تلحد على النهى للواحد، ولا وجه له لأنه خطاب للجماعة، ورواه غيره ما لم يكن عهد ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط فى الزكاة ولا تلحد فى الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزرى، وهو الوجه، لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله.
وقوله: «ولا تتثاقل عن الصلاة» أى لا تتخلف. والوظيفة: الحق الواجب. والفريضة: أى الهرمة المسنة، أى لا تأخذ فى الصدقات هذا الصنف كما أنا لا نأخذ خيار المال.
والفارض: - بالفاء والضاد المعجمة- المريضة. والفريش: بفتح الفاء آخره شين معجمة، وهى من الإبل كالنفساء من بنات آدم، أى لكم خيار المال وشراره، ولنا وسطه. وذون العنان: بكسر العين، سير اللجام. والركوب:
بفتح الراء، أى الفرس الذلول. والضبيس، بفتح المعجمة وكسر الموحدة آخره مهملة، المهر العسر الصعب. امتن عليهم بترك الصدقة فى الخيل جيدها ورديئها. ولا يمنع- بضم المثناة التحتية وفتح النون-، سرحكم- بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة- ما سرح من المواشى، أى لا يدخل عليكم أحد فى مراعيكم. ولا يعضد طلحكم: أى لا يقطع. ولا يحبس دركم: أى لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجمع الماشية ثم تعد، أو أنا منعناه أن يأخذها لما فى ذلك من الإضرار.
والإماق: بالميم، أى ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء، مما يلزمكم من الصدقة، قاله فى القاموس. وقال الزمخشرى: المراد إضمار الكفر والعمل على ترك الاستبصار فى دين الله، وفى رواية: الرماق- بالراء والميم- أى النفاق، يقال: رامقته رماقا، وهو أن تنظر إليه شزرا نظرة العداوة، يعنى ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أى ضيق، وعيش رمق ومرمق: أى يمسك الروح، والرمق: بقية الروح وآخر النفس.
وتأكلوا الرباق- بكسر الراء وبالموحدة المخففة- أى إلا أن تنقضوا
стр. 667
العهد، واستعار الأكل لنقض العهد لأن البهيمة إذا أكلت الربق- وهو الحبل تجعل فيه عرى وتشد به- خلصت من الرباط.
والربوة: - بكسر الراء وفتحها وضمها- أى الزيادة. يعنى: من تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة فى الفريضة عقوبة له.
فانظر إلى هذا الدعاء والكتاب الذى انطبق على لغتهم، وجاد وزاد عليها فى الجزالة والبداوة وأين هذا من كتابه- ﷺ لأنس فى الصدقة، وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار أنهم أمة واحدة دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، ويفكون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بغى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم بعضا، ومن اعتبط مؤمنا قتلا فهو قود إلا أن يرضى ولى المقتول، ومن ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن. كذا روى مختصرا من حديث ابن شطب.
وقوله: دسيعة ظلم: أى عظيمة من الظلم. ورباعتهم: أمرهم القديم الذى كانوا عليه. ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى: أى يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل الديات، جمع معقلة، يقال: بنو فلان على معاقلهم التى كانوا عليها، أى مراتبهم وحالتهم.
ولا يوتغ: أى لا يهلك. ويعقب بعضهم بعضا: أى يكون الغزو بينهم نوبا، فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها. وأين هذا اللين فى القول، وقرب المأخذ فى اللفظ على طريق الحاضرة وعرف الجمهور المشهور من كتابه لذى المشعار الهمدانى، لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا
стр. 668
تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما قام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب إليهم النبى- ﷺ : هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحفاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبس الحورى، وعليهم فيها المصالغ والقارح.
وقوله نصية من كل حاضر وباد قال ابن الأثير: النصية من ينتصى من القوم أى يختار من نواصيهم، وهم الرؤوس والأشراف، ويقال للأشراف:
نواص، كما يقال للأتباع أذناب. وأتوك على قلص: بضم القاف واللام، جمع قلوص، وهى الناقة الشابة. والنواج: السراع.
وقوله متصلة بحبائل الإسلام أى عهوده وأسبابه. وخارف: بالخاء المعجمة. ويام: بالمثناة التحتية: قبيلتان. ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل:
أى لا ينقض عهدهم بسعى ساع أى بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بينى وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم فى الفساد. والسنة: الطريقة، والسنن أيضا. والعنقفير: بفتح العين المهملة وسكون النون وتقديم القاف، الداهية.
أى لا ينقض عهدهم بسعى الواشى ولا بداهية تنزل. ولعلع: جبل.
وما جرى اليعفور: بفتح التحتية، الخشف وولد البقرة الوحشية، وقيل:
هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء: زائدة. وبصلع: بضم الصاد المهملة وتشديد اللام، الأرض التى لا نبات فيها: وقوله- ﵊: «وأهل الجناب الهضب» بكسر الجيم، اسم موضع. و «حفاف الرمل» أسماء بلادهم. «وفراعها» بكسر الفاء وبراء وعين مهملة، أى ما علا من الجبال أو الأرض. «ووهاطها» بكسر الواو، وبطاء مهملة، المواضع
стр. 669
المطمئنة، واحدها وهط، وبه سمى الوهط، وهو مال كان لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها.
«وعزازها» بفتح العين المهملة ثم زاءين مخففتين، ما صلب من الأرض واشتد وخشن، وإنما يكون فى أطرافها.
«ويأكلون علافها» بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء، جمع علف، وهو ما تأكله الماشية. «وعفاها» بفتح وتخفيف الفاء وبالمد، أى المباح. «ومن دفئهم» بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبالهمز. قال فى المجمل: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها. «وصرامهم» بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء، أى من نخلهم. والثلب: بكسر المثلاثة واللام الساكنة وبباء موحدة، ما هرم من ذكور الإبل وتكسرت أسنانه. والناب: بالنون الموحدة:
الناقة الهرمة التى طال نابها. والفصيل: بالمهملة الذى انفصل عن أمه.
والفارض: بالفاء المسن من الإبل. والداجن: بالمهملة والجيم، الدابة التى تألف البيوت.
والكبش الحورى: بالحاء المهملة، وواو مفتوحتين فراء مكسورة: الذى فى صوفه حمرة. والصالغ: بالصاد المهملة والغين المعجمة، من صلغت الشاة ونحوها: إذا تمت أسنانها. والقارح: بالقاف والراء والحاء المهملة، من الخيل الذى دخل فى السنة الخامسة. انتهى.
وهذا من جنس كتابه لقطن بن حارثة العليمى من كلب.
هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرهم مع قطن ابن حارثة العليمى، بإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة بحقها فى شدة عقدها ووفاء عهدها، بمحضر من شهود المسلمين، وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبى، عليهم من الهمولة الراعية البساط الظئار فى كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفى الشوى الورى مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر، وفى
стр. 670
العشرى شطره بقيمة الأمين لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرق. شهد على ذلك الله ورسوله، وكتب ثابت بن قيس بن شماس.
وتفسير غريبه أن قوله: ومن ظأره الإسلام: بالظاء المعجمة والهمز، آخره هاء أى: عطف عليه وعليهم. فى الهمولة: بفتح الهاء، التى ترعى بأنفسها. ولا تستعمل فعولة بمعنى مفعولة. والبساط: التى معها أولادها.
