← Сира

Сира · id 23685

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الصلاة والسلام- سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شىء. وأول ما ظهر ذلك فى آدم- ﵇، حيث جعله الله خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التى لمحمد- ﷺ فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ «١» ، ثم توالت الخلائف فى الأرض إلى أن وصل زمان وجود صورة جسم نبينا- ﷺ الشريف لإظهار حكم منزلته، فلما برز كان كالشمس اندرج فى نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها فى صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطى- ﷺ مثلها. فادم- ﵊ أعطى أن الله تعالى خلقه بيده، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ شرح صدره، وتولى الله تعالى شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوى، فتولى من آدم الخلق الوجودى ومن سيدنا محمد- ﷺ الخلق النبوى، مع أن المقصود- كما مر- من خلق آدم خلق نبينا فى صلبه، فسيدنا محمد- ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة «٢» . وأما سجود الملائكة لآدم، فقال فخر الدين الرازي فى تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد- ﷺ كان فى جبهته «٣» ، ولله در القائل:

стр. 912

تجليت جل الله فى وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسلوا وعن أبى عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهانى قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذى شرف الله تعالى به محمدا بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «١» الآية، أتم وأجمع من تشريف آدم- ﵇ بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة فى ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى. قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شىء، فأخرج الديلمى فى مسند الفردوس من حديث أبى رافع قال: قال رسول الله- ﷺ : «مثلت لى أمتى فى الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها» «٢» فكما أن آدم علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا- ﷺ ، وزاد عليه- واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيرى حيث قال: لك ذات العلوم من عالم الغي ... ب ومنها لآدم الأسماء ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهى المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: «ذات العلوم» ، والأسماء مقصودة لغيرها فهى دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه. * وأما إدريس- ﵇، فرفعه الله مكانا عليّا، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره. * وأما نوح- ﵇ فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء، قال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٣» . وأما قول الفخر الرازى فى تفسيره: «أكرم الله نوحا بأن أمسك سفينته

стр. 913

على الماء وفعل بمحمد- ﷺ أعظم منه. روى أنه- ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبى جهل فقال: إن كنت صادقا فادع ذلك الحجر الذى فى الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه- ﷺ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدى رسول الله- ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال له النبى- ﷺ : «يكفيك هذا؟» فقال: حتى يرجع إلى مكانه» فلم أره لغيره والله أعلم بحاله. * وأما إبراهيم الخليل- ﵊ فكانت عليه نار نمروذ بردا وسلاما، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه- ﷺ وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الحسد ومطلبها الروح والجسد، قال الله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ «١» . فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد- ﷺ سروره وظهوره. ويذكر أنه- ﷺ مر ليلة المعراج على بحر النار الذى دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روى مما رأيته فى بعض الكتب. وروى النسائى أن محمد بن حاطب قال: كنت طفلا فانصب القدر على واحترق جلدى كله، فحملنى أبى إلى رسول الله- ﷺ فتفل- ﷺ فى جلدى ومسح بيده على المحترق وقال: «أذهب البأس رب الناس» ، فصرت صحيحا لا بأس بى «٢» . وأما ما أعطيه إبراهيم- ﵊ من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا- ﷺ ، وزاد بمقام المحبة. وقد روى فى حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم- ﵊ إذا قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا قال: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» اذهبوا إلى غيرى إلى أن تنتهى الشفاعة إلى النبى- ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها» «٣» وهذا يدل على أن نبينا- ﷺ كان

стр. 914

خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم- ﵊. وفيه تنبيه ظاهر على أنه- ﷺ فاز برؤية الحق سبحانه وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعينى رأسه «١» ، كما سيأتى البحث فى ذلك- إن شاء الله تعالى- فى المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبى- ﷺ نال درجة الخلة التى اشتهرت لإبراهيم- ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد- ﷺ منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» فلم يشفع، ففيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد- ﷺ بالدليل والبرهان. ومما أعطيه إبراهيم- ﵊ انفراده فى أهل الأرض بعبادة الله تعالى وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطى سيدنا محمد- ﷺ كسرها بأسرها بمحضر من أولى نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتزأ فيها بالأنفاس عن الفاس، وما عول على المعول، ولا عرض فى القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرا بغير سر: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً «٢» . ومما أعطيه الخليل- ﵊ بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء «أنه يمين الرب» «٣» كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ أن قريشا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد- ﷺ فقالوا: هذا الأمين،

стр. 915

فحكموه فى ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: «يرفع كل بطن بطرف» فرفعوه جميعا، ثم أخذه سيدنا محمد- ﷺ فوضعه فى موضعه «١» ، فادخر الله تعالى له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام. * وأما ما أعطيه موسى- ﵊ من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ حنين الجذع «٢» ، وقد مرت قصته. وحكى الإمام الرازى- فى تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه- ﷺ بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوبا. وأما ما أعطيه موسى- ﵇ أيضا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه لم يزل نورا ينتقل فى أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى- ﷺ قتادة بن النعمان وقد صلى معه العشاء فى ليلة مظلمة مطيرة عرجونا وقال: «انطلق به فإنه سيضىء لك من بين يديك عشرا، ومن خلفك عشرا، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه شيطان» «٣» فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرج البيهقى، وصححه الحاكم عن أنس قال: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله- ﷺ فى حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهى ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا فى ضوئها، حتى إذا افترقت بهم الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما فى ضوء عصاه حتى بلغ هديه «٤» ، ورواه البخارى بنحوه فى الصحيح.

стр. 916

وأخرج البخارى فى تاريخه والبيهقى وأبو نعيم عن حمزة الأسلمى قال: كنا مع النبى- ﷺ فى سفر فتفرقنا فى ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعى لتنير «١» . ومما أعطيه موسى- ﵇ أيضا انفلاق البحر له، أعطى نبينا محمد- ﷺ انشقاق القمر- كما مر- فموسى تصرف فى عالم الأرض وسيدنا محمد- ﷺ تصرف فى عالم السماء، والفرق بينهما واضح، قاله ابن المنير. وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف «٢» ، يكون بحر الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا- ﷺ حتى جاوزه- يعنى ليلة الإسراء- وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى- ﵊. ومما أعطيه موسى- ﵇ إجابة دعائه، أعطى نبينا محمد- ﷺ من ذلك ما لا يحصى. ومما أعطيه موسى- ﵇ تفجير الماء له من الحجارة، أعطى سيدنا محمد- ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه «٣» ، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التى ينبع منها الماء، ولم تجر العادة ينبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت ... وافى بأعجب منها عند إظهار فما العصا حية تسعى بأعجب من ... شكوى البعير ولا من مشى أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر ... أشد من سلسل من كفه جار ومما أعطيه موسى- ﵇ الكلام، أعطى سيدنا محمد- ﷺ مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلى، وأيضا كان مقام المناجاة فى حق نبينا

стр. 917

- ﷺ فوق السماوات العلى وسدرة المنتهى، والمستوى وحجب النور والرفرف، ومقام المناجاة لموسى- ﵇ طور سيناء. * وأما ما أعطيه هارون- ﵊ من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا- ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذى لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذى هو أفصح منك فقال: «وما يمنعنى وإنما نزل القرآن بلسانى، لسان عربى مبين» «١» . وقد كانت فصاحة هارون غايتها فى العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة ولم يتحد نبى من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا محمد- ﷺ ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته- ﷺ فى جوامع الكلم التى ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ فظاهر قوله- ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم» «٢» أنه من التحدث بنعمة الله عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة. * وأما ما أعطيه يوسف- ﵊ من شطر الحسن، فأعطى نبينا- ﷺ الحسن كله، وستأتى الإشارة إلى ذلك- إن شاء الله تعالى- فى مقصد الإسراء. ومن تأمل ما نقلته فى صفته تبين له من ذلك التفصيل التفضيل على كل مشهور بالحسن فى كل جيل. وأما ما أعطيه يوسف- ﵇ أيضا من تعبير الرؤيا، فالذى نقل عنه من ذلك ثلاث منامات، أحدها: حين رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، والثانى: منام صاحبى السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطى نبينا- ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتى نبذة من ذلك- إن شاء الله تعالى-.

стр. 918

* وأما ما أعطيه داود- ﵊ من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطى نبينا- ﷺ أن العود اليابس اخضر فى يده وأورق، ومسح- ﷺ شاة أم معبد الجرباء، فبرئت ودرت. * وأما ما أعطيه سليمان- ﵊ من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذى لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ مثل ذلك وزيادة. أما كلام الطير والوحش فنبينا- ﷺ كلمه الحجر، وسبح فى كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة- كما تقدم فى غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبى وشكا إليه البعير- كما مر-. وروى أن طيرا فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: أيكم فجع هذا بولده، فقال رجل أنا فقال: «اردد ولده» ذكره الرازى ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبى- ﷺ فى سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش- أى تدنو- من الأرض، فجاء النبى- ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» «١» الحديث. وقصة كلام الذئب مشهورة. وأما الريح التى كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ البراق الذى هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش فى ساعة زمانية، وأقل مسافة ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وأيضا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحى الأرض، ونبينا- ﷺ زويت له الأرض

стр. 919

- أى جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض. وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روى أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد- ﷺ وهو فى الصلاة فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سوارى المسجد «١» وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد- ﷺ ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم. وأما عد الجن من جنود سليمان فى قوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ «٢» . فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده- ﷺ ، باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد. وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار «٣» وتوكيرها فى الساعة الواحدة وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شىء بأيسر شىء. وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا- ﷺ خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا ونبيّا عبدا، فاختار- ﷺ أن يكون نبيّا عبدا. ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولى * وأما ما أعطيه عيسى- ﵊ من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه رد العين إلى مكانها بعد ما سقطت فعادت أحسن ما كانت «٤» ، وفى دلائل البيهقى قصة الرجل الذى قال للنبى- ﷺ لا أؤمن بك حتى تحيى لى ابنتى، وفيه أنه- ﷺ أتى قبرها فقال: «يا فلانة» ، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث «٥» ، وقد مر. وروى أن امرأة معاذ بن عفراء- وكانت برصاء-

стр. 920

فشكت ذلك إلى رسول الله- ﷺ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازى، وأيضا قد سبح الحصى فى كفه- ﷺ ، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس من لا يتكلم. وأما ما أعطيه عيسى أيضا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس فى بيوتهم، فقد أعطى نبينا- ﷺ من ذلك ما لا يحصى، وسيأتى من ذلك- إن شاء الله تعالى- ما يكفى ويشفى. وأما ما أعطيه عيسى أيضا من رفعه إلى السماء، فقد أعطى نبينا- ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد فى الترقى لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة فى الحضرة المقدسة بالمشاهدات. وبالجملة: فقد خص الله تعالى نبينا- ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدا من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. وقد روى جابر عنه- ﷺ أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى، كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة» «١» رواه البخارى. وفى رواية: «وبعثت إلى الناس كافة» . وزاد البخارى فى روايته- فى الصلاة- عن محمد بن سنان (من الأنبياء) . وعند الإمام أحمد: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبى قبلى، ولا أقوله فخرا» وفيه: «وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتى، فهى لمن لا يشرك بالله شيئا» وإسناده كما قال ابن كثير جيد.

стр. 921

وليس المراد حصر خصائصه- ﷺ فى هذه الخمسة المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون» «١» فذكر الخمسة المذكورة فى حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: أعطيت جوامع الكلم وختم بى النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلم أيضا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» «٢» وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائى، وهى: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعا. ولأحمد من حديث على «أعطيت أربعا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلى أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتى خير الأمم، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتى عشرة خصلة» «٣» . وعند البزار من وجه آخر عن أبى هريرة رفعه: «فضلت على الأنبياء، وغفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، وجعلت أمتى خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه» «٤» وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: «فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطانى كافرا فأعاننى الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الآخرى» «٥» .

стр. 922

فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقد ذكر أبو سعيد النيسابورى فى كتاب «شرف المصطفى» أن عدد الذى خص به- ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله- ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص له، ثم اطلع على الباقى. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله. وقد ذكر بعض العلماء أنه- ﷺ أوتى ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية. وقد اختلف فى العلم بخصائصه- ﷺ ، فقال الصيمرى من الشافعية: منع أبو على بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه. وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف فى مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة، وإنما يجرى الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة. وقال النووى- فى الروضة والتهذيب- بعد نقله هذين الكلامين: وقال سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل وجوبه لم يكن بعيدا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتا فى الحديث الصحيح فعمل به أخذا بأصل التأسى، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأى فائدة أهم من هذه الفائدة، وأما ما يقع فى ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشىء على ما هو عليه. انتهى كلام النووى. وقد تتبعت ما شرف الله تعالى به نبينا- ﷺ من الخصائص والآيات،

стр. 923

وأكرمه به من الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة للنووى، ومختصرها للحجازى، وشرح الحاوى لابن الملقن، وشرح البهجة لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى، واللفظ المكرم فى خصائص النبى- ﷺ للشيخ قطب الدين الخيضرى، واستفدت منه كثيرا فى فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء مطالعتى لفتح البارى، وشرح مسلم للنووى، وشرح تقريب الأسانيد للعراقى وغير ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لى من ذلك جملة. وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام: [خصائص النبي ص من الفضائل والكرامات] القسم الأول: ما اختص به- ﷺ من الواجبات والحكمة فى ذلك زيادة الزلفى والدرجات، فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم. قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه- ﷺ بواجبات عليه لعلمه بأنه أقوم بها منهم، وقيل ليجعل أجره بها أعظم. * فاختص- ﷺ بوجوب الضحى على المذهب ، لكن قول عائشة فى الصحيح: (ما رأيت رسول الله- ﷺ يسبح سبحة الضحى) «١» يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت ذلك فى خبر صحيح. انتهى. وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى ذكر صلاة الضحى فى مقصد عباداته- ﷺ . وهل كان الواجب عليه أقل الضحى أو أكثرها، أو أدنى الكمال؟ قال الحجازى: لا نقل فيه، لكن فى مسند أحمد: «أمرت بركعتى الضحى ولم تؤمروا بهما» «٢» . * ومنها الوتر وركعتا الفجر ، كما رواه الحاكم فى المستدرك وغيره، ولفظ أحمد والطبرانى: «ثلاث على فريضة وهن لكم تطوع، الوتر وركعتا

стр. 924

الفجر وركعتا الضحى» «١» . قال بعضهم: وقد ثبت أنه- ﷺ صلى الوتر على الراحلة. قال: ولو كان واجبا لما جاز فعله على الراحلة. وتعقب: بأن فعله على الراحلة من الخصائص أيضا كما سيأتى فيما اختص به- ﷺ من المباحات، - إن شاء الله تعالى-. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل. وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازى: لم أر فيه نقلا. * ومنها صلاة الليل ، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ «٢» . أى فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا ما صححه الرافعى ونقله النووى عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعى نص على أنه نسخ وجوبه فى حقه، كما نسخ فى حق غيره. * ومنها السواك ، واستدلوا له بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبى حنظلة بن أبى عامر أن رسول الله- ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة «٣» . وفى إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس. وحجة من لم يجعله واجبا عليه، ما رواه ابن ماجه فى سننه من حديث أبى أمامة أن رسول الله- ﷺ قال: «ما جاءنى جبريل إلا أوصانى بالسواك

стр. 925

حتى خشيت أن يفرض على وعلى أمتى» «١» ، وإسناده ضعيف. وروى أحمد فى مسنده من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله- ﷺ : «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على» «٢» ، وإسناده حسن. والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله فى شرح تقريب الأسانيد. * ومنها الأضحية ، قال الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ «٣» ، وروى الدارقطنى والحاكم عن ابن عباس أنه- ﷺ قال: «ثلاث هن على فرائض، وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر» «٤» . * ومنها المشاورة ، قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٥» . فظاهره الإيجاب، ويقال إنه استحباب، استمالة للقلوب، ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقى فى «معرفة السنن والآثار» عن النص: أن المشورة غير واجبة عليه، كما نبه عليه الحجازى وغيره. واختلف فى المعنى الذى لأجله أمر الله تعالى نبيه- ﷺ بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحى عليه، ووجوب طاعته على أمته. فقال بعضهم: هو خاص فى المعنى، وإن كان عاما فى اللفظ، أى: وشاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس: وشاورهم فى بعض الأمر. وقال الكلبى: يعنى ناظرهم فى لقاء العدو، ومكائد الحرب عند الغزو. وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور فى الأمر شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه- ﷺ أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم

стр. 926

وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم. وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وحكى القاضى أبو يعلى، فى الذى أمر بالمشاورة فيه قولين: أحدهما: فى أمر الدنيا خاصة، والثانى: فى الدين والدنيا وهو الأصح، قاله المعافى بن زكريا فى تفسيره. والحكمة فى المشاورة فى الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد. وأخرج ابن عدى والبيهقى فى الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قال رسول الله- ﷺ : «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتى» «١» . وعند الترمذى الحكيم من حديث عائشة، رفعته: «إن الله أمرنى بمداراة الناس، كما أمرنى بإقامة الفرائض» «٢» . * ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم. * ومنها تغيير المنكر إذا رآه ، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه- ﷺ بالخوف بخلاف غيره. * ومنها قضاء دين من مات مسلما معسرا ، روى مسلم حديث: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته» «٣» . قال النووى: كان هذا القضاء واجبا عليه- ﷺ ، وقيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه- ﷺ قال: «أنا قائم بمصالحكم فى حياة أحدكم أو موته، أنا وليه فى الحالين، فإن كان

стр. 927

عليه دين قضيته من عندى إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلى فعلى نفقتهم ومؤنتهم» . انتهى. وفى وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، لكن قال الإمام: من استدان وبقى معسرا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله أعلم. * ومنها تخيير نسائه- ﷺ فى فراقه ، وإمساكهن بعد أن اخترنه فى أحد الوجهين، وترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك، لتكون المنة له- ﷺ عليهن، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها «١» . الآية. واختلف فى تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن فى الطلاق، وهذا هو قول الحسن وقتادة، و الثانى: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة ومجاهد والشعبى ومقاتل. [سبب تخييره ص نساءه] واختلفوا فى السبب الذى لأجله خير- ﷺ نساءه على أقوال. أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار الآخرة وقال: «اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين» «٢» ، فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل اختياره. حكاه أبو القاسم النميرى. الثانى: لأنهن تغايرن عليه.

стр. 928

والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع ، فكان أولهن أم سلمة سألته سترا معلما، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبا مخططا وهو البرد اليمانى، وسألته أم حبيبة ثوبا سحوليّا، وسألته كل واحدة شيئا إلا عائشة. حكاه النقاش. والرابع: أن أزواجه- ﷺ اجتمعن يوما فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلى فأنزل الله تعالى آية التخيير، حكاه النقاش أيضا. وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود، وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق. وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل فى أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة فى الصبر على ما اختاره من خشونة العيش. فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما، أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيما لحقهن وتأكيدا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء بقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ «١» ، والثانى: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ «٢» . الآية. فكان تحريم طلاقهن مستداما، وأما تحريم التزوج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله- ﷺ حتى أحل الله له النساء، يعنى اللاتى حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ «٣» . الآية. وقال النووى فى الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن بالجنة فقال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً «٤» . انتهى.

стр. 929

وإنما اختص- ﷺ بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التى هى من أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررا، فنزه عن ذلك منصبه العالى. وقيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ «١» . * ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه ، حكاه فى الروضة وأصلها، قال النووى: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليه- ﷺ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل. ذكره فى تهذيب الأسماء واللغات. * ومنها: أنه كان يلزمه- ﷺ أداء فرض الصلاة بلا خلل . قاله الماوردى: قال العراقى فى شرح المهذب: إنه كان معصوما عن نقص الفرائض. انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة. * وقال بعضهم: كان يجب عليه- ﷺ إذا رأى ما يعجبه أن يقول: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» «٢» ثم قال: هذه كلمة صدرت منه- ﷺ فى أنعم حالة، وهو يوم حجه بعرفة، وفى أشد حالة، وهو يوم الخندق، انتهى. * ومنها: أنه- ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحى ، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره فى زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع. * ومنها: أنه كان- ﷺ يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة . ذكره ابن القاص ونقله ابن الملقن فى الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزنى بلفظ: «إنه ليغان على قلبى وإنّى لأستغفر الله فى اليوم

стр. 930

مائة مرة» «١» هذا لفظ مسلم، وقال أبو داود «فى كل يوم» ، قال الشيخ ولى الدين بن العراقى: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله فى رواية النسائى فى عمل اليوم والليلة: إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة، وفى رواية له أيضا: فأستغفر الله. وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلاما برأسه غير متعلق بما قبله، فيكون- ﷺ أخبر بأنه يغان على قلبه، وبأنه يستغفر الله فى اليوم مائة مرة، انتهى. وقال أبو عبيد: أصل الغين فى هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله: من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها. وقال غيره: الغين يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذى يعرض فى الهواء فلا يمنع ضوء الشمس. قال القاضى عياض- بعد حكايته ذلك-: فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان- ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، ومقاومة الولى والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو فى كل هذا فى طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لما كان- ﷺ أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هناك أرفع حاليه، رأى- ﷺ حال فترته عنها، وشغله بسواها غضا على حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبنى على جواز الفترة والغفلات والسهو فى غير طريق البلاغ، انتهى.

стр. 931

وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته- ﷺ إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله- ﷺ : «لست أنسى ولكن أنسى لأسنّ» «١» فهذه ليست فترة وإنما هى لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعى، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها. انتهى. وقيل: الغين شىء يعترى القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعى فى أماليه، وقال: إن والده كان يقرره. وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم. وقيل: هو السكينة التى تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر لما أولاه. وقال شيخ الإسلام ابن العراقى أيضا: هذه الجملة حالية، أخبر- ﷺ أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار فى اليوم مائة مرة، وهى حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودا فى حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالآخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابا بينه وبينها، فينجمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضى عياض، انتهى ومراده قوله فى «الشفاء» : وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله تعالى، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه. قال الشيخ ابن العراقى: وهو عندى كلام حسن جدّا، وتكون الجملة

стр. 932

الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار فى إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذى تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذى نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون «الغين» مما يسعى فى إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله- ﷺ ، وهو الغشاء الذى يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على الغشاء أمرا محمودا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى. وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى كتابه «لطائف المنن» أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى قال: رأيت النبى- ﷺ فى النوم فسألته عن هذا الحديث «إنه ليغان على قلبى» فقال لى: «يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار» «١» . القسم الثانى: ما اختص به- ﷺ مما حرم عليه: * فمنها: تحريم الزكاة عليه ، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال- ﷺ : «إنا لا نأكل الصدقة» «٢» رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له يقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزها مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقى، فى شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه- ﷺ الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبا وإما تنزها، انتهى. والحكمة من ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.

стр. 933

* ومنها: تحريم الزكاة على آله- ﷺ -، وتحريم كون آله عمالا على الزكاة فى الأصح، وكذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم فى الأصح خلافا للمالكية وهو وجه عندنا. * ومنها: أنه يحرم عليه- ﷺ أكل ما له رائحة كريهة ، كثوم وبصل، لتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. والأكل متكئا فى أحد الوجهين فيهما، والأصح فى الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلى الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك. * ومنها: تحريم الكتابة والشعر ، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول إنه- ﷺ كان يحسنهما، والأصل أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «١» . وقال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «٢» . أى ما هو فى طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له. وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما. وهل عدم الشعر خاص به- ﷺ أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم فى قصة الحديبية البحث فى كونه- ﷺ هل كان يحسن الكتابة أو لا. * ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه. * ومنها: المن ليستكثر ، ذكره الرافعى، قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «٣» أى: لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه، بل أعط لربك، واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبى- ﷺ خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئا لمجازاة الدنيا، أى أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله

стр. 934

بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرا وعوضا من الدنيا. * ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس ، قال الله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ «١» أى استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله أَزْواجاً مِنْهُمْ «٢» أى أشكالا وأشباها من الكفار، وهى المزاوجة بين الأشياء، وهى المشاكلة. وعن ابن عباس: أصنافا منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات. * ومنها: خائنة الأعين ، وهى الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل له- ﷺ فى قصة رجل أراد قتله. هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: «ما كان ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» «٣» . ولا يحرم ذلك على غيره إلا فى محظور، قاله الرافعى فيما نقله الحجازى فى مختصر الروضة. * ومنها: نكاح من لم تهاجر ، فى أحد الوجهين: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ «٤» . أى مهورهن، سمى المهر أجرا لأن المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجله لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل له، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية فى قوله: وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ «٥» . يعنى من نساء بنى زهرة اللَّاتِي هاجَرْنَ

стр. 935

مَعَكَ «١» . أى إلى المدينة، قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها فى حال هجرته- ﷺ . وظاهره يدل على أن الهجرة شرط فى التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ: خطبنى- ﷺ فاعتذرت إليه بعذر فعذرنى، ثم أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ «٢» . فلم أكن لأحل له، فإنى لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء «٣» . وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة فى التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. وعن الماوردى قولان: أحدهما أن الهجرة شرط فى إحلال كل النساء له- ﷺ من غريبة وقريبة، والثانى: أنها شرط فى إحلال بنات عمه وبنات عماته المذكورات فى الآية وليس شرطا فى إحلال الأجنبيات، وعنه أيضا: أن المراد بالمهاجرات المسلمات. * ومنها: تحريم إمساك من كرهته ، قاله الحجازى وغيره. * ومنها: نكاح الكتابية ، لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات له فى الآخرة، ومعه فى درجته فى الجنة، ولأنه- ﷺ أشرف من أن يضع ماءه فى رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له. * ومنها: نكاح الأمة المسلمة ، ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرّا، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قاله القاضى حسين، وقال أبو عاصم: تلزم، نقله الحجازى، ولا يشترط فى حقه حينئذ خوف العنت ولا فقد الطول. وأما التسرى بالأمة فالأصح الحل، لأنه- ﷺ استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من زوجاته فى الآخرة،

стр. 936

والثانى: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد أسلمت بعد. * ومنها: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص. القسم الثالث: فيما اختص به- ﷺ من المباحات . * اختص- ﷺ بإباحة المكث فى المسجد جنبا ، قاله صاحب التلخيص. ومنعه القفال، قال النووى: وما قاله فى التلخيص قد يحتج له بقوله- ﷺ فى حديث أبى سعيد الخدرى: «يا على لا يحل لأحد أن يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك» «١» قال الترمذى: حسن غريب. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور. ويجاب بأن الترمذى حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، لكن إذا شاركه- ﷺ على فى ذلك لم يكن من الخصائص. وقد غلّط إمام الحرمين وغيره صاحب التخليص فى الإباحة. واعلم أن معظم المباحات لم يفعلها- ﷺ وإن جازت له. * ومما اختص به أيضا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا ، وفى اللمس وجهان، قال النووى: المذهب الجزم بانتقاضه به. واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبى داود، أن النبى- ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلى ولا يتوضأ «٢» ورواه النسائى أيضا، وقال أبو داود: هو مرسل، إبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة، وقال النسائى: ليس فى هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا. * واختص أيضا بإباحة الصلاة بعد العصر ، فقد فاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر. ثم واظب عليهما، ذكره الحجازى، وبجواز

стр. 937

صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما ذكره فى شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه- ﷺ جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبى حنيفة ومالك. * وبالقبلة فى الصوم ، مع قوة الشهوة، روى البخارى من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله- ﷺ يقبل بعض نسائه وهو صائم، وكان أملككم لإربه) «١» قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم. قال: وفى رواية حماد- عند النسائى- قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله- ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه قال: وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبى- ﷺ بذلك. قاله القرطبى، قال: وهو اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص: ما رواه مالك فى الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم «٢» . * واختص أيضا بإباحة الوصال فى الصوم: كما سيأتى، وقال إمام الحرمين، هو قربة فى حقه- ﷺ . * وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ، ويجب على صاحبهما البذل. ويفدى بمهجته مهجة رسول الله- ﷺ . قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٣» . ولو قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه- ﷺ ، كما وقاه طلحة بنفسه يوم أحد.

стр. 938

وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته ، وسيأتى- إن شاء الله تعالى- فى القسم الرابع حكم غيره- ﷺ . وبجواز الخلوة بهن. قال فى فتح البارى: الذى وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه- ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان فى دخوله- ﷺ عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه «١» ، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى. * ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة ، وكذلك الأنبياء، وفى الزيادة لنبينا- ﷺ على التسع خلاف. * ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ «٢» . وأما من جهته- ﷺ فلابد من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح فى أصل الروضة، وحكاه الرافعى عن ترجيح الشيخ أبى حامد لظاهر قوله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٣» . قال البيضاوى: فى قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً الآية، أى أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا إن اتفق ذلك، ولذلك نكّرها. واختلف فى ذلك والقائل به ذكر أنها ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، قال: وقرئ «أن» بالفتح، أى لأن وهبت، أو مدة أن وهبت، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسا، قال: وقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٤» شرط

стр. 939

للشرط الأول فى استحباب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ «النبى» ﷺ مكررا. ثم الرجوع إليه فى قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «١» . إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله. انتهى. وقال المعافى: وفى معنى «خالصة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن مالك وابن المسيب. والثانى: أن له أن ينكحها بلا ولى ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعى وأحمد، وعن أبى حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره- ﷺ أيضا. * وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له- ﷺ لا يلزمه صداقها. قال النووى: إذا وهبت امرأة نفسها له- ﷺ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر المثل والله أعلم. * وكذا يجوز له النكاح فى حال الإحرام ، قال النووى فى شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه- ﷺ كان له أن يتزوج فى حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا. انتهى. * وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بغير رضى المرأة ، فلو رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها. قال الغزالى: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف

стр. 940

النزول عن أهله، فإنه- ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين» «١» . ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش بنت عمته- ﷺ أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ «٢» . أى بنعمة الإسلام وهى أجل النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبى، وكان من سبى الجاهلية، فملكه رسول الله- ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هى وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ «٣» . الآية وكان الرجل فى الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله تعالى التبنى بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ «٤» . وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله إليه أن زيدا سيطلقها، وأنه- ﷺ يتزوجها، وألقى فى قلب زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول الله- ﷺ فقال إنى أريد أن أفارق صاحبتى قال: «ما لك؟ أرابك منها شىء؟» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم على بشرفها وتؤذينى بلسانها، فقال رسول الله- ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ «٥» ، أى فى أمرها، فلا تطلقها ضرارا وتعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً «٦» . ولم يبق له فيها حاجة، ولما طلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:

стр. 941

زَوَّجْناكَها «١» . والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله- ﷺ : إن الله تولى نكاحى، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وقيل إن زيدا كان السفير للتزويج، وفى ذلك لزيد ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه. وقد علل تعالى تزويجه إياها بقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «٢» . أى فى أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم فى قوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ «٣» . وأما قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ «٤» . فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر فى شىء أباحه له، بأن قال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «٥» . مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروى عن على بن الحسين، وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن العلاء، والقاضى أبى بكر بن العربى وغيرهم. والمراد بقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ «٦» . إنما هو فى إرجاف المنافقين فى تزويج نساء الأبناء، والنبى- ﷺ معصوم فى الحركات والسكنات. ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة. وقيل قوله: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ «٧» . خطاب من الله تعالى، أو من الرسول- ﷺ لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله- ﷺ يريد أن تكون من نسائه.

стр. 942

قال جار الله: وكم من شىء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحى من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح فى العقل ولا فى الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعى ليس بقبيح أيضا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرها عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجنا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل شىء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجرى، فإذا كان الأمر مباحا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. انتهى. * وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بلا ولى وبلا شهود . قال النووى: الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه- ﷺ بلا ولى ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك فى حقه- ﵇، وهذا الخلاف فى غير زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم. قال العلماء: إنما اعتبروا الولى للمحافظة على الكفاءة، وهو- ﷺ فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو- ﷺ لا يجحد ولو جحدت هى لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقى فى شرح المهذب، تكون كافرة بتكذيبه. وكان له- ﷺ تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها، وله إجبار الصغيرة من غير بناته، وزوج ابنة حمزة مع وجود عمها العباس، فيقدم على الأب. وزوجه الله تعالى بزينب، فدخل عليها بتزويج الله من غير عقد من نفسه. وعبر فى الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى. * وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها وقد اختلف فى معناه، فقيل إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده: قوله فى رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسا قال: سبى رسول الله- ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما

стр. 943

أصدقها، قال: نفسها فأعتقها «١» ؛ هكذا أخرجه البخارى فى المغازى. وفى رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس فى حديثه قال: وصارت صفية لرسول الله- ﷺ ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدّا فى أن المجعول مهرا هو نفس العتق. والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى ولو كانت القيامة مجهولة، فإن فى صحة العقد بالشرط المذكور وجها عند الشافعية. وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردى. وقال آخرون: قوله: «أعتقها وتزوجها» معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقا قال: أصدقها نفسها، أى: لم يصدقها شيئا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب الطبرى من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهم: أنه قول أنس قاله ظنّا من قبل نفسه ولم يرفعه. ويعارضه ما أخرجه الطبرانى وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقنى النبى- ﷺ وجعل عتقى صداقى. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ظنه. ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبى- ﷺ دون غيره. ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر فى الحال، ولا فى المال، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووى فى «الروضة» . وممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقى قال: وكذا نقله المزنى عن الشافعى قال: وموضع الخصوصية، أنه

стр. 944

أعتقها مطلقا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره. انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم: الصحيح الذى اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر. * واختلف فى انحصار طلاقه- ﷺ فى الثلاث ، وعلى الحصر، قيل: تحلل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدا. * وفى وجوب نفقة زوجاته وجهان، قال النووى: الصحيح: الوجوب، انتهى. ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخرى من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب. وفى حل الجمع له بين المرأة وخالتها وعمتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح فى حقه كالتسرى فى حقنا. * وكان له- ﷺ أن يصطفى ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية وغيرها. * وأبيح له القتال بمكة والقتل بها ، وجواز دخول مكة بغير إحرام مطلقا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: (دخل رسول الله- ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «١» وذلك من كونه- ﷺ كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر والزهرى ومالك بأنه لم يكن محرما. وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا فقال: يحتمل أن يكون لعذر. انتهى. وتعقبه الشيخ ولى الدين ابن العراقى فقال: هذا يرده تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال فى غير موضع الخلاف المشهور، لأنه- ﷺ كان خائفا من القتال متأهبا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه.

стр. 945

وقد استشكل النووى فى شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعى أن مكة فتحت صلحا خلافا لأبى حنيفة فى قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف. ثم أجاب عنه: بأنه- ﷺ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى. وقد ذكرت ما فى فتح مكة من المباحث فى قصة فتحها من المقصد الأول. ثم إن غيره- ﷺ إذا لم يكن خائفا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففى وجوب الإحرام عليه قولان: أصحهما عند أكثرهم: أنه لا يجب، وقطع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب. وقال الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات، وأوجبه المالكية فى المشهور عندهم على غير ذوى الحاجات المتكررة، وأوجبه الحنفية مطلقا إلا من كان داخل الميقات. وقد تحرر أن المشهور من مذهب الشافعى: عدم الوجوب مطلقا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى. * ومن خصائصه- ﷺ أنه كان يقضى بعلمه من غير خلاف . وأن يقضى لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده. ولا تكره له الفتوى والقضاء فى حال الغضب، كما ذكره النووى فى شرح مسلم، وقد قضى للزبير بشراج الحرة «١» بعد أن أغضبه خصم الزبير. لعصمته- ﷺ ، فلا يقول فى الغضب إلا كما يقول فى الرضى. * وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة ، وليس لنا أن نصلى إلا على نبى أو ملك. * وكان له أن يقتل بعد الأمان . وأن يلعن من شاء بغير سبب: واستبعد ذلك. * وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه- ﷺ

стр. 946

بذلك «١» . قاله ابن القاص، وردوه عليه، حكاه الحجازى فى مختصر الروضة عن نقل الرافعى. * وكان يقطع الأراضى قبل فتحها ، لأن الله ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالى بكفر من عارض أولاد تميم الدارى فيما أقطعهم. وقال: إنه- ﷺ كان يقطع أرض الجنة فأرض الدنيا أولى. القسم الرابع: فيما اختص به- ﷺ من الفضائل والكرامات . * منها: أنه أول النبيين خلقا «٢» ، كما تقرر فى أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيّا وآدم بين الروح والجسد، رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. * ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق كما مر. * ومنها: أنه أول من قال: «بلى» يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ رواه أبو سهل القطان فى جزء من أماليه. * ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله «٣» ، رواه البيهقى وغيره. * ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش ، وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها «٤» . رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار.

стр. 947

* ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن بعده، أن يؤمنوا به وينصروه ، قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ «١» . قال على بن أبى طالب: لم يبعث الله نبيّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد- ﷺ لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه. * ومنها: أنه وقع التبشير به فى الكتب السالفة كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. * ومنها: أنه لم يقع فى نسبه من لدن آدم سفاح «٢» . رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل. * ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده رواه الخرائطى- فى الهواتف- وغيره. * ومنها: أنه ولد مختونا مقطوع السرة ، رواه الطبرانى، وتقدم ما فيه من البحث فى أول الكتاب. * ومنها: أنه خرج نظيفا ، ما به قذر، رواه ابن سعد. * ومنها: أنه وقع إلى الأرض ساجدا رافعا أصبعيه كالمتضرع المبتهل . رواه أبو نعيم من حديث ابن عباس. ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات الأنبياء. رواه الإمام أحمد، وكان مهده- ﷺ يتحرك بتحريك الملائكة، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص، وكان القمر يحدثه وهو فى مهده، ويميل حيث أشار إليه، رواه ابن طغر بك فى «النطق المفهوم» وغيره. وتكلم فى المهد، رواه الواقدى وابن سبع، وظللته الغمامة فى الحر، رواه أبو نعيم والبيهقى، ومال إليه فىء الشجرة إذ سبق إليه، رواه البيهقى.

стр. 948

* ومنها: شق صدره الشريف «١» . رواه مسلم وغيره. * وغطه جبريل عند ابتداء الوحى ثلاث غطات . عدّ هذه بعضهم من خصائصه- ﷺ كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحى. * ومنها: أن الله تعالى ذكره فى القرآن عضوا عضوا ، فقلبه بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٢» . وقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ «٣» ، ولسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٤» ، وقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ* «٥» . وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٦» ، ووجهه بقوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ «٧» ، ويده وعنقه بقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ «٨» ، وظهره وصدره بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ

стр. 949

صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «١» . واشتق اسمه من اسم الله «المحمود» ويشهد له ما أخرجه البخارى فى تاريخه الصغير من طريق على بن زيد، قال: كان أبو طالب يقول: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد وهو مشهور لحسان بن ثابت. وسمى أحمد، ولم يسم به أحد قبله «٢» . رواه مسلم. ولأحمد من حديث على: أعطيت أربعا لم يعطهن أحد قبلى فذكر منها: وسميت أحمد «٣» . * ومنها أنه- ﷺ كان يبيت جائعا، ويصبح طاعما يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، كما سيأتى البحث فيه- إن شاء الله تعالى- فى صيامه- ﷺ من مقصد عباداته. * وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه «٤» ، رواه مسلم. ويرى فى الليل وفى الظلمة كما يرى بالنهار والضوء «٥» . رواه البيهقى. * وكانت ريقه يعذب الماء الملح ، رواه أبو نعيم. ويجزى الرضيع، رواه البيهقى. * ومنها: أنه- ﷺ كان إذا مشى فى الصخر غاصت قدماه فيه ، كما هو مشهور قديما وحديثا على الألسنة «٦» ، ونطق به الشعراء فى منظومهم، والبلغاء فى منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمى الخليل إبراهيم- ﵇ فى حجر المقام المنوه به فى التنزيل فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ

стр. 950

إِبْراهِيمَ «١» . وهو البالغ تعيينه- وأنه أثره- مبلغ التواتر، القائل فيه أبو طالب: وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل وبما فى البخارى من حديث أبى هريرة مرفوعا من معجزة تأثير ضرب موسى فى الحجر ستّا أو سبعا إذ فرّ بثوبه لما اغتسل «٢» . إذ ما خص نبى بشىء من المعجزات والكرامات إلا ولنبينا- ﷺ مثله، كما نصوا عليه، مع ما يؤيد ذلك: وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة- على ما قيل- فى مسجد بطيبة، حتى عرف المسجد بها، بحيث يقال له مسجد البغلة، وما ذاك إلا من سره السارى فيها ليكون ذلك أقوى فى الآية. وأوضح فى الدلالة على إيتائه- ﷺ هذه الآية التى أوتيها الخليل فى حجر المقام على وجه أعلى منه. بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازى فى المغانم المطابة بعد ذكره لأثر البغلة ومسجدها: وفى غربى هذا المسجد أثر كأنه أثر مرفق يذكر أنه- ﷺ اتكأ عليه ووضع مرفقه عليه، وعلى حجر آخر أثر الأصابع، والناس يتبركون بهما. وقال السيد نور الدين السمهودى فى كتاب «وفاء الوفا» بعد إيراد ذلك: قلت ولم أقف فى ذلك على أصل إلا أن ابن النجار قال فى المساجد التى أدركها خرابا بالمدينة ما لفظه: ومسجدان قرب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة، والثانى يعرف بمسجد البغلة، فيه إسطوان واحد، وهو خراب، وحوله نشز من الحجارة، فيه أثر يقولون إنه أثر حافر بغلة النبى- ﷺ ، وانتهى. * وكان إبطه- ﷺ لا شعر عليه ، قاله القرطبى، وكان أبيض غير متغير اللون، كما ذكره الطبرى وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية،
следующие страницы →