كما كان لكتاب فتح البارى للعسقلانى أثره أيضا وقد ذكر ذلك فى المقدمة فقال: «مستمدا من فتح البارى فيض فضله السارى» . وفى خاتمة الكتاب أيضا إشارة إلى ذلك قوله: «واستفتحت مغاليق المعانى بمغاشيح فتح البارى ... » .
وقوله أيضا: «وقد انتهت كتابة النسخة المنقولة منها النسخة المباركة النافعة- إن شاء الله تعالى- فى خامس عشر شعبان المكرم سنة تسع وتسعين وثمانمائة وكان الابتداء فى المسودة المذكورة ثانى يوم قدومى من مكة المشرفة صحبة الحاج فى شهر محرم سنة ثمان وتسعين وثمانمائة» .
فيكون على ذلك أنه قضى فى تأليفه مدة سنة وثمانية أشهر تقريبا.
стр. 37
صورة بداية الجزء الأول من المخطوط
стр. 38
صورة نهاية الجزء الأول من المخطوط
стр. 39
صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من المخطوط
стр. 40
صورة بداية الجزء الثانى من المخطوط
стр. 41
صورة الصفحة قبل الأخيرة من الجزء الثانى من المخطوط
стр. 42
صورة آخر المخطوط
стр. 43
المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمّديّة تأليف الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ هـ
стр. 44
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذى أطلع فى سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق أسرار الرسالة مظاهر تجلى الصفات الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته على لواحق أبديته.
وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد فى فردانيته بالعظمة والجلال، الواحد المتوحد فى وحدانيته باستحقاق الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله أشرف نوع الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، المخصوص بعموم الرسالة وغرائب المعجزات، السر الجامع الفرقانى، والمخصص بمواهب القرب من النوع الإنسانى، مورد الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر فى حظائر قدسها ومحضرها، بيت الله المعمور الذى اتخذه لنفسه، وجعله ناظما لحقائق أنسه، مدة مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، المفيض من بحر مدد الوفا، على القائل من أهل المعارف والاصطفا، حيث خاطب ذاته الأقدسية «١» ، بالمنح الأنفسية، فقال:
فأنت رسول الله أعظم كائن ... وأنت لكل الخلق بالحق مرسل
عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه ... وأنت منار الحق تعلو وتعدل
فؤادك بيت الله دار علومه ... وباب عليه منه للحق يدخل
стр. 45
ينابيع علم الله منه تفجرت ... ففى كل حى منه لله منهل
منحت بفيض الفضل كل مفضل ... فكل له فضل به منك يفضل
نظمت نثار الأنبياء فتاجهم ... لديك بأنواع الكمال مكلل
فيا مدة الإمداد نقطة خطه ... ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلل
محال يحول القلب عنك وإننى ... وحقك لا أسلو ولا أتحول
عليك صلاة الله منه تواصلت ... صلاة اتصال عنك لا تتنصل
شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله، وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، فى إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء فى حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة فى معراج الجلال، على أرجل الإجلال، وهامت أرواح العشاق فى مقامات الأشواق:
كل إليك بكله مشتاق ... وعليه من رقبائه أحداق
يهواك ما ناح الحمام بأيكة ... أو لاح برق فى الدجى «١» خفاق
شوق إليه لا يزال يديره ... فجميعه لجميعه عشاق
اشتاق القمر لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء المشاققين، وحن لمفارقته الجذع فتصدع فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين «٢» .
وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد فى الله بصادق عزماته، وينظم أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى كملت كمالات دينه وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته الأمية نعمته السابغة، وخيّر فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله الله قائما على قدم السلامة، إلى دار
стр. 46
السلام وفردوس الكرامة، وبوأه أسنى مراقى التكريم فى دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف فى اليوم المشهود، فهو الشاهد والمشهود «١» ، والمحمود بالمحامد التى يلهمها للحامد المحمود، ذو المنزلة العلية، والدرجة السنية، فى حظائر القدس الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل الله عليه فضائل الصلوات، وشرائف التسليم، ونوامى البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وصلاة وسلاما لا ينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصرهما العدد أبد الأبد.
وبعد:
فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية، ومنحة من منح مواهب العطايا الربانية، تنبىء عن نبذة من كمال شرف نبينا محمد- عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات- وسبق نوبته فى الأزمان الأزلية، وثبوت رسالته فى الغايات الأحدية، والتبشير بأحمديته فى الأعصر الخالية، والتذكير بمحمديته فى الأمم الماضية، وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التى سار ضوء فجرها فى سائر بريته، ودار بدر فجرها فى أقطار ملته، وعواطف لطائف رضاعه وحضانته، وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته، وعوارف معارف عبوديته السارى عرف شذاها فى آفاق قلوب أهل ولايته، ونفائس أنفاس أحواله الزكية، ودقائق حقائق سيرته العلية، إلى حين نقلته لروضة قدسه الأحدية، وتشريفه بشرائف الآيات، وتكريمه بكرائم المعجزات، وترفيعه فى آى التنزيل برفعة ذكره، وعلو خطره، وتعظيم محاسن شمائله وخلائقه، وتخصيصه بعموم رسالته، ووجوب محبته واتباع طرائقه وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد فى مشهد مشاهد المرسلين، وتفضيله بالشفاعة العظمى، العامة لعموم الأولين والآخرين، إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه، وغرائب أعلام نبوته وحججه.
أوردتها حججا قاهرة على الملحدين، وذكرى نافعة للموحدين، وتنبيها
стр. 47
لعزائم المهتدين، ولم أكن- والله- أهلا لذلك، ولم أر نفسى فيما هنالك، لصعوبة هذا المسلك، ومشقة السير فى طريق لم يكن لمثلى يسلك، وإنما هو نكتة سر قراءتى كتاب الشفا «١» بحضرة التخصيص والاصطفا، فى مكتب التأديب والتعليم فى مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم، مستجليا فى مجالى تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات خلقته، وعظيم أخلاقه الزكية، ساريا بسر سيرته فى منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى، راتعا فى رياض روضة سنته النزيهة الحسنا، مستمدا من فتح البارى «٢» ، فيض فضله السارى، فمنحنى صاحب هذه المنح من مصون حقائقه، وأبرز لى مما أكنّه من مكنون رقائقه، فانفتحت بالفتح المحمدى عين بصيرة الاستبصار وتنزه الناظر فى رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها، واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها، وانتشقت من كل عبقة صوفية شذاها، واجتنيت من أفنان لطائف تأويل آى الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها، ولا زلت فى جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح، فى غبوق وصبوح، حتى انهلت غمائم المعانى على أرض رياض المبانى، فأينعت أزهارها، وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، وطابت لمجتنى رقائق الحقائق ثمارها، وتدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال جوامع كلماتها، وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح، وتمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح، وزمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولى الوفا، منشدا مرددا:
حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه ... حسبى نعيم زال عنه حسيبه
داوى فؤادى الوصل من أدوائه «٣» ... طوبى لقلبى والحبيب طبيبه
стр. 48
صدق المحب حبيبه فى حبه ... فحباه صدق الحب منه حبيبه
لباه لب فؤاده فأجابه ... لما دعاه إلى الغرام وجيبه
ولجامع الأهواء حيعل حبه ... ولحسنه خطب القلوب خطيبه
فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولى الألباب، تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، فى سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب، فثنيت عنان القلم إلى تحصيل ماربهم، وتسطير مطالبهم، جانحا صوب الصواب، مودعا ما كان مستودعا لى فى غيابات الغيب فى هذا الكتاب، مستعينا فى ذلك بالقوى الوهاب، حتى أتاح الله لى ذلك، وتمم ما هنا لك، فأوضحت ما خفى من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل.
وسميته: «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلا للسالك والقاصد:
المقصد الأول: فى تشريف الله تعالى له- ﵇ بسبق نبوته فى سابق أزليته، ونشره منشور رسالته فى مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته فى حظائر قدس كرامته، وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته ورضاعه وحضانته، ودقائق حقائق بعثته وهجرته، ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته، مرتبا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
المقصد الثانى: فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال أخلاقه المنيفة، وأولاده الكرام الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وإخوته من الرضاعة، وجداته وخدمه ومواليه وحرسه، وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع
стр. 49
والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام، ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه، وآلات حروبه، ودوابه، والوافدين إليه- ﷺ وفيه عشرة فصول.
المقصد الثالث: فيما فضله الله به من كمال خلقته، وجمال صورته، وما كرمه به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية، وما تدعو ضرورة حياته إليه- ﷺ ، وفيه ثلاثة فصول.
المقصد الرابع: فى معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما اختص به من خصائص آياته وبدائع كراماته. وفيه فصلان.
المقصد الخامس: فى تخصيصه- ﵇ بخصائص المعراج والإسراء، وتعميمه بعموم لطائف التكريم فى حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.
المقصد السادس: فيما ورد فى آى التنزيل من تعظيم قدره، ورفعة ذكره، وشهادته له تعالى بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنّة إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه، والتنويه به فى الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، بأنه صاحب الرسالة والتبجيل. وفيه عشرة أنواع.
المقصد السابع: فى وجوب محبته واتباع سنته، والاهتداء بهديه وطريقته، وفرض محبة
стр. 50
آله وأصحابه، وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه.
وفيه ثلاثة فصول.
المقصد الثامن: فى طبه- ﷺ لذوى الأمراض والعاهات، وتعبيره الرؤيا، وإنبائه بالأنباء المغيبات.
وفيه ثلاثة فصول.
المقصد التاسع: فى لطيفة من حقائق عباداته، ويشتمل على سبعة أنواع.
المقصد العاشر: فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره الشريف، ومسجده المنيف، وتفضيله فى الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم، والدرجات العليات، وتشريفه بخصائص الزلفى فى مشهد مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده بالسؤدد فى مجمع مجامع الأولين والآخرين، وترقيه فى جنة عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه فى يوم المزيد أعلى معالى الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول.
والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه أن يمدنى فى هذا الكتاب العزيز بمدد الإقبال والقبول، وينيلنى ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين من العواطف النبوية لطائف السؤل، ونهاية المأمول، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 51
المقصد الأول
* فى تشريف الله تعالى له- ﵇ بسبق نبوته فى سابق أزليته، ونشره منشور رسالته فى مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته فى حظائر قدس كرامته.
* وطهارة نسبه ﷺ .
* وبراهين أعلام آيات حمله وولادته.
* ورضاعه وحضانته.
* ودقائق حقائق بعثته.
* وهجرته.
* ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه.
* وسيرته.
مرتبا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
стр. 52
[تشريف الله تعالى له ﷺ ]
اعلم يا ذا العقل السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم- وفقنى الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم- أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه، أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية «١» فى الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق فى سابق إرادته وعلمه، ثم أعلمه تعالى بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا- كما قال، بين الروح والجسد «٢» ، ثم انبجست منه- ﷺ عيون الأرواح، فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالمنظر الأجلى، فكان لهم المورد الأحلى، فهو- ﷺ الجنس العالى على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس «٣» .
ولما انتهى الزمان باسم الباطن فى حقه- ﷺ إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد ﷺ بكليته جسما وروحا، فهو- ﷺ وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه:
ألا بأبى من كان ملكا وسيدا ... وآدم بين الماء والطين واقف
فذاك الرسول الأبطحى محمد ... له فى العلا مجد تليد وطارف
أتى بزمان السعد فى آخر المدى ... وكان له فى كل عصر مواقف
стр. 53
أتى لانكسار الدهر بجبر صدعه ... فأثنت عليه ألسن وعوارف
إذا رام أمرا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر فى الكون صارف «١»
أخرج مسلم فى صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبى- ﷺ أنه قال: «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» «٢» .
ومن جملة ما كتب فى الذكر- وهو أم الكتاب- أن محمدا خاتم النبيين الأحزاب: ٤٠.
وعن العرباض بن سارية عن النبى- ﷺ قال: «إنى عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته» «٣» رواه أحمد والبيهقى، والحاكم، وقال:
صحيح الإسناد.
وقوله: لمنجدل، يعنى: طريحا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.
وعن ميسرة الضبى «٤» قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيّا؟ قال:
«وآدم بين الروح والجسد» «٥» هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخارى فى تاريخه وأبو نعيم فى الحلية وصححه الحاكم.
стр. 54
وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين «١» .
فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوى- نفع الله بعلومه- فى كتابه «المقاصد الحسنة» : لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب، فى اللطائف: وبعضهم يرويه: «متى كتبت» من الكتابة، انتهى.
قلت: وكذا رويناه فى جزء من حديث أبى عمرو، إسماعيل بن نجيد، ولفظه:
متى كتبت نبيّا؟ قال: «كتبت وآدم بين الروح والجسد» «٢» .
فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض بن سارية على وجوب نبوته وثبوتها، وظهورها فى الخارج، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ «٣» . وكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ «٤» .
وعن أبى هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال:
«وآدم بين الروح والجسد» «٥» رواه الترمذى وقال: حديث حسن.
وروينا فى جزء من أمالى أبى سهل القطان عن سهل بن صالح الهمدانى، قال:
سألت أبا جعفر، محمد بن على، كيف صار محمد- ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «٦» . كان محمد- ﷺ أول من قال بلى، ولذلك صار يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث.
стр. 55
فإن قلت: إن النبوة وصف لابد أن يكون الموصوف به موجودا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟
أجاب العلامة الغزالى فى كتاب «النفخ والتسوية» عن هذا، وعن قوله:
«كنت أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا» «١» : «بأن المراد ب «الخلق» هنا: التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا، ولكن الغايات والكمالات سابقة فى التقدير لاحقة فى الوجود» .
«قال: وهو معنى قولهم: «أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة»
وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل فى نفسه صورة الدار، فتحصل فى تقديره دار كاملة، وآخر ما يوجد من أعماله هى الدار الكاملة، فالدار الكاملة هى أول الأشياء فى حقه تقديرا، وآخرها وجودا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهى الدار، فالغاية هى الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال» .
«ثم قال: وأما قوله- ﵇: (كنت نبيّا) فإشارة إلى ما ذكرناه، وأنه كان نبيّا فى التقدير قبل تمام خلقة آدم- ﵇، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد- ﷺ ويستصفى تدريجا إلى أن يبلغ كمال الصفا» .
«قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودا فى ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثانى أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن فى الأعيان، والوجود الذهنى سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة، وكذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا، انتهى.
وهو متعقب بقول الشيخ تقى الدين السبكى: «إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: (كنت نبيّا) إلى روحه
стр. 56
الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهى، ثم إن تلك الحقائق يؤتى الله كل حقيقة منها ما يشاء فى الوقت الذى يشاء، فحقيقة النبى- ﷺ قد تكون من حين خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيّا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده «١» .
«فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية حاصل من ذلك الوقت، وإنما يتأخر البعث والتبليغ، وكل ما له من جهة الله ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه. وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ﷺ » .
«وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيّا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء. ووصف النبى- ﷺ بالنبوة فى ذلك الوقت ينبغى أن يفهم منه أنه أمر ثابت له فى ذلك الوقت.
ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير فى المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبى وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم فى ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبى- ﷺ لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلاما لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى» .
وعن الشعبى «٢» : قال رجل يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ منى الميثاق» «٣» رواه ابن سعد، من رواية جابر الجعفى، فيما ذكره ابن رجب.
стр. 57
فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينا استخرج منه محمد- ﷺ ونبىء وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذى قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقا.
لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتا لا روح فيه، ومحمد- ﷺ كان حيّا حين استخرج ونبىء وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا.
فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذى تقرر هنا: أنه استخرج ونبىء قبل نفخ الروح فى آدم- ﵇.
أجاب بعضهم: بأنه- ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح. فإن محمدا- ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنسانى، وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده.
والأحاديث السابقة صريحة فى ذلك، والله أعلم «١» .
وروى عن على بن أبى طالب- ﷺ أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد- ﷺ لئن بعث، وهو حى، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه.
وهو مروى عن ابن عباس أيضا ذكرهما العماد بن كثير فى تفسيره «٢» .
وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد- ﷺ أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء ﵈، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به فقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟
قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ
стр. 58
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ إلى قوله:
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «١»
«٢» .
قال الشيخ تقى الدين السبكى: «فى هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبى ﷺ وتعظيم قدره العلى ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه فى زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون رسالته ونبوته عامة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: «وبعثت إلى الناس كافة» «٣»
لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا. ويتبين بذلك معنى قوله- ﷺ :
«كنت نبيّا وآدم بين الروح والجسد» «٤» .
«ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبى- ﷺ نبى الأنبياء، ولهذا ظهر فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم.
ولو اتفق مجيئه فى زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى- صلوات الله وسلامه عليهم- وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم» . انتهى وسيأتى- إن شاء الله تعالى- مزيد لذلك فى المقصد السادس.
وذكر العارف الربانى عبد الله بن أبى جمرة فى كتابه «بهجة النفوس» ، ومن قبله ابن سبع فى «شفاء الصدور» عن كعب الأحبار، قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التى هى قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل فى ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله- ﷺ من موضع قبره الشريف، وهى
стр. 59
بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم فى معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسى، وفى السماوات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدا وفضله قبل أن تعرف آدم- ﵉ «١» .
وقيل: لما خاطب الله تعالى السماء والأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «٢» .
أجاب موضع الكعبة الشريفة. ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله- ﷺ من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد ﷺ ، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله- ﷺ هو الأصل فى التكوين، والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمى أميّا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليقة «٣» .
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه ﵊ بمكة، حيث كانت تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف- أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحى، فوقعت جوهرة النبى- ﷺ إلى ما يجاذى تربته بالمدينة، فكان- ﷺ مكيّا مدنيّا، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة انتهى «٤» .
وفى «المولد الشريف» لابن طغر بك «٥»
: ويروى أنه لما خلق الله تعالى
стр. 60
آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتنى أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد- ﷺ فى سرادق العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبى من ذريتك اسمه فى السماء أحمد، وفى الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضا.
ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم فى صحيحه أن آدم- ﵇ رأى اسم محمد- ﷺ مكتوبا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك «١» .
ولله در القائل:
وكان لدى الفردوس فى زمن الرضا ... وأثواب شمل الأنس محكمة السدى
يشاهد فى عدن ضياء مشعشعا ... يزيد على الأنوار فى الضوء والهدى
فقال إلهى ما الضياء الذى أرى ... جنود السما تعشو إليه ترددا
فقال نبى خير من وطىء الثرى ... وأفضل من فى الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا ... وألبسته قبل النبيين سؤددا
فإن قلت: إن مذهب الأشاعرة «٢»
: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة فى خلق آدم- صلى الله عليهما وسلم-؟
أجيب: بأن الظاهرة من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التى هى غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال فى حقه تعالى، لما فيه من استكماله بغيره.
والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٣»
. أى: قرنت الخلق بالعبادة، أى خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظى لا حقيقى، لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا
стр. 61
يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل.
وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: قلت يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، أخبرنى عن أول شىء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال: يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن فى ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جنى ولا أنسى، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثانى اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثانى الكرسى، ومن الثالث باقى الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثانى الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثانى نور قلوبهم- وهى المعرفة بالله- ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله «١»
..
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدى؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمدانى: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت فى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله- ﷺ : «قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» «٢»
، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش. والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة بن الصامت، مرفوعا: «أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال: رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شىء» «٣»
رواه أحمد، والترمذى وصححه.
стр. 62
ورويا أيضا من حديث أبى رزين العقيلى «١»
مرفوعا: «إن الماء خلق قبل العرش» «٢» .
وروى السدى «٣»
بأسانيد متعددة: «أن الله تعالى لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء» «٤»
فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوى المحمدى والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية فى كل بالإضافة إلى جنسه، أى أول ما خلق الله من الأنوار نورى، وكذا فى باقيها.
وفى أحكام ابن القطان، مما ذكره ابن مرزوق، عن على بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبى- ﷺ قال: «كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» «٥» .
وفى الخبر: لما خلق الله آدم جعل ذلك النور فى ظهره فكان يلمع فى جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله على سرير مملكته وحمله على أكتاف ملائكته وأمرهم فطافوا به فى السماوات ليرى عجائب ملكوته.
стр. 63
قال جعفر بن محمد: مكثت الروح فى رأس آدم مائة عام، وفى صدره مائة عام وفى ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى وخزاه.
وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له فى الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة.
وروى عن جعفر الصادق أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون.
وعن أبى الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال ولذا جوزى بتولية اللوح المحفوظ «١» .
وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر.
ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حى، فلما استيقظ ورآها سكن إليها، فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لى؟ فقالوا: حتى تؤدى مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلى على محمد- ﷺ ثلاث مرات «٢» .
وذكر ابن الجوزى فى كتابه «سلوة الأحزان» : أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على حبيبى محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل «٣» .
ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: شجرة التين «٤»
، فحسدهما إبليس، فهو أول
стр. 64
من حسد وتكبر، فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة «١»
، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح، فهو أول من حلف كاذبا، وأول من غش.
فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل «٢»
، وظنا أن أحدا لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذبا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدا لا يحلف بك كاذبا، قال الله تعالى: وعزتى وجلالى، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كدّا، فأهبط من الجنة.
وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟
قال: زينته لى حواء، قال: فإنى أعقبها ألاتحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ولأدمينها فى الشهر مرتين «٣» .
وقال وهب بن منبه «٤»
: لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكى ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.
وقال المسعودى «٥»
: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.
стр. 65
وقال مجاهد «١»
: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأفاوى.
يا بنى آدم، انظروا كيف بكى أبوكم آدم على فعلة واحدة ثلاثمائة سنة، فكيف بكم يا أرباب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار، كان كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بينى وبينك، فيا ذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة، فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصى فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التى أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه ما جرى بسببها، من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟
أجاب الزمخشرى «٢» : بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التى هى أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما جرى تعظيما للخطيئة، وتفظيعا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفا له ولذريته فى اجتناب الخطايا، واتقاء الماثم.
يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة فى إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين، واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإنى قريب، أجيب دعوة الداع، إن كان
стр. 66
حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى، وإن كان فاتك فى السماء زجل المسبحين فقد تعوضت فى الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» «١» .
سبحان من إذا لطف بعبده فى المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته، فصار عمله هباء منثورا قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ «٢» إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة.
انظر لما ظهرت فضائل آدم- ﵊ على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هى دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضى وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
ولما أظهر إبليس- عليه اللعنة- الحسد، سعى فى الأذى، حتى كان سببا فى إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.
قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت فى الجنة لما تبين كرمى، بأنى أغفر لنفس واحدة، بل أخرجه إلى الدنيا، وآتى بألوف من العصاة حتى أغفر له ولهم ليتبين جودى وكرمى. وأيضا: علم الله تعالى أن
стр. 67
فى صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد، وأيضا: ليخرج من ظهره فى الدنيا من لا نصيب له فى الجنة.
يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل ﵊ إلى نبينا- ﷺ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «١» ، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، نسأل الله التوفيق.
وقد اختلف فى الجنة التى سكنها آدم.
فقيل: هى جنة الخلد.
وقيل غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة، ولأنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف وأمر ونهى، ودار سلامة لا دار ابتلاء، وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال.
واحتج القائلون بأنها جنة الخلد، بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا- ﵊ ليلة الإسراء، وبأن ما ذكروه من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفى ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم، انتهى.
وروى أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبا على ساق العرش وعلى كل موضع فى الجنة اسم محمد- ﷺ مقرونا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال الله: هذا ولدك الذى لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد، فنودى: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد فى أهل السماوات والأرض لشفعناك «٢» .
وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله- ﷺ : «لما اقترف آدم
стр. 68
الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لى، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتنى بيدك، ونفخت فىّ من روحك، رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلىّ، وإذ سألتنى بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» «١» . رواه البيهقى فى دلائله من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبرانى وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
وفى حديث سلمان عند ابن عساكر قال: «هبط جبريل على النبى ﷺ فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم على منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندى، ولو لاك ما خلقت الدنيا» «٢» .
ولله در سيدى على وفا «٣» حيث قال فى قصيدته التى أولها:
سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد ... هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد
روح الوجود حياة من هو واجد ... لولاه ما تم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم ... هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره ... فى وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمروذ نور جماله ... عبد الجليل مع الخليل ولا عند «٤»
لكن جمال الله جل فلا يرى ... إلا بتخصيص من الله الصمد
стр. 69
طهارة نسبه ﷺ
ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين صار لديها فاضت بركاته عليها، فولدت له فى تلك الأعوام الحسناء أربعين ولدا فى عشرين بطنا، ووضعت شيئا وحده، كرامة لمن أطلع الله تعالى بالنبوة سعده.
ولما توفى آدم، كان شيث- ﵊ وصيّا على ولده، ثم أوصى شيث ولده بوصية آدم: ألايضع هذا النور إلا فى المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية، تنقل من قرن إلى قرن، إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله، وطهر الله سبحانه هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية، كما ورد عنه- ﷺ فى الأحاديث المرضية.
قال ابن عباس- فيما رواه البيهقى فى سننه- قال رسول الله- ﷺ :
«ما ولدنى من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدنى إلا نكاح الإسلام» «١» .
والسفاح- بكسر السين المهملة-: الزنا، والمراد به هاهنا: أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم يتزوجها بعد ذلك.
وروى ابن سعد وابن عساكر عن هشام بن محمد بن السائب الكلبى، عن أبيه «٢» . قال: كتبت للنبى- ﷺ خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان فى أمر الجاهلية.
وعن على بن أبى طالب أن النبى- ﷺ قال: «خرجت من نكاح،
стр. 70
ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى وأمى، لم يصبنى من نكاح أهل الجاهلية شىء» «١» . رواه الطبرانى فى الأوسط، وأبو نعيم وابن عساكر.
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس، مرفوعا: «لم يلتق أبواى قط على سفاح، لم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» «٢» .
وعنه فى قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٣» . قال: من نبى إلى نبى حتى أخرجتك نبيّا «٤» . رواه البزار.
وعنه أيضا فى الآية قال: ما زال النبى- ﷺ يتقلب فى أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه. رواه أبو نعيم.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه، فى قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «٥» قال: لم يصبه شىء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبى ﷺ : «خرجت من نكاح غير سفاح» «٦» .
وعن أنس قال: قرأ رسول الله- ﷺ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ- بفتح الفاء- وقال: أنا أنفسكم نسبا وطهرا وحسبا، ليس فى آبائى من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح «٧» . رواه ابن مردويه.
стр. 71
وفى الدلائل لأبى نعيم، عن عائشة عنه- ﷺ عن جبريل قال:
«قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد، ولم أر بنى أب أفضل من بنى هاشم» «١» كذا أخرجه الطبرانى فى الأوسط. قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن.
وفى البخارى عن أبى هريرة عنه- ﷺ : «بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذى كنت منه» «٢» .
وفى مسلم عن واثلة بن الأسقع قال- ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» «٣» . رواه الترمذى.
وعن العباس قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن الله خلق الخلق، فجعلنى فى خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلنى فى خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلنى فى خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» «٤» رواه الترمذى هكذا منفردا به وقال: حديث حسن. أى خيرهم روحا وذاتا، وخيرهم بيتا أى أصلا.
وفى حديث رواه الطبرانى عن ابن عمر قال: «إن الله اختار خلقه فاختار منهم بنى آدم، ثم اختار بنى آدم فاختار منهم العرب، ثم اختارنى من العرب، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبى أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم» «٥» .
стр. 72
ثم اعلم أنه- ﵊ لم يشركه فى ولادته من أبويه أخ ولا أخت، لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصّا بنسب جعله الله تعالى للنبوة غاية، ولتمام الشرف نهاية، وأنت إذا اختبرت حال نسبه، وعلمت طهارة مولده تيقنت أنه سلالة آباء كرام.
فهو- ﷺ النبى العربى الأمى الأبطحى الحرمى الهاشمى القرشى، نخبة بنى هاشم، المختار المنتخب من خير بطون العرب وأعرقها فى النسب، وأشرفها فى الحسب، وأنضرها عودا، وأطولها عمودا، وأطيبها أرومة «١» ، وأعزها جرثومة «٢» ، وأفصحها لسانا، وأوضحها بيانا، وأرجحها ميزانا، وأصحها إيمانا، وأعزها نفرا، وأكرمها معشرا، من قبل أبيه وأمه، ومن أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده.
* فهو محمد بن عبد الله، الذبيح.
* ابن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، فى قول ابن إسحاق، وهو الصحيح، وقيل سمى به لأنه ولد وفى رأسه شيبة.
وقيل: اسمه عامر، وهو قول ابن قتيبة، وتابعه عليه المجد الشيرازى «٣» ، وكنيته أبو الحارث، بابن له أكبر ولده.
قيل: وإنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشما قال لأخيه المطلب، وهو بمكة، حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، فمن ثم سمى عبد المطلب، وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه- وهو بهيئة بزة- فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدى، حياء أن يقول: هو ابن أخى، فلما أدخله وأحسن من حاله، أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك قيل له: عبد المطلب.
стр. 73
وهو أول من خضب بالسواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة.
* ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له هاشم لأنه كان يهشم الثريد لقومه فى الجدب.
* ابن عبد مناف، واسمه المغيرة.
* ابن قصى- بفتح الصاد- تصغير قصى، أى بعيد، لأنه بعد عن عشيرته فى بلاد قضاعة، حين احتملته أمه فاطمة، واسمه مجمع، قال الشاعر:
أبوكم قصى كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
وقيل زيد، وقال الشافعى، كما حكاه عنه الحاكم أبو أحمد: يزيد.
* ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذى فى معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب: جمع كلب، لأنهم يريدون الكثرة، كما تسموا بسباع.
وسئل أعرابى: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو: مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمى أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا. يريدون أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام فى نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء.
واسم كلاب: حكيم، وقيل: عروة.
* ابن مرة.
* ابن كعب، وهو أول من جمع يوم العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش فى هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبى- ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد فى ذلك أبياتا منها:
يا ليتنى شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغى الحق خذلانا
* ابن لؤى تصغير اللّاى بوزن العصا، وهو الثور.
стр. 74
* ابن غالب.
* ابن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكنانى لا قرشى على الصحيح.
* ابن مالك.
* ابن النضر، واسمه قيس.
* ابن كنانة.
* ابن خزيمة، تصغير خزمة.
* ابن مدرة.
* ابن إلياس، بكسر الهمزة فى قول ابن الأنبارى، وبفتحها فى قول قاسم بن ثابت، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل، قال السهيلى: وهذا أصح. وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، ويذكر أنه كان يسمع فى صلبه تلبية النبى- ﷺ بالحج؟!
* ابن مضر، وهو أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتا.
* ابن نزار- بكسر النون- من النزر، وهو القليل، قيل لأنه لما ولد، ونظر أبوه إلى نور محمد- ﷺ بين عينيه فرح فرحا شديدا، وأطعم وقال:
إن هذا كله نزر، أى قليل لحق هذا المولود، فسمى نزارا لذلك.
* ابن معد.
* ابن عدنان.
قال ابن دحية «١» : أجمع العلماء- والإجماع حجة- على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه. انتهى.
стр. 75
ولله در القائل:
ونسبة عز هاشم من أصولها ... ومحتدها المرضى أكرم محتد
سمت رتبة علياء أعظم بقدرها ... ولم تسم إلا بالنبى محمد
ويرحم الله القائل:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
وعن ابن عباس أنه- ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك ويقول: «كذب النسابون- مرتين أو ثلاثا-» «١» رواه فى مسند الفردوس. لكن قال السهيلى: الأصح فى هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود.
وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ «٢» قال: كذب النسابون، يعنى أنهم يدعون علم الأنساب ونفى الله علمها عن العباد.
وروى عن عمر أنه قال: إنما ينتسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا ندرى ما هو.
وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.
وعن عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدا يعرف بعد معد بن عدنان.
وسئل مالك- ﵀ عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك، وقال من أخبره بذلك؟ وكذا روى عنه فى رفع نسب الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-.
فالذى ينبغى لنا: الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة.