أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التى منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء، أو لا، فإن كان الثانى فقد سقط البحث معه، فإنه مكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة فى أشياء فى العالمين العلوى والسفلى عديدة مع التصديق بذلك «١» .
وقال الشيخ ابن أبى المنصور فى رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس القسطلانى دخل مرة على النبى- ﷺ فقال النبى- ﷺ : «أخذ الله بيدك يا أحمد» . وعن الشيخ أبى السعود قال: وكنت أزور شيخنا أبا العباس وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح على، لم يكن لى شيخ إلا النبى- ﷺ ، وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة.
وقال الشيخ أبو العباس الحراز: دخلت على النبى- ﷺ مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخى محمد معهم منشورا، فقلت: يا رسول الله، ما تكتب لى كأخى؟ قال: «أتريد أن تكون فمهارا» وهذه لغة أندلسية، تعنى طريقا، وفهم عنه أن له مقاما غير هذا.
وقال حجة الإسلام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال» : وهم- يعنى
стр. 982
أرباب القلوب- فى يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد. انتهى.
ورأيت فى كتاب المنح الإلهية فى مناقب السادة الوفائية عن سيدى على ابن سيدى محمد وفا أنه قال فى بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يوما فرأيت إنسانا يقرأ عليه سورة الضُّحى «١» وصحبته رفيق له وهو يلوى شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابا، فرأيت النبى- ﷺ يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص على فقال لى: اقرأ فقرأت عليه سورة وَالضُّحى وأَ لَمْ نَشْرَحْ ثم غاب عنى، فلما بلغت إحدى وعشرين أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبى- ﷺ قبالة وجهى فعانقنى فقال لى: وأما بنعمة ربك فحدث، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت. انتهى.
وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى «لطائف المنن» عن الشيخ أبى العباس المرسى، أنه كان مع الشيخ أبى الحسن الشاذلى بالقيروان فى ليلة الجمعة سابع عشرى رمضان، فذهب معه إلى الجامع.. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله- ﷺ وهو يقول: «يا على طهر ثيابك من الدنس تحط بمدد الله فى كل نفس إلخ» ، فيحتمل أن يكون مناما.
وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلانى: كنت أقرأ على أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبى بالمدينة النبوية، فجئته يوما فى وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن فخرج إلى وقال لى: من أدبك بهذا الأدب؟
وعاب على، قال: فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد وقعدت عند قبر النبى- ﷺ ، فبينا أنا جالس على تلك الحال، فإذا بالشيخ قد جاءنى وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد.
ونحوه: ما حكاه السهروردى فى «عوارف المعارف» عن الشيخ
стр. 983
عبد القادر الكيلانى أنه قال: ما تزوجت حتى قال لى رسول الله- ﷺ :
«تزوج» «١» .
وحكى عن السيد نور الدين الإيجى، والد السيد عفيف الدين، أنه فى بعض زياراته للنبى- ﷺ سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف:
عليك السلام يا ولدى.
وقال البدر حسن بن الأهدل فى مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قويّا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له شبهة فيه، ولكن يقع لهم ذلك فى بعض غيبة حسّ وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة.
ومراتبهم فى الرؤية متفاوتة، وكثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به. وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى مناما، أو فى غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا ونورا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز فى هذا الباب.
وبالجملة:
فالقول برؤيته- ﷺ بعد موته بعين الرأس فى اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه- ﷺ من قبره، ومشيه فى الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده المقدس، فلا يبقى منه فيه شىء، وبحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب. أشار إلى ذلك القرطبى فى الرد القائل: بأن الرائى له فى المنام راء حقيقة، ثم يراه كذلك فى اليقظة.
قال: وهذه جهالات لا يقول بشىء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شىء من ذلك مختل مخبول. وقال: القاضى أبو بكر بن العربى: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعينى الرأس حقيقة. وقال فى
стр. 984
فتح البارى- بعد أن ذكر كلام ابن أبى جمرة-: وهذا مشكل جدّا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة.
وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية شعر:
فمن يدعى فى هذه الدار أنه ... يرى المصطفى حقّا فقد فاه مشتطا
ولكن بين النوم واليقظة التى ... يباشر هذا الأمر مرتبة وسطا
وقد جعل القاضى أبو بكر بن العربى القول بأن الرؤية فى المنام بعينى الرأس غلو وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين فى القلب، وأنه ضرب من المجاز انتهى.
فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون بشىء مما يقع لهم من الكرامات، فضلا عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعى فى التخلص من الكدورات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أنه يخرج من أهله وماله، وأنه يرى النبى- ﷺ ، كالشيخ عبد القادر الكيلانى: أن يتمثل صورته- ﷺ فى خاطره، ويتصور فى عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإن تزلزل أو اضطراب كان لمة من الشيطان، وليس ذلك خادشا فى علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء.
فقد قال العلامة التاج ابن السبكى فى جمع الجوامع- تبعا لغيره-: وإن الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، وحينئذ فمن قال- ممن حكينا عنه أو غيرهم- بأن المرئى هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب منه قوله- ﷺ : «إنى رأيت الجنة والنار» «١» مع مزيد استبعاده هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
стр. 985
ويحكى عن الشيخ أبى العباس المرسى أنه قال: لو حجب عنى رسول الله- ﷺ طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين.
وعلى هذا فيكون معنى «فسيرانى فى اليقظة» أى يتصور مشاهدتى وتنزل نفسه حاضرا معى بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته- ﷺ بل يسلك منهاجه ويمشى على شريعته وطريقته. ومنه قوله- ﷺ فى الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه» «١» ويحمل العموم فى «من رآنى» على الموفقين، وإليه يشير قول بعض المعتمدين: أى من رآنى رؤية معظم لحرمتى ومشتاق لمشاهدتى وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
وقريب منه قول شارح المصابيح: أو يراه فى الدنيا حالة الذوق والانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه فى حالة الذوق والشوق، وقد قال الأهدل عقب الحكاية عن الشيخ أبى العباس المرسى: وهذا فيه تجوز يقع مثله فى كلام الشيوخ، وذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة ونسيان لدوام المراقبة واستحضارها فى الأعمال والأقوال، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، والله أعلم. انتهى.
ومما اختص به- ﷺ أن التسمى باسمه ميمون ونافع فى الدنيا والآخرة.
روينا عن أنس بن مالك أن رسول الله- ﷺ قال: «يوقف عبدان بين يدى الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بما استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإنى آليت على نفسى أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» «٢» .
стр. 986
وروى أبو نعيم عن نبيط بن شريط قال: قال رسول الله- ﷺ قال الله تعالى: «وعزتى وجلالى، لا عذبت أحدا تسمى باسمك فى النار» «١» .
وعن على بن أبى طالب قال: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين، رواه أبو منصور الديلمى. وليس لأحد أن يتكنى بكنيته «أبى القاسم» سواء كان اسمه محمد أم لا، ومنهم: من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوز الإفراد، ويشبه أن يكون هو الأصح. قال النووى فى هذه المسألة مذاهب: الشافعى منع مطلقا، وجوزه مالك، والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدا، ومن جوز مطلقا خص النهى بحياته، وهو الأقرب. انتهى.
ومنها أنه يستحب الغسل لقراءة حديثه والتطيب، ولا ترفع عنده الأصوات، بل تخفض، كما فى حياته إذا تكلم، فإن كلامه المأثور بعد موته فى الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه الشريف، وأن يقرأ على مكان مرتفع.
روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا مالكا- ﵀ خرجت إليهم الجارية فتقول: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم فى الوقت، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم ولبس ساجه، - والساج: الطيلسان- وتلقى له منصة فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله- ﷺ ، ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث.
قال ابن أبى أويس: فقيل له فى ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله- ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا. ويقال: إنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب. وقد كره قتادة ومالك وجماعة التحديث على
стр. 987
غير طهارة، حتى كان الأعمش إذا كان على غيرها تيمم. ولا شك أن حرمته- ﷺ وتعظيمه وتوقيره بعد مماته وعند ذكره، وذكر حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كان فى حياته والله أعلم.
ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد ،
قال ابن الحاج فى «المدخل» : لأنه قلة أدب مع النبى- ﷺ وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعة، وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون وإن أصابهم الضر فى أبدانهم ويتحملون المشقة التى تنزل بهم إذ ذاك احتراما لحديث نبيهم- ﷺ .
وحسبك ما وقع لمالك- ﵀ فى لسع العقرب سبع عشرة مرة، وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيرا لجناب حديثه- ﷺ أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل للبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغى من الكلام المعتاد. انتهى ملخصا.
ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة ،
وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ، وأمراء المؤمنين من بين سائر العلماء.
ومنها: أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به- ﷺ لحظة ،
بخلاف التابعى مع الصحابى، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عظم منصب النبوة ونورها، فبمجرد ما يقع بصره على الأعرابى الجلف ينطق بالحكمة.
ومنها: أن أصحابه كلهم عدول ،
لظواهر الكتاب والسنة، فلا يبحث عن عدالة أحد منهم، كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله تعالى خطابا للموجودين حينئذ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» أى عدولا، وقال- ﷺ : «لا تسبوا أصحابى، فو الذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد
стр. 988
ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» ، وقال- ﷺ : «خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «٢» فى آيات كثيرة وأحاديث تقتضى القول بتعديلهم.
ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء فى التعديل من لابس الفتنة منهم وغيره، لوجوب حسن الظن بهم، حملا للملابس على الاجتهاد، ونظرا إلى ما تمهد لهم من الماثر، من امتثال أوامره- ﷺ ، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التى لم تكن فى أمة من الأمم المتقدمة، ولا تكون لأحد بعدهم مثلهم فى ذلك. كل ذلك بحلول نظره- ﷺ .
وأفضلهم عند أهل السنة إجماعا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما:
فالجمهور على أنه عثمان ثم على. وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى المقصد السابع.
ومنها أن المصلى يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبى
، ولا يخاطب غيره.
ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو فى الصلاة أن يجيبه ،
ويشهد له حديث أبى سعيد بن المعلى: كنت أصلى فى المسجد، فدعانى رسول الله- ﷺ : فلم أجبه.. الحديث، وفيه: ألم يقل الله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ «٣» «٤» ، فإجابته فرض، يعصى المرء بتركها.
стр. 989
وهل تبطل صلاته أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم:
أنها لا تبطل، وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقا، سواء كان المخاطب مصليا أو غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس فى الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره
، ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدا وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلا كذب على النبى- ﷺ ، فبعث عليّا والزبير وقال: «اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه» «١» . ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على رسول الله- ﷺ يكفر. لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله. وقال النووى: لم أر له فى أصل المسألة دليلا، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه- ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة.
ثم قال: وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية. والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة.
قال: فهذا هو الجارى على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، قال: وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية فى هذا.
قال شيخنا: ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه فى وضع حديث وحمل
стр. 990
عنه ودوّن أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدا، فإن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرا وإن وجد مجرد اسمها.
ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها
، عمدها وسهوها وكذلك الأنبياء.
ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون
لأنه نقص، ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد فى تعليقه، وجزم به البلقينى فى حواشى الروضة، وكذلك الأنبياء. ونبه السبكى على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة دون القلب، لأنه قد ورد أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذى هو أخف من الإغماء، فمن الإغماء بطريق الأولى. قال السبكى: ولا يجوز عليهم العمى، لأنه نقص، ولم يعم نبى قط. وأما ما ذكر عن شعيب أنه كان ضريرا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت، انتهى.
قال الرازى: فى قوله تعالى وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ «١» لما قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «٢» غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء فى العين، فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقوله:
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ «٣» كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول: أن تأثير الحزن فى غلبة البكاء لا فى حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى.
ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمى بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرا فى هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكا ضعيفا، فلما ألقوا القميص على
стр. 991
وجهه وبشر بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوى بصره وزال النقصان عنه. انتهى. ومنها أن من سبه- ﷺ أو انتقصه قتل.
واختلف هل يتحتم قتله فى الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل الاستتابة واجبة أم لا؟ فمذهب المالكية: يقتل حدّا لا ردة: ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعى سهوا أو غلطا، وعبارة شيخهم العلامة خليل فى مختصره: «وإن سبب نبيّا أو ملكا، [أو] عرض أو لعنه، أو عابه أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غيّر صفته، أو ألحق به نقصا وإن فى [بدنه] أو خصلته أو غص من مرتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له: بحق رسول الله، فلعن وقال أردت العقرب قتل- ولم يستتب- حدّا، إلا أن يسلم الكافر، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور» .
وهذا ذكره القاضى عياض فى الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً «١» ، واللعنة من الله هى إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله فى وبيل عقوبته، قال القاضى عياض: وإنما يستوجب اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل.
والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررا، كذا قاله الخطابى وغيره. وإطلاق الأذى فى حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة فيه. ويشهد لذلك الحديث الإلهى (يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى) «٢» وهذا بخلاف جانب الرسول- ﷺ .
стр. 992
فالأذى فى حقه تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك العذاب الأليم.
وقال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ «١» قال القاضى عياض: قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم فى رسول الله- ﷺ .
وأما السنة فروى أبو داود والترمذى: أن رسول الله- ﷺ قال: «من لنا بابن الأشرف» وفى أخرى: «من لكعب بن الأشرف» أى من ينتدب لقتله «فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا» وفى رواية: «فإنه يؤذى الله ورسوله» «٢» .
قال القاضى عياض: ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلل بأذاه له فدل على أن قتله إياه لغير الإشراك بل للأذى.
وفى حديث مصعب بن سعد عند أبى داود: لما كان يوم الفتح أمّن- ﷺ الناس، إلا أربعة نفر فذكرهم ثم قال: «وأما ابن سرح» فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله- ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله- ﷺ فقال: يا نبى الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك وهو يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: «ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدى عن بيعته فيقتله» فقالوا: ما ندرى يا رسول الله ما فى نفسك، ألا أو مأت إلينا؟ قال:
«إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» «٣» .
стр. 993
وفيه: أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل، لأن ابن خطل كان يقول الشعر يهجو به النبى- ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وكذلك قتل جاريتيه «١» .
قالوا: فقد ثبت أنه أمر بقتل من آذاه، ومن تنقّصه، والحق له- ﷺ وهو مخير فيه، فاختار القتل لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه- ﷺ ، فإنه لم يرد عنه الإذن فى ذلك.
وأما الإجماع: فقال القاضى عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبى- ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعى، وقال الخطابى: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبى- ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك فى كفره وعذابه كفر. انتهى.
ومذهب الشافعية: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعا لا نزاع فى ذلك عند الجمهور من أئمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وفى الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترما بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة، فينبغى إزالتها، وقيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا بالأول فتجب فى الحال ولم يؤجل كغيره. وفى الصحيح حديث «من بدل دينه فاقتلوه» «٢» وفى قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر- رجلا كان أو امرأة- قتل، وإن أسلم صح إسلامه وترك لقوله تعالى:
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ «٣» الآية.
стр. 994
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب رسول الله- ﷺ وهى ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، وأيما معاهد سب الله أو سب أحدا من أنبيائه فقد نقض العهد فاقتلوه. «وأجيب» عما تقدم من أدلة المالكية.
فأما قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» الآية فليس فيه إلا كفر مؤذيه- ﷺ ، وأما كونه يقتل بعد التوبة والإسلام فلا دلالة فيه أصلا، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنه اتخذ الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة- وقلنا بكفره بها- وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضح. وكذلك قتل جاريتيه لأنهما جعلتا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر.
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبى معيط نادى: يا معشر قريش ما لى أقتل من بينكم صبرا. فقال له النبى- ﷺ : «بكفرك وافترائك على رسول الله» «٢» فذكر له سببين فى تحتم قتله، وهذا فى غاية الظهور. وأما قول الخطابى وغيره: «لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما» فمحمول على التقييد بعدم التوبة.
وأما سياق القاضى عياض لقصة الرجل الذى كذب على رسول الله- ﷺ ، وأنه بعث عليّا والزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضا فى هذا المقام، لأن الظاهر أن هذا كذب، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كافرا، فيكون من محاربى الله ورسوله، مع السعى فى الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، وإلا فليس مطلق الكذب عليه مما يوجب القتل.
وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبى- ﷺ ، فقال: «من لى بها» فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها
стр. 995
فأخبر النبى- ﷺ بذلك فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» «١» أى لا يجرى فيها خلف ولا نزاع، فإن فى هذه الحكاية ونظائرها نظرا واضحا لقيام الكفر بالمحكى عنهم والزيادة منهم، وقد أخبر- ﷺ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له فى مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. هذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين.
وأما ذكر كافر أصلى بلغته دعوة النبى- ﷺ وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع فى إهدار دمه قطعا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، وتؤذى النبى- ﷺ وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا.
فقد تبين مما ساقه القاضى عياض أن أمره- ﷺ بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة، ولم ينقل أنه- ﷺ قتل مسلما بسببه، وإنما كان ذلك فى أهل الكفر والعناد، فلو نقل فلا يتعين كونه حدّا، لاحتمال أن يكون قتله كفرا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» فأعلمنا أن ما وراء الشرك فى حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «٣» «٤» .
فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا فى حق النبى- ﷺ وليس لنا أن نسقطه لأنه لم يرد إذنه فى ذلك بخلافه هو- ﷺ فإن له ذلك.
стр. 996
فالجواب: لابد لنا من نص على ذلك منه- ﷺ ، كأن يقول مثلا:
من سبنى فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعا عن سبه، فإن نقل اتبعناه، ثم إنه من جهة النظر ينبغى إلحاق حقوق رسول الله- ﷺ بحقوق الله، فكما أن حقوقه تعالى مبناها على المسامحة، كذلك حقوقه- ﷺ ، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى.
ومما عد من خصائصه أنه إذا قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه حكاه النووى فى زيادة الروضة عن جماعة من الأصحاب.
* ومن خصائصه- ﷺ أنه كان- ﷺ يخص من شاء بما شاء من الأحكام .
كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين. روى أبو داود عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عمه وكان من أصحاب رسول الله- ﷺ أن النبى- ﷺ ابتاع من أعرابى فرسا، فاستتبعه ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبى- ﷺ المشى، وأبطأ الأعرابى، فطفق رجال يعترضون الأعرابى يساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن رسول الله- ﷺ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه..
الحديث فطفق الأعرابى يقول هلم شهيدا يشهد أنى قد بعتك، فمن جاء من المسلمين يقول ويلك، إن النبى- ﷺ لم يكن ليقول إلا الحق، حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع المراجعة فقال: أنا أشهد، أنك قد بايعته ...
الحديث. وفيه، قال: فجعل النبى- ﷺ شهادة خزيمة برجلين «١» . وفى البخارى من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذى جعل رسول الله- ﷺ شهادته بشهادتين «٢» .
стр. 997
وعند الحارث بن أبى أسامة فى مسنده من حديث النعمان بن بشير أن رسول الله- ﷺ اشترى من أعرابى فرسا، فجحده الأعرابى، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابى أنا أشهد عليك أنك بعته، فقال الأعرابى إذ شهد خزيمة فأعطنى الثمن، فقال رسول الله- ﷺ : «يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد؟» قال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدقك على خبر ذا الأعرابى؟! فجعل رسول الله- ﷺ يقول: «شهادته بشهادة رجلين» فلم يكن فى الإسلام من تعدل شهادته شهادة رجلين غير خزيمة.
قال الخطابى: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شىء ادعاه، وإنما وجه الحديث أنه- ﷺ حكم على الأعرابى بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله، والاستظهار على خصمه، فصار فى التقدير بشهادة اثنين فى غيرها من القضايا، انتهى.
ومن ذلك ترخيصه فى النياحة لأم عطية، روى مسلم عنها «قالت: لما نزلت هذه الآية يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ... وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ «١» قالت: كان منه النياحة، فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدونى فى الجاهلية، فلا بد لى من أن أسعدهم، فقال: «إلا آل فلان» «٢» قال النووى: هذا محمول على الترخيص لأم عطية فى آل فلان خاصة، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء.
ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبى طالب، قال لى رسول الله- ﷺ : «تسلبى ثلاثا ثم اصنعى ما شئت» «٣» .
стр. 998
ومن ذلك: الأضحية بالعناق «١» لأبى بردة بن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله- ﷺ يوم النحر فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب السنة، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم» ، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلى وجيرانى، فقال رسول الله- ﷺ : «تلك شاة لحم» ، قال:
فإن عندى عناقا جذعة هى خير من شاتى لحم فهل تجزى عنى؟ قال: «نعم ولن تجزى عن أحد بعدك» «٢» .
و «نيار» بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء. وقوله «تجزى» بفتح أوله غير مهموز، أى تقضى. و «الجذع» بالجيم والذال المعجمة. وفى هذا الحديث تخصيص أبى بردة بإجزاء الجذع من المعز فى الأضحية. ولكن وقع فى عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبى بردة، ففى حديث عقبة ابن عامر «٣» - عند البيهقى-: ولا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقى: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبى بردة.
قال الحافظ ابن حجر: وفى هذا الجمع نظر، لأن فى كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثانى، ويحتمل أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثانى، ولا مانع من ذلك، لأنه لم يقع فى السياق استمرار المنع لغيره صريحا.
وفى كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة اربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التى وردت فى ذلك ليس فيها
стр. 999
التصريح بالنفى إلا فى قضية أبى بردة فى الصحيح، وفى قصة عقبة بن عامر عند البيهقى، وأما ما عدا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبى- ﷺ أعطاه عتودا جذعا، فقال: «ضح به» ، فقلت إنه جذع أفأضحى به؟ قال: «ضح به» «١» وفى الأوسط للطبرانى من حديث ابن عباس أنه- ﷺ أعطى سعد بن أبى وقاص جذعا من المعز فأمره أن يضحى به. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة «٢» ، وفى سنده ضعف.
فلا منافاة بين ذلك وحديثى أبى بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك فى ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزى، واختص أبو بردة، وعقبة بالرخصة فى ذلك. وإن تعذر الجمع بين حديث أبى بردة وحديث عقبة، فحديث أبى بردة أصح مخرجا. وإن كان حديث عقبة عند البيهقى من مخرج الصحيح والله أعلم.
ومن ذلك: إنكاح ذلك الرجل بما معه من القرآن «٣» ، فيما ذكره جماعة، وورد به حديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور عن أبى النعمان الأزدى، قال: زوج رسول الله- ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: «لا يكون لأحد بعدك مهرا» «٤» .
* ومنها أنه كان يوعك كما يوعك رجلان
«٥» لمضاعفة الأجر.
стр. 1000
* ومنها أن جبريل أرسل إليه ثلاثا فى مرضه
يسأله عن حاله، ذكره البيهقى وغيره.
* ومنها: أنه صلى عليه الناس أفواجا أفواجا بغير إمام
، وبغير دعاء الجنازة المعروف ذكره البيهقى وابن سعد وغيرهما، وترك بلا دفن ثلاثة أيام كما سيأتى، وفرش له فى لحده- ﷺ قطيفة «١» ، والأمران مكروهان فى حقنا، وأظلمت الأرض بعد موته كما سيأتى.
* ومنها: أنه لا يبلى جسده ،
وكذلك الأنبياء «٢» ، رواه أبو داود وابن ماجه.
* ومنها: أنه لا يورث
«٣» ، فقيل لبقائه على ملكه، وقيل لمصيره صدقة، وبه قطع الرويانى، ثم حكى وجهين فى أنه هل يصير وقفا على ورثته؟ وأنه إذا صار وقفا هل هو الواقف؟ وجهان:
قال النووى فى زيادات الروضة: الصواب الجزم بزوال ملكه، وأن ما تركه صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة. انتهى.
وقال فى الشرح الصغير: المشهور أنه صدقة.
وذكر الرافعى فى قسم الفىء أن الخمس كان له- ﷺ ينفق منه على نفسه ومصالحه، ولم يكن يملكه ولا ينتقل إلى ورثته. وقال فى باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما: بأن لجهة الإنفاق مادتين: مملوكة وغير مملوكة، والخلاف جار فى إحداهما. انتهى والله أعلم.
стр. 1001
وعلى هذا، فيباح له أن يوصى بجميع ماله للفقراء، ويمضى ذلك بعد موته بخلاف غيره فإنه لا يمضى مما أوصى به إلا الثلث بعد موته.
وكذلك الأنبياء لا يورثون، لما رواه النسائى من حديث الزبير مرفوعا:
«إنا معاشر الأنبياء لا نورث» «١» وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ «٢» . وقوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي «٣» . بأن المراد إرث النبوة والعلم.
* ومنها: أنه حى فى قبره ،
ويصلى فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه.
وقد حكى ابن زبالة «٤» ، وابن النجار أن الأذان ترك فى أيام الحرة «٥» ثلاثة أيام وخرج الناس، وسعيد بن المسيب فى المسجد، قال سعيد:
فاستوحشت فدنوت إلى القبر فلما حضرت الظهر سمعت الأذان فى القبر فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة فى القبر لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، ورجع الناس وعاد المؤذنون فسمعت أذانهم كما سمعت الأذان فى قبر النبى- ﷺ ، انتهى.
وقد ثبت أن الأنبياء يحجون ويلبون. فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات فى الدار الآخرة، وليست دار عمل؟
فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم
стр. 1002
يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا، أو نقول: إن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا فى استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع فى الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها، ولهذا ورد أنهم يسبحون ويقرؤن القرآن، ومن هذا سجود النبى- ﷺ وقت الشفاعة.
وقد قال صاحب «التلخيص» : إن ماله- ﷺ بعد موته قائم على نفقته وملكه، وعده من خصائصه. ونقل إمام الحرمين عنه أن ما خلفه بقى على ما كان فى حياته، فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملك النبى- ﷺ . فإن الأنبياء أحياء، وهذا يقتضى إثبات الحياة فى أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد.
والذى صرح به النووى: زوال ملكه- ﷺ وأن ما تركه صدقة على جميع المسلمين لا يختص به ورثته. فإن قلت: القرآن ناطق بموته- ﷺ ، قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» وقال- ﷺ : «إنى امرؤ مقبوض» «٢» وقال الصديق: فإن محمدا قد مات، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك.
فأجاب الشيخ تقى الدين السبكى، بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه- ﷺ أحيى بعد الموت، ويكون انتقال الملك ونحوه مشروطا بالموت المستمر، وإلا فالحياة الثانية حياة أخروية، ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء، وهى ثابتة للروح بلا إشكال، وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الروح إلى الجسد ثابت فى الصحيح لسائر الموتى فضلا عن الشهداء، فضلا عن الأنبياء، وإنما النظر فى استمرارها فى البدن، وفى أن البدن يصير حيّا كحالته فى الدنيا، أو حيّا بدونها، وهى حيث شاء الله تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادى لا عقلى، فهذا مما يجوزه العقل، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء.
стр. 1003
ويشهد له: صلاة موسى فى قبره «١» ، فإن الصلاة تستدعى جسدا حيّا، وكذلك الصفات المذكورة فى الأنبياء ليلة الإسراء، كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون الأبدان معها كما كانت فى الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام التى نشاهدها بل يكون لها حكم آخر، فليس فى العقل ما يمنع إثبات الحياة الحقيقية لهم.
وما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم بل ولسائر الموتى، حكاه الشيخ زين الدين المراغى، وقال: إنه مما يعز وجوده وفى مثله فليتنافس المتنافسون.
* ومنها: أنه وكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه .
رواه أحمد والنسائى والحاكم وصححه بلفظ «إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى السلام» «٢» وعند الأصبهانى عن عمارة، «إن لله ملكا أعطاه الله سمع العباد كلهم، فما من أحد يصلى على إلا أبلغنيها» «٣» .
وتعرض أعمال أمته عليه، ويستغفر لهم، روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب «٤» «ليس من يوم إلا وتعرض على النبى- ﷺ أعمال أمته غدوة وعشيّا فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم» .
* ومنها: أن منبره- ﷺ على حوضه
«٥» كما فى الحديث وفى
стр. 1004
رواية: «ومنبرى على ترعة من ترع الجنة» وأصل الترعة الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كان فى المطمئن فهى روضة. ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق محسوس موجود، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها، وكل ما أخبر به الصادق- ﷺ من أمور الغيب فالإيمان به واجب.
* ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة ،
رواه البخارى بلفظ «ما بين بيتى ومنبرى» وهذا يحتمل الحقيقة والمجاز.
أما الحقيقة: فبأن يكون ما أخبر عنه- ﷺ بأنه من الجنة مقتطعا منها، كما أن الحجر الأسود منها «١» ، وكذلك النيل والفرات من الجنة «٢» ، وكذلك الثمار الهندية من الورق التى هبط بها آدم- ﵇ من الجنة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون فى هذه الدار من مياه الجنة، ومن ترابها، ومن حجرها، ومن فواكهها، حكمة حكيم جليل.
وأما المجاز: فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن ملازمة ذلك المكان للصلاة والعبادة سبب فى نيل الجنة، قاله ابن أبى جمرة، وهو معنى قول بعضهم: لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة. وهذا فيه نظر: إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها.
وفى كتاب «بهجة النفوس» لابن أبى جمرة أيضا حكاية قول: أن تلك البقعة تنقل بعينها فتكون من الجنة، يعنى روضة من رياضها. قال: والأظهر الجمع بين الوجهين مما يعنى احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة فى الجنة، ويأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى فضل الزيارة من المقصد الأخير- إن شاء الله تعالى-.
стр. 1005
* ومنها: أنه- ﷺ أول من ينشق عنه القبر .
وفى رواية مسلم «أنا أول من تنشق عنه الأرض» «١» .
وهو أول من يفيق من الصعقة، قال- ﷺ : «أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقة الطور» «٢» رواه البخارى. والظاهر أنه- ﷺ لم يكن عنده علم بذلك حتى أعلمه الله تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه- ﷺ أول من ينشق عنه القبر. وهو أول من يجوز على الصراط «٣» ، رواه البخارى من حديث أبى هريرة. وأنه يحشر فى سبعين ألفا من الملائكة، كما روى عن كعب الأحبار: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك يحفون بقبره- ﷺ يضربون بأجنحتهم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج فى سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه- ﷺ «٤» . الحديث رواه ابن النجار فى تاريخ المدينة. وأنه يحشر راكب البراق، رواه الحافظ السلفى، كما ذكره الطبرى.
ويكسى فى الموقف أعظم الحلل من الجنة. رواه البيهقى بلفظ: «فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر» «٥» ، ورواه كعب بن مالك بلفظ: «يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتى على تل، ويكسونى ربى حلة خضراء» «٦»
стр. 1006
رواه البخارى، وهو عند ابن أبى شيبة بلفظ: «يحشر الناس على تل، وأمتى على تل» وعند الطبرانى أيضا حديث ابن عمر فيرقى هو- يعنى محمدا- ﷺ وأمته على كوم فوق الناس، وأنه يقوم عن يمين العرش، رواه ابن مسعود عنه- ﷺ وفيه: لا يقومه غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون.
* ومنها: أنه يعطى المقام المحمود ،
قال مجاهد: هو جلوسه- ﷺ على العرش، وعن عبد الله بن سلام، على الكرسى، ذكرهما البغوى، وسيأتى ما قيل فى ذلك فى ذكر تفضيله- ﷺ بالمقام المحمود- إن شاء الله تعالى-.
* ومنها أنه يعطى الشفاعة العظمى
فى فصل القضاء بين أهل الموقف، حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، والشفاعة فى إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفى رفع درجات ناس فى الجنة «١» .
كما جوز النووى اختصاص هذه والتى قبلها به. ووردت الأحاديث به فى التى قيل، وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى المقصد الأخير، والله المعين.
* ومنها: أنه صاحب لواء الحمد ،
يوم القيامة «٢» ، آدم فمن دونه تحته.
رواه البزار. وأنه أول من يقرع باب الجنة. روى مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس قال: قال- ﷺ : «أنا أكثر الناس تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة» «٣» وعنده أيضا عن أنس قال- ﷺ : «آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن، بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» ورواه الطبرانى بزيادة فيه، قال: فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا
стр. 1007
أقوم لأحد بعدك، وهذه خصوصية أخرى له- ﷺ وهى: أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره- ﷺ ، فقيامه له- ﷺ فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون فى خدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى فى خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب.
* ومنها أنه- ﷺ أول من يدخل الجنة ،
قال- ﷺ : «وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر» «١» رواه الترمذى.
* ومن خصائصه- ﷺ الكوثر
«٢» ، نهر فى الجنة يسيل من حوضه مجراه على الدر والياقوت، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
ومنها الوسيلة، وهى أعلى درجة فى الجنة.
[خصائص أمة النبي ص]
وأما خصائص أمته- ﷺ وزادها شرفا، فاعلم أنه لما أنشأ الله العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبينا- ﷺ للعيان، وظهرت عنايته بأمته الإنسانية، بحضوره وظهوره فيها، وإن كان العالم الإنسانى والنارى كله أمته، ولكن لهؤلاء خصوص وصف، فجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأعطاهم الاجتهاد فى نصب الأحكام، فيحكمون بما أدى إليه اجتهادهم.
وكل من دخل فى زمان هذه الأمة من الأنبياء بعد نبيها، كعيسى- ﵇، أو قدر دخوله كالخضر، فإنه لا يحكم فى العالم إلا بما شرعه محمد- ﷺ فى هذه الأمة، فإذا نزل سيدنا عيسى- ﵊ فإنما يحكم بشريعة نبينا- ﷺ بإلهام أو اطلاع على الروح المحمدى أو بما شاء الله تعالى، فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به فى أمته، فلا يحكم
стр. 1008
فى شىء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا- ﷺ ، ولا يحكم بشريعته التى أنزلت عليه فى أوان رسالته ودولته، فهو- ﵇ تابع لنبينا- ﷺ . وقد نبه على ذلك الترمذى الحكيم فى كتاب ختم الأولياء، وأعرب عنه صاحب «عنقاء مغرب» «١» ، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازانى فى شرح عقائد النسفى وصحح أنه يصلى بالناس ويؤمهم ويقتدى به المهدى لأنه أفضل منه، فإمامته أولى. انتهى.
فهو- ﵊ وإن كان خليفة فى الأمة المحمدية، فهو رسول ونبى كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتى واحدا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا- ﷺ والحكم بشريعته.
فإن قلت: قد ورد فى صحيح مسلم قوله- ﷺ : «ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية» «٢» وأن الصواب فى معناه: أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابى إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى- ﵇ حاكما بشريعة نبينا- ﷺ ؟
فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى- ﵇ إنما ينزل حاكما بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبيّا برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.
وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكما مستمرّا إلى يوم القيامة،
стр. 1009
بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى، وقد أخبر نبينا- ﷺ بنسخه، وليس عيسى- ﵇ هو الناسخ، بل نبينا- ﷺ هو المبين للنسخ، فدل على أن الامتناع فى ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرح نبينا- ﷺ . أشار إليه النووى فى شرح مسلم.
فإن قلت: ما المعنى فى تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى- ﵇ فى عدم قبول الجزية؟
فأجاب ابن بطال: بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى- ﵇ عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض فى أيامه المال حتى لا يقبله أحد، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان بالله وحده. انتهى.
وأجاب الشيخ ولى الدين ابن العراقى: بأن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل. وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم، فإذا نزل عيسى- ﵇ زالت تلك الشبهة بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان فى انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم فى أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته. قال: وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له. قال وهذا أولى مما ذكره ابن بطال. انتهى.
وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر، وأنه باق إلى اليوم، فإنه تابع لأحكام هذه الملة. وكذلك إلياس على ما صححه أبو عبد الله القرطبى أنه حى أيضا. وليس فى الرسل من يتبعه رسول له كتاب إلا نبينا- ﷺ ، وكفى بهذا شرفا لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا.
فالحمد لله الذى خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة، ومنّ علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة، ونوّه بنا فى كتابه العزيز بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ «١» ، فتأمل قوله كُنْتُمْ أى فى اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم فى علم الله. فينبغى لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق الزكية، ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة من الأوصاف المرضية، ويتأهل لما لها من الخيرية.
стр. 1010
قال مجاهد: كنتم خير أمة أخرجت للناس إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أى: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمة محمد- ﷺ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيهم أفشى. وقيل: هذا لأصحاب محمد- ﷺ ، كما قال- ﷺ :
«خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «١» وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدها. وإلى هذا ذهب معظم العلماء.
وأن من صحبه- ﷺ ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتى بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب الجمهور.
وذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة أفضل ممن كان فى جملة الصحابة، وأن قوله- ﷺ : «خير الناس قرنى» ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه- ﷺ جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود، وقد روى أبو أمامة أنه- ﷺ قال: «طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى سبع مرات لمن لم يرنى وآمن بى» «٢» .
وفى مسند أبى داود الطيالسى عن محمد بن أبى حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند النبى- ﷺ فقال: «أتدرون أى الخلق أفضل إيمانا؟» قلنا: الملائكة، قال: «وحق لهم، بل غيرهم» . قلنا:
الأنبياء، قال: «وحق لهم، بل غيرهم» ، قال- ﷺ : «أفضل الخلق إيمانا قوم فى أصلاب الرجال يؤمنون بى ولم يرونى فهم أفضل الخلق إيمانا» «٣» .
وروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلى بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت
стр. 1011
بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر، لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، قال: وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم. قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضى مع تواتر طرقها وحسنها، التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها فى فضل العمل، إلا أهل بدر والحديبية. ومن تدبر هذا الباب بان له الصواب، والله يؤتى فضله من يشاء. انتهى.
وإسناد حديث أبى داود الطيالسى عن عمر ضعيف فلا يحتج به، لكن روى أحمد والدارمى والطبرانى عن أبى عبيدة- أى ابن الجراح-: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: «قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى» «١» وإسناده حسن وصححه الحاكم.
والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله- ﷺ ، والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة لا نطيل بذكرها وسيأتى بقية مباحث ذلك فى فضل الصحابة من المقصد السابع- إن شاء الله تعالى-.
وقد خص الله تعالى هذه الأمة الشريفة بخصائص لم يؤتها أمة قبلهم، أبان بها فضلهم، والأخبار والآثار ناطقة بذلك.
فخرج أبو نعيم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن موسى- ﵇ لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمة، قال:
يا رب إنى أجد فى الألواح أمة هم الآخرون السابقون، فاجعلها أمتى، قال:
تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة أناجيلهم فى صدورهم يقرؤنها ظاهرا فاجعلها أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة يأكلون الفىء فاجعلها أمّتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة يجعلون الصدقة فى بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة إذا همّ
стр. 1012
أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلها أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إنى أجد فى الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون المسيح الدجال، فاجعلها أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب فاجعلنى من أمة أحمد، فأعطى عند ذلك خصلتين، فقال: يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى، فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين، قال: قد رضيت يا رب» «١» .
وروى ابن طغر بك فى «النطق المفهوم» «٢» عن ابن عباس رفعه: قال موسى: يا رب، فهل فى الأمم أكرم عليك من أمتى، ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المنّ والسلوى، فقال: : يا موسى، أما علمت أن فضل أمة محمد على سائر الأمم كفضلى على جميع خلقى؟ قال: يا رب فأرينهم، قال: لن تراهم، ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم الله تعالى، فأجابوا كلهم بصوت واحد: لبيك اللهم لبيك، وهم فى أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم فقال : صلاتى عليكم، ورحمتى سبقت غضبى، وعفوى سبق عذابى، أستجيب لكم قبل أن تسألونى، فمن لقينى منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله غفرت له ذنوبه. قال- ﷺ : «فأراد الله أن يمن على بذلك» فقال: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا «٣» . أى أمتك حتى أسمعنا موسى كلامهم.
ورواه قتادة، وزاد: فقال موسى: يا رب، ما أحسن أصوات أمة محمد- ﷺ أسمعنى مرة أخرى.
وفى الحلية لأبى نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : «أوحى
стр. 1013
الله إلى موسى، نبئ بنى إسرائيل أنه من لقينى وهو جاحد بأحمد أدخلته النار.
قال: يا رب، ومن أحمد؟ قال: ما خلقت خلقا أكرم على منه، كتبت اسمه مع اسمى فى العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض، إن الجنة محرمة على جميع خلقى حتى يدخلها هو وأمته، قال: ومن أمته؟ قال: الحمادون، يحمدون صعودا وهبوطا وعلى كل حال. يشدون أوساطهم ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار، رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير، وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، قال: اجعلنى نبى تلك الأمة، قال: نبيها منها، قال:
اجعلنى من أمة ذلك النبى، قال: استقدمت واستأخر، ولكن سأجمع بينك وبينه فى دار الجلال» «١» .
وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى شعيا: إنى باعث نبيّا أميّا، أفتح به آذانا صما، وقلوبا غلقا، وأعينا عميا، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، عبدى المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المنتخب المختار، لا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيما بالمؤمنين، يبكى للبهيمة المثقلة، ولليتيم فى حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب فى الأسواق، ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشى على القصب الرعراع لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا.. إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وتوحيدا لى، وإيمانا بى، وإخلاصا لى، وتصديقا لما جاءت به رسلى، وهم رعاة الشمس والقمر، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التى أخلصت لى، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد، فى مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، ويصفون فى مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشى، هم أوليائى وأنصارى، أنتقم بهم من أعدائى عبدة الأوثان، يصلون لى قياما وقعودا وركعا وسجودا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتى
стр. 1014
ألوفا، ويقاتلون فى سبيلى صفوفا، أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم، ويدخل فى دينهم وشريعتهم فليس منى، وهو منى برىء، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللونى، وإذا تنازعوا سبحونى، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم فى صدورهم، رهبانا بالليل ليوثا بالنهار، طوبى لمن كان معهم، وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، وذلك فضلى أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. رواه أبو نعيم.
وقد ذكر الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل، قال السبكى: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها، وجعلت لهم الأرض مسجدا ولم تكن الأمم تصلى إلا فى البيع والكنائس، وجعل لهم ترابها طهورا وهو التيمم. وفى رواية أبى أمامة عند البخارى: «وجعلت الأرض كلها لى ولأمتى مسجدا وطهورا» «١» وفى رواية مسلم من حديث حذيفة: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء» «٢» .
* ومن خصائص هذه الأمة الوضوء ،
فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم، ذكره الحليمى، واستدل بحديث البخارى «إن أمتى يدعون يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء» «٣» لكن قال فى فتح البارى: فيه نظر: لأنه ثبت فى البخارى قصة سارة- ﵍ مع الملك الذى أعطاها هاجر:
أن سارة لما همّ الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلى، وفى قصة جريج
стр. 1015
الراهب أيضا: أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام. فالظاهر أن الذى اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء.
وقد صرح بذلك فى رواية لمسلم عن أبى هريرة مرفوعا، قال: «لكم سيما ليست لأحد غيركم» «١» أى علامة. وغاية التحجيل: استيعاب العضدين والساقين والغرة: غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق مع الوجه.
* ومنها مجموع الصلوات الخمس ،
ولم تجمع لأحد غيرهم، أخرج الطحاوى عن عبيد الله بن محمد بن عائشة قال: إن آدم لما تيب عليه عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر، فصلى أربع ركعات فصارت الظهر، وبعث عزيرا عند العصر، فقيل له: كم لبثت قال:
يوما، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام يصلى أربع ركعات فجهد فجلس فى الثالثة فصارت المغرب ثلاثا. وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا- ﷺ .
وأخرج أبو داود فى سننه، وابن أبى شيبة فى مصنفه والبيهقى فى سننه عن معاذ بن جبل قال: أخر رسول الله- ﷺ صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلى ثم خرج فقال: «أعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم» «٢» .
* ومنها الأذان والإقامة .
* ومنها البسملة ،
قاله بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين الحلبى النحوى فى تفسيره، قال: ولم ينزلها الله على أحد من الأمم قبلنا إلا على سليمان بن داود، فهى مما اختصت به هذه الأمة. انتهى.
* ومنها التأمين ،
روى الإمام أحمد من حديث عائشة قالت: بينا أنا
стр. 1016
عند النبى- ﷺ إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث وفيه: أن النبى- ﷺ قال: «إنهم لم يحسدونا على شىء كما حسدونا على الجمعة التى هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين» «١» .
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلا من هذا الوجه، لكن لبعضه متابع حسن فى التأمين، أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة كلاهما من رواية سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن عائشة عن النبى- ﷺ قال: «ما حسدتنا اليهود على شىء ما حسدتنا على السلام والتأمين» «٢» .
* ومنها الاختصاص بالركوع ،
عن على- رضى الله عنه- قال: أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «بهذا أمرت» رواه البزار والطبرانى فى الأوسط.
ووجه الاستدلال منه: أنه- ﷺ صلى قبل ذلك الظهر، وصلى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل، فكون الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه. قاله بعض العلماء.
قال: وذكر جماعة من المفسرين فى قوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ «٣» . أن مشروعية الركوع فى الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه لا ركوع فى صلاة بنى إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع مع أمة محمد- ﷺ .
وهذا يعارضه قوله تعالى: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ «٤» . المفسر بأنها أمرت بالصلاة فى الجماعة بذكر أركانها مبالغة فى
стр. 1017
المحافظة عليها. قالوا: وقدم السجود قبل الركوع إما لكونه كذلك فى شريعتهم، أو للتنبيه على أن «الواو» لا توجب الترتيب. وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة، كقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً «١» .
وبالسجود: الصلاة، لقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ «٢» ، وبالركوع: الخضوع والإخبات.
* ومنها الصفوف فى الصلاة ،
كصفوف الملائكة «٣» ، رواه مسلم من حديث حذيفة.
* ومنها تحية الإسلام
لحديث عائشة السابق.
* ومنها الجمعة ،
قال- ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذى فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» «٤» رواه البخارى.
* ومنها ساعة الإجابة التى فى الجمعة ،
واختلف فى تعيينها على أقوال تزيد على الثلاثين ذكرتها فى «لوامع الأنوار فى الأدعية والأذكار» «٥» .
* ومنها: أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ،
ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا، وتزيين الجنة فيه، وخلوف أفواه الصائمين أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة فى كل يوم وليلة حتى يفطروا، وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعا. رواه البيهقى بإسناد لا بأس به بلفظ: أعطيت أمتى فى شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبى قبلى..
стр. 1018
الحديث «١» ، و «تستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا» «٢» . رواه البزار. و «تصفد فيه مردة الشياطين» «٣» رواه أحمد والبزار.
* ومنها السحور
«٤» ، وتعجيل الفطر «٥» ، رواه الشيخان. وإباحة الأكل والشرب والجماع ليلا إلى الفجر، وكان محرما على من قبلنا بعد النوم، وكذا كان فى صدر الإسلام ثم نسخ.
* ومنها: ليلة القدر ،
كما قاله النووى فى شرح المهذب.
وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذى دلت عليه كاف «كما» فى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ «٦» على حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا.
وذكر ابن أبى حاتم عن ابن عمر رفعه: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» وفى إسناده مجهول. وإن قلنا المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته فيكون التشبيه واقعا على مطلق الصوم، وهو قول الجمهور.
* ومنها أن لهم الاسترجاع عند المصيبة ،
قال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم تعط الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-
стр. 1019
مثله: إنا لله وإنا إليه راجعون. ولو أعطيت الأنبياء لأعطيه يعقوب- ﵊ إذ قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «١» .
* ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الأصرار
الذى كان على الأمم قبلهم، قال الله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ «٢» . أى: ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة، كتعيين القصاص فى العمد والخطأ وقطع الأعضاء الخاطئة، وقطع موضع النجاسة، وقتل النفس فى التوبة. وقد كان الرجل من بنى إسرائيل يذنب الذنب فيصبح قد كتب على باب بيته: إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما. وأصل الإصر الثقل: الذى بأصر صاحبه، أى يحبسه من الحراك لثقله.
* ومنها أن الله تعالى أحل لهم كثيرا مما شدد على من قبلهم
، ولم يجعل عليهم فى الدين من حرج، كما قال تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٣» . أى ضيق بتكليف ما اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم فى تركه، يعنى من لم يستطع أن يصلى قائما فليصل قاعدا، وأباح للصائم الفطر فى السفر، والقصر فيه.
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجا، وفتح لهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات فى حقوقه تعالى، والأروش «٤» والديات فى حقوق العباد، قاله البيضاوى.
وروى عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بنى إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة. وعن كعب، أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا الأنبياء: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم فى الدين من حرج، وقال: ادعونى أستجب لكم.
стр. 1020
* ومنها: أن الله رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ والنسيان ،
وما استكرهوا عليه، وحديث النفس «١» ، وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة، فحرّم عليهم شىء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب.
وقد قال- ﷺ : «إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «٢» رواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجه.
* ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم ،
لا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-، لقوله تعالى: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا «٣» . وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٤» . إذ لو لم يكن خاصا بهم لم يكن فى الامتنان عليهم بذلك فائدة.
وقد يجاب: بأن رضى الإسلام دينا لهم، وتسمية إبراهيم أباهم بذلك، لا ينفى اتصاف غيرهم به. وفائدة ذلك: الإعلام بالإنعام عليهم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل.
وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضا، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعا. كما أجاب به ابن الصلاح لقوله تعالى- حكاية عن وصية يعقوب- فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «٥» . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