يقرأ مثل هذه القراءة.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-:
(عن) أبي الخطّاب (قتادة) بن دعامة- بكسر الدال المهملة- ابن قتادة السدوسي البصري التابعي، ولد أعمى.
وسمع أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وأبا الطفيل، وابن المسيب، وأبا عثمان النهدي، والحسن البصري، وابن سيرين، وعكرمة، وزرارة بن
стр. 1437
قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ؟ قال: مدّا.
أوفى، والشّعبيّ وخلائق غيرهم من التابعين.
روى عنه جماعة من التابعين؛ منهم: سليمان التيمي، وحميد الطويل، والأعمش، وأيوب. وخلائق من تابعي التابعين؛ منهم: مطر الورّاق، وجرير بن حازم، وشعبة، والأوزاعي؛ وغيرهم.
وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه، وإتقانه وفضله، وقدم قتادة على ابن المسيب؛ فسأله أيّاما فأكثر، فقال: تحفظ كلّ ما سألتني عنه؟! قال: نعم؛ سألتك عن كذا؛ فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا؛ فقلت فيه كذا. وقال فيه الحسن كذا؛ فذكر حديثا كثيرا؛ فقال ابن المسيب: ما كنت أظنّ الله خلق مثلك!! وذكره أحمد ابن حنبل فأطنب في الثناء عليه، وكان أحفظ أهل البصرة، ولا يسمع شيئا إلّا حفظه.
توفي قتادة سنة: سبع عشرة ومائة، وقيل: ثمان عشرة ومائة؛ وهو ابن ستّ وخمسين. رحمه الله تعالى.
(قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كيف كانت) ؛ أي: على أيّ صفة كانت (قراءة رسول الله ﷺ ؟!) : هل كانت ممدودة؛ أو مقصورة؟!.
(قال) : كانت قراءته (مدّا) بصيغة المصدر؛ أي: ذات مدّ.
وفي رواية للبخاري: كان يمدّ مدّا. وفي رواية: يمدّ صوته مدّا. يعني كان يمدّ ما كان من حروف المدّ واللّين مما يستحقّ المدّ مطوّلا؛ أو مقصورا؛ أو متوسّطا، من غير إفراط؛ لأنه مذموم. وليس المراد المبالغة في المدّ بغير موجب.
وفي رواية البخاري؛ عن أنس: كانت مدّا يمدّ «بسم الله» ، ويمدّ «الرحمن» ويمدّ «الرحيم» .
стр. 1438
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يقطّع قراءته؛ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ، ثمّ يقف، ثمّ يقول: ...
قال الحافظ ابن حجر: أي يمدّ اللام التي قبل الهاء في الجلالة، والميم التي قبل النون من «الرحمن» ، والحاء من «الرحيم» .
قال ملّا علي قاري: ولا يخفى أنّ المدّ في كلّ من الأسماء الشريفة وصلا لا يزاد على قدر ألف؛ وهو المسمى بالمدّ: الأصلي، والذاتي، والطبيعي، ووقف توسّط أيضا فيمدّ قدر ألفين، أو يطوّل قدر ثلاث لا غير، وهو المسمّى بالمدّ العارض، وعلى هذا القياس. وتفصيل أنواع المدّ محلّه كتب القراءة.
وأما ما ابتدعه قرّاء زماننا، حتى أئمة صلاتنا: أنّهم يزيدون على المدّ الطبيعي إلى أن يصل قدر ألفين وأكثر؛ وربّما يقصرون المدّ الواجب!! فلا مدّ الله في عمرهم، ولا أمدّ في أمرهم. انتهى.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» و «الجامع» ؛ وقال: حسن غريب، والحاكم؛ وقال على شرطهما. وأقرّه الذهبي، وقال العزيزي: حديث صحيح، وهذا لفظ «الشمائل» : حدّثنا عليّ بن حجر؛ قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي؛ عن ابن جريج؛ عن ابن أبي مليكة؛
(عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يقطّع قراءته) بتشديد الطاء؛ من التقطيع: وهو جعل الشيء قطعة قطعة- أي: يقف على فواصل الآي ... آية آية؛ وإن تعلّقت بما بعدها، فيسنّ الوقف على رؤوس الآي؛ وإن تعلّقت بما بعدها. كما صرّح به البيهقي وغيره.
وقول بعض القرّاء «الأولى الوقف على موضع يتمّ فيه الكلام» !! إنما هو فيما لا يعلم فيه وقف للمصطفى ﷺ ، وإلّا! فالفضل والكمال في متابعته في كلّ حال.
(يقول «الحمد لله ربّ العالمين» ثمّ يقف) ، بيان لقوله «يقطّع» ، (ثمّ يقول
стр. 1439
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ، ثمّ يقف، وكان يقرأ: «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» .
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ثمّ يقف) ؛ أي: يمسك عن القراءة قليلا، ثم يقرأ الآية التي بعدها ... وهكذا إلى آخر السورة.
قال العلامة ملّا علي قاري: وهذا الحديث يؤيّد أنّ البسملة ليست من الفاتحة؛ على ما هو مذهبنا ومذهب الإمام مالك. انتهى.
لكن قال العلّامة المناوي في «شرح الجامع» : رواه الإمام أحمد، وابن خزيمة؛ عن أم سلمة بلفظ: كان يقطّع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [الفاتحة] انتهى. واحتجّ به القاضي البيضاوي وغيره على عدّ البسملة آية من الفاتحة. قال الدارقطني: وإسناده صحيح.
(وكان يقرأ «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» ) أي: بالألف أحيانا، وإلّا! فالجمهور على حذف الألف؛ قاله ملا علي قاري.
قال شرّاح «الشمائل» : كذا هو بالألف في جميع نسخ «الشمائل» .
قال القسطلّاني. وأظنّه سهوا من النساخ!! والصواب «ملك» بلا ألف كما أورده المؤلف- يعني الترمذي في «جامعه» - وبه كان يقرأ أبو عبيد ويختاره، قال الترمذي في «جامعه» : هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتّصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة؛ عن يعلى بن مملك؛ عن أمّ سلمة، وحديث الليث أصحّ.
قال العسقلاني؛ نقلا عن ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ . وأجلّ من سمع منهم عائشة الصديقة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، لكن أدرك من هو أعلى منهم؛ ولم يسمع منهم، كعليّ، وسعد بن أبي وقاص.
стр. 1440
وعن عبد الله بن قيس قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها:
عن قراءة النّبيّ ﷺ : أكان يسرّ بالقراءة أم يجهر؟
قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل؛ ...
وإذا ثبت سماع ابن أبي مليكة من أمّ سلمة؛ فلم لا يجوز أن يسمع الحديث بهذا اللفظ من أم سلمة؛ وسمع الحديث من يعلى بن مملك عنها باللفظ المتقدّم!! بل نقول: رواية الليث من «المزيد في متّصل الأسانيد» . انتهى. ذكره ملا علي قاري رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» . - واللفظ لها-.
(عن) أبي الأسود (عبد الله بن قيس) - ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي موسى- النّصري- بالنون- الحمصي، روى عن أبي ذرّ وغيره، وعنه محمد بن زياد، ومعاوية بن صالح، وهو ثقة مخضرم، وثّقه النّسائي، روى له أصحاب «السنن الأربعة» ، والبخاري في «الأدب المفرد» .
(قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن قراءة النّبيّ ﷺ ؛ أي: بالليل كما صرّح به الترمذي في «جامعه» ؛ ولفظه: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها كيف كانت قراءة النبي ﷺ بالليل-؛
(أكان) - بإثبات أداة الاستفهام، وفي رواية بحذفها لكنها مقدّرة- أي: أكان (يسرّ بالقراءة) أي: يخفيها بحيث لا يسمعه غيره (أم يجهر!؟) ، أي: يظهرها بحيث يسمعه غيره، والباء زائدة للتأكيد نحو: أخذت الخطام؛ وأخذت به، فهو من قبيل تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [١/ الممتحنة] وذلك لتصريحهم بأن «أسرّ» يتعدّى بنفسه؛ يقال: أسرّ الحديث: أخفاه.
(قالت) أي: عائشة (: كلّ ذلك قد كان يفعل) برفع «كلّ» على أنّه مبتدأ؛ خبره الجملة مع تقدير الرابط؛ أي: قد كان يفعله، ونصبه على أنّه مفعول مقدّم، وهو أولى، لأنّه لا يحوج إلى تقدير الضمير، ثم فسّرت ذلك ووضّحته بقولها:
стр. 1441
قد كان «١» ربّما أسرّ، وربّما جهر. فقلت: الحمد لله الّذي جعل في الأمر سعة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ من اللّيل.. رفع طورا، وخفض طورا.
( [قد كان] ربّما أسرّ) أحيانا، (وربّما جهر) أحيانا، فيجوز كلّ منهما، والأفضل منهما ما كثر خشوعه وبعد عن الرياء، (فقلت) - القائل هو: عبد الله بن أبي قيس- (: الحمد لله الّذي جعل في الأمر) - أي: أمر القراءة من حيث الجهر والإسرار- (سعة) ، ولم يضيّق علينا بتعيين أحد الأمرين، لأنه لو عيّن أحدهما؛ فقد لا تنشط له النفس؛ فتحرم الثواب!! والسّعة من الله في التكاليف نعمة يجب تلقّيها بالشكر.
والسّعة بفتح السين، وكسرها لغة؛ وبه قرأ بعض التابعين في قوله تعالى وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [٢٤٧/ البقرة] .
(و) أخرج أبو داود، والحاكم في «المستدرك» ، ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» وسكت عليه أبو داود، والمنذريّ، فهو صالح: كلّهم؛
(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر اليماني الدوسي (رضي الله تعالى عنه) باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ محمد بن نصر:
(كان رسول الله ﷺ إذا قرأ من اللّيل رفع) قراءته (طورا؛ وخفض طورا) ، ولفظ أبي داود؛ عن أبي هريرة: كانت قراءة رسول الله ﷺ بالليل يرفع طورا ويخفض طورا. ولفظ الحاكم؛ عن أبي هريرة: كان إذا قام من الليل رفع صوته طورا وخفض طورا. انتهى.
قال ابن الأثير: الطّور الحالة، أي: تارة يجهر في بعض الركعات، وتارة
стр. 1442
وعن أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أسمع قراءة النّبيّ ﷺ باللّيل، وأنا على عريشي.
وعن معاوية بن قرّة ...
يسرّ، وفيه أنّه لا بأس بإظهار العمل للناس لمن أمن على نفسه الرياء والإعجاب.
(و) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» وهذا لفظها-:
(عن أمّ هانئ) - بهمز في آخره- وهي أخت علي بن أبي طالب؛ واسمها فاختة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كنت أسمع قراءة النّبيّ ﷺ ؛ أي: وهو في صلاته (باللّيل) عند الكعبة؛ كما في رواية، فهذه القصة كانت قبل الهجرة (وأنا على عريشي) بإثبات الياء، وفي نسخ من «الشمائل» بحذفها.
والعرش والعريش: السرير، وجمعه عرش- بضمتين- كبريد وبرد، أي:
والحال أنّي نائمة على سريري.
وفي رواية النسائي وابن ماجه بلفظ: كنت أسمع صوت النبي ﷺ ؛ وهو يقرأ؛ وأنا نائمة على فراشي يرجّع بالقراءة. وفي رواية للنّسائي: وأنا على عريشي.
ويؤخذ من الحديث الجهر بالقراءة، حتى النفل ليلا، لكن الأفضل عند الشافعية للمصلي ليلا التوسّط؛ بأن يسرّ تارة ويجهر أخرى، وهذا في النفل المطلق، وأما غير النفل المطلق!! فيسنّ الإسرار، إلّا في نحو الوتر في رمضان فيسنّ فيه الجهر.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» وهذا لفظها-: (عن) أبي إياس (معاوية بن قرّة) - بضم القاف وتشديد الراء- ابن إياس المزني البصري، يروي عن ابن مغفّل وعلي مرسلا، وابن عباس وابن عمر.
стр. 1443
قال: سمعت عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت النّبيّ ﷺ على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ: ...
ويروي عنه قتادة وشعبة وأبو عوانة وخلق، وثّقه ابن معين وأبو حاتم، وحديثه في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، ومات سنة: - ١١٣- ثلاث عشرة ومائة، ومولده يوم الجمعة رحمه الله تعالى.
(قال: سمعت عبد الله بن مغفّل) - بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة- المزني المدني البصري، الصحابي الجليل، من أهل بيعة الرضوان.
وكنيته «أبو سعيد» ، وقيل «أبو عبد الرحمن» ، و «أبو زياد» .
سكن المدينة ثم تحوّل إلى البصرة وابتنى بها دارا قرب الجامع.
وكان أحد البكّائين الذين نزل فيهم قوله تعالى وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) [التوبة] .
وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة يفقّهون الناس، وهو أوّل من دخل مدينة «تستر» حين فتحها المسلمون.
روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم باخر.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرّف، ويزيد بن عبد الله، وآخرون.
وتوفي بالبصرة سنة: ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلّى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك (رضي الله تعالى عنه؛ يقول:
رأيت النّبيّ ﷺ راكبا (على ناقته) العضباء؛ أو غيرها (يوم الفتح) ؛ أي:
يوم فتح مكة (وهو يقرأ) فيه دلالة إلى أنّه ﷺ كان ملازما للعبادة حتّى في حال
стр. 1444
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١- ٢] .
قال: فقرأ ورجّع.
ركوبه وسيره. وفي جهره إشارة إلى أنّ الجهر أفضل من الإسرار في بعض المواطن، وهو عند التعظيم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)) [الفتح] أي: بيّنا واضحا لا لبس فيه على أحد.
وهذا الفتح هو فتح مكّة؛ كما روي عن أنس، أو فتح خيبر؛ كما روي عن مجاهد. والأكثرون على أنّه صلح الحديبية، لأنه أصل الفتوحات كلّها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [٢/ الفتح] أي: لتجتمع لك هذه الأمور الأربعة؛ وهي ١- المغفرة، ٢- وإتمام النعمة، ٣- وهداية الصراط المستقيم، ٤- والنصر العزيز، فكأنّه قيل: يسّرنا لك الفتح ليجتمع لك عزّ الدارين، وأغراض العاجل والآجل.
والمراد بالمغفرة: العصمة- على قول تقدّم-؛ أي: عصمناك من الذنوب فيما تقدّم من عمرك قبل نزول الآية، وما تأخّر منه.
والتحقيق- كما تقدّم في أول «الباب السادس» - أن المراد بالذنب ما هو من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، لأنه ﷺ يترقّى في الكمال، فيرى أنّ ما انتقل عنه ذنب بالنسبة إلى الذي انتقل إليه. وقيل: المراد بالذنب ترك الأفضل.
انتهى «باجوري» .
(قال) أي ابن مغفّل: (فقرأ) - أي- سورة الفتح إلى آخرها كما اقتضته رواية البخاري، (ورجّع) - بتشديد الجيم- أي: ردّد صوته بالقراءة.
وقد فسّره عبد الله بن مغافل بقوله ءآءآءآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة «ثلاث مرات» ، وذلك ينشأ غالبا عن نشاط وانبساط كما حصل له ﷺ يوم الفتح.
وزعم بعضهم أنّ ذلك كان من هزّ الناقة بغير اختياره!!
стр. 1445
قال: وقال معاوية بن قرّة: لولا أن يجتمع النّاس عليّ..
لأخذت لكم في ذلك الصّوت، أو قال: اللّحن.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قراءة النّبيّ ﷺ ...
وردّ بأنه لو كان كذلك لما فعله عبد الله اقتداء به، وجاء في حديث آخر أنّه «كان لا يرجّع» . وهو محمول على أنّه كان يتركه أحيانا لفقد مقتضيه، أو لبيان أنّ الأمر واسع في فعله وتركه، أو أنّ المراد لا يرجّع ترجيعا يتضمّن زيادة أو نقصا؛ كهمز غير المهموز ومدّ غير الممدود، وجعل الحرف حروفا، فيجرّ ذلك إلى زيادة في القرآن؛ وهو غير جائز؛ والتلحين والتغنّي المأمور به ما سلّم من ذلك.
وقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع المطلوب: هو تحسين التلاوة، ومعنى الترجيع المنفي: ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
وقال الحافظ ابن حجر: المراد بالترجيع: الترتيل، وقد كثر الخلاف في التطريب والتغنّي بالقرآن. والحقّ أنّ ما كان سجيّة وطبعا محمود، وما كان تكلّفا وتصنّعا مذموم، وعلى ذلك تنزّل الأخبار؛ قاله المناوي والباجوري.
(قال) - أي- «شعبة؛ الراوي» عن معاوية المذكور، (وقال معاوية بن قرّة: لولا) مخافة (أن يجتمع النّاس عليّ) لاستماع ترجيعي بالقرآن لما يحصل لهم منها من الطرب (لأخذت) - أي: لشرعت- (لكم في ذلك الصّوت) ، وقرأت مثل قراءته، (أو) - للشك- (قال) معاوية (اللّحن) ؛ بدلا عن «الصوت» ، وهو- بفتح اللام وسكون الحاء- واحد «اللحون» ؛ وهو: التطريب والترجيع وتحسين القراءة، أو الشّعر، ويؤخذ من هذا: أنّ ارتكاب ما يوجب اجتماع الناس مكروه؛ إن أدّى إلى فتنة، أو إخلال بمروءة.
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الشمائل» ؛
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: كان قراءة النّبيّ ﷺ - أي-:
стр. 1446
ربّما سمعها من في الحجرة، وهو في البيت؛ أي: كان إذا قرأ في بيته.. ربّما يسمع قراءته من في حجرة البيت من أهله، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى..
قال: «بلى» ، وإذا قرأ:
بالليل في الصلاة؛ أو في غيرها (ربّما سمعها) - بحذف الياء، وفي رواية [يسمعها] بإثبات الياء فعلا مضارعا- (من في الحجرة) أي: صحن البيت، وهي الأرض المحجورة؛ أي: الممنوعة بحائط محوط عليها؛ (وهو في البيت؛ أي) : والحال أنّه ﷺ في البيت يعني: (كان إذا قرأ في بيته ربّما يسمع قراءته من في حجرة البيت من أهله، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات) ، لكونها قراءة متوسّطة بين الجهر والإسرار، فلا هي في غاية الجهر؛ ولا في غاية الخفاء.
وأشار بتعبيره ب «ربما» إلى أنّه كان لا يسمعها من في الحجرة إلّا إذا أصغى إليها وأنصت، لكونها إلى السّر أقرب.
(و) أخرج البيهقيّ في «شعب الإيمان» ، والحاكم في «المستدرك» ؛ في (التفسير) وقال: صحيح وأقرّه الذهبي.
قال المناوي: وهو عجيب؛ ففيه يزيد بن عياض! وقد أورده الذهبيّ في «المتروكين» وقال النسائي وغيره: متروك؛ عن إسماعيل بن أمية، قال الذهبي:
كوفيّ ضعيف؛ عن أبي اليسع لا يعرف، وقال الذهبي في «ذيل الضعفاء والمتروكين» : إسناده مضطرب، ورواه في «الميزان» «١» في ترجمة أبي اليسع، وقال: لا يدرى من هو، والسند مضطرب. انتهى كلام المناوي.
كلاهما؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ) قوله تعالى (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)) [القيامة] (قال: بلى، وإذا قرأ
стр. 1447
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ.. قال: «بلى» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.. قال: «سبحان ربّي الأعلى» .
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)) [التين] (قال: «بلى» ) أي: في الصلاة، أو خارجها، فيسنّ قول «بلى» عند تلاوة هاتين الآيتين ونحوهما مما فيه استفهام تقريريّ، لأنه قول بمنزلة السؤال؛ فيحتاج إلى الجواب، ومن حقّ الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه، فيكون السامع كهيئة الغافل، أو كمن لا يسمع إلّا دعاء ونداء من الناعق به، ومن ثمّ ندبوا لمن مرّ باية رحمة أن يسأل الله الرحمة؛ أو آية عذاب أن يتعوّذ من النار، أو بذكر الجنة بأن يرغب إلى الله فيها، أو بذكر النار أن يستعيذ بالله منها. انتهى «مناوي وحفني» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في «المستدرك» ؛ في «كتاب الصلاة» ؛ وقال: على شرطهما. وأقرّه الذهبي. وقال العزيزي: إنّه حديث صحيح.
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
أي: سورتها ونحوها من كلّ آية فيها تنزيه؛ (قال:
«سبحان ربّي الأعلى» ) أي: يقول ذلك عقب قراءتها، ويحتمل عقب قوله «الأعلى» ، فيسنّ لنا التسبيح عند تلاوة آية فيها تنزيه.
وأخذ من ذلك أنّ القارئ أو السّامع كلّما مرّ باية تحميد أن يحمده، أو تكبير أن يكبّره وقس عليه. انتهى مناوي وحفني على «الجامع» .
(و) أخرج أبو داود في «سننه» - بسند فيه بشر بن رافع الحارثي؛ وهو ضعيف، وقال ابن القطان: بشر يرويه عن أبي عبد الله «عمّ أبي هريرة» وهو لا يعرف حاله. والحديث لا يصحّ من أجله. انتهى مناوي على «الجامع» ومن ثمّ قال العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره-.
стр. 1448
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ..
قال: «آمين» ؛ حتّى يسمع من يليه من الصّفّ الأوّل.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث.
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تلا) قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] قال:) في صلاته عقب الفاتحة:
( «آمين» ) بقصر، أو مدّ، وهو أفصح؛ مع خفّة الميم فيهما، أي: استجب.
ويقولها رافعا بها صوته قليلا (حتّى يسمع) - بضمّ أوّله- في الجهرية (من يليه من الصّفّ الأوّل) . فيسنّ للإمام قول «آمين» بعد الفاتحة، ويسنّ الجهر بها في الصلاة الجهرية، ويقارن المأموم تأمين إمامه؛ ليوافق تأمين الملائكة. انتهى.
شروح «الجامع الصغير» .
(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» بإسناد حسن؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث) . أي:
لا يقرؤه كاملا في أقلّ من ثلاثة أيّام، لأنّها أقلّ مدّة يمكن فيها تدبّره وترتيله،
لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي- وهو حديث حسن غريب- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» ؛ أي: لأنّه ينقص فهمه وتدبره، لأنه يحتاج إلى مراعاة الألفاظ مع ما عنده من الاستعجال الشاغل عن التدبّر والتفهّم.
وجعلت الثلاث غاية في ذلك!! لأنها محتملة. أمّا من أراد فهم معناه على حقيقته!! فقد مضى عمره في فهم آية ولا يحيط بها؛ ولا ببعضها. هذا كلّه في تفهّم معانيه.
стр. 1449
وكان رسول الله ﷺ إذا ختم.. جمع أهله ودعا.
أمّا الثواب على قراءته!! فحاصل لمن قرأه سواء فهمه؛ أم لا، للتعبّد بلفظه، بخلاف غيره من الأذكار، فلا ثواب فيه إلّا إن فهمه؛ ولو بوجه. انتهى «شرح الأذكار» .
(و) في «الأذكار» للإمام النووي: روى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين؛ عن قتادة التابعي الجليل الإمام «صاحب أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه» قال:
كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: هذا موقوف صحيح، وقد وجدت له طريقا أخرى مرفوعة عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا ختم) القرآن (جمع أهله ودعا) .
قال أبو نعيم الحافظ: غريب من حديث مسعر. قال الحافظ ابن حجر:
قلت: رواته موثّقون. انتهى ملخصا؛ من «شرح الأذكار» . وذكره في «كنوز الحقائق» للمناوي، وعزاه لابن النجار.
وقوله «ودعا» : أي: لأن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن، بل الدعاء مستجاب عقب تلاوة القرآن من أيّ منه. والرحمة والسكينة تنزل على المجتمعين لدراسة القرآن الشريف، كما جاء في حديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يقرؤون القرآن ويتدارسونه إلا غشيتهم السّكينة ونزلت عليهم الرّحمة» .
وأخرج ابن الضّريس وغيره بسند فيه انقطاع؛ عن ابن مسعود قال: «من ختم القرآن؛ فله دعوة مستجابة» .
وكان عبد الله إذا ختم جمع أهله؛ ثم دعا وأمّنوا على دعائه.
وجاء في حديث مرفوع أخرجه الطبراني في «معجمه» بسند ضعيف؛ عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» .
стр. 1450
وكان ﷺ إذا ختم.. يقرأ من أوّل القرآن خمس آيات.
وينبغي أن يكون الختم في أوّل النهار، أو في أوّل الليل، فقد روي مرفوعا؛ عن مصعب بن سعد؛ عن أبيه سعد بن أبي وقاص؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «من ختم القرآن أوّل النّهار صلّت عليه الملائكة حتّى يمسي، ومن ختم أوّل اللّيل صلّت عليه الملائكة حتّى يصبح» . انتهى.
ويستحبّ حضور مجلس الختم لمن يقرأ، ولمن لا يحسن القراءة.
قال النووي: يستحبّ الدعاء عند الختم؛ استحبابا متأكّدا شديدا، لما قدّمناه.
وروّينا في «مسند الدارمي» ؛ عن حميد الأعرج رحمه الله تعالى قال: «من قرأ القرآن ثمّ دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك» :
وينبغي أن يلحّ في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمّة والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كلّه في أمور الآخرة وأمور المسلمين وصلاح سلطانهم؛ وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وقيامهم بالحقّ، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين. انتهى.
وقد جمع ذلك «دعاء أبي حربه» المشهور بالبركة بين أهل اليمن، فينبغي قراءته عند كلّ ختم، وهو دعاء متداول عندهم؛ خصوصا في رمضان.
قال في «حواشي الجمل على الجلالين» ؛ نقلا عن القرطبي في مقدمة تفسيره: ومن حرمة القرآن أن يفتتحه كلّما ختمه حتّى لا يكون كهيئة المهجور، (و) كذلك (كان) رسول الله ﷺ إذا ختم) القرآن (يقرأ من أوّل القرآن خمس آيات) ؛ لئلا يكون في هيئة الهجرة. انتهى كلام الجمل.
ولم يبيّن مخرج هذا الحديث؛ ولا صحابيّه!! وفي «كنوز الحقائق» للمناوي عزو ذلك للحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» . ثم راجعت «نوادر الأصول»
стр. 1451
.........
فرأيت الكلام الذي نقله الجمل عن القرطبي مذكورا في «نوادر الأصول» برمّته، ولم يذكر صحابيّ الحديث!!
وفي «الأذكار النووية» : وإذا فرغ من الختمة!! فالمستحبّ أن يشرع في أخرى متّصلا بالختم، فقد استحبّه السّلف، واحتجّوا فيه بحديث أنس رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «خير الأعمال الحلّ والرّحلة» قيل: وما هما؟
قال: «افتتاح القرآن وختمه» . انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: حديث أنس المذكور أخرجه ابن أبي داود بسند فيه من كذّب. وعجيب للشيخ كيف اقتصر على هذا، ونسب للسّلف الاحتجاج به؛ ولم يذكر حديث ابن عباس وهو المعروف في الباب!! وقد أخرجه بعض الستّة وصحّحه بعض الحفاظ.
ثمّ أخرج الحافظ ابن حجر؛ من طريق عن ابن عبّاس؛ قال: قال رجل:
يا رسول الله؛ أيّ العمل أفضل؟ قال: «عليك بالحالّ المرتحل» . قال:
وما الحالّ المرتحل؟! قال: «صاحب القرآن يضرب من أوّله إلى آخره، ويضرب من آخره إلى أوّله؛ كلّما حلّ ارتحل» .
ثم أخرجه الحافظ ابن حجر، عن ابن عبّاس من طريق آخر، لكن قال فيه:
«أيّ الكلام أحبّ إلى الله» ، ولم يقل في آخره «كلّما حلّ» !! قال الحافظ ابن حجر: حديث غريب أخرجه الترمذيّ عن الهيثم بن الربيع؛ عن صالح، وقال:
غريب لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إلّا من هذا الوجه.
