← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

ويحكم!! اشفوا صدوركم منه، وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه، هذا الّذي فعل في آل نبيكم ما فعل، قد جاءكم الله به، ثم أكثر من هذا القول وأمثاله، ثم نزل تحت رايته (١)] وأقبل ابن زياد في خيله ورجله في جيش كثيف قد جعل على ميمنته حصين بن نمير وعلى الميسرة، عمير بن الحباب السلمي - وكان قد اجتمع بابن الأشتر ووعده أنه معه وأنه سينهزم بالناس غدا - وعلى خيل ابن زياد شرحبيل بن الكلاع، وابن زياد في الرجالة يمشى معهم. فما كان إلا أن تواقفا الفريقان حتى حمل حصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل العراق فهزمها، وقتل أميرها على بن مالك الجشمي فأخذ رايته من بعده ولده محمد بن على فقتل أيضا، واستمرت الميسرة ذاهبة فجعل الأشتر يناديهم إلى يا شرطة الله، أنا ابن الأشتر، وقد كشف عن رأسه ليعرفوه، فالتاثوا به وانعطفوا عليه، واجتمعوا إليه، ثم حملت ميمنة أهل الكوفة على ميسرة أهل الشام. [وقيل بل انهزمت ميسرة أهل الشام وانحازت إلى ابن الأشتر، ثم حمل ابن الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته: ادخل برايتك فيهم، وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالا عظيما، وكان لا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعة، وكثرت القتلى بينهم، وقيل إن ميسرة أهل الشام] (٢) ثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا بالرماح ثم بالسيوف، ثم أردف الحملة ابن الأشتر فانهزم جيش الشام بين يديه، فجعل يقتلهم كما يقتل الحملان، واتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان، وثبت عبيد الله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه، لكن قال لأصحابه: التمسوا في القتلى رجلا ضربته بالسيف فنفحتنى منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر: فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد، وإذا هو قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام، وقتل من رءوس أهل الشام أيضاً حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل، واحتازوا ما في معسكرهم من الأموال والخيول، وقد كان المختار بشر أصحابه بالنصر قبل أن يجيء الخبر، فما ندري أكان ذلك تفاؤلا منه أو اتفاقا وقع له، أو كهانة. وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحى إليه بذلك فلا، فان من اعتقد ذلك كفر ومن أقرهم على ذلك كفر، لكن: قال إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ مكانها، فإنها إنما كانت بأرض الموصل، وهذا مما انتقده عامر الشعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر، وقد خرج المختار من الكوفة ليتلقى البشارة، فأتى المدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته البشارة وهو هنالك، قال الشعبي: فقال لي بعض أصحابه: أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا؟ فقلت له: زعم أن الوقعة كانت

стр. 2767

بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما قال البشير: إنهم كانوا بالخازر من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبى حتى تريد العذاب الأليم. ثم رجع المختار إلى الكوفة. وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبانة السبيع والكناسة من الخروج إلى مصعب ابن الزبير إلى البصرة، وكان منهم شبث بن ربعي، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة وبرأس ابن زياد وبعث رجلا على نيابة نصيبين واستمر مقيما في تلك البلاد، وبعث عمالا إلى الموصل وأخذ سنجار ودارا وما ولاها من الجزيرة وقال أبو أحمد الحاكم: كان مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين، والصواب سنة سبع وستين. وقد قال سراقة بن مرداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن زياد أتاكم غلام من عرانين مذحج … جريء على الأعداء غير نكول فيا ابن زياد بؤ بأعظم هالك … وذق حد ماضى الشفرتين صقيل ضربناك بالعضب الحسام بحده … إذا ما أتانا قتيلا بقتيل جزى الله خيرا شرطة الله إنهم … شفوا من عبيد الله أمس غليلى وهذه ترجمة ابن زياد هو عبيد الله بن زياد بن عبيد، المعروف بابن زياد بن أبى سفيان، ويقال له زياد بن أبيه، وابن سمية، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له عبيد الله بن مرجانة وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسية، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس تعرف بعده بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين فيما حكاه ابن عساكر عن أبى العباس أحمد بن يونس الضبيّ، قال ابن عساكر: وروى الحديث عن معاوية وسعد بن أبى وقاص ومعقل بن يسار. وحدث عنه الحسن البصري وأبو المليح بن أسامة. وقال أبو نعيم الفضل ابن دكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قتل الحسين كان عمره ثمانيا وعشرين سنة، قلت: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم. وقد روى ابن عساكر أن معاوية كتب إلى زياد: أن أوفد إلى ابنك، فلما قدم عليه لم يسأله معاوية عن شيء إلا نفد منه، حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئا، فقال له: ما منعك من تعلم الشعر؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني كرهت أن أجمع في صدري مع كلام الرحمن كلام الشيطان، فقال معاوية: اغرب فو الله ما منعني من الفرار يوم صفين إلا قول ابن الاطنابة حيث يقول: أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذى الحمد بالثمن الربيح وإعطائي على الاعدام مالي … وإقدامي على البطل المشيح

стр. 2768

وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريح لأدفع عن مآثر صالحات … وأحمى بعد عن أنف صحيح ثم كتب إلى أبيه: أن روّه من الشعر، فروّاه حتى كان لا يسقط عنه منه شيء بعد ذلك، ومن شعره بعد ذلك: - سيعلم مروان بن نسوة أننى … إذا التقت الخيلان أطعنها شزرا وإني إذا حل الضيوف ولم أجد … سوى فرسي أوسعته لهم نحرا وقد سأل معاوية يوما أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا: إنه لظريف ولكنه يلحن، فقال: أو ليس اللحن أظرف له؟ قال ابن قتيبة وغيره: إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه، أي يلغز، وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك: - منطق رائع ويلحن أحيانا … وخير الحديث ما كان لحنا وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنا وهو ضد الاعراب، وقيل أرادوا اللحن الّذي هو ضد الصواب وهو الأشبه والله أعلم. فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه ويفخمه، ويتشدق فيه، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم، فان أمه مرجانة كانت سيروية وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره، قالوا: وكان في كلامه شيء من كلام العجم، قال يوما لبعض الخوارج: أهروري أنت؟ يعنى أحروري أنت؟ وقال يوما من كاتلنا كاتلناه، أي من قاتلنا قاتلناه، وقول معاوية ذاك أظرف له، أي أجود له حيث نزع إلى أخواله، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم. ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولى معاوية على البصرة سمرة بن جندب سنة ونصفا ثم عزله وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر، ثم عزله وولى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين. فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة، فبنى في إمارة يزيد البيضاء، وجعل باب القصر الأبيض الّذي كان لكسرى عليها، وبنى الحمراء وهي على سكة المربد، فكان يشتى في الحمراء ويصيف في البيضاء، قالوا: وجاء رجل إلى ابن زياد فقال: أصلح الله الأمير، إن امرأتي ماتت، وإني أريد أن أتزوج أمها، فقال له: كم عطاؤك في الديوان؟ فقال: سبعمائة، فقال: يا غلام حط من عطائه أربعمائة، ثم قال له: يكفيك من فقهك هذا ثلاثمائة، قالوا: وتخاصمت أم الفجيج وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها، فقال أبو الفجيج: أصلح الله الأمير إن خير شطرى الرجل آخره، وإن شر شطرى المرأة آخرها، فقال: وكيف ذلك؟ فقال: إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل عقلها وعقم

стр. 2769

رحمها واحتد لسانها، فقال: صدقت خذ بيدها وانصرف، وقال يحيى بن معين: أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت، فقال: عسى أن يكون خيرا فقال أهله: كيف يكون هذا خيرا؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين، ثم وجد الألفين فصارت أربعة آلاف فكان خيرا. وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة - وكانت قد تزوجت بعده أزواجا من نواب العراق - من أعز أزواجك عندك وأكرمهم عليك؟ فقالت: ما أكرم النساء أحد إكرام بشير بن مروان، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى عبيد الله بن زياد وأشتفى من حديثه والنظر إليه - وكان أتى عذارتها - وقد تزوجت بالآخرين أيضا. وقال عثمان بن أبى شيبة عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: أول من جهر بالمعوذتين في الصلاة المكتوبة ابن زياد، قلت: يعنى والله أعلم في الكوفة، فان ابن مسعود كان لا يكتبهما في مصحفه وكان فقهاء الكوفة عن كبراء أصحاب ابن مسعود يأخذون والله أعلم. وقد كانت في ابن زياد جرأة وإقدام ومبادرة إلى ما لا يجوز، وما لا حاجة له به، لما ثبت في الحديث الّذي رواه أبو يعلى ومسلم، كلاهما عن شيبان بن فروخ عن جرير عن الحسن أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بنى، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم». فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: وهل كان فيهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم. وقد روى غير واحد عن الحسن أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له: إني محدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من رجل استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة». وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد الله بن زياد ولم يشهد دفنه، واعتذر بما ليس يجدي شيئا وركب إلى قصره، ومن جراءته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن قتل دون ذلك، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الّذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو إلى مكة أو إلى أحد الثغور، فلما أشار عليه شمر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها، فوافق شمرا على ما أشار به من إحضاره بين يديه فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضى فيه بما يراه ابن مرجانة. وقد تعس وخاب وخسر، فليس لابن بنت رسول الله ﷺ أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث، وقد قال محمد ابن سعد: أنبأنا الفضل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب عن عبد الملك بن كردوس عن حاجب عبيد الله بن زياد قال: دخلت معه القصر حين قتل الحسين قال

стр. 2770

فاضطرم في وجهه نارا أو كلمة نحوها، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال: لا تحدثن بها أحدا، وقال شريك عن مغيرة قال قالت مرجانة لابنها عبيد الله: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول الله ﷺ ؟ لا ترى الجنة أبدا. وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين لعبيد الله حتى يجتمع الناس على إمام، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم، فسار إلى الشام فاجتمع بمروان، وحسن له أن يتولى الخلافة ويدعو إلى نفسه ففعل ذلك، وخالف الضحاك بن قيس، ثم انطلق عبيد الله إلى الضحاك بن قيس فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط، ثم حسن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير ففعل، فانحل نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط، من قتل الضحاك وخلق معه هنالك، فلما تولى مروان أرسل ابن زياد إلى العراق في جيش فالتقى هو وجيش التوابين مع سليمان بن صرد فكسرهم، واستمر قاصدا الكوفة في ذلك الجيش، فتعوق في الطريق بسبب من كان يمانعه من أهل الجزيرة من الأعداء الّذي هم من جهة ابن الزبير. ثم اتفق خروج ابن الأشتر إليه في سبعة آلاف، وكان مع ابن زياد أضعاف ذلك، ولكن ظفر به ابن الأشتر فقتله شر قتلة على شاطئ نهر الخازر قريبا من الموصل بخمس مراحل. قال أبو أحمد الحاكم: وكان ذلك يوم عاشوراء قلت: وهو اليوم الّذي قتل فيه الحسين، ثم بعث ابن الأشتر برأسه إلى المختار ومعه رأس حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وجماعة من رؤساء أصحابهم، فسر بذلك المختار، فقال يعقوب بن سفيان: حدثني يوسف بن موسى بن جرير عن يزيد بن أبى زياد قال: لما جيء برأس ابن مرجانة وأصحابه طرحت بين يدي المختار فجاءت حية رقيقة ثم تخللت الرءوس حتى دخلت في فم ابن مرجانة وخرجت من منخره، ودخلت في منخره وخرجت من فمه، وجعلت تدخل وتخرج من رأسه من بين الرءوس. ورواه الترمذي من وجه آخر بلفظ آخر فقال: حدثنا واصل بن عبد الأعلى بن أبى معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير. قال: لما جيء برأس عبيد الله وأصحابه فنصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليها وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وقال أبو سليمان بن زيد: وفي سنة ست وستين قالوا فيها قتل ابن زياد والحصين بن نمير، ولى قتلهما إبراهيم بن الأشتر وبعث برءوسهما إلى المختار فبعث بهما إلى ابن الزبير، فنصبت بمكة والمدينة. وهكذا حكى ابن عساكر عن أبى أحمد الحاكم وغيره أن ذلك كان في سنة ست وستين، زاد أبو أحمد في يوم عاشوراء، وسكت ابن عساكر عن ذلك، والمشهور أن ذلك كان في سنة سبع

стр. 2771

وستين كما ذكره ابن جرير وغيره، ولكن بعث الرءوس إلى ابن الزبير في هذه السنة متعذر لان العداوة كانت قد قويت وتحققت بين المختار وابن الزبير في هذه السنة، وعما قليل أمر ابن الزبير أخاه مصعبا أن يسير من البصرة إلى الكوفة لحصار المختار وقتاله والله أعلم. وهذا ذكر مقتل المختار بن أبى عبيد الثقفي الكذاب على يدي مصعب بن الزبير وأهل البصرة كان عبد الله بن الزبير قد عزل في هذه السنة عن نيابة البصرة الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومي المعروف بالقباع، وولاها لأخيه مصعب بن الزبير، ليكون ردءا وقرنا وكفؤا للمختار، فلما قدم مصعب البصرة دخلها متلثما فيمم المنبر، فلما صعده قال الناس: أمير أمير، فلما كشف اللثام عرفه الناس فأقبلوا إليه، وجاء القباع فجلس تحته بدرجة، فلما اجتمع الناس قام مصعب خطيبا فاستفتح القصص حتى بلغ ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ وأشار بيده نحو الشام أو الكوفة، ثم قال ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأشار إلى الحجاز. وقال: يا أهل البصرة إنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار، فاجتمع عليه الناس وفرحوا به، ولما انهزم أهل الكوفة حين خرجوا على المختار فقهرهم وقتل منهم من قتل، كان لا ينهزم أحد من أهلها إلا قصد البصرة، ثم خرج المختار ليلتقى بالذي جاء بالرءوس والبشارة، اغتنم من بقي بالكوفة من أعداء المختار غيبته فذهبوا إلى البصرة فرارا من المختار لقلة دينه وكفره، ودعواه أنه يأتيه الوحي، وأنه قدم الموالي على الأشراف، واتفق أن ابن الأشتر حين قتل ابن زياد واستقل بتلك النواحي، فأحرز بلاداً وأقاليم ورساتيق لنفسه، واستهان بالمختار، فطمع مصعب فيه وبعث محمد بن الأشعث بن قيس على البريد إلى المهلب بن أبى صفرة، وهو نائبهم على خراسان، فقدم في تجمل عظيم ومال ورجال وعدد وعدد، وجيش كثيف، ففرح به أهل البصرة وتقوى به مصعب، فركب في أهل البصرة ومن اتبعهم من أهل الكوفة فركبوا في البحر والبر قاصدين الكوفة. [وقدم مصعب بين يديه عباد بن الحصين، وجعل على ميمنته عمر بن عبيد الله بن معمر، وعلى الميسرة المهلب بن أبى صفرة، ورتب الأمراء على راياتها وقبائلها، كما لك بن مسمع، والأحنف ابن قيس، وزياد بن عمر، وقيس بن الهيثم وغيرهم، وخرج المختار بعسكره فنزل المدار وقد جعل على مقدمته أبا كامل الشاكري، وعلى ميمنته عبد الله بن كامل، وعلى ميسرته عبد الله بن وهب الجشمي، وعلى الخيل وزير بن عبد الله السلولي، وعلى الموالي أبا عمرة صاحب شرطته] (١) ثم خطب الناس وحثهم على الخروج، وبعث بين يديه الجيوش، وركب هو وخلق من أصحابه

стр. 2772

وهو يبشرهم بالنصر، فلما انتهى مصعب إلى قريب الكوفة لقيتهم الكتائب المختارية فحملت عليهم الفرسان الزبيرية، فما لبثت المختارية إلا يسيرا حتى هربوا على حمية، وقد قتل منهم جماعة من الأمراء، وخلق من القراء وطائفة كثيرة من الشيعة الأغبياء، ثم انتهت الهزيمة إلى المختار. [وقال الواقدي: لما انتهت مقدمة المختار إليه جاء مصعب فقطع الدجلة إلى الكوفة وقد حصن المختار القصر واستعمل عليه عبد الله بن شداد وخرج المختار بمن بقي معه فنزل حروراء فلما قرب جيش مصعب منه جهز إلى كل قبيلة كردوسا، فبعث إلى بكر بن وائل سعيد بن منقذ، وإلى عبد القيس مالك بن منذر، وإلى العالية عبد الله بن جعدة، وإلى الأزد مسافر بن سعيد، وإلى بنى تميم سليم بن يزيد الكندي، وإلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك، ووقف المختار في بقية أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا إلى الليل فقتل أعيان أصحاب المختار وقتل تلك الليلة محمد بن الأشعث وعمير ابن على بن أبى طالب، وتفرق عن المختار باقي أصحابه، فقيل له القصر القصر، فقال: والله ما خرجت منه وأنا أريد أن أعود إليه، ولكن هذا حكم الله، ثم ساروا إلى القصر فدخل وجاءه مصعب ففرق القبائل في نواحي الكوفة، واقتسموا المحال، وخلصوا إلى القصر، وقد منعوا المختار المادة والماء، وكان المختار يخرج فيقاتلهم ثم يعود إلى القصر، ولما اشتد عليه الحصار قال لأصحابه: إن الحصار لا يزيدنا إلا ضعفا، فانزلوا بنا حتى نقاتل حتى الليل حتى نموت كراما، فوهنوا فقال أما فو الله لا أعطى بيدي. ثم اغتسل وتطيب وتحنط وخرج فقاتل هو ومن معه حتى قتلوا] (١) وقيل بل أشار عليه جماعة من أساورته بأن يدخل القصر دار إمارته، فدخله وهو ملوم مذموم، وعن قريب ينفذ فيه القدر المحتوم، فحاصره مصعب فيه وجميع أصحابه حتى أصابهم من جهد العطش ما الله به عليم، وضيق عليهم المسالك والمقاصد، وانسدت عليهم أبواب الحيل، وليس فيهم رجل رشيد ولا حليم، ثم جعل المختار يجيل فكرته ويكرر رويّته في الأمر الّذي قد حل به، واستشار من عنده في هذا السبب السيئ الّذي قد اتصل سببه بسببه من الموالي والعبيد، ولسان القدر والشرع يناديه ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ ثم قوى عزمه قوة الشجاعة المركبة فيه، على أن أخرجته من بين من كان يحالفه ويواليه، ورأى أن يموت على فرسه، حتى يكون عليها انقضاء آخر نفسه، فنزل حمية وغضبا، وشجاعة وكلبا، وهو مع ذلك لا يجد مناصا ولا مفرا ولا مهربا، وليس معه من أصحابه سوى تسعة عشر، ولعله إن كان قد استمر على ما عاش عليه أن لا يفارقه التسعة عشر الموكلون بسقر، ولما خرج من القصر سأل أن يخلى سبيله فيذهب في أرض الله فقالوا له: إلا على حكم الأمير. والمقصود أنه لما خرج من القصر تقدم إليه رجلان شقيقان أخوان،

стр. 2773

وهما طرفة وطراف ابنا عبد الله بن دجاجة من بنى حنيفة، فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة، واحتزا رأسه وأتيا به إلى مصعب بن الزبير، وقد دخل قصر الامارة، فوضع بين يديه، كما وضع رأس ابن زياد بنى يدي المختار، وكما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد، وكما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفا. وقد قتل مصعب جماعة من المختارية، وأسر منهم خمسمائة أسير، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، وقد قتل من أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد، فلم يزل لك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له هي كف المختار، فأمر بها فرفعت وانتزعت من لك، لأن المختار كان من قبيلة الحجاج. والمختار هو الكذاب، والمبير الحجاج، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه شهورا، وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى وهي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها: ما تقولين فيه؟ فقالت: ﵀ لقد كان عبداً من عباد الله الصالحين، فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبيّ فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبى رمثة المخزومي: - إن من أعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا على غير جرم … إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول وقال أبو مخنف: حدثني محمد بن يوسف أن مصعبا لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب فسلم عليه فقال ابن عمر: من أنت؟ فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة؟ عش ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة، فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدلهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا. وهذه ترجمة المختار بن أبى عبيد الكذاب هو المختار بن أبى عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عفرة بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي ﷺ ، ولم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، وإنما ذكره ابن الأثير في الغابة، وقد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدا وقتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، وعرف ذلك الجسر به، وهو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، وكان له من الولد صفية بنت أبى

стр. 2774

عبيد، وكانت من الصالحات العابدات، وهي زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان عبد الله لها مكرما ومحبا، وماتت في حياته، وأما أخوها المختار هذا فإنه كان أولا ناصبيا يبغض عليا بغضا شديدا، وكان عند عمه في المدائن، وكان عمه نائبها، فلما دخلها الحسن بن على خذله أهل العراق وهو سائر إلى الشام لقتال معاوية بعد مقتل أبيه، فلما أحس الحسن منهم بالغدر فر منهم إلى المدائن في جيش قليل، فقال المختار لعمه: لو أخذت الحسن فبعثته إلى معاوية لاتخذت عنده اليد البيضاء أبدا، فقال له: عمه بئس ما تأمرني به يا ابن أخي، فما زالت الشيعة تبغضه حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبى طالب ما كان، وكان المختار من الأمراء بالكوفة، فجعل يقول: أما لأنصرنه، فبلغ ابن زياد ذلك فحبسه بعد ضربه مائة جلدة، فأرسل ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يتشفع فيه، فأرسل يزيد إلى ابن زياد فأطلقه وسيره إلى الحجاز في عباءة، فصار إلى ابن الزبير بمكة فقاتل معه حين حصره أهل الشام قتالا شديدا، ثم بلغ المختار ما قال أهل العراق فيه من التخبيط، فسار إليهم وترك ابن الزبير، ويقال إنه سأل ابن الزبير أن يكتب له كتابا إلى ابن مطيع نائب الكوفة ففعل، فسار إليها، وكان يظهر مدح ابن الزبير في العلانية ويسبه في السر، ويمدح محمد بن الحنفية ويدعو إليه، وما زال حتى استحوذ على الكوفة بطريق التشيع وإظهار الأخذ بثأر الحسين، وبسبب ذلك التفت عليه جماعات كثيرة من الشيعة وأخرج عامل ابن الزبير منها، واستقر ملك المختار بها، ثم كتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويخبره أن ابن مطيع كان مداهنا لبني أمية، وقد خرج من الكوفة، وأنا ومن بها في طاعتك، فصدقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رءوس الناس، ويظهر طاعته، ثم شرع في تتبع قتلة الحسين ومن شهد الوقعة بكربلاء من ناحية ابن زياد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وظفر برءوس كبار منهم، كعمر بن سعد بن أبى وقاص أمير الجيش الذين قتلوا الحسين، وشمر بن ذي الجوشن أمير الألف الذين ولوا قتل الحسين، وسنان بن أبى أنس، وخولى بن يزيد الأصبحي، وخلق غير هؤلاء، وما زال حتى بعث سيف نقمته إبراهيم بن الأشتر في عشرين ألفا إلى ابن زياد، وكان ابن زياد حين التقاه في جيش أعظم من جيشه - في أضعاف مضاعفة - كانوا ثمانين ألفا، وقيل ستين ألفا، فقتل ابن الأشتر ابن زياد وكسر جيشه، واحتاز ما في معسكره، ثم بعث برأس ابن زياد ورءوس أصحابه مع البشارة إلى المختار، ففرح بذلك فرحا شديدا، ثم إن المختار بعث برأس ابن زياد ورأس حصين بن نمير ومن معهما إلى ابن الزبير بمكة، فأمر ابن الزبير بها فنصبت على عقبة الحجون. وقد كانوا نصبوها بالمدينة، وطابت نفس المختار بالملك، وظن أنه لم يبق له عدو ولا منازع، فلما تبين ابن الزبير خداعه ومكره وسوء مذهبه، بعث أخاه مصعبا أميرا على العراق، فسار إلى البصرة

стр. 2775

فجمع العساكر فما تم سرور المختار حتى سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جيش هائل فقتله واحتز رأسه وأمر بصلب كفه على باب المسجد، وبعث مصعب برأس المختار مع رجل من الشرط على البريد، إلى أخيه عبد الله بن الزبير، فوصل مكة بعد العشاء فوجد عبد الله يتنفل، فما زال يصلى حتى أسحر ولم يلتفت إلى البريد الّذي جاء بالرأس، فلما كان قريب الفجر قال: ما جاء بك؟ فألقى إليه الكتاب فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين معى الرأس، فقال: ألقه على باب المسجد، فألقاه ثم جاء فقال: جائزتي يا أمير المؤمنين، فقال: جائزتك الرأس الّذي جئت به تأخذه معك إلى العراق ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها، وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقا، بل كان كاذبا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل. قال الامام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القارئ أبو عمير بن السدي عن رفاعة القبابي قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخى جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عنقه قال فذكرت حديثا حدثنيه أخى عمر بن الحمق، قال قال رسول الله ﷺ : «أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء». وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن حماد بن سلمة حدثني عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد. قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما عرفت كذبه هممت أن أسل سيفي فأضرب عنقه ، فذكرت حديثا حدثناه عمر بن الحمق. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطى لواء غدر يوم القيامة». ورواه النسائي وابن ماجة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير وفي لفظ لهما: «من أمن رجلا على دم فقتله فأنا بري من القاتل، وإن كان المقتول كافرا». وفي سند هذا الحديث اختلاف. وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه، فقال صدق، قال تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ وروى ابن أبى حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلنى عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال فقال لي: اخرج فحدث الناس، قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت الوحي وحيان قال الله تعالى إنا ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ وقال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ قال فهموا أن يأخذونى فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني، وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه. وروى الطبراني من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم أن أباها دخل على المختار بن أبى عبيد فقال له: يا أبا عمر لو شفت (١) رأى جبريل وميكائيل، فقال له زيد خسرت وتعست، أنت أهون

стр. 2776

على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله، وقال الامام أحمد: حدثنا ابن إسحاق بن يوسف ثنا ابن عوف الصديق الناجي أن الحجاج بن يوسف دخل عل أسماء بنت أبى بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل، فقالت له كذبت، كان بارا بالوالدين، صواما قواما، والله لقد أخبرنا رسول الله ﷺ «أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير». هكذا رواه أحمد بهذا السند واللفظ. وقد أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل عن عقبة بن مكرم العمى البصري عن يعقوب بن إسحاق الحضرميّ عن الأسود بن شيبان عن أبى نوفل عن أبى عقرب واسمه معاوية بن سلم عن أسماء بنت أبى بكر أن رسول الله ﷺ قال: «إن في ثقيف كذابا ومبيرا». وفي الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد الله في سنة ثلاث وسبعين كما سيأتي، وقد ذكر البيهقي هذا الحديث في دلائل النبوة، وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبى عبيد، وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسرّ إلى أخصائه أنه يوحى إليه، ولكن ما أدرى هل كان يدعى النبوة أم لا؟ وكان قد وضع له كرسي يعظم ويحف به الرجال، ويستر بالحرير، ويحمل على البغال، وكان يضاهى به تابوت بنى إسرائيل المذكور في القرآن، ولا شك أنه كان ضالا مضلا أراح الله المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وأما المبير فهو القتال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك ابن مروان، الّذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبا. وذكر الواقدي أن المختار لم يزل مظهرا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع وستين وأظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله وكان المختار في نحو من عشرين ألفا، وقد حمل عليه المختار مرة فهزمه، ولكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب ويدعون المختار، وينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة والكذب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الامارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في رابع عشر رمضان سنة سبع وستين، وله من العمر سبع وستون سنة فيما قيل فصل ولما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، وبعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه، فحار ابن الأشتر في أمره، وشاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه وعظمه

стр. 2777

واحترمه كثيرا، وبعث مصعب المهلب بن أبى صفرة على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وكان قد استخلف على البصرة حين خرج منها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، وأقام هو بالكوفة، ثم لم تنسلخ هذه السنة حتى عزله أخوه عبد الله بن الزبير عن البصرة وولى عليها ابنه حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان شجاعا جوادا مخلطا يعطى أحيانا حتى لا يدع شيئا، ويمنع أحيانا ما لم يمنع مثله، وظهرت خفة وطيش في عقله، وسرعة في أمره، فبعث الأحنف إلى عبد الله بن الزبير فعزله وأعاد إلى ولايتها أخاه مصعبا مضافا إلى ما بيده من ولاية الكوفة، قالوا: وخرج حمزة بن عبد الله بن الزبير من البصرة بمال كثير من بيت مالها، فعرض له مالك بن مسمع، فقال: لا ندعك تذهب بأعطياتنا، فضمن له عبيد الله بن معمر العطاء فكف عنه، فلما انصرف حمزة لم يقدم على أبيه مكة، بل عدل إلى المدينة، فأودع ذلك المال رجالا فكلهم غل ما أودعه وجحده، سوى رجل من أهل الكتاب، فأدى إليه أمانته. فلما بلغ أباه ما صنع قال: أبعده الله، أردت أن أباهي به بنى مروان فنكص. وذكر أبو مخنف أن حمزة بن عبد الله بن الزبير ولى البصرة سنة كاملة فالله أعلم. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة أخاه مصعبا، وعلى البصرة ابنه حمزة، وقيل بل كان رجع إليها أخوه، وعلى خراسان وتلك البلاد عبد الله بن خازم السلمي [من جهة ابن الزبير والله سبحانه أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان الوليد بن عقبة بن أبى معيط، وأبو الجهم، وهو صاحب الانبجانية المذكورة في الحديث الصحيح. وفيها قتل خلق كثير يطول ذكرهم] (١) ثم دخلت سنة ثمان وستين ففيها رد عبد الله أخاه مصعباً إلى إمرة البصرة، فأتاها فأقام بها، واستخلف على الكوفة الحارث ابن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومي، قباع، واستعمل على المدينة جابر بن الأسود الزهري، وعزل عنها عبد الرحمن بن الأشعث لكونه ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه، فعزله ابن الزبير. وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده، وفيها كانت وقعة الأزارقة. وذلك أن مصعبا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلب بن أبى صفرة، وكان قاهرا لهم وولاه الجزيرة، وكان المهلب قاهرا للأزارقة، وولى على فارس عمر بن عبيد الله بن معمر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد الله فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير بن الماجور، ففروا بين يديه إلى إصطخر فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه، ثم ظفر بهم مرة أخرى ثم هربوا إلى بلاد

стр. 2778

أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عددهم وعددهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبيد الله بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبيد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر بن عبيد الله في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم وعمر بن عبيد الله وراءهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهِم، فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن أبى ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم ابن الأشتر وشبث بن ربعي، فلما وصلوا إلى جسر الصراة قطعه الخوارج بينه وبينهم، فأمر الأمير بإعادته، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فاتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب بن ورقاء شهرا، بمدينة جيا، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماجور وغنموا ما في معسكرهم، وأمرت الخوارج عليهم قطري بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبى صفرة - وهو على الموصل - أن يسير إلى قتال الخوارج وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع بمثله قال ابن جرير: وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم. قال ابن جرير: وفيها قتل عبيد الله ابن الحر وكان من خبره أنه كان رجلا شجاعا تتقلب به الأحوال والأيام والآراء، حتى صار من أمره أنه لا يطاع لأحد من بنى أمية ولا لآل الزبير، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله قهرا ويكتب له براءة ويذهب فينفقه على أصحابه. وكان الخلفاء والأمراء يبعثون إليه الجيوش فيطردها ويكسرها قلت أو كثرت، حتى كاع فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر وقال: ادخل الكوفة وأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعا، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه فظهر على أمره فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد الله فبعث إليه جيشا فقتلوه في المكان الّذي هو فيه، وحمل رأسه إلى الكوفة، ثم إلى البصرة، واستراح الناس منه. قال ابن جرير: وفيها شهد موقف عرفة أربع رايات متباينة، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه، والثانية لنجدة الحروري وأصحابه، والثالثة لبني أمية، والرابعة لعبد الله بن الزبير، وكان أول من دفع رايته ابن الحنفية، ثم نجدة، ثم بنو أمية، ثم دفع ابن الزبير

стр. 2779

فدفع الناس معه، وكان عبد الله بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير، ولكنه تأخر دفعه، فقال ابن عمر: أشبه بتأخره دفع الجاهلية، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير، وتحاجز الناس في هذا العام فلم يكن بينهم قتال. وكان على نيابة المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري من جهة ابن الزبير، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى ملك الشام ومصر عبد الملك بن مروان، والله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان [عبد الله بن يزيد الأوسي، شهد الحديبيّة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث. وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، ابن أخى عمر بن الخطاب، أدرك النبي ﷺ ، وتوفى بالمدينة عن نحو سبعين سنة. عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري. عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن امرئ القيس، صحابى جليل، سكن الكوفة ثم سكن قوميسيا. زيد بن أرقم بن زيد صحابى جليل] (١) وفيها توفى عبد الله بن عباس ترجمان القرآن وابن عم رسول الملك الديان هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي بن عم رسول الله ﷺ ، حبر هذه الأمة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له الحبر والبحر، وروى عن رسول الله ﷺ شيئا كثيرا، وعن جماعة من الصحابة، وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله، ﵁ وأرضاه. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو والد الخلفاء العباسيين، وهو أخو إخوة عشرة ذكور من أم الفضل للعباس، وهو آخرهم مولدا، وقد مات كل واحد منهم في بلد بعيد عن الآخر كما سيأتي ذلك. قال مسلم بن خالد الزنجي المكيّ عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. قال: لما كان رسول الله ﷺ في الشعب جاء أبى إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا محمد أرى أم الفضل قد اشتملت على حمل، فقال: «لعل الله أن يقر أعينكم». قال: فلما ولدتني أتى بى رسول الله ﷺ وأنا في خرقة فحنكنى بريقه. قال مجاهد: فلا نعلم أحدا حنكه رسول الله ﷺ بريقه غيره، وفي رواية أخرى فقال رسول الله ﷺ : «لعل الله أن يبيض وجوهنا بغلام» فولدت عبد الله بن عباس، وعن عمرو بن دينار قال: ولد ابن عباس عام الهجرة، وروى الواقدي من طريق شعبة عن ابن عباس أنه قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين، ونحن في الشعب، وتوفى رسول الله ﷺ وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، ثم قال الواقدي: وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم. واحتج الواقدي بأنه كان قد ناهز الحلم

стр. 2780

عام حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا مختون، وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم. وقال شعبة وهشام وابن عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين مختون. زاد هشام: وقد جمعت المحكم على عهد رسول الله ﷺ . قلت: وما المحكم؟ قال: المفصل. وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة مختون، وهذا هو الأصح ويؤيده صحة ما ثبت في الصحيحين، ورواه مالك عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلى بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم ينكر على ذلك أحد. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: كنت أنا وأمى من المستضعفين، كانت أمى من النساء وكنت أنا من الولدان، وهاجر مع أبيه قبل الفتح، فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجحفة، وهو ذاهب لفتح مكة، فشهد الفتح وحنينا والطائف عام ثمان، وقيل كان في سنة تسع وحجة الوداع سنة عشر، وصحب النبي ﷺ حينئذ ولزمه، وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال، وأخذ عن الصحابة علما عظيما مع الفهم الثاقب، والبلاغة والفصاحة والجمال والملاحة، والاصالة والبيان، ودعا له رسول الرحمن ﷺ ، كما وردت به الأحاديث الثابتة الأركان، أن رسول الله ﷺ «دعا له بأن يعلمه التأويل، وأن يفقهه في الدين». وقال الزبير ابن بكار: حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني عن داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: إن عمر كان يدعو عبد الله بن عباس فيقربه ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يوما فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: «اللهمّ فقهه في الدين، وعلمه التأويل». وبه أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ بارك فيه وانشر منه». وقال حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: بت في بيت خالتي ميمونة فوضعت للنّبيّ ﷺ غسلا، فقال: «من وضع هذا؟ قالوا: عبد الله بن عباس، فقال: اللهمّ علمه التأويل، وفقهه في الدين». وقد رواه غير واحد عن ابن خيثم بنحوه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله بن بكر بن أبى صفرة أبو يونس عن عمرو بن دينار أن كريبا أخبره أن ابن عباس قال: أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف من صلاته قال: «ما شأنى أجعلك في حذائى فتخنس»؟ فقلت: يا رسول الله أو ينبغي لأحد أن يصلى في حذائك وأنت رسول الله الّذي أعطاك الله ؟ قال: فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني

стр. 2781

علما وفهما، قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعت نفحة، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءا. وقال الامام أحمد وغيره: حدثنا هاشم بن القاسم ثنا ورقاء سمعت عبيد الله بن أبى يزيد يحدث عن ابن عباس قال: «أتى رسول الله ﷺ الخلاء فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال من وضع ذا؟ فقيل ابن عباس، فقال: اللهمّ فقهه في الدين وعلمه التأويل». وقال الثوري وغيره عن ليث عن أبى جهضم موسى بن سالم عن ابن عباس أنه رأى جبريل وأن رسول الله ﷺ دعا له بالحكمة، وفي رواية بالعلم، مرتين. وقال الدارقطنيّ: حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي وآخرون قالوا: حدثنا العباس بن محمد حدثنا محمد بن مصعب بن أبى مالك النخعي عن أبى إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: «رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالمحكمة مرتين»، ثم قال: غريب من حديث أبى إسحاق السبيعي عن عكرمة تفرد به عنه أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين. وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس. قال: «ضمني رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ علمه الحكمة». ورواه أحمد أيضا عن إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة عنه قال: «ضمني إليه رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ علمه الكتاب». وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث خالد وهو ابن مهران الحذاء عن عكرمة عنه به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد ثنا سليمان بن بلال ثنا حسين بن عبد الله بن عكرمة عن ابن عباس. أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل». تفرد به أحمد، وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا، ومنهم من أرسله عن عكرمة، والمتصل هو الصحيح، فقد رواه غير واحد من التابعين عن ابن عباس، وروى من طريق أمير المؤمنين المهدي عن أبيه عن أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس. أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ علمه الكتاب وفقهه في الدين». وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل وعفان المعنى قالا: ثنا حماد ثنا عمار بن أبى عمار عن ابن عباس. قال: «كنت مع أبى عند النبي ﷺ وعنده رجل يناجيه، قال عفان: وهو كالمعرض عن العباس، فخرجنا من عنده فقال العباس: ألم أر ابن عمك كالمعرض عنى؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال عفان قال عباس: أو كان عنده أحد؟ قلت: نعم، فرجع إليه فقال: يا رسول الله هل كان عندك أحد آنفا؟ فان عبد الله أخبرنى أنه كان عندك رجل يناجيك، قال: هل رأيته يا عبد الله؟ قال: قلت نعم! قال ذاك جبريل ﵇». وقد روى من حديث المهدي عن

стр. 2782

آبائه، وفيه أن رسول الله ﷺ قال له: «أما إنك ستصاب في بصرك». وكان كذلك، وقد روى من وجه آخر أيضا والله أعلم. ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل رواها قتيبة عن الدراوَرْديّ عن ثور بن يزيد عن موسى بن ميسرة أن العباس بعث ابنه عبد الله في حاجة إلى رسول الله ﷺ فوجد عنده رجلا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان ذلك الرجل، فلقى العباس بعد ذلك رسول الله ﷺ ، فقال العباس: يا رسول الله أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلا فلم يستطع أن يكلمك فرجع وراءه، فقال رسول الله ﷺ : «يا عم تدري من ذاك الرجل؟ قال: لا! قال: ذاك جبريل، ولن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علما». ورواه سليمان بن بلال عن ثور بن يزيد كذلك، وله طريق أخرى. وقد ورد في فضائل ابن عباس أحاديث كثيرة منها ما هو منكر جدا أضربنا عن كثير منها صفحا، وذكرنا ما فيه مقنع وكفاية عما سواه. وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبأ عبد الله بن الحسن القاضي بمرو ثنا الحارث بن محمد أنبأ يزيد بن هارون أنبأ جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبا لك يا ابن عباس!! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفى الريح على من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلى فآتيك؟ فأقول: لا! أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، قال: فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألونى، فيقول: هذا الفتى كان أعقل منى». وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: ثنا محمد بن عمرو ابن علقمة ثنا أبو سلمة عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي، ولكن أبتغي بذلك طيب نفسه. وقال محمد بن سعد: أنبأ محمد بن عمر حدثني قدامة بن موسى عن أبى سلمة الحضرميّ قال سمعت ابن عباس يقول: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ ، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتى أحدا منهم إلا سر باتيانى إليه، لقربى من رسول الله ﷺ ، فجعلت أسأل أبى بن كعب يوما - وكان من الراسخين في العلم - عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل سبع وعشرون سورة وسائرها مكي. وقال أحمد: عن عبد الرزاق عن معمر قال: عامة علم ابن عباس من ثلاثة، من عمر وعلى وأبى

стр. 2783

ابن كعب، وقال طاوس عن ابن عباس أنه قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال مغيرة عن الشعبي قال: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول، وقلب عقول. وثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة ويقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السئول، والقلب العقول. وثبت في الصحيح أن عمر سأل الصحابة عن تفسير ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ فسكت بعض وأجاب بعض بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجل رسول الله ﷺ نعى إليه، فقال: لا أعلم منها إلا بما تعلم، وأراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم. وسأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الأخير فاستحسنه عمر واستجادة كما ذكرنا في التفسير. وقد قال الحسن بن عرفة: حدثنا يحيى بن اليمان عن عبد الملك بن أبى سليمان عن سعيد بن جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمت علما ما علمناه، وقال الأوزاعي قال عمر لابن عباس: إنك لأصبح فتياننا وجها، وأحسنهم عقلا، وأفقهم في كتاب الله . وقال مجاهد عن الشعبي عن ابن عباس قال قال لي أبى: إن عمر يدنيك ويجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عنى ثلاثا، لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يجر بن عليك كذبا. قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف. وقال الواقدي: حدثنا عبد الله بن الفضل بن أبى عبد الله عن أبيه عن عطاء بن يسار أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتى في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات. قلت: وشهد فتح إفريقية سنة سبع وعشرين مع ابن أبى سرح، وقال الزهري عن على بن الحسين عن أبيه قال: نظر أبى إلى ابن عباس يوم الجمل يمشى بين الصفين، فقال: أقر الله عين من له ابن عم مثل هذا، وقد شهد مع على الجمل وصفين وكان أميرا على الميسرة، وشهد معه قتال الخوارج وكان ممن أشار على على أن يستنيب معاوية على الشام، وأن لا يعزله عنها في بادئ الأمر، حتى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فوله شهرا واعزله دهرا، فأبى على إلا أن يقاتله، فكان ما كان مما قد سبق بيانه. ولما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة على ليكافئ عمرو بن العاص، فامتنعت مذحج وأهل اليمن إلا أن يكون من جهة على أبو موسى الأشعري، وكان من أمر الحكمين ما سلف. وقد استنابه على على البصرة، وأقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة وفسر فيها سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا. وهو أول من عرّف بالناس في البصرة، فكان

стр. 2784

يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله فيفسر شيئا من القرآن، ويذكر الناس من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب، وقد اختلف العلماء بعده في ذلك، فمنهم من كره ذلك وقال: هو بدعة لم يعملها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه إلا ابن عباس، ومنهم من استحب ذلك لأجل ذكر الله وموافقة الحجاج. وقد كان ابن عباس ينتقد على على في بعض أحكامه فيرجع إليه على في ذلك، كما قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» بل كنت قاتلهم لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه». فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن عباس، وفي رواية ويح ابن عباس إنه لغواص على الهنات وقد كافأه على فان ابن عباس كان يرى إباحة المتعة، وإنها باقية، وتحليل الحمر الانسية، فقال على: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ «نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الانسية يوم خيبر». وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ هذا من أحسنها والله أعلم. وقال البيهقي: أنبأ أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا بكر بن المؤمل يقول سمعت أبا نصر بن أبى ربيعة يقول: ورد صعصعة بن صوحان على على بن أبى طالب من البصرة فسأله عن ابن عباس - وكان على خلفه بها - فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث وبأيسر الأمرين إذا خولف. وترك المراء ومقارنة اللئيم، وما يعتذر منه. وقال الواقدي: ثنا أبو بكر بن أبى سبرة عن موسى بن سعيد عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه. قال: ما رأيت أحدا أحضر فهما ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار. وقال الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال قال عبد الله بن مسعود: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وعن ابن عمر أنه قال: ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر حدثني يحيى بن العلاء عن يعقوب بن زيد عن أبيه قال سمعت جابر بن عبد الله يقول حين بلغه موت ابن عباس وصفق بإحدى يديه على الأخرى: مات اليوم أعلم الناس وأحلم الناس، وقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق. وبه إلى يحيى بن العلاء عن عمر بن عبد الله عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال: لما مات ابن عباس قال رافع ابن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب في العلم. قال الواقدي: وحدثني

стр. 2785

أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عمرو بن أبى عمرو: عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول مات والله أفقه من مات ومن عاش، وروى ابن عساكر عن ابن عباس قال: دخلت على معاوية حين كان الصلح وهو أول ما التقيت أنا وهو، فإذا عنده أناس فقال: مرحبا بابن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز على بعدا ولا أحب إلى قربا، الحمد لله الّذي أمات عليا، فقلت له: إن الله لا يذم في قضائه، وغير هذا الحديث أحسن منه، ثم قلت له: أحب أن تعفيني من ابن عمى وأعفيك من ابن عمك، قال: ذلك لك. وقالت عائشة وأم سلمة حين حج ابن عباس بالناس: هو أعلم الناس بالمناسك. وقال ابن المبارك عن داود بن أبى هند عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا ابن عم رسول الله ﷺ ، قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد: أنى يداك؟ فأخرج يديه فقبلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وقال الواقدي: حدثني داود بن هند عن سعيد بن جبير سمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلم الناس. وحدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عتبة. قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال. بعلم ما سبق إليه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث النبي ﷺ منه، ولا بقضاء أبى بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأى منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا تفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أعلم فيما مضى ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوما ما يذكر فيه إلا الفقه، ويوما ما يذكر فيه إلا التأويل، ويوما ما يذكر فيه إلا المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، وما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، ولا وجدت سائلا سأله إلا وجد عند علما. قال: وربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتا. وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط. وقال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقها، ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه، وأصحاب العربية يسألونه، وأصحاب الشعر عنه يسألونه، فكلهم يصدر في واد أوسع. وقال الواقدي: حدثني بشر بن أبى سليم عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان ابن عباس قد يسبق على الناس في العلم كما تسبق النخلة السحوق على الودي الصغار. وقال ليث بن أبى سليم قلت لطاوس: لم لزمت هذا الغلام؟ - يعنى ابن عباس - وتركت الأكابر من الصحابة؟ فقال: إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله، وقال طاوس أيضا: ما رأيت أفقه منه، قال وما خالفه أحد قط فتركه حتى يقرره. وقال على بن المديني ويحيى بن معين وأبو نعيم وغيرهم عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيج عن مجاهد. قال: ما رأيت مثله قط، ولقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة - يعنى ابن عباس - وقال أبو بكر بن أبى شيبة وغيره عن أبى أسامة عن الأعمش

стр. 2786

عن مجاهد. قال: كان ابن عباس أمدهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علما. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلسه - يعنى ابن عباس - الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام. وقال مجاهد: ما رأيت أعرب لسانا من ابن عباس، وقال محمد بن سعد: ثنا عفان بن مسلم ثنا سليم بن أخضر عن سليمان التيمي - وهو ممن أرسله الحكم بن أديب - إلى الحسين سأله عن أول من جمّع بالناس في هذا المسجد يوم عرفة؟ قال: ابن عباس، وكان رجلا مثجا - أحسب في الحديث - كثير العلم، وكان يصعد المنبر فيقرأ سورة البقرة ويفسرها آية آية. وقد روى من وجه آخر عن الحسن البصري نحوه، وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينَوَريّ: روى سفيان عن أبى بكر الهذلي عن الحسن قال: كان ابن عباس أول من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ففسرهما حرفا حرفا. مثجا: قال ابن قتيبة مثجا من الثج وهو السيلان، قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ وقيل كثيرا بسرعة: وقال يونس بن بكير: حدثنا أبو حمزة الثمالي عن أبى صالح: قال لقد رأيت من ابن عباس مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها به الفخر، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل. قال: فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل، قال فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال إخوانكم فخرجوا، ثم قال أخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها، فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من كان يريد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل، فخرجت فآذنتهم فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله، ثم قال إخوانكم فخرجوا، قال أبو صالح، فلو أن قريشا كلها فخرت بذلك لكان فخرا، فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس. وقال طاووس وميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر ولا أفقه من ابن عباس، قال ميمون: وكان ابن عباس أفقههما، وقال شريك القاضي عن الأعمش عن أبى الضحى عن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس، فإذا نطق قلت أفصح الناس، فإذا تحدث

стр. 2787

قلت أعلم الناس. وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الحارث عن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان على أعلمهما بالمبهمات، وقال إسحاق بن راهويه: إنما كان كذلك لأن ابن عباس كان قد أخذ ما عند على من التفسير، وضم إلى ذلك ما أخذه عن أبى بكر وعمر وعثمان وأبى بن كعب وغيرهم من كبار الصحابة. مع دعاء رسول الله ﷺ له أن يعلمه الله الكتاب. وقال أبو معاوية عن الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال: خطب ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة البقرة فجعل يقرؤها ويفسرها فجعلت أقول ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس والروم لأسلمت. وقد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود عن أبى وائل أن ابن عباس حج بالناس عام قتل عثمان فقرأ سورة النور وذكر نحو ما تقدم، فلعل الأول كان في زمان على فقرأ في تلك الحجة سورة البقرة، وفي فتنة عثمان سورة النور، والله أعلم. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: إنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقف عند كل آية فأسأل عنها، وروى عنه أنه قال: أربع من القرآن لا أدرى ما به جيء. الأواه، والحنان، والرقيم، والغسلين. وكل القرآن أعلمه إلا هذه الأربع. وقال ابن وهب وغيره عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبى يزيد. قال: كان ابن عباس إذا سئل عن مسألة فان كانت في كتاب الله قال بها، وإن لم تكن وهي في السنة قال بها، فان لم يقلها رسول الله ﷺ ووجدها عن أبى بكر وعمر قال بها، وإلا اجتهد رأيه، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو عاصم وعبد الرحمن بن الشعبي عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة. قال: شتم رجل ابن عباس فقال له: إنك لتشتمنى وفي ثلاث خصال، إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود أن الناس علموا منها مثل الّذي أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضى بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو إليه، ولعلى لا أقاضى إليه ولا أحاكم أبدا وإني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرح به وما لي بها من سائمة أبدا، ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن يزيد بن هارون عن كهمس به. وقال ابن أبى مليكة: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، وكان يصلى ركعتين فإذا نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب ويقرأ ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ وقال الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عن شعيب بن درهم قال: كان في هذا المكان - وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه يعنى خدي ابن عباس - مثل الشراك البالي من البكاء. وقال غيره: كان يصوم يوم الإثنين والخميس، وقال: أحب أن يرتفع عملي وأنا صائم، وروى هاشم وغيره عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أحب الكلام

стр. 2788

إلى الله ، ومن أكرم العباد على الله ، ومن أكرم الإماء على الله ، وعن أربعة فيهم الروح فلم يركضوا في رحم، وعن قبر سار بصاحبه، وعن مكان في الأرض لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة، وعن قوس قزح ما هو؟ وعن المجرة. فبعث معاوية فسأل ابن عباس عنهن فكتب ابن عباس إليه: أما أحب الكلام إلى الله فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأكرم العباد على الله آدم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء. وأكرم الإماء على الله مريم بنت عمران، وأما الأربعة اللذين لم يركضوا في رحم فآدم وحواء وعصى موسى، وكبش إبراهيم الّذي فدى به إسماعيل. وفي رواية وناقة صالح، وأما القبر الّذي سار بصاحبه فهو حوت يونس، وأما المكان الّذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فهو البحر لما انفلق لموسى حتى جاز بنو إسرائيل فيه، وأما قوس قزح فامان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب في السماء، وفي رواية الّذي ينشق منه. فلما قرأ ملك الروم ذلك أعجبه وقال: والله ما هي من عند معاوية ولا من قوله، وإنما هي من عند أهل النبي ﷺ ، وقد ورد في هذه الأسئلة روايات كثيرة فيها وفي بعضها نظر والله أعلم. فصل تولى ابن عباس إمامة الحج سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان بن عفان له وهو محصور، وفي غيبته هذه قتل عثمان، وحضر ابن عباس مع على الجمل، وكان على الميسرة يوم صفين، وشهد قتال الخوارج وتأمر على البصرة من جهة على، وكان إذا خرج منها يستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، وزياد بن أبى سفيان على الخراج، وكان أهل البصرة مغبوطين به، يفقههم ويعلم جاهلهم، ويعظ مجرمهم، ويعطى فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات على، ويقال إن عليا عزله عنها قبل موته، ثم وفد على معاوية. فأكرمه وقربه واحترمه وعظمه، وكان يلقى عليه المسائل المعضلة فيجيب عنها سريعا، فكان معاوية يقول: ما رأيت أحدا أحضر جوابا منه، ولما جاء الكتاب بموت الحسن بن على اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزاه فيه بأحسن تعزية، ورد عليه ابن عباس ردا حسنا كما قدمنا، وبعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس وعزاه بعبارة فصيحة وجيزة، شكره عليها ابن عباس، ولما مات معاوية ورام الحسين الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهى، وأراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين - لأن ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره - فلم يقيل منه، فلما بلغه موته حزن عليه حزنا شديدا ولزم بيته، وكان يقول: يا لسان قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم. وجاء إليه رجل يقال له جندب فقال له: أوصني، فقال: أوصيك

стр. 2789

بتوحيد الله والعمل له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فان كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول، وإلى الله مرفوع، يا جندب إنك لن تزدد من موتك إلا قربا، فصل صلاة مودع. وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك وتب من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها وصرت إلى عدل الله، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك. وقال بعضهم: أوصى ابن عباس بكلمات خير من الخيل الدهم، قال: لا تكلمن فيما لا يعنيك حتى ترى له موضعا، ولا تمار سفيها ولا حليما فان الحليم يغلبك والسفيه يزدريك، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الّذي تحب أن يتكلم فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل من يعلم أنه مجزى بالإحسان مأخوذ بالاجرام. فقال رجل عنده: يا ابن عباس! هذا خير من عشرة آلاف. فقال ابن عباس: كلمة منه خير من عشرة آلاف. وقال ابن عباس: تمام المعروف تعجيله وتصغيره وستره - يعنى أن تعجل العطية للمعطي، وأن تصغر في عين المعطى - وأن تسترها عن الناس فلا تظهرها! فان في إظهارها فتح باب الرياء وكسر قلب المعطى، واستحياءه من الناس. وقال ابن عباس: أعز الناس على جليس لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وقال أيضا: لا يكافئ من أتانى يطلب حاجة فرآني لها موضعا إلا الله ، وكذا رجل بدأنى بالسلام أو أوسع لي في مجلس أو قام لي عن المجلس، أو رجل سقاني شربة ماء على ظمأ، ورجل حفظنى بظهر الغيب. والمأثور عنه من هذه المكارم كثير جدا وفيما ذكرنا إشارة إلى ما لم نذكره. وقد عده الهيثم بن عدي في العميان من الأشراف، وفي بعض الأحاديث الواردة عنه ما يدل على ذلك، وقد أصيبت إحدى عينيه فنحل جسمه، فلما أصيبت الأخرى عاد إليه لحمه، فقيل له في ذلك فقال: أصابنى ما رأيتم في الأولى شفقة على الأخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي. وقال أبو القاسم البغوي: ثنا على بن الجعد ثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه وقع في عينيه الماء فقال له الطبيب: ننزعك من عينيك الماء على أن لا تصلى سبعة أيام، فقال: لا! إنه من ترك الصلاة وهو يقدر عليها لقي الله وهو عليه غضبان، وفي رواية أنه قيل له: نزيل هذا الماء من عينيك على أن تبقى خمسة أيام ولا تصلى إلا على عود، وفي رواية إلا مستلقيا، فقال: لا والله ولا ركعة واحدة، إنه من ترك صلاة واحدة متعمدا لقي الله وهو عليه غضبان. وقد أنشد المدائني لابن عباس حين عمى إن يأخذ الله من عيني نورهما … ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخل … وفي فمي صارم كالسيف مأثور ولما وقع الخلف بين ابن الزبير وبين عبد الملك بن مروان اعتزل ابن عباس ومحمد بن الحنفية الناس، فدعاهما ابن الزبير ليبايعاه فأبيا عليه، وقال كل منهما: لا نبايعك ولا نخالفك، فهم بهما

стр. 2790

فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من العراق من شيعتهما. فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة، وهموا بابن الزبير فهرب فتعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ بالله، فكفوهم عنه، ثم مالوا إلى ابن عباس وابن الحنفية وقد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف، وأقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدا كما تقدم. فلما كان في سنة ثمان وستين توفى ابن عباس بالطائف، وصلّى عليه محمد بن الحنفية، فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم ير مثل خلقته، فدخل في أكفانه والتف بها حتى دفن معه. قال عفان: وكانوا يرون علمه وعمله، فلما وضع في اللحد تلا تال لا يعرف من هو وفي رواية أنهم سمعوا من قبره ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبادِي * وَاُدْخُلِي جَنَّتِي﴾ هذا القول في وفاته هو الّذي صححه غير واحد من الأئمة، ونص عليه أحمد بن حنبل والواقدي وابن عساكر، وهو المشهور عند الحفاظ، وقيل إنه توفى في سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل سنة سبع وستين، وقيل سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين. والأول أصح، وهذه الأقوال كلها شاذة غريبة مردودة والله أعلم. وكان عمره يوم مات ثنتين وسبعين سنة، وقيل إحدى وسبعين، وقيل أربع وسبعين، والأول أصح والله أعلم. صفة ابن عباس كان جسيما إذا جلس يأخذ مكان رجلين، جميلا له وفرة، قد شاب مقدم رأسه، وشابت لمته، وكان يخضب بالحناء وقيل بالسواد، حسن الوجه يلبس حسنا ويكثر من الطيب بحيث إنه كان إذا مر في الطريق يقول النساء هذا ابن عباس أو رجل معه مسك، وكان وسيما أبيض طويلا جسيما فصيحا، ولما عمى اعترى لونه صفرة يسيرة. وقد كان بنو العباس عشرة، وهم الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وكثير، والحارث، وعون، وتمام. وكان أصغرهم تمام، ولهذا كان يحمله ويقول. تموا بتمام فصاروا عشرة … يا رب فاجعلهم كراما بررة واجعلهم ذكرا وانم الثمرة فأما الفضل فمات بأجنادين شهيدا، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، ومعبد وعبد الرحمن بإفريقية، وقثم وكثير بينبع، وقيل إن قثما مات بسمرقند، وقد قال مسلم بن حماد المكيّ مولى بنى مخزوم: ما رأيت مثل بنى أم واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا من بنى أم الفضل، ثم ذكر مواضع قبورهم كما تقدم، إلا أنه قال الفضل مات بالمدينة، وعبيد الله بالشام. وقد كان عبد الله بن عباس يلبس الحلة بألف درهم، وكان له من الولد العباس وعلى، وكان على يدعى السجاد لكثرة صلاته، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض، وقد قيل إنه كان يصلى كل يوم

стр. 2791

ألف ركعة، وقيل في الليل والنهار مع الجمال التام، وعلى هذا فهو أبو لخلفاء العباسيين، ففي ولده كانت الخلافة العباسية كما سيأتي، وكان لابن عباس أيضا محمد والفضل وعبد الله، وأمهم زرعة بنت مسرح بن معديكرب، وله أسماء وهي لأم ولد، وكان له من الموالي عكرمة وكريب وأبو معبد وشعبة ودقيق وأبو عمرة وأبو عبيد. وأسند ألفا وستمائة وسبعين حديثا والله أعلم. وفيها توفى أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي، اختلف في اسمه على أقوال أصحها خويلد بن عمرو، أسلم عام الفتح، وكان معه أحد ألوية بنى كعب الثلاثة، قال محمد بن سعد: مات في هذه السنة وله أحاديث * وفيها توفى أبو واقد الليثي صحابى جليل مختلف في اسمه وفي شهوده بدرا، قال الواقدي توفى سنة ثمان وستين عن خمس وستين سنة، وكذا قال غير واحد في تاريخ وفاته. وزعم بعضهم أنه عاش سبعين سنة، مات بمكة بعد ما جاوز بها سنة ودفن في مقابر المهاجرين والله أعلم. ثم دخلت سنة تسع وستين ففيها كان مقتل عمرو بن سعيد الأشدق الأموي قتله عبد الملك بن مروان وكان سبب ذلك أن عبد الملك ركب في أول هذه السنة في جنوده قاصدا قرقيسيا ليحاصر زفر بن الحارث الكلابي الّذي أعان سليمان بن صرد على جيش مروان حين قاتلوهم بعين وردة. ومن عزمه إذا فرغ من ذلك أن يقصد مصعب بن الزبير بعد ذلك، فلما سار إليها استخلف على دمشق عمرو بن سعيد الأشدق، فتحصن بها وأخذ أموال بيت المال وقيل بل كان مع عبد الملك ولكنه انخذل عنه في طائفة من الجيش وكر راجعا إلى دمشق في الليل، ومعه حميد بن حريث بن بحدل الكلبي، وزهير بن الأبرد الكلبي، فانتهوا إلى دمشق وعليها عبد الرحمن بن أم الحكم نائباً من جهة عبد الملك، فلما أحس بهم هرب وترك البلد فدخلها عمرو بن سعيد الأشدق فاستحوذ على ما فيها من الخزائن، وخطب الناس فوعدهم العدل والنصف والعطاء الجزيل والثناء الجميل، ولما علم عبد الملك بما فعله الأشدق كر راجعا من فوره فوجد الأشدق قد حصن دمشق وعلق عليها الستائر والمسوح، وانحاز الأشدق إلى حصن رومي منيع كان بدمشق فنزله، فحاصره عبد الملك وقاتله الأشدق مدة ستة عشر يوما، ثم اصطلحا على ترك القتال، وعلى أن يكون ولى العهد بعد عبد الملك، وعلى أن يكون لكل عامل لعبد الملك عامل له، وكتبا بينهما كتاب أمان، وذلك عشية الخميس، ودخل عبد الملك إلى دمشق إلى دار الامارة على عادته، وبعث إلى عمرو بن سعيد الأشدق يقول له: رد على الناس أعطياتهم التي أخذتها من بيت المال، فبعث إليه الأشدق: إن هذا ليس إليك، وليس هذا البلد لك فاخرج منه، فلما كان يوم الاثنين بعث عبد الملك إلى الأشدق يأمره بالإتيان إلى منزله بدار الامارة الخضراء، فلما جاءه الرسول صادف عنده عبد الله بن يزيد بن معاوية وهو زوج ابنته أم موسى بنت

стр. 2792

الأشدق، فاستشاره عمرو الأشدق في الذهاب إليه فقال له: يا أبا سعيد والله لأنت أحب إلى من سمعي وبصرى، وأرى أن لا نأتيه، فان تبيعا الحميري ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيما من عظماء بنى إسماعيل يغلق أبواب دمشق فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو كنت نائما ما تخوفت أن ينبهنى ابن الزرقاء، وما كان ليجترئ على ذلك منى، مع أن عثمان بن عفان أتانى البارحة في المنام فألبسنى قميصه، وقال عمرو بن سعيد أبلغه السلام وقل له أنا رائح إليك العشية إن شاء الله. فلما كان العشي - يعنى بعد الظهر - لبس عمرو درعا بين ثيابه وتقلد سفيه ونهض فعثر بالبساط فقالت امرأته وبعض من حضره: إنا لا نرى أن لا تأتيه، فلم يلتفت إلى ذلك ومضى في مائة من مواليه، وكان عبد الملك قد أمر بنى مروان فاجتمعوا كلهم عنده، فلما انتهى عمرو إلى الباب أمر عبد الملك أن يدخل وأن يحبس من معه عند كل باب طائفة منهم، فدخل حتى انتهى إلى صرحة المكان الّذي فيه عبد الملك، ولم يبق معه من مواليه سوى وصيف، فرمى ببصره فإذا مروان عن بكرة أبيهم مجتمعون عند عبد الملك، فأحس بالشر فالتفت إلى ذلك الوصيف فقال له همسا: ويلك انطلق إلى أخى يحى فقل له فليأتني، فلم يفهم عنه وقال له: لبيك، فأعاد عليه ذلك فلم يفهم أيضا وقال: لبيك، فقال: ويلك أغرب عنى في حرق الله وناره، وكان عند عبد الملك حسان بن مالك ابن بحدل، وقبيصة بن ذؤيب، فأذن لهما عبد الملك بالانصراف، فلما خرجا غلقت الأبواب واقترب عمرو من عبد الملك فرحب به وأجلسه معه على السرير، ثم جعل يحدثه طويلا، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام خذ السيف عنه، فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: أو تطمع أن تتحدث معى متقلدا سيفك؟ فأخذ الغلام السيف عنه، ثم تحدثا ساعة، ثم قال له عبد الملك: يا أبا أمية، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إنك حيث خلعتنى آليت بيميني إن ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجمعك في جامعة، فقالت بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين، فقال ثم أطلقه، وما عسيت أن أفعل بأبي أمية، فقال بنو مروان: بر يمين أمير المؤمنين، فقال عمرو: بر قسمك يا أمير المؤمنين، فأخرج عبد الملك من تحت فراشه جامعة فطرحها إليه ثم قال: يا غلام قم فأجمعه فيها، فقام الغلام فجمعه فيها، فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رءوس الناس، فقال عبد الملك: أمكرا يا أبا أمية عند الموت؟ لاها الله إذا ما كنا لنخرجك في جامعة على رءوس الناس ولما نخرجها منك إلا صعدا، ثم اجتذبه اجتذابة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته، فقال عمرو: أذكرك الله أن يدعوك كسر عظمي إلى ما هو أعظم من ذلك، فقال عبد الملك: والله لو أعلم أنك إذا بقيت تفي لي وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان في بلد قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وفي رواية أنه قال له: أما علمت يا عمر وأنه لا يجتمع فحلان

стр. 2793

في شرك؟. فلما تحقق عمرو ما يريد من قتله قال له: أعذرا يا ابن الزرقاء؟ وأسمعه كلاما رديئا بشعا، وبينما هما كذلك إذ أذن المؤذن للعصر، فقام عبد الملك ليخرج إلى الصلاة، وأمر أخاه عبد العزيز ابن مروان بقتله، وخرج عبد الملك وقام إليه عبد العزيز بالسيف فقال له عمرو: أذكرك الله والرحم أن لا تلى ذلك منى، وليتول ذلك غيرك، فكف عنه عبد العزيز. ولما رأى الناس عبد الملك قد خرج وليس معه عمرو أرجف الناس بعمرو، فأقبل أخوه يحيى بن سعيد في ألف عبد لعمرو بن سعيد وأناس معهم كثير، وأسرع عبد الملك الدخول إلى دار الامارة، وجاء أولئك فجعلوا يدقون باب الامارة ويقولون: أسمعنا صوتك يا أبا أمية، وضرب رجل منهم الوليد بن عبد الملك في رأسه بالسيف فجرحه، فأدخله إبراهيم بن عدي صاحب الديوان بيتا، وأحرزه فيه، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وضجت الأصوات، ولما رجع عبد الملك وجد أخاه لم يقتله فلامه وسبه وسب أمه - ولم تكن أم عبد العزيز أم عبد الملك - فقال له: ناشدني الله والرحم، وكان ابن عمة عبد الملك بن مروان، ثم إن عبد الملك قال: يا غلام آتني بالحربة، فأتاه بها فهزها وضربه بها فلم تغن شيئا، ثم ثنى فلم تغن شيئا، فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مس الدرع فضحك وقال: أدارع أيضا؟ إن كنت معدا، يا غلام ائتني بالصمصامة، فأتاه بسيفه ثم أمر بعمرو فصرع ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول: - يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حتى تقول الهامة اسقوني قالوا: وانتفض عبد الملك بعد ما ذبحه كما تنتفض القصبة برعدة شديدة جدا، بحيث إنهم ما رفعوه عن صدره إلا محمولا، فوضعوه على سريره وهو يقول: ما رأيت مثل هذا قط قبله صاحب دنيا ولا آخرة، ودفع الرأس إلى عبد الرحمن بن أم الحكم فخرج إلى الناس فألقاه بين أظهرهم، وخرج عبد العزيز بن مروان ومعه البدر من الأموال تحمل، فألقيت بين الناس فجعلوا يختطفونها، ويقال: إنها استرجعت بعد ذلك من الناس إلى بيت المال، ويقال إن الّذي ولى قتل عمرو بن سعيد مولى عبد الملك أبو الزعيزعة بعد ما خرج عبد الملك إلى الصلاة فالله أعلم. وقد دخل يحيى بن سعيد - أخو عمرو بن سعيد - دار الامارة بعد مقتل أخيه بمن معه فقام إليهم بنو مروان فاقتتلوا، وجرح جماعات من الطائفتين، وجاءت يحيى بن سعيد صخرة في رأسه أشغلته عن نفسه وعن القتال، ثم إن عبد الملك بن مروان خرج إلى المسجد الجامع فصعد المنبر فجعل يقول: ويحكم أين الوليد؟ وأبيهم لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عدي الكناني فقال: هذا الوليد عندي قد أصابته جراحة وليس عليه بأس، ثم أمر عبد الملك بيحيى بن سعيد أن يقتل فتشفع فيه أخوه عبد العزيز ابن مروان، وفي جماعات آخرين معه كان عبد الملك قد أمر بقتلهم، فشفعه فيهم وأمر بحبسه فحبس شهرا، ثم سيره وبنى عمرو بن سعيد وأهليهم إلى العراق فدخلوا على مصعب بن الزبير فأكرمهم

стр. 2794

وأحسن إليهم، ثم لما انعقدت الجماعة لعبد الملك بعد مقتل ابن الزبير، وفدوا عليه فكاد يقتلهم فتلطف بعضهم في العبارة حتى رق لهم رقة شديدة، فقال لهم عبد الملك: إن أباكم خيرنى بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلى، وأما أنتم فما أرغبنى فيكم وأوصلني لقرابتكم وأرعانى لحقكم فأحسن جائزتهم وقربهم، وقد كان عبد الملك بعث إلى امرأة عمرو بن سعيد أن ابعثي إلى بكتاب الأمان الّذي كنت كتبته لعمرو، فقالت: إني دفنته معه ليحاكمك به يوم القيامة عند الله. وقد كان مروان بن الحكم وعد عمرو بن سعيد هذا أن يكون ولى العهد من بعد ولده عبد الملك، كلاما مجردا، فطمع في ذلك وقويت نفسه بسبب ذلك، وكان عبد الملك يبغضه بغضا شديدا من حال الصغر، ثم كان هذا صنيعه إليه في الكبر. قال ابن جرير: وذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك ذات يوم: عجب منك ومن عمرو بن سعيد كيف أصبت غرته حتى قتلته؟ فقال: - وأدنيته منى ليسكن روعه … فأصول صولة حازم مستمكن غضبا ومحمية لديني إنه … ليس المسيء سبيله كالمحسن قال خليفة بن خياط: وهذا الشعر للضبى بن أبى رافع تمثل به عبد الملك. وروى ابن دريد عن أبى حاتم عن الشعبي أن عبد الملك قال: لقد كان عمرو بن سعيد أحب إلى من دم النواظر، ولكن والله لا يجتمع فحلان في الإبل إلا أخرج أحدهما الآخر، وإنا لكما قال أخو بنى يربوع: - أجازى من جزانى الخير خيرا … وجازى الخير يجزى بالنوال وأجزى من جزانى الشر شرا … كما تحذا النعال على النعال قال خليفة بن خياط: وأنشد أبو اليقظان لعبد الملك في قتله عمرو بن سعيد صحّت ولا تشلل وضرت عدوها … يمين أراقت مهجة ابن سعيد [وجدت ابن مروان ولا نبل عنده … شديد ضرير الناس غر بليد هو ابن أبى العاصي لمروان ينتهى … إلى أسرة طابت له وجدود] (١) وكان الواقدي يقول: أما حصار عبد الملك لعمرو بن سعيد الأشدق فكان في سنة تسع وستين، رجع إليه من بطنان فحاصره بدمشق ثم كان قتله في سنة سبعين والله أعلم. وهذه ترجمة الأشدق هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أمية القرشي الأموي، المعروف بالأشدق، يقال إنه رأى النبي ﷺ وروى عنه أنه قال: «ما نحل والد ولدا أحسن من أدب حسن» وحديثا آخر في العتق، وروى عن عمر وعثمان وعلى وعائشة، وحدث عنه بنوه أمية وسعيد

стр. 2795

وموسى وغيرهم، واستنابه معاوية على المدينة، وكذلك يزيد بن معاوية بعد أبيه كما تقدم، وكان من سادات المسلمين، ومن الكرماء المشهورين، يعطى الكثير، ويتحمل العظائم، وكان وصى أبيه من بين بنيه، وكان أبوه كما قدمنا من المشاهير الكرماء، والسادة النجباء، قال عمرو: ما شتمت رجلا منذ كنت رجلا، ولا كلفت من قصدني أن يسألنى، لهو أمن على منى عليه، وقال سعيد بن المسيب: خطباء الناس في الجاهلية الأسود بن عبد المطلب، وسهيل بن عمرو، وخطباء الناس في الإسلام معاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وعبد الله بن الزبير. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا حماد ثنا على بن زيد أخبرنى من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول. «ليرفعن على منبري جبار من جبابرة بنى أمية حتى يسيل رعافه» قال: فأخبرني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص رعف على منبر رسول الله ﷺ حتى سال رعافه. وهو الّذي كان يبعث البعوث إلى مكة بعد وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية لقتال ابن الزبير، فنهاه أبو شريح الخزاعي وذكر له الحديث الّذي سمعه من رسول الله ﷺ في تحريم مكة، فقال: نحن أعلم بذلك منك يا شريح، إن الحرام لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بجزية، الحديث كما تقدم وهو في الصحيحين. ثم إن مروان دخل إلى مصر بعد ما دعا إلى نفسه واستقر له الشام، ودخل معه عمرو بن سعيد ففتح مصر، وقد كان وعد عمرا أن يكون ولى العهد من بعد عبد الملك، وأن يكون قبل ذلك نائبا بدمشق، فلما قويت شوكة مروان رجع عن ذلك، وجعل الأمر من بعد ذلك لولده عبد العزيز، وخلع عمرا. فما زال ذلك في نفسه حتى كان من أمره ما تقدم، فدخل عمرو دمشق وتحصن بها وأجابه أهلها، فحاصره عبد الملك ثم استنزله على أمان صورى، ثم قتله كما قدمنا. وكان ذلك في هذه السنة على المشهور عند الأكثرين، وقال الواقدي وأبو سعيد بن يونس سنة سبعين فالله أعلم. ومن الغريب ما ذكره هشام بن محمد الكلبي بسند له أن رجلا سمع في المنام قائلا يقول على سور دمشق قبل أن يخرج عمرو بالكلية، وقبل قتله بمدة هذه الأبيات: ألا يا قوم للسفاهة والوهن … وللفاجر الموهون والرأى الأفن ولابن سعيد بينما هو قائم … على قدميه خر للوجه والبطن رأى الحصن منجاة من الموت فالتجا … إليه فزارته المنية في الحصن قال: فأتى الرجل عبد الملك فأخبره فقال: ويحك سمعها منك أحد؟ قال: لا! قال: فضعها تحت قدميك، قال: ثم بعد ذلك خلع عمرو الطاعة وقتله عبد الملك بن مروان، وقد قيل إن عبد الملك لما حاصره راسله وقال: أنشدك الله والرحم أن تدع أمر بيتك وما هم عليه من اجتماع الكلمة فان فيما صنعت قوة لابن الزبير علينا، فارجع إلى بيعتك ولك على عهد الله وميثاقه،

стр. 2796

وحلف له بالايمان المؤكدة أنك ولى عهدي من بعدي، وكتبا بينهما كتابا، فانخدع له عمرو وفتح له أبواب دمشق فدخلها عبد الملك وكان من أمرهما ما تقدم. وممن توفى فيها من الأعيان أيضا أبو الأسود الدؤلي ويقال له الديليّ. قاضى الكوفة، تابعي جليل، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر ابن جلس بن شباثة بن عدي بن الدؤل بن بكر، أبو الأسود الّذي نسب إليه علم النحو، ويقال إنه أول من تكلم فيه، وإنما أخذه عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وقد اختلف في اسمه على أقوال، أشهرها أن اسمه ظالم بن عمرو، وقيل عكسه، وقال الواقدي: اسمه عويمر بن ظويلم، قال وقد أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وشهد الجمل وهلك في ولاية عبد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله العجليّ: كان ثقة وهو أول من تكلم في النحو، وقال ابن معين وغيره: مات بالطاعون الجارف سنة تسع وستين. قال ابن خلكان: وقيل إنه توفى في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد كان ابتداؤها في سنة تسع وتسعين. قلت: وهذا غريب جدا. قال ابن خلكان وغيره: كان أول من ألقى إليه علم النحو على بن أبى طالب، وذكر له أن الكلام اسم وفعل وحرف، ثم إن أبا الأسود نحى نحوه وفرع على قوله، وسلك طريقه، فسمى هذا العلم النحو لذلك، وكان الباعث لأبى الأسود على ذلك تغير لغة الناس، ودخول اللحن في كلام بعضهم أيام ولاية زياد على العراق، وكان أبو الأسود مؤدب بنيه، فإنه جاء رجل يوما إلى زياد فقال: توفى أبانا وترك بنون، فأمره زياد أن يضع للناس شيئا يهتدون به إلى معرفة كلام العرب، ويقال إن أول ما وضع منه باب التعجب من أجل أن ابنته قالت له ليلة: يا أبة ما أحسن السماء، قال نجومها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها، فقال قولي: ما أحسن السماء قال ابن خلكان: وقد كان أبو الأسود يبخل وكان يقول: أطعنا المساكين في أموالنا لكنا مثلهم، وعشى ليلة مسكينا ثم قيده وبيته عنده ومنعه أن يخرج ليلته تلك لئلا يؤذى المسلمين بسؤاله، فقال له المسكين: أطلقني، فقال هيهات، إنما عشيتك لأريح منك المسلمين الليلة، فلما أصبح أطلقه. وله شعر حسن. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وقد أظهر خارجي التحكيم بمنى فقتل عند الحجرة. والنواب فيها هم الذين كانوا في السنة التي قبلها (وممن توفى فيها) جابر بن سمرة ابن جنادة، له صحبة ورواية ولأبيه أيضا صحبة ورواية، وقيل توفى في سنة ست وستين فالله أعلم. (أسماء بنت يزيد) بن السكن الأنصارية، بايعت النبي ﷺ وقتلت بعمود خيمتها يوم اليرموك تسعة من الروم ليلة عرسها، وسكنت دمشق ودفنت بباب الصغير

стр. 2797

(حسان بن مالك) أبو سليمان البحدلى قام ببيعة مروان لما تولى الخلافة، مات في هذه السنة والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبعين من الهجرة فيها ثارت الروم واستجاشوا على من بالشام، واستضعفوهم لما يرون من الاختلاف الواقع بين بنى مروان وابن الزبير، فصالح عبد الملك ملك الروم وهادنه على أن يدفع إليه عبد الملك في كل جمعة ألف دينار خوفا منه على الشام. وفيها وقع الوباء بمصر فهرب منه عبد العزيز بن مروان إلى الشرقية، فنزل حلوان وهي على مرحلة من القاهرة، وأتخذها منزلا واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار، وبنى بها دارا للامارة وجامعا، وأنزلها الجند. وفيها ركب مصعب بن الزبير من البصرة إلى مكة ومعه أموال جزيلة. فأعطى وفرق وأطلق لجماعة من رءوس الناس بالحجاز أموالا كثيرة. وممن توفى فيها من الأعيان عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وأمه جميلة بنت ثابت ابن أبى الأفلح، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، ولم يرو إلا عن أبيه حديثا واحدا «إذا أقبل الليل من هاهنا» الحديث، وعنه ابناه حفص وعبد الله، وعروة بن الزبير، وقد طلق أبوه أمه فأخذته جدته الشموس بنت أبى عامر، أتى به الصديق وقال شمها ولطفها أحب إليه منك، ثم لما زوجه أبوه في أيام إمارته أنفق عليه من بيت المال شهرا، ثم كف عن الإنفاق عليه وأعطاه ثمن ماله وأمره أن يتجر وينفق على عياله. وذكر غير واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب قال: هي لك، فقال له: بل هي لك، فتركاها ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ذريتهما حتى أخذها الناس من كل جانب، وكان عاصم رئيسا وقورا كريما فاضلا. قال الواقدي: مات سنة سبعين بالمدينة قبيصة بن ذؤيب الخزاعي الكلبي أبو العلاء من كبار التابعين وهو أخو معاوية من الرضاعة، كان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، انتقل إلى الشام وكان معلم كتاب. قيس بن دريج المشهور أنه من بادية الحجاز، وقيل إنه أخو الحسين بن على من الرضاعة، وكان قد تزوج لبني بنت الحباب ثم طلقها، فلما طلقها هام لما به من الغرام، وسكن البادية، وجعل يقول فيها الأشعار وتحل جسمه، فلما زاد ما به أتاه ابن أبى عتيق فأخذه ومضى به إلى عبد الله بن جعفر فقال له: فداك أبى وأمى، اركب معى في حاجة، فركب واستنهض معه أربعة نفر من وجوه قريش، فذهبوا معه وهم لا يدرون ما يريد، حتى أتى بهم باب زوج لبني، فخرج إليهم فإذا وجوه قريش، فقال: جعلني الله فداكم! ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبى عتيق، فقال الرجل: اشهدوا أن حاجته مقضية، وحكمه جائز، فقالوا: أخبره بحاجتك، فقال ابن أبى عتيق: اشهدوا على أن زوجته لبني منه طالق،

стр. 2798

فقال عبد الله بن جعفر: قبحك الله، ألهذا جئت بنا؟ فقال: جعلت فداكم يطلق هذا زوجته ويتزوج بغيرها خير من أن يموت رجل مسلم في هواها صبابة، والله لا أبرح حتى ينتقل متاعها إلى بيت قيس، ففعلت وأقاموا مدة في أرغد عيش وأطيبه رحمهم الله تعالى. يزيد بن زياد بن ربيعة الحميري الشاعر كان كثير الشعر والهجو، وقد أراد عبيد الله بن زياد قتله لكونه هجا أباه زيادا، فمنعه معاوية من قتله، وقال: أدبه، فسقاه دواء مسهلا وأركبه على حمار وطاف به في الأسواق وهو يسلح على الحمار فقال في ذلك: - يغسل الماء ما صنعت وشعرى … راسخ منك في العظام البوالي (بشير بن النضر) قاضى مصر، كان رزقه في العام ألف دينار، توفى بمصر، وولى بعده عبد الرحمن بن حمزة الخولانيّ، والله سبحانه أعلم (مالك بن يخامر) السكسكي الألهاني الحمصي تابعي جليل، ويقال له صحبة فالله أعلم. روى البخاري من طريق معاوية عنه عن معاذ بن جبل في حديث الطائفة الظاهرة على الحق أنهم بالشام، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، إلا أن يقال له صحبة، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابى، وكان من أخص أصحاب معاذ بن جبل ﵁، قال غير واحد: مات في هذه السنة، وقيل سنة اثنتين وسبعين والله أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ففيها كان مقتل مصعب بن الزبير، وذلك أن عبد الملك بن مروان سار في جنود هائلة من الشام قاصدا مصعب بن الزبير، فالتقيا في هذه السنة، وقد كانا قبلها يركب كل واحد ليلتقى بالآخر فيحول بينهما الشتاء والبرد والوحل، فيرجع كل واحد منهما إلى بلده، فلما كان في هذا العام سار إليه عبد الملك وبعث بين يديه السرايا، ودخل بعض من أرسله إلى البصرة فدعا أهلها إلى عبد الملك في السر، فاستجاب له بعضهم، وقد كان مصعب سار إلى الحجاز فجاء ودخل البصرة على إثر ذلك، فأنب الكبراء من الناس وشتمهم ولامهم على دخول أولئك إليهم، وإقرارهم لهم على ذلك، وهدم دور بعضهم، ثم شخص إلى الكوفة، ثم بلغه قصد عبد الملك له بجنود الشام فخرج إليه ووصل عبد الملك إلى مسكن، وكتب إلى المروانية الذين استجابوا لمن بعثه إليهم فأجابوه، واشترطوا عليه أن يوليهم أصبهان فقال نعم - وهم جماعة كثيرة من الأمراء - وقد جعل عبد الملك على مقدمته أخاه محمد بن مروان، وعلى ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، وخرج مصعب وقد اختلف عليه أهل العراق، وخذلوه وجعل يتأمل من معه فلا يجدهم يقاومون أعداءه، فاستقتل وطمن نفسه على ذلك، وقال: لي بالحسين بن على أسوة حين امتنع من

стр. 2799

إلقائه يده، ومن الذلة لعبيد الله بن زياد، وجعل ينشد ويقول مسليا نفسه: وإن الأولى بالطف من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا وكان عبد الملك قد أشار عليه بعض أصحابه أن يقيم بالشام وأن يبعث إلى مصعب جيشا. فأبى وقال: لعلى إن بعثت رجلا شجاعا كان لا رأى له، ومن له رأى ولا شجاعة له، وإني أجد من نفسي بصيرا بالحرب وشجاعة، وإن مصعبا في بيت شجاعة، أبوه أشجع قرشي، وأخوه لا تجهل شجاعته، وهو شجاع ومعه من يخالفه ولا علم له بالحرب، وهو يحب الدعة والصفح، ومعى من ينصح إلى ويوافقني على ما أريد، فسار بنفسه فلما تقارب الجيشان بعث عبد الملك إلى أمراء مصعب يدعوهم إلى نفسه ويعدهم الولايات، فجاء إبراهيم بن الأشتر إلى مصعب فألقى إليه كتابا مختوما وقال: هذا جاءني من عبد الملك، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الإتيان إليه وله نيابة العراق، وقال لمصعب: أيها الأمير! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا وقد جاءه كتاب مثل هذا، فان أطعتنى ضربت أعناقهم. فقال له مصعب: إني لو فعلت ذلك لم ينصحنا عشائرهم بعدهم، فقال: فابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه، فان كانت لك النصرة ضربت أعناقهم، وإن كانت عليك خرجوا بعد ذلك. فقال له: يا أبا النعمان، إني لفي شغل عن هذا، ثم قال مصعب: رحم الله أبا بحر - يعنى الأحنف - أن كان ليحذرنى غدر أهل العراق، وكأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه الآن. ثم تواجه الجيشان بدير الجاثليق من مسكن، فحمل إبراهيم بن الأشتر - وهو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب - على محمد بن مروان - وهو أمير مقدمة الشام - فأزالهم عن موضعهم، فأردفه عبد الملك بعبد الله بن يزيد بن معاوية، فحملوا على ابن الأشتر ومن معه فطحنوهم، وقتل ابن الأشتر ﵀ وعفا عنه، وقتل معه جماعة من الأمراء، وكان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب فهرب أيضا ولجأ إلى عبد الملك بن مروان، وجعل مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب ينهض أصحاب الرايات ويحث الشجعان والأبطال أن يتقدموا إلى أمام القوم، فلا يتحرك أحد، فجعل يقول: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم، وتفاقم الأمر واشتد القتال، وتخاذلت الرجال، وضاق الحال، وكثر النزال. قال المدائني: أرسل عبد الملك أخاه إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى وقال: إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبا أو مغلوبا. قالوا: فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال: يا ابن أخى لا تقتل نفسك، لك الأمان، فقال له مصعب: قد أمنك عمك فامض إليه، فقال: لا يتحدث نساء قريش أنى أسلمتك للقتل، فقال له: يا بنى فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فانى مقتول هاهنا، فقال: والله إني لا أخبر عنك أحدا أبدا، ولا أخبر نساء قريش بمصرعك، ولا أقتل إلا معك ولكن إن شئت ركبت خيلك وسرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة، فقال: والله لا يتحدث قريش

стр. 2800

بأنى فررت من القتال، فقال لابنه: تقدم بين يدي حتى أحتسبك، فتقدم ابنه فقاتل حتى قتل، وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول: يا ثارات المختار، ونزل إليه رجل يقال له عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك وأطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها وقال: لم أقتله على طاعتك ولكن بثأر كان لي عنده، وكان قد ولى له عملا قبل ذلك فعزله عنه وأهانه. قالوا: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال عبد الملك: لقد كان بيني وبين مصعب صحبة قديمة، وكان من أحب الناس إلى، ولكن هذا الملك عقيم، وقال: لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى: لو اعتصمت ببعض القلاع وكاتبت من بعد عنك مثل المهلب بن أبى صفرة وغيره فقدموا عليك، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم، فإنك قد ضعفت جدا. فلم يرد عليه جوابا، ثم ذكر ما جرى للحسين بن على وكيف قتل كريما ولم يلق بيده، ولم يجد من أهل العراق وفاء، وكذلك أبوه وأخوه، ونحن ما وجدنا لهم وفاء، ثم انهزم أصحابه وبقي في قليل من خواصه، ومال الجميع إلى عبد الملك، وقد كان عبد الملك يحب مصعبا حبا شديدا، وكان خليلا له قبل الخلافة، فقال لأخيه محمد: اذهب إليه فأمنه، فجاءه فقال له: يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك وولدك ومالك وأهلك، فاذهب حيث شئت من البلاد، ولو أراد بك غير ذلك لكان، فقال مصعب: قضى الأمر، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا، فتقدم ابنه عيسى فقاتل، فقال محمد بن مروان: يا ابن أخى لا تقتل نفسك. ثم ذكر من قوله ما تقدم، ثم قاتل حتى قتل ﵀، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم، قال: ولما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى وقال: والله ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا، ولكن الملك عقيم. ولقد كانت المحبة والحرمة بيننا قديمة، متى تلد النساء مثل مصعب؟ ثم أمر بمواراته ودفنه هو وابنه وإبراهيم بن الأشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة. قال المدائني: وكان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الأولى أو الآخرة من سنة إحدى وسبعين في قول الجمهور وقال المدائني: سنة ثنتين وسبعين والله أعلم. قالوا: ولما قتل عبد الملك مصعبا ارتحل إلى الكوفة فنزل النخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل وسادات العرب، وجعل يخاطبهم بفصاحة وبلاغة واستشهاد بأشعار حسنة، وبايعه أهل العراق وفرق العمالات في الناس، وولى الكوفة قطن بن عبد الله الحرى أربعين يوما، ثم عزله وولى أخاه بشر بن مروان عليها. وخطب عبد الملك يوما بالكوفة فقال في خطبته: إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ولم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال لهم: إني قد استخلفت عليكم

стр. 2801

أخى بشر بن مروان وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، وبالشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. وأما أهل البصرة فإنهم لما بلغهم مقتل مصعب تنازع في إمارتها أبان بن عثمان بن عفان، وعبيد الله بن أبى بكرة، فغلبه أبان عليها، فبايعه أهلها فكان أشرف الرجلين، قال أعرابى: والله لقد رأيت رداء أبان مال عن عاتقه يوما فابتدره مروان وسعيد بن العاص أيهما يسويه عن منكبيه، وقال غيره: مدّ أبان يوما رجله فابتدرها معاوية وعبد الله بن عامر أيهما يغمزها، قال: فبعث عبد الملك خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد واليا عليها - يعنى على البصرة - فأخذها من أبان واستناب فيها عبيد الله بن أبى بكرة، وعزل أبانا عنها. قالوا: وقد أمر عبد الملك بطعام كثير فعمل لأهل الكوفة فأكلوا من سماطه ومعه يومئذ على السرير عمرو بن حريث، فقال له عبد الملك: ما ألذ عيشتنا لو أن شيئا يدوم؟ ولكن كما قال الأول وكل جديد يا أميم إلى البلى … وكل أمرئ يوما يصير إلى كان فلما فرغ الناس من الأكل نهض فدار في القصر وجعل يسأل عمرو بن حريث عن أحوال القصر ومن بنى أماكنه وبيوته ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى وهو يقول: اعمل على مهل فإنك ميت … واكدح لنفسك أيها الإنسان قكأن ما قد كان لم يك إذ مضى … وكأن ما هو كائن قد كان قال ابن جرير: وفيها رجع عبد الملك كما زعم الواقدي إلى الشام، وفيها عزل ابن الزبير جابر ابن الأسود عن المدينة وولى عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان هو آخر أمرائه عليها، حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان من جهة عبد الملك. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ولم يبق له ولاية على العراق. قال الواقدي: وفيها عقد عبد العزيز بن مروان نائب مصر لحسان العاني على غزو إفريقية فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قرطاجنة وكان أهلها روما عباد أصنام. وفيها قتل نجدة الحروري الّذي تغلب على اليمامة، وفيها خرج عبد الله بن ثور في اليمامة. وهذه ترجمة مصعب بن الزبير ﵀ وهو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد الله القرشي، ويقال له أبو عيسى أيضا الأسدي، وأمه كرمان بنت أنيف الكلبية، كان من أحسن الناس وجها، وأشجعهم قلبا. وأسخاهم كفا، وقد حكى عن عمر بن الخطاب، وروى عن أبيه الزبير وسعد وأبى سعيد الخدريّ، وروى عنه الحكم بن عيينة وعمرو بن دينار الجمحيّ، وإسماعيل ابن أبى خالد، ووفد على معاوية، وكان ممن يجالس أبا هريرة، وكان من أحسن الناس وجها، حكى الزبير بن بكار أن جميلا نظر إليه وهو واقف بعرفة فقال: إن هاهنا فتى أكره أن تراه بثينة، وقال

стр. 2802

الشعبي: ما رأيت أميرا على منبر قط أحسن منه، وكذا قال إسماعيل بن خالد. وقال الحسن هو أجمل أهل البصرة، وقال الخطيب البغدادي: ولى إمرة العراقين لأخيه عبد الله حتى قتله عبد الملك بمسكن بموضع قريب من أو انا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، وقبره إلى الآن معروف هناك. وقد ذكرنا صفة مقتله المختار بن أبى عبيد، وأنه قتل في غداة واحدة من أصحاب المختار سبعة آلاف، قال الواقدي: لما قتل مصعب المختار طلب أهل القصر من أصحاب المختار من مصعب الأمان فأمنهم، ثم بعث إليهم عباد بن الحصين فجعل يخرجهم ملتفين، فقال له رجل: الحمد لله الّذي نصركم علينا وابتلانا بالأسر، يا ابن الزبير من عفا عفا الله عنه، ومن عاقب لا يأمن القصاص، نحن أهل قبلتكم وعلى ملتكم وقد قدرت فاسمح واعف عنا، قال: فرق لهم مصعب وأراد أن يخلى سبيلهم، فقام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وغيره من كل قبيلة فقالوا: قد قتلوا أولادنا وعشائرنا وجرحوا منا خلقا، اخترنا أو اخترهم، فأمر حينئذ بقتلهم، فنادوا بأجمعهم: لا تقتلنا واجعلنا مقدمتك في قتال عبد الملك بن مروان، فان ظفرنا فلكم، وإن قتلنا لا نقتل حتى نقتل منهم طائفة، وكان الّذي تريد، فأبى ذلك مصعب، فقال له مسافر: اتّق الله يا مصعب، فان الله أمرك أن لا تقتل نفسا مسلمة بغير نفس، وإن ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ فلم يسمع له بل أمر بضرب رقابهم جميعهم وكانوا سبعة آلاف نفس، ثم كتب مصعب إلى ابن الأشتر أن أجبنى فلك الشام وأعنة الخيل، فسار ابن الأشتر إلى مصعب. وقيل إن مصعباً لما قدم مكة أتى عبد الله بن عمر فقال: أي عم: إني أسألك عن قوم خلعوا الطاعة وقاتلوا حتى غلبوا تحصنوا وسألوا الأمان فأعطوه ثم قتلوا بعد ذلك. فقال: وكم هم؟ فقال: خمسة آلاف، فسبح ابن عمر واسترجع وقال: لو أن رجلا أتى ماشية الزبير فذبح منها خمسة آلاف ماشية في غداة واحدة ألست تعده مسرفا؟ قال: نعم: قال: أفتراه إسرافا في البهائم ولا تراه إسرافا في من ترجو توبته؟ يا ابن أخى أصب من الماء البارد ما استطعت في دنياك. ثم إن مصعبا بعث برأس المختار إلى أخيه بمكة وتمكن مصعب في العراق تمكنا زائداً، فقرر بها الولايات والعمال، وحظي عنده ابن الأشتر فجعله على الوفادة، ثم رحل مصعب إلى أخيه بمكة فأعلمه بما فعل فأقره على ما صنع، إلا ابن الأشتر لم يمض له ما جعله عليه، وقال له: أتراني أحب الأشتر وهو الّذي جرحنى هذه الجراحة، ثم استدعى بمن قدم مع مصعب من أهل العراق فقال لهم: والله لوددت أن لي بكل رجلين منكم رجلا من أهل الشام. فقال له أبو حاجز الأسدي - وكان قاضى الجماعة بالبصرة - إن لنا ولكم مثلا قد مضى يا أمير المؤمنين وهو ما قال الأعشى: - علقتها عرضا وعلقت رجلا … غيري وعلق أخرى غيرها الرجل

стр. 2803

قلت كما قيل أيضا: - جننا بليلى وهي جنت بغيرنا … وأخرى بنا مجنونة لا نريدها علقناك يا أمير المؤمنين وعلقت أهل الشام وعلق أهل الشام إلى مروان، فما عسينا أن نصنع؟ قال الشعبي: ما سمعت جوابا أحسن منه، وقال غيره: وكان مصعب من أشد الناس محبة للنساء وقد أمضى من ذلك شيئا كثيرا كما روى أنه اجتمع عند الحجر الأسود جماعة منهم ابن عمر ومصعب بن الزبير، فقالوا: ليقم كل واحد منكم وليسأل من الله حاجته، فسأل ابن عمر المغفرة، وسأل مصعب أن يزوجه الله سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وكانتا من أحسن النساء في ذلك الزمان، وأن يعطيه الله إمرة العراقين، فأعطاه الله ذلك، تزوج بعائشة بنت طلحة، وكان صداقها عليه مائة ألف دينار، وكانت باهرة الجمال جدا، وكان مصعب أيضا جميلا جدا، وكذلك بقية زوجاته، قال الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وابن الزبير وابن عمر، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم: وقال مصعب، أما أنا فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر الله له. وقال عامر الشعيى: بينما أنا جالس إذ دعاني الأمير مصعب بن الزبير فأدخلنى دار الامارة ثم كشف فإذا وراءه عائشة بنت طلحة، فلم أر منظرا أبهى ولا أحسن منها، فقال: أتدري من هذه؟ فقلت: لا فقال: هذه عائشة بنت طلحة، ثم خرجت فقالت: من هذا الّذي أظهرتنى عليه؟ قال: هذا عامر الشعبي، قالت: فأطلق له شيئا، فأطلق لي عشرة آلاف درهم. قال الشعبي: فكان أول مال ملكته، وحكى الحافظ ابن عساكر أن عائشة بنت طلحة تغضبت مرة على مصعب فترضاها بأربعمائة ألف درهم، فأطلقتها هي للمرأة التي أصلحت بينهما، وقيل إنه أهديت له نخلة من ذهب ثمارها من صنوف الجواهر المثمنة، فقومت بألفي ألف دينار، وكانت من متاع الفرس فأعطاها لعائشة بنت طلحة. وقد كان مصعب من أجود الناس وأكثرهم عطاء، لا يستكثر ما يعطى ولو كان ما عساه أن يكون فكانت عطاياه للقوى والضعيف، والوضيع والشريف متقاربة، وكان أخوه عبد الله يبخل. وروى الخطيب البغدادي في تاريخه أن مصعبا غضب مرة على رجل فأمر بضرب عنقه، فقال له الرجل: أعز الله الأمير! ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فيتعلق بأطرافك هذه الحسنة، وبوجهك هذا الّذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبا فيم قتلني. فعفا عنه، فقال الرجل: أعز الله الأمير إن

стр. 2804

رأيت ما وهبتني من حياتي في عيش رضى، فأطلق له مائة ألف، فقال الرجل إني أشهدك أن نصفها لابن قيس الرقيات حيث يقول فيك: - إن مصعبا شهاب من الله … تجلت عن وجهه الظلماء ملكه ملك رحمة ليس فيه … جبروت منه ولا كبرياء يتقى الله في الأمور وقد … أفلح من كان همه الاتقاء وفي رواية أنه قال له: أيها الأمير قد وهبتني حياة، فإن استطعت أن تجعل ما قد وهبتني من الحياة في عيش رضى وسعة فافعل، فأمر له بمائة ألف. وقال الامام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة ثنا على بن يزيد قال: بلغ مصعبا عن عريف الأنصاري شيء فهم به، فدخل عليه أنس بن مالك فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «استوصوا بالأنصار خيرا - أو قال معروفا - أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». فألقى مصعب نفسه عن سريره وألصق خده بالبساط وقال: «أمر رسول الله ﷺ على الرأس والعين» فتركه. ومن كلام مصعب في التواضع أنه قال: العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. وقال محمد بن يزيد المبرد: سئل القاسم بن محمد عن مصعب فقال: كان نبيلا رئيسا تقيا أنيسا. وقد تقدم أنه لما ظهر على المختار قتل من أصحابه في غداة واحدة خمسة آلاف، وقيل سبعة آلاف، فلما كان بعد ذلك لقي ابن عمر فسلم عليه فلم يعرفه ابن عمر، لأنه كان قد أنضر في عينيه، فتعرف له فعرفه، قال: أنت الّذي قتلت في غداة واحدة خمسة آلاف ممن يوحد الله؟ فاعتذر إليه بأنهم بايعوا المختار، فقال: أما كان فيهم من هو مستكره أو جاهل فينظر حتى يتوب؟ أرأيت لو أن رجلا جاء إلى غنم الزبير فنحر منها خمسة آلاف في غداة واحدة، أما كان مسرفا؟ قال: بلى! قال: وهي لا تعبد الله ولا تعرفه كما يعرفه الآدمي، فكيف بمن هو موحد؟ ثم قال له: يا بنى تمتع من الماء البارد ما استطعت، وفي رواية أنه قال له: عش ما استطعت. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن عن زفر بن قتيبة عن الكلبي قال قال عبد الملك ابن مروان يوما لجلسائه: من أشجع العرب والروم؟ قالوا شبيب، وقال آخر: قطري بن الفجاءة وفلان وفلان. فقال عبد الملك: إن أشجع الناس لرجل جمع بين سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وأمه الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وابنه ريان بن أنيف الكلبي، سيد ضاحية العرب وولى العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، مع ما لنفسه من الأموال وملك غير ذلك من الأثاث والدواب والأموال ما لا يحصى، وأعطى مع هذا الأمان وأن يسلم هذا له جميعه مع الحياة فزهد في هذا كله وأبى واختار القتل على مقام ذل، ومفارقة هذا كله ومشى

стр. 2805

بسيفه فقاتل حتى مات، وذلك بعد خذلان أصحابه له، فذلك مصعب بن الزبير ﵀، وليس هو كمن قطع الجسور مرة هاهنا ومرة هاهنا، فهذا هو الرجل وهذا هو الزهد. قالوا: وكان مقتله يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة ثنتين وسبعين. وقال الزبير بن بكار: حدثني فليح بن إسماعيل وجعفر بن أبى بشير عن أبيه. قال: لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال: - لقد أردى الفوارس يوم عبس … غلام غير مناع المتاع ولا فرح بخير إن أتاه … ولا هلع من الحدثان لاع ولا رقابة والخيل تعدو … ولا خال كانبوب اليراع فقال الرجل الّذي جاء برأسه: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته والرمح في يده تارة والسيف تارة يفرى بهذا ويطعن بهذا، لرأيت رجلا يملأ القلب والعين شجاعة، لكنه لما تفرقت عنه رجاله وكثر من قصده وبقي وحده ما زال ينشد: - وإني على المكروه عند حضوره … أكذب نفسي والجفون فلم تغض وما ذاك من ذل ولكن حفيظة … أذب بها عند المكارم عن عرضي وإني لأهل الشر بالشر مرصد … وإني لذي سلم أذل من الأرض فقال عبد الملك: كان والله كما وصف به نفسه وصدق، ولقد كان من أحب الناس إلى، وأشدهم لي ألفة ومودة، ولكن الملك عقيم. وروى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد أن عبيد الله بن زياد بن ظبيان قتل مصعبا عند دير الجاثليق على شاطئ نهر يقال له دجيل، من أرض مسكن، واحتز رأسه فذهب به إلى عبد الملك فسجد شكرا لله، وكان ابن ظبيان فاتكا رديئا وكان يقول: ليتني قتلت عبد الملك حين سجد يومئذ فأكون قد قتلت ملكي العرب، قال يعقوب: وكان ذلك سنة ثنتين وسبعين فالله أعلم. وحكى الزبير بن بكار في عمره يوم قتل ثلاثة أقوال، أحدها خمس وثلاثون سنة والثاني أربعون سنة، والثالث خمس وأربعون سنة فالله أعلم. وروى الخطيب البغدادي أن امرأته سكينة بنت الحسين كانت معه في هذه الوقعة فلما قتل طلبته في القتلى حتى عرفته بشامة في خده فقالت: نعم بعل المرأة المسلمة، كنت أدركك والله ما قال عنتر وخليل غانية تركت مجندلا … بالقاع لم يعهد ولم يتثلم فهتكت بالرمح الطويل إهابه … ليس الكريم على القنا بمحرم قال الزبير: وقال عبد الله بن قيس الرقيات يرثى مصعب بن الزبير رحمه الله تعالى: -
следующие страницы →