← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وفى البخارى عن مسروق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله- ﷺ فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتى الفجر «١» . وعنده أيضا، عن القاسم بن محمد، عنها: كان- ﷺ يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر «٢» . قال القرطبى: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب. وهذا إنما يتم لو كان الراوى عنها واحدا، وأخبرت عن وقت واحد. والصواب: أن كل شئ ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، انتهى. وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله. قيل: والحكمة فى عدم الزيادة على إحدى عشرة: أن التهجد، والوتر مختص بصلاة الليل، وفرائض النهار: الظهر وهى أربع، والعصر وهى أربع، والمغرب وهى ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار فى العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة «ثلاث عشرة» فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. انتهى. وعن زيد بن خالد الجهنى أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله- ﷺ الليلة، قال: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة «٣» . رواه مسلم.

стр. 1612

وقوله: «ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما» أربع مرات، هكذا فى صحيح مسلم وموطأ مالك وسنن أبى داود وجامع الأصول لابن الأثير. فقد كان قيامه- ﷺ بالليل أنواعا. أحدها: ست ركعات، يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بثلاث، كما فى حديث ابن عباس، عند مسلم. ثانيها: أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتم ورده إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة. رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة. ثالثها: ثلاث عشرة، كذلك رواه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهنى. رابعها: ثمانى ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا متوالية، لا يجلس إلا فى آخرهن. رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس. خامسها: تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا فى الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم فيصلى التاسعة، ثم يقعد فيحمده ويدعوه ثم يسلم، ثم يصلى ركعتين بعد ما يسلم قاعدا. رواه مسلم من حديث عائشة. سادسها: يصلى سبعا كالتسع، ثم يصلى بعدها ركعتين جالسا. رواه مسلم أيضا من حديثها. سابعها: كان يصلى مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. رواه أحمد عنها. ثامنها: ما رواه النسائى عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله- ﷺ فى رمضان، فركع فقال فى ركوعه: «سبحان ربى العظيم» مثل ما كان قائما، ثم

стр. 1613

جلس يقول: «رب اغفر لى، رب اغفر لى» ، فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة «١» . ورواه أبو داود، ولفظه: أنه رأى النبى- ﷺ يصلى من الليل فكان يقول: «الله أكبر، ثلاثا، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» ، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول فى ركوعه: «سبحان ربى العظيم» ، ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من ركوعه، يقول: «لربى الحمد» ، ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، فكان يقول فى سجوده: «سبحان ربى الأعلى» ، ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: «رب اغفر لى» ، فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهم البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، شك شعبة «٢» . ورواه البخارى ومسلم بلفظ: صليت مع رسول الله- ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلى بها فى ركعة، فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر باية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربى العظيم» ، فكان ركوعه نحو قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده» - زاد فى رواية: «ربنا لك الحمد» - ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: «سبحان ربى الأعلى» ، فكان سجوده قريبا من قيامه «٣» .

стр. 1614

وزاد النسائى: لا يمر باية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكره «١» . وقد كانت هيئة صلاته- ﷺ ثلاثة: أحدها: أنه كان أكثر صلاته قائما: فعن حفصة قالت: ما رأيته- ﷺ صلى فى سبحته قاعدا «٢» ، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلى فى سبحته قاعدا، الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائى وصححه الترمذى. الثانى: كان يصلى قاعدا ويركع قاعدا. رواه البخارى ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ: وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد «٣» . الثالث: كان يقرأ قاعدا، فإذا بقى يسير من قراءته قام فركع قائما. رواه مسلم من حديث عائشة ولفظه: إن رسول الله- ﷺ كان يصلى جالسا، ويقرأ وهو جالس فإذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام وقرأ وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل فى الركعة الثانية مثل ذلك «٤» . وعن عائشة: كان- ﷺ يصلى متربعا «٥» . رواه الدار قطنى. وكان- ﷺ يصلى ركعتين بعد الوتر جالسا تارة، وتارة يقرأ فيهما وهو جالس

стр. 1615

فإذا أراد أن يركع قام فركع «١» . قالت عائشة: كان يوتر بواحدة، ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع «٢» . رواه ابن ماجه. وعن أبى أمامة أن رسول الله- ﷺ كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما إِذا زُلْزِلَتِ «٣» والْكافِرُونَ «٤» . رواه أحمد: واختلف فى هاتين الركعتين فأنكرهما مالك وكذا النووى فى المجموع. وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنعه. انتهى. والصواب: أنه إنما فعلهما بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر، وجواز الصلاة جالسا، ولفظة «كان» لا تفيد دواما ولا أكثرية هنا. وغلط من ظنهما سنة راتبة، فإنه- ﷺ ما داومهما، ولا تشبه السنة بالفرض حتى يكون للوتر صلاة بعده. وأما قيامه- ﷺ ليلة النصف من شعبان، فعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: قام رسول الله- ﷺ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته، قال: «يا عائشة، أو يا حميراء، أظننت أن النبى- ﷺ قد خاس بك» ، قلت: لا والله يا رسول الله، ولكنى ظننت أنك قد قبضت لطول سجودك، فقال: «أتدرين أى ليلة هذه؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله يطلع على

стр. 1616

عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد كما هم» ، رواه البيهقى من طريق العلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد، يعنى أن العلاء لم يسمع من عائشة. وقد ورد فى فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة، لكن ضعفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها وخرجه فى صحيحه، ومن أمثلها- كما نبه عليه الحافظ ابن رجب- حديث عائشة قالت: فقدت النبى- ﷺ فخرجت فإذا هو بالبقيع، رافع رأسه إلى السماء، فقال: «أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله» ، فقلت: يا رسول الله قد ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: «إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» «١» . رواه أحمد، وقال الترمذى: إن البخارى ضعفه. وفى سنن ابن ماجه: بإسناد ضعيف، عن على مرفوعا: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر» «٢» . وقد كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول يجتهدون ليلة النصف من شعبان فى العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنه بلغهم فى ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس، فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء، وابن أبى مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول

стр. 1617

أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة. واختلف علماء أهل الشام فى صفة إحيائها على قولين: أحدهما: إنه يستحب إحياؤها جماعة فى المساجد، وكان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون فى المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهواه على ذلك، وقال فى قيامها فى المساجد جماعة ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرمانى فى مسائله. الثانى: أنه يكره الاجتماع لها فى المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلى الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعى إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم. ولا يعرف للإمام أحمد كلام فى ليلة النصف من شعبان، ويتخرج فى استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه فى قيام ليلتى العيد، فإنه فى رواية لم يستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبى- ﷺ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها فى رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شئ عن النبى- ﷺ ولا عن أصحابه، إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. انتهى ملخصا من اللطائف. وأما قوله تعالى فى سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ «١» فالمراد بها إنزاله تعالى القرآن فى ليلة القدر، كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «٢» وكان ذلك فى شهر رمضان، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ «٣» . قال الحافظ ابن كثير: ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان، كما روى

стр. 1618

عن عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها فى رمضان. وأما الحديث الذى رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهرى، أخبرنى عثمان بن محمد بن المغيرة: أن الأخنس قال: قال رسول الله- ﷺ : «تقطع الأجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد وقد أخرج اسمه فى الموتى» «١» . فهو حديث مرسل، ومثله لا تعارض به النصوص. انتهى. وأما قيامه- ﷺ فى شهر رمضان، وهو الذى يسمى بالتراويح: جمع روحية، وهى المرة الواحدة من الراحة، وسميت بذلك لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. فعن عائشة: كان رسول الله- ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر «٢» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. ولمسلم: قالت: كان- ﷺ يجتهد فى رمضان ما لا يجتهد فى غيره، وفى العشر الأخير منه ما لا يجتهد فى غيره «٣» . وفى رواية الترمذى: كان يجتهد فى العشر الأواخر منه ما لا يجتهد فى غيره «٤» . وعنها: أن رسول الله- ﷺ صلى فى المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله- ﷺ ، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذى صنعتم، ولم

стр. 1619

يمنعنى من الخروج إليكم إلا أنى خشيت أن تفرض عليكم» ، وذلك فى رمضان «١» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود. وفى رواية للبخارى ومسلم، أنه- ﷺ خرج من جوف الليل فصلى فى المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج- ﷺ فى الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان فى الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليه- ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة فلا يخرج إليهم، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد فقال: «أما بعد؛ إنه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكنى خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليلة فتعجزوا عنها» «٢» . وفى رواية بنحوه ومعناه مختصرا: قال: وذلك فى رمضان. قال فى فتح البارى: ظاهر الحديث أنه- ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفى ذلك إشكال بناه بعض المالكية على قاعدتهم: فى أن الشروع ملزم، وفيه نظر. وأجاب المحب الطبرى: أنه يحتمل أن يكون الله أوحى إليه: إنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم. وقيل: خشى أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، قال القرطبى: أى يظنوه فرضا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شئ أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.

стр. 1620

وقد استشكل الخطابى أصل هذه الخشية، مع ما ثبت فى حديث الإسراء، من أن الله تعالى قال: (هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدى) فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، وهذا يدفع فى صدور الأجوبة المتقدمة. وقد أجاب عنه الخطابى: بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه- ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها- يعنى عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك فى الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض فى أصل الشرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله تعالى فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه- ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم- ﷺ منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم. قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابى جماعة كابن الجوزى، وهو مبنى على أن قيام الليل كان واجبا على النبى- ﷺ ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفى كل من الأمرين نزاع. ثم أجاب منه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد فى المسجد جماعة شرطا فى صحة التنفل بالليل، قال: ويومئ إليه قوله فى حديث زيد بن ثابت: «حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس فى بيوتكم» «١» فمنعهم من التجمع فى

стр. 1621

المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه فى المواظبة على ذلك فى بيوتهم من افتراضه عليهم. وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم فى العيد ونحوها. وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع فى حديث الباب أن ذلك كان فى رمضان، وفى حديث سفيان بن حسين «خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر» «١» ، قال: فعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم فى السنة، فلا يكون ذلك قدرا زائدا على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة فى نظرى الأول. وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله- ﷺ فى شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور «٢» . رواه النسائى. واختلف العلماء: هل الأفضل فى صلاة التراويح أن تصلى جماعة فى المسجد، أو فى البيوت فرادى؟ فقال الشافعى وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعل عمر بن الخطاب والصحابة، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله- ﷺ : «إنى

стр. 1622

خشيت أن تفرض عليكم» على التجميع فى المسجد، وقال: إنه أقوى الأوجه. فالجواب: أنه- ﷺ لما مات حصل الأمن من ذلك، ورجح عمر التجميع لما فى الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحدة أنشط لكثير من المصلين. وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى فى البيوت، لقوله- ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة» «١» ، قالوا: وإنما فعلها- ﷺ فى المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفا. وأما عدد الركعات التى كان- ﷺ يصليها فى رمضان، فعن أبى سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله- ﷺ فى رمضان؟ قالت: ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: «يا عائشة، إن عينى تنامان ولا ينام قلبى» «٢» . رواه البخارى ومسلم. وأما ما رواه ابن أبى شيبة من حديث ابن عباس: كان- ﷺ يصلى فى رمضان عشرين ركعة والوتر «٣» ، فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهى أعلم بحال النبى- ﷺ ليلا من غيرها.

стр. 1623

وقد كان الأمر فى زمنه- ﷺ استمر على أن كل واحد يقوم فى رمضان فى بيته منفردا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر. وفى البخارى: أن عمر خرج ليلة فى رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلى الرجل لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط، فقال عمر: إنى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أجمع، ثم عزم فجمعهم على أبى بن كعب، ثم خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتى تنامون عنها أفضل من التى تقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. وإنما اختار أبيّا لأنه كان أقرأهم، كما قال عمر. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبى ابن كعب، فكان يصلى بالرجال، وكان تميم الدارى يصلى بالنساء. وفى الموطأ: أمر عمر أبى بن كعب وتميما الدارى أن يقوما للناس فى رمضان «١» . وروى البيهقى بإسناد صحيح أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب فى شهر رمضان بعشرين ركعة. قال الحليمى: والسر فى كونها عشرين ركعة أن الرواتب فى غير رمضان عشر ركعات، فضوعفت لأنه وقت جد وتشمير. وفى الموطأ: بثلاث وعشرين «٢» . وجمع البيهقى بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث. وفى الموطأ: عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة «٣» ، وعند عبد العزيز: إحدى وعشرين. والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة يقل الركعات وبالعكس.

стр. 1624

وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس، قال: أدركت الناس فى إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز- يعنى بالمدينة- يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا. وعن الزعفرانى عن الشافعى: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس فى شئ من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلى. انتهى. وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستّا وثلاثين، قال النووى: قال الشافعى: لا يجوز ذلك لغيرهم، لأن لأهلها شرفا بهجرته- ﷺ ومدفنه، ويخالفه قول الحليمى: ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا. وينبغى أن يسلم من كل ركعتين، فلو صلى أربعا بتسليمة واحدة لم يصح وفاقا للقاضى حسين فى فتاويه، ولو صلى سنة الظهر أو العصر أربعا بتسليمة واحدة جاز، والفرق: أن التراويح بمشروعية الجماعة أشبهت الفرائض، قاله النووى فى فتاويه، وصرح به فى «الروضة» . وقد كان- ﷺ يطيل القراءة فى رمضان بالليل أكثر من غيره. وقد صلى معه حذيفة ليلة فى رمضان، قال: فقرأ بالبقرة ثم بالنساء ثم آل عمران، لا يمر باية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فاذنه بالصلاة «١» . أخرجه أحمد وأخرجه النسائى. وعنده أيضا: أنه ما صلى إلا أربع ركعات «٢» . وكان للشافعى فى رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة.

стр. 1625

الباب الرابع فى صلاته ص الوتر قد صح عنه- ﷺ أنه أوتر بخمس لم يجلس فى آخرها «١» . لكن أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا. واحتج الحنفية لما ذهبوا إليه- من تعيين الوصل-، والاقتصار على ثلاث- بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما زاد أو نقص، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه. وتعقبه محمد بن منصور المروزى، بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبى هريرة مرفوعا وموقوفا «لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب» «٢» وقد صححه الحاكم، وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث فى الوتر وقال: لا يشبه التطوع بالفرض. انتهى. لكن قد روى الحاكم من حديث عائشة أنه كان- ﷺ يوتر بثلاث لا يقعد إلا فى آخرهن «٣» ، وروى النسائى من حديث أبى بن كعب نحوه، ولفظه: (يوتر ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٤» وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٥» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٦» ولا يسلم إلا فى آخرهن) «٧» وبين فى عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات.

стр. 1626

والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهى عن التشبيه بصلاة المغرب، أن يحمل النهى على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضا. وروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض إلى الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا فى آخرهن، ومن طريق ابن طاووس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن. وكان ابن عمر يسلم من الركعة والركعتين فى الوتر. حتى يأمر ببعض حاجته، وهذا ظاهره أنه كان يصلى الوتر موصولا، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى. وفى هذا رد على من قال: لا يصح الوتر إلا موصولا. وأصرح من ذلك ما روى الطحاوى من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبى- ﷺ كان يفعله، وإسناده قوى. وقد استدل بعضهم على فضل الفصل بأنه- ﷺ أمر به وفعله، وأما الوصل فورد من فعله فقط وقد حمل المخالف من الحنفية كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيرا من الأحاديث ظاهر فى الفصل، كحديث عائشة «يسلم من كل ركعتين» «١» فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص فى موضع النزاع. وقد حمل الطحاوى هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك فى دعوى ذلك إلا بالنهى عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شئ، وهو أعم من أن يكون مع الوصل والفصل. وقد اختلف السلف فى أمرين: أحدهما: فى مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس. والثانى: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل فى الليل، هل يكتفى بوتره الأول

стр. 1627

ويتنفل ما شاء، أو يشفع وتره بركعة ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أم لا؟ أما الأول: فوقع عند مسلم من طريق أبى سلمة عن عائشة أنه- ﷺ كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس «١» . وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا الأمر فى قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» «٢» مختصّا بمن أوتر آخر الليل، وأجاب من لم يقل بذلك بأن بالركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر. وحمله النووى على أنه- ﷺ فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسا. وأما الثانى: فذهب الأكثر إلى أنه يصلى شفعا ما أراد ولا ينقض وتره، عملا بقوله- ﷺ : «لا وتران فى ليلة» «٣» وهو حديث حسن أخرجه النسائى وابن خزيمة من حديث طلق بن على، وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر. واختلف السلف أيضا فى مشروعية قضاء الوتر، فنفاه الأكثر، وفى مسلم عن عائشة أنه- ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره فلم يقم من الليل صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة «٤» . وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبى- ﷺ فى شئ من الأخبار

стр. 1628

أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه، وعن عطاء والأوزاعى: يقضى ولو طلعت الشمس إلى الغروب، وهو وجه عند الشافعى حكاه النووى فى شرح مسلم، وعن سعيد بن جبير: يقضى من القابلة، وعن الشافعية: يقضى مطلقا وقالت عائشة: أوتر- ﷺ من كل الليل، من أوله وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر «١» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى. والمراد بأوله: بعد صلاة العشاء. ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر أوله لعله كان وجعا، وحيث أوتر فى وسطه لعله كان مسافرا، وأما وتره فى آخره فكان غالب أحواله لما عرف من مواظبته على الصلاة آخر الليل والسحر قبيل الصبح. وحكى الماوردى أنه السدس الأخير، وقيل أوله الفجر الأول. وفى رواية طلحة بن نافع عن ابن عباس، عند ابن خزيمة: فلما انفجر الفجر قام- ﷺ فأوتر بركعة، قال ابن خزيمة والمراد به: الفجر الأول. وروى أحمد من حديث معاذ مرفوعا: «زادنى ربى صلاة وهى الوتر، وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» «٢» . وفى إسناده ضعف، وكذا فى حديث خارجة بن حذافة فى السنن، وهو الذى احتج به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا فى الوجوب. وأما حديث بريدة رفعه: «الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا- وأعاد ذلك ثلاثا-» «٣» . ففى سنده أبو المنيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله

стр. 1629

فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظة «حق» بمعنى واجب فى عرف الشارع، وأن لفظة «واجب» بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد، والله أعلم. وقد كان- ﷺ يصلى وعائشة راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فتوتر «١» ، كما فى البخارى. وهذا يدل على استحباب الوتر فى آخر الليل، سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره. واستدل به على وجوب الوتر، لكونه- ﷺ سلك به مسلك الواجب، حيث لم يدعها نائمة للوتر، وأبقاها للتهجد. وتعقب: بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم يدل على تأكيد أمره بالوتر، وأنه فوق غيره من النوافل الليلية. وفيه: استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة، ولا يختص ذلك بالمفروضة ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع ذلك لإدراك الجماعة، وإدراك أول الوقت وغير ذلك من المندوبات. قال القرطبى: ولا يبعد أن يقال: إنه واجب فى الواجب، مندوب فى المندوب، لأن النائم وإن لم يكن مكلفا لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، وتنبيه الغافل واجب والله أعلم. وعن على: كان رسول الله- ﷺ يوتر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ فى كل ركعة بثلاث سور آخرهن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٢» رواه الترمذى. وعن ابن عباس: كان يقرأ فى الوتر ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٣» وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٤» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٥» فى كل ركعة «٦» .

стр. 1630

وعن عائشة: كان يقرأ فى الأولى ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «١» وفى الثانية ب قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٢» وفى الثالثة ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٣» و «المعوذتين» «٤» . رواه أبو داود والترمذى. ولأبى داود: وكان إذا سلم قال: «سبحان الملك القدوس» . وعند النسائى: ثلاثا يطيل فى آخرهن «٥» ، وفى رواية: «ويرفع صوته بالثالثة «٦» . وعن على: كان- ﷺ يقول فى آخر وتره: «اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «٧» . رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. قال ابن تيمية: سنة الفجر تجرى مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، وقد كان- ﷺ يقرأ فى سنة الفجر وفى الوتر بسورتى الإخلاص والكافرون، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد، فسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٨» متضمنة لتوحيد الاعتقاد

стр. 1631

والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذى لا يلحقه نقص، ونفى الولد والوالد والكفؤ، المتضمن لنفى الشبيه والمثيل والنظير، فتضمنت إثبات كل كمال ونفى كل نقص عنه، ونفى كل شبيه، وهذه هى مجامع التوحيد العملى والاعتقادى، فلذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر ونهى وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمى، كما خلصته سورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «١» من الشرك العملى. قاله ابن القيم. وأما القنوت فى الركعة الأخير من الوتر، فى النصف الأخير من شهر رمضان، فقال النووى فى «الأذكار» باستحبابه، ولم يذكر لذلك دليلا. وقد أخرج أبو داود بإسنادين رجالهما ثقات، لكن أحدهما منقطع، وفى الآخر راو لم يسم: أن عمر لما جمع الناس على أبى بن كعب كان لا يقنت إلا فى النصف الأخير من رمضان. وعن الحسن بن على قال: علمنى جدى كلمات أقولهن فى الوتر: «اللهم اهدنى فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لى فيما أعطيت وقنى شر ما قضيت، إنك تقضى ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل ما واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» «٢» . وهذا لفظ رواية شريك رواه الطبرانى وغيره.

стр. 1632

الباب الخامس فى ذكر صلاته ص الضحى وهى معدودة من خصائصه، اختلف الرواة هل صلاها النبى- ﷺ أم لا؟ فمنهم المثبت ومنهم النافى. فمن العلماء من رجح رواية المثبت على النافى، جريا على القاعدة المعروفة، لأنها تتضمن زيادة علم خفيت على النافى، قالوا: وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا. قال الحاكم: وفى الباب عن أبى سعيد، وأبى ذر الغفارى، وزيد بن أرقم، وأبى هريرة، وبريدة الأسلمى، وأبى الدرداء، وعبد الله بن أبى أوفى، وعتبان بن مالك، وعتبة بن عبد السلمى، ونعيم بن همار الغطفانى، وأبى أمامة الباهلى، وعائشة بنت أبى بكر، وأم هانئ، وأم سلمة. كلهم شهدوا أن النبى- ﷺ كان يصلى الضحى. انتهى. فأما حديث أبى سعيد فأخرجه الحاكم والترمذى عن عطية العوفى عنه قال: كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها «١» . وقال الترمذى: حسن غريب، لكن قال النووى: عطية ضعيف، فلعله اعتضد. وأما حديث أبى ذر الغفارى، فرواه البزار فى مسنده. وأما حديث زيد بن أرقم، فرواه مسلم بلفظ «إن رسول الله- ﷺ كان يصلى من الضحى» «٢» الحديث. وأما حديث أبى هريرة فرواه البزار فى مسنده بلفظ: «إن رسول الله- ﷺ كان لا يترك الضحى فى سفر ولا فى

стр. 1633

غيره «١» . وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد السمتى ضعيف جدّا. وأما حديث بريدة الأسلمى فرواه ... » وأما حديث أبى الدرداء فرواه الطبرانى. وأما حديث ابن أبى أوفى، فرواه ابن عدى والحاكم بلفظ: قال رأيت رسول الله- ﷺ صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبى جهل «٢» . قال بعض العلماء النافين لرواية المثبتين: هذا الحديث إن كان صحيحا فهو صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشكره يوم فتح مكة. وأما حديث عتبان بن مالك، فرواه أحمد من رواية محمود بن الربيع عنه، أن النبى- ﷺ صلى فى بيته سبحة الضحى. وأما حديث عتبة بن عبد فرواه ... وأما حديث نعيم بن همار فرواه ... وأما حديث أبى أمامة فرواه ... وأما حديث عائشة فرواه مسلم وأحمد وابن ماجه، قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله «٣» . وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة، هل كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى قالت: لا إلا أن يجئ من مغيبه «٤» .

стр. 1634

وأما حديث أم هانئ، فرواه البخارى ومسلم، قالت: إن النبى- ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمانى ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود. قالت فى رواية أخرى: وذلك ضحى «١» . ولمسلم: أن رسول الله- ﷺ صلى فى بيتها عام الفتح ثمانى ركعات فى ثوب واحد، وقد خالف بين طرفيه «٢» . وللنسائى: أنها ذهبت إلى النبى- ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب. فسلمت فقال: «من هذه؟» قلت: أنا أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمانى ركعات ملتحفا فى ثوب واحد «٣» . ولأبى داود: أن رسول الله- ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين «٤» . وقد استدل بحديث البخارى ومسلم على استحباب تخفيف صلاة الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله- ﷺ أنه صلى الضحى فطول فيها، أخرجه ابن أبى شيبة من حديث حذيفة. وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم من طريق إسحاق بن بشر المحاربى، قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى صلاة الضحى ثنتى عشرة ركعة «٥» . قلت: وروى عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنه رأى النبى- ﷺ يصلى الضحى ست ركعات «٦» . رواه الحاكم أيضا. وعن أنس بن مالك قال: رأيت

стр. 1635

رسول الله- ﷺ صلى فى السفر سبحة الضحى ثمانى ركعات «١» . رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة والحاكم. وعن على: أن رسول الله- ﷺ كان يصلى من الضحى «٢» ، رواه النسائى فى سننه الكبرى وأحمد وأبو يعلى، وإسناده جيد. وعن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ كان لا يصلى من الضحى إلا يومين، يوم يقدم مكة ويوم يقدم المدينة. وعن أبى بكرة عند ابن عدى فى الكامل من رواية عمرو بن عبيد عن الحسن عن أبى بكرة قال: كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى، فجاء الحسن وهو غلام فلما سجد ركب ظهره. الحديث، وعمرو بن عبيد متروك. وعن جابر بن عبد الله أن النبى- ﷺ صلى الضحى ست ركعات رواه الحاكم. قال الشيخ ولى الدين العراقى: وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبرى: إنها بلغت حد التواتر. وقال ابن العربى: وهى كانت صلاة الأنبياء قبل محمد- صلوات الله وسلامه عليه وعليهم-، قال الله تعالى مخبرا عن داود: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ «٣» فأبقى الله تعالى من ذلك فى دين محمد «العصر» ونسخ صلاة الإشراق. واحتج القائلون بالنفى بحديث عائشة: إن كان رسول الله- ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم- وما سبح رسول الله- ﷺ سبحة الضحى فقط، وإنى لأسبحها «٤» ، رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. وبحديث مورق العجلى قال: قلت لابن عمر، أتصلى الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟

стр. 1636

قال: لا، قلت: فالنبى- ﷺ قال: لا إخاله «١» . رواه البخارى. وقوله: «لا إخاله» أى لا أظنه، وهو بكسر الهمزة وتفتح أيضا، والخاء معجمة. وقول الشعبى: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وروى عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، فإذا الناس فى المسجد يصلون صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة. وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال بدعة ونعمت البدعة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا أحب إلى منها. وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، بأنه- ﷺ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها، وكان يفعلها كما صرحت به عائشة كما تقدم، وكما ذكرته أم هانئ وغيرها. وقول عائشة: «ما رأيته صلاها» لا يخالف قولها: «كان يصليها» لأنه- ﷺ كان لا يكون عندها فى وقت الضحى إلا فى النادر من الأوقات، لأنه قد يكون مسافرا، وقد يكون حاضرا، وفى الحضر قد يكون فى المسجد، وقد يكون فى بيت من بيوت زوجاته، أو غيره، وما رأته صلاها فى تلك الأوقات النادرة، فقالت: ما رأيته، وعلمت بغير رؤية أنه كان يصليها بإخباره- ﷺ أو بإخبار غيره، فروت ذلك. وقول ابن عمر: «لا إخاله» فتوقف، وكأن سبب توقفه أنه بلغه عن غيره أنه صلاها ولم يثق بذلك عمن ذكره. وأما قوله: «إنها بدعة» فمؤولة على أنه لم تبلغه الأحاديث المذكورة، أو أراد أنه- ﷺ لم يداوم عليها، أو أن إظهارها فى المساجد ونحوها بدعة، وإنما هى سنة نافلة فى البيوت والله أعلم.

стр. 1637

وبالجملة: فليس فى أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع فى نفس الأمر، أو الذى نفاه صفة مخصوصة كما قدمناه. وقد روى ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففى بيوتكم. وذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبا، فتصلى فى بعض الأيام دون بعض، وكان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام. وذهب آخرون: إلى أنها تفعل لسبب من الأسباب، وأنه- ﷺ إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. متمسكين بما قاله القاضى عياض وغيره: أن حديث أم هانئ ليس بظاهر فى أنه- ﷺ قصد سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، قال: وقد قيل إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها. وتعقبه النووى: بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنه- ﷺ صلى سبحة الضحى «١» . ولمسلم: فى كتاب الطهارة من طريق أبى مرة عن أم هانئ فى قصة اغتساله- ﷺ يوم الفتح، ثم صلى ثمانى ركعات سبحة الضحى «٢» . وروى ابن عبد البر فى «التمهيد» من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: قدم رسول الله- ﷺ مكة فصلى ثمانى ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاة الضحى» «٣» . واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات. واستبعده السبكى. ووجّه بأن الأصل فى العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد من فعله- ﷺ . وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبى أوفى: أنه- ﷺ صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدى.

стр. 1638

وأما ما ورد من قوله- ﷺ مما فيه زيادة على ذلك كحديث أنس مرفوعا: «من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له قصرا فى الجنة» «١» . أخرجه الترمذى واستغربه وليس فى إسناده من أطلق عليه الضعف. ومن ثم قال الرويانى: أكثرها ثنتا عشرة ركعة. وقال النووى فى شرح المهذب: فيه حديث ضعيف، كأنه يشير إلى حديث أنس، لكن إذا ضم إليه حديث أبى الدرداء رفعه، وفيه «ومن صلى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتا فى الجنة» «٢» . رواه الطبرانى وحديث أبى ذر عند البزار، وفى إسناده ضعف أيضا، قوي وصلح للاحتجاج به. ونقل الترمذى عن أحمد: أن أصح شئ ورد فى الباب حديث أم هانئ، وهو كما قال، ولهذا قال النووى فى الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة. ففرق بين الأكثر والأفضل. وأجاب القائلون بأنها لا تفعل إلا لسبب عن قول أبى هريرة المروى فى البخارى (أوصانى خليلى- ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى) «٣» الحديث، بأنه قد روى أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا عن قيام الليل، ولهذا أمره أن لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبى هريرة ورد مثلها لأبى الدرداء

стр. 1639

فيما رواه مسلم، ولأبى ذر فيما رواه النسائى، قال: والحكمة فى الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل فى الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص. ومن فوائد صلاة الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التى تصبح على مفاصل الإنسان فى كل يوم وهى الثلاثمائة وستون مفصلا، كما أخرجه مسلم من حديث أبى ذر، قال فيه: ويجزى عن وذلك ركعتا الضحى. وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووى فى شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح فجعلها فى الفضل بين الرواتب والضحى. وحكى الحافظ أبو الفضل العراقى فى شرح الترمذى: أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثير من الناس يتركها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما ما وقع فى حديث أبى ذر واقتصر فى الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة فى الحديث، لأن الصلاة والصيام أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم من الصدقة على السلامى، كما فى الحديث والله أعلم. وروى الحاكم من طريق أبى الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله- ﷺ أن نصلى الضحى بسور منها: وَالشَّمْسِ وَضُحاها «١» وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ «٢» «٣» ومناسبة ذلك ظاهرة جدّا والله أعلم. تنبيه: قال شيخ الإسلام والحفاظ أبو الفضل ابن حجر: قول عائشة فى الصحيح «ما رأيت رسول الله- ﷺ يسبح سبحة الضحى» يدل على ضعف ما روى عنه- ﷺ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه. وقد عدها جماعة من العلماء من خصائصه- ﷺ . ولم يثبت ذلك فى خبر صحيح.

стр. 1640

وقول الماوردى فى «الحاوى» إنه- ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات. يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ: «أنه لم يصلها قبل ولا بعد» ولا يقال إن نفى أم هانئ لذلك يلزم منه العدم، لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة، لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه، انتهى. وقال ابن العربى فى «عارضة الأحوذى» : أخبرنا أبو الحسن الأزدى أخبرنا طاهر، أخبرنا على، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن العسكرى، حدثنا الحسين الختنى، حدثنا أبو غسان حدثنا قيس عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ : «كتب على النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها» «١» . رواه الدار قطنى.

стр. 1641

القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان: الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان: الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ كان يصلى قبل الظهر، ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين فى بيته، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى فى بيته ركعتين «١» . قال: وأخبرتنى حفصة أن رسول الله- ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا له الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة «٢» . رواه البخارى. فهذه عشر ركعات، لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد الظهر، إلا لعارض، بأن يصلى الجمعة وسنتها التى

стр. 1642

بعدها، ثم يتبين له فسادها فيصلى الظهر ويصلى بعدها سنتها كما نبه عليه الشيخ ولى الدين العراقى. واختلف فى دلالة «كان» على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقرى الضيف، وصحح الإمام فخر الدين فى «المحصول» أنها لا تقتضيه، لا لغة ولا عرفا، وقال النووى فى شرح مسلم، إنه المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفا. فعلى هذا: ففى الحديث دلالة على تكرار هذه النوافل من النبى- ﷺ وأنه كان دأبه وعادته. وعن عائشة: كان- ﷺ يصلى فى بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلى بالناس، ثم يدخل فيصلى ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب ثم يدخل فيصلى ركعتين، ثم يصلى بالناس العشاء ويدخل بيتى فيصلى ركعتين، الحديث، وفى آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين «١» . رواه مسلم، فهذه ثنتا عشرة ركعة. وعنها: كان- ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة «٢» . وفى رواية: لم يكن يتركهما سرّا وعلانية، فى سفر ولا حضر ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر «٣» . رواه البخارى ومسلم. الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر قالت عائشة: لم يكن- ﷺ على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتى الفجر «٤» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى.

стр. 1643

ولمسلم «لهما أحب إلىّ من الدنيا جميعا» «١» وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستنير الفجر ويخففهما «٢» . رواه الشيخان وهذا لفظ النسائى. واختلف فى حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح فى أول الوقت، وبه جزم القرطبى، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يصنع فى صلاة الليل كما تقدم، ليدخل فى الفرض أو ما شابهه فى الفضل بنشاط واستعداد تام. وقد ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونقل عن الشعبى، وأورد البيهقى فيه حديثا مرفوعا من مرسل سعيد بن جبير، وفى سنده راو لم يسم، وخص بعضهم ذلك بمن فاته شئ من قراءته فى صلاة الليل، فيستدركها فى ركعتى الفجر، وأخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح عن الحسن البصرى. كان كثيرا ما يقرأ فى الأولى منهما قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا «٣» الآية التى فى البقرة، وفى الآخرة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٤» «٥» . رواه مسلم وأبو داود والنسائى من رواية ابن عباس. وفى رواية أبى داود، من حديث أبى هريرة قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا «٦» فى الركعة الأولى، وبهذه الآية رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ

стр. 1644

فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «١» أو إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «٢» قال أبو داود: شك الراوى «٣» . وقال أبو هريرة: قرأ فى ركعتى الفجر قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٤» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٥» «٦» رواه مسلم وأبو داود والترمذى. وقد روى ابن ماجه بإسناد قوى، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى ركعتين قبل الفجر، وكان يقول: «نعم السورتان يقرأ بهما فى ركعتى الفجر قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٧» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٨» «٩» » . ولابن أبى شيبة من طريق ابن سيرين عن عائشة: كان يقرأ فيهما بهما. وللترمذى والنسائى من حديث ابن عمر: رمقت النبى- ﷺ شهرا فكان يقرأ بهما «١٠» .

стр. 1645

وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة فى ركعتى الفجر، ولا حجة فيه، لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة، ويدل على ذلك فى رواية ابن سيرين المذكورة: «يسر فيهما القراءة» وصححه ابن عبد البر. واستدل بعضهم أيضا بهذه الأحاديث المذكورة، على أنه لا تتعين الفاتحة، لأنه لم يذكرها مع سورتى الإخلاص. وأجيب: بأنه ترك الفاتحة لوضوح الأمر فيها. انتهى. وكان- ﷺ إذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن «١» . رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة. لأنه- ﷺ كان يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أن القلب من جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نوما، لكونه أبلغ فى الراحة، بخلاف اليمين فيكون القلب معلقا فلا يستغرق، وهذا إنما يصح بالنسبة إلى غيره- ﷺ كما لا يخفى. وأما ما روى أن ابن عمر رأى رجلا يصلى ركعتى الفجر ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أردت أن أفصل بين صلاتى فقال له: وأى فصل أفضل من السلام، قال: فإنها سنة، قال: بل بدعة. رواه ابن الأثير فى جامعه عن رزين. وكذا ما روى من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعى: إنها ضجعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبى شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر بفعله.

стр. 1646

وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل، لكن لم يداوم- ﷺ عليها، ولذا احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك عند أبى داود وغيره على الاستحباب. وفائدة ذلك: الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للتهجد. وبه جزم ابن العربى. ويشهد لهذا ما رواه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: إن النبى- ﷺ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. وفيه راو لم يسم. وقيل: فائدتها الفصل بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص. ومن ثم قال الشافعى: إن السنة تتأدى بكل ما يحصل به الفصل من مشى وكلام وغيره، حكاه البيهقى. وقال النووى: المختار أنه سنة لظاهر حديث أبى هريرة، وقد قال أبو هريرة راوى الحديث: إن الفصل بالمشى إلى المسجد لا يكفى. وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطا لصحة صلاة الصبح، فرد عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية فى صحة الحديث لتفرد عبد الواحد بن زياد به، وفى حفظه مقال، والحق: أنه تقوم به الحجة. وذهب بعض السلف إلى استحبابها فى البيت دون المسجد، وهو محكى عن ابن عمر. وقواه بعض شيوخنا، بأنه لم ينقل عن النبى- ﷺ أنه فعله فى المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله فى المسجد، أخرجه ابن أبى شيبة. وقال- ﷺ : «من لم يصل ركعتى الفجر، فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» «١» رواه الترمذى من رواية أبى هريرة.

стр. 1647

الفرع الثالث: فى راتبة الظهر عن ابن عمر: صليت مع رسول الله- ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها «١» . رواه البخارى ومسلم والترمذى. وعن عائشة: كان- ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل صلاة الغداة «٢» . رواه البخارى أيضا: فإما أن يقال: إنه- ﷺ كان إذا صلى فى بيته صلى أربعا، وإذا صلى فى المسجد صلى ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن فى واحد منهما. وقال أبو جعفر الطبرى: الأربع كانت فى كثير من أحواله، والركعتان فى قليلها. انتهى. وقد يقال: إن الأربع التى قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل هى صلاة مستقلة، كان يصليها بعد الزوال. وروى البزار من حديث ثوبان: إنه- ﷺ كان يستحب أن يصلى بعد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، قال: «تفتح فيها أبواب السماء، وينظر الله تعالى إلى خلقه بالرحمة، وهى صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى» . وعن عبد الله بن السائب: كان- ﷺ يصلى أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لى فيها عمل صالح» «٣» . رواه الترمذى. وروى الترمذى أيضا حديث

стр. 1648

«أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحسب بمثلهن فى السحر وما من شئ إلا وهو يسبح الله تعالى تلك الساعة» ثم قرأ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ «١» «٢» . فهذه- والله أعلم- هى الأربع التى أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما سنة الظهر فالركعتان التى قال ابن عمر. ويوضح هذا أن سائر الصلوات سنتها ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع وردا مستقلا، سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وسر هذا- والله أعلم- أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس، ويحصل النزول الإلهى بعد انتصاف الليل، فهما وقت قرب رحمة، هذا فيه تفتح أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب ﵎ عن حركة الأجسام. الفرع الرابع فى سنة العصر عن على: كان- ﷺ يصلى قبل العصر ركعتين «٣» . رواه أبو داود. وعن على أيضا: كان- ﷺ يصلى قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين «٤» . رواه الترمذى. وروى مرفوعا أيضا حديث «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» «٥» .

стр. 1649

وقالت عائشة: ما كان- ﷺ يأتينى فى يومى بعد العصر إلا صلى ركعتين «١» ، وفى رواية: ما ترك ركعتين بعد العصر عندى قط «٢» . رواه البخارى ومسلم. ولمسلم: أن أبا سلمة سألها عن السجدتين اللتين كان يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما ونسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعنى داوم عليها «٣» . ولأبى داود، قالت: كان يصلى بعد العصر ركعتين وينهى عنهما، ويواصل وينهى عن الوصال «٤» . وقال ابن عباس: إنما صلى- ﷺ ركعتين بعد العصر، لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه عن الركعتين اللتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما «٥» . رواه الترمذى. وقالت أم سلمة: سمعته- ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم سألته عنهما فقال: «إنه أتانى من عبد القيس بالإسلام فشغلونى عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان» ، الحديث. وفيه: أن ابن عباس قال: كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنهما «٦» .

стр. 1650

قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب فى اوقات النهى عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين فى وقت النهى فخاص به، قال: وقد عد هذا من خصائصه. انتهى. والدليل عليه رواية عائشة: كان يصلى ركعتين بعد العصر وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. لكن قال البيهقى: الذى اختص به- ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء. وأما رواية ابن عباس عند الترمذى: أنه إنما صلاهما بعد العصر لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه. فهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: «ثم لم يعد» معارض لحديث عائشة المذكور فى الباب، فيحمل النفى على نفى علم الراوى، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافى. وكذا ما رواه النسائى من طريق أبى سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله- ﷺ صلى فى بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة «١» ، الحديث، وفى رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد. فيجمع بين الحديثين بأنه- ﷺ لم يكن يصليهما إلا فى بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة فى رواية: «وكان لا يصليهما فى المسجد مخافة أن يثقل على أمته» «٢» . ومراد عائشة بقولها: «ما كان فى يومى بعد العصر إلا صلى ركعتين» من الوقت الذى شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما. ولم ترد أنه كان يصلى بعد العصر من أول ما فرضت الصلوات مثلا إلى آخر عمره، والله أعلم. الفرع الخامس فى راتبة المغرب عن ابن مسعود قال: ما أحصى ما سمعت رسول الله- ﷺ يقرأ فى
следующие страницы →