والظئار: أن تعطف الناقة على غير ولدها. والحمولة المائرة لهم لاغية: يعنى أن الإبل التى تحمل عليها الميرة- وهى الطعام ونحوه مما يجلب للبيع- لا يؤخذ منها زكاة لأنها عوامل.
وفى الشوى: بفتح الشين المعجمة وكسر الواو والياء المشددة: اسم جمع للشاة. والورى: السمينة. ومن هذا النمط كتابه- ﷺ لوائل بن حجر- بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة- إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب، وذكر الفرائض فقال: فى التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة وفى السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم فى الدين، ولا غمة فى فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال.
وفسر الأقيال- وهو بالقاف والمثناة التحتية- بالرؤساء الذين دون الملوك.
والعباهلة: بالمهملة المفتوحة والموحدة، الذين أقروا على ملكهم لا يزالون.
والأوراع: - بفتح الهمزة وسكون الراء آخره عين مهملة- جمع رائع، وهم ذوو الهيئات الحسان الوجوه. والمشابيب: - بفتح الميم والشين المعجمة وباءين موحدتين بينهما مثناة تحتية ساكنة- السادة الرؤوس، الحسان الوجوه. وفى التيعة: - بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وبالعين المهملة- أربعون من الغنم. وفى القاموس والنهاية: أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان. ولا مقورة: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو.
والألياط: - بفتح الهمزة وسكون اللام آخرها طاء مهملة- أى: لا
стр. 671
مسترخية الجلود لكونها هزيلة. ولا ضناك: - بكسر المعجمة وتخفيف النون- ضدها وهى المستكثرة اللحم. وأنطوا: بقطع الهمزة أى أعطوا. والثبجة:
بالمثلاثة ثم موحدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر الموحدة، أى أعطوا الوسط فى الصدقة لا من خيار المال ولا من رذلته. والسيوب: - بضم المهملة وآخره موحدة- أى: الركاز، قاله الهروى، وقيل: المال المدفون فى الجاهلية أو المعدن.
ومن زنى مم بكر: - بكسر الراء بلا تنوين، لأن أصله من البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميما، وهى ساكنة فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر الجنس، وقال ابن الأثير: أى من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميما، أما مع بكر فلأن النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميما فى النطق، نحو: عنبر وشنبا، وأما مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى.
و: فاصقعوه: بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين المهملة، أى: اضربوه. واستوفضوه: بهمزة وصل وكسر الفاء وضم الضاد المعجمة، أى: غربوه وانفوه. وفضرجوه: بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم. وبالأضاميم: بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أى: أدموه بالضرب بجماهير الحجارة. ولا توصيم: بصاد مهملة مكسورة، أى لا كسل عن إقامة الحدود. ولا غمة: بضم المعجمة وتشديد الميم، أى لا تستر ولا تخفى.
ويترفل: بتشديد الفاء المفتوحة: يتسود ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب وهو إسباغه وإسباله. وقريب من هذا، كتابه لأكيدر وأهل دومة، كما قدمته فى مكاتباته- ﷺ .
وقال- ﷺ فى حديث عطية السعدى: «فإن اليد العليا هى المنطية والسفلى هى المنطاة» «١» قال: فكلمنا رسول الله- ﷺ بلغتنا.
стр. 672
وقد كان هذا من خصائصه- صلوات الله وسلامه عليه- أن يكلم كل ذى لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربى، وما ذلك منه- ﷺ إلا بقوة إلهية وموهبة ربانية، لأنه بعث إلى الكافة طرا، وإلى الخليقة سودا وحمرا، والكلام باللسان يقع فى غاية البيان، ولا يوجد غالبا متكلم بغير لغته إلا قاصرا فى الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة فى تلك اللغة، إلا نبينا وسيدنا محمد- ﷺ كما تقدم، فإنه زاده الله تكريما وشرفا تكلم فى كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به ذلك فقد أوتى فى سائر القوى البشرية المحمودة زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس ولا يدخل فى تحقيقه إلباس. انتهى.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيّا قط إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم- ﷺ فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر، وروى نحوه من حديث على بن أبى طالب، وروى أنه كان إذا تكلم رؤى كالنور يخرج من ثناياه «١» . وقد كان صوته- ﷺ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: «خطبنا رسول الله- ﷺ حتى أسمع العواتق فى خدورهن» «٢» رواه البيهقى.
وقالت عائشة- رضى الله عنها- جلس رسول الله- ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو فى بنى غنم فجلس فى مكانه «٣» رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ التيمى: خطبنا رسول الله- ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا- وفى لفظ ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنا لنسمع ما يقول ونحن فى منازلنا. رواه ابن سعد «٤» .
стр. 673
وعن أم هانئ قالت كنا نسمع قراءة النبى- ﷺ فى جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشى «١» ، رواه ابن ماجه.
وأما ضحكه- ﷺ ، ففى البخارى عن عائشة: ما رأيت رسول الله- ﷺ مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسّم «٢» ، أى: ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته على الضحك. واللهوات: بفتح اللام، جمع لهاة، وهى اللحمة التى بأعلى الحنجرة من أقصى الفم. وهذا لا ينافيه ما فى حديث أبى هريرة فى قصة المواقع أهله فى رمضان، فضحك رسول الله- ﷺ حتى بدت نواجذه «٣» .
رواه البخارى: وهى بالجيم والذال المعجمة: الأضراس. ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة فى الضحك. لأن عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر بما شاهده، والمثبت مقدم على النافى.
وقد قال أهل اللغة: التبسم: مبادىء الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم. وقال ابن أبى هالة: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، أى يبدى أسنانه ضاحكا، وحب الغمام: البرد. وقال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر من مجموع الأحاديث: أنه- ﷺ كان فى معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه لأنه يذهب الوقار. وقال ابن بطال: والذى ينبغى أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك.
وقد روى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه عن أبى هريرة رفعه:
стр. 674
«لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» «١» . وقال أبو هريرة: وإذا ضحك- ﷺ يتلألأ فى الجدر «٢» رواه البزار والبيهقى، أى يضىء فى الجدر- بضم الجيم والدال، جمع جدار وهو الحائط- أى يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها.
وكان- ﷺ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسّم ضاحكا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته كأنه منذر جيش، صبحكم ومساكم «٣»
. رواه مسلم.
وكان بكاؤه- ﷺ من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة ولكن تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكى رحمة لميت خوفا على أمته وشفقة، ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانا فى صلاة الليل، قاله فى الهدى النبوى. وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففى تاريخ البخارى ومصنف ابن أبى شيبة عن يزيد بن الأصم: «ما تثاءب النبى قط» «٤» لكن فى رواية عند ابن أبى شيبة: «ما تثاءب نبى قط» .
وأما يده الشريفة- ﷺ ، فقد وصفه غير واحد بأنه كان شثن الكفين كما سيأتى، أى غليظ أصابعهما، وبأنه عبل الذراعين رحب الكفين. وقد
стр. 675
مسح- ﷺ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار «١» ، رواه مسلم.