وفي «النهاية» أنّه سئل: أيّ الأعمال أفضل؟! فقال: «الحالّ المرتحل» قيل: وما الحالّ المرتحل؟! قال: «الخاتم المفتتح» هو الذي يختم القرآن بتلاوته، ثم يفتتح التلاوة من أوّله، شبّهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحلّ فيه، ثم يفتتح سيره؛ أي: يبتدئه. وكذلك قرّاء أهل مكّة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أوّل سورة البقرة إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
[البقرة] ثم يقطعون
стр. 1452
.........
القراءة، ويسمّون فاعل ذلك «الحال المرتحل» ؛ أي أنّه ختم القرآن وابتدأ بأوّله؛ ولم يفصل بينهما بزمان.
وقيل: أراد «بالحال المرتحل» الغازي الذي لا يفعل إلّا عقّبه بأخرى! انتهى «شرح الأذكار» للشيخ محمد بن علي بن علان الصديقي المكي ﵀.
стр. 1453
[الباب السّابع في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ وبعض أذكار وأدعية]
الباب السّابع في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ وبعض أذكار وأدعية (الباب السابع) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب (في) ذكر (أخبار) بالتنوين؛ جمع خبر، وهو مرادف للحديث.
وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها «الإخباري» ، ولمن يشتغل بالسنّة النبوية «المحدّث» .
وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس.
(شتّى) - جمع شتيت؛ كمريض ومرضى- متفرقة (من أحوال رسول الله ﷺ كالكلام على ريقه وفضلاته ﷺ (و) في (بعض أذكار) جمع ذكر؛ وهو- لغة-:
كلّ مذكور، وشرعا-: قول سيق لثناء؛ أو دعاء. وقد يستعمل شرعا أيضا لكلّ قول يثاب قائله.
(و) في ذكر بعض (أدعية) جمع دعاء، وهو الطلب على سبيل التضرّع.
وقيل: رفع الحاجات إلى رافع الدرجات.
واختلف؛ هل الدعاء أفضل، أم تركه؛ والاستسلام للقضاء أفضل؟!
فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادات.
ويؤيّده ما أخرجه الترمذيّ؛ وقال: غريب لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة من طريق أنس بن مالك رفعه: «الدّعاء مخّ العبادة» . انتهى أي: خالصها، لأن
стр. 1454
كان يقولها في أوقات مخصوصة وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ وفيه ثلاثة فصول الداعي يدعو الله عند انقطاع أمله عما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص؛ ولا عبادة فوقها، فكان مخّها بهذا الاعتبار. وأيضا لما فيه من إظهار الافتقار والتبرّي من الحول والقوّة، وهو سمة العبودية واستشعار ذلّة البشرية ومتضمّن للثناء على الله تعالى، وإضافة الكرم والجود إليه. انتهى.
(كان يقولها) ؛ أي: هذه الأذكار والأدعية (في أوقات) وحالات (مخصوصة) ؛ ك: عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، وإذا عصفت الرياح ...
ونحو ذلك.
(و) في ذكر (ثلاثمائة وثلاثة عشر حديثا) . خصّ هذا العدد!! لأنه عدّة أصحاب طالوت، وعدّة أهل بدر رضوان الله عليهم.
(من جوامع كلمه ﷺ ؛ أي: كلمه الجوامع، وهي: ما قلّ لفظه وكثر معناه، أو التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة.
(وفيه) ؛ أي هذا الباب (ثلاثة فصول) يأتي بيانها.
стр. 1455
[الفصل الأوّل في أخبار شتّى من أحواله ﷺ ]
الفصل الأوّل في أخبار شتّى من أحواله ﷺ في «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: (ولد رسول الله ﷺ مختونا، مقطوع السّرّة.
(الفصل الأوّل) من الباب السابع (في) ذكر (أخبار) - بالتنوين- (شتّى) - بتشديد المثناة الفوقية؛ أي: متفرقة- (من أحواله ﷺ : القولية والفعلية والخلقية.
(في) كتاب ( «الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » (للقاضي عياض) بن موسى اليحصبي السّبتي أبي الفضل (رحمه الله تعالى) :
(ولد رسول الله ﷺ مختونا) - أي لا قلفة له، (مقطوع السّرّة) - بضم السين- رواه أبو نعيم، والطبراني في «الأوسط» ، وفي «دلائل البيهقي» بسند ضعيف؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه ولد معذورا مسرورا؛ أي: مقطوع السرة مختونا، يقال: عذره، وأعذره: ختنه.
وروى الخطيب؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا؛ وصحّحه أيضا في «المختارة» : «من كرامتي على ربّي أنّي ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي» ؛ قاله ملّا علي قاري في «شرح الشفاء» .
وقال الشهاب الخفاجي: والّذي صحّحه المحدّثون- كما في «التمهيد» لابن عبد البر- أنّ جدّه عبد المطّلب ختنه يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه «محمدا» ، وكانت العرب تختن؛ لأنّه سنة توارثوها من إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وليس ذلك لمجاورة اليهود، وقد ورد هذا في قصة هرقل التي قيل له فيها: إن ملك الختان قد ظهر.
стр. 1456
وقد روي عن أمّه آمنة أنّها قالت: ولدته نظيفا ما به قذر.
وروي أنّه ﷺ ختن يوم شقّ قلبه الشريف؛ وهو عند مرضعته حليمة، وقد ذكره ابن القيّم في كتاب «الهدي» «١» ، وهو أرجح الأقوال، وطعن في القول الأول من الأقوال الثلاثة- يعني القول بأنه ولد مختونا-؛ وقال: إنّه روي في حديث لم يصحّ، وذكره ابن الجوزيّ في «الموضوعات» .
ومن الغريب قول الحاكم في «المستدرك» . إن الأخبار تواترت بأن رسول الله ﷺ ولد مسرورا مختونا!! وتعقّبه الذهبيّ؛ وقال: لا نعلم صحّة ما ذكره؛ فكيف يكون متواترا!! والقول «بأنه أراد ب «تواتره» : شهرته بين الناس لا ما اصطلح عليه المحدّثون» بعيد.
وقد وقع في هذه المسألة نزاع بين ابن طلحة والكمال ابن العديم؛ فألّف ابن العديم في تأييد أنّه ﷺ ختن بعد ولادته تأليفا أوضح فيه الدلائل والنقول، إلا أنّهم لم يرضوا قول ابن الجوزي «إنّه موضوع» وردّوه. انتهى كلام الخفاجي في «شرح الشفا» .
(وقد روي) في بعض الروايات (عن أمّه آمنة) - بالمدّ على وزن: فاعلة- وهي بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب، ولم تلد غيره ﷺ ، ولم يتزوّج غيرها عبد الله على الأصحّ فيها. وفي اسم آمنة أمان أمّته.
وفي حليمة حلم. وفي بركة بركة، فتلك أمنة من سائر النقم.
(أنّها) أي: أمّه آمنة؛ (قالت: ولدته) ﷺ (نظيفا) أي: نقيّا (ما به قذر) بفتحتين- أي: شيء مما يكون على المولود من الوسخ والدّرن؛ كذا رواه ابن سعد في «طبقاته» .
وروي أنّه ولدته أمّه بغير دم؛ ولا وجع.
стр. 1457
وفي حديث عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ نام حتّى سمع له غطيط، فقام فصلّى، ولم يتوضّأ.
وولد ﵊ بمكّة على الصحيح الذي عليه الجمهور في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف، وهذه الدار بنتها بعد ذلك الخيزران جارية المهدي «أمّ الهادي والرشيد» مسجدا يصلّى فيه، والمشهور أنّه ولد في ربيع الأول، وهو قول الجمهور من العلماء، يوم الاثنين: ثاني عشر ربيع الأول. والله أعلم.
(وفي) البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ من (حديث) أبي عبد الله (عكرمة) مولى ابن عبّاس الهاشمي المدني.
أحد فقهاء المدينة المنورة وتابعيها من الأئمة المقتدى بهم في التفسير والحديث.
أصله بربري من أهل المغرب، سمع الحسن بن عليّ، وأبا قتادة، وابن عبّاس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ومعاوية وغيرهم.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو الشعثاء، والشعبي، والنّخعي، والسبيعي، وابن سيرين، وعمرو بن دينار، وخلائق غيرهم من التابعين وخلائق من غيرهم.
قال ابن معين: عكرمة ثقة. قال: وإذا رأيت من يتكلّم في عكرمة؛ فاتّهمه على الإسلام، وقال أبو أحمد بن عدي: لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة، وأدخله أصحاب الصحّاح صحاحهم.
وتوفي سنة: أربع ومائة. وقيل: سنة سبع ومائة. وقيل غير ذلك.
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ نام حتّى سمع له غطيط) ؛ أي: صوت يخرج مع نفس النائم، (فقام فصلّى؛ ولم يتوضّأ) ، لأنه ﷺ كان لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا، بخلاف غيره، وهو من خصائصه ﷺ .
стр. 1458
قال عكرمة: لأنّه ﷺ كان محفوظا.
وكان ﷺ إذا أراد أن يتغوّط.. انشقّت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيّبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت للنّبيّ ﷺ : إنّك تأتي الخلاء ...
(قال عكرمة) في بيان وجه ما ذكر (: لأنّه ﷺ كان محفوظا) من أن يخامر قلبه نوم؛ وإن خامر عينيه، لحديث: «إنّا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا» أو كما قال الحديث.
قال في «نظم البهجة الوردية» :
وبعض ما أكرمه الله به ... منامه بالعين؛ دون قلبه
(وكان ﷺ إذا أراد أن يتغوّط انشقّت الأرض فابتلعت غائطه) ؛ وهو الخارج من المحلّ المعتاد، وأصل الغائط: المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة؛ لأنه أستر، سمّي به الخارج من الإنسان مجازا مرسلا؛ علاقته المجاورة.
(و) ابتلعت (بوله وفاحت) - بالفاء- أي: ظهرت (لذلك) المذكور من البول والغائط (رائحة طيّبة) . وهذا الحديث رواه البيهقي؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ وقال: إنه موضوع، كما في «شروح الشفاء» .
(و) أسند محمد بن سعد «كاتب الواقدي» في هذا خبرا.
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ : إنّك تأتي الخلاء) بالمدّ؛ أي: المكان الخالي البعيد عن البيوت، لأنهم كانوا قبل وضع المراحيض فيها يأتونه لقضاء الحاجة، ثم عبّر به بعد ذلك عن محلّ التغوّط مطلقا، ثم صار عرفا: اسما للبناء المعدّ لذلك.
стр. 1459
فلا نرى منك شيئا من الأذى؟! فقال لها: «يا عائشة؛ أو ما علمت أنّ الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء» .
وقال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين منه ﷺ ، ...
(فلا نرى منك شيئا من الأذى؟!) بالذال المعجمة والقصر، المراد به هنا:
الغائط! (فقال لها: «يا عائشة؛ أو ما) ؛- أي: أجهلت وما (علمت أنّ الأرض تبتلع) - أصل البلع: إدخال الطعام والشراب في الحنجرة والمري، فاستعير لمطلق الإخفاء، كما في قوله تعالى يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [٤٤/ هود] أي: تخفي- (ما يخرج من الأنبياء) - بحيث يغيب فيها- (فلا يرى منه شيء؟!» ) !؟: تفسير للمراد من البلع وتأكيد، وإخفاؤه مع طيبه وعدم استقذاره!! لأنه ينبغي ستره لكون ذلك من المروءة، أو لأنه يخشى من أخذ الناس له.
وروى الدارقطني في «أفراده» عنها قالت: قلت: يا رسول الله؛ أراك تدخل الخلاء، ثم يجيء الرجل يدخل بعدك؛ فما يرى لما خرج منك أثرا؟! فقال: «أما علمت أنّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء» !! انتهى «شرح الشفاء» .
وقد سئل الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنّه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟! فقال: قد روي ذلك من وجه غريب. والظاهر المنقول يؤيّده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنّه رآه؛ ولا ذكره، فلو لم تبتلعه الأرض لرئي في بعض الأوقات.
(وقال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين) ؛ أي: البول والغائط (منه ﷺ . وعبّر عن الخارج ب «الحدثين» !! استهجانا للتصريح باسمهما، بل اختار جمع متقدّمون ومتأخّرون من الشافعية طهارة جميع فضلاته ﷺ ؛ منهم القاضي حسين، والبغوي، والسبكي، والبارزي، والزركشي، وابن الرّفعة، والبلقيني، والقاياتي ... وأطالوا فيه.
وقال السبكي: إنه الذي أدين الله به. واعتمده الجمال الرملي في «النهاية» ، والخطيب الشربيني في «المغني» ؛ وفاقا للشهاب الرملي. بل قال الزركشي:
стр. 1460
وشاهد هذا أنّه ﷺ لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيّب. ومن هذا حديث عليّ رضي الله [تعالى] عنه: غسّلت النّبيّ ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، ...
وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء. انتهى لكن الشيخان: الرافعي والنووي على خلافه، وإنّ حكمها منه كغيره. أي: أنّ حكم فضلاته ﷺ كفضلات غيره في النجاسة، وجرى عليه ابن حجر الهيتمي في «التحفة» .
ويؤيّد الأوّل أنّه ﷺ لم ينكر على ابن الزّبير حين شرب دمه، ولا على أم أيمن حين شربت بوله، ولا على من فعل مثل فعلهما، ولا أمرهم بغسل الفم، ولا نهاهم عن العود إلى مثله، بل أخبرهم بما لعلّه يحملهم على الحرص على التبرك بفضلاته.
ومن حمل ذلك على التداوي قيل له: قد أخبر النبي ﷺ أنّ الله تعالى لم يجعل شفاء الأمّة فيما حرم عليها. رواه ابن حبان في «صحيحه» ، فلا يصحّ حمل الأحاديث التي بعضها حسن على ذلك، بل هي ظاهرة في الطهارة.
قال الحافظ ابن حجر: قد تكاثرت الأدلّة على طهارة فضلاته ﷺ ، وعدّ الأئمة ذلك من خصوصيّاته «١» . انتهى.
(وشاهد هذا) ؛ أي: دليل القول بالطهارة (أنّه ﷺ لم يكن منه شيء يكره) عند ذوي الطباع السليمة، (ولا غير طيّب) وهذا دليل عقليّ مؤيّد لنظر الشرع.
(ومن هذا) ؛ أي: ومن الشاهد بأنه لم يكن منه شيء يكره؛ ولا غير طيّب (حديث عليّ) أمير المؤمنين ﵁ الذي رواه ابن ماجه، وأبو داود في «مراسيله» أنّه قال:
(غسّلت النّبيّ ﷺ - بتشديد السين المهملة- لأنه المستعمل في الميت، ويخفّف في غيره كالثياب، (فذهبت أنظر ما يكون من الميت) ؛ من تغيّر رائحة
стр. 1461
فلم أجد شيئا، فقلت: طبت حيّا وميتا. وسطعت منه ريح طيّبة لم نجد مثلها قطّ.
ومثله قال أبو بكر حين قبّل النّبيّ ﷺ بعد موته.
ومنه شرب مالك بن سنان دمه يوم أحد، ومصّه إيّاه، ...
وخروج فضلات (فلم أجد شيئا!) ، وقد مكث ﷺ بعد موته يومين؛ فلم يتغيّر منه شيء.
(فقلت: طبت) - بفتح تاء الخطاب- (حيّا وميتا) ونصبهما على الحال.
قال علي: (وسطعت) أي: ارتفعت وانتشرت وفاحت (منه ريح طيّبة لم نجد مثلها قطّ) ، لأن طيبه يدلّ على طيب ما يحصل منه، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.
(ومثله) ؛ أي: ومثل قول علي «طبت حيا وميتا» .
(قال أبو بكر) الصدّيق رضي الله تعالى عنه (حين قبّل النّبيّ ﷺ بعد موته) رواه البزار؛ عن ابن عمر بسند صحيح، وهو بعض خبر في البخاري.
(ومنه) ؛ أي: ومن الشواهد على ما ذكر (شرب مالك بن سنان) بن سنان بكسر السين المهملة- والد أبي سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة؛ قتل شهيدا يوم أحد رضي الله تعالى عنهما (دمه) أي: دم النبي ﷺ (يوم أحد) بضمتين-: اسم جبل وقعت عنده الوقعة العظيمة المشهورة بغزوة أحد.
(ومصّه إيّاه) . رواه البيهقي، والطبراني في «معجمه الأوسط» ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والمصّ- بالميم والصاد المهملة-: أخذ المائع القليل بجذب النفس. وأشار بقوله «شربه ومصّه» إلى أنّه كان يفيض أوّلا، فلذا جعل أخذه بفيه وابتلاعه إيّاه شربا، ولما قلّ وجعل يجذبه منه بالمشقة جعله مصّا.
стр. 1462
وتسويغه ﷺ ذلك له، وقوله: «لن تصيبه النّار» .
ومثله شرب عبد الله بن الزّبير ...
وروي ذلك مرفوعا: «من مسّ دمه دمي لم تصبه النّار» .
(وتسويغه ﷺ ؛ أي: تجويزه (ذلك) ؛ أي: شرب دمه ومصّه (له) ، أي: لمالك بن سنان رضي الله تعالى عنه؛ من غير إنكار، فلو كان دمه الشريف غير طاهر لنهاه عن ازدراده.
(وقوله) أي: النبي ﷺ لمالك ( «لن تصيبه النّار» ) كناية عن فوزه بنعيم الجنان.
وفي رواية سعيد بن منصور: «من سرّه أن ينظر إلى من خالط دمه دمي؛ فلينظر إلى مالك بن سنان» .
وفي رواية: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة؛ فلينظر إلى هذا» ، فاستشهد. رواها سعيد بن منصور؛ من طريق عمرو بن السائب بلاغا.
(ومثله) - وفي نسخة من «الشفاء» : و «منه» - أي: ومن الشاهد؛ كما رواه الحاكم، والبزّار، والبيهقي، والبغوي، والطبراني، والدارقطني، وغيرهم؛ من طرق يقوّي بعضها بعضا.
والعجب من قول ابن الصلاح «إنّ هذا الحديث لم أجد له أصلا!» وهو مذكور في هذه الأصول!!.
(شرب) - بضم الشين المعجمة- (عبد الله بن الزّبير) - بضمّ الزاي والتصغير- أحد العبادلة، الإمام الزاهد العابد، الشجاع بن الشجاع، أوّل مولود ولد للمهاجرين، وحنّكه النبيّ ﷺ بتمرة لاكها بفمه؛ فخالط ريقه ريقه.
وله ﵁ من شرف النسب ما لا يوصل إليه؛ لأن أمّه أسماء بنت أبي بكر «ذات النطاقين» ، وأبوه الزبير بن العوّام رضي الله تعالى عنهما «أحد العشرة؛ سيف الله» ، وجدّته صفيّة رضي الله تعالى عنها بنت عبد المطلب، وخالته عائشة رضي الله تعالى عنها، وجدّه لأمّه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وكان
стр. 1463
دم حجامته، وقال له ﵊: «ويل لك من النّاس، وويل لهم منك» ، ...
صوّاما قوّاما لا ينام ليله، وكان أطلس: لا لحية له رضي الله تعالى عنه. (دم حجامته) ﷺ .
ولفظ الحديث؛ عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ عن أبيه؛ قال:
احتجم رسول الله ﷺ فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة؛ وقال: «اذهب؛ يا عبد الله فغيّبه» .
وفي رواية: «اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد» . فذهبت فشربته، ثم أتيته ﷺ ؛ فقال «ما صنعت؟» قلت: غيّبته. قال: «لعلّك شربته!!» . قلت:
شربته.
وفي رواية: قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنّه خاف عن الناس.
قال: «لعلّك شربته!!» . قلت: شربته.
(وقال له عليه [الصّلاة] والسّلام: «ويل) - للتّحسّر والتألّم- (لك من النّاس) ؛ إشارة إلى محاصرته وتعذيبه، وقتله وصلبه على يد الحجاج، وقصّته مشهورة- (وويل لهم) - أي: للناس- (منك» ) لما أصابهم من حروبه؛ ومحاصرة مكّة بسببه، وقتل من قتل، وما أصاب أمّه وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الإثم العظيم وتخريب الكعبة، فهو بيان لما تسبّب عن شرب دمه، فإنّه بضعة من النبوة نورانية قوّت قلبه حتى زادت شجاعته، وعلت همّته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحقّ إمارة؛ فضلا عن الخلافة.
وزعم أنّه «إشارة إلى ما يلحقه من قدح الجهلة فيه بسبب شرب الدم» !! مما لا ينبغي ذكره، وسقوطه مغن عن ردّه.
وقد ورد عند الدارقطني في «سننه» ؛ من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما نحوه؛ ولفظه: قالت: احتجم ﷺ فدفع دمه لابني فشربه، فأتاه
стр. 1464
ولم ينكره.
جبريل فأخبره؛ فقال: «ما صنعت؟» . قال: كرهت أن أصبّ دمك. فقال ﷺ «لا تمسّك النّار» ، ومسح على رأسه. وقال: «ويل للنّاس منك، وويل لك من النّاس» .
(ولم ينكره) عليه! وهذا هو محطّ الدليل. فإنّ عدم إنكاره ﷺ دليل على جوازه وطهارته.
وقد سئل الحافظ ابن حجر عن الحكمة في تنوّع القول لابن الزبير ومالك بن سنان؛ مع اتحاد السبب!؟.
فأجاب بأن ابن الزبير شرب دم الحجامة، وهو قدر كثير يحصل به الاغتذاء، وقوّة جذب المحجمة تجلبه من سائر العروق؛ أو كثير منها، فعلم ﷺ أنّه يسري في جميع جسده؛ فتكتسب جميع أعضائه منه قوى من قوى النبي ﷺ فتورثه غاية قوّة البدن والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة والشجاعة؛ فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل وقلّة ناصره، وتمكّن الظّلمة وكثرة أعوانهم، فحصل له ما أشار إليه ﷺ من تلك الحروب الهائلة التي تنتهك بها حرمته الناشئة من حرمته ﷺ ؛ وحرمة البيت العتيق، فقيل له «ويل له» لقتله وانتهاك حرمته، و «ويل لهم» لظلمهم وتعدّيهم عليه وتسفيههم.
وأما مالك بن سنان!! فازدرد ما مصّه من الجرح الذي في وجهه ﷺ ؛ وهو أقلّ من دم الحجامة، وكأنه علم أنه يستشهد في ذلك اليوم، فلم يبق له من أحوال الدنيا ما يخبره به، فأعلمه بالأهمّ له ممّا يتلقاه من أنواع مسرّات الجنان. انتهى.
ولا عطر بعد عروس!.
وحاصله: أنّه اقتصر لمالك على التبشير بالجنة، وأنه لا تصيبه النار؛ لعدم بقاء شيء له من الدنيا، بخلاف ابن الزبير فأخبره بما يقع له في الدنيا على سبيل الإشارة، كما أشار له أيضا بأنّه من أهل الجنة؛ بقوله «لا تمسّك النّار» .
فزعم «أن مقتضاه أنه لم يخاطب بهذا ابن الزبير؛ بل مالكا» ساقط، إذ محطّ
стр. 1465
وقد روي نحو من هذا عنه ﷺ في امرأة شربت بوله، فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا» .
ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم، ولا نهاه عن عوده) انتهى ملخّصا.
الفرق إنما هو قوله «ويل لك» .. الخ. انتهى زرقاني على «المواهب» .
(وقد روي نحو من هذا) المذكور في شرب دمه ﷺ (عنه ﷺ في امرأة شربت بوله) ، واسم هذه المرأة «بركة» فقيل: هي بنت يسار «مولاة أبي سفيان بن حرب بن أمية» ، كانت تخدم أمّ حبيبة؛ وتخدم النبي ﷺ ، وقيل: هي بركة المعروفة ب «أمّ أيمن» الحبشية مولاته وحاضنته ومرضعته، ورثها من أبيه؛ ثم أعتقها لمّا تزوّج خديجة؛ فتزوّجها عبيد بن زيد بن الحارث، فولدت له أيمن، وبه كنّيت، ثم تزوّجها بعد النبوة زيد بن حارثة؛ فولدت له أسامة حبّه ﷺ ، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البرّ وغيره؛ قاله في «شرح الشفاء» .
(فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا» ) وفي رواية: «لن تلج النّار بطنك» والحديث صحيح رواه الحاكم؛ وأقرّه الذهبي، ورواه الدارقطني، وألزم البخاريّ ومسلما إخراجه في «الصحيح» ؛ قاله في «الشفاء» .
وفي رواية بعدها زيادة: (ولم يأمر واحدا منهم) أي: أحدا ممن شرب دمه وبوله (بغسل فم) !! ولو كان نجسا لأمر به، (ولا نهاه) ؛ أي: الأحد (عن عوده) ؛ أي: عن عود شرب بوله، ولو كان نجسا لنهاه عن عوده، ولحرم تناوله ووجب تطهير محلّه، ولم يقرّ النبيّ ﷺ على مثله، وكونه للتداوي والعلاج!! خلاف الظاهر. والضمير في «نهاه» وكذا الضمير في «عوده» كلاهما للواحد.
وفي نسخة صحيحة من «الشفاء» : «عودة» بالتاء المربوطة ك «دولة» ، فكأنه رواية. والله أعلم. (انتهى) كلام «الشفاء» للقاضي عياض (ملخّصا) بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة؛ على صيغة اسم المفعول- أي: مؤتى من ألفاظه بما هو المقصود.
стр. 1466
وأمّا ريقه الشّريف ﷺ :
فقد بصق في بئر دار أنس، ...
قال ملا علي قاري في «شرح الشفاء» : وقد شرب أيضا دمه ﵊ أبو طيبة، وعاش مائة وأربعين سنة. وسفينة «مولى النبي ﷺ » . رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. ذكره الرافعي في «الشرح الكبير» ؛ قال ابن الملقّن: ولم أجده في كتب الحديث!! انتهى.
قال الخفاجي: وكون عليّ كرم الله وجهه شرب دمه لم يثبت؛ كما أشار إليه الدّميري في «منظومته في الفقه» ؛ يعني المسمّاة «رموز الكنوز» حيث قال:
غريبة فضلة سيّد البشر ... طاهرة على خلاف انتشر
وابن الزّبير بدم الهادي البشير ... نال الّذي رام كما له أشير
وهو الّذي خصّ بويل النّاس ... وهو بويله من الإيلاس
في «مسند البزّار» ثمّ البيهقي ... والطّبرانيّ رواه فثق
والدّارقطنيّ، وقول ابن الصّلاح ... (ليس له أصل) يفي في الاصطلاح
وأمّ أيمن استزادت شرفا ... إذ شربت بول النّبيّ المصطفى
وسقيت إذ هاجرت للسّنّة ... ماء رويّا من شراب الجنّة
فبعده ما مسّ جوفها ظما ... ولم تذق إلى الممات ألما
صحّحه الحاكم، والمرويّ في ... شرب عليّ دمه لم يعرف
وابن الصّلاح قال في شرب أبي ... طيبة: إنّه ضعيف السّبب
قال ابن سبع: ويقينا كانت ... تبلعها الأرض ومنها ازدانت
ولم تبل من تحته بهيمه ... ولم تر الدّهر به سقيمه
وهذه فائدة تفرّد بها؛ وهي: أنّ الدوابّ لم تبل وهو ﷺ راكب عليها، ولم تسقم دابّة ركبها في حياته.
(وأمّا ريقه) - أي: وصف ريقه- (الشّريف ﷺ ، فكان يشفي الداء الحسّيّ والمعنويّ كإزالة ملوحة الماء؟! فالجواب محذوف اكتفاء بما دلّ عليه قوله (فقد بصق) بالصاد والزاي وفي لغة بالسين؛ خلافا لمن أنكرها (في بئر دار أنس) بن
стр. 1467
فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها.
وأتي بدلو من ماء فشرب من الدّلو، ثمّ صبّ في البئر، ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد وابن ماجه.
وكان ﷺ يوم عاشوراء يدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم؛ ويقول للأمّهات: «لا ترضعنهنّ إلى اللّيل» ، فكان ريقه يجزيهم. رواه البيهقيّ.
مالك (فلم يكن في المدينة) المنورة (بئر أعذب) : أحلى (منها) ببركة بصاقه.
رواه أبو نعيم، وغيره؛ عن أنس بن مالك ﵁.
(وأتي) - بصيغة المجهول- أي: جيء (بدلو من ماء فشرب من الدّلو) . لم يقل «منه» !! لئلا يوهم أنّه شرب من الماء في غير الدلو؛ بأن صبّه في إناء غيره من الدلو (ثمّ صبّ) باقي شربه (في البئر) ، قصدا لإظهار المعجزة المصدّقة له.
(ففاح منها [مثل] رائحة المسك. رواه) الإمام (أحمد) بن حنبل.
(و) رواه (ابن ماجه) ؛ من حديث وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه.
(وكان ﷺ يوم عاشوراء يدعو برضعائه) ؛ أي: صبيانه الذين ينسبون إليه، (ورضعاء ابنته فاطمة) ؛ أي: أولادها. ورضيع الشخص: أخوه رضاعة، وليس مرادا هنا؛ كما هو ظاهر.
(فيتفل) - بكسر الفاء وضمّها-: يبصق، (في أفواههم، ويقول للأمّهات:
«لا ترضعنهنّ إلى اللّيل) لعله أراد مشاركتهم للصائمين في عدم تناول شيء لتعود عليهم بركة تصوّرهم بهم، ولا مانع أنّه يكتب لهم ثواب من صامه إكراما له، (فكان ريقه يجزيهم) - بفتح الياء- أي: يكفيهم إلى الليل، ويجوز [يجزئهم] ضمّ الياء مع سكون الجيم؛ آخره همزة- أي: يغنيهم عن اللبان (رواه البيهقيّ) في «الدلائل» .
стр. 1468
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه- وهنّ خمس- فوجدنه يأكل قديدا، فمضغ لهنّ قديدة فمضغنها، كلّ واحدة قطعة، فلقين الله وما وجد لأفواههنّ خلوف. رواه الطّبرانيّ. و (الخلوف) : تغيّر رائحة فم الصّائم.
ومسح ﷺ بيده الشّريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة ...
(ودخلت عليه عميرة بنت مسعود) الأنصاريّة (هي وأخواتها يبايعنه؛ وهنّ خمس؛ فوجدنه يأكل قديدا) : لحما مقدّدا؛ أي: مجفّفا في الشمس (فمضغ لهنّ قديدة فمضغنها؛ كلّ واحدة) ، بدل من الفاعل في «مضغنها» ، وذلك بعد أخذ عميرة لها من المصطفى، ففي رواية عنها: فمضغ لهنّ قديدة، ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهنّ، فمضغت كلّ واحدة (قطعة فلقين الله) ؛ أي: متن (وما وجد لأفواههنّ خلوف) - بضم الخاء-: تغير ريح.
(رواه الطّبرانيّ) ، وأبو نعيم، وأبو موسى في «الصحابة» ، وفي روايتهما:
فلقين الله ما وجدن في أفواههن خلوفا ولا اشتكين من أفواههن شيئا. (والخلوف) بضم الخاء المعجمة (: تغيّر رائحة) الفم. وهذا هو المشهور الذي صرّح به أئمة اللغة، ومنه الحديث: «لخلوف (فم الصّائم) أطيب عند الله من ريح المسك» .
وحكى بعض الفقهاء والمحدّثين فتح الخاء، واقتصر عليه الدّميري في «شرح المنهاج» ، وأظنّه غلطا؛ كما صرّح به جماعة!!. وقال آخرون: الفتح لغة رديئة. والله أعلم. انتهى «شرح القاموس» .
(ومسح ﷺ بيده الشّريفة بعد أن نفث) : تفل (فيها من ريقه على ظهر) وبطن (عتبة) بن فرقد بن يربوع السّلمي، صحابيّ نزل الكوفة ومات بها، وهو الذي فتح الموصل زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وتقدّمت ترجمته.
стр. 1469
- وكان به شرى- فما كان يشمّ أطيب منه رائحة. رواه الطّبرانيّ.
وأعطى الحسن لسانه؛ وكان قد اشتدّ ظمؤه، فمصّه حتّى روي.
وروى القاضي عياض في «الشّفا» بسنده إلى عبد الله بن أبي الحمساء: ...
(وكان به شرى) : بثور صغار حمر حكّاكة مكربة؛ تحدث دفعة غالبا وتشتدّ ليلا لبخار حارّ يثور في البدن دفعة؛ قاله في «القاموس» .
(فما كان يشمّ أطيب منه رائحة. رواه الطّبرانيّ) في «الكبير» و «الصغير» ؛ من طريق أمّ عاصم زوجة عتبة بن فرقد عنه؛ قال: أخذني الشّرى على عهد رسول الله ﷺ ؛ فأمرني فتجرّدت فوضع يده على بطني وظهري، فعبق الطيب من يومئذ.
قالت أمّ عاصم: كنا عنده أربع نسوة فكنّا نجتهد في الطيب؛ وما كان هو يمسّ الطيب؛ وإنّه لأطيب ريحا منّا.
(وأعطى الحسن) بن عليّ سبطه ﷺ (لسانه؛ وكان قد اشتدّ ظمؤه، فمصّه حتّى روي) - بفتح الراء وكسر الواو-: زال ظمؤه. رواه ابن عساكر.
وروى الطبراني أنّ امرأة بذيئة اللسان جاءته ﷺ ؛ وهو يأكل قديدا، فقالت:
ألا تطعمني!! فناولها من بين يديه. فقالت: لا؛ إلّا الّذي في فيك!!. فأخرجه فأعطاه لها؛ فأكلته، فلم يعلم منها بعد ما كانت عليه من البذاءة.
ولله درّ إمام العارفين سيّدي محمد وفا الشاذلي المالكي رحمه الله تعالى حيث يقول:
جنى النّحل في فيه، وفيه حياتنا ... ولكنّه من لي بلثم لثامه
رحيق الثّنايا والمثاني تنفّست ... إذا قال في فيح بطيب ختامه
(وروى القاضي عياض في «الشّفاء» ) في «فصل خلقه في الوفاء وحسن العهد» (بسنده إلى عبد الله بن أبي الحمساء) - بمهملتين بينهما ميم ساكنة فألف
стр. 1470
قال: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثمّ ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه. فقال: «يا فتى؛ لقد شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ...
ممدودة- العامريّ الصحابي، وقد روى حديثه هذا أبو داود، وهو من أفراده، وأخرجه أيضا ابن منده في «المعرفة» ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» .
(قال) ؛ أي: عبد الله (: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع) ؛ أي: بعقد بيع (قبل أن يبعث) بالرسالة، (وبقيت له بقيّة) ، إمّا من الثمن؛ أو المثمّن، فإن البيع من الأضداد، (فوعدته أن آتيه بها) ؛ أي: البقية (في مكانه) الذي وقع فيه البيع، (فنسيت) الوعد الذي جرى بيننا، (ثمّ ذكرت بعد ثلاث) ؛ أي: ثلاث ليال، أو ثلاثة أيام. ولم يلحق التاء به!! لحذف المعدود. وإنما تلزم قاعدة العدد إذا ذكر المعدود، (فجئت، فإذا هو في مكانه) - أي مستقرّ ﷺ في مكانه لم يفارقه- (فقال: «يا فتى؛ لقد شققت عليّ!!) - بتشديد الياء- (أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك!!» ) وهذا دليل على وفائه ﷺ بعهده ووعده، وهو من جملة أخلاق جدّه النبي إسماعيل حيث قال تعالى في حقّه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [٥٤/ مريم] قال مجاهد: لم يعد شيئا إلّا وفّى به.
(و) أخرج البيهقيّ بإسناد حسن؛ كما في العزيزي، لكن قال المناوي:
قضية صنيع المصنف- يعني: السيوطي- أنّ البيهقي خرّجه وسكت عليه، وهو باطل! فإنه خرّجه من حديث إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن أيوب؛ عن ابن أبي مليكة؛
(عن عائشة) ، وعن محمد بن أبي بكر؛ عن أيوب؛ عن إبراهيم بن ميسرة؛ عن عائشة (أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها) .
стр. 1471
قالت: كان أبغض الأشياء إلى رسول الله ﷺ الكذب.
وكان ﷺ إذا اطّلع على أحد من ...
ثم عقّبه بما نصّه: قال البخاري: هو مرسل- يعني بين إبراهيم بن ميسرة وعائشة- ولا يصحّ حديث ابن أبي مليكة؛ قال البخاري: ما أعجب حديث معمر عن غير الزهري، فإنّه لا يكاد يوجد فيه حديث صحيح. انتهى.
فأفاد بذلك أنّ فيه ضعفا؛ أو انقطاعا. فاقتطاع المصنف- يعني السيوطي- لذلك من كلامه وحذفه: من سوء التصرّف. وإسحاق الدبري يستبعد لقيّه لعبد الرزاق!! كما أشار إليه ابن عدي، وأورده الذهبي في «الضعفاء» . انتهى كلام المناوي.
(قالت) - أي: عائشة- (: كان أبغض الأشياء) كذا في «كنوز الحقائق» .
