وأخرج البيهقى والصابونى «١» فى المائتين والخطيب وابن عساكر فى تاريخهما وابن طغربك السياف فى النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله دعانى للدخول فى دينك أمارة لنبوتك رأيتك فى المهد تناغى القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: «إنى كنت أحدثه ويحدثنى ويلهينى عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش» «٢» قال البيهقى تفرد به أحمد بن إبراهيم الجيلى وهو مجهول وقال الصابونى: هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو فى المعجزات حسن.
والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة.
وفى فتح البارى عن سيرة الواقدى «٣» : أنه- ﷺ تكلم فى أوائل ما ولد «٤» . وذكر ابن سبع فى الخصائص: أن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة.
وأخرج البيهقى وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث أنها أول ما فطمت رسول الله- ﷺ تكلم فقال: «الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا» ، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فبجتنبهم «٥» . الحديث.
وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، فغافلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء فى
стр. 107
الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى تجده مع أخته فقالت: فى هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخى حرّا، رأيت غمامة تظل عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث.
وكان- ﷺ يشب شبابا لا يشبه الغلمان.
قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة، ولم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به.
فو الله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة، لفى بهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخى القرشى، قد جاء رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائما منتقعا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أى بنى، ما شأنك، فقال:
جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى فشقا بطنى، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه، ثم رداه كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابنى قد أصيب، فانطلقى بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف، قالت حليمة فاحتملناه حتى قدمنا به مكة إلى أمه، فقالت: ما ردكما به فقد كنتما حريصين عليه؟ قلنا نخشى عليه الإتلاف والأحداث، فقالت: ما ذاك بكما، فأصدقانى شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، قالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما لشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابنى هذا شأن عظيم فدعاه عنكما.
وفى حديث شداد بن أوس عن رجل من بنى عامر، عند أبى يعلى وأبى نعيم وابن عساكر: أن رسول الله- ﷺ قال: «كنت مسترضعا فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا ذات يوم فى بطن واد، مع أتراب لى من الصبيان، إذا أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب، ملىء ثلجا، فأخذونى من بين أصحابى، وانطلق الصبيان هرابا مسرعين إلى الحى، فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى وأنا
стр. 108
أنظر إليه، لم أجد لذلك مسّا، ثم أخرج أحشاء بطنى ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قال الثانى فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئا فإذا بخاتم فى يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبى فامتلأ وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا، ثم قال الثالث لصاحبه تنح، فأمرّ يده بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا لطيفا ثم قال للأول: زنه بعشرة من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضمونى إلى صدورهم وقبلوا رأسى وما بين عينى ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك» الحديث «١» .
وفى رواية ابن عباس، عند البيهقى، قالت حليمة: إذا أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا، وجبينه يرشح باكيا ينادى: يا أبت، يا أماه، ألحقا محمدا فما تلحقاه إلا ميتا. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه- ﵇ قال: «أتانى رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفى يد الثانى طست من زمردة خضراء» الحديث «٢» .
فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف فى الطست خاص به، أو فعل بغيره من الأنبياء- ﵈؟
أجيب: بأنه ورد فى خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذى غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبرى، وعزاه العماد ابن كثير فى تفسيره لرواية السدى عن أبى مالك عن ابن عباس.
فإن قلت: ما الحكمة فى ختم قلبه المقدس؟
стр. 109
أجيب: بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان الختم خاصّا به، أما إذا ورد أنه ليس خاصّا به بل بكل نبى- وسيأتى إن شاء الله تعالى قريبا ما فى الخاتم الشريف من المباحث- فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبى.
والمراد بالوزن: فى قوله «زنه بعشرة إلخ» الوزن الاعتبارى، فيكون المراد الرجحان فى الفضل، وهو كذلك.
وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول ذلك، حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.
وقد وقع شق صدره الشريف [واستخراج قلبه] مرة أخرى عند مجىء جبريل له بالوحى فى غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء به، وسيأتى كل فى موضعه- إن شاء الله تعالى-.
وروى الشق أيضا، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أبو نعيم فى الدلائل.
وروى خامسة، ولا تثبت.
والحكمة فى شق صدره الشريف فى حال صباه، واستخراج العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف فى سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ- ﵇ على أكمل الأحوال من العصمة.
وقد روى أنه ختم بخاتم النبوة بين كتفيه، وكان ينم مسكا، وأنه مثل زر الحجلة «١» ، ذكره البخارى.
وفى مسلم: جمع عليه خيلان، كأنها الثاليل السود عند نغض كتفه «٢» ، ويروى: غضروف كتفه اليسرى.
стр. 110
وفى كتاب أبى نعيم: الأيمن.
وفى مسلم أيضا: كبيضة الحمام «١» .
وفى صحيح الحاكم: شعر مجتمع «٢» .
وفى البيهقى: مثل السلعة.
وفى الشمائل: بضعة ناشزة.
وفى حديث عمرو بن أخطب: كشىء يختم به.