وفى حديث وائل بن حجر عند الطبرانى والبيهقى: لقد كنت أصافح رسول الله- ﷺ أو يمس جلدى جلده، فأتعرفه بعد فى يدى، وإنه لأطيب رائحة من المسك. وقال يزيد بن الأسود: ناولنى رسول الله- ﷺ يده فإذا هى أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك «٢» ، رواه البيهقى. وعن المستورد ابن شداد عن أبيه قال: أتيت النبى- ﷺ فأخذت بيده فإذا هى ألين من الحرير وأبرد من الثلج «٣» ، رواه الطبرانى. ودخل- ﷺ على سعد بن أبى وقاص بمكة يعوده وقد اشتكى، قال: فوضع يده على جبهتى فمسح وجهى وصدرى وبطنى، فما زلت يخيل إلى أنى أجد برد يده على كبدى حتى الساعة «٤» .
وفى البخارى من حديث أنس: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله- ﷺ «٥» . وهو من باب عطف الخاص على العام، لأن الديباج نوع من الحرير. قيل: وهذا الوصف فى هذا الحديث يخالف ما وقع فى حديث ابن أبى هالة عند الترمذى فى صفته- ﷺ ، فأن فيه- كما تقدم- كان شثن الكفين والقدمين، أى غليظهما فى خشونة، وهكذا وصفه علىّ من عدة طرق عند الترمذى والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبى خيثمة. والجمع بينهما: أن المراد اللين فى الجلد. والغلظ فى العظام، فيجتمع له نعومة البدن وقوته. وقال ابن بطال: كانت كفه- ﷺ
стр. 676
ممتلئة لحما، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة، كما فى حديث أنس، قال:
وأما قول الأصمعى: الشثن: غلظ الكف فى خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذى فسر به الخليل أولى، قال: وعلى تسليم ما فسر به الأصمعى الشثن: يحتمل أن يكون أنس وصف حالتى كف النبى- ﷺ فكان إذا عمل بكفه فى الجهاد، أو فى مهنة أهله، صار كفه خشنا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.
وقال القاضى عياض: فسر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر.
وتعقب: بأنه ثبت فى وصفه- ﷺ أنه كان سائل الأطراف. انتهى. ويؤيد كونها كانت لينة قوله فى رواية النعمان: كان سبط الكفين. بتقديم المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين. والتحقيق فى الشثن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن خالويه: أن الأصمعى لما فسر الشثن بما مضى، قيل له إنه ورد فى صفة النبى- ﷺ أنه لين الكفين، فالى على نفسه أن لا يفسر شيئا فى الحديث. انتهى. وفى حديث معاذ عند الطبرانى والبزار: أردفنى رسول الله- ﷺ خلفه فى سفر، فما مسست شيئا قط ألين من جلده- ﷺ .
وأصيب عائذ بن عمرو فى وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبى- ﷺ الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده- ﷺ إلى منتهى ما مسح من صدره غرة سائلة كغرة الفرس «١» رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر. وأخرج البخارى فى تاريخ والبغوى وابن منده فى الصحابة من طريق صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جده بشر بن معاوية: أنه قدم مع أبيه معاوية بن ثور على رسول الله- ﷺ فمسح رأسه ودعا له بالبركة فكانت فى وجهه مسحة النبى- ﷺ كالغرة وكان لا يمسح شيئا إلا برئ.
ومسح- ﷺ رأس مدلوك أبى سفيان فكان ما مرت يده عليه أسود،
стр. 677
وشاب ما سوى ذلك. رواه البخارى فى تاريخه والبيهقى. وكذا وقع له- ﷺ فى رأس السائب «١» . رواه البغوى والبيهقى وابن منده. وأخرج البيهقى وصححه، والترمذى وحسنه، عن أبى زيد الأنصارى قال: مسح- ﷺ بيده على رأسى ولحيتى ثم قال: «اللهم جمله» ، قال: فبلغ بضعا ومائة سنة وما فى لحيته بياض. ولقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات «٢» . ومسح- ﷺ رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: «بورك فيك» فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها والبعير والإنسان به الورم، فيتفل فى يده ويمسح بصلعته ويقول بسم الله على أثر يد رسول الله- ﷺ فيمسحه ثم يمسح موضع الورم فيذهب الورم «٣» . رواه أحمد والبخارى فى التاريخ وأبو يعلى وغيرهم.
وقد جاء فى عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه. فعن أنس قال: رأيت رسول الله- ﷺ يرفع يديه فى الدعاء حتى رأيت بياض إبطيه «٤» . وقال الطبرى: ومن خصائصه- ﷺ أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره، أى إلا هو- ﷺ ، ومثله للقرطبى وزاد: أنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر. وقد قال عبد الله بن أقرم الخزاعى- وقد صلى معه- ﷺ كنت أنظر إلى عفرة إبطيه «٥» . حسنه
стр. 678
الترمذى. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروى وغيره، وسيأتى مزيد لذلك فى الخصائص- إن شاء الله تعالى-.
وعن رجل من بنى حريش قال: ضمنى رسول الله- ﷺ فسال علىّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار. ووصفه علىّ فقال: ذو مسربة «١» ، وفسر بخيط من الشعر بين الصدر والسرة. وقال ابن أبى هالة:
دقيق المسربة. وعند ابن سعد عن على: طويل المسربة. وعند البيهقى: له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب. ليس على صدره ولا على بطنه غيره.
ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول الله- ﷺ إلا ذكرت القراطيس المثنى بعضها على بعضها «٢» . رواه الطيالسى والطبرانى.
وقال أبو هريرة: كان- ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر «٣» ، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين.
وتقدم أن المشاش: رؤوس العظام كالركبتين، ومفاض: أى واسع البطن، وقيل: مستوى البطن مع الصدر. وخرج الإمام أحمد عن محرش الكعبى قال: اعتمر النبى- ﷺ من الجعرانه ليلا، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة «٤» .
стр. 679
وكان- ﷺ بعيد ما بين المنكبين «١» رواه البخارى. أى عريض الصدر، ووقع عند ابن سعد من حديث أبى هريرة: رحب الصدر.
وأما قلبه الشريف- ﷺ ، فاعلم أن القلب مضغة فى الفؤاد معلقة بالنياط، فهو أخص من الفؤاد. قاله الواحدى، وسمى به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر:
وما سمى الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقال الزمخشرى: مشتق من التقلب الذى هو المصدر لفرط تقلبه، ألا ترى إلى ما روى أبو موسى الأشعرى عن النبى- ﷺ : ومثل هذا القلب كمثل ريشة ملقاة بفلاة يقلبها الريح بطنا لظهر. قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أن الفؤاد وسط القلب، سمى به لتفؤده، أى توقده. وفسر الجوهرى القلب بالفؤاد ثم فسر الفؤاد بالقلب. قال الزركشى: والأحسن قول غيره:
الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه، ويؤيد الفرق قوله- ﷺ :
«ألين قلوبا وأرق أفئدة» ، وهو أولى من قول بعضهم: إنه كرر لاختلاف اللفظ.
وقال الراغب: يعبر بالقلب عن المعانى التى تختص به كالعلم والشجاعة. وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم، كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ «٢» ، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما. انتهى.
قال بعض العلماء: وقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص، الذى هو سر الله
стр. 680
يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه قلب محمد- ﷺ لأنه أول خلق وصورته- ﷺ آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم.
وقد جعل أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد- ﷺ جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سر قلبه المقدس. ولما كان قلبه- ﷺ أوسع قلب اطلع الله عليه- كما ورد فى الخبر- كان هو الأولى أن يكون هو قلب العبد الذى يقول فيه الله تعالى: ما وسعنى أرضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن «١» .
ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع قلبه لما انشرح صدره، ووضع عنه وزره ورفع له ذكره. وقد صح أن جبريل- ﵊ شقه واستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده فى مكانه.
قال أنس فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره «٢» . رواه مسلم.
وإنما خلقت هذه العلقة فى ذاته الكريمة ثم استخرجت منه لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنسانى فلا بد منها، ونزعها أمر ربانى طرأ بعد ذلك، قاله السبكى.
وعند أحمد وصححه الحاكم: ثم استخرجا قلبى فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتنى بماء وثلج فغسلا به جوفى ثم
стр. 681
قال: ائتنى بماء برد فغسلا به قلبى ثم قال: ائتنى بالسكينة فذراها فى قلبى ثم قال أحدهما لصاحبه حصه فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة «١» .
وفى رواية البيهقى أن ملكين جاآنى فى صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد فشرح أحدهما صدرى، ومج الآخر بمنقاره فيه.
وعن أبى هريرة قال: يا رسول الله، ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة. قال: «إنى لفى صحراء أمشى ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسى يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذانى فألصقانى لحلاوة القفا ثم شقا بطنى، وكان أحدهما يختلف بالماء فى طست من ذهب والآخر يغسل جوفى، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدرى- فيما أرى- مفلوق لا أجد له وجعا، ثم قال: اشقق قلبه فشق قلبى، فقال أخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامى، ثم قال: اغد فرجعت بما لم أغد به من رحمتى للصغير ورأفتى على الكبير» «٢» . رواه عبد الله بن الإمام أحمد فى زوائد المسند وأبو نعيم وقال:
تفرد به معاذ عن أبيه، وتفرد بذكر السن.
وعند أبى نعيم فى حديث يونس بن ميسرة: فاستخرج حشوة جوفى فغسلها ثم ذر عليه ذرورا ثم قال: قلب وكيع يعى ما وقع فيه، عينان تبصران وأذنان تسمعان وأنت محمد رسول الله المقفى الحاشر قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قيم وأنت قثم. وهذا الشق روى أنه وقع له- ﷺ مرات فى حال طفوليته إرهاصا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص، ومثل هذا فى حق الرسول- ﷺ كثير. وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك فى حال طفولتيه لأنه من المعجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازى.
стр. 682
والذى عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى كما نبهت عليه فى أوائل الكتاب، ويأتى تحقيقه- إن شاء الله تعالى- فى المقصد الرابع. وهو المراد بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «١» وقد قيل المراد بالشرح فى الآية ما يرجع إلى المعرفة والطاعة. ثم ذكروا فى ذلك وجوها منها أنه لما بعث إلى الأحمر والأسود من جنى وإنسى أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفسح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر بل هو حالتى البؤس والفرج منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف. فإن قلت: لم قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ولم يقل: قلبك. أجيب: بأن محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ «٢» فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعى الخير هى الشرح، لا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
وقد قال محمد بن على الترمذى: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذى يقصد الشيطان، يجىء إلى الصدر الذى هو حصن القلب فإذا دخل مسلكا أغار فيه وأنزل جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو فى الابتداء حصل الأمن وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
وهاهنا دقيقة: «قال الله تعالى حكاية عن موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي «٣» وقال لنبينا محمد- ﷺ : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ «٤» أعطى بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته- ﵇ فقال وَسِراجاً مُنِيراً «٥» فانظر إلى
стр. 683
التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلا للنور، والسراج المنير هو الذى يقتبس منه النور، والفرق واضح. قال الدقاق: كان موسى- ﵇ مريدا إذ قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي «١» ونبينا محمد- ﷺ مراد إذ قال الله له:
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ والله أعلم» .
وأما جماعه- ﷺ فقد كان يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال الراوى قلت لأنس: أو كان يطيقه؟
قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين «٢» . رواه البخارى. وعند الإسماعيلى عن معاذ: قوة أربعين زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة. وعن أنس مرفوعا: «يعطى المؤمن فى الجنة قوة كذا وكذا فى الجماع» قلت: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة» «٣» .
قال الترمذى: صحيح غريب لا نعرفه عن حديث قتادة إلا من حديث عمران القطان. فإذا ضربنا أربعين فى مائة بلغت أربعة آلاف، فبهذا يندفع ما استشكل من كونه- ﷺ أوتى قوة أربعين فقط وسليمان- ﵊ قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد.
وذكر ابن العربى: أنه كان له- ﷺ القوة الظاهرة على الخلق فى الوطء، وكان له فى الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين فى الأمور الاعتيادية كما جمع له الفضيلتين فى الأمور الشرعية، حتى يكون حاله كاملا فى الدارين. انتهى. وطاف- ﷺ على نسائه التسع فى ليلة. رواه ابن سعد.
وروى أنه- ﷺ قال: «أتانى جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة
стр. 684
أربعين رجلا فى الجماع» «١» رواه ابن سعد: حدثنا عبد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم مرسلا من حديث أبى هريرة: شكا رسول الله- ﷺ إلى جبريل قلة الجماع فتبسم جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله- ﷺ من بريق ثنايا جبريل فقال له: أين أنت من أكل الهريسة فإن فيه قوة أربعين رجلا. ومن حديث حذيفة بلفظ «أطعمنى جبريل الهريسة أشد بها ظهرى وأتقوى بها على الصلاة» «٢» رواه الدار قطنى. ومن حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم.
وكلها أحاديث واهية. بل صرح الحافظ ابن ناصر الدين فى جزء له سماه رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة أنه موضوع. وروى أنه- ﷺ أعطى قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة، رواه الحارث بن أبى أسامة. وقد حفظه الله من الاحتلام، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبى قط، وإنما الاحتلام من الشيطان «٣» ، رواه الطبرانى.
وأما قدمه الشريف- ﷺ فقد وصفه غير واحد بأنه كان شثن القدمين «٤» ، أى غليظ أصابعهما. رواه الترمذى وغيره. وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله- ﷺ فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه «٥» ، رواه أحمد والطبرانى. وعن جابر بن سمرة: كانت خنصر رسول الله- ﷺ من رجله متظاهرة، رواه البيهقى. وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبى- ﷺ كانت أطول من الوسطى «٦» . قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك فى أصابع رجليه. انتهى.
стр. 685
وقال شيخنا- فى المقاصد الحسنة-: وسلف جمهورهم الكمال الدميرى. هو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: «كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم عن سارة ابنة مقسم أنها سمعت ميمونة ابنة كردم تخير أنها رأت أصابع النبى- ﷺ كذلك» . فضم ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون الوسطى من كل أطول من السبابة، وعين اليد منه- ﷺ لذلك بناء على أن القصد ذكر وصف اختص به- ﷺ عن غيره.
ولكن الحديث فى مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيد بالرجل، ولفظه- كما قدمته- فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وهو عند البيهقى أيضا فى الدلائل «١» من طريق يزيد بن هارون ولفظها: رأيت رسول الله- ﷺ بمكة وهو على ناقته وأنا مع أبى، فدنا منه أبى فأخذ بقدمه فأقر له رسول الله- ﷺ قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وعن أبى هريرة أنه- ﷺ كان إذا وطئ بقدمه بكلها ليس له أخمص «٢» . رواه البيهقى: وعن أبى أمامة الباهلى قال: كان النبى- ﷺ لا أخمص له يطأ على قدمه كلها رواه ابن عساكر. وقال ابن أبى هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
وقال ابن الأثير: الأخمص من القدم الموضع الذى لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. والخمصان: البالغ منه، أى إن ذلك الموضع من أسفل قدمه شديد التجافى عن الأرض. وسئل ابن الأعرابى عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لا يرتفع جدّا، لم يستو أسفل القدم جدّا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدّا فهو ذم، فيكون بمعنى أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول. ووقع فى حديث أبى هريرة إذا وطئ بقدمه وطئ
стр. 686
بكلها ليس له أخمص. وقوله: مسيح القدمين أى ملساوتان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما كما قال ابن أبى هالة: ينبو عنهما الماء، وهو معنى حديث أبى هريرة. وعن عبد الله بن بريدة قال: كان- ﷺ أحسن الناس قدما. رواه ابن سعد.
وأما طوله- ﷺ فقال على: كان- ﷺ لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب «١» . رواه البيهقى. وعنه: كان- ﷺ ليس بالذاهب طولا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد.
وعن أبى هريرة قال: كان رسول الله- ﷺ ربعة وهو إلى الطول أقرب «٢» . رواه البزار.
وقوله: ربعة، أى مربوعا، والتأنيث باعتبار النفس. وقد فسر فى الحديث الآتى بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، والمراد بالطويل البائن:
المفرط فى الطول مع اضطراب القامة.
وقال ابن أبى هالة: أطول من المربوع وأقصر من المشذب- وهو بمعجمتين مفتوحتين ثانيهما مشدد، أى البائن الطول فى نحافة، وهو مثل قوله فى الحديث الآخر لم يكن بالطويل الممغط- وهو بتشديد الميم الثانية- المتناهى الطول. وأمغط النهار إذا امتد، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله منمغط والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت فى الميم، ويقال بالعين المهملة بمعناه.
وعن عائشة قالت: لم يكن رسول الله- ﷺ بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله- ﷺ ولربما اكتنفه الرجلان
стр. 687
الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب رسول الله- ﷺ إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقى. وزاد ابن سبع فى الخصائص: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين. ووصفه ابن أبى هالة بأنه بادن متماسك، أى معتدل الخلق، كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضا.
وأما شعره الشريف- ﷺ ، فعن قتادة قال: سألت أنسا عن شعر رسول الله- ﷺ فقال: شعر بين شعرين، لا رجل ولا سبط ولا جعد قطط كان بين أذنيه وعاتقه. وفى رواية للشيخين قال: كان رجلا ليس بالسبط ولا الجعد بين أذنه وعاتقه «١» . وفى أخرى: إلى أنصاف أذنيه «٢» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبى- ﷺ عن إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة «٣» .
رواه الترمذى وأبو داود. والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن. وقال ابن أبى هالة أيضا: كان رجل الشعر- وهو بفتح الراء وكسر الجيم، أى يتكسر قليلا، بخلاف السبط والجعد- إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. والعقيقة بالقافين، شعر رأسه الشريف، يعنى إن انفرقت بنفسها فرقها وإلا تركها معقوصة، ويروى: إن انفرقت عقيصته- بالصاد المهملة- وهى الشعر المعقوص.
وعن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحب
стр. 688
موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، ثم فرق- ﷺ رأسه «١» . رواه الترمذى فى الشمائل. وفى صحيح مسلم نحوه.
وسدل الشعر إرساله، والمراد هنا إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة.
وأما الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض، قال العلماء: والفرق سنة، لأنه الذى رجع إليه- ﷺ ، والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل. وعن عائشة: كان له- ﷺ شعر فوق الجمة ودون الوفرة «٢» . رواه الترمذى. وفى حديث أنس كان إلى أذنيه «٣» ، وفى حديث البراء: يضرب منكبيه «٤» . وفى حديث أبى رمثة: يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه «٥» . وفى رواية:
ما رأيت من ذى لمة أحسن منه. والجمة: هى الشعر الذى نزل إلى المنكبين.
والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين، واللمة: التى لمت بين المنكبين. قال القاضى عياض: والجمع بين هذه الروايات: أن مايلى الأذن هو الذى يبلغ شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذى يضرب منكبيه. قال: وقيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك.
وعن أم هانئ بنت أبى طالب قالت: قدم رسول الله- ﷺ علينا مكة قدمة وله أربع غدائر «٦» . رواه الترمذى فى الشمائل. والغدائر: - بالغين
стр. 689
المعجمة والدال المهملة- هى الذوائب، واحدتها غديرة. وفى مسلم عن أنس، كان فى لحيته- ﷺ شعرات بيض «١» . وفى رواية عنده: لم ير من الشيب إلا قليلا، وفى أخرى له أيضا: لو شئت أن أعد شمطات كن فى رأسه ولم يخضب. وعنده أيضا: لم يخضب- ﷺ إنما كان البياض فى عنفقته وفى الصدغين وفى الرأس نبذ- بضم النون وفتح الباء الموحدة، وبفتح النون وإسكان الموحدة- أى شعرات متفرقة. وفى رواية أخرى: ما شانه الله ببيضاء.
قال الشيخ عبد الجليل فى شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهانى: إنما كان كذلك لأن النساء يكرهن الشيب غالبا، ومن كره من النبى- ﷺ شيئا كفر. وقال فى النهاية: قد تكرر فى الحديث جعل الشيب هاهنا عيبا وليس بعيب، فإنه قد جاء فى الحديث: أنه وقار وأنه نور، والشيب ممدوح، وذلك عجيب منه لا سيما فى حق النبى- ﷺ . ويمكن الجمع بينهما: ووجه الجمع أنه- ﷺ لما رأى أبا قحافة ورأسه كالثغامة «٢» أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: «غيروا الشيب» «٣» ، فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء بناء على هذا القول وحملا له على هذا الرأى. ولم يسمع الحديث الآخر، ولعل أحدهما ناسخ للآخر انتهى. وفى رواية أبى جحيفة عنده، رأيت رسول الله- ﷺ وهذه منه بيضاء. ووضع الراوى بعض أصابعه على عنفقته. وفى حديث أنس عند البيهقى: ما شانه الله بالشيب، ما كان فى رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة يعنى شعرة بيضاء. وعن أبى جحيفة كان أبيض قد شمط «٤» . ورواه البخارى. وفى الصحيحين: أن
стр. 690
ابن عمر رأى النبى- ﷺ يصبغ بالصفرة «١» . وعن ابن عمر: إنما كان شيبه- ﷺ نحوا من عشرين شعرة بيضاء «٢» رواه الترمذى. وروى أيضا عن ابن عباس قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: «شيبتنى هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت» «٣» . وفى حديث جابر عنده: لم يكن فى رأسه- ﷺ شيب إلا شعرات فى مفرق رأسه إذا ادهن واراهن الدهن. وفى رواية البيهقى: كان أسود اللحية حسن الشعر. واختلف العلماء: هل خضب- ﷺ أم لا؟ قال القاضى عياض: منعه الأكثرون وهو مذهب مالك. وقال النووى: المختار أنه صبغ فى وقت وترك فى معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق، قال: وهذا التأويل كالمتعين، فحديث ابن عمر فى الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويل له. وأما اختلاف الرواية فى قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر فيه، كما قال فى الرواية الآخرى: لم ير الشيب إلا قليلا، انتهى.
وعن جابر بن سمرة قال: كان- ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، فإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية «٤» .
رواه مسلم والنسائى. وعن أنس كان- ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته «٥» . رواه البغوى فى شرح السنة. وقد وصفه- ﷺ ابن أبى هالة بأنه
стр. 691
كان موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط عارى الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر. وعن أنس قال: رأيت رسول الله- ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا فى يد رجل «١» . رواه مسلم. وسيأتى إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه الشريف فى حجة الوداع.
ولم يرو أنه- ﷺ حلق رأسه الشريف فى غير نسك حج أو عمرة فيما علمته، فتبقية الشعر فى الرأس سنة ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية فيباح له إزالته. وقد رأيت بمكة المشرفة فى ذى القعدة سنة سبع وتسعين وثمانمائة شعرة عند الشيخ أبى حامد المرشدى، شاع وذاع أنها من شعره- ﷺ ، زرتها صحبة المقام المقرى خليل العباسى والى الله إحسانه عليه. وعن محمد بن سيرين قال: قلت لعبيدة، عندنا من شعر النبى- ﷺ أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس، قال: لأن تكون عندى شعرة منه أحب إلى من الدنيا وما فيها «٢» . رواه البخارى. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه- ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها «٣» . رواه الترمذى وقال: حديث غريب.
وأخرج الترمذى عن ابن عباس وحسنه قال: كان النبى- ﷺ يقص شاربه «٤» . وعنده من حديث زيد بن أرقم قال- ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» «٥» . وفى الصحيحين: «خالفوا المشركين وفروا اللحى
стр. 692
وأحفوا الشوارب» «١» . واختلف فى قص الشارب وحلقه أيهما أفضل: ففى الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وعن ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويحفى الشارب ويعفى اللحية، وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى تأديب من حلق شاربه. وعن أشهب أن حلقه بدعة قال: وأرى أن يوجع ضربا من فعله. وقال النووى: المختار أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله. وقال الطحاوى: لم نجد عن الشافعى شيئا منصوصا فى هذا، وكان المزنى والربيع يحفيان شاربهما. وأما أبو حنيفة وصاحباه فمذهبهم فى شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وأما أحمد، فقال الأثرم رأيته يحفى شاربه شديدا. وقد اختلفوا فى كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضا، وهم المسميان بالسبالين أم تترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟
قال الغزالى فى الإحياء: لا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب. فعل ذلك عمر- رضى الله عنه- وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمرة الطعام إذ لا يصل إليه انتهى. وروى أبو داود عن جابر قال: كنا [نعفى] السبال إلا فى حج أو عمرة «٢» . وكره بعضهم إبقاءه لما فيه من التشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهذا أولى بالصواب لما رواه ابن حبان فى صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله- ﷺ المجوس فقال: «إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم» «٣» ، فكان يجز سباله كما يجز الشاة أو البعير. وروى أحمد فى مسنده فى أثناء حديث لأبى أمامة. فقلنا: يا رسول الله، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: «قصوا
стр. 693
سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب» «١» ، والعثانين- بالعين المهملة والثاء المثلاثة وتكرار النون- جمع عثنون وهو اللحية قاله فى شرح تقريب الأسانيد. وأما العانة ففى حديث أنس أن النبى- ﷺ كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه «٢» ولكن سنده ضعيف. وروى ابن ماجه والبيهقى، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإرسال. وأنكر الإمام أحمد صحته من حديث أم سلمة أن النبى- ﷺ كان إذا طلى بدأ بعانته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله.
وأما الحديث الذى يروى أن النبى- ﷺ دخل حمام الجحفة، فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما قاله الحافظ ابن كثير، بل ولم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موته- ﷺ . وأخرج البيهقى من مرسل أبى جعفر الباقر قال: كان رسول الله- ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة «٣» . وله شاهد موصول من حديث أبى هريرة ولكن سنده ضعيف أخرجه البيهقى أيضا فى الشعب. وسئل عنه أحمد فقال يسن يوم الجمعة قبل الزوال. وعنه: يوم الخميس، وعنه يتخير. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه، قال:
ولم يثبت فى استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا لم يثبت فى كيفيته شىء، ولا فى تعيين يوم له عن النبى- ﷺ . وما يعزى من النظم فى ذلك لعلى- رضى الله عنه- ثم لشيخ الإسلام ابن حجر قال شيخنا: إنه باطل.
والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلامس رأس الأصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهى إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب
стр. 694
غسله فى الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعى فيه وجهين: فقطع المتولى بأن الوضوء حينئذ لا يصح، وقطع الغزالى فى الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك.
وأخرج الطبرانى فى الأوسط عن عائشة: كان النبى- ﷺ لا يفارق سواكه ومشطه وكان ينظر فى المرآة إذا سرح لحيته «١» . وعن ابن عباس أن النبى- ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة فى هذه وثلاثة فى هذه «٢» . رواه ابن ماجه والترمذى وأحمد ولفظه: كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل فى كل عين ثلاثة أميال. وروى النسائى والبخارى فى تاريخه عن محمد بن على قال سألت عائشة: أكان النبى- ﷺ يتطيب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر «٣» .
وأما مشيه- ﷺ فعن على قال: كان رسول الله- ﷺ إذا مشى تكفأ تكفيا، كأنما ينحط من صبب «٤» ، رواه الترمذى وصححه البيهقى.
والتكفؤ: الميل إلى سنن المشى. وعند البزار من حديث أبى هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها «٥» . وعند الترمذى فى الشمائل من حديثه: وما رأيت أحدا أسرع فى مشيه من رسول الله- ﷺ : كأنما الأرض تطوى له، إنا
стр. 695
لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث «١» . وعن يزيد بن مرثد قال: كان رسول الله- ﷺ إذا مشى أسرع، حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه «٢» . رواه ابن سعد: ويروى أنه كان إذا مشى مشى مجتمعا أى قوى الأعضاء غير مسترخ فى المشى. وقال على- رضى الله عنه- كان إذا مشى تقلع «٣» .
وقال ابن أبى هالة: إذا زال زال تقلعا، يخطو تكفيا، ويمشى هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وفى رواية إذا زال زال قلعا- بالفتح والضم، فبالفتح هو مصدر بمعنى الفاعل أى لا يزول قالعا لرجله من الأرض، وهو بالضم إما مصدر أو اسم وهو بمعنى الفتح.
وقال الهروى: «قرأت هذا الحرف فى كتاب غريب الحديث لابن الأنبارى: قلعا: بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهرى، وهو كما جاء فى حديث آخر كأنما ينحط من صبب، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض. أراد: أنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه فى هذه الحال استعجال ومبادرة شديدة» . وذريع المشية: أى واسع الخطوة قاله ابن الأثير.
وقال ابن القيم: التقلع الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط من الصبب، وهى مشية أولى العزم والهمة والشجاعة، وهى أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير من الناس يمشى قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، فهى مذمومة، وإما أن يمشى بانزعاج مشى الجمل الأهوج وهى مشية مذمومة، وهى علامة خفة عقل صاحبها ولا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينا وشمالا. وفى بعض المسانيد: أن المشاة شكوا إلى رسول الله
стр. 696
- ﷺ من المشى فى حجة الوداع فقال: «استعينوا بالنسلان» «١» وهو العدو الخفيف الذى لا يزعج الماشى.
وأما مشيه- ﷺ مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: «خلوا ظهرى للملائكة» «٢» ، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه ويماشيهم فرادى وجماعة. ومشى- ﷺ فى بعض غزواته مرة فجرحت أصبعه وسال منها الدم فقال: «هل أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت» «٣» . رواه أبو داود. ولم يكن له- ﷺ ظل فى شمس ولا قمر رواه الترمذى الحكيم عن ذكوان. وقال ابن سبع كان- ﷺ نورا.
فكان إذا مشى فى الشمس أو القمر لا يظهر له ظل. قال غيره: ويشهد له قوله- ﷺ فى دعائه: «واجعلنى نورا» .
وأما لونه الشريف الأزهر- ﷺ فقد وصفه- ﵇ جمهور أصحابه بالبياض، منهم: أبو بكر وعمر وعلى وأبو جحيفة وابن عمر وابن عباس وابن أبى هالة والحسن بن على وأبو الطفيل ومحرش الكعبى وابن مسعود والبراء وأنس فى إحدى الروايتين عنه.
فأما أبو جحيفة فقال: كان أبيض «٤» . رواه البخارى. وأما أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحا «٥» . رواه الترمذى فى الشمائل، وفى رواية مسلم:
أبيض مليح الوجه. وفى رواية عنه للطبرانى: ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره. وفى شعر أبى طالب:
стр. 697
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال على: أبيض مشرب، والمشرب: هو الذى فى بياضه حمرة، كما فى الرواية الآخرى: أبيض مشرب بحمرة، وبهذا فسر قول أنس فى صحيح مسلم: أزهر اللون. وفى النسائى من حديث أبى هريرة: بينا النبى- ﷺ جالس بين أصحابه جاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذه الأمغر المرتفق «١» . والأمغر: المشرب بحمرة. المرتفق: المتكئ على مرفقه.
وفى البخارى من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق «٢» . قال الحافظ ابن حجر:
ووقع عند الداودى تبعا لرواية المروزى: أمهق ليس بأبيض، وفى رواية عند أبى حاتم وغيره أسمر. واستشكله بعضهم وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع كالأبيض مع رواية مشرب بالحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. واعترض الداودى رواية أمهق ليس بأبيض. وهى التى وقعت عنده تبعا لرواية المروزى.
وقال القاضى عياض: إنها وهم، وقال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصواب. قال الحافظ ابن حجر: هذا ليس يجيد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء فى حديث أنس عند أحمد والبزار وابن منده بإسناد صحيح أن النبى- ﷺ كان أسمر، وأخرجه البيهقى فى الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كان- ﷺ أبيض بياضه إلى السمرة. وفى حديث ابن عباس فى صفته- ﷺ : رجل بين رجلين جسمه ولحمه، أحمر إلى البياض، أخرجه أحمد. وقد تبين من مجموع الروايات: أن المراد بالسمرة؛ الحمرة التى تخالط البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه
стр. 698
الحمرة، والمنفى ما لا تخالطه، وهو الذى تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبين أن رواية المروزى أمهق ليس بأبيض مقلوبة، على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذى ليس بياضه فى الغاية، ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤبة: أن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية، وقد تقدم فى حديث أبى جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، وكذا فى حديث أبى الطفيل عند مسلم والترمذى.
وفى حديث سراقة عند ابن إسحاق فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة، ولأحمد من حديث محرش الكعبى فى عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة «١» . وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصفه- ﷺ فقال: كان شديد البياض «٢» أخرجه يعقوب بن سفيان والبزار بإسناد قوى. ويجمع بينهما بما تقدم. وقال البيهقى: يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحى للشمس والريح أى كالوجه والعنق وأما ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض انتهى. وهذا ذكره ابن أبى خيثمة عقب حديث عائشة فى صفته- ﷺ بأبسط من هذا وزاد: ولونه الذى لا يشك فيه الأبيض الأزهر. انتهى والله أعلم.
وقد ضعف بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن- ﷺ ملازما للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه فى وقت غيرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السمرة فى رواية أنس على الحمرة التى تخالط البياض كما قدمناه.
تنبيه: فى الشفاء حكاية عن أحمد بن سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبى- ﷺ أسود يقتل. انتهى. وهذا يقتضى أن مجرد الكذب عليه فى صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لابد من ضميمة ما يشعر بنقص فى ذلك. كما فى مسألتنا هذه فإن الأسود لون مفضول.
стр. 699
وأما طيب ريحه- ﷺ وعرقه وفضلاته، فقد كانت الرائحة الطيبة صفته- ﷺ وإن لم يمس طيبا. وروينا عن أنس قال: ما شممت ريحا قط ولا مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله- ﷺ «١» . لحديث رواه الإمام أحمد. وفى البخارى: ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبى- ﷺ . وفى رواية الترمذى: ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله- ﷺ . وقوله: شممت: بكسر الميم الأولى وسكون الثانية. وعن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمى قالت: كنا عند عتبة أربع نسوة، فما منا امرأة إلا وهى تجتهد فى الطيب لتكون أطيب ريحا منا، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنا لنجتهد فى الطيب، ولأنت أطيب ريحا منا فمم ذلك؟
فقال: أخذنى الشرى على عهد رسول الله- ﷺ فأتيته فشكوت ذلك إليه، فأمرنى أن أتجرد، فتجردت وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبى على فرجى، فنفث فى يده ثم مسح ظهرى وبطنى بيده، فعبق بى هذا الطيب من يومئذ «٢» رواه الطبرانى فى معجمه الصغير.
وروى أبو يعلى والطبرانى قصة الذى استعان به- ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شىء، فاستدعاه بقارورة فسلت له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطيب به» ، فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة ذلك الطيب فسموا بيت المطيبين. وقال جابر بن عبد الله: كان فى رسول الله- ﷺ خصال: لم يكن فى طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه «٣» ، ولم يكن يمر بحجر إلا سجد له. رواه الدارمى والبيهقى وأبو نعيم. ولله در القائل:
стр. 700
فلو أن ركبا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل به الركب
وعن أنس قال: كان رسول الله- ﷺ إذا مر فى طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا: مر رسول الله- ﷺ من هذا الطريق «١» . رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. وما أحسن قول القائل:
يروح على غير الطريق التى غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفسه فى الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت ... لها سحرا من حيه نسماته
وعن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ أحسن الناس وجها وأنورهم لونا، لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وكان عرقه فى وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الإذفر. رواه أبو نعيم. وعن أنس قال:
دخل علينا رسول الله- ﷺ فقال عندنا، فعرق وجاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ- ﷺ فقال: «يا أم سليم ما هذا الذى تصنعين؟» قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب «٢» . رواه مسلم.
وفى رواية له: كان- ﷺ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتيت فقيل لها هذا النبى نائم فى بيتك على فراشك قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره فى قواريرها، ففزع- ﷺ فقال: «ما تصنعين يا أم سليم» فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: «أصبت» والعتيدة: كالصندوق الصغير الذى تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها.
стр. 701
وأما ما روى أن الورد خلق من عرقه- ﷺ أو من عرق البراق فقال شيخنا فى الأحاديث المشتهرة: قال النووى: لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إنه موضوع، وسبقه لذلك ابن عساكر، وهو فى مسند الفردوس بلفظ: «الورد الأبيض خلق من عرقى ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق» «١» . رواه من طريق مكى ابن بندار الزنجانى. حدثنا الحسن بن على بن عبد الواحد القرشى، حدثنا هشام بن عمار عن الزهرى عن أنس به مرفوعا ثم قال: قال أبو مسعود حدث به أبو عبد الله الحاكم عن رجل عن مكى. ومكى تفرد به انتهى.
ورواه أبو الحسين بن فارس اللغوى فى «الريحان والراح» له عن مكى به.
ومكى ممن اتهمه الدارقطنى بالوضع، وله طريق أخرى رواه أبو الفرج النهروانى فى الخامس والتسعين من «الجليس الصالح» له من طريق محمد بن عنبسة بن حماد، حدثنا أبى عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار عن أنس رفعه: «لما عرج بى إلى السماء بكت الأرض من بعدى فنبت اللصف من نباتها، فلما أن رجعت قطر من عرقى على الأرض فنبت ورد أحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتى فليشم الورد الأحمر» «٢» . ثم قال أبو الفرج:
اللصف: الكبر، وقال: وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير مما أكرم الله به نبيه ودل على فضله ورفيع منزلته. انتهى. وإنما ذكرته ليعلم «٣» .
وعن جابر بن سمرة أنه- ﷺ مسح خده، وقال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار «٤» . قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبى فيعرف من بين الصبيان ريحها. وجؤنة العطار: بضم الجيم وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها واوا: سلسلة مستديرة مغشاة أدما.
стр. 702
وقد ورد مما عزاه القاضى عياض للأخباريين ومن ألف فى الشمائل الكريمة أنه- ﷺ كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه وفاحت لذلك رائحة طيبة. قال غيره: ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط. وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدى- كما هو فى بعض نسخ الشفاء، وقالوا: إنه ليس من الرواية ولا من حواشى أصل ابن جبير بل من حواشى غيره- عن عائشة- رضى الله عنها- قالت للنبى- ﷺ : إنك تأتى الخلا فلا نرى منك شيئا من الأذى فقال: «يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شىء» «١» انتهى.
وفى الشفاء لابن سبع عن بعض الصحابة قال: صحبته- ﷺ فى سفر فلما أراد قضاء الحاجة تأملته وقد دخل مكانا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذى خرج منه فلم ير له أثر غائط ولا بول، ورأيت فى ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهن فوجدت لهن رائحة طيبة وعطرا. قلت: وقد سئل الحافظ عبد الغنى المقدسى: هل روى أنه- ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روى ذلك من وجه غريب، والظاهر يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأما البول فقد شاهده غير واحد.
وشربته أم أيمن والله أعلم انتهى. لكن قال البيهقى: وأما الحديث الذى أخبرنا به أبو الحسين بن بشر أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ حدثنا حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبى- ﷺ إذا دخل الغائط دخلت فى أثره فلا أرى شيئا إلا أنى كنت أشم رائحة الطيب، فذكرت ذلك له فقال: «يا عائشة أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة وما خرج منها ابتلعته الأرض» «٢» فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغى ذكره إلا لبيان أنه موضوع
стр. 703
ففى الأحاديث الصحيحة المشهورة فى معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان انتهى.
لكن للحديث طرق غير طريق ابن علون: فعند الدار قطنى فى الأفراد:
حدثنا محمد بن سليمان الباهلى حدثنا محمد بن حسان الأموى، أنبأنا عبدة ابن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: يا رسول الله، إنى أراك تدخل الخلاء ثم يأتى الذى بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرا، فقال:
«يا عائشة أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء» «١» ، ومحمد بن حسان بغدادى ثقة، وعبدة من رجال الصحيح. وله طريق أخرى عند ابن سعد، وأخرى عند الحاكم فى مستدركه. وروى أنه كان يتبرك ببوله ودمه- ﷺ . فروى ابن حبان فى «الضعفاء» عن ابن عباس قال: حجم النبى- ﷺ غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فحسا دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر فى وجهه فقال: «ويحك ما صنعت بالدم» قلت غيبته من وراء الحائط، قال أين غيبته؟ قلت: يا رسول الله نفست على دمك أن أهريقه فى الأرض فهو فى بطنى فقال: «اذهب فقد أحرزت نفسك من النار» .
وفى سنن سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب أنه بلغه أن مالكا والد أبى سعيد الخدرى لما جرح النبى- ﷺ مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدا، ثم ازدرده فقال النبى- ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» «٢» .
فاستشهد.
وأخرج البزار والطبرانى والحاكم والبيهقى وأبو نعيم فى الحلية، من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم رسول الله- ﷺ فأعطانى الدم فقال: «اذهب فغيبه» فذهب فشربته فأتيته- ﷺ فقال: «ما
стр. 704
صنعت» قلت: غيبته، قال: «لعلك شربته» قلت: شربته، وفى رواية قلت:
جعلته فى أخفى مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال: «لعلك شربته؟» قلت: شربته، فقال: «ويل لك من الناس وويل للناس منك» . وفى رواية فقال رسول الله- ﷺ : «فما حملك على ذلك» قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: «ويل لك من الناس» «١» .
وعند الدار قطنى من حديث أسماء بنت أبى بكر نحوه، وفيه: ولا تمسك النار، وفى كتاب الجوهر المكنون فى ذكر القبائل والبطون: أنه لما شرب- أى عبد الله بن الزبير- دمه تضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته موجودة فى فمه إلى أن صلب- رضى الله عنه-. وأخرج الحسن بن سفيان فى مسنده والحاكم والدار قطنى والطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى مالك النخعى عن الأسود بن قيس عن نبيح عن أم أيمن قالت: قام رسول الله- ﷺ من الليل إلى فخارة فى جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبى- ﷺ قال: «يا أم أيمن قومى فأهريقى ما فى تلك الفخارة» ، فقلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول الله- ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أما والله لا يبجعن بطنك أبدا» «٢» .
وعن ابن جريج قال: أخبرت أن النبى- ﷺ كان يبول فى قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شىء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة «أين البول الذى فى القدح» قالت: شربته قال: «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط حتى كان مرضها الذى ماتت فيه. ورواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة.
وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين وقد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، وهو الذى ذهب إليه شيخ الإسلام البلقينى.
وفى هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه- ﷺ . قال النووى
стр. 705
فى شرح المهذب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أن أبا طيبة الحجام حجمه- ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله- ﷺ فلم ينكر عليها. وحديث أبى طيبة ضعيف، وحديث شرب البول صحيح رواه الدار قطنى وقال: هو حديث حسن صحيح، وذلك كاف فى الاحتجاج لكل الفضلات قياسا، ثم إن القاضى حسينا قال: الأصح القطع بطهارة الجميع انتهى. وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العينى. وأبو طيبة؛ بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وبالموحدة، نافع الحجام مولى محيصة- بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو أبو مسعود الأنصارى.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته- ﷺ وعدّ الأئمة ذلك فى خصائصه. انتهى. قال بعضهم: وكأن السر فى ذلك ما روى من صنيع الملكين حين غسلا جوفه والله أعلم.
وأما سيرته- ﷺ فى البراز، ففى حديث عائشة عند أبى عوانة فى صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله- ﷺ قائما منذ أنزل عليه القرآن «١» .
وفى حديث عبد الرحمن بن حسنة عند النسائى وابن ماجه: أنه بال جالسا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة «٢» . وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائما، ويؤيده ما فى حديث عبد الرحمن هذا. وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم فى ذلك فيقعد لكونه أستر