← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

شرابا حتى أنصرك، وأقوم بحقك، فكنت عطشانا هذه الأيام كلها، حتى كان ما كان مما رأيت. فدعا له الرجل وانصرف الملك راجعا إلى منزله، ولم يشعر بذلك أحد. وكان مرض الملك محمود هذا بسوء المزاج، اعتراه معه الطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراش، ولا يتكئ على شيء، لقوة بأسه وسوء مزاجه، وكان يستند على مخاد توضع له ويحضر مجلس الملك، ويفصل على عادته بين الناس، حتى مات كذلك في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة عن ثلاث وستين سنة، ملكه منها ثلاث وثلاثون سنة، وخاف من الأموال شيئا كثيرا، من ذلك سبعون رطلا من جوهر، الجوهرة منه لها قيمة عظيمة سامحه الله. وقام بالأمر من بعده ولده محمد، ثم صار الملك إلى ولده الآخر مسعود بن محمود فأشبه أباه، وقد صنف بعض العلماء مصنفا في سيرته وأيامه وفتوحاته وممالكه. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فيها كانت وفاة القادر بالله الخليفة، وخلافة ابنه القائم بأمر الله على ما سيأتي تفصيله وبيانه. وفيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة والروافض، فقويت عليهم السنة وقتلوا خلقا منهم، ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نسبوا إلى معاونة الروافض، وتعدى النهب إلى دور كثيرة، وانتشرت الفتنة جدا، ثم سكنت بعد ذلك. وفيها كثرت العملات وانتشرت المحنة بأمر العيارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دورا وأماكن سرا وجهرا، ليلا ونهارا، والله سبحانه أعلم. خلافة القائم بالله أبى جعفر عبد الله بن القادر بالله، بويع له بالخلافة لما توفى أبوه أبو العباس أحمد بن المقتدر بن المعتضد بن الأمين أبو أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، في ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة، عن ست وثمانين سنة، وعشرة أشهر وإحدى عشر يوما، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وهذا أيضا شيء لم يسبقه أحد إليه، وأمه أم ولد اسمها يمنى، مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وقد كان حليما كريما، محبا لأهل العلم والدين والصلاح، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنفات كانت تقرأ على الناس، وكان أبيض حسن الجسم طويل اللحية عريضها يخضبها، وكان يقوم الليل كثير الصدقة، محبا للسنة وأهلها، مبغضا للبدعة وأهلها. وكان يكثر الصوم ويبر الفقراء من أقطاعه، يبعث منه إلى المجاورين بالحرمين وجامع المنصور، وجامع الرصافة، وكان يخرج من داره في زي العامة فيزور قبور الصالحين، وقد ذكرنا طرفا صالحا من سيرته عند ذكر ولايته في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجلسوا

стр. 3922

في عزائه سبعة أيام لعظم المصيبة به، ولتوطيد البيعة لولده المذكور، وأمه يقال لها قطر الندى، وأرمنية أدركت خلافته في هذه السنة، وكان مولده يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، ثم بويع له بحضرة القضاة والأمراء والكبراء في هذه السنة، وكان أول من بايعه المرتضى وأنشده أبياتا: فأما مضى جبل وانقضى … فمنك لنا جبل قد رسا وأما فجعنا ببدر التمام … فقد بقيت منه شمس الضحى لنا حزن في محل السرور … فكم ضحك في محل البكا فيا صارما أغمدته يد … لنا بعدك الصارم المنتضى ولما حضرنا لعقد البياع … عرفنا بهداك طرق الهدى فقابلتنا بوقار المشيب … كمالا وسنك سن الفتى فطالبته الأتراك برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شيء يعطيهم، لأن أباه لم يترك شيئا، وكادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدولة مالا جزيلا لهم، نحوا من ثلاثة آلاف دينار، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا. ولم يحج أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب فحجوا. وفيها توفى من الأعيان غير الخليفة الحسن بن جعفر أبو على بن ماكولا الوزير لجلال الدولة، قتله غلام له وجارية تعاملا عليه فقتلاه، عن ست وخمسين سنة عبد الوهاب بن على ابن نصر بن أحمد بن الحسن بن هارون بن مالك بن طوق، صاحب الرحبة، التغلبي البغدادي أحد أئمة المالكية، ومصنفيهم، له كتاب التلقين يحفظه الطلبة، وله غيره في الفروع والأصول، وقد أقام ببغداد دهرا، وولى قضاء داريا وماكسايا، ثم خرج من بغداد لضيق حاله، فدخل مصر فأكرمه المغاربة وأعطوه ذهبا كثيرا، فتمول جدا، فأنشأ يقول متشوقا إلى بغداد. سلام على بغداد في كل موقف … وحق لها منى السلام مضاعف فو الله ما فارقتها عن ملالة … وإني بشطى جانبيها لعارف ولكنها ضاقت على بأسرها … ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوّه … وأخلاقه تنأى به وتخالف قال الخطيب: سمع القاضي عبد الوهاب من ابن السماك، وكتبت عنه، وكان ثقة، ولم تر المالكية أحدا أفقه منه. قال ابن خلكان: وعند وصوله إلى مصر حصل له شيء من المال، وحسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها فذكر عنه أنه كان يتقلب ويقول: لا إله إلا الله، عند ما عشنا متنا

стр. 3923

قال: وله أشعار رائقة فمنها قوله: ونائمة قبلتها فتنبهت … فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد فقلت إني فديتك غاصب … وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكفى عن أثيم طلابة … وإن أنت لم ترضى فألفا على العد فقالت قصاص يشهد العقل أنه … على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هميان خصرها … وباتت يسارى وهي واسطة العقد فقالت ألم تخبر بأنك زاهد … فقلت بلى، ما زلت أزهد في الزهد ومما أنشده ابن خلكان للقاضي عبد الوهاب: بغداد دار لأهل المال طيبة … وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشى في أزقتها … كأننى مصحف في بيت زنديق ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في سادس المحرم منها استسقى أهل بغداد لتأخر المطر عن أوانه، فلم يسقوا، وكثر الموت في الناس، ولما كان يوم عاشوراء عملت الروافض بدعتهم، وكثر النوح والبكاء، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق. وفي صفر منها أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء فلم يخرج من أهل بغداد مع اتساعها وكثرة أهلها مائة واحد. وفيها وقع بين الجيش وبين جلال الدولة فاتفق على خروجه إلى البصرة منفيا، ورد كثيرا من جواريه، واستبقى بعضهن معه، وخرج من بغداد ليلة الاثنين سادس ربيع الأول منها. وكتب الغلمان الاسفهلارية إلى الملك أبى كاليجار ليقدم عليهم، فلما قدم تمهدت البلاد ولم يبق أحد من أهل العناد والإلحاد، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها، وتأخر مجيء أبى كاليجار، وذلك أن وزيره أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد. فأطاعه في ذلك، فكثر العيارون وتفاقم الحال، وفسد البلد، وافتقر جلال الدولة بحيث أن احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسواق، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك ويطلب منهم رهائن، فلم يتفق ذلك، وطال الفصل فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة، وأن يرجع إلى بلده، وشرعوا يعتذرون إليه، وخطبوا له في البلد على عادته، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك كاليجار، وكان فيمن بعث إليه القاضي أبو الحسن الماوردي، فسلم عليه مستوحشا منه، وقد تحمل أمرا عظيما، فسأل من القضاة أن يلقب بالسلطان الأعظم مالك الأمم، فقال الماوردي: هذا ما لا سبيل إليه، لأن السلطان المعظم هو الخليفة، وكذلك مالك الأمم، ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة، فأرسل مع الماوردي تحفا عظيمة منها ألف ألف دينار سابورية، وغير ذلك من الدراهم آلاف مؤلفة، والتحف والألطاف، واجتمع الجند على

стр. 3924

طلب من الخليفة فتعذر ذلك فراموا أن يقطعوا خطبته، فلم تصل الجمعة، ثم خطب له من الجمعة القابلة، وتخبط البلد جدا، وكثر العيارون. ثم في ربيع الآخر منها حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النية وصفائها، وأنه على ما يحب من الصدق وصلاح السريرة. ثم وقع بينهما بسبب جلال الدولة وشربه النبيذ وسكره. ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد. وفي رجب غلت الأسعار جدا ببغداد وغيرها، من أرض العراق. ولم يحج أحد منهم. وفيها وقع موتان عظيم ببلاد الهند وغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان، خرج منها في أدنى مدة أربعون ألف جنازة. وفي نواحي الموصل والجبل وبغداد طرف قوى من ذلك بالجدري، بحيث لم تخل دار من مصاب به، واستمر ذلك في حزيران وتموز وآزار وأيلول وتشرين الأول والثاني، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف. قاله ابن الجوزي في المنتظم. وقد رأى رجل في منامه من أهل أصبهان في هذه السنة مناديا ينادى بصوت جهوريّ: يا أهل أصبهان سكت، نطق، سكت، نطق، فانتبه الرجل مذعورا فلم يدر أحد تأويلها ما هو، حتى قال رجل بيت أبى العتاهية فقال: احذروا يا أهل أصبهان فانى قرأت في شعر أبى العتاهية قوله: سكت الدهر زمانا عنهم … ثم أبكاهم دما حين نطق فما كان إلا قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود فقتل منهم خلقا كثيرا، حتى قتل الناس في الجوامع. وفي هذه السنة ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم جندل فقتله، وكان قد استحوذ على مملكته ولم يبق معه سوى الاسم، فاستراح منه. وفيها مات ملك الترك الكبير صاحب بلاد ما وراء النهر، واسمه قدرخان. وفيها توفى من الأعيان روح بن محمد بن أحمد أبو زرعة الرازيّ. قال الخطيب: سمع جماعة، وفد علينا حاجا فكتبت عنه، وكان صدوقا فهما، أديبا، يتفقه على مذهب الشافعيّ، وولى قضاء أصبهان. قال: وبلغني أنه مات بالكرخ سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. على بن محمد بن الحسن ابن محمد بن نعيم بن الحسن البصري، المعروف بالنعيمى، الحافظ الشاعر، المتكلم الفقيه الشافعيّ. قال البرقاني: هو كامل في كل شيء لولا بادرة فيه، وقد سمع على جماعة، ومن شعره قوله: إذا أظمأتك أكف اللئام … كفتك القناعة شبعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى … وهامة همه في الثريا أبيا لنائل ذي نعمة … تراه بما في يديه أبيا

стр. 3925

فان إراقة ماء الحياة … دون إراقة ماء المحيا محمد بن الطيب ابن سعد بن موسى أبو بكر الصباغ، حدث عن النجاد وأبى بكر الشافعيّ، وكان صدوقا، حكى الخطيب أنه تزوج تسعمائة امرأة، وتوفى عن خمس وتسعين سنة. على بن هلال الكاتب المشهور، ذكر ابن خلكان أنه توفى في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث عشرة كما تقدم ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة فيها تفاقم الحال بأمر العيارين، وتزايد أمرهم، وأخذوا العملات الكثيرة، وقوى أمر مقدمهم البرجمي، وقتل صاحب الشرطة غيلة، وتواترت العملات في الليل والنهار، وحرس الناس دورهم، حتى دار الخليفة منه، وكذلك سور البلد، وعظم الخطب بهم جدا، وكان من شأن هذا البرجمي أنه لا يؤذى امرأة ولا يأخذ مما عليها شيئا، وهذه مروءة في الظلم، وهذا كما قيل * حنانيك بعض الشر أهون من بعض * وفيها أخذ جلال الدولة البصرة وأرسل إليها ولده العزيز، فأقام بها الخطبة لأبيه، وقطع منها خطبة أبى كاليجار في هذه السنة والتي بعدها، ثم استرجعت، وأخرج منها ولده. وفيها ثارت الأتراك بالملك جلال الدولة ليأخذوا أرزاقهم، وأخرجوه من داره، ورسموا عليه في المسجد، وأخرجت حريمه، فذهب في الليل إلى دار الشريف المرتضى فنزلها، ثم اصطلحت الأتراك عليه وحلفوا له بالسمع والطاعة، وردوه إلى داره، وكثر العيارون واستطالوا على الناس جدا. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان لفساد البلاد. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين الواعظ المعروف بابن السماك، ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة، وسمع جعفر الخلدى وغيره وكان يعظ بجامع المنصور وجامع المهدي، ويتكلم على طريق الصوفية، وقد تكلم بعض الأئمة فيه، ونسب إليه الكذب. توفى فيها عن أربع وتسعين سنة ودفن بباب حرب. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة فيها غزا السلطان مسعود بن محمود بلاد الهند، وفتح حصونا كثيرة، وكان من جملتها أنه حاصر قلعة حصينة فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة، فأخذت مكنسة فبلتها ورشتها من ناحية جيش المسلمين، فمرض السلطان تلك الليلة مرضا شديدا، فارتحل عن تلك القلعة، فلما استقل ذاهبا عنها عوفي عافية كاملة، فرجع إلى غزنة سالما. وفيها ولى البساسيري حماية الجانب الشرقي من بغداد، لما تفاقم أمر العيارين. وفيها ولى سنان بن سيف الدولة بعد وفاة أبيه، فقصد عمه قرواشا فأقره

стр. 3926

وساعده على أموره. وفيها هلك ملك الروم أرمانوس، فملكهم رجل ليس من بيت ملكهم، قد كان صيرفيا في بعض الأحيان، إلا أنه كان من سلالة الملك قسطنطين. وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام فهدمت شيئا كثيرا، ومات تحت الردم خلق كثير، وانهدم من الرملة ثلثها، وتقطع جامعها تقطيعا، وخرج أهلها منها هاربين، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال فعادوا إليها، وسقط بعض حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم قطعة، وسلمت الحجرة، وسقطت منارة عسقلان، ورأس منارة غزة، وسقط نصف بنيان نابلس، وخسف بقرية البارزاد وبأهلها وبقرها وغنمها، وساخت في الأرض. وكذلك قرى كثيرة هنالك، وذكر ذلك ابن الجوزي. ووقع غلاء شديد ببلاد إفريقية، وعصفت ريح سوداء بنصيبين فألقت شيئا كثيرا من الأشجار كالتوت والجوز والعناب، واقتلعت قصرا مشيدا بحجارة وآجر وكلس فألقته وأهله فهلكوا، ثم سقط مع ذلك مطر أمثال الأكف، والزنود والأصابع، وجزر البحر من تلك الناحية ثلاث فراسخ، فذهب الناس خلف السمك فرجع البحر عليهم فهلكوا. وفيها كثر الموت بالخوانيق حتى كان يغلق الباب على من في الدار كلهم موتى، وأكثر ذلك كان ببغداد، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة سبعون ألفا. وفيها وقعت الفتنة بين السنة والروافض حتى بين العيارين من الفريقين مع ابنا الأصفهانيّ وهما مقدمي عيارين أهل السنة، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال، وقتل ابن البرجمي وأخوه في هذه السنة. ولم يحج أحد من أهل العراق. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الحافظ أبو بكر المعروف بالبرقاني، ولد سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير، ورحل إلى البلاد، وجمع كتبا كثيرة جدا، وكان عالما بالقرآن والحديث والفقه والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة. قال الأزهري: إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن، وما رأيت أتقن منه. وقال غيره: ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث. توفى يوم الخميس مستهل رجب، وصلى عليه أبو على بن أبى موسى الهاشمي، ودفن في مقبرة الجامع ببغداد، وقد أورد له ابن عساكر من شعره: أعلل نفسي بكتب الحديث … وأجمل فيه لها الموعدا وأشغل نفسي بتصنيفه … وتخريجه دائما سرمدا فطورا أصنفه في الشيوخ … وطورا أصنفه مسندا وأقفو البخاري فيما حواه … وصنفه جاهدا مجهدا ومسلم إذ كان زين الأنام … بتصنيفه مسلما مرشدا وما لي فيه سوى أننى … أراه هوى صادف المقصدا

стр. 3927

وأرجو الثواب بكتب الصلاة … على السيد المصطفى أحمدا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأبيوردي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ الشيخ أبى حامد الأسفراييني، كانت له حلقة في جامع المنصور للفتيا. وكان يدرس في قطيعة الربيع، وولى الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني، وقد سمع الحديث، وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، فصيح اللسان، صبورا على الفقر، كاتما له، وكان يقول الشعر الجيد، وكان كما قال تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ توفى في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب: أبو على البندنيجي الحسن بن عبد الله بن يحيى، الشيخ أبو على البندنيجي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ أبى حامد أيضا، ولم يكن في أصحابه مثله، تفقه ودرس وأفتى وحكم ببغداد، وكان دينا ورعا. توفى في جمادى الآخرة منها أيضا. عبد الوهاب بن عبد العزيز الحارث بن أسد، أبو الصباح التميمي، الفقيه الحنبلي الواعظ، سمع من أبيه أثرا مسلسلا عن على «الحنان: الّذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الّذي يبدأ بالنوال قبل السؤال» توفى في ربيع الأول ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل. غريب بن محمد ابن مفتى سيف الدولة أبو سنان، كان قد ضرب السكة باسمه، وكان ملكا متمكنا في الدولة، وخلف خمسمائة ألف دينار، وقام ابنه سنان بعده، وتقوى بعمه قرواش، واستقامت أموره، توفى بالكرخ سابور عن سبعين سنة. ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة في محرمها كثر تردد الأعراب في قطع الطرقات إلى حواشي بغداد وما حولها، بحيث كانوا يسلبون النساء ما عليهنّ، ومن أسروه أخذوا ما معه وطالبوه بفداء نفسه، واستفحل أمر العيارين وكثرت شرورهم، وفي مستهل صفر زادت دجلة بحيث ارتفع الماء على الضياع ذراعين، وسقط من البصرة في مدة ثلاثة نحو من ألفى دار. وفي شعبان منها ورد كتاب من مسعود بن محمود بأنه قد فتح فتحا عظيما في الهند، وقتل منهم خمسين ألفا وأسر تسعين ألفا، وغنم شيئا كثيرا، ووقعت فتنة بين أهل بغداد والعيارين، ووقع حريق في أماكن من بغداد، واتسع الخرق على الراقع، ولم يحج أحد من هؤلاء ولا من أهل خرسان.

стр. 3928

وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن كليب الشاعر وهو أحد من هلك بالعشق، روى ابن الجوزي في المنتظم بسنده أن أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر عشق غلاما يقال له أسلم بن أبى الجعد، من بنى خلد (١) وكان فيهم وزارة، أي كانوا وزراء للملوك وحجابا، فأنشد فيه أشعارا تحدث الناس بها، وكان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس وانقطع في دارهم، وكان لا يجتمع بأحد من الناس، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرض من ذلك مرضا شديدا، بحيث عاده منه الناس، ولا يدرون ما به، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء، فسأله عن مرضه فقال: أنتم تعلمون ذلك، ومن أي شيء مرضى، وفي أي شيء دوائي، لو زارني أسلم ونظر إلى نظرة ونظرته نظرة واحدة لبرأت، فرأى ذلك العالم من المصلحة أن لو دخل على أسلم وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مخنفيا، ولم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته، فانطلقا إليه فلما دخلا دربه ومحلته تجبّن الغلام واستحى من الدخول عليه، وقال للرجل العالم: لا أدخل عليه، وقد ذكرني ونوّه باسمي، وهذا مكان ريبة وتهمة، وأنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى عليه، فقال له: إنه ميت لا محالة، فإذا دخلت عليه أحييته. فقال: يموت وأنا لا أدخل مدخلا يسخط الله على ويغضبه، وأبى أن يدخل، وانصرف راجعا إلى دارهم، فدخل الرجل على ابن كليب فذكر له ما كان من أمر أسلم معه، وقد كان غلام ابن كليب دخل عليه قبل ذلك وبشّره بقدوم معشوقه عليه، ففرح بذلك جدا، فلما تحقق رجوعه عنه اختلط كلامه واضطرب في نفسه، وقال لذلك الرجل الساعي بينهما: اسمع يا أبا عبد الله واحفظ عنى ما أقول، ثم أنشده: أسلم يا راحة العليل … رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل فقال له الرجل: ويحك اتّق الله تعالى، ما هذه العظيمة؟ فقال: قد كان ما سمعت، أو قال القول ما سمعت. قال فخرج الرجل من عنده فما توسط الدار حتى سمع الصراخ عليه، وسمع صيحة الموت وقد فارق الدنيا على ذلك. وهذه زلة شنعاء، وعظيمة صلعاء، وداهية دهياء، ولولا أن هؤلاء الأئمة ذكروها ما ذكرتها، ولكن فيها عبرة لأولى الألباب، وتنبيه لذوي البصائر والعقول، أن يسألوا الله رحمته وعافيته، وأن يستعيذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقهم حسن الخاتمة عند الممات إنه كريم جواد. قال الحميدي: وأنشدنى أبو على بن أحمد قال: أنشدنى محمد بن عبد الرحمن لأحمد بن كليب وقد أهدى إلى أسلم كتاب الفصيح لثعلب:

стр. 3929

هذا كتاب الفصيح … بكل لفظ مليح وهبته لك طوعا … كما وهبتك روحي الحسن بن أحمد ابن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران البزاز، أحد مشايخ الحديث، سمع الكثير، وكان ثقة صدوقا، جاء يوما شاب غريب فقال له: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: اذهب إلى أبى على بن شاذان فسلم عليه وأقره منى السلام. ثم انصرف الشاب فبكى الشيخ وقال: ما أعلم لي عملا أستحق به هذا غير صبري على سماع الحديث، وصلاتي على رسول الله ﷺ كلما ذكر. ثم توفى بعد شهرين أو ثلاثة من هذه الرؤيا في محرمها، عن سبع وثمانين سنة ودفن بباب الدير. الحسن بن عثمان ابن أحمد بن الحسين بن سورة، أبو عمر الواعظ المعروف بابن الغلو، سمع الحديث عن جماعة. قال ابن الجوزي: وكان يعظ، وله بلاغة، وفيه كرم، وأمر بمعروف ونهى عن منكر، ومن شعره قوله: دخلت على السلطان في دار عزه … بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل وقلت: انظروا ما بين فقري وملككم … بمقدار ما بين الولاية والعزل توفى في صفر منها وقد قارب الثمانين، ودفن بمقبرة حرب إلى جانب ابن السماك رحمهما الله. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة في المحرم منها تكاملت قنطرة عيسى التي كانت سقطت، وكان الّذي ولى مشارفة الإنفاق عليها الشيخ أبو الحسين القدوري الحنفي، وفي المحرم وما بعده تفاقم أمر العيارين، وكبسوا الدور وتزايد شرهم جدا. وفيها توفى صاحب مصر الظاهر أبو الحسن على بن الحاكم الفاطمي، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة، وقام بالأمر من بعده ولده المستنصر وعمره سبع سنين، واسمه معد، وكنيته أبو تميم، وتكفل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش، واسمه بدر بن عبد الله الجمالي، وكان الظاهر هذا قد استوزر الصاحب أبا القاسم على بن أحمد الجرجرائى، وكان مقطوع اليدين من المرفقين، في سنة ثماني عشرة، فاستمر في الوزارة مدة ولاية الظاهر، ثم لولده المستنصر، حتى توفى الوزير الجرجرائى المذكور في سنة ست وثلاثين، وكان قد سلك في وزارته العفة العظيمة، وكان الّذي يعلم عنه القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب الشهاب، وكانت علامته الحمد لله شكرا لنعمه، وكان الّذي قطع يديه من المرفقين الحاكم، لجناية ظهرت منه في سنة أربع وأربعمائة، ثم استعمله في بعض الأعمال سنة تسع، فلما فقد الحاكم في السابع والعشرين من شوال، سنة إحدى عشرة، تنقلت بالجرجرائي المذكور الأحوال حتى استوزر سنة ثماني عشرة كما ذكرنا، وقد هجاه بعض الشعراء

стр. 3930

فقال: يا أجمعا اسمع وقل … ودع الرقاعة والتحامق أأقمت نفسك في الثقات … وهبك فيما قلت صادق أمن الأمانة والتقى … قطعت يداك من المرافق وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي ويقال الثعلبي أيضا - وهو لقب أيضا وليس - بنسبة، النيسابورىّ المفسر المشهور، له التفسير الكبير، وله كتاب العرايس في قصص الأنبياء ﵈، وغير ذلك، وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير، ذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في تاريخ نيسابور، وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به، توفى في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفى يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم منها، ورئيت له منامات صالحة ﵀. وقال السمعاني: ونيسابور كانت مغصبة فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة فيها خلع الخليفة على أبى تمام محمد بن محمد بن على الزينبي، وقلده ما كان إلى أبيه من نقابة العباسيين والصلاة. وفيها وقعت الفرقة بين الجند وبين جلال الدولة وقطعوا خطبته وخطبة الملك أبى كاليجار، ثم أعادوا الخطبة، واستوزر أبا المعالي بن عبد الرحيم، وكان جلال الدولة قد جمع خلقا كثيرا معه، منهم البساسيري، ودبيس بن على بن مرثد، وقرواش بن مقلد، ونازل بغداد من جانبها الغربي حتى أخذها قهرا، واصطلح هو وأبو كاليجار نائب جلال الدولة على يدي قاضى القضاة الماوردي، وتزوج أبو منصور بن أبى كاليجار بابنة جلال الدولة على صداق خمسين ألف دينار واتفقت كلمتهما وحسن حال الرعية. وفيها نزل مطر ببلاد قم الصلح ومعه سمك وزن السمكة رطل ورطلان، وفيها بعث ملك مصر بمال لإصلاح نهر بالكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع الخليفة الفقهاء وسألهم عن هذا المال فأفتوا بأن هذا المال فيء للمسلمين، يصرف في مصالحهم. فأذن في صرفه في مصالح المسلمين. وفيها ثار العيارون ببغداد وفتحوا السجن بالجانب الشرقي، وأخذوا منه رجالا وقتلوا من رجال الشرط سبعة عشر رجلا، وانتشرت الشرور في البلد جدا. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان لاختلاف الكلمة. وممن توفى فيها من الأعيان القدوري أحمد بن محمد ابن أحمد بن جعفر، أبو الحسن القدوري الحنفي البغدادي، سمع الحديث ولم يحدث إلا بشيء يسير. قال الخطيب: كتبت عنه. وقد تقدمت وفاته، ودفن بداره في درب خلف. الحسن بن شهاب ابن الحسن بن على، أبو على العكبريّ، الفقيه الحنبلي الشاعر، ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة

стр. 3931

سمع من أبى بكر بن مالك وغيره، وكان كما قال البرقاني ثقة أمينا، وكان يسترزق من الوراقة - وهو النسخ - يقال إنه كان يكتب ديوان المتنبي في ثلاث ليال فيبيعه بمائتي درهم، ولما توفى أخذ السلطان من تركته ألف دينار سوى الأملاك، وكان قد أوصى بثلث ماله في متفقهة الحنابلة، فلم تصرف لطف الله أحمد بن عيسى أبو الفضل الهاشمي، ولى القضاء والخطابة بدرب ريحان، وكان ذا لسان، وقد أضر في آخر عمره، وكان يروى حكايات وأناشيد من حفظه، توفى في صفر منها. محمد بن أحمد ابن على بن موسى بن عبد المطلب، أبو على الهاشمي، أحد أئمة الحنابلة وفضلائهم. محمد بن الحسن ابن أحمد بن على أبو الحسن الأهوازي، ويعرف بابن أبى على الأصبهاني، ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد وخرج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه، فسمعها منه البرقاني، إلا أنه بان كذبه، حتى كان بعضهم يسميه جراب الكذب، أقام ببغداد سبع سنين، ثم عاد إلى الأهواز فمات بها مهيار الديلميّ الشاعر مهيار بن مرزويه أبو الحسين الكاتب الفارسي، ويقال له الديلميّ، كان مجوسيا فأسلم، إلا أنه سلك سبيل الرافضة، وكان ينظم الشعر القوى الفحل في مذاهبهم، من سب الصحابة وغيرهم، حتى قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار انتقلت من زاوية في النار إلى زاوية أخرى في النار، كنت مجوسيا فأسلمت فصرت تسب الصحابة، وقد كان منزله بدرب رباح من الكرخ، وله ديوان شعر مشهور، فمن مستجاد قوله: أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب … وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب وأبتغي عندكم قلبا سمحت به … وكيف يرجع شيء وهو موهوب ما كنت أعرف مقدار حبكم … حتى هجرت وبعض الهجر تأديب ولمهيار أيضا: أجارتنا بالغور والركب منهم … أيعلم خال كيف بات المتيم رحلتم وجمر القلب فينا وفيكم … سواء ولكن ساهرون ونوّم فبنتم عنا ظاعنين وخلفوا … قلوبا أبت أن تعرف الصبر عنهم ولما خلى التوديع عما حذرته … ولم يبق إلا نظرة لي تغنم بكيت على الوادي وحرمت ماءه … وكيف به ماء وأكثره دم قال ابن الجوزي: ولما كان شعره أكثره جيدا اقتصرت على هذا القدر. توفى في جمادى

стр. 3932

الآخرة هبة الله بن الحسن أبو الحسين المعروف بالحاجب، كان من أهل الفضل والأدب والدين، وله شعر حسن، فمنه قوله: يا ليلة سلك الزمان … في طيبها كل مسلك إذ ترتقى روحي المسرة … مدركا ما ليس يدرك والبدر قد فضح الزمان … وسرّه فيه مهتّك وكأنما زهر النجوم … بلمعها شعل تحرك والغيب أحيانا يلو … ح كأنه ثوب ممسك وكأن تجعيد الرياح … لدجلة ثوب مفرّك وكان نشر المسك … ينفح في النسيم إذا تحرك وكأنما المنثور مصفر … الذرى ذهب مسبّك والنور يبسم في الرياض … فان نظرت إليه سرك شارطت نفسي أن أقو … م بحقها والشرط أملك حتى تولى الليل منهزما … وجاء الصبح يضحك وذا الفتى لو أنه … في طيب العيش يترك والدهر يحسب عمره … فإذا أتاه الشيب فذلك أبو على بن سينا الطبيب الفيلسوف، الحسن بن عبد الله بن سينا الرئيس، كان بارعا في الطب في زمانه، كان أبوه من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى، واشتغل بها فقرأ القرآن وأتقنه، وهو ابن عشر سنين، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة وإقليدس والمجسطي، ثم اشتغل على أبى عبد الله الناتلى الحكيم، فبرع فيه وفاق أهل زمانه في ذلك، وتردد الناس إليه واشتغلوا عليه، وهو ابن ست عشرة سنة، وعالج بعض الملوك السامانية، وهو الأمير نوح بن نصر، فأعطاه جائزة سنية، وحكمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب والمحاسن ما لا يوجد في غيرها، فيقال إنه عزا بعض تلك الكتب إلى نفسه، وله في الإلهيات والطبيعات كتب كثيرة، قال ابن خلكان: له نحو من مائة مصنف، صغار وكبار، منها القانون، والشفا، والنجاة، والإشارات، وسلامان، وإنسان، وحي بن يقظان، وغير ذلك. قال وكان من فلاسفة الإسلام، أورد له من الأشعار قصيدته في نفسه التي يقول فيها: هبطت إليك من المقام الأرفع … ورقاء ذات تعزز وتمنع محجوبة عن كل مقلة عارف … وهي التي سفرت ولم تتبرقع

стр. 3933

وصلت على كره إليك وربما … كرهت فراقك وهي ذات تفجع وهي قصيدة طويلة وله: اجعل غذاءك كل يوم مرة … واحذر طعاما قبل هضم طعام واحفظ منيك ما استطعت فإنه … ماء الحياة يراق في الأرحام وذكر أنه مات بالقولنج في همذان، وقيل بأصبهان، والأول أصح، يوم الجمعة في شهر رمضان منها، عن ثمان وخمسين سنة. قلت: قد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسا له، كفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثمانى، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعة في البواقي، ويقال إنه تاب عند الموت فالله أعلم. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة فيها كان بدو ملك السلاجقة، وفيها استولى ركن الدولة أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق، على نيسابور، وجلس على سرير ملكها، وبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها، وانتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين. وفيها قتل جيش المصريين لصاحب حلب وهو شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، واستولوا على حلب وأعمالها. وفيها سأل جلال الدولة الخليفة أن يلقب ملك الدولة، فأجابه إلى ذلك بعد تمنع. وفيها استدعى الخليفة بالقضاة والفقهاء وأحضر جاثليق النصارى ورأس جالوت اليهود، وألزموا بالغيار. وفي رمضان منها لقب جلال الدولة شاهنشاه الأعظم ملك الملوك، بأمر الخليفة، وخطب له بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك ورموا الخطباء بالآجر، ووقعت فتنة شديدة بسبب ذلك، واستفتوا القضاة والفقهاء في ذلك فأفتى أبو عبد الله الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية، وقد قال تعالى ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ وقال ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض، وأعظم من بعض، وليس في ذلك ما يوجب النكير والمماثلة بين الخالق والمخلوقين. وكتب القاضي أبو الطيب الطبري أن إطلاق ملك الملوك جائز، ويكون معناه ملك ملوك الأرض، وإذا جاز أن يقال كافى الكفاة وقاضى القضاة، جاز أن يقال ملك الملوك، وإذا كان في اللفظ ما يدل على أن المراد به ملوك الأرض زالت الشبهة، ومنه قولهم: اللهمّ أصلح الملك، فيصرف الكلام إلى المخلوقين وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك، وأما الماوردي صاحب الحاوي الكبير فقد نقل عنه أنه أجاز ذلك أيضا، والمشهور عنه ما نقله ابن الجوزي والشيخ أبو منصور بن الصلاح في أدب المفتى أنه منع من ذلك وأصرّ على المنع من ذلك، مع صحبته للملك جلال الدولة، وكثرة ترداده إليه، ووجاهته عنده، وأنه امتنع من الحضور عن مجلسه حتى استدعاه جلال الدولة في يوم عيد، فلما دخل عليه،

стр. 3934

دخل وهو وجل خائف أن يوقع به مكروها، فلما واجهه قال له جلال الدولة: قد علمت أنه إنما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك مع صحبتك إياي ووجاهتك عندي، دينك واتباعك الحق، وإن الحق آثر عندك من كل أحد، ولو حابيت أحدا من الناس لحابيتنى، وقد زادك ذلك عندي صحبة ومحبة، وعلو مكانة. قلت: والّذي حمل القاضي الماوردي على المنع هو السنة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة من غير وجه. قال الامام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك». قال الزهري: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم قال: أوضع. وقد رواه البخاري عن على بن المديني عن ابن عيينة، وأخرجه مسلم من طريق همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل تسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله ». وقال الامام أحمد: حدثني محمد بن جعفر حدثنا عوف عن جلاس عن أبى هريرة، قال قال رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على من قتله نبي، واشتد غضب الله على رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا الله ». وممن توفى فيها من الأعيان الثعالبي صاحب يتيمة الدهر أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابورىّ، كان إماما في اللغة والأخبار وأيام الناس، بارعا مفيدا، له التصانيف الكبار في النظم والنثر والبلاغة والفصاحة، وأكبر كتبه يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. وفيها يقول بعضهم: أبيات أشعار اليتيمة … أبكار أفكار قديمة ماتوا وعاشت بعدهم … فلذاك سميت اليتيمة وإنما سمى الثعالبي لأنه كان رفاء يخيط جلود الثعالب، وله أشعار كثيرة مليحة، ولد سنة خمسين وثلاثمائة، ومات في هذه السنة. الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد، البغدادي الفقيه الشافعيّ، أحد الأئمة في الأصول والفروع، وكان ماهرا في فنون كثيرة من العلوم، منها علم الحساب والفرائض، وكان ذا مال وثروة أنفقه كله على أهل العلم، وصنف ودرس في سبعة عشر علما، وكان اشتغاله على أبى إسحاق الأسفراييني، وأخذ عنه ناصر المروزي وغيره ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة فيها التقى الملك مسعود بن محمود، والملك طغرلبك السلجوقي، ومعه أخوه داود، في شعبان،

стр. 3935

فهزمهما مسعود، وقتل من أصحابهما خلقا كثيرا. وفيها خطب شبيب بن ريان للقائم العباسي بحران والرحبة وقطع خطبة الفاطمي العبيدي. وفيها خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز، وهو مقيم بواسط، وهذا العزيز آخر من ملك بغداد من بنى بويه، لما طغوا وتمردوا وبغوا وتسموا بملك الأملاك، فسلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وجعل الملك في غيرهم، كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وفيها خلع الخليفة على القاضي أبى عبد الله بن ماكولا خلعة تشريف. وفيها وقع ثلج عظيم ببغداد مقدار شبر. قال ابن الجوزي: وفي جمادى الآخرة تملك بنو سلجوق بلاد خراسان والجبل، وتقسموا الأطراف، وهو أول ملك السلجوقية ولم يحج أحد فيها من العراق وخراسان، ولا من أهل الشام ولا مصر إلا القليل. وممن توفى فيها من الأعيان الحافظ أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الأصبهاني، الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها حلية الأولياء في مجلدات كثيرة، دلت على اتساع روايته، وكثرة مشايخه، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث، وشعب طرقه، وله معجم الصحابة، وهو عندي بخطه، وله صفة الجنة ودلائل النبوة، وكتاب في الطب النبوي، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. وقد قال الخطيب البغدادي: كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضح أحدهما من الآخر. وقال عبد العزيز النخشبى: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبى أسامة بن أبى بكر بن خلاد بتمامه، فحدث به كله، وقال ابن الجوزي: سمع الكثير وصنف الكثير، وكان يميل إلى مذهب الأشعري في الاعتقاد ميلا كثيرا، توفى أبو نعيم في الثامن والعشرين من المحرم منها عن أربع وتسعين سنة ﵀، لأنه ولد فيما ذكره ابن خلكان في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. قال وله تاريخ أصبهان. وذكر أبو نعيم في ترجمة والده أن مهران أسلم، وأن ولاءهم لعبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب. وذكر أن معنى أصبهان وأصله بالفارسية شاهان، أي مجمع العساكر، وأن الإسكندر بناها الحسن بن حفص أبو الفتوح العلويّ أمير مكة الحسن بن الحسين، أبو على البرجمي، وزر لشرف الدولة سنتين ثم عزل، وكان عظيم الجاه في زمانه، وهو الّذي بنى مارستان واسط، ورتب فيه الأشربة والأطباء والأدوية، ووقف عليه كفايته. توفى في هذه السنة وقد قارب الثمانين ﵀. الحسين بن محمد بن الحسن ابن على بن عبد الله المؤدب، وهو أبو محمد الخلال، سمع صحيح البخاري من إسماعيل بن محمد الكشميهني، وسمع غيره، توفى في جمادى الأولى ودفن بباب حرب.

стр. 3936

عبد الملك بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن بشر بن مهران، أبو القاسم الواعظ، سمع النجاد ودعلج بن أحمد والآجري وغيرهم، وكان ثقة صدوقا، وكان يشهد عند الحكام فترك ذلك رغبة عنه ورهبة من الله، ومات في ربيع الآخر منها، وقد جاوز التسعين، وصلى عليه في جامع الرصافة، وكان الجمع كثيرا حافلا، ودفن إلى جانب أبى طالب المكيّ، وكان قد أوصى بذلك. محمد بن الحسين بن خلف ابن الفراء، أبو حازم القاضي أبو يعلى الحنبلي، سمع الدار قطنى وابن شاهين، قال الخطيب: كان لا بأس به، ورأيت له أصولا سماعه فيها، ثم إنه بلغنا أنه خلط في الحديث بمصر واشترى من الوراقين صحفا فروى منها، وكان يذهب إلى الاعتزال. توفى بتنيس من بلاد مصر. محمد بن عبد الله أبو بكر الدينَوَريّ الزاهد، كان حسن العيش، وكان ابن القزويني يثنى عليه، وكان جلال الدولة صاحب بغداد يزوره، وقد سأله مرة أن يطلق للناس مكث الملح، وكان مبلغه ألفى دينار فتركه من أجله، ولما توفى اجتمع أهل بغداد لجنازته وصلى عليه مرات، ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى. الفضل بن منصور أبو الرضى، ويعرف بابن الظريف، وكان شاعرا ظريفا ومن شعره قوله: يا قالة الشعر قد نصحت لكم … ولست أدهى إلا من النصح قد ذهب الدهر بالكرام … وفي ذاك أمور طويلة الشرح أتطلبون النوال من رجل … قد طبعت نفسه على الشح وأنتم تمدحون بالحسن والظرف … وجوها في غاية القبح من أجل ذا تحرمون رزقكم … لأنكم تكذبون في المدح صونوا القوافي فما أرى … أحدا يغتر فيه بالنجح فان شككتم فيما أقول لكم … فكذبوني بواحد سمح هبة الله بن على بن جعفر أبو القاسم بن ماكولا، وزر لجلال الدولة مرارا، وكان حافظا للقرآن، عارفا بالشعر والأخبار، خنق بهيت في جمادى الآخرة منها. أبو زيد الدبوسي عبد الله بن عمر بن عيسى الفقيه الحنفي، أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود. قاله

стр. 3937

ابن خلكان، وكان يضرب به المثل، والدبوس نسبة إلى قرية من أعمال بخارى، قال: وله كتاب الأسرار والتقويم للادلة، وغير ذلك من التصانيف والتعاليق، قال وروى أنه ناظر فقيها فبقي كلما ألزمه أبو زيد إلزاما تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد في ذلك: ما لي إذا ألزمته حجة … قابلنى بالضحك والقهقهة إن ضحك المرء من فقهه … فالدب بالصحراء ما أفقهه الحوفى صاحب إعراب القرآن أبو الحسن على بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفى النحويّ، له كتاب في النحو كبير، وإعراب القرآن في عشر مجلدات، وله تفسير القرآن أيضا، وكان إماما في العربية والنحو والأدب وله تصانيف كثيرة، انتفع بها الناس. قال ابن خلكان: والحوفى نسبة لناحية بمصر يقال لها الشرقية، وقصبتها مدينة بلبيس، فجميع ريفها يسمون حوف، واحدهم حوفى وهو من قرية يقال لها شبر النخلة من أعمال الشرقية المذكورة ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فيها زادت دجلة زيادة عظيمة بحيث حملت الجسر ومن عليه فألقتهم بأسفل البلد وسلموا، وفيها وقع بين الجند وبين جلال الدولة شغب، وقتل من الفريقين خلق، وجرت شرور يطول ذكرها. ووقع فساد عريض واتسع الخرق على الراقع، ونهبت دور كثيرة جدا، ولم يبق للملك عندهم حرمة، وغلت الأسعار. وفيها زار الملك أبو طاهر مشهد الحسين، ومشى حافيا في بعض تلك الأزوار. ولم يحج أحد من أهل العراق. وفيها بعث الملك أبو كاليجار وزيره العادل إلى البصرة فملكها له. وممن توفى فيها من الأعيان إسماعيل بن أحمد ابن عبد الله أبو عبد الرحمن الضرير الخيريّ، من أهل نيسابور، كان من أعيان الفضلاء الأذكياء، والثقات الأمناء، قدم بغداد حاجا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، فقرأ عليه الخطيب جميع صحيح البخاري في ثلاث مجالس بروايته له عن أبى الهيثم الكشميهني، عن الفربري عن البخاري، توفى فيها وقد جاوز التسعين. بشرى الفاتنى وهو بشرى بن مسيس من سبى الروم، أهداه أمراء بنى حمدان الفاتن غلام المطيع، فأدبه وسمع الحديث عن جماعة من المشايخ، وروى عنه الخطيب. وقال: كان صدوقا صالحا دينا، توفى يوم عيد الفطر منها ﵀ محمد بن على ابن أحمد بن يعقوب بن مروان أبو العلاء الواسطي، وأصله من فم الصلح، سمع الحديث وقرأ

стр. 3938

القراءات ورواها، وقد تكلموا في روايته في القراءات والحديث فالله أعلم. توفى في جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وأربعمائة فيها عظم شأن السلجوقية، وارتفع شأن ملكهم طغرلبك، وأخيه داود، وهما ابنا ميكائيل بن سلجوق بن بغاق، وقد كأن جدهم بغاق هذا من مشايخ الترك القدماء، الذين لهم رأى ومكيدة ومكانة عند ملكهم الأعظم، ونشأ ولده سلجوق نجيبا شهما، فقدمه الملك ولقبه شباسى، فأطاعته الجيوش وانقاد له الناس بحيث تخوف منه الملك وأراد قتله، فهرب منه إلى بلاد المسلمين، فأسلم فازداد عزا وعلوا، ثم توفى عن مائة وسبع سنين، وخلف أرسلان وميكائيل وموسى، فأما ميكائيل فإنه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك، حتى قتل شهيدا، وخلف ولديه طغرلبك محمد، وجعفر بك داود، فعظم شأنهما في بنى عمهما، واجتمع عليهما الترك من المؤمنين، وهم ترك الايمان الذين يقول لهم الناس تركمان، وهم السلاجقة بنو سلجوق جدهم هذا، فأخذوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سبكتكين، وقد كان يتخوف منهم محمود بعض التخوف، فلما مات وقام ولده مسعود بعده قاتلهم وقاتلوه مرارا، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه، وكبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله وخيامه، وجلس على سريره، وفرق الغنائم على جيشه، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفا من دهمة العدو، وبمثل هذا تم لهم ما راموه، وكمل لهم جميع ما أملوه، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبى بها وترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة، فلما عبر الجسر الّذي على سيحون نهبت جنوده حواصله، واجتمعوا على أخيه محمد بن محمود، وخلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه وأسروه، فقال له أخوه: والله لست بقاتلك على شر صنيعك إلى، ولكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت وعيالك، فاختار قلعة كبرى، وكان بها، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الأمر من بعده، وبايع الجيش له، وكان ولده اسمه أحمد، وكان فيه هرج، فاتفق هو ويوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الأمر، ويتم لهم الملك، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله، فلما علم أبوه بذلك غاظه وعتب على ابنه عتبا شديدا، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم له أنه لم يعلم بذلك، حتى كان ما كان. فكتب إليه مودود بن مسعود: رزق الله ولدك المعتوه عقلا يعيش به، فقد ارتكب أمرا عظيما، وقدم على إراقة دم مثل والدي الّذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أي حيف تورطتم، وأي شر تأبطتم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم

стр. 3939

وأسرهم، فقتل عمه محمدا وابنه أحمد وبنى عمه كلهم، إلا عبد الرحمن وخلقا من رءوس أمرائهم، وابتنى قرية هنالك وسماها فتح آباذ، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، فأظهر العدل وسلك سيرة جده محمود، فأطاعه الناس، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتباع والطاعة، غير أنه أهلك قومه بيده، وهذا من جملة سعادة السلاجقة. وفيها اختلف أولاد حماد على العزيز باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريبا من سنتين، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر، ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان. وممن توفى فيها من الأعيان. محمد بن الحسين ابن الفضل بن العباس، أبو يعلى البصري الصوفي، أذهب عمره في الاسفار والتغريب، وقدم بغداد في سنة ثنتين وثلاثين، فحدث بها عن أبى بكر بن أبى الحديد الدمشقيّ، وأبى الحسين بن جميع الغساني، وكان ثقة صدوقا دينا حسن الشعر. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فيها ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، ثم عاد إلى نيسابور مؤيدا منصورا. وفيها ولى ظهير الدولة بن جلال الدولة أبى جعفر بن كالويه بعد وفاة أبيه، فوقع الخلف بينه وبين أخويه أبى كاليجار وكرسانيف. وفيها دخل أبو كاليجار همذان ودفع الغز عنها. وفيها شعثت الأكراد ببغداد لسبب تأخر العطاء عنهم. وفيها سقطت قنطرة بنى زريق على نهر عيسى، وكذا القنطرة الكثيفة التي تقابلها. وفيها دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج، وذكر أنه من كبارهم، فأنزل بدار الخلافة وأجرى عليه الأرزاق، وذكر أنهم مولدون من الترك والصقالبة، وأنهم في أقصى بلاد الترك، وأن النهار يقصر عندهم حتى يكون ست ساعات، وكذلك الليل، وعندهم عيون وزروع وثمار، على غير مطر ولا سقى. وفيها قرئ الاعتقاد القادري الّذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن على بن عمر القزويني، ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف. وممن توفى فيها من الأعيان. بهرام بن منافية أبو منصور الوزير لأبى كاليجار، كان عفيفا نزها صينا، عادلا في سيرته، وقد وقف خزانة

стр. 3940

كتب في مدينة فيروزاباذ، تشتمل على سبعة آلاف مجلد، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخط أبى على وأبى عبد الله بن مقلة (١). محمد بن جعفر بن الحسين المعروف بالجهرمي، قال الخطيب: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم وسمعنا منهم، وكان يجيد القول، ومن شعره: يا ويح قلبي من تقلبه … أبدا نحن إلى معذبه قالوا كتمت هواه عن جلد … لو أن لي جلد لبحت به ما بى جننت غير مكترث … عنى ولكن من تغيبه حسبي رضاه من الحياة وما … يلقى وموتى من تغضبه مسعود الملك بن الملك محمود ابن الملك سبكتكين، صاحب غزنة وابن صاحبها، قتله ابن عمه أحمد بن محمد بن محمود، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود، فقتل قاتل أبيه وعمه وابن عمه وأهل بيته، من أجل أبيه، واستتب له الأمر وحده من غير منازع من قومه كما تقدم بنت أمير المؤمنين المتقى بالله تأخرت مدتها حتى توفيت في هذه السنة في رجب منها عن إحدى وتسعين سنة، بالحريم الظاهر، ودفنت بالرصافة. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فيها أمر الملك جلال الدولة أبا طاهر بجباية أموال الجوالى، ومنع أصحاب الخليفة من قبضها، فانزعج لذلك الخليفة القائم بالله، وعزم على الخروج من بغداد. وفيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، فهدمت قلعتها وسورها ودورها، ومن دار الامارة عامة قصورها، ومات تحت الهدم خمسون ألفا، ولبس أهلها المسوح لشدة مصابهم. وفيها استولى السلطان طغرلبك على أكثر البلاد الشرقية من ذلك مدينة خوارزم ودهستان وطيس والري وبلاد الجبل وكرمان وأعمالها، وقزوين. وخطب له في تلك النواحي كلها، وعظم شأنه جدا، واتسع صيته. وفيها ملك سماك بن صالح بن مرداس حلب، أخذها من الفاطميين، فبعث إليه المصريون من حاربه. ولم يحج أحد من أهل العراق وغيرها، ولا في اللواتي قبلها. وممن توفى فيها من الأعيان. أبو ذر الهروي عبد الله بن أحمد بن محمد الحافظ المالكي، سمع الكثير ورحل إلى الأقاليم، وسكن مكة، ثم تزوج في العرب، وكان يحج كل سنة ويقيم بمكة أيام الموسم ويسمع الناس، ومنه أخذ المغاربة مذهب الأشعري عنه، وكان يقول إنه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني، كان حافظا، توفى في

стр. 3941

ذي القعدة. محمد بن الحسين ابن محمد بن جعفر، أبو الفتح الشيباني العطار، ويعرف بقطيط، سافر الكثير إلى البلاد، وسمع الكثير، وكان شيخا ظريفا، سلك طريق التصوف، وكان يقول: لما ولدت سميت قطيطا على أسماء البادية، ثم سماني بعض أهلي محمدا. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة فيها ردت الجوالى إلى نواب الخليفة. وفيها ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالإحسان إلى الرعايا والوصاة بهم، قبل أن يحل به ما يسوءه. ذكر ملك أبى كاليجار بغداد بعد وفاة أخيه جلال الدولة وفيها توفى جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة، وخطب له بها عن ممالأة أمرائها، وأخرجوا منها الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، فتنقل في البلاد وتسرب من مملكته إلى غيرها حتى توفى سنة إحدى وأربعين، وحمل فدفن عند أبيه بمقابر قريش. وفيها أرسل الملك مودود بن مسعود عسكرا كثيفا إلى خراسان فبرز إليهم ألب أرسلان بن داود السلجوقي فاقتتلا قتالا عظيما، وفي صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يطرقون بلاد المسلمين نحو من عشرة آلاف خركاة، وضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم، وتفرقوا في البلاد، ولم يسلم من خطا والتتر أحد وهم بنواحي الصين. وفيها نفى ملك الروم من القسطنطينية كل غريب له فيها دون العشرين سنة. وفيها خطب المعز أبو تميم صاحب إفريقية ببلاده للخليفة العباسي، وقطع خطبة الفاطميين وأحرق أعلامهم، وأرسل إليه الخليفة الخلع واللواء المنشور، وفيه تعظيم له وثناء عليه. وفيها أرسل القائم بأمر الله أبا الحسن على بن محمد ابن حبيب الماوردي قبل موت جلال الدولة إلى الملك طغرلبك ليصلح بينه وبين جلال الدولة وأبى كاليجار، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقاه الملك على أربعة فراسخ إكراما للخليفة، وأقام عنده إلى السنة الآتية. فلما قدم على الخليفة أخبره بطاعته وإكرامه لأجل الخليفة. وفيها توفى من الأعيان الحسين بن عثمان ابن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف العجليّ، أبو سعد أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتباعدة، ثم أقام ببغداد مدة وحدث بها، وروى عنه الخطيب، وقال: كان صدوقا، ثم انتقل في آخر عمره إلى مكة فأقام بها حتى مات في شوال منها. عبد الله بن أبى الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الأزهري، الحافظ المحدث المشهور، ويعرف

стр. 3942

بابن السواري، سمع من أبى بكر بن مالك وخلق يطول ذكرهم، وكان ثقة صدوقا، دينا، حسن الاعتقاد والسيرة، توفى ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر منها عن ثمانين سنة وعشرة أيام. الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن بويه الديلميّ، صاحب العراق، كان يحب العباد ويزورهم، ويلتمس الدعاء منهم، وقد نكب مرات عديدة، وأخرج من داره، وتارة أخرج من بغداد بالكلية، ثم يعود إليها حتى اعتراه وجع كبده فمات من ذلك في ليلة الجمعة خامس شعبان منها، وله من العمر إحدى وخمسين سنة وأشهر، تولى العراق من ذلك ستة عشرة سنة وإحدى عشر شهرا والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة فيها دخل الملك أبو كاليجار بغداد وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم تكن الملوك تفعل ذلك، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاث أوقات، وما كان يضرب في الأوقات الخمس إلا للخليفة، وكان دخوله إليها في رمضان، وقد فرق على الجند أموالا جزيلة، وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار، وخلع على مقدمي الجيوش وهم البساسيري، والنشاورى، والهمام أبو اللقاء، ولقبه الخليفة محيي الدولة، وخطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها، وخطب له بهمذان، ولم يبق لنواب طغرلبك فيها أمر. وفيها استوزر طغرلبك أبا القاسم عبد الله الجويني، وهو أول وزير وزر له. وفيها ورد أبو نصر أحمد بن يوسف الصاحب مصر، وكان يهوديا فأسلم بعد موت الجرجرائي. وفيها تولى نقابة الطالبيين أبو أحمد بن عدنان بن الرضى، وذلك بعد وفاة عمه المرتضى. وفيها ولى القضاء أبو الطيب الطبري، قضاء الكرخ، مضافا إلى ما كان يتولاه من الفضاء بباب الطلق، وذلك بعد موت القاضي الصيمري. وفيها نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم ابن المسلم في كتاب ديوان الخليفة، وكان عنده بمنزلة عالية. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق. وممن توفى فيها من الأعيان. الحسين بن على ابن محمد بن جعفر، أبو عبد الله الصيمري نسبة إلى نهر البصرة يقال له صيمر، عليه عدة قرى، أحد أئمة الحنفية، ولى قضاء المدائن ثم قضاء ربع الكرخ، وحدث عن أبى بكر المفيد، وابن شاهين وغيرهما، وكان صدوقا وافر العقل، جميل المعاشرة، حسن العبادة، عارفا بحقوق العلماء. توفى في شوال عن خمس وثمانين سنة. عبد الوهاب بن منصور ابن أحمد، أبو الحسن المعروف بابن المشترى الأهوازي، كان قاضيا بالأهواز (١) ونواحيها،

стр. 3943

شافعيّ المذهب، كان له منزلة كبيرة عند السلطان، وكان صدوقا كثير المال، حسن السيرة. الشريف المرتضى على بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، الشريف الموسوي، الملقب بالمرتضى، ذي المجدين، كان أكبر من أخيه ذي الحسبين وكان جيد الشعر على مذهب الإمامية والاعتزال، يناظر على ذلك، وكان يناظر عنده في كل المذاهب، وله تصانيف في التشيع، أصولا وفروعا، وقد نقل ابن الجوزي أشياء من تفرداته في التشيع، فمن ذلك أنه لا يصح السجود إلا على الأرض أو ما كان من جنسها، وأن الاستجمار إنما يجزئ في الغائط لا في البول، وأن الكتابيات حرام، وكذا ذبائح أهل الكتاب، وما ولدوه هم وسائر الكفار من الأطعمة حرام، وأن الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، والمعلق منه لا يقع وإن وجد شرطه، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف الليل وجب قضاؤها، ويجب عليه أن يصبح صائما كفارة لما وقع منه. ومن ذلك أن المرأة إذا جزت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، ومن شق ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة اليمين، ومن تزوج امرأة لها زوج لا يعلمه وجب عليه أن يتصدق بخمسة دراهم، وأن قطع السارق من رءوس الأصابع. قال ابن الجوزي: نقلته من خط أبى الوفاء ابن عقيل. قال: وهذه مذاهب عجيبة، تخرق الإجماع، وأعجب منها ذم الصحابة ﵃. ثم سرد من كلامه شيئا قبيحا في تكفير عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة وحفصة ﵃ وأخزاه الله وأمثاله من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض والارتكاس، إن لم يكن تاب، فقد روى ابن الجوزي قال: أنبأنا ابن ناصر عن أبى الحسن بن الطيوري قال سمعت أبا القاسم بن برهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى وإذا هو قد حول وجهه إلى الجدار وهو يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا واسترحما فرحما، فأنا أقول ارتدا بعد ما أسلما؟ قال فقمت عنه فما بلغت عتبة داره حتى سمعت الزعقة عليه. توفى في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة. وقد ذكره ابن خلكان فملس عليه على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم، وأورد له أشعارا رائقة. قال ويقال: إنه هو الّذي وضع كتاب نهج البلاغة محمد بن أحمد ابن شعيب بن عبد الله بن الفضل، أبو منصور الروياني، صاحب الشيخ أبى حامد الأسفراييني قال الخطيب: سكن بغداد وحدث بها، وكتبنا عنه، وكان صدوقا يسكن قطيعة الربيع. توفى في ربيع الأول منها، ودفن بباب حرب. أبو الحسين البصري المعتزلي محمد بن على بن الخطيب، أبو الحسين البصري المتكلم، شيخ المعتزلة والمنتصر لهم، والمحامي

стр. 3944

عن ذمهم بالتصانيف الكثيرة، توفى في ربيع الآخر منها، وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصيمري، ودفن في الشونيزى، ولم يرو من الحديث سوى حديث واحد، رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: حدثنا محمد بن على بن الطيب قرئ على هلال بن محمد بن أخى هلال الرأى، بالبصرة وأنا أسمع، قيل له حدثكم أبو مسلم الكجي وأبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ والغلابي والمازني والزريقى قالوا: حدثنا القعنبي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن أبى مسعود البدري. قال قال رسول الله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت». والغلابي اسمه محمد، والمازني اسمه محمد بن حامد، والزريقى أبو على محمد بن أحمد بن خالد البصري. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة فيها بعث السلطان طغرلبك السلجوقي أخاه إبراهيم إلى بلاد الجبل فملكها، وأخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، فالتحق بالأكراد، ثم سار إبراهيم إلى الدينور فملكها أيضا، وأخرج صاحبها وهو أبو الشوك، فسار إلى حلوان فتبعه إبراهيم فملك حلوان قهرا، وأحرق داره وغنم أمواله، فعند ذلك تجهز الملك أبو كاليجار لقتال السلاجقة الذين تعدوا على أتباعه، فلم يمكنه ذلك لقلة الظهر، وذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثنى عشر ألف فرس، بحيث جافت بغداد من جيف الخيل. وفيها وقع بين الروافض والسنة ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، وإحراق الكنيسة العتيقة، التي لهم، واتفق موت رجل من أكابر النصارى بواسط فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك وأخرجوا جنازته جهرا، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة فهزموهم وأخذوا الميت منهم واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه، ورموا رماده في دجلة، ومضوا إلى الدير فنهبوه، وعجز الأتراك عن دفعهم. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق. وممن توفى فيها من الأعيان. فارس بن محمد بن عناز صاحب الدينور وغيرهم، توفى في هذا الأوان. خديجة بنت موسى ابن عبد الله الواعظة، وتعرف ببنت البقال، وتكنى أم سلمة، قال الخطيب: كتبت عنها وكانت فقيرة صالحة فاضلة. أحمد بن يوسف السليكى المنازى الشاعر الكاتب، وزير أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر، كان فاضلا بارعا لطيفا، تردد في الترسل إلى القسطنطينية غير مرة، وحصل كتبا عزيزة أوقفها على جامعى آمد

стр. 3945

وميافارقين، ودخل يوما على أبى العلاء المعرى فقال له: إني معتزل الناس وهم يؤذوننى، وتركت لهم الدنيا، فقال له الوزير: والآخرة أيضا. فقال والآخرة يا قاضى؟ قال: نعم. وله ديوان قليل النظير عزيز الوجود، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، توفى فيها. ومن شعره في وادي تزاعة. وقانا لفحة الرمضاء واد … وقاه مضاعف النبت العميم نزلنا دوحه فحنا علينا … حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا … ألذ من المدامة للنديم يراعى الشمس أنى قابلته … فيحجبها ليأذن للنسيم تروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم قال ابن خلكان: وهذه الأبيات بديعة في بابها. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة استهلت هذه السنة والموتان كثير في الدواب جدا، حتى جافت بغداد. قال ابن الجوزي: وربما أحضر بعض الناس الأطباء لأجل دوابهم فيسقونها ماء الشعير ويطببونها. وفيها حاصر السلطان بن طغرلبك أصبهان فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه، أن يخطب له بها، فأجابوه إلى ذلك. وفيها ملك مهلهل قرميسين والدينور. وفيها تأمر على بنى خفاجة رجل يقال له رجب بن أبى منيع بن ثمال، بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال، وهؤلاء الأعراب أكثر من يصد الناس عن بيت الله الحرام، فلا جزاهم الله خيرا. وممن توفى فيها من الأعيان. الشيخ أبو محمد الجويني إمام الشافعية: عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيسويه الشيخ أبو محمد الجويني، وهو والد إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبى محمد، وأصله من قبيلة يقال لها سنبس، وجوين من نواحي نيسابور، سمع الحديث من بلاد شتى على جماعة، وقرأ الأدب على أبيه، وتفقه بابي الطيب سهل ابن محمد الصعلوكي، ثم خرج إلى مرو إلى أبى بكر عبد الله بن أحمد القفال، ثم عاد إلى نيسابور وعقد مجلس المناظرة، وكان مهيبا لا يجرى بين يديه إلا الجد، وصنف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم وكان زاهدا شديد الاحتياط لدينه حتى ربما أخرج الزكاة مرتين. وقد ذكرته في طبقات الشافعية وذكرت ما قاله الأئمة في مدحه، توفى في ذي القعدة منها. قال ابن خلكان: صنف التفسير الكبير المشتمل على أنواع العلوم، وله في الفقه التبصرة والتذكرة، وصنف مختصر المختصر، والفرق والجمع، والسلسلة وغير ذلك، وكان إماما في الفقه والأصول والأدب والعربية. توفى في هذه السنة، وقيل سنة أربع وثلاثين. قاله السمعاني في الأنساب، وهو في سن الكهولة.

стр. 3946

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة فيها اصطلح الملك طغرلبك وأبو كاليجار، وتزوج طغرلبك بابنته، وتزوج أبو منصور بن كاليجار، بابنة الملك داود أخى طغرلبك. وفيها أسرت الأكراد سرخاب أخا أبى الشوك وأحضروه بين يدي أميرهم ينال، فأمر بقلع إحدى عينيه. وفيها استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة ونجا صاحبها أبو نصر بنفسه. وفيها ظهر رجل يقال له الأصفر التغلبي، وادعى أنه من المذكورين في الكتب، فاستغوى خلقا، وقصد بلادا فغنم منها أموالا تقوى بها، وعظم أمره. ثم اتفق له أسر وحمل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، فاعتقله وسد عليه باب السجن. وفيها كان وباء شديد بالعراق والجزيرة، بسبب جيف الدواب التي ماتت، فمات فيها خلق كثير، حتى خلت الأسواق وقلّت الأشياء التي يحتاج إليها المرضى، وورد كتاب من الموصل بأنه لا يصلى الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمائة، وأن أهل الذمة لم يبق منهم إلا نحو مائة وعشرين نفسا. وفيها وقع غلاء شديد أيضا ووقعت فتنة بين الروافض والسنة ببغداد، قتل فيها خلق كثير. ولم يحج فيها أحد من ركب العراق وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد أبو الفضل القاضي الهاشمي، الرشيديّ، من ولد الرشيد، ولى القضاء بسجستان، وسمع الحديث من الغطريفى. قال الخطيب: أنشدنى لنفسه قوله: قالوا اقتصد في الجود إنك منصف … عدل وذو الإنصاف ليس يجور فأجبتهم إني سلالة معشر … لهم لواء في الندى منشور تالله إني شائد ما قدموا … جدي الرشيد وقبله المنصور عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب أبو القاسم الشاعر المعروف بالمطرز، ومن شعره قوله يا عبدكم لك من ذنب ومعصية … إن كنت ناسيها فالله أحصاها لا بد يا عبد من يوم تقوم به … ووقفة لك يدمي القلب ذكراها إذا عرضت على قلبي تذكرها … وساء ظني فقلت استغفر الله محمد بن الحسن بن على ابن عبد الرحيم أبو سعد الوزير، وزر للملك جلال الدولة ست مرات، ثم كان موته بجزيرة ابن عمر فيها عن ست وخمسين سنة. محمد بن أحمد بن موسى أبو عبد الله الواعظ الشيرازي، قال الخطيب: قدم بغداد وأظهر الزهد والتقشف والورع، وعزوف النفس عن الدنيا، فافتتن الناس به، وكان يحضر مجلسه خلق كثير، ثم إنه بعد حين كان

стр. 3947

يعرض عليه الشيء فيقبله، فكثرت أمواله، ولبس الثياب الناعمة، وجرت له أمور، وكثرت أتباعه وأظهر أنه يريد الغزو فاتبعه نفر كثير، فعسكر بظاهر البلد، وكان يضرب له الطبل في أوقات الصلوات وسار إلى ناحية أذربيجان، فالتف عليه خلق كثير، وضاهى أمير تلك الناحية، وكانت وفاته لك في هذه السنة. قال الخطيب: وقد حدث ببغداد وكتبت عنه أحاديث يسيرة، وحدثني بعض أصحابنا عنه بشيء يدل على ضعفه، وأنشد هو لبعضهم: إذا ما أطعت النفس في كل لذة … نسبت إلى غير الحجى والتكرم إذا ما أجبت الناس في كل دعوة … دعتك إلى الأمر القبيح المحرم المظفر بن الحسين ابن عمر بن برهان، أبو الحسن الغزال، سمع محمد بن المظفر وغيره، وكان صدوقا. محمد بن على بن إبراهيم أبو الخطاب الحنبلي الشاعر، من شعره قوله: ما حكم الحب فهو ممتثل … وما جناه الحبيب محتمل يهوى ويشكو الضنى وكل هوى … لا ينحل الجسم فهو منتحل وقد سافر إلى الشام فاجتاز بمعرة النعمان فامتدحه أبو العلاء المعرى بأبيات، فأجابه مرتجلا عنها. وقد كان حسن العينين حين سافر، فما رجع إلى بغداد إلا وهو أعمى. توفى في ذي القعدة منها ويقال إنه كان شديد الرفض فالله أعلم. الشيخ أبو على السنجى الحسين بن شعيب بن محمد شيخ الشافعية في زمانه، أخذ عن أبى بكر القفال، وشرح الفروع لابن الحداد، وقد شرحها قبله شيخه، وقبله القاضي أبو الطيب الطبري، وشرح أبو على السنجى كتاب التلخيص لابن القاص، شرحا كبيرا، وله كتاب المجموع، ومنه أخذ الغزالي في الوسيط. قال ابن خلكان: وهو أول من جمع بين طريقة العراقيين والخراسانيين. توفى سنة بضع وثلاثين وأربعمائة ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة في هذه السنة توفى الملك أبو كاليجار في جمادى الأولى منها، صاحب بغداد، مرض وهو في برية، ففصد في يوم ثلاث مرات، وحمل في محفة فمات ليلة الخميس، ونهبت الغلمان الخزائن، وأحرق الجواري الخيام، سوى الخيمة التي هو فيها، وولى بعده ابنه أبو نصر، وسموه الملك الرحيم، ودخل دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع، وسوره وطوقه وجعل على رأسه التاج والعمامة السوداء، ووصاه الخليفة، ورجع إلى داره وجاء الناس ليهنئوه. وفيها دار السور على شيراز، وكان دوره اثنى عشر

стр. 3948

ألف ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع، وعرضه ستة أذرع، وفيه أحد عشر بابا. وفيها غزا إبراهيم ابن نيال بلاد الروم فغنم مائة ألف رأس، وأربعة آلاف درع، وقيل تسع عشرة ألف درع. ولم يبق بينه وبين القسطنطينية إلا خمسة عشر يوما، وجمل ما غنم على عشرة آلاف عجلة. وفيها خطب لذخيرة الدين أبى العباس أحمد بن الخليفة القائم بأمر الله، على المنابر بولاية العهد بعد أبيه، وحيي بذلك. وفيها اقتتل الروافض والسنة، وجرت ببغداد فتن يطول ذكرها. ولم يحج أحد من أهل العراق. وممن توفى فيها من الأعيان الحسن بن عيسى بن المقتدر أبو محمد العباسي، ولد في المحرم سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وسمع من مؤدبه أحمد بن منصور السكرى، وأبى الأزهر عبد الوهاب الكاتب، وكان فاضلا دينا، حافظا لأخبار الخلفاء، عالما بأيام الناس صالحا، أعرض عن الخلافة مع قدرته عليها، وآثر بها القادر. توفى فيها عن سبع وتسعين سنة. وأوصى أن يدفن بباب حرب، فدفن قريبا من قبر الامام أحمد بن حنبل. هبة الله بن عمر بن أحمد بن عثمان أبو القاسم الواعظ المعروف بابن شاهين، سمع من أبى بكر بن ملك، وابن ماسى والبرقاني. قال الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقا، ولد في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وتوفى في ربيع الآخر منها، ودفن بباب حرب على بن الحسن ابن محمد بن المنتاب أبو محمد القاسم، المعروف بابن أبى عثمان الدقاق. قال الخطيب: سمع القطيعي وغيره، وكان شيخا صالحا، صدوقا دينا، حسن المذهب. محمد بن جعفر بن أبى الفرج الوزير الملقب بذي السعادات، وزر لأبى كاليجار بفارس وبغداد، وكان ذا مروءة غزيرة، مليح الشعر والترسل، ومن محاسنه أنه كتب إليه في رجل مات عن ولد له ثمانية أشهر وله من المال ما يقارب مائة ألف دينار، فكتب إليه الموصى، وقيل غيره: إن فلانا قد مات وخلف ولدا عمره ثمانية أشهر، وله من المال ما يقارب مائة ألف دينار، فان رأى الوزير أن يقترض هذا المال إلى حين بلوغ الطفل. فكتب الوزير على ظهر الورقة: المتوفى ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمره الله، والساعي لعنه الله، ولا حاجة بنا إلى مال الأيتام. اعتقل ثم قتل في رمضان منها، عن إحدى وخمسين سنة. محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن غيلان بن عبد الله بن غيلان بن حليم بن غيلان، أخو طالب البزار، يروى عن جماعة وهو آخر من حدث عن أبى بكر الشافعيّ، كان صدوقا دينا صالحا، قوى النفس على كبر السن، كان يملك ألف دينار، وكان يصبها كل يوم في حجره فيقبلها ثم يردها إلى موضعها، وقد خرج له

стр. 3949

الدار قطنى الأجزاء الغيلانيات، وهي سماعنا. توفى يوم الاثنين سادس شوال منها عن أربع وتسعين سنة، ويقال إنه بلغ المائة فالله أعلم. الملك أبو كاليجار واسمه المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، توفى عن أربعين سنة وأشهر، ولى العراق نحوا من أربع سنين، ونهبت له قلعة كان له فيها من المال ما يزيد على ألف ألف دينار، وقام بالأمر من بعده ابنه الملك الرحيم أبو نصر. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة في عاشر المحرم تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا بدع النوح، فجرى بينهم وبين أهل باب البصرة ما يزيد على الحد، من الجراح والقتل، وبنى أهل الكرخ سورا على الكرخ، وبنى أهل السنة سورا على سوق القلائين، ثم نقض كل من الفريقين أبنيته، وحملوا الآجر إلى مواضع بالطبول والمزامير، وجرت بينهم مفاخرات في ذلك، وسخف لا تنحصر ولا تنضبط، وإنشاد أشعار في فضل الصحابة. وثلبهم، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ثم وقعت بينهم فتن يطول ذكرها، وأحرقوا دورا كثيرة جدا. وفيها وقعت وحشة بين الملك طغرلبك وبين أخيه، فجمع أخوه جموعا كثيرة فاقتتل هو وأخوه طغرلبك، ثم أسره من قلعة قد تحصن بها، بعد محاصرة أربعة أيام، فاستنزله منها مقهورا، فأحسن إليه وأكرمه، وأقام عنده مكرما، وكتب ملك الروم إلى طغرلبك في فداء بعض ملوكهم ممن كان أسره إبراهيم بن نيال، وبذل له مالا كثيرا، فبعثه إليه مكرما من غير عوض، اشترط عليه فأرسل إليه ملك الروم هدايا كثيرة، وأمر بعمارة المسجد الّذي بالقسطنطينية، وأقيمت فيه الصلاة والجمعة، وخطب فيه للملك طغرلبك، فبلغ هذا الأمر العجيب سائر الملوك فعظموا الملك طغرلبك تعظيما زائدا، وخطب له نصر الدولة بالجزيرة. وفيها ولى مسعود بن مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين الملك بعد وفاة أبيه، وكان صغيرا، فمكث أياما ثم عدل عنه إلى عمه على بن مسعود، وهذا أمر غريب جدا. وفيها ملك المصريون مدينة حلب وأجلوا عنها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس. وفيها كان بين البساسيري وبين بنى عقيل حرب. وفيها ملك البساسيري الأنبار من يد قرواش فأصلح أمورها. وفي شعبان منها سار البساسيري إلى طريق خراسان وقصد ناحية الدوران وملكها، وغنم مالا كثيرا كان فيها، وقد كان سعدى بن أبى الشوك قد حصنها، قال ابن الجوزي: في ذي الحجة منها ارتفعت سحابة سوداء فزادت على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس وخافوا وأخذوا في الدعاء والتضرع، فانكشف في أثناء الليل بعد ساعة، وكانت قد هبت ريح شديدة جدا قبل ذلك، فأتلفت شيئا كثيرا من الأشجار، وهدمت رواشن كثيرة في دار الخلافة ودار المملكة. ولم يحج أحد من أهل العراق.

стр. 3950

وفيها توفى من الأعيان. أحمد بن محمد بن منصور أبو الحسن المعروف بالعتيقي، نسبة إلى جدله كان يسمى عتيقا، سمع من ابن شاهين وغيره، وكان صدوقا. توفى في صفر منها وقد جاوز التسعين. على بن الحسن أبو القاسم العلويّ ويعرف بابن محيي السنة. قال الخطيب: سمع من ابن مظفر وكتب عنه، وكان صدوقا دينا حسن الاعتقاد، يورق بالأجرة ويأكل منه، ويتصدق. توفى في رجب منها وقد جاوز الثمانين. عبد الوهاب بن القاضي الماوردي يكنى أبا الفائر شهد عند ابن ماكولا في سنة إحدى وثلاثين فأجاز شهادته احتراما لأبيه، توفى في المحرم منها. الحافظ أبو عبد الله الصوري محمد بن على بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الصوري الحافظ، طلب الحديث بعد ما كبر وأسن، ورحل في طلبه إلى الآفاق، وكتب الكثير وصنف واستفاد على الحافظ عبد الغنى المصري، وكتب عن عبد الغنى شيئا من تصانيفه، وكان من أعظم أهل الحديث، همه في الطلب وهو شاب ثم كان من أقوى الناس على العمل الصالح عزيمة في حال كبره، كان يسرد الصوم إلا يومى العيدين وأيام التشريق، وكان مع ذلك حسن الخلق جميل المعاشرة، وقد ذهبت إحدى عينيه، وكان يكتب بالأخرى المجلد في جزء. قال أبو الحسن الطيوري: يقال إن عامة كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب أبى عبد الله الصوري كان قد مات الصوري وترك كتبه اثنى عشر عدلا عند أخيه، فلما صار الخطيب أعطا أخاه شيئا وأخذ بعض تلك الكتب فحولها في كتبه، ومن شعره: تولى الشباب بريعانه … وأتى المشيب بأحزانه فقلبي لفقدان ذا مؤلم … كئيب لهذا ووجدانه وإن كان ما جار في حكمه … ولا جاء في غير إبانه ولكن أتى مؤذنا بالرحيل … فويلى من قرب إيذانه ولولا ذنوب تحملتها … لما راعني إتيانه ولكن ظهري ثقيل بما … جناه شبابي بطغيانه فمن كان يبكى شبابا مضى … ويندب طيب زمانه فليس بكائي وما قد ترون … منى لوحشة فقدانه ولكن لما كان قد جره … عليّ بوثبات شيطانه فويلى وويحى إن لم يجد … على مليكى برضوانه

стр. 3951

ولم يتغمد ذنوبي وما قد … جنيت برحمته وغرانه ويجعل مصيري إلى جنة … يحل بها أهل رضوانه وغفرانه فان كنت ما لي من طاعة … سوى حسن ظني بإحسانه وإني مقر بتوحيده … عليم بعزة سلطانه أخالف في ذاك أهل الهوى … وأهل الفسوق وعدوانه وأرجو به الفوز في منزل … معد مهيا لسكانه ولن يجمع الله أهل الجحود … د ومن أقر بنيرانه فهذا ينجيه إيمانه … وهذا يبوء بخسرانه وهذا ينعم في جنة … وذاك قرين لشيطانه ومن شعره أيضا: قل لمن عاند الحديث وأضحى … عائبا أهله ومن يدعيه أبعلم تقول هذا أبن لي … أم بجهل فالجهل خلق السفيه أيعاب الذين هم حفظوا الدين … من الترهات والتمويه وإلى قولهم وما قد رووه … راجع كل عالم وفقيه كان سبب موته أنه افتصد فورمت يده، وعلى ما ذكر أن ريشة الفاصد كانت مسمومة لغيره فغلط ففصده بها، فكانت فيها منيته، فحمل إلى المارستان فمات به، ودفن بمقبرة جامع المدينة، وقد نيف على الستين رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة فيها فتح السلطان طغرلبك أصبهان بعد حصار سنة، فنقل إليها حواصله من الري وجعلها دار إقامته، وخرب قطعة من سورها، وقال: إنما يحتاج إلى السور من تضعف قوته، وإنما حصننى عساكري وسيفي، وقد كان فيها أبو منصور قرامز بن علاء الدولة أبى جعفر بن كلويه، فأخرجه منها وأقطعه بعض بلادها. وفيها سار الملك الرحيم إلى الأهواز وأطاعه عسكر فارس. وفيها استولت الخوارج على عمان وأخربوا دار الامارة، وأسروا أبا المظفر بن أبى كاليجار. وفيها دخلت العرب بأذن المستنصر الفاطمي بلاد إفريقية، وجرت بينهم وبين المعز بن باديس حروب طويلة، وعاثوا في الأرض فسادا عدة سنين. وفيها اصطلح الروافض والسنة ببغداد، وذهبوا كلهم لزيارة مشهد على ومشهد الحسين، وترضوا في الكرخ على الصحابة كلهم، وترحموا عليهم، وهذا عجيب جدا، إلا أن يكون من باب التقية، ورخصت الأسعار ببغداد جدا. ولم يحج أحد من أهل العراق.

стр. 3952

وممن توفى فيها من الأعيان. على بن عمر بن الحسن أبو الحسن الحربي المعروف بالقزويني، ولد في مستهل المحرم في سنة ستين وثلاثمائة، وهي الليلة التي مات فيها أبو بكر الآجري، وسمع أبا بكر بن شاذان وأبا حفص بن حيويه، وكان وافر العقل، من كبار عباد الله الصالحين، وله كرامات كثيرة، وكان يقرأ القرآن ويروى الحديث، ولا يخرج إلا إلى الصلاة. توفى في شوال منها. فغلقت بغداد لموته يومئذ، وحضر الناس جنازته، وكان يوما مشهودا ﵀. عمر بن ثابت الثمانيني النحويّ الضرير. شارح اللمع، كان في غاية العلم بالنحو، وكان يأخذ عليه. وذكر ابن خلكان أنه اشتغل على ابن جنى، وشرح كلامه، وكان ماهرا في صناعة النحو، قال ونسبته إلى قرية من نواحي جزيرة ابن عمر عند الجبل الجودي، يقال لها ثمانين، باسم الثمانين الذين كانوا مع نوح ﵇ في السفينة. قرواش بن مقلد أبو المنيع، صاحب الموصل والكوفة وغيرها، كان من الجبارين، وقد كاتبه الحاكم صاحب مصر في بعض الأحيان فاستماله إليه، فخطب له ببلاده ثم تركه، واعتذر إلى الخليفة فعذره، وقد جمع هذا الجبار بين أختين في النكاح، ولامته العرب، فقال: وأي شيء عملته؟ إنما عملت ما هو مباح في الشريعة (١) وقد نكب في أيام المعز الفاطمي ونهبت حواصله، وحين توفى قام بالأمر بعده ابن أخيه قريش بن بدران بن مقلد. مودود بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة: توفى فيها وقام بالأمر من بعده عمه عبد الرشيد بن محمود ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنة، فقتل من الفريقين خلق كثير، وذلك أن الروافض نصبوا أبراجا وكتبوا عليها بالذهب: محمد وعلى خير البشر، فمن رضى فقد شكر، ومن أبى فقد كفر. فأنكرت السنة إقران على مع محمد ﷺ في هذا، فنشبت الحرب بينهم، واستمر القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الامام أحمد، ورجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر وأحرقوا ضريح موسى ومحمد الجواد، وقبور بنى بويه، وقبور من هناك من الوزراء وأحرق قبر جعفر بن المنصور، ومحمد الأمين، وأمه زبيدة، وقبور كثيرة جدا، وانتشرت الفتنة وتجاوزوا الحدود، وقد قابلهم أولئك الرافضة أيضا بمفاسد كثيرة، وبعثروا قبورا قديمة، وأحرقوا من فيها من الصالحين، حتى هموا بقبر الامام أحمد، فمنعهم النقيب، وخاف من غائلة ذلك، وتسلط على الرافضة عيار يقال له القطيعي، وكان يتبع رءوسهم وكبارهم فيقتلهم جهارا وغيلة، وعظمت المحنة بسببه جدا، ولم يقدر عليه أحد، وكان في غاية الشجاعة والبأس والمكر، ولما بلغ ذلك دبيس بن

стр. 3953

على بن مزيد - وكان رافضيا - قطع خطبة الخليفة، ثم روسل فأعادها. وفي رمضان منها جاءت من الملك طغرلبك رسل شكر للخليفة على إحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع والتقليد، وأرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار، وإلى الحاشية بخمسة آلاف، وإلى رئيس الرؤساء بألفي دينار، وقد كان طغرلبك حين عمر الري وخرب فيها أماكن وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب والجوهر، فعظم شأنه بذلك، وقوى ملكه بسببه. وممن توفى فيها من الأعيان محمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن الشاعر البصروي، نسبة إلى قرية دون عكبرا يقال لها بصرى باسم المدينة التي هي أم حوران، وقد سكن بغداد، وكان متكلما مطبوعا، له نوادر، ومن شعره قوله: نرى الدنيا وشهوتها فنصبوا … وما يخلو من الشهوات قلب فلا يغررك زخرف ما تراه … وعيش لين الأعطاف رطب فضول العيش أكثرها هموم … وأكثر ما يضرك ما تحب إذا ما بلغة جاءتك عفوا … فخذها فالغنى مرعى وشرب إذا اتفق القليل وفيه سلم … فلا ترد الكثير وفيه حرب ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة فيها كتبت تذكرة الخلفاء المصريين وأنهم أدعياء كذبة لا نسب لهم صحيحة إلى رسول الله ﷺ ، نسخا كثيرة، وكتب فيها الفقهاء والقضاة والأشراف. وفيها كانت زلازل عظيمة في نواحي أرجان والأهواز وتلك البلاد، تهدم بسببها شيء كثير من العمران وشرفات القصور، وحكى بعض من يعتد قوله أنه انفرج إيوانه وهو يشاهد ذلك، حتى رأى السماء منه ثم عاد إلى حاله لم يتغير. وفي ذي القعدة منها تجددت الحرب بين أهل السنة والروافض، وأحرقوا أماكن كثيرة، وقتل من الفريقين خلائق، وكتبوا على مساجدهم: محمد وعلى خير البشر، وأذنوا بحي على خير العمل، واستمرت الحرب بينهم، وتسلط القطيعي العيار على الروافض، بحيث كان لا يقر لهم معه قرار، وهذا من جملة الأقدار. وفيها توفى من الأعيان. الحسن بن على ابن محمد بن على بن أحمد بن وهب بن شنبل بن قرة بن واقد، أبو على التميمي الواعظ، المعروف بابن المذهب، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع مسند الامام أحمد من أبى بكر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن الامام أحمد، عن أبيه، وقد سمع الحديث من أبى بكر بن ماسى وابن شاهين والدار قطنى وخلق، وكان دينا خيرا، وذكر الخطيب أنه كان صحيح السماع لمسند أحمد من القطيعي

стр. 3954

غير أنه ألحق اسمه في أجزاء. قال ابن الجوزي: وليس هذا بقدح في سماعه، لأنه إذا تحقق سماعه جاز أن يلحق اسمه فيما تحقق سماعه له، وقد عاب عليه الخطيب أشياء لا حاجة إليها. على بن الحسين ابن محمد، أبو الحسن المعروف بالشاشي البغدادي، وقد أقام بالبصرة واستحوذ هو وعمه على أهلها، وعمل أشياء من الحيل يوهم بها أنه من ذوى الأحوال والمكاشفات، وهو في ذلك كاذب قبحه الله وقبح عمه، وقد كان مع هذا رافضيا خبيثا قرمطيا، توفى في هذا العام فلله الحمد والشكر والانعام. القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد بن أحمد، أبو جعفر السمناني القاضي، أحد المتكلمين على طريقة الشيخ أبى الحسن الأشعري، وقد سمع الدار قطنى وغيره، كان عالما فاضلا سخيا، تولى القضاء بالموصل، وكان له في داره مجلس للمناظرة، وتوفى لما كف بصره بالموصل وهو قاضيها، في ربيع الأول منها وقد بلغ خمسا وثمانين سنة، سامحه الله. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة فيها تجدد الشر والقتال والحريق بين السنة والروافض، وسرى الأمر وتفاقم الحال. وفيها وردت الأخبار بأن المعز الفاطمي عازم على قصد العراق. وفيها نقل إلى الملك طغرلبك أن الشيخ أبا الحسن الأشعري يقول بكذا وكذا، وذكر بشيء من الأمور التي لا تليق بالدين والسنة، فأمر بلعنه، وصرح أهل نيسابور بتكفير من يقول ذلك، فضج أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن من ذلك، وصنف رسالة في شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، واستدعى السلطان جماعة من رءوس الأشاعرة منهم القشيري فسألهم عما أنهى إليه من ذلك. فأنكروا ذلك، وأن يكون الأشعري قال ذلك. فقال السلطان: نحن إنما لعنا من يقول هذا. وجرت فتنة عظيمة طويلة. وفيها استولى فولا بسور الملك أبى كاليجار على شيراز، وأخرج منها أخاه أبا سعد، وفي شوال سار البساسيري إلى أكراد وأعراب أفسدوا في الأرض فقهرهم وأخذ أموالهم. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن عمر بن روح أبو الحسن النهرواني، كان ينظر في العيار بدار الضرب، وله شعر حسن، قال: كنت يوما على شاطئ النهروان، فسمعت رجلا يتغنى في سفينة منحدرة يقول: وما طلبوا سوى قتلى … فهان على ما طلبوا قال فاستوقفته وقلت: أضف إليه غيره فقال: على قتلى الأحبة … في التمادي، بالجفا غلبوا

стр. 3955

وبالهجران من عيني … طيب النوم قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلى … فهان على ما طلبوا إسماعيل بن على ابن الحسين بن محمد بن زنجويه، أبو سعيد الرازيّ، المعروف بالسمان، شيخ المعتزلة، سمع الحديث الكثير وكتب عن أربعة آلاف شيخ، وكان عالما عارفا فاضلا مع اعتزاله، ومن كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام، وكان حنفي المذهب، عالما بالخلاف والفرائض والحساب وأسماء الرجال، وقد ترجمه ابن عساكر في تاريخه فأطنب في شكره والثناء عليه. عمر بن الشيخ أبى طالب المكيّ محمد بن على بن عطية، سمع أباه وابن شاهين، وكان صدوقا يكنى بأبي جعفر. محمد بن أحمد ابن عثمان بن الفرج الأزهر، أبو طالب المعروف بابن السوادى، وهو أخو أبى القاسم الأزهري توفى عن نيف وثمانين سنة. محمد بن أبى تمام الزينبي نقيب النقباء، قام ببغداد بعد أبيه مقامه بالنقابة. ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة فيها غزا السلطان طغرلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم وسبى وعمل أشياء حسنة، ثم عاد سالما فأقام بأذربيجان سنة. وفيها أخذ قريش بن بدران الأنبار، وخطب بها وبالموصل لطغرلبك، وأخرج منها نواب البساسيري. وفيها دخل البساسيري بغداد مع بنى خفاجة منصرفه من الوقعة، وظهرت منه آثار النفرة للخلافة، فراسله الخليفة لتطيب نفسه، وخرج في ذي الحجة إلى الأنبار فأخذها، وكان معه دبيس بن على بن مزيد، وخرب أماكن وحرق غيرها ثم أذن له الخليفة في الدخول إلى بيت النوبة ليخلع عليه، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة فقبل الأرض وانصرف إلى منزله، ولم يعبر، فقويت الوحشة. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها. وممن توفى فيها من الأعيان. الحسين بن جعفر بن محمد ابن داود، أبو عبد الله السلماسي، سمع ابن شاهين وابن حيويه والدار قطنى، وكان ثقة مأمونا مشهورا باصطناع المعروف، وفعل الخير، وافتقاد الفقراء، وكثرة الصدقة، وكان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك، وكان له في كل شهر عشرة دنانير نفقة لأهله.

стр. 3956

عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصبهاني، المعروف بابن اللبان، أحد تلامذة أبى حامد الأسفراييني، ولى قضاء الكرخ، وكان يصلى بالناس التراويح، ثم يقوم بعد انصرافهم فيصلي إلى أن يطلع الفجر، وربما انقضى الشهر عنه ولم يضطجع إلى الأرض ﵀. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة فيها ملك طغرلبك بغداد، وهو أول ملوك السلجوقية، ملكها وبلاد العراق. وفيها تأكدت الوحشة بين الخليفة والبساسيري، واشتكت الأتراك منه، وأطلق رئيس الرؤساء عبارته فيه، وذكر قبيح أفعاله، وأنه كاتب المصريين بالطاعة، وخلع ما كان عليه من طاعة العباسيين، وقال الخليفة وليس إلا إهلاكه. وفيها غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكر بشيراز بألف دينار. وفيها وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالا مستمرا، ولا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين. وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوى جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات. قال الخطيب: كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد عظم أمره واستفحل، لعدم أقرانه من مقدمي الأتراك، واستولى على البلاد وطار اسمه، وخافته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن للخليفة قطع ولا وصل دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك أنه عازم على نهب دار الخلافة، وأنه يريد القبض على الخليفة، فعند ذلك كاتب الخليفة محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها، ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين، وقد تلقاه إلى أثناء الطريق الأمراء والوزراء والحجاب، ودخل بغداد في أبهة عظيمة جدا، وخطب له بها ثم بعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة الملك الرحيم، ورفع إلى القلعة معتقلا عليه، وكان آخر ملوك بنى بويه، وكانت مدة ولايتهم قريب المائة والعشر سنين، وكان ملك الملك الرحيم لبغداد ست سنين وعشرة أيام، ونزل طغرلبك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، ونزل أصحابه دور الأتراك وكان معه ثمانية أفيلة، ووقعت الفتنة بين الأتراك والعامة، ونهب الجانب الشرقي بكمله، وجرت خبطة عظيمة. وأما البساسيري فإنه فر من الخليفة إلى بلاد الرحبة وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوى له بالعراق، فأرسل إليه بولاية الرحبة ونيابته بها، ليكون على أهبة الأمر الّذي يريده.

стр. 3957

وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة قلد أبو عبد الله محمد بن على الدامغانيّ قضاء القضاة، وخلع عليه به، وذلك بعد موت ابن ماكولا، ثم خلع الخليفة على الملك طغرلبك بعد دخوله بغداد بيوم، ورجع إلى داره وبين يديه الدبادب والبوقات. وفي هذا الشهر توفى ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن الخليفة القائم بأمر الله، وهو ولى عهد أبيه فعظمت الرزية به. وفيها استولى أبو كامل على بن محمد الصليحى الهمدانيّ على أكثر أعمال اليمن، وخطب للفاطميين، وقطع خطبة العباسيين. وفيها كثر فساد الغز ونهبوا دواب الناس حتى بيع الثور بخمسة قراريط. وفيها اشتد الغلاء بمكة وعدمت الأقوات، وأرسل الله عليهم جرادا فتعوضوا به عن الطعام. ولم يحج أحد من أهل العراق. وممن توفى فيها من الأعيان الحسن بن على ابن جعفر بن على بن محمد بن دلف بن أبى دلف العجليّ قاضى القضاة، المعروف بابن ماكولا الشافعيّ، وقد ولى القضاء بالبصرة، ثم ولى قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين وأربعمائة في خلافة المقتدر، وأقره ابنه القائم إلى أن مات في هذه السنة، عن تسع وسبعين سنة، منها في القضاء سبع وعشرون سنة، وكان صينا دينا لا يقبل من أحد هدية ولا من الخليفة، وكان يذكر أنه سمع من أبى عبد الله بن مندة، وله شعر حسن فمنه: تصابى برهة من بعد شيب … فما أغنى المشيب عن التصابي وسود عارضيه بلون خضب … فلم ينفعه تسويد الخضاب وأبدى للأحبة كل لطف … فما زادوا سوى فرط اجتناب سلام الله عودا بعد بدئ … على أيام ريعان الشباب تولى عزمه يوما وأبقى … بقلبي حسرة ثم اكتئاب على بن المحسن بن على ابن محمد بن أبى الفهم أبو القاسم التنوخي، قال ابن الجوزي: وتنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا بالبحرين، وتحالفوا على التناصر والتآزر، فسموا تنوخا. ولد بالبصرة سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع الحديث سنة سبعين، وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، وولى القضاء بالمدائن وغيرها، وكان صدوقا محتاطا، إلا أنه كان يميل إلى الاعتزال والرفض. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم عقد الخليفة على خديجة بنت أخى السلطان طغرلبك على صداق مائة ألف دينار، وحضر هذا العقد عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وبقية العلويين

стр. 3958

وقاضى القضاة الدامغانيّ والماوردي، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة. فلما كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طغرلبك وقال له: أمير المؤمنين يقول لك قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ وقد أمرنى أن أنقل الوديعة إلى داره العزيزة، فقال: السمع والطاعة، فذهبت أم الخليفة لدار الملك لاستدعاء العروس، فجاءت معها وفي خدمتها الوزير عميد الملك والحشم، فدخلوا داره وشافه الوزير الخليفة عن عمها وسأله اللطف بها والإحسان إليها، فلما دخلت إليه قبّلت الأرض مرارا بين يديه، فأدناها إليه وأجلسها إلى جانبه، وأفاض عليها خلعا سنية وتاجا من جوهر ثمين، وأعطاها من الغدمائة ثوب ديباجا، وقصبات من ذهب، وطاسة ذهب قد نبت فيها الجوهر والياقوت والفيروزج، وأقطعها في كل سنة من ضياعه ما يغل اثنا عشر ألف دينار، وغير ذلك. وفيها أمر السلطان طغرلبك ببناء دار الملك العضدية فخربت محال كثيرة في عمارتها، ونهبت العامة أخشابا كثيرة من دور الأتراك، والجانب الغربي، وباعوه على الخبازين والطباخين، وغيرهم. وفيها رجع غلاء شديد على الناس وخوف ونهب كثير ببغداد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين، وغلت الأشربة وما تحتاج إليه المرضى كثيرا، واعترى الناس موت كثير، واغبر الجو وفسد الهواء. قال ابن الجوزي: وعم هذا الوباء والغلاء مكة والحجاز وديار بكر والموصل وبلاد بكر وبلاد الروم وخراسان والجبال والدنيا كلها. هذا لفظه في المنتظم. قال: وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب التي كورها ليأخذها فلم يمهل. وفيها أمر رئيس الرؤساء بنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج أهلها لذلك، وكان كثير الأذية للرافضة، وإنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك. وفيها هبت ريح شديدة وارتفعت سحابة ترابية وذلك ضحى، فأظلمت الدنيا، واحتاج الناس في الأسواق وغيرها إلى السرج. قال ابن الجوزي: وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر كوكب له ذؤابة طولها في رأى العين نحو من عشرة أذرع، وفي عرض نحو الذراع، ولبث كذلك إلى النصف من رجب، ثم اضمحل. وذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت وخطب بها للمصريين. وكذلك بغداد لما طلع فيها ملكت وخطب بها للمصريين. وفيها ألزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادى مؤذنهم في أذان الصبح، بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلى خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل، لأن بنى بويه كانوا حكاما، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم، وجاء بعدهم قوم آخرون

стр. 3959

من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم، والله المحمود، أبدا على طول المدى. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبى عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره. وفيها جاء البساسيري قبحه الله إلى الموصل ومعه نور الدولة دبيس، في جيش كثيف، فاقتتل مع صاحبها قريش ونصره قتلمش بن عم طغرلبك، وهو جد ملوك الروم، فهزمهما البساسيري، وأخذ البلد قهرا، فخطب بها للمصريين، وأخرج كاتبه من السجن، وقد كان أظهر الإسلام ظنا منه أنه ينفعه، فلم ينفعه فقتل، وكذلك خطب للمصريين فيها بالكوفة وواسط وغيرها من البلاد. وعزم طغرلبك على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري فنهاه الخليفة عن ذلك لضيق الحال وغلاء الأسعار، فلم يقبل فخرج بجيشه قاصدا الموصل بجحافل عظيمة، ومعه الفيلة والمنجنيقات، وكان جيشه لكثرتهم ينهبون القرى، وربما سطوا على بعض الحريم، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن ذلك، فبعث إليه يعتذر لكثرة من معه، واتفق أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فسلم عليه فأعرض عنه، فقال: يا رسول الله لأى شيء تعرض عنى؟ فقال: يحكمك الله في البلاد ثم لا ترفق بخلقه ولا تخاف من جلال الله . فاستيقظ مذعورا وأمر وزيره أن ينادى في الجيش بالعدل، وأن لا يظلم أحد أحدا. ولما اقترب من الموصل فتح دونها بلادا، ثم فتحها وسلمها إلى أخيه داود، ثم سار منها إلى بلاد بكر ففتح أماكن كثيرة هناك. وفيها ظهرت دولة الملثمين ببلاد المغرب، وأظهروا إعزاز الدين وكلمة الحق واستولوا على بلاد كثيرة منها سجلماسة وأعمالها والسوس، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وأول ملوك الملثمين رجل يقال له أبو بكر بن عمر، وقد أقام بسجلماسة إلى أن توفى سنة ثنتين وستين كما سيأتي بيانه، ثم ولى بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، وتلقب بأمير المؤمنين، وقوى أمره، وعلا قدره ببلاد المغرب. وفيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، عن أمر السلطان. وفيها ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولد ذكر، وهو أبو القاسم عبد الله المقتدى بأمر الله. وفيها كان الغلاء والفناء أيضا مستمرين على الناس ببغداد وغيرها من البلاد، على ما كان عليه الأمر في السنة الماضية، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها. وفيها توفى من الأعيان على بن أحمد بن على بن سلك أبو الحسن المؤدب، المعروف بالفالي (١)، صاحب الأمالي، وفالة قرية قريبة من إيذج، أقام

стр. 3960

بالبصرة مدة، وسمع بها من عمر بن عبد الواحد الهاشمي وغيره، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة في نفسه، كثير الفضائل. ومن شعره الحسن: لما تبدلت المجالس أوجها … غير الذين عهدت من علمائها ورأيتها محفوفة بسوى الأولى … كانوا ولاة صدورها وفنائها أنشدت بيتا سائرا متقدما … والعين قد شرقت بجاري مائها أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها ومن شعره أيضا: تصدر للتدريس كل مهوس … بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا … ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس محمد بن عبد الواحد بن محمد الصباغ الفقيه الشافعيّ، وليس بصاحب الشامل، ذاك متأخر وهذا من تلاميذ أبى حامد الأسفراييني، كانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة، وشهد عند قاضى القضاة الدامغانيّ الحنفي فقبله، وقد سمع الحديث من ابن شاهين وغيره، وكان ثقة جليل القدر. هلال بن المحسن ابن إبراهيم بن هلال، أبو الخير الكاتب الصابئ، صاحب التاريخ، وجده أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل، وكان أبوه صابئيا أيضا، أسلم هلال هذا متأخرا، وحسن إسلامه، وقد سمع في حال كفره من جماعة من المشايخ، وذلك أنه كان يتردد إليهم يطلب الأدب، فلما أسلم نفعه ذلك، وكان ذلك سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي: بسنده مطولا، أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام مرارا يدعوه إلى الله ، ويأمره بالدخول في الإسلام، ويقول له: أنت رجل عاقل، فلم تدع دين الإسلام الّذي قامت عليه الدلائل؟ وأراه آيات في المنام شاهدها في اليقظة، فمنها أنه قال له: إن امرأتك حامل بولد ذكر، فسمه محمدا، فولدت ذكرا، فسماه محمدا، وكناه أبا الحسن، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي، فأسلم وحسن إسلامه، وكان صدوقا. توفى عن تسعين سنة، منها في الإسلام نيف وأربعون سنة. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة فيها كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد، بحيث خلت أكثر الدور وسدت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد وأكل الناس الجيف والنتن من قلة الطعام، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد أخضر وشوى رجل صبية
следующие страницы →