وفي «الجامع الصغير» : كان أبغض الخلق (إلى رسول الله ﷺ ؛ أي: أبغض أعمال الخلق إليه (: الكذب) لكثرة ضرره وجموم «١» ما يترتّب عليه من المفاسد والفتن، فهو إثم كلّه إلا ما نفع به مسلم، أو دفع به عن دين، ومن ثمّ كان أشدّ الأشياء ضررا، ولهذا كان يزجر أصحابه وأهل بيته عنه، ويهجر على الكلمة من الكذب المدّة الطويلة. وذلك لأنّه قد يا بني عليه أمورا ربّما ضرّت ببعض الناس.
وفي كلام الحكماء: إذا كذب السفير بطل التدبير. ولهذا لما علم الكفّار أنّه أبغض الأشياء إليه نسبوه إليه؛ فكذّبوا بما جاءهم به من عند الله ليغيظوه بذلك، لأنه يوقف الناس عن قبول ما جاء به من الهدى، ويذهب فائدة الوحي.
وروي أنّ حذيفة قال: يا رسول الله؛ ما أشدّ ما لقيت من قومك؟ قال: «خرجت يوما لأدعوهم إلى الله، فما لقيني أحد منهم إلّا وكذّبني» . انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح- كما في العزيزي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا اطّلع على أحد من
стр. 1472
أهل بيته كذب كذبة.. لم يزل معرضا عنه حتّى يحدث توبة.
أهل بيته) ، أي: من عياله وخدمه (كذب كذبة) واحدة- بفتح الكاف وكسرها والذال ساكنة فيهما- (لم يزل معرضا عنه) ؛ إظهارا لكراهته الكذب، وتأديبا له، وزجرا عن العود لمثلها (حتّى يحدث توبة) من تلك الكذبة الواحدة التي كذبها، وذلك لشدّة بغضه ﷺ الكذب، لما يترتّب عليه من المفاسد، وإن كان نحو الزّنا أشدّ منه.
وفي رواية البزار: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب! ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتّى يعلم أنّه أحدث منها توبة.
وقبح الكذب مشهور معروف، إذ ترك الفواحش بتركه، وفعلها بفعله فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن، ولهذا أجمع على حرمته إلّا لضرورة؛ أو مصلحة.
قال الغزالي: وهو من أمّهات الكبائر. قال: وإذا عرف الإنسان بالكذب؛ سقطت الثقة بقوله، وازدرته العيون، واحتقرته النفوس. وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب؛ فانظر إلى قبح كذب غيرك، ونفور نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه، واستقباحك ما جاء به. قال: ومن الكذب الذي لا إثم فيه ما اعتيد في المبالغة ك «جئت ألف مرّة» فلا يأثم؛ وإن لم يبلغ ألفا.
قال: ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل فيه أن يقال «كل الطعام» فيقول «لا أشتهيه» . وذلك منهيّ عنه. وهو حرام؛ إن لم يكن فيه غرض صحيح.
وقال الراغب: الكذب عار لازم، وذلّ دائم، وحقّ الإنسان أن يتعوّد الصدق، ولا يترخّص في أدنى الكذب، فمن استحلاه عسر عليه فطامه.
وقال بعض الحكماء: كلّ ذنب يرجى تركه بتوبة إلّا الكذب، فكم رأينا شارب خمر أقلع، ولصّا نزع؛ ولم نر كذّابا رجع.
وعوتب كذّاب في كذبه؛ فقال: لو تغرغرت به وتطعّمت حلاوته ما صبرت عنه طرفة عين. ذكره المناوي في شرح «الجامع الصغير» .
стр. 1473
وكان ﷺ إذا أتى باب قوم.. لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول:
«السّلام عليكم.. السّلام عليكم» .
وكان ﷺ إذا أتاه الفيء.. قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظّين، وأعطى العزب حظّا.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في «الأدب» بسند حسن- كما في العزيزي- عن عبد الله بن بسر- بضم الموحدة وسين مهملة ساكنة- رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم) لنحو عيادة؛ أو زيارة؛ أو غير ذلك من المصالح (لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه) كراهة أن يقع النظر على ما لا يراد كشفه مما هو داخل البيت، لأن الدّور يومئذ لم تكن عليها ستور كالآن، (ولكن) يستقبله (من ركنه الأيمن؛ أو الأيسر) ، فكان يجعل وجهه جهة يمين الباب؛ أو شماله، (ويقول: «السّلام عليكم.. السّلام عليكم» ) أي: يكرّر ذلك ثلاثا، أو مرّتين عن يمينه وشماله.
(و) أخرج أبو داود في «الخراج» وسكت عليه، والحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ عن عوف بن مالك قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أتاه الفيء) بالهمز؛ ولا يجوز الإبدال والإدغام- والمراد به هنا ما يشمل خراج الأرض، وما أخذ من الكفار بلا قتال. وتخصيصه بالثاني عرف الفقهاء.
(قسمه) بين مستحقّيه (في يومه) ، أي: في اليوم الذي يصل إليه فيه، (فأعطى الآهل) - بالمد؛ أي- الذي له أهل زوجة، أو زوجات (حظّين) - بفتح الحاء؛ أي: نصيبين- نصيبا له، ونصيبا لزوجته أو زوجاته؛ لأنه أكثر حاجة، (وأعطى العزب) الذي لا زوجة له- وهو أفصح من لغة «الأعزب» الواقعة في بعض الأحاديث- (حظّا) واحدا.
стр. 1474
وكان ﷺ إذا أتي بالسّبي.. أعطى أهل البيت جميعا؛ كراهية أن يفرّق بينهم.
وكان ﷺ إذا أتاه رجل فرأى في وجهه بشرا..
أخذ بيده.
ويؤخذ من التعليل ما عليه الشافعية من أنّ كلّ واحد يعطى قدر كفايته وكفاية من يمون، من ولد وزوجة وعبد. وخصّوا ذلك بمن أرصد للقتال.
وفيه مبادرة الإمام إلى القسمة ليصل كلّ واحد إلى حقّه، ولا يجوز التأخير إلّا لعذر. قاله العزيزي على «الجامع» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمفعول- (بالسّبي) :
النهب عبيد، وإماء (أعطى أهل البيت) المسبيّين الآباء والأمهات والأولاد، والمراد أعطى الأقارب الذين سبوا (جميعا) لمن شاء؛ (كراهية أن يفرّق بينهم) يعني: أنه إذا كان في السبي امرأة وابنها، أو رجل وابنه، أو أخت وأختها، أو أخ وأخوه؛ لا يعطي المرأة لشخص وابنها لآخر، ولا الأب لشخص وابنه لآخر، ولا الأخ لشخص وأخاه لآخر، بل يعطي الاثنين لشخص واحد؛ كراهة التفريق بينهما، لما جبل عليه من الرأفة والرحمة.
فاستفدنا من فعله أنّه يسنّ للإمام؛ ولكلّ من ولي أمر السبي أن يجمع عليهم ولا يفرقهم؛ لأنه أدعى إلى إسلامهم، وأقرب إلى الرحمة والإحسان بهم.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن عكرمة مولى ابن عبّاس مرسلا قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا أتاه رجل) أي: متى قدم عليه رجل من أيّ محلّ (فرأى في وجهه بشرا) - بكسر الباء وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة وجه وأمارة سرور (أخذ بيده) إيناسا له وتودّدا ليعرف ما عنده من الأخبار الحسنة؛ مما يسرّه من نصرة الدين، وقيام شعار الإسلام، وتأييد المؤمنين. قال ابن العربي: الأخذ باليد نوع من التودّد والمعروف؛ كالمصافحة. انتهى «مناوي» .
стр. 1475
وكان ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح.. حوّله إلى ما هو أحسن منه.
وكان ﷺ يتفاءل ولا يتطيّر ...
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن عروة بن الزبير مرسلا- وفي العزيزي: إنه حديث صحيح- قال (كان) النبيّ ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح حوّله إلى ما هو أحسن منه) ، فمن ذلك تبديله «عاصية» ب «جميلة» ، والعاصي بن الأسود ب «مطيع» ، لأن الطباع السليمة تنفر عن القبيح، وتميل إلى الحسن المليح، وكان المصطفى يتفاءل ولا يتطيّر.
قال القرطبي: وهذه سنّة ينبغي الاقتداء به فيها. وفي أبي داود: كان لا يتطيّر وإذا بعث غلاما سأله عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح؛ ورئي بشره في وجهه، فإن كره اسمه رئي كراهته في وجهه.
قال القرطبي: ومن الأسماء ما غيّره وصرفه عن مسمّاه، لكن منع منه؛ حماية واحتراما لأسماء الله وصفاته عن أن يسمّى بها، فقد غيّر اسم «حكم» و «عزيز» ؛ كما رواه أبو داود، لما فيها من التشبه بأسماء الله تعالى. ذكره المناوي.
قال: وقد روي هذا الحديث بنحوه بزيادة الطبراني في «الصغير» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بسند؛ قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ولفظه:
كان إذا سمع اسما قبيحا غيّره، فمرّ على قرية يقال لها «عفرة» فسماها «خضرة» .
هذا لفظه. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني- بسند قال الحافظ الهيثمي: فيه ليث بن أسلم، وهو ضعيف بغير كذب- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله ﷺ يتفاءل) - بالهمز- أي: إذا سمع كلمة حسنة تأوّلها على معنى يوافقها (ولا يتطيّر) ؛ أي: لا يتشاءم بشيء كما كانت الجاهلية تفعله من تفريق الطير من أماكنها، فإن ذهبت إلى الشمال تشاءموا، وذلك لأن من تفاءل فقد فهم خيرا؛ وإن غلط في جهة الرجاء، ومن تطيّر؛ فقد أساء الظنّ بربّه، ولله درّ من قال: