فيدخلون الجنة بأعمالهم وأما شرار أمتى فيدخلون الجنة بشفاعتى» «١» ، ذكره عبد الحق فى العاقبة.
وأما تفضيله- ﷺ فى الجنة بالكوثر- وهو على وزن فوعل من الكثرة- سمى به هذا النهر العظيم لكثرة مائه وآنيته وعظم قدره وخيره.
فقد نقل المفسرون فى تفسير «الكوثر» أقوالا تزيد على العشرة، ذكرت كثيرا منها فى المقصد السادس من هذا الكتاب، وأولاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه، لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبى- ﷺ فلا معدل عنه.
فقد روى مسلم وأبو داود والنسائى من طريق محمد بن فضيل وعلى ابن مسهر، كلاهما عن المختار بن فلفل عن أنس- واللفظ لمسلم- قال: بينا رسول الله- ﷺ بين أظهرنا فى المسجد، إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسما، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت على آنفا سورة، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ «٢» ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه نهر وعدنيه ربى » «٣» . الحديث.
لكن فيه إطلاق الكوثر على الحوض، وقد جاء صريحا فى حديث عند البخارى أن الكوثر هو النهر الذى يصب فى الحوض. وعند أحمد: «ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض» «٤» ، وعند مسلم «يغت فيه- يعنى الحوض- ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق» .
وقوله: «يغت» بالغين المعجمة، أى: يصب.
стр. 1997
وفى البخارى من حديث قتادة عن أنس قال: لما عرج بالنبى- ﷺ إلى السماء قال: «أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟: قال: هذا الكوثر» «١» .
ورواه ابن جرير عن شريك بن أبى نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسرى بالنبى- ﷺ مضى به جبريل، فإذا هو بنهر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك، قال: «يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: الكوثر الذى خبأ لك ربك» «٢» .
وروى أحمد عن أنس: أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال:
«نهر فى الجنة أعطانيه ربى، لهو أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل» «٣» .
وعن أبى عبيدة عن عائشة قال: سألتها عن قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٤» قالت: نهر أعطيه نبيكم شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم «٥» . رواه البخارى. وقوله: «شاطئاه» أى: حافتاه. وقوله: «در مجوف» أى: القباب التى على جوانبه.
ورواه النسائى بلفظ قالت: نهر فى بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت «٦» . و «بطنان» : بضم الموحدة وسكون المهملة بعدها نون.
و «وسط» بفتح المهملة، المراد به أعلاها، أرفعها قدرا، والمراد به: أعدلها.
стр. 1998
وعن- ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : «الكوثر نهر فى الجنة حافتاه من الذهب والماء يجرى على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل» «١» ، رواه أحمد وابن ماجه، وقال الترمذى: حسن صحيح.
وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قال: هو نهر فى الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، شاطئاه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص الله به نبيه قبل الأنبياء، رواه ابن أبى الدنيا موقوفا.
وعن أنس قال: سئل رسول الله- ﷺ ما الكوثر؟ قال: «نهر أعطانيه الله- يعنى فى الجنة- أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق البخت، أو أعناق الجزر» ، قال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله- ﷺ : «أكلتها أنعم منها» «٢» . رواه الترمذى وقال: حسن. و «الجزر» بضم الجيم والزاى، جمع جزور وهو البعير.
قال الحافظ ابن كثير: قد تواترت- يعنى أحاديث الكوثر- من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض، قال: وهكذا روى عن أنس وأبى العالية ومجاهد وغير واحد من السلف: أن الكوثر نهر فى الجنة.
وأما تفضيله- ﷺ فى الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والفضيلة، فروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا علىّ، فإنه من صلى علىّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة» «٣» .
стр. 1999
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: الوسيلة علم على أعلى منزلة فى الجنة، وهى منزلة رسول الله- ﷺ وداره فى الجنة، وهى أقرب أمكنة الجنة إلى العرش.
وقال غيره: الوسيلة «فعيلة» من وسل إليه إذا تقرب، يقال: توسلت أى تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، كما قال فى هذا الحديث، فإنها منزلة فى الجنة، على أنه يمكن ردها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فيكون كالقربة التى يتوسل بها، ولما كان رسول الله- ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله تعالى، وهى أعلى درجة فى الجنة، وأمر أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضا: فإن الله تعالى قدرها له بأسباب منها دعاء أمته له، بما نالوه على يده من الهدى والإيمان.
وأما الفضيلة، فهى المرتبة الزائدة على سائر الخلق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرا للوسيلة. وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله- ﷺ : «الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله لى الوسيلة» «١» . رواه أحمد فى المسند، وذكره ابن أبى الدنيا وقال: الوسيلة درجة ليس فى الجنة أعلى منها، فسلوا الله أن يؤتينيها على رؤوس الخلائق.
وروى ابن مردويه عن على عن النبى- ﷺ قال: «إذا سألتم الله فسلوا لى الوسيلة، قالوا: يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: على وفاطمة والحسن والحسين» «٢» . لكن قال الحافظ عماد الدين بن كثير: إنه حديث غريب منكر من هذا الوجه.
وعند ابن أبى حاتم من حديث على أيضا: أنه قال على منبر الكوفة:
أيها الناس إن فى الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء والآخرى صفراء، فأما البيضاء فإنها إلى بطنان العرش. والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف
стр. 2000
غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وسكانها من عرق واحد، واسمها الوسيلة، هى لمحمد- ﷺ وأهل بيته والصفراء فيها مثل ذلك، هى لإبراهيم- ﵇ وأهل بيته. وهذا أثر غريب كما نبه عليه الحافظ ابن كثير أيضا.
وعن ابن عباس فى قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى «١» قال: أعطاه الله فى الجنة ألف قصر فى كل قصر ما ينبغى له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير وابن أبى حاتم من طريقه، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف، فهو فى حكم المرفوع.
стр. 2001
خاتمة
عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إلى من نفسى، وإنك لأحب إلى من أهلى، وإنك لأحب إلى من ولدى، وإنى لأكون فى البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك.
وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأنى إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ عليه النبى- ﷺ شيئا، حتى نزل عليه جبريل- ﵇ بهذه الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «١» «٢» رواه أبو نعيم، وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسى: لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسا. كذا نقله فى «حادى الأرواح» .
وذكره البغوى فى «معالم التنزيل» بلفظ: نزلت- يعنى الآية- فى ثوبان مولى رسول الله- ﷺ ، وكان شديد الحب لرسول الله- ﷺ ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، يعرف الحزن فى وجهه، فقال له رسول الله- ﷺ : «ما غير لونك؟» فقال: يا رسول الله، ما بى وجع ولا مرض، غير أنى إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك، لأنك ترفع مع النبيين، وإنى إن دخلت الجنة فى منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.
وكذا ذكره ابن ظفر فى «ينبوع الحياة» لكن قال: إن الرجل هو عبد الله ابن زيد الأنصارى الذى رأى الأذان.
стр. 2002
وليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فالمراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، فإذا أرادوا الرؤية والتلاقى قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية.
وقد ثبت فى الصحيحين من حديث أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: لا شئ إلا أنى أحب الله ورسوله، قال: «أنت مع من أحببت» ، قال أنس: فما فرحنا بشئ فرحنا بقول النبى- ﷺ : أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبى- ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبى إياهم «١» .
وفى الحديث الإلهى الذى رواه حذيفة- كما عند الطبرانى بسند غريب- أنه تعالى قال: «ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» «٢» الحديث. وفيه من الزيادة على حديث البخارى: «ويكون من أوليائى وأصفيائى، ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء فى الجنة» «٣» .
فلله درها من كرامة بالغة، ونعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى فى درجات الجنات على أهل المقامات، بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب الغابر فى أفق السماوات لعلو درجته وقرب منزلته من حبيبه، ومعيته معه، فإن المرء مع من أحب، ولكل عمل جزاء، وجزاء المحبة المحبة والوصول والقرب من المحبوب.
стр. 2003
رؤيت امرأة مسرفة على نفسها بعد موتها فقيل لها: ما فعل الله بك؟
قالت: غفر لى، فقيل لها: بماذا؟ قالت: بمحبتى لرسول الله- ﷺ وشهوتى النظر إليه، نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحى أن نذله بعتابنا، بل نجمع بنيه وبين من يحبه.
وانظر إلى قوله تعالى: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ «١» وإن طوبى اسم شجرة غرسها الله بيده، وتنبت الحلى والحلل، وإن أغصانها لترمى من وراء سور الجنة، وإن أصلها فى دار النبى- ﷺ ، وفى دار كل مؤمن منها غصن، فما من جنة من الجنات إلا وفيها من شجرة طوبى، ليكون سر كل نعيم، ونصيب كل ولى من سره- ﷺ ، وأنه- ﷺ ملأ الجنة، فلا ولى يتنعم فى جنته إلا والرسول متنعم بنعمته، لأن الولى ما وصل إلى ما وصل إليه من النعيم إلا باتباعه لنبيه- ﷺ ، فلهذا كان سر النبوة قائما به فى تنعمه. وكذلك إبليس ملأ النار، فلا عذاب لأحد من أهلها إلا وإبليس- لعنه الله- سر تعذيبه ومشارك له فيه.
وفى «البحر» لأبى حيان عند تفسير قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً «٢» قيل: هى عين فى دار رسول الله- ﷺ تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين.
وإذا علمت هذا، فاعلم أن أعظم نعيم الجنة وأكمله التمتع بالنظر إلى وجه الرب ﵎، ورسوله- ﷺ ، وقرة العين بالقرب من الله ورسوله مع الفوز بكرامة الرضوان التى هى أكبر من الجنان وما فيها، كما قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «٣» .
ولا ريب أن الأمر أجل مما يخطر ببال أو يدور فى خيال، ولا سيما عند فوز المحبين فى روضة الأنس وحظيرة القدس، بمعية محبوبهم الذى هو غاية
стр. 2004
مطلوبهم، فأى نعيم وأى لذة وأى قرة عين وأى فوز يدانى تلك المعية ولذتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية الله ورسوله نعيم، فلا شئ- والله- أجل ولا أكمل ولا أجمل ولا أجلى ولا أحلى ولا أعلى ولا أغلى من حضرة يجتمع فيها المحب بأحبابه فى مشهد مشاهد الإكرام حيث ينجلى لهم حبيبهم ومعبودهم الإله الحق ﷻ خلف حجاب واحد فى اسمه الجميل اللطيف، فينفهق عليهم نور يسرى فى ذواتهم فيبهتون من جمال الله، وتشرق ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس، بحضرة الرسول الأرأس، ويقول لهم الحق ﷻ : سلام عليكم عبادى، ومرحبا بكم أهل ودادى، أنتم المؤمنون الآمنون، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أنت أوليائى وجيرانى، وأحبابى، إنى أنا الله الجواد الغنى، وهذه دارى قد أسكنتكموها، وجنتى قد أبحتكموها، وهذه يدى مبسوطة ممتدة عليكم، وأنا ربكم أنظر إليكم، لا أصرف نظرى عنكم، أنا لكم جليس وأنيس، فارفعوا إلى حوائجكم، فيقولون ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم والرضا عنا، فيقول لهم ﷻ : هذا وجهى فانظروا إليه وأبشروا، فإنى عنكم راض، ثم يرفع الحجاب ويتجلى لهم فيخرون سجدا فيقول لهم: ارفعوا رؤسكم، فليس هذا موضع سجود يا عبادى، ما دعوتكم إلا لتتمتعوا بمشاهدتى، يا عبادى قد رضيت عنكم فلا أسخط عليكم أبدا.
فما أحلاها من كلمة، وما ألذها من بشرى، فعندها يقولون: الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن، وأحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.
وهذا يدل على أن جميع العبادات تزول فى الجنة إلا عبادة الشكر والحمد والتسبيح والتهليل. والذى يدل عليه الحديث الصحيح، أنهم يلهمون ذلك كإلهام النفس، كما فى مسلم من حديث جابر: أن رسول الله- ﷺ قال: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يمتخطون ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحا كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد، كما يلهمون النفس، يعنى أن تسبيحهم وتحميدهم يجرى مع الأنفاس» ، فليس
стр. 2005
عن تكليف وإلزام، وإنما هو عن تيسير وإلهام، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا بد له منه ولا كلفة ولا مشقة فى فعله، وكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة. وسر ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته، فألسنتهم ملازمة لذكره، وقد أخبر تعالى عن شأنهم فى ذلك بقوله تعالى فى كتابه العزيز: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ «١» وقوله تعالى:
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
قال مؤلفه وجامعه أحمد بن الخطيب القسطلانى- عامله الله بما يليق بكرمه-: فهذا آخر ما جرى به قلم المدد، من هذه المواهب اللدنية، وسطرته يد الفيض من المنح المحمدية، وذلك وإن كثر لقليل فى جنب شرفه الشامخ، ويسير مما أكرمه الله به من فضله الراسخ، ولو تتبعنا ما منحه الله به من مواهبه، وشرفه به من مناقبه، لما وسعت بعض بعضه الدفاتر، وكلّت دون مرماه الأقلام وجفت المحابر، وضاقت عن جمعه الكتب، وعجزت عن حمله النجب.
وعلى تفنن واصفيه لحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وإلى الله أضرع أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، مخلصا من شوائب الرياء، ودواعى التعظيم، وأن ينفعنى به والمسلمين والمسلمات فى المحيا وبعد الممات، سائلا من وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف سريرته، أن يصلح بحلمه عثارى وزللى، ويسد بسداد فضله خطئى وخللى، فالكريم يقيل العثار، ويقبل الاعتذار، خصوصا عذر مثلى، مع
стр. 2006
قصر باعه فى هذه الصناعة، وكساد سوقه بما لديه من مزجاة البضاعة، وما ابتلى به من شواغل الدنيا الدنية، والعوارض البدنية، وتحمله من الأثقال التى لو حملها رضوى لتضعضع، أو أنزلت على ثبير لخشع وتصدع، لكننى أخذت غفلة الظلام الغاسق، والليل الواسق، فسرقته من أيدى العوائق، والليل يعين السارق، واستفتحت مغاليق المعانى بمفاتيح فتح البارى، واستخرجت من مطالب كنوز العلوم نفائس الدرارى، حامد الله تعالى على ما أنعم وألهم وعلم ما لم أكن أعلم. مصليا مسلما على رسوله محمد أشرف أنبيائه، وأفضل مبلغ لأنبائه، وعلى آله وأصحابه وصفائه صلاة لا ينقطع مددها، ولا يفنى أمدها.
والله أسأل أن ينفع به جيلا بعد جيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل وأستودع الله نفسى ودينى وخواتيم عملى، وما أنعم به على ربى، وهذا الكتاب، وأن ينفعنى به والمسلمين، وأن يردنى وأحبابى إلى الحرمين الشريفين على أحسن وجه وأتمه، وأن يرزقنى الإقامة بهما فى عافية بلا محنة، وأن يطيل عمرى فى طاعته، ويلبسنى أثواب عافيته، ويجمع لى وللمسلمين بين خيرى الدنيا والآخرة، ويصرف عنى سوءهما، ويجعل وفاتى ببلد رسوله، ويمنحنا من المدد المحمدى بما منح به عباده الصالحين مع رضوانه، ويمتعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم من غير عذاب يسبق، فإنه سبحانه إذا استودع شيئا حفظه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال مؤلفه- ﵀: وقد انتهت كتابة النسخة المنقول منها النسخة المباركة النافعة- إن شاء الله تعالى- فى خامس عشر شعبان المكرم سنة تسع وتسعين وثمانمائة، وكان الابتداء فى المسودة المذكورة ثانى يوم قدومى من مكة المشرفة، صبيحة الحاج فى شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أمين. (بعونه تعالى تم الكتاب) .
стр. 2007
فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة المقصد الثامن فى طبه- ﷺ لذوى الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات ٣
الفصل الأول فى طبه- ﷺ لذوى الأمراض والعاهات ٤
النوع الأول فى طبه- ﷺ بالأدوية الإلهية ١٨
رقية الذى يصاب بالعين ٢٦
عقوبة العائن ٣١
ذكر رقية النبى- ﷺ التى كان يرقى بها ٣٢
ذكر طبه- ﷺ من الفزع والأرق المانع من النوم ٣٣
ذكر طبه- ﷺ من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى ٣٣
ذكر طبه- ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب ٣٤
ذكر طبه- ﷺ من داء الفقر ٤٢
ذكر طبه- ﷺ من داء الحريق ٤٢
ذكر ما كان- ﷺ يطب به من داء الصرع ٤٣
стр. 2008
ذكر دوائه- ﷺ من داء السحر ٤٤
ذكر رقية لكل شكوى ٥١
رقيته- ﷺ من الصداع ٥١
رقيته- ﷺ من وجع الضرس ٥٢
رقيته لعسر البول ٥٣
رقية الحمى ٥٣
ذكر ما يقى من كل بلاء ٥٦
ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء ٥٧
ذكر دواء داء الطعام ٥٨
ذكر دواء أم الصبيان ٥٨
النوع الثانى طبه- ﷺ بالأدوية الطبيعية ٥٩
ذكر ما كان- ﷺ يعالج به الصداع والشقيقة ٥٩
ذكر طبه- ﷺ للرمد ٦١
ذكر طبه- ﷺ من العذرة ٦٤
ذكر طبه- ﷺ لداء استطلاق البطن ٦٥
ذكر طبه- ﷺ فى يبس الطبيعة بما يمشيه ويلينه ٦٨
ذكر طبه- ﷺ للمفؤود ٧٠
ذكر طبه- ﷺ لذات الجنب ٧٠
стр. 2009
ذكر طبه- ﷺ لداء الاستسقاء ٧١
ذكر طبه- ﷺ من داء عرق النسا ٧٤
ذكر طبه- ﷺ من الأورام والخراجات ٧٤
ذكر طبه- ﷺ بقطع العروق والكى ٧٥
ذكر طبه- ﷺ من الطاعون ٧٧
ذكر طبه- ﷺ من السلعة ٨٠
ذكر طبه- ﷺ من الحمى ٨١
ذكر طبه- ﷺ من حكة الجسد وما يولد القمل ٨٥
ذكر طبه- ﷺ من السم الذى أصابه بخيبر ٨٦
النوع الثالث ذكر طبه- ﷺ بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية ٨٧
ذكر طبه- ﷺ من القرحة والجرح وكل شكوى ٨٧
ذكر طبه- ﷺ من القرحة والجرح وكل شكوى ٨٧
ذكر طبه- ﷺ من لدغة العقرب ٨٩
ذكر الطب من النملة ٩٠
ذكر طبه- ﷺ من البثرة ٩٠
ذكر طبه- ﷺ من حرق النار ٩٠
ذكر طبه- ﷺ بالحمية ٩١
ذكر حمية المريض من الماء ٩٢
ذكر أمره- ﷺ بالحمية من الماء المشمس خوف البرص ٩٣
стр. 2010
ذكر الحمية من طعام البخلاء ٩٣
ذكر الحمية من داء الكسل ٩٤
ذكر الحمية من داء البواسير ٩٤
ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحى الذباب بانغماس الثانى ٩٤
ذكر أمره- ﷺ بالحمية من الوباء النازل فى الإناء بالليل بتغطيته ٩٥
ذكر حمية الوليد من إرضاع الحمقى ٩٥
الفصل الثانى فى تعبيره- ﷺ الرؤيا ٩٧
الرؤيا الصالحة جزء من النبوة ٩٩
الفصل الثالث فى إنبائه- ﷺ بالأنباء المغيبات ١٢٥
المقصد التاسع فى لطيفة من عباداته ١٤٩
النوع الأول فى الطهارة وفيه فصول: ١٥٥
الفصل الأول فى ذكر وضوئه- ﷺ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به ١٥٥
الفصل الثانى فى وضوئه- ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ١٦٤
стр. 2011
الفصل الثالث فى صفة وضوئه- ﷺ ١٦٦
الفصل الرابع فى مسحه- ﷺ على الخفين ١٧٥
الفصل الخامس فى تيممه- ﷺ ١٧٨
الفصل السادس فى غسله- ﷺ ١٧٩
النوع الثانى فى ذكر صلاته- ﷺ ١٨٥
القسم الأول فى الفرائض وما يتعلق بها وفيه أبواب ١٨٧
الباب الأول فى الصلوات الخمس وفيه فصول ١٨٧
الفصل الأول فى فرضها ١٨٧
الفصل الثانى فى ذكر تعيين الأوقات التى صلى فيها- ﷺ الصلوات الخمس ١٨٨
стр. 2012
الفصل الثالث فى ذكر كيفية صلاته- ﷺ وفيه فروع ١٩٣
الفرع الأول: فى صفة افتتاحه- ﷺ ١٩٣
الفرع الثانى: فى ذكر قراءته- ﷺ البسملة فى أول الفاتحة ١٩٩
الفرع الثالث: فى ذكر قراءته- ﷺ الفاتحة وقول آمين بعدها ٢٠٨
الفرع الرابع: فى ذكر قراءته- ﷺ بعد الفاتحة فى صلاة الغداة ٢٠٨
الفرع الخامس: فى ذكر قراءته- ﷺ بعد الفاتحة فى صلاتى الظهر والعصر ٢١٢
الفرع السادس: فى ذكر قراءته- ﷺ فى صلاة المغرب ٢١٤
الفرع السابع: فى ذكر ما كان- ﷺ يقرأ فى صلاة العشاء ٢١٧
الفرع الثامن: فى ذكر صفة ركوعه- ﷺ ٢١٨
الفرع التاسع: فى مقدار ركوعه- ﷺ ٢١٩
الفرع العاشر: فى ذكر ما كان- ﷺ يقوله فى الركوع والرفع منه ٢٢٠
الفرع الحادى عشر: فى ذكر صفة سجوده- ﷺ وما يقول فيه ٢٢٢
الفرع الثانى عشر: فى ذكر جلوسه- ﷺ للتشهد ٢٢٥
الفرع الثالث عشر: فى ذكر تشهده- ﷺ ٢٢٧
الفرع الرابع عشر: فى ذكر تسليمه- ﷺ من الصلاة ٢٣٥
الفرع الخامس عشر: فى ذكر قنوته- ﷺ ٢٤٢
стр. 2013
الفصل الرابع فى سجوده- ﷺ للسهو فى الصلاة ٢٤٩
الفصل الخامس فيما كان- ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها ٢٦٢
الباب الثانى فى ذكر صلاته- ﷺ الجمعة ٢٦٧
الباب الثالث فى ذكر تهجده- صلوات الله وسلامه عليه- ٢٨٦
ذكر سياق صلاته- ﷺ بالليل ٢٩٠
الباب الرابع فى صلاته- ﷺ الوتر ٣٠٩
الباب الخامس فى ذكر صلاته- ﷺ الضحى ٣١٦
القسم الثانى فى صلاته- ﷺ النوافل أحكامها وفيه بابان ٣٢٥
الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات ٣٢٥
стр. 2014
الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة ٣٢٥
الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة ٣٢٥
الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر ٣٢٦
الفرع الثالث: فى راتبة الظهر ٣٣١
الفرع الرابع: فى سنة العصر ٣٣٢
الفرع الخامس: فى راتبة المغرب ٣٣٤
الفرع السادس: فى راتبة العشاء ٣٣٧
الفرع السابع: فى راتبة الجمعة ٣٣٧
الفصل الثانى فى صلاته- ﷺ العيدين ٣٣٩
الفرع الأول: فى عدد الركعات ٣٤٠
الفرع الثانى: فى عدد التكبير ٣٤٠
الفرع الثالث: فى الوقت والمكان ٣٤١
الفرع الرابع: فى الأذان والإقامة ٣٤٢
الفرع الخامس: فى قراءته- ﷺ فى صلاة العيدين ٣٤٢
الفرع السادس: فى خطبته- ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها ٣٤٣
الفرع السابع: فى أكله- ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة ٣٤٤
стр. 2015
الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب ٣٥١
الفصل الأول فى صلاته- ﷺ الكسوف ٣٥١
الفصل الثانى فى صلاته- ﷺ صلاة الاستسقاء ٣٦١
الفصل الثالث ٣٧٣
الفصل الرابع ٣٧٤ القسم الثالث فى ذكرته. ﷺ فى السفر ٣٧٦
الفصل الأول فى قصره- ﷺ الصلاة فيه وأحكامه ٣٧٦
الفرع الأول: فى كم كان- ﷺ يقصر الصلاة ٣٧٦
الفرع الثانى: فى القصر مع الإقامة ٣٧٨
الفصل الثانى فى الجمع ٣٨٠
الفرع الأول: فى جمعه- ﷺ ٣٨٠
الفرع الثانى: فى جمعه- ﷺ بجمع مزدلفة وبعرفة ٣٨١
стр. 2016
الفصل الثالث فى ذكر صلاته- ﷺ النوافل فى السفر ٣٨٢
الفصل الرابع فى صلاته- ﷺ التطوع فى السفر على الدابة ٣٨٥
القسم الرابع فى ذكر صلاته- ﷺ صلاة الخوف ٣٨٧
القسم الخامس فى ذكر صلاته- ﷺ على الجنازة ٣٩٠
الفرع الأول: فى عدد التكبيرات ٣٩٠
الفرع الثانى: فى القراءة والدعاء ٣٩٠
الفرع الثالث: فى صلاته- ﷺ على القبر ٣٩٢
الفرع الرابع: فى صلاته- ﷺ على الغائب ٣٩٤
النوع الثالث فى ذكر سيرته- ﷺ فى الزكاة ٣٩٨
النوع الرابع فى ذكر صيامه- ﷺ ٤٠٤
القسم الأول فى صيامه- ﷺ شهر رمضان وفيه فصول ٤٠٧
стр. 2017
الفصل الأول فيما يختص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده- ﷺ فيه ٤٠٧
الفصل الثانى فى صيامه- ﷺ برؤية الهلال ٤١٠
الفصل الثالث فى صومه- ﷺ بشهادة العدل الواحد ٤١١
الفصل الرابع فيما كان يفعله- ﷺ وهو صائم ٤١٢
الفصل الخامس فى وقت إفطاره- ﷺ ٤١٦
الفصل السادس فيما كان- ﷺ يفطر عليه ٤١٧
الفصل السابع فيما كان يقوله- ﷺ عند الإفطار ٤١٧
الفصل الثامن فى وصاله- ﷺ ٤١٨
الفصل التاسع فى سحوره- ﷺ ٤٢٣
стр. 2018
الفصل العاشر فى إفطاره- ﷺ فى رمضان فى السفر وصومه ٤٢٥
القسم الثانى فى صومه- ﷺ غير شهر رمضان وفيه فصول ٤٢٧
الفصل الأول فى سرده- ﷺ صوم أيام من الشهر وفطره أياما ٤٢٧
الفصل الثانى فى صومه- ﷺ عاشوراء ٤٢٨
الفصل الثالث فى صيامه- ﷺ شعبان ٤٣٦
الفصل الرابع فى صومه- ﷺ عشر ذى الحجة ٤٤٠
الفصل الخامس فى صومه- ﷺ أيام الأسبوع ٤٤٢
الفصل السادس فى صومه- ﷺ الأيام البيض ٤٤٥
النوع الخامس فى ذكر اعتكافه- ﷺ واجتهاده فى العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر ٤٤٧
стр. 2019
النوع السادس فى ذكر حجه وعمره- ﷺ ٤٥٣
النوع السابع من عبادته- ﷺ فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته ٥١١
المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إلى حظيرة قدسه لديه- ﷺ ٥٤٠
الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف ٥٨٧
الفصل الثالث فى تفضيله- ﷺ فى الآخرة ... إلخ ٦٢٤
خاتمة ٦٨٥