وفى تاريخ ابن عساكر: مثل البندقة.
وفى الترمذى ودلائل البيهقى: كالتفاحة «٣» .
وفى الروض: كأثر المحجمة القابضة على اللحم.
وفى تاريخ ابن أبى خيثمة: شامة خضراء محتفرة فى اللحم.
وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات كأنها عرف الفرس.
وفى تاريخ القضاعى: ثلاث شعرات مجتمعات.
وفى كتاب الترمذى الحكيم «٤» : كبيضة حمام، مكتوب فى باطنها: الله وحده لا شريك له، وفى ظاهرها: توجه حيث كنت فإنك المنصور.
стр. 111
وفى كتاب المولد لابن عائذ: كان نورا يتلألأ.
وفى سيرة ابن أبى عاصم: عذرة كعذرة الحمام، قال أبو أيوب: يعنى قرطمة الحمامة.
وفى تاريخ نيسابور: مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله.
وعن عائشة: كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلى الفقار قالت: فلمسته حين توفى فوجدته قد رفع.
حكى هذا كله الحافظ مغلطاى لكن قال فى فتح البارى: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو كالشامة السوداء أو الخضراء، مكتوب عليها:
محمد رسول الله، أو: سر فإنك المنصور. لم يثبت منها شىء «١» . قال: ولا يغتر بما وقع فى صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك.
وقال الهيثمى فى «موارد الظمان» بعد أن أورد الحديث ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه: محمد رسول الله «٢» . اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذى كان يختم به.
وبخط الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم قاضى سمرقند وهو ضعيف.
وقوله: زر الحجلة- بالزاى والراء- والحجلة- بالحاء المهملة والجيم- قال النووى: هى واحدة الحجال، وهى بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرى، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف. وزرها: بيضها، وأشار إليه الترمذى وأنكره عليه العلماء.
وقوله: جمع- بضم الجيم وإسكان الميم- أى كجمع الكف، وصورته:
أن تجمع الأصابع وتضمها.
стр. 112
وقوله: خيلان: - بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية- جمع خال، وهو الشامة على الجسد.
وقوله: نغض: - بالنون والغين والضاد، المعجمتين- قال النووى:
النغض والنّغض والناغض: أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذى على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، سمى ناغضا لتحركه.
وقوله: بضعة ناشزة- بالمعجمة والزاى- أى قطعة لحم مرتفعة على جسده.
وبيضة الحمامة: معروفة. انتهى.
والثاليل: - بالمثلاثة- جمع ثؤلول: وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها.
وفى القاموس: وقرطمتا الحمام- أى بكسر القاف- نقطتان على أصل منقاره.
وقال بعض العلماء: اختلف أقوال الرواة فى خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كل شبه بما سنح له، وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم، ومن قال: شعر فلأن الشعر حوله متراكم عليه، كما فى الرواية الآخرى.
وقال القرطبى: الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل، قدر ببيضة الحمامة، وإذا كبر: جمع اليد.
وقال القاضى عياض: وهذه الروايات متقاربة متفرقة، متفقة على أنه شاخص فى جسده، قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه فى قدر بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه.
قال النووى: هذا الذى قال ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان فى صدره وبطنه. انتهى.
стр. 113
ويشهد له قول أنس فى حديث عند مسلم- يأتى فى ذكر قلبه الشريف، من المقصد الثالث، إن شاء الله تعالى-: فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره «١» .
لكن أجيب: بأن فى حديث عتبة بن عبد السلمى «٢» - عند أحمد والطبرانى- أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه حمل القاضى عياض ذلك على أن الشق لما وقع فى صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووى وغيره منه: أن قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذ فليس ما قاله القاضى عياض بباطل، انتهى «٣» .
وقال السهيلى: والصحيح أنه- يعنى خاتم النبوة- كان عند نغض كتفه الأيسر.
واختلف هل ولد به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين.
وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، فى حديث أبى ذر عند البزار وغيره قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبى، وبم علمت أنك نبى حتى استيقنت؟ قال: «أتانى آتيان، وفى رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل» الحديث «٤» . وفيه: ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطنى فأخرج
стр. 114
قلبى فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه:
اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه:
خط بطنه، فخاط بطنى وجعل الخاتم بين كتفى كما هو الآن، ووليا عنى، وكأنى أرى الأمر معاينة «١» .
وعند أبى نعيم فى الدلائل: أنه- ﷺ لما ولد، ذكرت أمه أن الملك غمسه فى الماء الذى أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضىء كالزهرة.
وقيل: ولد به، فالله أعلم.
وأخرج الحاكم فى المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبيّا إلا وقد كان عليه شامات النبوة فى يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا- ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» .
وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به عن سائر الأنبياء والله أعلم.
ولما بلغ- ﷺ أربع سنين- وقيل خمسا، وقيل ستّا، وقيل سبعا، وقيل تسعا، وقيل اثنتى عشرة سنة وشهرا وعشرة أيام- ماتت أمه بالأبواء «٣» وقيل بشعب أبى ذئب بالحجون «٤» . وفى القاموس: ودار رائعة بمكة فيها مدفن آمنة أم النبى- ﷺ .
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهرى، وعن عاصم بن عمرو ابن قتادة دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بنى عدى بن النجار بالمدينة،
стр. 115
تزورهم، ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التابعة. فأقامت به عندهم شهرا، فكان ﷺ يذكر أمورا كانت فى مقامه ذلك، ونظرا إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بى أمى، وأحسنت العوم فى بئر بنى عدى بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلى. قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبى هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت «١» .
وروى أبو نعيم من طريق الزهرى عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت:
شهدت آمنة أم النبى- ﷺ فى علتها التى ماتت بها، ومحمد- ﵇ غلام يفع له خمس سنين عند رأسها، فنظرت إلى وجهه ثم قالت:
بارك الله فيك من غلام ... يابن الذى من حومة الحمام
نجا بعون الملك المنعام ... فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت فى المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام ... من عند ذى الجلال والإكرام
تبعث فى الحل وفى الحرام ... تبعث فى التحقيق والإسلام
دين أبيك البر إبراهام ... فالله أنهاك عن الأصنام
ألاتواليها مع الأقوام
ثم قالت: كل حى ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك هذه الأبيات:
نبكى الفتاة البرة الأمينة ... ذات الجمال العفة الرزينة
زوجة عبد الله والقرينة ... أم نبى الله ذى السكينة
وصاحب المنبر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة
وقد روى أن آمنة آمنت به- ﷺ بعد موتها.
стр. 116
فروى الطبرى بسنده عن عائشة أن النبى- ﷺ نزل الحجون كئيبا حزينا، فأقام به ما شاء الله ، ثم رجع مسرورا، قال: «سألت ربى فأحيا لى أمى، فامنت بى ثم ردها» «١» .
ورواه أبو حفص بن شاهين فى كتاب: «الناسخ والمنسوخ» له، بلفظ، قالت عائشة: حج بنا رسول الله- ﷺ حجة الوداع، فمر بى على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: «يا حميراء استمسكى» فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليّا، ثم عاد إلى وهو فرح متبسم فقال: «ذهبت لقبر أمى فسألت ربى أن يحييها، فأحياها فامنت بى» «٢» .
وكذا روى من حديث عائشة أيضا إحياء أبويه- ﷺ حتى آمنا به.
أورده السهيلى، وكذا الخطيب فى السابق واللاحق.
وقال السهيلى: إن فى إسناده مجاهيل.
وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدّا، وسنده مجهول.
وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتهى.
وقد جزم بعض العلماء: أن أبويه- ﷺ ناجيان، وليسا فى النار، متمسكا بهذا الحديث وغيره.
وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى.
وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: من مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة. انتهى.
وتعقبه القرطبى فى «التذكرة» : بأن فضائله- ﷺ وخصائصه لم تزل
стр. 117
تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال:
وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد فى الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى- ﵇ يحيى الموتى، وكذلك نبينا- ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى، وإذا ثبت هذا فلا يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة فى كرامته وفضيلته.
ثم قال: وقوله: من مات كافرا إلى آخر كلامه، مردود بما روى فى الخبر أن الله تعالى رد الشمس على نبيه- ﷺ بعد مغيبها. ذكره الطحاوى وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد به الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوى النبى- ﷺ نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبى- ﷺ انتهى «١» .
وقد طعن بعضهم فى حديث رد الشمس. كما سيأتى- إن شاء الله- فى مقصد المعجزات.
وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضا بأنهما ماتا قبل البعثة، فى زمن الفترة، ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٢» قال:
وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا «٣» .
قال: وقال الإمام فخر الدين الرازى فى كتابه «أسرار التنزيل» ما نصه:
«قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى:
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
«٤» قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد إلى ساجد، ففيه دلالة على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين» .
стр. 118
ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد- ﷺ ما كانوا مشركين. قوله ﵇: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» «١» وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «٢» فوجب ألايكون أحد من أجداده مشركا» . كذا قال.
وهو متعقب:
* بأنه لا دلالة فى قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٣» . على ما ادعاه، فقد ذكر البيضاوى- فى تفسيره- وغيره، أن معنى الآية: وترددك فى تصفح أحوال المتهجدين، كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف- ﵇ تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى.
* وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم- ﵊ مات على الكفر، كما صرح به البيضاوى وغيره، قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «٤» .
وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى.
ونقل الإمام أبو حيان فى «البحر» عند تفسير قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٥» . أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبى- ﷺ كانوا مؤمنين، مستدلين بقوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٦» . وبقوله- ﵇: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين» الحديث «٧» . انتهى.
* وروى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه:
стр. 119
أن النبى- ﷺ لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: «إنى استأذنت ربى فى زيارة قبر أمى فأذن لى، واستأذننه فى الاستغفار لها فلم يأذن لى» . فما رؤى باكيا أكثر من يومئذ «١» .
* وروى ابن أبى حاتم فى تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله- ﷺ أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر آمنة، وإنى استأذنت ربى فى زيارتها فأذن لى، وإنى استأذنته فى الدعاء لها فلم يأذن لى، وأنزل الله على: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى «٢» فأخذنى ما يأخذ الولد للوالد «٣» . ورواه الطبرانى من حديث ابن عباس.
* وفى مسلم: «استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى، واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة» «٤» .
قال القاضى عياض: بكاؤه- ﵇ على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به.
* وفى مسلم أيضا: «أن رجلا قال: يا رسول الله: أين أبى، قال:
«فى النار» فلما قفا دعاه، قال: «إن أبى وأباك فى النار» «٥» .
قال النووى: فيه أن من مات على الكفر فهو فى النار، ولا ينفعه قرابة المقربين.
стр. 120
وفيه: أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو فى النار، وليس فى هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء.
وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركا فهو فى النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلوما من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه فى النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين، فى كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل فى كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد فى الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب فى النار لمخالفته دعوة الرسل، وهو مخلد فيها دائما كخلود أهل الجنة فى الجنة.
انتهى.
وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبى من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووى الماضى وفيه «أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فى النار، إلى آخره» بما معناه:
تأمل ما فى كلامه من التنافى، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثانى، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبى- ﷺ . والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا فى الفترة فإنهم يعنون التى بين عيسى ونبينا- عليهما الصلاة والسلام-. وذكر البخارى عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة.
стр. 121
ولما دلت القواطع على ألاتعذيب حتى تقوم الحجة أى قوله تعالى:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» ، علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فى النار» «٢» و «رأيت صاحب المحجن فى النار، وهو الذى يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجنى» «٣» .
أجيب بأجوبة:
* أحدها: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القطع.
* الثانى: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
* الثالث: قصر التعذيب المذكور فى هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
* الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل فى شريعة، كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل فى شريعة حق قائمة الرسم، كتبع «٤» وقومه من حمير وأهل نجران، وورقة بن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
* القسم الثانى من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحى، أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة،
стр. 122
ووصل الوصيلة وحمى الحام «١» ، وتبعته العرب فى ذلك وغيره مما يطول ذكره.
* القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل فى شريعة نبى، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينا، بل بقى عمره على حين غفلة من هذا كله. وفى الجاهلية من كان على ذلك.
стр. 123
وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثانى لكفرهم بما تعدوا به من الخبائث، والله قد سمى جميع هذا القسم كفارا ومشركين، فإنا نجد القرآن كلما حكى حال أحد سجل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ ثم قال: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية «١» .
والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين.
وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال- ﵇ فى كل منهما «أنه يبعث أمة وحده» «٢» .
وأما عثمان بن الحويرث، وتبّع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى ملخصا وسيأتى ما قيل فى ورقة فى حديث المبعث- إن شاء الله تعالى-.
فهذا ما تيسر فى مسألة والديه- ﷺ ، وقد كان الأولى ترك ذلك، وإنما جرّنا إليه ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر.
ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقى حيث قال:
حبا الله النبى مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم «٣» بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا «٤»
стр. 124
فالحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذى النبى ﷺ ، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف بوصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة.
وقد قال- ﵇: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» «١» رواه الطبرانى فى الصغير، ولا ريب أن أذاه- ﵇ كفر يقتل فاعله- إن لم يتب- عندنا.
وستأتى مباحث ذلك- إن شاء الله تعالى- فى الخصائص من مقصد المعجزات.
وقد أطنب بعض العلماء فى الاستدلال لإيمانهما، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل.
قال الحافظ ابن حجر فى بعض كتبه: والظن باله- يعنى الذين ماتوا قبل البعثة- أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له- ﷺ لتقر عينه.
وقال فى الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة فى جملة من يدخلها طائعا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.
стр. 125
[ذكر حضانته ﷺ ]
وقد كانت أم أيمن، بركة، دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: أنت أمى بعد أمى.
ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين- وقيل ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر- وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.
وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله.
وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم فى قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادى وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن»
، تجلت عنه سحابة قتماء «٢» ، حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه، وما فى السماء قزعة «٣» ، فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادى، وأخصب النادى والبادى. وفى ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفواضل
والثمال- بكسر المثلاثة-: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم فى الشدة.
стр. 126
وعصمة للأرامل: أى يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل: المساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخص، وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة.
وهذا البيت من أبيات فى قصيدة لأبى طالب، ذكرها ابن إسحاق بطولها، وهى أكثر من ثمانين بيتا. قالها لما تمالأت قريش على النبى ﷺ ، ونفروا عنه من يريد الإسلام، وأولها:
لما رأيت القوم لا ود عندهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
أعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا فى أمركم كل واغل
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق لبر فى حراء ونازل
وبالبيت حق البيت فى بطن مكة ... وتالله إن الله ليس بغافل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع.
ونبزى: - بضم النون وسكون الموحدة آخره زاى- أى نقهر ونغلب عليه.
قال ابن التين: إن فى شعر أبى طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبى- ﷺ قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه.
وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبى طالب لهذا الشعر كان بعد البعثة، ومعرفة أبى طالب بنبوته- ﵇ جاءت فى كثير من الأخبار وتمسك بها الشيعة فى أنه كان مسلما.
стр. 127
قال: ورأيت لعلى بن حمزة البصرى جزآ جمع فى شعر أبى طالب، وزعم أنه كان مسلما، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية «١» تزعم أنه مات كافرا، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى «٢» .
ولما بلغ رسول الله- ﷺ اثنتى عشرة سنة خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب، واسمه جرجيس، فعرفه بصفته فقال، وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين.
فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجد إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة، فى أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده فى كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود.
والحديث رواه ابن أبى شيبة، وفيه: أنه- ﷺ أقبل وعليه غمامة تظله.
و «بحيرى» - بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة- قال الذهبى- فى تجريد الصحابة-: رأى رسول- ﷺ قبل البعثة وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم فى الصحابة. وهذا ينبنى على تعريفهم الصحابى: بمن رآه- ﷺ ، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية. وهو محل نظر، وسيأتى البحث فيه- إن شاء الله- فى المقصد السابع.
وخرج الترمذى وحسنه، - والحاكم وصححه- أن فى هذه السفرة أقبل
стр. 128
سبعة من الروم يقصدون قتله- ﵇، فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبى خارج فى هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال: فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب. وبعث معه أبو بكر بلالا «١» .
قال البيهقى: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازى. انتهى.
وضعف الذهبى الحديث لقوله فى آخره: «وبعث معه أبو بكر بلالا» فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا، ولا اشترى بلالا.
قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته.
وفى حديث عند البيهقى وأبى نعيم: أن بحيرى رآه- وهو فى صومعته- فى الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله- ﷺ حتى استظل تحتها الحديث.
وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء حاله: من نومه وهيئته وأموره. ويخبره رسول الله- ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده.
وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته فى الظهيرة، وغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر. ولله در القائل:
إن قال يوما ظللته غمامة ... هى فى الحقيقة تحت ظل القائل
ونقل الشيخ بدر الدين الزركشى عن بعض أهل المعرفة: أنه- ﷺ
стр. 129
كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان فى ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل ﵀.
وأخرج ابن منده، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه- صحب النبى- ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، والنبى- ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام فى تجارة، حتى نزل منزلا فيه سدرة، فقعد فى ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شىء، فقال له: من الرجل الذى فى ظل الشجرة، فقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبى، ما استظل تحتها بعد عيسى- ﵇ إلا محمد. ووقع فى قلب أبى بكر التصديق، فلما بعث النبى- ﷺ اتبعه.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر فى الإصابة: إن صحت هذه القصة فهى سفرة أخرى بعد سفرة أبى طالب. انتهى.
ثم خرج- ﷺ أيضا ومعه ميسرة غلام خديجة ابنة خويلد بن أسد، فى تجارة لها حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت ظل هذه الشجرة إلا نبى، وفى رواية بعد عيسى. وكان ميسرة يرى فى الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس، ولما رجعوا إلى مكة فى ساعة الظهيرة، وخديجة فى علية لها، فرأت رسول الله- ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم.
وتزوج- ﷺ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما وقيل: كان سنه إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين- وكانت تدعى فى الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبى هالة بن زرارة التميمى فولدت له هندا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد المخزومى فولدت له هندا.
وكان لها- حين تزويجها بالنبى- ﷺ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى.
وكانت عرضت نفسها عليه، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.
стр. 130
فتزوجها- ﵇، وأصدقها عشرين بكرة «١» ، وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال:
الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو- والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، فزوجها.
والضئضىء: الأصل.
وحضنة بيته: أى الكافلين له والقائمين بخدمته.
وسواس حرمه: أى: متولى أمره.
قال: ابن إسحاق: وزوجه إياها خويلد.
وقد ذكر الدولابى وغيره: أن النبى- ﷺ أصدق خديجة اثنتى عشرة أوقية ذهبا ونشا.
قالوا: وكل أوقية أربعون درهما. والنش: نصف أوقية.
ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة، خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول، فأمروا باقوم- بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم- النجار النبطى مولى سعيد بن العاصى، وصانع المنبر الشريف، بأن يا بنى الكعبة المعظمة.
وحضر- ﷺ وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك- ﷺ فلبط به- بالموحدة، كعنى أى سقط من قيامه كما فى القاموس- ونودى: عورتك، فكان ذلك أول ما نودى. فقال له أبو طالب أو العباس: يابن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى إلا من التعرى.
стр. 131
[دقائق حقائق بعثته ﷺ ]
ولما بلغ رسول الله- ﷺ أربعين سنة وقيل: وأربعين يوما، وقيل:
وعشرة أيام وقيل: وشهرين، يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة-.
وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: فى أول ربيع:
بعثه الله رحمة للعالمين، ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين.
ويشهد لبعثه يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبى قتادة أنه- ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل على» «١» .
وقال ابن القيم فى «الهدى النبوى» : واحتج القائلون بأنه كان فى رمضان بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ «٢» قالوا: أول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن.
وقال الآخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجوما بحسب الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة.
وقيل: كان ابتداء المبعث فى رجب.
وروى البخارى فى «التعبير» من حديث عائشة: «أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «٣» وكان يأتى حراء «٤» فيتحنث «٥» فيه- وهو
стр. 132
التعبد- الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو فى غار حراء.
فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، «فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد «١» ، ثم أرسلنى «٢» » ، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى» ، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى» فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى- بلغ- ما لَمْ يَعْلَمْ «٣» «٤» .
فرجع بها رسول الله- ﷺ يرجف فؤاده «٥» ، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملونى زملونى» «٦» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال:
«يا خديجة، ما لى؟» وأخبرها الخبر، ثم قال: «قد خشيت على نفسى» .
فقالت له: كلا أبشر، فو الله لا يخزيك «٧» الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل «٨» ، وتقرى الضيف «٩» ، وتعين على نوائب الحق «١٠» .
стр. 133
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وهو ابن عم خديجة أخى أبيها- وكان امرأ تنصر «١» فى الجاهلية «٢» ، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب- وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: أى ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره النبى- ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس «٣» الذى أنزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا «٤» ، ليتنى أكون حيّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله- ﷺ :
أو مخرجى هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب «٥» ورقة أن توفى، وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقّا، فيسكن لذلك جأشه «٦» ، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك» «٧» .
* وقد تكلم العلماء فى معنى قوله- ﷺ لخديجة: «قد خشيت
стр. 134
على نفسى» فذهب الإسماعيلى «١» إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضرورى بأن الذى جاءه ملك من عند الله. وكان أشق شىء عليه أن يقال عليه مجنون.
وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل والأذية، كما يخشى البشر.
* وقوله: «ما أنا بقارئ» أى: أنا أمى فلا أقرأ الكتب.
* وقال القاضى عياض: إنما بيتدئ- ﷺ بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدىء بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة. انتهى.
فإن قلت: فلم كرر قوله «ما أنا بقارئ» ثلاثا؟
أجاب أبو شامة «٢» كما فى فتح البارى: بأن يحمل قوله أولا «ما أنا بقارئ» على الامتناع، وثانيا: على الإخبار بالنفى المحض، وثالثا: على الاستفهام.
* والحكمة من الغط ثلاثا، شغله عن الالتفات لشىء آخر، وإظهارا للشدة والجد فى الأمر، تنبيها على ثقل القول الذى سيلقى عليه.
وقيل: إبعادا لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
* فإن قلت: من أين عرف- ﷺ أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟
فالجواب من وجهين:
стр. 135
أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدى جبريل- ﵇ معجزات عرفه بها. كما أظهر الله تعالى على يد محمد- ﷺ معجزات عرفناه بها.
وثانيهما: أن الله تعالى خلق فى محمد- ﷺ علما ضروريّا بأن جبريل من عند الله ملك لا جنى ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق فى جبريل علما ضروريّا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غير.
* وقول ورقة: يا ليتنى فيها جذعا. الضمير للنبوة، أى: ليتنى كنت شابّا عند ظهورها حتى أبالغ فى نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع: من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابّا فتيّا.
وأخرج البيهقى من طريق العلاء بن جارية الثقفى عن بعض أهل العلم أن رسول الله- ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله- ﷺ خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة. وهى تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله الحديث «١» .
وعن جابر: أن رسول الله- ﷺ قال: «جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جوارى هبطت، فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا، ونظرت خلفى فلم أر شيئا، فرفعت رأسى فرأيت شيئا فلم أثبت له، فأتيت خديجة فقلت: دثرونى دثرونى»
وصبوا على ماء باردا فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ «٣» الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة» «٤» رواه البخارى ومسلم والترمذى.
ولم يكن جواره- ﷺ لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال بالطلب
стр. 136
أو الاكتساب، وإنما هى موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولم تكن الرجفة المذكورة خوفا من جبريل- ﵇، فإنه- ﷺ أجل من ذلك، وأثبت جنانا، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله ، فخشى أن يشغل بغير الله عن الله.
وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة.
وفى رواية البيهقى فى الدلائل: أن خديجة قالت لأبى بكر: يا عتيق اذهب به إلى ورقة بن نوفل، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال ﷺ : «إذا خلوت وحدى سمعت نداء: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا» .. فقال: لا تفعل إذا قال، فاثبت حتى تسمع، ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. إلى آخرها. ثم قال: قل لا إله إلا الله «١» . الحديث.
واحتج به من قال بأولية نزول الفاتحة.
والصحيح أن أول ما نزل عليه- ﷺ من القرآن «اقرأ» كما صح ذلك عن عائشة، وروى ذلك عن أبى موسى الأشعرى وعبيد بن عمير.
قال النووى: وهو الصواب الذى عليه الجماهير من السلف والخلف.
وأما ما روى عن جابر وغيره: أن أول ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «٢» .
فقال النووى: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحى.
وأما حديث البيهقى أنه الفاتحة- كقول بعض المفسرين- فقال البيهقى:
هذا منقطع، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٣» ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «٤» .
وقال النووى- بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.
стр. 137
وقد روى أن جبريل- ﵇ أول ما نزل بالقرآن على النبى- ﷺ أمره بالاستعاذه، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال:
«أول ما نزل جبريل على محمد- ﷺ قال: يا محمد، استعذ، قال:
أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. قال عبد الله: وهى أول سورة أنزلها الله على محمد- ﷺ » «١» .
قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن فى إسناده ضعفا وانقطاعا، والله أعلم «٢» .
وقد أورد ابن أبى جمرة سؤالا، وهو أنه: لم اختص- ﷺ بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من المواضع.
وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره: من جهة أنه منزو ومجموع لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث.
ولله در المرجانى حيث قال فى فضائل حراء وما اختص به:
تأمل حراء فى جمال محياه ... فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا
فمما حوى من جا لعلياه زائرا ... يفرج عنه الهم فى حال مرقاه
به خلوة الهادى الشفيع محمد ... وفيه له غار له كان يرقاه
وقبلته للقدس كانت بغاره ... وفيه أتاه الوحى فى حال مبداه
وفيه تجلى الروح بالموقف الذى ... به الله فى وقت البداءة سواه
وتحت تخوم الأرض فى السبع أصله ... ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه
ولما تجلى الله قدس ذكره ... لطور تشظى فهو إحدى شظاياه
ومنها ثبير ثم ثور بمكة ... كذا قد أتى فى نقل تاريخ مبداه
وفى طيبة أيضا ثلاث فعدها ... فعيرا وورقانا وأحدا رويناه
стр. 138
ويقبل فى ساعة الظهر من دعا ... به ينادى من دعانا أجبناه
وفى أحد الأقوال فى عقبة حرا ... أتى ثم قابيل لهابيل غشاه
ومما حوى سرّا حوته صخوره ... من التبر إكسيرا يقام سمعناه
سمعت به تسبيحها غير مرة ... وأسمعته جمعا فقالوا سمعناه
به مركز النور الإلهى مثبتا ... فلله ما أحلى مقاما بأعلاه
وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «١» . الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، فأنا أشهد أنك الذى بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبى مرسل «٢» .
وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضا الطيالسى والحارث فى مسنديهما.
والحكمة فيه: ليتلقى النبى- ﷺ ما يوحى إليه بقلب قوى، فى أكمل الأحوال من التطهير.
قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له- ﵇ من الوحى مراتب عديدة:
* أحدها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
* الثانية: ما كان يلقيه الملك فى روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال- ﷺ : «إن روح القدس نفث فى روعى، لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب» «٣» الحديث رواه ابن أبى الدنيا فى القناعة، وصححه الحاكم.
والروع- بضم الراء- أى نفسى، وروح القدس: جبريل- ﵇.
стр. 139
* الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلا، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى «١» . رواه النسائى بسند صحيح من حديث ابن عمر.
قلت: وكان دحية جميلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه.
فإن قلت: إذا لقى جبريل النبى- ﷺ فى صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت فى الجسد الذى له ستمائة جناح، فالذى أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت فى هذا الذى هو فى صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية.
أجيب- كما ذكره العينى «٢» - بأنه لا يبعد ألايكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسد حيّا، لا ينقص من معارفه شىء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثانى كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى فى بنى آدم، فلا تلزم فى غيرهم. انتهى.
* الرابعة: كأن يأتيه فى مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به فى
стр. 140
الأرض، ولقد جاءه الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها «١» .
قلت: وروى الطبرانى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحى لرسول الله- ﷺ ، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقا شديدا مثل الجمان، ثم سرى عنه.
وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تكسر من ثقل الوحى، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبدا «٢» .
ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن تنكسر عضد ناقته من ثقل السورة «٣» ، ورواه أحمد والبيهقى فى الشعب.
* الخامسة: أن يرى الملك فى صورته التى خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما فى سورة النجم.
* السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها.
* السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى.
قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب. انتهى.
قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى: وكان ابن القيم أخذ ذلك من
стр. 141
روض السهيلى لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحى قبل جبريل.
فقد ثبت فى الطرق الصحاح عن عامر الشعبى أن رسول الله- ﷺ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحى، والشىء، ثم وكل به جبريل فجاء بالقرآن «١» .
وأما قوله- أعنى ابن القيم-: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعنى ليلة المعراج، السابعة كلام الله بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل فى تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمى، وكلاهما قد تقدم ذكره، وإن أراد وحى الله بلا واسطة- وهو الظاهر- فهى الصورة التى بعدها.
وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب، فهذا على مذهب من يقول إنه- ﷺ رأى ربه تعالى، وهى مسألة خلاف يأتى الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
ويحتمل أن ابن القيم- رحمه الله تعالى- أراد بالمرتبة السادسة وحى جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الإيحاء، أى كونه فوق السماوات، بخلاف ما تقدم، فإنه كان فى الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحى باعتبار البقعة التى جاء فيها جبريل إلى النبى- ﷺ وهو غير ممكن، لأنا نقول: الوحى الحاصل فى السماء باعتبار ما فى تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى.
قلت: ويزاد أيضا:
* كلامه تعالى له فى المنام، كما فى حديث الزهرى «أتانى ربى فى أحسن صورة فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى..» «٢» الحديث.
стр. 142
* ثم مرتبة أخرى، وهى العلم الذى يلقيه الله تعالى فى قلبه، وعلى لسانه عند الاجتهاد فى الأحكام، لأنه اتفق على أنه- ﷺ إذا اجتهد أصاب قطعا، وكان معصوما من الخطأ، وهذا خرق للعادة فى حقه دون سائر الأمة، وهو يفارق النفث فى الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه.
* ومرتبة أخرى: وهى مجىء جبريل فى صورة رجل غير دحية، لأن دحية كان معروفا عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة فى المرتبة الثالثة التى ذكرها ابن القيم.
وذكر الحليمى أن الوحى كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا، فذكرها، وغالبها- كما قال فى فتح البارى- من صفات حامل الوحى، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم.
وذكر ابن المنير أن الحال كان يختلف فى الوحى باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمى، وخاطبه من غير كدّ، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس. انتهى.
وقد ذكر ابن عادل، فى تفسيره: أن جبريل- ﵇ نزل على النبى ﷺ أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتى عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال- ﵀.
وقد روى: أن جبريل تبدى له- ﷺ فى أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولى إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلى وأمره أن يصلى معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله- ﷺ لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشى عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلى بها
стр. 143
كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله أقرها فى السفر كذلك وأتمها فى الحضر «١» .
وقال مقاتل: كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى، لقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٢» .
قال فى فتح البارى: كان- ﷺ قبل الإسراء يصلى قطعا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شىء من الصلاة أم لا؟
فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها «٣» .
انتهى «٤» .
قال النووى: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكره فى أول سورة المزمل، ثم نسخه بما فى آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره فى هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء.
ثم فتر الوحى فترة شق عليه وأحزنه.
وفترة الوحى: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده- ﵇ من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود.
وكانت مدة فترة الوحى ثلاث سنين، كما جزم به ابن إسحاق.
وفى تاريخ الإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن الشعبى: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقى.
стр. 144
فقد تبين أن نبوته- ﷺ كانت متقدمة على إرساله، كما قال أبو عمر وغيره، وكما حكاه أبو أمامة بن النقاش. فكان فى نزول سورة «اقرأ» نبوته، وفى نزول سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعا متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة «اقرأ» متضمنة لذكر أطوار الآدمى: من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعى، وهو أن يذكر ما أسداه إلى نبيه- ﵇ من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك فى معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمى والنطقى والخطى، ثم يأمره بأن يقوم فينذر عباده.
وكان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية.
قال لها- ﷺ : خشيت على نفسى، فقالت: أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا.
وكان أول ذكر آمن من بعدها صديق الأمة، وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر، فازره فى الله. وعن ابن عباس أنه أول الناس إسلاما، واستشهد له بقول حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجوى من أخى ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبى وأوفاها بما حملا
والثانى التالى المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا
رواه أبو عمر.
وممن وافق ابن عباس وحسانا على أن الصديق أول الناس إسلاما، أسماء بنت أبى بكر، والنخعى وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأخنس.
وقيل: إن على بن أبى طالب أسلم بعد خديجة، وكان فى حجر النبى
стр. 145
- ﷺ . فعلى هذا يكون أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ويكون على أول صبى أسلم، لأنه كان صبيّا لم يدرك، ولذا قال:
سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمى
وكان سن على إذ ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبرى.
وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليّا أول من أسلم من الرجال:
سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدرى، وزيد بن الأرقم، وهو قول ابن شهاب وقتادة وغيرهم.
قال: واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقا.
وقيل: أول رجل أسلم، ورقة بن نوفل. ومن يمنع، يدعى أنه أدرك نبوته- ﵇ لا رسالته. لكن جاء فى السير، وهو فى رواية أبى نعيم المتقدمة أنه قال: أبشر، فأنا أشهد أنك الذى بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبى مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. فهذا صريح بتصديقه برسالة محمد- ﷺ .
قال البلقينى: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وبه قال العراقى فى نكته على ابن الصلاح وذكره ابن منده فى الصحابة.
وحكى العراقى: كون على أول من أسلم عن أكثر العلماء، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه.
وادعى الثعلبى اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فى أول من أسلم بعدها.
قال ابن الصلاح: والأورع أن يقال:
أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر.
ومن الصبيان أو الأحداث على.
ومن النساء خديجة.
ومن الموالى زيد.
ومن العبيد بلال. والله أعلم، انتهى.