حكم بالديار المصرية من الحنابلة نيابة عن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، ثم ولى شمس الدين ابن الشيخ العماد القضاء مستقلا فاستناب به، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتى إلى أن توفى وقد نيف على الستين ﵀.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة
فيها كانت وفاة الملك الظاهر ركن الدين بييرس، صاحب البلاد المصرية والشامية والحلبية وغير ذلك، وأقام ولده ناصر الدين أبا المعالي محمد بركة خان الملقب السعيد من بعده، ووفاة الشيخ محيي الدين النووي إمام الشافعية فيها في اليوم السابع من المحرم منها، ودخل السلطان الملك الظاهر من بلاد الروم وقد كسر التتار على البلستين، ورجع مؤيدا منصورا فدخل دمشق وكان يوم دخوله يوما مشهودا، فنزل بالقصر الأبلق الّذي بناه غربي دمشق بين الميدانين الأخضرين، وتواترت الأخبار إليه بأن أبغا جاء إلى المعركة ونظر إليها وتأسف على من قتل من المغول وأمر بقتل الرواناه وذكروا أنه قد عزم على قصد الشام، فأمر السلطان بجمع الأمراء وضرب مشورة فاتفق مع الأمراء على ملاقاته حيث كان، وتقدم بضرب الدهليز على القصر، ثم جاء الخبر بأن أبغا قد رجع إلى بلاده فأمر برد الدهليز وأقام بالقصر الأبلق يجتمع عنده الأعيان والأمراء والدولة في أسر حال، وأنعم بال. وأما أبغا فإنه أمر بقتل الرواناه - وكان نائبة على بلاد الروم - وكان اسمه معين الدين سليمان ابن على بن محمد بن حسن، وإنما قتله لأنه اتهمه بممالأته للملك الظاهر، وزعم أنه هو الّذي حسّن له دخول بلاد الروم، وكان الرواناه شجاعا حازما كريما جوادا، وله ميل إلى الملك الظاهر، وكان قد جاوز الخمسين لما قتل.
ثم لما كان يوم السبت خامس عشر المحرم توفى الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك بن السلطان المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، عن أربع وستين سنة، وكان رجلا جيدا سليم الصدر كريم الأخلاق، لين الكلمة كثير التواضع، يعاني ملابس العرب ومراكبهم، وكان معظما في الدولة شجاعا مقداما، وقد روى عن ابن الليثي وأجاز للبرزالى. قال البرزالي ويقال إنه سم، وذكر غيره أن السلطان الملك الظاهر سمه في كأس خمر ناوله إياه فشربه وقام السلطان إلى المرتفق ثم عاد وأخذ الساقي الكأس من يد القاهر فملأه وناوله السلطان الظاهر والساقي لا يشعر بشيء مما جرى، وأنسى الله السلطان ذلك الكأس، أو ظن أنه غيره لأمر يريده الله ويقضيه، وكان قد بقي في الكأس بقية كثيرة من ذلك السم، فشرب الظاهر ما في الكأس ولم يشعر حتى شربه فاشتكى بطنه من ساعته، ووجد الوهج والحر والكرب الشديد من فوره، وأما القاهر فإنه حمل إلى منزله وهو مغلوب فمات من ليلته. وتمرض الظاهر من ذلك أياما حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر
стр. 4517
في السابع والعشرين من المحرم بالقصر الأبلق، وكان ذلك يوما عظيما على الأمراء، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وكبار الأمراء والدولة، فصلوا عليه سرا وجعلوه في تابوت ورفعوه إلى القلعة من السور وجعلوه في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته التي بناها ولده له بعد موته، وهي دار العقيقي تجاه العادلية الكبيرة، ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، وكتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى إذا كان العشر الأخير من ربيع الأول، وجاءت البيعة لولده السعيد من مصر فحزن الناس عليه حزنا شديدا، وترحموا عليه ترحما كثيرا، وجددت البيعة أيضا بدمشق وجاء تقليد النيابة بالشام مجددا إلى عز الدين أيدمر نائبها.
وقد كان الملك الظاهر شهما شجاعا عالى الهمة بعيد الغور مقداما جسورا معتنيا بأمر السلطنة، يشفق على الإسلام، متحليا بالملك، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله، وإقامة شعار الملك، واستمرت أيامه من يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين إلى هذا الحين، ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة قيسارية وأرسون ويافا والشقيف وأنطاكية وبعراض وطبرية والقصير وحصن الأكراد وحصن عكا والغرين وصافينا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج، ولم يدع مع الإسماعيلية شيئا من الحصون، وناصف الفرنج على المرقب، وبانياس وبلاد أنطرسوس، وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح قيسارية من بلاد الروم، وأوقع بالروم والمغول على البلستين بأسا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلادا كثيرة، وجاس خلال ديارهم وحصونهم، واسترد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبكّ وبصرى وصرخد وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة وتل باشر وغيرها، والكرك والشوبك، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان، وانتزع بلادا من التتار كثيرة، منها شيرزور والبيرة، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، وعمر شيئا كثيرا من الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار، وبنى دار الذهب بقلعة الجبل، وبنى قبة على اثنى عشر عمودا ملونة مذهبة، وصور فيها صور خاصكيته وأشكالهم، وحفر أنهارا كثيرة وخلجانات ببلاد مصر، منها نهر السرداس، وبنى جوامع كثيرة ومساجد عديدة، وجدد بناء مسجد رسول الله ﷺ حين احترق، ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبرا وسقفه بالذهب، وجدد المارستان بالمدينة، وجدد قبر الخليل ﵇، وزاد في زاويته وما يصرف إلى المقيمين، وبنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى ﵇ قبة قبلي أريحا، وجدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة، ورمم سقف الصخرة وغيرها، وبنى بالقدس خانا هائلا بماملاّ، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من مصر، وعمل فيه طاحونا وفرنا
стр. 4518
وبستانا، وجعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة وإصلاح أمتعتهم ﵀. وبنى على قبر أبى عبيدة بالقرب من عمتنا مشهدا، ووقف عليه أشياء للواردين إليه، وعمر جسر دامية، وجدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك، ووقف على الزائرين له شيئا كثيرا، وجدد قلعة صفت وجامعها، وجدد جامع الرملة وغيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج قد أخذتها وخربت جوامعها ومساجدها، وبنى بحلب دارا هائلة، وبدمشق القصر الأبلق والمدرسة الظاهرية وغيرها، وضرب الدراهم والدنانير الجيدة الخالصة على النصح والمعاملة الجيدة الجارية بين الناس، فرحمه الله.
وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بنى أيوب، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئا كثيرا، ورد إليه نحوا من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمرّ كثيرا منهم، وكان مقتصدا في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه، وهو الّذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها، وبقي الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين، وهو الّذي أقام من كل مذهب قاضيا مستقلا قاضى قضاة. وكان ﵀ متيقظا شهما شجاعا لا يفتر عن الأعداء ليلا ولا نهارا، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله، ولم شعثه واجتماع شمله. وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عونا ونصرا للإسلام وأهله، وشجا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار، والمشركين. وأبطل الخمور ونفى الفساق من البلاد، وكان لا يرى شيئا من الفساد والمفاسد إلا سعى في إزالته بجهده وطاقته. وقد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته وسريرته، وقد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطولة، وكذلك ابن شداد أيضا. وقد ترك من الأولاد عشرة ثلاثة ذكور وسبعة إناث ومات وعمره ما بين الخمسين إلى الستين، وله أوقاف وصلات وصدقات، تقبل الله منه الحسنات، وتجاوز له عن السيئات والله سبحانه أعلم.
وقام في الملك بعده ولده السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته، وكان عمر السعيد يومئذ دون العشرين سنة، وهو من أحسن الأشكال وأتم الرجال، وفي صفر وصلت الهدايا من الفنس مع رسله إلى الديار المصرية فوجدوا السلطان قد مات، وقد أقيم الملك السعيد ولده مكانه والدولة لم تتغير، والمعرفة بعده ما تنكرت، ولكن البلاد قد فقدت أسدها بل أسدّها وأشدها، بل الّذي بلغ أشدها، وإذا انفتحت ثغرة من سور الإسلام سدها، وكلما انحلت عقدة من عرى العزائم شدها، وكلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطغام أن تلج إلى حومة الإسلام صدها وردها، فسامحه الله، وبل بالرحمة ثراه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
وكانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية ومعهم محفة يظهرون أن السلطان بها مريض، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة للسعيد بعد ما أظهروا موت الملك السديد الّذي هو
стр. 4519
إن شاء الله شهيد. وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر خطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد، وصلى على والده الملك الظاهر واستهلت عيناه بالدموع. وفي منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته وبين يديه الجيش بكماله المصري والشامي، حتى وصل إلى الجبل الأحمر وفرح الناس به فرحا شديدا، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة، وعليه أبهة الملك ورياسة السلطنة. وفي يوم الاثنين رابع جمادى الأولى فتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى بالقاهرة، بحارة الوزيرية على مذهب أبى حنيفة. وعمل فيها مشيخة حديث وقارئ.
وبعده بيوم عقد عقد ابن الخليفة المستمسك بالله ابن الحاكم بأمر الله، على ابنة الخليفة المستنصر ابن الظاهر، وحضر والده والسلطان ووجوه الناس. وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى شرع في بناء الدار التي تعرف بدار العقيقي، تجاه العادلية، لتجعل مدرسة وتربة للملك الظاهر، ولم تكن قبل ذلك إلا دارا للعقبى، وهي المجاورة لحمام العقبقى، وأسس أساس التربة في خامس جمادى الآخرة وأسست المدرسة أيضا.
وفي رمضان طلعت سحابة عظيمة بمدينة صفت لمع منها برق شديد، وسطع منها لسان نار، وسمع منها صوت شديد هائل، ووقع منها على منارة صفت صاعقة شقتها من أعلاها إلى أسفلها شقا يدخل الكف فيه
وممن توفى فيها من الأعيان
البرواناه في العشر الأول من المحرم. والملك الظاهر في العشر الأخير منه، وقد تقدم شيء من ترجمتهما.
والأمير الكبير بدر الدين بيلبك بن عبد الله
الخزندار نائب الديار المصرية للملك الظاهر، كان جوادا ممدحا له إلمام ومعرفة بأيام الناس، والتواريخ، وقد وقف درسا بالجامع الأزهر على الشافعية، ويقال إنه سم فمات، فلما مات انتقض بعده حبل الملك السعيد، واضطربت أموره.
وقاضى القضاة شمس الدين الحنبلي
محمد ابن الشيخ العماد أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسي، أول من ولى قضاء قضاة الحنابلة بالديار المصرية، سمع الحديث خصوصا على ابن طبرزد وغيره، ورحل إلى بغداد واشتغل بالفقه، وتفنن في علوم كثيرة، وولى مشيخة سعيد السعداء، وكان شيخا مهيبا حسن الشيبة كثير التواضع والبر والصدقة، وقد اشترط في قبول الولاية أن لا يكون له عليها جامكية ليقوم في الناس بالحق في حكمه، وقد عزله الظاهر عن القضاء سنة سبعين واعتقله بسبب الودائع التي كانت عنده، ثم أطلقه بعد سنتين فلزم منزله واستقر بتدريس الصالحية إلى أن توفى في أواخر المحرم، ودفن عند عم الحافظ عبد الغنى بسفح جبل المقطم، وقد أجاز للبرزالى.
стр. 4520
قال الحافظ البرزالي: وفي يوم السبت ثانى عشر ربيع الأول ورد الخبر بموت ستة أمراء من الديار المصرية: سنقر البغدادي، وبسطا البلدي التتري، وبدر الدين الوزيري، وسنقر الرومي، وآق سنقر الفارقانى ﵏.
[الشيخ خضر الكردي شيخ الملك الظاهر
خضر بن أبى بكر بن موسى الكردي النهرواني العدوي، ويقال إن أصله من قرية المحمدية من جزيرة ابن عمر، كان ينسب إليه أحوال ومكاشفات، ولكنه لما خالط الناس افتتن ببعض بنات الأمراء، وكان يقول عن الملك الظاهر وهو أمير إنه سيلي الملك، فلهذا كان الملك الظاهر يعتقده ويبالغ في إكرامه بعد أن ولى المملكة، ويعظمه تعظيما زائدا، وينزل عنده إلى زاويته في الأسبوع مرة أو مرتين، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره، ويلزمه ويحترمه ويستشيره فيشير عليه برأيه ومكاشفات صحيحة مطابقة، إما رحمانية أو شيطانية، أو حال أو سعادة، لكنه افتتن لما خالط الناس ببعض بنات الأمراء، وكن لا يحتجبن منه، فوقع في الفتنة. وهذا في الغالب واقع في مخالطة الناس فلا يسلم المخالط لهم من الفتنة، ولا سيما مخالطة النساء مع ترك الأصحاب، فلا يسلم العبد البتة منهن. فلما وقع ما وقع فيه حوقق عند السلطان وتيسري وقلاوون والفارس أقطاي الأتابك، فاعترف، فهم بقتله فقال له: إنما بيني وبينك أيام قلائل، فأمر بسجنه فسجن سنين عديدة من سنة إحدى وسبعين إلى سنة ست وسبعين، وقد هدم بالقدس كنيسة وذبح قسيسها وعملها زاوية وقد قدمنا ترجمته قبل ذلك فيما تقدم، ثم لم يزل مسجونا حتى مات في يوم الخميس سادس المحرم من هذه السنة، فأخرج من القلعة وسلم إلى قرابته فدفن في تربة أنشأها في زاويته. مات وهو في عشر الستين، وقد كان يكاشف السلطان في أشياء، وإليه تنسب قبة الشيخ خضر التي على الجبل غربي الربوة، وله زاوية بالقدس الشريف] (١)
الشيخ محيي الدين النووي
يحيى بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي العالم، محيي الدين أبو زكريا النووي ثم الدمشقيّ الشافعيّ العلامة شيخ المذهب، وكبير الفقهاء في زمانه، ولد بنوى سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ونوى قرية من قرى حوران، وقد قدم دمشق سنة تسع وأربعين، وقد حفظ القرآن فشرع في قراءة التنبيه، فيقال إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع العبادات من المذهب في بقية السنة، ثم لزم المشايخ تصحيحا وشرحا، فكان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درسا على المشايخ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئا كثيرا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله، فمما كمل شرح مسلم والروضة والمنهاج
стр. 4521
والرياض والأذكار والتبيان، وتحرير التنبيه وتصحيحه، وتهذيب الأسماء واللغات، وطبقات الفقهاء وغير ذلك. ومما لم يتممه ولو كمل لم يكن له نظير في بابه: شرح المهذب الّذي سماه المجموع، وصل فيه إلى كتاب الربا، فأبدع فيه وأجاد وأفاد، وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه فيه في المذهب وغيره، وحرر الحديث على ما ينبغي، والغريب واللغة وأشياء مهمة لا توجد إلا فيه، وقد جعله نخبة على ما عن له ولا أعرف في كتب الفقه أحسن منه، على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه وتضاف إليه، وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر ولا يجمع بين إدامين، وكان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى، وقد باشر تدريس الاقبالية نيابة عن ابن خلكان، وكذلك ناب في الفلكية والركنية، وولى مشيخة دار الحديث الأشرفية، وكان لا يضيع شيئا من أوقاته، وحج في مدة إقامته بدمشق، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم. توفى في ليلة أربع وعشرين من رجب من هذه السنة بنوى، ودفن هناك ﵀ وعفا عنا وعنه.
على بن على بن أسفنديار
نجم الدين الواعظ بجامع دمشق أيام السبوت في الأشهر الثلاثة، وكان شيخ الخانقاه المجاهدية وبها توفى في هذه السنة، وكان فاضلا بارعا، وكان جده يكتب الإنشاء للخليفة الناصر، وأصلهم من بوشنج. ومن شعر نجم الدين هذا قوله:
إذا زار بالجثمان غيري فاننى … أزور مع الساعات ربعك بالقلب
وما كل ناء عن ديار بنازح … ولا كل دان في الحقيقة ذو قرب
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وستمائة
كان أولها يوم الأربعاء وكان الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد شاما ومصرا وحلبا الملك السعيد. وفي أوائل المحرم اشتهر بدمشق ولاية ابن خلكان قضاء دمشق عودا على بدء في أواخر ذي الحجة، بعد عزل سبع سنين، فامتنع القاضي عز الدين بن الصائغ من الحكم في سادس المحرم وخرج الناس لتلقى ابن خلكان، فمنهم من وصل إلى الرملة وكان دخوله في يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم، فخرج نائب السلطنة عز الدين أيدمر بجميع الأمراء والمواكب لتلقيه، وفرح الناس بذلك، ومدحه الشعراء، وأنشد الفقيه شمس الدين محمد بن جعفر:
لما تولى قضاء الشام حاكمه … قاضى القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه … ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم
وقال سعد الله بن مروان الفارقيّ:
стр. 4522
أذقت الشام سبع سنين جدبا … غداة هجرته هجرا جميلا
فلما زرته من أرض مصر … مددت عليه من كفيك نيلا
وقال آخر:
رأيت أهل الشام طرا … ما فيهم قط غير راض
نالهم الخير بعد شر … فالوقت بسط بلا انقباض
وعوضوا فرحة بحزن … قد أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم … بدور قاضى وعزل قاضى
وكلهم شاكر وشاك … بحال مستقبل وماض
قال اليونينى: وفي يوم الأربعاء ثالث عشر صفر ذكر الدرس بالظاهرية وحضر نائب السلطنة أيدمر الظاهري وكان درسا حافلا حضره القضاة، وكان مدرس الشافعية الشيخ رشيد الدين محمود ابن الفارقيّ، ومدرس الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان الحنفي، ولم يكن بناء المدرسة كمل. وفي جمادى الاولى باشر قضاء الحنفية صدر الدين سليمان المذكور عوضا عن مجد الدين ابن العديم، بحكم وفاته، ثم توفى صدر الدين سليمان المذكور في رمضان وتولى بعده القضاء حسام الدين أبو الفضائل الحسن بن أنوشروان الرازيّ الحنفي، الّذي كان قاضيا بملطية قبل ذلك. وفي العشر الأول من ذي القعدة فتحت المدرسة النجيبية وحضر تدريسها ابن خلكان بنفسه، ثم نزل عنها لولده كمال الدين موسى، وفتحت الخانقاه النجيبية، وقد كانتا وأوقافهما تحت الحيطة إلى الآن.
وفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة دخل السلطان السعيد إلى دمشق وقد زينت له وعملت له قباب ظاهرة وخرج أهل البلد لتلقيه وفرحوا به فرحا عظيما لمحبتهم والده، وصلى عيد النحر بالميدان، وعمل العيد بالقلعة المنصورة، واستوزر بدمشق الصاحب فتح الدين عبد الله بن القيسراني، وبالديار المصرية بعد موت بهاء الدين بن الحنا الصاحب برهان الدين بن الحضر بن الحسن السنجاري، وفي العشر الأخير من ذي الحجة جهز السلطان العساكر إلى بلاد سيس صحبة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي، وأقام السلطان بدمشق في طائفة يسيرة من الأمراء والخاصكية والخواص، وجعل يكثر التردد إلى الزنبقية وفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجة جلس السلطان بدار العدل داخل باب النصر، وأسقط ما كان حدده والده على بساتين أهل دمشق، فتضاعفت له منهم الأدعية وأحبوه لذلك حبا شديدا، فإنه كان قد أجحف بكثير من أصحاب الأملاك، وود كثير منهم لو تخلص من ملكه جملة بسبب ما عليه. وفيها طلب من أهل دمشق خمسين ألف دينار ضربت أجرة على أملاكهم مدة شهرين، وجبيت منهم على القهر والعسف.
стр. 4523
وممن توفى فيها من الأعيان.
آقوش بن عبد الله الأمير الكبير جمال الدين النجيبى
أبو سعيد الصالحي، أعتقه الملك نجم الدين أيوب الكامل، وجعله من أكابر الأمراء، وولاه أستاذ داريته، وكان يثق إليه ويعتمد عليه، وكان مولده في سنة تسع أو عشر وستمائة، وولاه الملك الظاهر أيضا أستاذ داريته، ثم استنابه بالشام تسع سنين، فاتخذ فيها المدرسة النجيبية ووقف عليها أوقافا دارة واسعة، لكن لم يقرر للمستحقين قدرا يناسب ما وقفه عليهم، ثم عزله السلطان واستدعاه لمصر فأقام بها مدة بطالا، ثم مرض بالفالج أربع سنين، وقد عاده في بعضها الملك الظاهر ولم يزل به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر بالقاهرة بداره بدرب الملوخية، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرى، وقد كان بنى لنفسه تربة بالنجيبية، وفتح لها شباكين إلى الطريق، فلم يقدر دفنه بها. وكان كثير الصدقة محبا للعلماء محسنا إليهم، حسن الاعتقاد. شافعيّ المذهب، متغاليا في السنة ومحبة الصحابة وبغض الروافض، ومن جملة أوقافه الحسان البستان والأراضي التي أوقفها على الجسورة التي قبلي جامع كريم الدين اليوم، وعلى ذلك أوقاف كثيرة، وجعل النظر في أوقافه لابن خلكان.
أيدكين بن عبد الله
الأمير الكبير علاء الدين الشهابى، واقف الخانقاه الشهابية، داخل باب الفرج. كان من كبار الأمراء بدمشق، وقد ولاه الظاهر بحلب مدة، وكان من خيار الأمراء وشجعانهم، وله حسن ظن بالفقراء والإحسان إليهم، ودفن بتربة الشيخ عمار الرومي بسفح قاسيون، في خامس عشر ربيع الأول، وهو في عشر الخمسين، وخانقاه داخل باب الفرج، وكان لها شباك إلى الطريق. والشهابى نسبة إلى الطواشى شهاب الدين رشيد الكبير الصالحي.
قاضى القضاة صدر الدين سليمان بن أبى العز
ابن وهيب أبو الربيع الحنفي شيخ الحنفية في زمانه، وعالمهم شرقا وغربا، أقام بدمشق مدة يفتى ويدرس، ثم انتقل إلى الديار المصرية يدرس بالصالحية، ثم عاد إلى دمشق فدرس بالظاهرية، وولى القضاء بعد مجد الدين بن العديم ثلاثة أشهر، ثم كانت وفاته ليلة الجمعة سادس شعبان، ودفن في الغد بعد الصلاة بداره بسفح قاسيون، وله ثلاث وثمانون سنة، ومن لطيف شعره في مملوك تزوج جارية للملك المعظم.
يا صاحبي قفا لي وانظرا عجبا … أتى به الدهر فينا من عجائبه
البدر أصبح فوق الشمس منزلة … وما العلو عليها من مراتبه
стр. 4524
أضحى يماثلها حسنا وشاركها … كفوا وسار إليها في مواكبه
فأشكل الفرق لولا وشى نمنمة … بصدغه واخضرار فوق شاربه
طه بن إبراهيم بن أبى بكر كمال الدين الهمدانيّ
الإربلي الشافعيّ، كان أديبا فاضلا شاعرا، له قدرة في تصنيف دو بيت، وقد أقام بالقاهرة حتى توفى في جمادى الأولى من هذه السنة، وقد اجتمع مرة بالملك الصالح أيوب، فجعل يتكلم في علم النجوم فأنشده على البديهة هذين البيتين:
دع النجوم لطرقى يعيش بها … وبالعزيمة فانهض أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهوا … عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
وكتب إلى صاحب له اسمه شمس الدين يستزيره بعد رمد أصابه فبرأ منه:
يقول لي الكحال عينك قد هدت … فلا تشغلن قلبا وطب بها نفسا
ولي مدة يا شمس لم أركم بها … وآية برء العين أن تبصر الشمسا
عبد الرحمن بن عبد الله
ابن محمد بن الحسن بن عبد الله بن الحسن بن عفان جمال الدين ابن الشيخ نجم الدين البادرائي البغدادي ثم الدمشقيّ، درس بمدرسة أبيه من بعده حتى حين وفاته يوم الأربعاء سادس رجب، ودفن بسفح قاسيون، وكان رئيسا حسن الأخلاق جاوز خمسين سنة.
قاضى القضاة مجد الدين عبد الرحمن بن جمال الدين
عمر بن أحمد بن العديم، الحلبي، ثم الدمشقيّ الحنفي، ولى قضاء الحنفية بعد ابن عطاء بدمشق، وكان رئيسا ابن رئيس، له إحسان وكرم أخلاق، وقد ولى الخطابة بجامع القاهرة الكبير، وهو أول حنفي وليه، توفى بجوسقه بدمشق في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بالتربة التي أنشأها عند زاوية الحريري على الشرف القبلي غربي الزيتون
الوزير ابن الحنا
على بن محمد بن سليم بن عبد الله الصاحب بهاء الدين أبو الحسن بن الحنا الوزير المصري، وزير الملك الظاهر وولده السعيد إلى أن توفى في سلخ ذي القعدة، وهو جد جد، وكان ذا رأى وعزم وتدبير ذا تمكن في الدولة الظاهرية، لا تمضى الأمور إلا عن رأيه وأمره، وله مكارم على الأمراء وغيرهم، وقد امتدحه الشعراء، وكان ابنه تاج الدين وزير الصحبة، وقد صودر في الدولة السعيدية.
الشيخ محمد ابن الظهير اللغوي
محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبى شاكر مجد الدين أبو عبد الله الإربلي الحنفي المعروف بابن
стр. 4525
الظهير، ولد بإربل سنة ثنتين وستمائة، ثم أقام بدمشق ودرس بالقايمازية وأقام بها حتى توفى بها ليلة الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصوفية، وكان بارعا في النحو واللغة، وكانت له يد طولى في النظم وله ديوان مشهور، وشعر رائق، فمن شعره قوله:
كل حي إلى الممات مآبه … ومدى عمره سريع ذهابه
يخرب الدار وهي دار بقاء … ثم يبنى ما عما قريب خرابه
عجبا وهو في التراب غريق … كيف يلهيه طيبه وعلابه؟
كل يوم يزيد نقصا وإن عمر … حلت أوصاله أوصابه
والورى في مراحل الدهر ركب … دائم السير لا يرجى إيابه
فتزود إن التقى خير زاد … ونصيب اللبيب منه لبابة
وأخو العقل من يقضى بصدق … شيبته في صلاحه وشبابه
وأخو الجهل يستلذ هوى النفس … فيغدو شهدا لديه مصابه
وهي طويلة جدا قريبة من مائة وخمسين بيتا، وقد أورد الشيخ قطب الدين شيئا كثيرا من شعره الحسن الفائق الرائق.
ابن إسرائيل الحريري
محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن على بن محمد بن الحسين نجم الدين أبو المعالي الشيباني الدمشقيّ، ولد في يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة، وصحب الشيخ على بن أبى الحسن بن منصور اليسرى الحريري، في سنة ثمان عشرة، وكان قد لبس الخرقة قبله من الشيخ شهاب الدين السهروردي، وزعم أنه أجلسه في ثلاث خلوات، وكان ابن إسرائيل يزعم أن أهله قدموا الشام مع خالد بن الوليد فاستوطنوا دمشق، وكان أديبا فاضلا في صناعة الشعر، بارعا في النظم، ولكن في كلامه ونظمه ما يشير به إلى نوع الحلول والاتحاد على طريقة ابن عربي وابن الفارض وشيخه الحريري، والله أعلم بحاله وحقيقة أمره. توفى بدمشق ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الآخر هذه السنة، عن أربع وسبعين سنة، ودفن بتربة الشيخ رسلان معه داخل القبة، وكان الشيخ رسلان شيخ الشيخ على المغربل الّذي تخرج على يديه الشيخ على الحريري شيخ ابن إسرائيل، فمن شعره قوله:
لقد عادني من لا عج الشوق عائد … فهل عهد ذات الخال بالسفح عائد؟
وهل نارها بالأجرع الفرد تعتلى … لمنفرد شاب الدجى وهو شاهد؟
نديمى من سعدى أديرا حديثها … فذكرى هواها والمدامة واحد
منعمة الأطراف رقت محاسنا … حلى لي في حبها ما أكابد
стр. 4526
فللبدر ما لاثت عليه خمارها … وللشمس ما جالت عليه القلائد
وله:
أيها المعتاض بالنوم السهر … ذاهلا يسبح في بحر الفكر
سلم الأمر إلى مالكه … واصطبر فالصبر عقباه الظفر
لا تكونن آيسا من فرج … إنما الأيام تأتى بالعبر
كدر يحدث في وقت الصفا … وصفى يحدث في وقت الكدر
وإذا ما ساء دهر مرة … سر أهليه ومهما ساء سر
فارض عن ربك في أقداره … إنما أنت أسير للقدر
وله قصيدة في مدح النبي ﷺ طويلة حسنة سمعها الشيخ كمال الدين ابن الزملكانى وأصحابه على الشيخ أحمد الأعقف عنه، وأورد له الشيخ قطب الدين اليونينى أشعارا كثيرة. فمنها قصيدته الدالية المطولة التي أولها:
وافى لي من أهواه جهرا لموعدى … وأرغم عذالى عليه وحسدي
وزار على شط المزار مطولا … على مغرم بالوصل لم يتعود
فيا حسن ما أهدى لعيني جماله … ويا برد ما أهدى إلى قلبي الصدى
ويا صدق أحلامى ببشرى وصاله … ويا نيل آمالى ويا نجح مقصدي
تجلى وجودى إذ تجلى لباطنى … بجد سعيد أو بسعد مجدد
لقد حق لي عشق الوجود وأهله … وقد علقت كفاي جمعا بموجدى
ثم تغزل فأطال إلى أن قال:
فلما تجلى لي على كل شاهد … وسامرني بالرمز في كل مشهد
تتجنبت تقييد الجمال ترفعا … وطالعت أسرار الجمال المبدد
وصار سماعي مطلقا منه بدؤه … وحاشى لمثلي من سماع مقيد
ففي كل مشهود لقلبي شاهد … وفي كل مسموع له لحن معبد
ثم قال: وصل في مشاهد الجمال
أراه بأوصاف الجمال جميعها … بغير اعتقاد للحلول المبعد
ففي كل هيفاء المعاطف غادة … وفي كل مصقول السوالف أغيد
وفي كل بدر لاح في ليل شعره … على كل غصن مائس العطف أملد
وعند اعتناقى كل قدّ مهفهف … ورشفي رضابا كالرحيق المبرد
وفي الدر والياقوت والطيب والحلا … على كل ساجي الطرف لدن المقلد
стр. 4527
وفي حلل الأثواب راقت لناظري … بزبرجها من مذهب ومورد
وفي الراح والريحان والسمع والغنا … وفي سجع ترجيع الحمام المغرد
وفي الدوح والأنهار والزهر والندى … وفي كل بستان وقصر مشيد
وفي الروضة الفيحاء تحت سمائها … يضاحك نور الشمس نوارها الندى
وفي صفو رقراق الغدير إذا حكى … وقد جعدته الريح صفحة مبرد
وفي اللهو والأفراح والغفلة التي … تمكن أهل الفرق من كل مقصد
وعند انتشار الشرب في كل مجلس … بهيج بأنواع الثمار المنضد
وعند اجتماع الناس في كل جمعة … وعيد وإظهار الرياش المجدد
وفي لمعان المشرفيات بالوغى … وفي ميل أعطاف القنا المتأود
المظاهر العلوية
وفي الاعوجيات العتاق إذا انبرت … تسابق وفد الريح في كل مطرد
وفي الشمس تحكي وهي في برج نورها … لدى الأفق الشرقي مرآة عسجد
وفي البدر بدر الأفق ليلة تمه … جلته سماء مثل صرح ممرد
وفي أنجم زانت دجاها كأنها … نثار لآل في بساط زبرجد
وفي الغيث روى الأرض بعد همودها … قبال نداه متهم بعد منجد
وفي البرق يبدو موهنا في سحابه … كباسم ثغر أو حسام مجرد
وفي حسن تنميق الخطاب وسرعة الجواب … وفي الخط الأنيق المجود
ثم قال: المظاهر المعنوية
وفي رقة الاشعار راقت لسامع … بدائعها من مقصر ومقصد
وفي عود عيد الوصل من بعد جفوة … وفي أمن أحشاء الطريد المشرد
وفي رحمة المعشوق شكوى محبه … وفي رقة الألفاظ عند التودد
وفي أريحيات الكريم إلى الندى … وفي عاطفات العفو من كل سيد
وحالة بسط العارفين وأنسهم … وتحريكهم عند السماع المقيد
وفي لطف آيات الكتاب التي بها … تنسم روح الوعد بعد التوعد
ثم قال: المظاهر الجلالية
كذلك أوصاف الجلال مظاهر … أشاهده فيها بغير تردد
ففي سطوة القاضي الجليل وسمته … وفي سطوة الملك الشديد الممرد
стр. 4528
وفي حدة الغضبان حالة طيشه … وفي نخوة القرم المهيب المسود
وفي صولة الصهباء جاز مديرها … وفي بؤس أخلاق النديم المعربد
وفي الحر والبرد اللذين تقسما … الزمان وفي إيلام كل محسد
وفي سر تسليط النفوس بشرها … على وتحسين التعدي لمعتدى
وفي عسر العادات يشعر بالقضا … وتكحيل عين الشمس منه بإثمد
وعند اصطدام الخيل في كل موقف … يعثر فيه بالوشيج المنضد
وفي شدة الليث الصئول وبأسه … وشدة عيش بالسقام منكد
وفي جفوة المحبوب بعد وصاله … وفي غدره من بعد وعد مؤكد
وفي روعة البين المسيء وموقف … الوداع لحران الجوانح مكمدا
وفي فرقة الألاّف بعد اجتماعهم … وفي كل تشتيت وشمل مبدد
وفي كل دار أقفرت بعد أنسها … وفي طلل بال ودارس معمد
وفي هول أمواج البحار ووحشة … القفار وسيل بالمزاييب مزبد
وعند قيامي بالفرائض كلها … وحالة تسليم لسر التعبد
وعند خشوعي في الصلاة لعزة … المناجي وفي الاطراق عند التهجد
وحالة إهلال الحجيج بحجهم … وأعمالهم للعيش في كل فدفد
وفي عسر تخليص الحلال وفترة … الملال لقلب الناسك المتعبد
المظاهر الكمالية
وفي ذكريات العذاب وظلمة … الحجاب وقبض الناسك المتزهد
ويبدو بأوصاف الكمال فلا أرى … برؤيته شيئا قبيحا ولا ردى
تفكل مسيء لي إلى كمحسن … وكل مضل لي إلى كمرشد
فلا فرق عندي بين أنس ووحشة … ونور وإظلام ومدن ومبعد
وسيان إفطاري وصومي وفترتي … وجهدي ونومي وادعاء تهجدى
أرى تارة في حانة الخمر خالعا … عذارى وطورا في حنية مسجد
تجلى لسرى بالحقيقة مشرب … فوقتى ممزوج بكشف مسرمدا
تعمرت الأوطان بى وتحققت … مظاهرها عندي بعيني ومشهدي
وقلبي على الأشياء أجمع قلب … وشربى مقسوم على كل مورد
فهيكل أوثان ودير لراهب … وبيت لنيران وقبلة معبدى
стр. 4529
ومسرح غزلان وحانة قهوة … وروضة أزهار ومطلع أسعد
وأسرار عرفان ومفتاح حكمة … وأنفاس وجدان وفيض تبلد
وجيش لضرغام وخدر لكاعب … وظلمة جيران ونور لمهتدى
تقابلت الأضداد عندي جميعها … لمحنة مجهود ومنحة مجتدى
وأحكمت تقرير المراتب صورة … ومعنى ومن عين التفرد موردي
فما موطن إلا ولي فيه موقف … على قدم قامت بحق التفرد
فلا غرو إن فت الأنام جميعهم … وقد علقت بحبل من حبال محمد
عليه صلاة الله تشفع دائما … بروح تحيات السلام المردد
ابن العود الرافضيّ
أبو القاسم الحسين بن العود نجيب الدين الأسدي الحلي، شيخ الشيعة وإمامهم وعالمهم في أنفسهم، كانت له فضيلة ومشاركة في علوم كثيرة، وكان حسن المحاضرة والمعاشرة، لطيف النادرة، وكان كثير التعبد بالليل، وله شعر جيد. ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفى في رمضان من هذه السنة عن ست وتسعين سنة، والله أعلم بأحوال عباده سرائرهم ونياتهم.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وستمائة
كان أولها يوم الأحد والخليفة والسلطان هما المذكوران في التي قبلها، وقد اتفق في هذه السنة أمور عجيبة، وذلك أنه وقع الخلف بين الممالك كلها، اختلفت التتار فيما بينهم واقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واختلفت الفرنج في السواحل وصال بعضهم على بعض وقتل بعضهم بعضا، وكذلك الفرنج الذين في داخل البحور وجزائرها، فاختلفوا واقتتلوا، وقتلت قبائل الأعراب بعضها في بعض قتالا شديدا، وكذلك وقع الخلف بين العشير من الحوارنة وقامت الحرب بينهم على ساق، وكذلك وقع الخلف بين الأمراء الظاهرية بسبب أن السلطان الملك السعيد بن الظاهر لما بعث الجيش إلى سيس أقام بعده بدمشق وأخذ في اللهو واللعب والانبساط مع الخاصكية، وتمكنوا من الأمور، وبعد عنه الأمراء الكبار، فغضبت طائفة منهم ونابذوه وفارقوه وأقاموا بطريق العساكر الذين توجهوا إلى سيس وغيرهم، فرجعت العساكر إليهم فلما اجتمعوا شعثوا قلوبهم على الملك السعيد، ووحشوا خواطر الجيش عليه، وقالوا الملك لا ينبغي له أن يلعب ويلهو، وإنما همة الملوك في العدل ومصالح المسلمين والذب عن حوزتهم، كما كان أبوه. وصدقوا فيما قالوا، فان لعب الملوك والأمراء وغيرهم دليل على زوال النعم وخراب الملك، وفساد الرعية. ثم راسله الجيش في إبعاد الخاصكية عنه ودنو ذوى الأحلام والنهى إليه كما كان أبوه، فلم يفعل، وذلك أنه كان لا يمكنه ذلك لقوة شوكة الخاصكية
стр. 4530
وكثرتهم، فركب الجيش وساروا قاصدين مرج الصفر، ولم يمكنهم العبور على دمشق بل أخذوا من شرقها، فلما اجتمعوا كلهم بمرج الصفر أرسل السلطان أمه إليهم فتلقوها وقبلوا الأرض بين يديها، فأخذت تتألفهم وتصلح الأمور، فأجابوها واشترطوا شروطا على ولدها السلطان، فلما رجعت إليه لم يلتزم بها ولم تمكنه الخاصكية من ذلك، فسارت العساكر إلى الديار المصرية، فساق السلطان خلفهم ليتلافى الأمور قبل تفاقمها وانفراطها، فلم يلحقهم وسبقوه إلى القاهرة، وقد كان أرسل أولاده وأهله وثقله إلى الكرك فحصنهم فيها، وركب في طائفة من الجيش الذين بقوا معه والخاصكية إلى الديار المصرية، فلما اقترب منها صدوه عنها وقاتلوه فقتل من الفريقين نفر يسير، فأخذه بعض الأمراء فشق به الصفوف وأدخله قلعة الجبل ليسكن الأمر، فما زادهم ذلك إلا نفورا، فحاصروا حينئذ القلعة وقطعوا عنها الماء، وجرت خطوب طويلة وأحوال صعبة. ثم اتفق الحال بعد ذلك مع الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي - وهو المشار إليه حينئذ - أن يترك الملك السعيد الملك ويتعوض بالكرك والشوبك، ويكون في صحبته أخوه نجم الدين خضر، وتكون المملكة إلى أخيه الصغير بدر الدين سلامش، ويكون الأمير سيف الدين قلاوون أتابكه.
ذكر خلع الملك السعيد وتولية أخيه الملك العادل سلامش
لما اتفق الحال على ما ذكرنا نزل السلطان الملك السعيد من القلعة إلى دار العدل في سابع عشر الشهر، وهو ربيع الآخر، وحضر القضاة والدولة من أولى الحل والعقد، فخلع السعيد نفسه من السلطنة وأشهدهم على نفسه بذلك، وبايعوا أخاه بدر الدين سلامش ولقب بالملك العادل، وعمره يومئذ سبع سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، وخطب له الخطباء ورسمت السكة باسمهما، وجعل لأخيه الكرك ولأخيه خضر الشوبك، وكتبت بذلك مكاتيب، ووضع القضاة والمفتون خطوطهم بذلك، وجاءت البريدية إلى الشام بالتحليف لهم على ما حلف عليه المصريون. ومسك الأمير أيدمر نائب الشام الظاهري واعتقل بالقلعة عند نائبها، وكان نائبها إذ ذاك علم الدين سنجر الدواداريّ، وأحيط على أموال نائب الشام وحواصله، وجاء على نيابة الشام الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في أبهة عظيمة، وتحكم مكين، فنزل بدار السعادة وعظمه الناس وعاملوه معاملة الملوك، وعزل السلطان قضاة مصر الثلاثة الشافعيّ والحنفي والمالكي، وولوا القضاء صدر الدين عمر بن القاضي تاج الدين بن بنت الاعز عوضا عن الشافعيّ، وهو تقى الدين بن رزين وكأنهم إنما عزلوه لانه توقف في خلع الملك السعيد والله أعلم.
ذكر بيعة الملك المنصور قلاوون الصالحي
لما كان يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رجب اجتمع الأمراء بقلعة الجبل من مصر وخلعوا
стр. 4531
الملك العادل سلامش ابن الظاهر، وأخرجوه من البين، وإنما كانوا قد بايعوه صورة ليسكن الشر عند خلع الملك السعيد، ثم اتفقوا على بيعة الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولقبوه الملك المنصور، وجاءت البيعة إلى دمشق فوافق الأمراء وحلفوا، وذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر لم يحلف مع الناس ولم يرض بما وقع، وكأنه داخله حسد من المنصور، لأنه كان يرى أنه أعظم منه عند الظاهر. وخطب للمنصور على المنابر في الديار المصرية والشامية، وضربت السكة باسمه، وجرت الأمور بمقتضى رأيه فعزل وولى ونفذت مراسيمه في سائر البلاد بذلك، فعزل عن الوزارة برهان الدين السنجاري وولى مكانه فخر الدين ابن لقمان كاتب السر، وصاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية.
وفي يوم الخميس الحادي عشر من ذي القعدة من هذه السنة توفى الملك السعيد ابن الملك الظاهر بالكرك وسيأتي ذكر ترجمته إن شاء الله تعالى. وفيها حمل الأمير أيدمر الّذي كان نائب الشام في محفة لمرض لحقه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر ذي القعدة، واعتقل بقلعة مصر.
ذكر سلطنة سنقر الأشقر بدمشق
لما كان يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي القعدة ركب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من دار السعادة بعد صلاة العصر وبين يديه جماعة من الأمراء والجند مشاة، وقصد باب القلعة الّذي يلي المدينة، فهجم منه ودخل القلعة واستدعى الأمراء فبايعوه على السلطنة، ولقب بالملك الكامل، وأقام بالقلعة ونادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة والعلماء والأعيان ورؤساء البلد إلى مسجد أبى الدرداء بالقلعة، وحلفهم وحلف له بقية الأمراء والعسكر، وأرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف وأخذ الغلات، وأرسل الملك المنصور إلى الشوبك فتسلمها نوابه ولم يمانعهم نجم الدين خضر. وفيها جددت أربع أضلاع في قبة النسر من الناحية الغربية. وفيها عزل فتح الدين بن القيسراني من الوزارة بدمشق ووليها تقى الدين بن توبة التكريتي.
وممن توفى فيها من الأعيان.
عز الدين بن غانم الواعظ
عبد السلام بن أحمد بن غانم بن على بن إبراهيم بن عساكر بن حسين عز الدين أحمد الأنصاري المقدسي، الواعظ المطبق المفلق الشاعر الفصيح، الّذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله، وقد أورد له قطب الدين أشياء حسنة كثيرة مليحة، وكان له قبول عند الناس، تكلم مرة تجاه الكعبة المعظمة، وكان في الحضرة الشيخ تاج الدين بن الفزاري والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، وابن العجيل من اليمن وغيرهم من العلماء والعباد، فأجاد وأفاد وخطب فأبلغ وأحسن. نقل هذا المجلس الشيخ تاج الدين بن الفزاري، وأنه كان في سنة خمس وسبعين.
стр. 4532
الملك السعيد بن الملك الظاهر
بركة خان ناصر الدين محمد بن بركة خان أبو المعالي ابن السلطان الملك الظاهر. ركن الدين بيبرس البندقداري، بايع له أبوه الأمراء في حياته، فلما توفى أبوه بويع له بالملك وله تسع عشرة سنة، ومشيت له الأمور في أول الأمر على السعادة، ثم إنه غلبت عليه الخاصكية فجعل يلعب معهم في الميدان الأخضر فيما قيل أول هوى، فربما جاءت النوبة عليه فينزل لهم، فأنكرت الأمراء الكبار ذلك وأنفوا أن يكون ملكهم يلعب مع الغلمان، ويجعل نفسه كأحدهم، فراسلوه في ذلك ليرجع عما هو عليه فلم يقبل، فخلعوه كما ذكرنا، وولوا السلطان الملك المنصور قلاوون في أواخر رجب كما تقدم. ثم كانت وفاته في هذه السنة بالكرك في يوم الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة، يقال إنه سم فالله أعلم، وقد دفن أولا عند قبر جعفر وأصحابه الذين قتلوا بموته، ثم نقل إلى دمشق فدفن في تربة أبيه سنة ثمانين وستمائة، وتملك الكرك بعده أخوه نجم الدين خضر وتلقب بالملك المسعود، فانتزعها المنصور من يده كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وستمائة
كان أولها يوم الخميس ثالث أيار، والخليفة الحاكم بأمر الله وملك مصر الملك المنصور قلاوون الصالحي، وبعض بلاد الشام أيضا، وأما دمشق وأعمالها فقد ملكها سنقر الأشقر، وصاحب الكرك الملك المسعود بن الظاهر، وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود، والعراق وبلاد الجزيرة وخراسان والموصل وإربل وأذربيجان وبلاد بكر وخلاط وما والاها وغير ذلك من البلاد بأيدي التتار، وكذلك بلاد الروم في أيديهم أيضا، ولكن فيها غياث الدين بن ركن الدين، ولا حكم له سوى الاسم، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وصاحب الحرم الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى، وصاحب المدينة عز الدين جماز بن شيحه الحسيني.
ففي مستهل السنة المذكورة ركب السلطان الملك الكامل سنقر الأشقر من القلعة إلى الميدان وبين يديه الأمراء ومقدمو الحلقة الفاشية، وعليهم الخلع والقضاة والأعيان ركاب معه، فسير في الميدان ساعة ثم رجع إلى القلعة، وجاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب، فقبل الأرض بين يديه، وجلس إلى جانبه وهو على السماط، وقام له الكامل، وكذلك جاء إلى خدمته ملك الاعراب بالحجاز، وأمر الكامل سنقر أن تضاف البلاد الحلبية إلى ولاية القاضي شمس الدين بن خلكان، وولاه تدريس الأمينية وانتزعها من ابن سنى الدولة.
ولما بلغ الملك المنصور بالديار المصرية ما كان من أمر سنقر الأشقر بالشام أرسل إليه جيشا كثيفا فهزموا عسكر سنقر الأشقر الّذي كان قد أرسله إلى غزة، وساقوهم بين أيديهم حتى وصل جيش
стр. 4533
المصريين إلى قريب دمشق، فأمر الملك الكامل أن يضرب دهليزه بالجسورة، وذلك في يوم الأربعاء ثانى عشر صفر، ونهض بنفسه وبمن معه فنزل هنالك واستخدم خلقا كثيرا وأنفق أموالا جزيلة، وانضاف إليه عرب الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، وشهاب الدين أحمد بن حجى، وجاءته نجدة حلب ونجدة حماة ورجال كثيرة من رجال بعلبكّ، فلما كان يوم الأحد السادس عشر من صفر أقبل الجيش المصري صحبة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، فلما تراءى الجمعان وتقابل الفريقان تقاتلوا إلى الرابعة في النهار، فقتل نفر كثير وثبت الملك الكامل سنقر الأشقر ثباتا جيدا، ولكن خامر عليه الجيش فمنهم من صار إلى المصري ومنهم من انهزم في كل وجه، وتفرق عنه أصحابه فلم يسعه إلا الانهزام على طريق المرح في طائفة يسيرة، في صحبة عيسى بن مهنا، فسار بهم إلى برية الرحبة فأنزلهم في بيوت من شعر، وأقام بهم وبدوابهم مدة مقامهم عنده، ثم بعث الأمراء الذين انهزموا عنه فأخذوا لهم أمانا من الأمير سنجر، وقد نزل في ظاهر دمشق وهي مغلوقة، فراسل نائب القلعة ولم يزل به حتى فتح باب الفرج من آخر النهار، وفتحت القلعة من داخل البلد فتسلمها للمنصور وأفرج عن الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالحالق، والأمير لاجين حسام الدين المنصوري وغيرهم من الأمراء الذين كان قد اعتقلهم الأمير سنقر الأشقر، وأرسل سنجر البريدية إلى الملك المنصور يعلمونه بصورة الحال، وأرسل سنجر بثلاثة آلاف في طلب سنقر الأشقر.
وفي هذا اليوم جاء ابن خلكان ليسلم على الأمير سنجر الحلبي فاعتقله في علو الخانقاه النجيبية، وعزله في يوم الخميس العشرين من صفر، ورسم للقاضي نجم الدين بن سنى الدولة بالقضاء فباشره، ثم جاءت البريدية معهم كتاب من الملك المنصور قلاوون بالعتب على طوائف الناس، والعفو عنه كلهم، فتضاعفت له الادعية، وجاء تقليد النيابة بالشام للأمير حسام الدين لاجين السلحدارى المنصوري، فدخل معه علم الدين سنجر الحلبي فرتبه في دار السعادة، وأمر سنجر القاضي ابن خلكان أن يتحول من المدرسة العادلية الكبيرة ليسكنها نجم الدين بن سنى الدولة، وألح عليه في ذلك، فاستدعى جمالا لينقل أهله وثقله عليها إلى الصالحية فجاء البريد بكتاب من السلطان فيه تقرير ابن خلكان على القضاء والعفو عنه وشكره والثناء عليه، وذكر خدمته المتقدمة، ومعه خلعة سنية له فلبسها وصلى بها الجمعة وسلم على الأمراء فأكرموه وعظموه، وفرح الناس به وبما وقع من الصفح عنه.
وأما سنقر الأشقر فإنه لما خرجت العساكر في طلبه فارق الأمير عيسى بن مهنا وسار إلى السواحل فاستحوذ منها على حصون كثيرة، منها صهيون، وقد كان بها أولاده وحواصله، وحصن بلاطس وبرزية وعكا وجبلة واللاذقية، والشفر بكاس وشيزر واستناب فيها الأمير عز الدين ازدمر الحاج. فأرسل السلطان المنصور لحصار شيزر طائفة من الجيش، فبينما هم كذلك إذ أقبلت
стр. 4534
التتار لما سمعوا بتفريق كلمة المسلمين، فانجفل الناس من بين أيديهم من سائر البلاد إلى الشام، ومن الشام إلى مصر، فوصلت التتار إلى حلب فقتلوا خلقا كثيرا، ونهبوا جيشا كبيرا، وظنوا أن جيش سنقر الأشقر يكون معهم على المنصور، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، وذلك أن المنصور كتب إلى سنقر الأشقر. إن التتار قد أقبلوا إلى المسلمين، والمصلحة أن نتفق عليهم لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم، وإذا ملكوا البلاد لم يدعوا منا أحدا. فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة وبرز من حصنه فخيم بجيشه ليكون على أهبة متى طلب أجاب، ونزلت نوابه من حصونهم وبقوا مستعدين لقتال التتار، وخرج الملك المنصور من مصر في أواخر جمادى الآخرة ومعه العساكر. وفي يوم الجمعة الثالث من جمادى الآخرة قرئ على منبر جامع دمشق كتاب من السلطان أنه قد عهد إلى ولده على، ولقب بالملك الصالح، فلما فرغ من قراءة الكتاب جاءت البريدية فأخبروا برجوع التتار من حلب إلى بلادهم، وذلك لما بلغهم من اتفاق كلمة المسلمين، ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد، وعاد المنصور إلى مصر وكان قد وصل إلى غزة، أراد بذلك تخفيف الوطأة عن الشام فوصل إلى مصر في نصف شعبان.
وفي جمادى الآخرة أعيد برهان الدين السنجاري إلى وزارة مصر ورجع فخر الدين بن لقمان إلى كتابة الإنشاء. وفي أواخر رمضان أعيد إلى القضاء ابن رزين وعزل ابن بنت الأعز، وأعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي، ومعين الدين الحنفي، وتولى قضاء الحنابلة عز الدين المقدسي. وفي ذي الحجة جاء تقليد ابن خلكان بإضافة المعاملة الحلبية إليه يستنيب فيها من شاء من نوابه. وفي مستهل ذي الحجة خرج الملك المنصور من بلاد مصر بالعساكر قاصدا الشام، واستناب على مصر ولده الملك الصالح على بن المنصور إلى حين رجوعه، قال الشيخ قطب الدين: وفي يوم عرفة وقع بمصر برد كبار أتلف شيئا كثيرا من المغلات، ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري. وجاء السلطان فنزل بعساكره تجاه عكا، فخافت الفرنج منه خوفا شديدا وراسلوه في طلب تجديد الهدنة، وجاء الأمير عيسى بن مهنا من بلاد العراق إلى خدمة المنصور، وهو بهذه المنزلة فتلقاه السلطان بجيشه وأكرمه واحترمه وعامله بالصفح والعفو والإحسان
وممن توفى فيها من الأعيان.
الأمير الكبير جمال الدين آقوش الشمسى
أحد أمراء الإسلام، وهو الّذي باشر قتل كتبغانوين أحد مقدمي التتار، وهو المطاع فيهم يوم عين جالوت، وهو الّذي مسك عز الدين أيدمر الظاهري في حلب من السنة الماضية، وكانت وفاته بها.
стр. 4535
الشيخ الصالح داود بن حاتم
ابن عمر الحبال، كان حنبلي المذهب له كرامات وأحوال صالحة ومكاشفات صادقة، وأصل آبائه من حران، وكانت إقامته ببعلبكّ، وتوفى فيها ﵀ عن ست وتسعين سنة، وقد أثنى عليه الشيخ قطب الدين ابن الشيخ الفقيه اليونينى
الأمير الكبير
نور الدين على بن عمر أبو الحسن الطوري، كان من أكابر الأمراء، وقد نيف على تسعين سنة وكانت وفاته بسبب أنه وقع يوم مصاف سنقر الأشقر تحت سنابك الخيل فمكث بعد ذلك متمرضا إلى أن مات بعد شهرين ودفن بسفح قاسيون.
الجزار الشاعر
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن على جمال الدين أبو الحسين المصري، الشاعر الماجن، المعروف بالجزار. مدح الملوك والوزراء والأمراء، وكان ماجنا ظريفا حلو المناظرة، ولد في حدود ستمائة بعدها بسنة أو سنتين، وتوفى يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال من هذه السنة. ومن شعره:
أدركونى فبي من البرد هم … ليس ينسى وفي حشاي التهاب
ألبستنى الأطماع وهما فها … جسمي عار ولي فرى وثياب
كلما أزرق لون جسمي من … البرد تخيلت أنه سنجاب
وقال وقد تزوج أبوه بعجوزة
تزوج الشيخ أبى شيخة … ليس لها عقل ولا ذهن
كأنها في فرشها رمة … وشعرها من حولها قطن
وقال لي كم سنها … قلت ليس في فمها سن
لو أسفرت غرتها في الدجى … ما جسرت تبصرها الجن
ثم دخلت سنة ثمانين وستمائة من الهجرة
استهلت والخليفة الحاكم وسلطان البلاد الملك المنصور قلاوون. وفي عاشر المحرم انعقدت الهدنة بين أهل عكا والمرقب والسلطان، وكان نازلا على الروحاء وقد قبض على جماعة من الأمراء ممن كان معه، وهرب آخرون إلى قلعة صهيون إلى خدمة سنقر الأشقر، ودخل المنصور إلى دمشق في التاسع عشر من المحرم فنزل القلعة وقد زينت له البلد، وفي التاسع والعشرين من المحرم أعاد القضاء إلى عز الدين بن الصائغ وعزل ابن خلكان. وفي أول صفر باشر قضاء الحنابلة نجم الدين ابن الشيخ شمس بن أبى عمر، وقد كان المنصب شاغرا منذ عزل والده نفسه عن القضاء، وتولى
стр. 4536
قضاء حلب في هذا الشهر تاج الدين يحيى بن محمد بن إسماعيل الكردي، وجلس الملك المنصور في دار العدل في هذا الشهر فحكم وأنصف المظلوم من الظالم، وقدم عليه صاحب حماة فتلقاه المنصور بنفسه في موكبه، ونزل بداره بباب الفراديس. وفي ربيع الأول وقع الصلح بين الملك المنصور قلاوون وبين سنقر الأشقر الملك الكامل على أن يسلم للسلطان شيزر ويعوضه عنها بأنطاكية وكفر طاب وشغر بكاس وغير ذلك، وعلى أن يقيم على ما بيده ستمائة فارس، وتحالفا على ذلك، ودقت البشائر لذلك، وكذلك تصالح صاحب الكرك والملك المنصور خضر بن الظاهر على تقرير ما بيده ونودي بذلك في البلاد. وفي العشر الأول من هذا الشهر ضمن الخمر والزنا بدمشق، وجعل عليه ديوان ومشد، فقام في إبطال ذلك جماعة من العلماء والصلحاء والعباد، فأبطل بعد عشرين يوما، وأريقت الخمور وأقيمت الحدود ولله الحمد والمنة.
وفي تاسع عشر ربيع الأول وصلت الخاتون بركة خان زوجة الملك الظاهر ومعها ولدها السعيد قد نقلته من قرية المساجد بالقرب من الكرك لتدفنه عند أبيه بالتربة الظاهرية، فرفع بحبال من السور ودفن عند والده الظاهر، ونزلت أمه بدار صاحب حمص، وهيئت لها الاقامات، وعمل عزاء ولدها يوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر بالتربة المذكورة، وحضر السلطان المنصور وأرباب الدولة والقراء والوعاظ.
وفي أواخر ربيع الآخر عزل التقى بن توبة التكريتي من الوزارة بدمشق وباشرها بعده تاج الدين السهنورى، وكتب السلطان المنصور إلى مصر وغيرها من البلاد يستدعى الجيوش لأجل اقتراب مجيء التتار، فدخل أحمد بن حجى ومعه بشر كثير من الأعراب، وجاء صاحب الكرك الملك المسعود نجدة للسلطان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الآخرة، وقدم الناس عليه ووفدوا إليه من كل مكان، وجاءته التركمان والأعراب وغيرهم، وكثرت الأراجيف بدمشق، وكثرت العساكر بها وجفل الناس من بلاد حلب وتلك النواحي، وتركوا الغلات والأموال خوفا من أن يدهمهم العدو من التتار، ووصلت التتر صحبة منكوتمر بن هولاكو إلى عنتاب، وسارت العساكر المنصورة إلى نواحي حلب يتبع بعضها بعضا، ونازلت التتار بالرحبة في أواخر جمادى الآخر جماعة من الاعراب، وكان فيهم ملك التتار أبغا مختفيا ينظر ماذا يفعل أصحابه، وكيف يقاتلون أعداءه، ثم خرج المنصور من دمشق وكان خروجه منها في أواخر جمادى وقنت الخطباء والائمة بالجوامع والمساجد في الصلوات وغيرها وجاء مرسوم من السلطان باستسلام أهل الذمة من الدواوين والكتبة. ومن لا يسلم يصلب، فأسلموا كرها، وكانوا يقولون آمنا وحكم الحاكم بإسلامنا بعد أن عرض من امتنع منهم على الصلب بسوق الخيل، وجعلت الحبال في أعناقهم، فأجابوا والحالة هذه، ولما انتهى الملك المنصور إلى حمص كتب
стр. 4537
إلى الملك الكامل سنقر الأشقر يطلبه إليه نجدة فجاء إلى خدمته فأكرمه السلطان واحترمه ورتب له الاقامات، وتكاملت الجيوش كلها في صحبة الملك المنصور عازمين على لقاء العدو لا محالة مخلصين في ذلك، واجتمع الناس بعد خروج الملك في جامع دمشق ووضعوا المصحف العثماني بين أيديهم، وجعلوا يبتهلون إلى الله تعالى في نصرة الإسلام وأهله على الأعداء، وخرجوا كذلك والمصحف على رءوسهم إلى المصلى يدعون ويبتهلون ويبكون، وأقبلت التتار قليلا قليلا فلما وصلوا حماة أحرقوا بستان الملك وقصره وما هنالك من المساكن، والسلطان المنصور مخيم بحمص في عساكر من الأتراك والتركمان وغيرهم جحفل كثير جدا، وأقبلت التتار في مائة ألف مقاتل أو يزيدون، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقعة حمص
لما كان يوم الخميس رابع عشر رجب التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس وعسكر التتر في مائة ألف فارس، وعسكر المسلمين على النصف من ذلك أو يزيد قليلا، والجميع فيما بين مشهد خالد بن الوليد إلى الرستن، فاقتتلوا قتالا عظيما لم ير مثله من أعصار متطاولة، فاستظهر التتار أول النهار، وكسروا الميسرة واضطربت الميمنة أيضا وبالله المستعان. وكسر جناح القلب الأيسر وثبت السلطان ثباتا عظيما جدا في جماعة قليلة، وقد انهزم كثير من عسكر المسلمين، والتتار في آثارهم حتى وصلوا وراءهم إلى بحيرة حمص ووصلوا حمص وهي مغلقة الأبواب، فقتلوا خلقا من العامة وغيرهم، وأشرف المسلمون على خطة عظيمة من الهلاك، ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تآمروا فيما بينهم مثل سنقر الأشقر وبيسرى وطيبرس الوزيري وبدر الدين أمير سلاح وايتمش السعدي وحسام الدين لاجين وحسام الدين طرنطاى والدويدارى وأمثالهم، لما رأوا ثبات السلطان ردوا إلى السلطان وحملوا حملات متعددة صادقة، ولم يزالو يتابعون الحملة بعد الحملة حتى كسر الله بحوله وقوته التتر، وجرح منكوتمر، وجاءهم الأمير عيسى بن مهنا من ناحية العرض فصدم التتر فأضربت الجيوش لصدمته، وتمت الهزيمة ولله الحمد، وقتلوا من التتار مقتلة عظيمة جدا، ورجعت من التتار الذين اتبعوا المنهزمين من المسلمين فوجدوا أصحابهم قد كسروا، والعساكر في آثارهم يقتلون ويأسرون، والسلطان ثابت في مكانه تحت السناجق، والكوسات تضرب خلفه وما معه إلا ألف فارس، فطمعوا فيه فقاتلوه فثبت لهم ثباتا عظيما فانهزموا من بين يديه فلحقهم فقتل أكثرهم، وكان ذلك تمام النصر، وكان انهزام التتار قبل الغروب، وافترقوا فرقتين أخذت فرقة منهم إلى ناحية سلمية والبرية، والأخرى إلى ناحية حلب والفرات، فأرسل السلطان في آثارهم من يتبعهم وجاءت البطاقة بالبشارة بما وقع من النصر إلى دمشق يوم الجمعة خامس عشر رجب، فدقت البشائر وزينت
стр. 4538
البلد، وأوقدت الشموع وفرح الناس. فلما أصبح الناس يوم السبت أقبلت طائفة من المنهزمين منهم بيليك الناصري والحالق وغيرهم، فأخبروا الناس بما شاهدوه من الهزيمة في أول الأمر، ولم يكونوا شاهدوا بعد ذلك، فبقي الناس في قلق عظيم، وخوف شديد، وتهيأ ناس كثير للهرب، فبينما الناس في ذلك إذ أقبلت البريدية فأخبروا الناس بصورة ما وقع في أول الأمر وآخره، فتراجع الناس وفرحوا فرحا شديدا ولله الحمد والمنة.
ثم دخل السلطان إلى دمشق الثاني والعشرين من رجب، وبين يديه الأسارى بأيديهم الرماح عليها شقف رءوس القتلى، وكان يوما مشهودا، ومع السلطان طائفة من أصحاب سنقر الأشقر منهم علم الدين الدويدارى، فنزل السلطان بالقلعة مؤيدا منصورا، وقد كثرت له المحبة والأدعية وكان سنقر الأشقر ودع السلطان من حمص ورجع إلى صهيون، وأما التتر فإنهم انهزموا في أسوإ حال وأتعسه يتخطفون من كل جانب، ويقتلون من كل فج، حتى وصلوا إلى الفرات فغرق أكثرهم، ونزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا آخرين، والجيوش في آثارهم يطردونهم عن البلاد حتى أراح الله منهم الناس.
وقد استشهد في هذه الوقعة جماعة من سادات الأمراء منهم الأمير الكبير الحاج عز الدين أزدمر جمدار، وهو الّذي جرح ملك التتار يومئذ منكوتمر، فإنه خاطر بنفسه وأوهم أنه مقفز إليه وقلب رمحه حتى وصل إليه فطعنه فجرحه فقتلوه ﵀، ودفن بالقرب من مشهد خالد.
وخرج السلطان من دمشق قاصدا الديار المصرية يوم الأحد ثانى شعبان والناس يدعون له، السلطان إلى مصر في ثانى عشر شعبان. وفي سلخ شعبان ولى قضاء مصر والقاهرة للقاضي وجيه الدين البهنسي الشافعيّ، وفي يوم الأحد سابع رمضان فتحت المدرسة الجوهرية بدمشق في حياة منشئها وواقفها الشيخ نجم الدين محمد بن عباس بن أبى المكارم التميمي الجوهري، ودرس بها قاضى الحنفية حسام الدين الرازيّ. وفي بكرة يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان وقعت مئذنة مدرسة أبى عمر بقاسيون على المسجد العتيق فمات شخص واحد، وسلم الله تعالى بقية الجماعة. وفي عاشر رمضان وقع بدمشق ثلج عظيم وبرد كثير مع هواء شديد، بحيث إنه ارتفع عن الأرض نحوا من ذراع، وفسدت الخضروات، وتعطل على الناس معايش كثيرة. وفي شوال وصل صاحب سنجار إلى دمشق مقفزا من التتار داخلا في طاعة السلطان بأهله وماله، فتلقاه نائب البلد وأكرمه وسيره إلى مصر معززا مكرما.
وفي شوال عقد مجلس بسبب أهل الذمة من الكتاب الذين كانوا قد أسلموا كرها وقد كتب
стр. 4539
لهم جماعة من المفتين بأنهم كانوا مكرهين فلهم الرجوع إلى دينهم، وأثبت الإكراه بين يدي القاضي جمال الدين ابن أبى يعقوب المالكي، فعاد أكثرهم إلى دينهم وضربت عليهم الجزية كما كانوا، سود الله وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وقيل: إنهم غرموا مالا جزيلا جملة مستكثرة على ذلك، قبحهم الله.
وفي ذي القعدة قبض السلطان على أيتمش السعدي وسجنه بقلعة الجبل، وقبض نائبة بدمشق على سيف الدين بلبان الهاروني وسجنه بقلعتها. وفي بكرة الخميس التاسع والعشرين من ذي القعدة، وهو العاشر من أذار، استسقى الناس بالمصلى بدمشق فسقوا بعد عشرة أيام. وفي هذه السنة أخرج الملك المنصور جميع آل الملك الظاهر من النساء والولدان والخدام من الديار المصرية إلى الكرك ليكونوا في كنف الملك المسعود خضر بن الظاهر
وممن توفى فيها من الأعيان.
أبغا ملك التتار بن هولاكو خان
ابن تولى بن جنكيزخان، كان عالى الهمة بعيد الغور له رأى وتدبير، وبلغ من العمر خمسين سنة، ومدة ملكه ثماني عشرة سنة، ولم يكن بعد والده في التدبير والحزم مثله، ولم تكن وقعة حمص هذه برأيه ولا عن مشورته، ولكن أخوه منكوتمر أحب ذلك فلم يخالفه. ورأيت في بعض تاريخ البغاددة أن قدوم منكوتمر إلى الشام إنما كان عن مكاتبة سنقر الأشقر إليه فالله أعلم. وقد جاء أبغا هذا بنفسه فنزل قريبا من الفرات ليرى ماذا يكون من الأمر، فلما جرى عليهم ما جرى ساءه ذلك ومات غما وحزنا. توفى بين العيدين من هذه السنة، وقام بالملك بعده ولده السلطان أحمد.
وفيها توفى. قاضى القضاة
نجم الدين أبو بكر بن قاضى القضاة صدر الدين أحمد بن قاضى القضاة شمس الدين يحيى بن هبة الله ابن الحسن بن يحيى بن محمد بن على الشافعيّ ابن سنى الدولة، ولد سنة ست عشرة وستمائة، وسمع الحديث وبرع في المذهب، وناب عن أبيه فشكرت سيرته، واستقل بالقضاء في الدولة المظفرية فحمد أيضا، وكان الشيخ شهاب الدين ينال منه ومن أبيه، وقال البرزالي: كان شديدا في الأحكام متحريا، وقد ألزم بالمقام بمصر فدرس بجامع مصر، ثم عاد إلى دمشق فدرس بالأمينية والركنية، وباشر قضاء حلب، وعاد إلى دمشق، وولاه سنجر قضاء دمشق، ثم عزل بابن خلكان كما تقدم، ثم كانت وفاته يوم الثلاثاء من المحرم، ودفن من الغد يوم تاسوعاء بتربة جده بقاسيون.
وفي عاشر المحرم توفى قاضى القضاة صدر الدين عمر
ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن أبى القاسم الغلابي ابن بنت الأعز المصري، كان فاضلا بارعا عارفا بالمذهب، متحريا في الأحكام كأبيه، ودفن بالقرافة.
стр. 4540
الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغورى
الموله المعروف بالجيعانة، كان مشهورا بدمشق، ويذكر له أحوال ومكاشفات على ألسنة العوام ومن لا يعقل، ولم يكن ممن يحافظ على الصلوات ولا يصوم مع الناس، ومع هذا كان كثير من العوام وغيرهم يعتقدونه. توفى يوم الأحد سابع جمادى الأولى ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون عند الشيخ يوسف القيمينى، وقد توفى الشيخ يوسف قبله بمدة، وكان الشيخ يوسف يسكن إقمين حمام نور الدين الشهيد بالبزوريين، وكان يجلس على النجاسات والقذر، وكان يلبس ثيابا بداوية تجحف على النجاسات في الأزقة، وكان له قبول من الناس ومحبة وطاعة، وكان العوام يغالون في محبته واعتقاده، وكان لا يصلى ولا يتقى نجاسة، ومن جاءه زائرا جلس عند باب الأقمين على النجاسة، وكان العوام يذكرون له مكاشفات وكرامات، وكل ذلك خرافات من خرافات العوام وأهل الهذيان كما يعتقدون ذلك في غيره من المجانين والمولهين. ولما مات الشيخ يوسف القميني خرج خلق في جنازته من العوام وغيرهم، وكانت جنازته حافلة بهم، وحمل على أعناق الرجال إلى سفح قاسيون، وبين يديه غوغاء وغوش كثير وتهليل وأمور لا تجوز من فعل العوام، حتى جاءوا به إلى تربة المولهين بقاسيون فدفنوه بها، وقد اعتنى بعض العوام بقبره فعمل عليه حجارة منقوشة وعمل على قبره سقفا مقرنصا بالدهان وأنواعه، وعمل عليه مقصورة وأبوابا، وغالى فيه مغالاة زائدة، ومكث هو وجماعة مجاورون عنده مدة في قراءة وتهليل، ويطبخ لهم الطبيخ فيأكلون ويشربون هناك. والمقصود أن الشيخ إبراهيم الجيعانة لما مات الشيخ يوسف الأقمينى جاء من الشاغور إلى باب الصغير في جماعة من أتباعه، وهم في صراخ وضجة وغوش كثير، وهم يقولون: أذن لنا في دخول البلد أذن لنا في دخول البلد، يكررون ذلك، فقيل له في ذلك فقال: لي عشرون سنة ما دخلت داخل سور دمشق، لأني كنت كلما أتيت بابا من أبوابها أجد هذا السبع رابضا بالباب فلا أستطيع الدخول خوفا منه، فلما مات أذن لنا في الدخول، وهذا كله ترويج على الطغام والعوام من الهمج الرعاع، الذين هم أتباع كل ناعق. وقيل إن الشيخ يوسف كان يرسل إلى الجيعانة مما يأتيه من الفتوح والله سبحانه أعلم بأحوال العباد، وإليه المنقلب والمآب، وعليه الحساب.
وقد ذكرنا أنه استشهد في وقعة حمص جماعة من الأمراء منهم الأمير عز الدين أزدمر السلحدارى عن نحو من ستين سنة، وكان من خيار الأمراء وله همة عالية ينبغي أن ينال بها مكانا عاليا في الجنة
قاضى القضاة
تقى الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى العامري الحموي الشافعيّ، ولد سنة ثلاث وستمائة، وقد سمع الحديث وانتفع بالشيخ تقى الدين بن الصلاح، وأم بدار الحديث مدة،
стр. 4541
ودرس بالشامية، وولى وكالة بيت المال بدمشق، ثم سار إلى مصر فدرس بها بعدة مدارس، وولى الحكم بها، وكان مشكورا، توفى ليلة الأحد ثالث رجب منها، ودفن بالمقطم.
وفي يوم السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة توفى. الملك الأشرف
مظفر الدين موسى بن الملك الزاهر محيي الدين داود المجاهد بن أسد الدين شيركوه بن الناصر ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذى ابن صاحب حمص، ودفن بتربتهم بقاسيون.
وفي ذي القعدة توفى الشيخ جمال الدين الإسكندري
الحاسب بدمشق، وكان له مكتب تحت منارة كيروز، وقد انتفع به خلق كثير، وكان شيخ الحساب في وقته ﵀
الشيخ علم الدين أبو الحسن
محمد بن الامام أبى على الحسين بن عيسى بن عبد الله بن رشيق الربعي المالكي المصري، ودفن بالقرافة، وكانت له جنازة حافلة، وقد كان فقيها مفتيا، سمع الحديث وبلغ خمسا وثمانين سنة.
وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة توفى.
الصدر الكبير أبو الغنائم المسلم
محمد بن المسلم مكي بن خلف بن غيلان، القيسي الدمشقيّ، مولده سنة أربع وتسعين، وكان من الرؤساء الكبار، وأهل البيوتات، وقد ولى نظر الدواوين بدمشق وغير ذلك، ثم ترك ذلك كله وأقبل على العبادة وكتابة الحديث، وكان يكتب سريعا يكتب في اليوم الواحد ثلاث كراريس وقد أسمع مسند الامام أحمد ثلاث مرات، وحدث بصحيح مسلم وجامع الترمذي وغير ذلك، وسمع منه البرزالي والمزي وابن تيمية، ودفن من يومه بسفح قاسيون عن ست وثمانين سنة، ﵏ جميعا
الشيخ صفى الدين
أبو القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد التميمي الحنفي، شيخ الحنفية ببصرى، ومدرس الأمينية بها مدة سنين كثيرة، كان بارعا فاضلا عالما عابدا منقطعا عن الناس، وهو والد قاضى القضاة صدر الدين على، وقد عمر دهرا طويلا، فإنه ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وتوفى ليلة نصف شعبان من هذه السنة عن تسع وتسعين سنة ﵀.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وستمائة
استهلت والخليفة الحاكم بأمر الله والسلطان الملك المنصور قلاوون. وفيها أرسل ملك التتار أحمد إلى الملك المنصور يطلب منه المصالحة وحقن الدماء فيما بينهم، وجاء في الرسلية الشيخ قطب الدين الشيرازي أحد تلامذة النصير الطوسي، فأجاب المنصور إلى ذلك وكتب المكاتبات إلى ملك
стр. 4542
التتر بذلك. وفي مستهل صفر قبض السلطان على الأمير الكبير بدر الدين بيسرى السعدي، وعلى الأمير علاء الدين السعدي الشمسى أيضا.
وفيها درس القاضي بدر الدين بن جماعة بالقيمرية، والشيخ شمس الدين ابن الصفي الحريري بالسرحانية، وعلاء الدين بن الزملكانى بالأمينية. وفي يوم الاثنين الحادي عشر من رمضان وقع حريق باللبادين عظيم، وحضر نائب السلطنة إذ ذاك الأمير حسام الدين لاجين السلحدار وجماعة كثيرة من الأمراء، وكانت ليلة هائلة جدا وقى الله شرها، واستدرك بعد ذلك أمرها القاضي نجم الدين بن النحاس ناظر الجامع، فأصلح الأمر وسد وأعاد البناء أحسن مما كان ولله الحمد والمنة.
وممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ الصالح بقية السلف
برهان الدين أبو إسحاق ابن الشيخ صفى الدين أبى الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي ابن الرضى الحنفي إمام المعزية بالكشك. وأسمع من جماعة منهم الكندي ابن الحرستانيّ ولكن لم يظهر سماعه منهما إلا بعد وفاته، وقد أجاز له أبو نصر الصيدلاني وعفيفة الفارقانية وابن الميداني، وكان رجلا صالحا محبا لإسماع الحديث، كثير البر بالطلبة له، وقد قرأ عليه الحافظ جمال الدين المزي معجم الطبراني الكبير، وسمعه منه بقراءة الحافظ البرزالي وجماعة كثيرون. وكان مولده في سنة تسع وتسعين [وخمسمائة] وتوفى يوم الأحد سابع صفر، وهو اليوم الّذي قدم فيه الحجاج إلى دمشق من الحجاز، وكان هو معهم فمات بعد استقراره بدمشق.
القاضي أمين الدين الأشتري
أبو العباس أحمد بن شمس الدين أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة الحلبي المعروف بالأشتري الشافعيّ، المحدث، سمع الكثير وحصل ووقف أجزاء بدار الحديث الأشرفية وكان الشيخ محيي الدين النووي يثنى عليه ويرسل إليه الصبيان ليقرأوا عليه في بيته لأمانته عنده، وصيانته وديانته.
الشيخ برهان الدين أبو الثناء
محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن المراغي الشافعيّ، مدرس الفلكية، كان فاضلا بارعا، عرض عليه القضاء فلم يقبل، توفى يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر عن ست وسبعين سنة، وسمع الحديث وأسمعه، ودرس بعده بالفلكية القاضي بهاء الدين بن الزكي.
القاضي الامام العلامة شيخ القراء زين الدين
أبو محمد بن عبد السلام بن على بن عمر الزواوى المالكي، قاضى قضاة المالكية بدمشق، وهو أول من باشر القضاء بها، وعزل نفسه عنها تورعا وزهادة، واستمر بلا ولاية ثمان سنين، ثم كانت وفاته ليلة الثلاثاء ثامن رجب منها عن ثلاث وثمانين سنة، وقد سمع الحديث واشتغل على السنجاري
стр. 4543
وابن الحاجب.
الشيخ صلاح الدين
محمد بن القاضي شمس الدين على بن محمود بن على الشهرزوريّ، مدرس القيمرية وابن مدرسها، توفى في أواخر رجب، وتوفى أخوه شرف الدين بعده بشهر، ودرس بالقيمرية بعد الصلاح المذكور القاضي بدر الدين ابن جماعة.
ابن خلكان قاضى القضاة
شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان الإربلي الشافعيّ أحد الأئمة الفضلاء، والسادة العلماء، والصدور الرؤساء، وهو أول من جدد في أيامه قضاء القضاة من سائر المذاهب، فاشتغلوا بالاحكام بعد ما كانوا نوابا له، وقد كان المنصب بينه وبين ابن الصائغ دولا يعزل هذا تارة ويولى هذا، ويعزل هذا ويولى هذا، وقد درس ابن خلكان في عدة مدارس لم تجتمع لغيره، ولم يبق معه في آخر وقت سوى الامينية، وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية. توفى ابن خلكان بالمدرسة النجيبية المذكورة بايوانها يوم السبت آخر النهار، في السادس والعشرين من رجب، ودفن من الغد بسفح قاسيون عن ثلاث وسبعين سنة. وقد كان ينظم نظما حسنا رائقا، وقد كانت محاضرته في غاية الحسن، وله التاريخ المفيد الّذي رسم بوفيات الأعيان من أبدع المصنفات، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة
فيها قدم الملك المنصور إلى دمشق في يوم الجمعة سابع رجب في أبهة عظيمة، وكان يوما مشهودا وفيها ولى الخطابة بدمشق الشيخ عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي عوضا عن محيي الدين ابن الحرستانيّ الّذي توفى فيها كما سيأتي، وخطب يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة وفي هذا اليوم قبل الصلاة احتيط على القاضي عز الدين بن الصائغ بالقلعة وأثبت ابن الحصرى نائب الحنفي محضرا يتضمن أن عنده وديعة بمقدار ثمانية آلاف دينار، من جهة ابن الإسكاف، وكان الّذي أثار ذلك شخص قدم من حلب يقال له تاج الدين بن السنجاري، وولى القضاء بعده بهاء الدين يوسف بن محيي الدين ابن الزكي، وحكم يوم الأحد ثالث وعشرين رجب ومنع الناس من زيارة ابن الصائغ، وسعى بمحضر آخر أن عنده وديعة بقيمة خمسة وعشرين ألف دينار للصالح إسماعيل بن أسد الدين، وقام في ذلك ابن الشاكري والجمال بن الحموي وآخرون، وتكلموا في قضية ثالثة، ثم عقد له مجلس تاله فيه شدة شديدة، وتعصبوا عليه ثم أعيد إلى اعتقاله، وقام في صفه نائب السلطنة حسام الدين لاجين، وجماعة من الأمراء، فكلموا فيه السلطان فأطلقه وخرج إلى منزله، وجاء الناس إلى تهنئته يوم الاثنين الثالث والعشرين من شعبان، وانتقل من
стр. 4544
العادلية إلى داره بدرب النقاشة، وكان عامة جلوسه في المسجد تجاه داره.
وفي رجب باشر حسبة دمشق جمال الدين بن صصريّ. وفي شعبان درس الخطيب جمال الدين ابن عبد الكافي بالغزالية عوضا عن الخطيب ابن الحرستانيّ، وأخذ منه الدولعية لكمال الدين بن النجار، الّذي كان وكيل بيت المال، ثم أخذ شمس الدين الإربلي تدريس الغزالية من ابن عبد الكافي المذكور. وفي آخر شعبان باشر نيابة الحكم عن ابن الزكي شرف الدين أحمد بن نعمة المقدسي أحد أئمة الفضلاء، وسادات العلماء المصنفين. ولما توفى أخوه شمس الدين محمد في شوال ولى مكانه تدريس الشامية البرانية، وأخذت منه العادلية الصغيرة، فدرس فيها القاضي نجم الدين أحمد بن صصريّ التغلبي في ذي القعدة، وأخذت من شرف الدين أيضا الرواحية فدرس فيها نجم الدين البياني نائب الحكم ﵏ أجمعين.
وممن توفى فيها من الأعيان.
الصدر الكبير عماد الدين أبو الفضل
محمد بن القاضي شمس الدين أبى نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي، صاحب الطريقة المنسوبة في الكتابة، سمع الحديث وكان من رؤساء دمشق وأعيانها توفى في صفر منها.
شيخ الجبل الشيخ العلامة شيخ الإسلام
شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي، أول من ولى قضاء الحنابلة بدمشق، ثم تركه وتولاه ابنه نجم الدين، وتدريس الاشرفية بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء الناس وأكثرهم ديانة وأمانة في عصره، مع هدى وسمت صالح حسن، وخشوع ووقار. توفى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ودفن بمقبرة والده ﵏.
ابن أبى جفوان
العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عباس بن أبى جفوان الأنصاري الدمشقيّ المحدث الفقيه الشافعيّ البارع في النحو واللغة، سمعت شيخنا تقى الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الامام أحمد وهما يسمعان فلم يضبط عليه لحنة متفقا عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما
الخطيب محيي الدين
يحيى بن الخطيب قاضى القضاة عماد الدين عبد الكريم بن قاضى القضاة جمال الدين بن الحرستانيّ الشافعيّ خطيب دمشق ومدرس الغزالية، كان فاضلا بارعا أفتى ودرس وولى الخطابة والغزالية بعد
стр. 4545
أبيه، وحضر جنازته نائب السلطنة وخلق كثير، توفى في جمادى الآخرة عن ثمان وستين سنة، ودفن بقاسيون.
وفي خامس رجب توفى. الأمير الكبير ملك عرب آل مثرى
أحمد بن حجى بمدينة بصرى، وصلى عليه بدمشق صلاة الغائب.
الشيخ الامام العالم شهاب الدين
عبد الحليم بن الشيخ الامام العلامة مجد الدين عبد الله بن عبد الله بن أبى القاسم ابن تيمية الحراني، والد شيخنا العلامة العلم تقى الدين ابن تيمية، مفتى الفرق، الفارق بين الفرق، كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة، وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظاهر قلبه، وولى مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه، ثم درس ولده الشيخ تقى الدين بها بعده في السنة الآتية كما سيأتي، ودفن بمقابر الصوفية ﵀.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة
في يوم الاثنين ثانى المحرم منها درس الشيخ الامام العالم العلامة تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني بدار الحديث السكرية التي بالقصاعين، وحضر عنده قاضى القضاة بهاء الدين ابن الزكي الشافعيّ، والشيخ تاج الدين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدين ابن المرحل، وزين الدين بن المنجا الحنبلي، وكان درسا هائلا، وقد كتبه الشيخ تاج الدين الفزاري بخطه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كان عمره إذ ذاك عشرين سنة وسنتين، ثم جلس الشيخ تقى الدين المذكور أيضا يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير من كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة وفيها قدم السلطان إلى دمشق من مصر يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة، فجاء صاحب حماة الملك المنصور إلى خدمته فتلقاه السلطان في موكبه وأكرمه، فلما كان ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان وقع مطر عظيم بدمشق، ورعد وبرق، وجاء سيل عظيم جدا حتى كسر أقفال باب الفراديس، وارتفع الماء ارتفاعا كثيرا، بحيث أغرق خلقا كثيرا، وأخذ جمال الجيش المصري وأثقالهم، فخرج السلطان إلى الديار المصرية بعد ثلاثة أيام، وتولى مشد الدواوين الأمير شمس الدين سنقر عوضا عن الدويدارى علم الدين سنجر. وفيها اختلف التتار فيما بينهم على ملكهم
стр. 4546
السلطان أحمد فعزلوه عنهم وقتلوه، وملكوا عليهم السلطان أرغون بن أبغا، ونادوا بذلك في جيشهم، وتأطدت أحوالهم، ومشت أمورهم على ذلك، وبادت دولة السلطان أحمد. وقامت دولة أرغون بن أبغا.
وممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ طالب الرفاعيّ بقصر حجاج
وله رواية مشهورة به، وكان يزور بعض المريدين فمات.
وفيها مات القاضي الامام عز الدين أبو المفاخر
محمد بن شرف الدين عبد القادر بن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصاري. الدمشقيّ ولى القضاء بدمشق مرتين، عزل بابن خلكان، ثم عزل ابن خلكان به ثانية، ثم عزل وسجن وولى بعده بهاء الدين ابن الزكي، وبقي معزولا إلى أن توفى ببستانه في تاسع ربيع الأول، وصلى عليه بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير واعتقاد كثير في الصالحين، وقد سمع الحديث له ابن بلبان مشيخة قرأها ابن جفوان عليه، ودرس بعده بالعزروية الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن المرحل، وكيل بيت المال، ودرس ابنه محيي الدين أحمد بالعمادية وزاوية الكلاسة من جامع دمشق، ثم توفى ابنه أحمد هذا بعده في يوم الأربعاء ثامن رجب، فدرس بالعمادية والدماغية الشيخ زين الدين بن الفارقيّ شيخ دار الحديث نيابة عن أولاد القاضي عز الدين بن الصائغ بدر الدين وعلاء الدين.
وفيها توفى الملك السعيد فتح الدين
عبد الملك بن الملك الصالح أبى الحسن إسماعيل ابن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد، في ليلة الاثنين ثالث رمضان، ودفن من الغد بتربة أم الصالح، وكان من خيار الأمراء محترما كبيرا رئيسا، روى الموطأ عن يحيى بن بكير عن مكرم بن أبى الصقر، وسمع ابن الليثي وغيره.
القاضي نجم الدين عمر بن نصر بن منصور
البياني الشافعيّ، توفى في شوال منها، وكان فاضلا، ولى قضاء زرع ثم قضاء حلب، ثم ناب في دمشق ودرس بالرواحية وباشرها بعده شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي، يوم عاشر شوال.
وفي هذا اليوم توفى بحماة ملكها: الملك المنصور ناصر الدين
محمد بن محمود بن عمر بن ملك شاه، بن أيوب، ولد سنة ثلاثين وستمائة، وتملك حماة سنة ثنتين وأربعين، وله عشر سنين، فمكث في الملك أزيد من أربعين سنة، وكان له بر وصدقات، وقد
стр. 4547
أعتق في بعض موته خلقا من الأرقاء، وقام في الملك بعده ولده الملك المظفر بتقليد الملك المنصور له بذلك.
القاضي جمال الدين أبو يعقوب
يوسف بن عبد الله بن عمر الرازيّ، قاضى قضاة المالكية، ومدرسهم بعد القاضي زين الزواوى الّذي عزل نفسه، وقد كان ينوب عنه فاستقل بعده بالحكم، توفى في الخامس من ذي القعدة وهو في طريق الحجاز، وكان عالما فاضلا قليل التكليف والتكلف، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين ودرس بعده للمالكية الشيخ جمال الدين الشريشى، وبعده أبو إسحاق اللوري، وبعده بدر الدين أبو بكر البريسى، ثم لما وصل القاضي جمال الدين بن سليمان حاكما درس بالمدارس والله سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة
في أواخر المحرم قدم الملك المنصور إلى دمشق ومعه الجيوش وجاء إلى خدمته صاحب حماة الملك المظفر بن المنصور فتلقاه بجميع الجيوش، وخلع عليه خلعة الملوك، ثم سافر السلطان بالعساكر المصرية والشامية فنزل المرقب ففتحه الله عليهم في يوم الجمعة ثامن عشر صفر، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق فدقت البشائر وزينت البلد وفرح المسلمون بذلك، لأن هذا الحصن كان مضرة على المسلمين، ولم يتفق فتحه لأحد من ملوك الإسلام لا للملك صلاح الدين، ولا للملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، وفتح حوله بلنياس ومرقب وهي بلدة صغيرة إلى جانب البحر عند حصن منيع جدا لا يصل إليه سهم ولا حجر منجنيق، فأرسل إلى صاحب طرابلس فهدمه تقربا إلى السلطان الملك المنصور، واستنقذ المنصور خلقا كثيرا من أسارى المسلمين، الذين كانوا عند الفرنج، ولله الحمد.
ثم عاد المنصور إلى دمشق، ثم سافر بالعساكر المصرية إلى القاهرة.
وفي أواخر جمادى الآخرة ولد للمنصور ولده الملك الناصر محمد بن قلاوون، وفيها عزل محيي الدين ابن النحاس عن نظر الجامع ووليه عز الدين بن محيي الدين بن الزكي، وباشر ابن النحاس الوزارة عوضا عن التقى توبة التكريتي، وطلب التقى توبة إلى الديار المصرية وأحيط على أمواله وأملاكه، وعزل سيف الدين طوغان عن ولاية المدينة، وباشرها عز الدين بن أبى الهيجاء.
وممن توفى فيها من الأعيان:
الشيخ عز الدين محمد بن على
ابن إبراهيم بن شداد، توفى في صفر، وكان فاضلا مشهورا، له كتاب سيرة الملك الظاهر، وكان معتنيا بالتأريخ.
البندقداري
أستاذ الملك الظاهر بيبرس، وهو الأمير الكبير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي، كان من خيار الأمراء سامحه الله. توفى في ربيع الآخر منها، وقد كان الصالح نجم الدين صادر البندقداري هذا،
стр. 4548
وأخذ منه مملوكه بيبرس فأضافه إليه لشهامته ونهضته، فتقدم عنده على أستاذه وغيره
الشيخ الصالح العابد الزاهد
شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن إسماعيل الإخميمي، كانت له جنازة هائلة، ودفن بقاسيون ﵀.
ابن عامر المقري
الّذي ينسب إليه الميعاد الكبير، الشيخ الصالح المقري شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عامر بن أبى بكر النسولى الحنبلي، سمع الحديث من الشيخ موفق الدين بن قدامة وغيره، وكان يعمل الميعاد ليلة الأحد، فإذا فرغوا من ذلك دعا بهم ثم وعظهم. توفى يوم الأربعاء حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بالقرب من تربة الشيخ عبد الله الأرمني.
القاضي عماد الدين
داود بن يحيى بن كامل القرشي النصروى الحنفي، مدرس العزية بالكشك، وناب في الحكم عن مجد الدين بن العديم، وسمع الحديث وتوفى ليلة النصف من شعبان، وهو والد الشيخ نجم الدين القجقازي، شيخ الحنفية، وخطيب جامع تنكر.
الشيخ حسن الرومي
شيخ سعيد السعداء بالقاهرة. وقد وليها بعده شمس الدين الاتابكى. الرشيد سعيد بن على بن سعيد. الشيخ رشيد الدين الحنفي مدرس الشبلية، وله تصانيف مفيدة كثيرة، ونظم حسن. فمن ذلك قوله:
قل لمن يحذر أن تدركه … نكبات الدهر لا يغنى الحذر
أذهب الحزن اعتقادي … أن كل شيء بقضاء وقدر
ومن شعره قوله:
إلهي لك الحمد الّذي أنت أهله … على نعم منها الهداية للحمد
صحيحا خلقت الجسم منى مسلما … ولطفك بى ما زال مذ كنت في المهد
وكنت يتيما قد أحاط بى الردى … فآويت واستنقذت من كل ما يردى
وهبت لي العقل الّذي بضيائه … إلى كل خير يهتدى طالب الرشد
ووفقت للإسلام قلبي ومنطقي … فيا نعمة قد حل موقعها عندي
ولو رمت جهدي أن أجازى فضيلة … فضلت بها لم يجز أطرافها جهدي
ألست الّذي أرجو حنانك عند ما … يخلفني الأهلون وحدي في لحدي
فجد لي بلطف منك يهدى سريرتي … وقلبي ويدنيني إليك بلا بعد
توفى يوم السبت ثالث رمضان، وصلى عليه العصر بالجامع المظفري، ودفن بالسفح.
стр. 4549
أبو القاسم على بن بلبان بن عبد الله
الناصري المحدث المفيد الماهر، توفى يوم الخميس مستهل رمضان.
الأمير مجير الدين
محمد بن يعقوب بن على المعروف بابن تميم الحموي الشاعر، صاحب الديوان في الشعر، فمن شعره قوله:
عاينت ورد الروض يلطم خده … ويقول قولا في البنفسج يحنق (١)
لا تقربوه وإن تضوع نشره … ما بينكم فهو العدو الأزرق
الشيخ العارف شرف الدين
أبو عبد الله محمد بن الشيخ عثمان بن على الرومي، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومن عندهم خرج الشيخ جمال الدين محمد الساوجي وحلق ودخل في ذي الجوالقية وصار شيخهم ومقدمهم.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وستمائة
استهلت والخليفة الحاكم أبو العباس أحمد، والسلطان الملك المنصور قلاوون، ونائبة بالشام الأمير حسام الدين لاجين السلحدارى المنصوري، والأمير بدر الدين الصوابي محاصر مدينة الكرك في أواخر السنة الماضية، وقدم عليه من مصر عسكر صحبة الأمير حسام الدين طرقطاى، فاجتمعوا على حصار الكرك حتى أنزلوا منها صاحبها الملك المسعود خضر بن الملك الظاهر، في مستهل صفر، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، فدقت البشائر ثلاثة أيام، وعاد طرقطاى بالملك خضر وأهل بيته إلى الديار المصرية، كما فعل الملك الظاهر أبوه بالملك المغيث عمر بن العادل، كما تقدم ذلك. واستناب في الكرك نائبا عن أمر المنصور، ورتب أمورها وأجلوا منها خلقا من الكركيين، واستخدموا بقلعة دمشق. ولما اقترب دخول آل الظاهر إلى القاهرة تلقاهم المنصور فأكرم لقياهم وأحسن إلى الأخوين نجم الدين خضر، وبدر الدين سلامش، وجعلهما يركبان مع ابنيه على والأشرف خليل، وجعل عليهما عيونا يرصدون ما يفعلان، وأنزلا الدور بالقلعة وأجرى عليهم من الرواتب والنفقات ما يكفيهم وزيادة كثيرة، وكتب الأمير بدر الدين بكتوت العلائى وهو مجرد بحمص إلى نائب دمشق لاجين، أنه قد انعقدت زوبعة في يوم الخميس سابع صفر بأرض حمص ثم ارتفعت في السماء كهيئة العمود والحية العظيمة، وجعلت تختطف الحجارة الكبار، ثم تصعد بها في الجو كأنها سهام النشاب وحملت شيئا كثيرا من الجمال بأحمالها، والأثاث والخيام والدواب، ففقد الناس من ذلك شيئا كثيرا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفي هذا اليوم وقع مطر عظيم في دمشق وجاء سيل كثير ولا سيما في الصالحية.
وفيها أعيد علم الدين الدويدارى إلى مشد الدواوين بدمشق، والصاحب تقى الدين بن توبة
стр. 4550
إلى الوزارة بدمشق. وفيها تولى قضاء المالكية بمصر زين الدين بن أبى مخلوف البريدي عوضا عن القاضي تقى الدين برساس الّذي توفى بها. وفيها درس بالغزالية بدر الدين بن جماعة انتزعها من يد شمس الدين إمام الكلاسة، الّذي كان ينوب عن شمس الدين الايكى، والايكى شيخ سعيد السعدا، باشرها شهرا ثم جاء مرسوم بإعادتها إلى الايكى، وأنه قد استناب عنه جمال الدين الباجريقي، فباشرها الباجريقي في ثالث رجب.
وممن توفى فيها من الأعيان
أحمد بن شيبان
ابن تغلب الشيباني أحد مشايخ الحديث المسندين المعمرين بدمشق، توفى بصفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون.
الشيخ الامام العالم البارع
الشيخ جمال الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن بحمان البكري الشريشى المالكي، ولد بشريش سنة إحدى وستمائة، ورحل إلى العراق فسمع بها الحديث من المشايخ والقطيعي وابن روزبه وابن الليثي وغيرهم، واشتغل وحصل وساد أهل زمانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولى مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصري بالسفح، ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل. توفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصري بقاسيون، ودفن بسفح قاسيون تجاه الناصرية وكانت جنازته حافلة جدا.
قاضى القضاة
يوسف ابن قاضى القضاة محيي الدين أبى الفضل يحيى بن محمد بن على بن محمد بن يحيى بن على ابن عبد العزيز بن على بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، القرشي الدمشقيّ المعروف بابن الزكي الشافعيّ، كان فاضلا مبرزا، وهو آخر من ولى القضاء من بنى الزكي إلى يومنا هذا، ولد في سنة أربعين وسمع الحديث، توفى ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة، ودفن بقاسيون، وتولى بعده ابن الخوى شهاب الدين.
الشيخ مجد الدين
يوسف بن محمد بن محمد بن عبد الله المصري ثم الدمشقيّ الشافعيّ الكاتب المعروف بابن المهتار، كان فاضلا في الحديث والأدب، يكتب كتابة حسنة جدا، وتولى مشيخة دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير وانتفع الناس به وبكتابته، توفى عاشر ذي الحجة ودفن بباب الفراديس.
الشاعر الأديب
شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخيمى، كانت له مشاركة في علوم كثيرة، ويد طولى في النظم الرائق، الفائق جاوز الثمانين وقد تنازع هو ونجم الدين بن
стр. 4551
إسرائيل في قصيدة بائية (١) فتحاكما إلى ابن الفارض فأمرهما بنظم أبيات على وزنها فنظم كل منهما فأحسن، ولكن لابن الخيمى يد طولى عليه، وكذلك فعل ابن خلكان، وامتدحه على وزنها بأبيات حسان، وقد أطال ترجمته الجزري في كتابه
، وفيها كانت وفاة. الحاج شرف الدين (٢)
ابن مري، والد الشيخ محيي الدين النووي ﵀.
يعقوب بن عبد الحق
أبو يوسف المديني سلطان بلاد المغرب، خرج على الواثق بالله أبى دبوس فسلبه الملك بظاهر مراكش، واستحوذ على بلاد الأندلس والجزيرة الخضراء، في سنة ثمان وستين وستمائة، واستمرت أيامه إلى محرم هذه السنة، وزالت على يديه دولة الموحدين بها.
البيضاوي صاحب التصانيف
هو القاضي الامام العلامة ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي، قاضيها وعالمها وعالم أذربيجان وتلك النواحي، مات بتبريز سنة خمس وثمانين وستمائة. ومن مصنفاته المنهاج في أصول الفقه، وهو مشهور، وقد شرحه غير واحد، وله شرح التنبيه في أربع مجلدات، وله الغاية القصوى في دراية الفتوى، وشرح المنتخب والكافية في المنطق، وله الطوالع وشرح المحصول أيضا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى إلى القطب الشيرازي أن يدفن بجانبه بتبريز والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وستمائة
في أول المحرم ركبت العساكر صحبة نائب الشام حسام الدين لاجين إلى محاصرة صهيون وحصن برزية، فما نعمهم الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، فلم يزالوا به حتى استنزلوه وسلمهم البلاد، وسار إلى خدمة السلطان الملك المنصور، فتلقاه بالإكرام والاحترام، وأعطاه تقدمة ألف فارس، ولم يزل معظما في الدولة المنصورية إلى آخرها، وانقضت تلك الأحوال. وفي النصف من المحرم حكم القاضي جلال الدين الحنفي نيابة عن أبيه حسام الدين الرازيّ، وفي الثالث عشر من ربيع الأول قدم القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين بن الخليل الخوى من القاهرة على قضاء قضاة دمشق، وقرئ تقليده يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر، واستمر بنيابة شرف الدين المقدسي وفي يوم الأحد ثالث شوال درس بالرواحية الشيخ صفى الدين الهندي، وحضر عنده القضاة والشيخ تاج الدين الفزاري، وعلم الدين الدويدارى، وتولى قضاء قضاة القاهرة تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الاعز، عوضا عن برهان الدين الخضر السنجاري، وقد كان وليها شهرا بعد ابن الخوى
стр. 4552
فاجتمع حينئذ إلى ابن بنت الأعز بين القضاء كله بالديار المصرية، وذلك في أوائل صفر منها.
وفيها استدعى سيف الدين السامري من دمشق إلى الديار المصرية ليشترى منه ربع جزر ماء الّذي اشتراه من بنت الملك الأشرف موسى، فذكر لهم أنه وقفه، وكان المتكلم في ذلك علم الدين الشجاعي، وكان ظالما، وكان قد استنابه الملك المنصور بديار مصر، وجعل يتقرب إليه بتحصيل الأموال، ففتق لهم ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المقدسي أن السامري اشترى هذا من بنت الأشرف، وهي غير رشيدة، وأثبت سفهها على زين الدين بن مخلوف الجائر الجاهل، وأبطل البيع من أصله، واسترجع على السامري بمغل مدة عشرين سنة مائتي ألف درهم، وأخذوا منه حصة من الزنبقية قيمتها سبعين ألفا وعشرة آلاف مكملة، وتركوه فقيرا على برد الديار، ثم أثبتوا رشدها واشتروا منها تلك الحصص بما أرادوه، ثم أرادوا أن يستدعوا بالدماشقة واحدا بعد واحد، ويصادرونهم، وذلك أنه بلغهم أن من ظلم بالشام لا يفلح وأن من ظلم بمصر أفلح وطالت مدته، وكانوا يطلبونهم إلى مصر أرض الفراعنة والظلم، فيفعلون معهم ما أرادوا.
وممن توفى فيها من الأعيان
الشيخ الامام العلامة
قطب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الامام أبى العباس أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد الميموني القيسي النوري المصري، ثم المالكي الشافعيّ المعروف بالقسطلانى، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، ورحل إلى بغداد فسمع الكثير وحصل علوما، وكان يفتى على مذهب الشافعيّ، وأقام بمكة مدة طويلة ثم صار إلى مصر فولى مشيخة دار الحديث، وكان حسن الأخلاق محببا إلى الناس، توفى في آخر المحرم ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن أورد منه ابن الجزري قطعة صالحة.
عماد الدين
محمد بن العباس الدنيسريّ الطبيب الماهر، والحاذق الشاعر، خدم الأكابر والوزراء وعمر ثمانين سنة وتوفى في صفر من هذه السنة بدمشق.
قاضى القضاة
برهان الدين الخضر بن الحسين بن على السنجاري، تولى الحكم بديار مصر غير مرة، وولى الوزارة أيضا، وكان رئيسا وقورا مهيبا، وقد باشر القضاء بعده تقى الدين بن بنت الأعز.
شرف الدين سليمان بن عثمان
الشاعر المشهور، له ديوان. مات في صفر منها.
الشيخ الصالح عز الدين
عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصيقل الحراني، ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع
стр. 4553
الكثير، ثم استوطن مصر حتى توفى بها في رابع عشر رجب، وقد جاوز التسعين، وقد سمع منه الحافظ علم الدين البرزالي لما رحل إلى مصر في سنة أربع وثمانين، وحكى عنه أنه شهد جنازة في بغداد فتبعهم نباش، فلما كان الليل جاء إلى ذلك القبر ففتح عن الميت، وكان الميت شابا قد أصابته سكتة، فلما فتح القبر نهض ذلك الشاب الميت جالسا فسقط النباش ميتا في القبر، وخرج الشاب من قبره، ودفن فيه النباش. وحكى له قال: كنت مرة بقليوب وبين يدي صبرة قمح، فجاء زنبور فأخذوا حدة ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى ثم ذهب بها، ثم جاء فأخذ أخرى أربع مرات، قال فاتبعته فإذا هو يضع الحبة في فم عصفور أعمى بين تلك الأشجار التي هناك. قال: وحكى لي الشيخ عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد أسود معنا، فلما صلى الناس عليها لم يصل، فلما حضرنا الدفن نظر إلى وقال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه في قبر ذلك الميت، قال فنظرت فلم أر شيئا.
الحافظ أبو اليمن
أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقيّ ترك الرئاسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة، مقبلا على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول من الناس شاميهم ومصريهم وغيرهم، توفى بالمدينة النبويّة في ثانى رجب منها.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وستمائة
فيها قدم الشجاعي من مصر إلى الشام بنية المصادرة لأرباب الأموال من أهل الشام وفي أواخر ربيع الآخر قدم الشيخ ناصر الدين عبد الرحمن المقدسي من القاهرة، على وكالة بيت المال ونظر الأوقاف، ونظر الخاص، ومعه تقاليد وخلع فتردد الناس إلى بابه وتكلم في الأمور وآذى الناس، وكانت ولايته بسفارة الأمير علم الدين الشجاعي المتكلم في الديار المصرية، توسل إليه بالشيخ شمس الدين الأيكي وبابن الوحيد الكاتب، وكانا عنده لهما صورة، وقد طلب جماعة من أعيان الدماشقة في أول هذه السنة إلى الديار المصرية فطولبوا بأموال كثيرة، فدافع بعضهم بعضا، وهذا مما يخفف عقوبته من ظلمهم، وإلا فلو صبروا لعوجل الظالم بالعقوبة، ولزال عنهم ما يكرهون سريعا. ولما قدم ابن المقدسي إلى دمشق كان يحكم بتربة أم الصالح، والناس يترددون إليه ويخافون شره، وقد استجد باشورة بباب الفراديس ومساطب باب الساعات للشهود، وجدد باب الجابية الشمالي ورفعه، وكان متواطئا، وأصلح الجسر الّذي تحته، وكذلك أصلح جسر باب الفراديس تحت السويقة التي جددها عليه من الجانبين. وهذا من أحسن ما عمله ابن المقدسي، وقد كان مع ذلك كثير الأذية للناس ظلوما غشوما، ويفتح على الناس أبوابا من الظلم لا حاجة إليها.
وفي عاشر جمادى الأولى قدم من الديار المصرية أيضا قاضى القضاة حسام الدين الحنفي،
стр. 4554
والصاحب تقى الدين توبة التكريتي، وقاضى القضاة جمال الدين محمد بن سليمان الزواوى المالكي على قضاء المالكية بعد شغوره عن حاكم بدمشق ثلاث سنين ونصف، فأقام شعار المنصب ودرس ونشر المذهب وكان له سؤدد ورياسة.
وفي ليلة الجمعة رابع شعبان توفى الملك الصالح علاء الدين بن الملك المنصور قلاوون بالسنطارية فوجد عليه أبوه وجدا شديدا، وقد كان عهد إليه بالأمر من بعده وخطب له على المنابر من مدة سنين، فدفنه في تربته وجعل ولاية العهد من بعده إلى ابنه الأشرف خليل، من بعد أبيه، وخطب له على المنابر من بعد ذكر أبيه يوم الجمعة، ودقت البشائر وزين البلد سبعة أيام، ولبس الجيش الخلع وركبوا، وأظهر الناس سرورا لشهامته، مع ما في قلوبهم على أبيه لأجل ظلم الشجاعي.
وفي رمضان باشر حسبة دمشق شمس الدين بن السلعوسى عوضا عن شرف الدين ابن الشيزرى وفيه توجه الشيخ بدر الدين بن جماعة إلى خطابة القدس بعد موت خطيبه قطب الدين، فباشر بعده تدريس القيمرية علاء الدين أحمد بن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز. وفي شهر رمضان كبس نصراني وعنده مسلمة وهما يشربان الخمر في نهار رمضان، فأمر نائب السلطنة حسام الدين لاجين بتحريق النصراني فبذل في نفسه أموالا جزيلة فلم يقبل منه، وأحرق بسوق الخيل، وعمل الشهاب محمود في ذلك أبياتا في قصيدة مليحة، وأما المرأة فجلدت الحد.
وممن توفى فيها من الأعيان
الخطيب الامام قطب الدين
أبو الزكا عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن على بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، خطيب بيت المقدس أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار محبوبا عند الناس، حسن الهيئة مهيبا عزيز النفس، يفتى الناس ويذكر التفسير من حفظه في المحراب بعد صلاة الصبح، وقد سمع الكثير وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمائة، وتوفى ليلة الثلاثاء سابع رمضان عن أربع وثمانين سنة.
الشيخ الصالح العابد
إبراهيم بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبريّ، تقى الدين أبو إسحاق، أصله من قلعة جعبر، ثم أقام بالقاهرة، وكان يعظ الناس وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيرا. توفى بالقاهرة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم، ودفن في تربته بالحسينية، وله نظم حسن، وكان من الصلحاء المشهورين ﵀.
الشيخ الصالح
يس بن عبد الله المقري الحجام، شيخ الشيوخ محيي الدين النواوى، وقد حج عشرين حجة، وكانت له أحوال وكرامات.
стр. 4555
الخوندة غازية خاتون
بنت الملك المنصور قلاوون، زوجة الملك السعيد.
الحكيم الرئيس
علاء الدين بن أبى الحزم بن نفيس، شرح القانون لابن سينا وصنف الموجز وغيره من الفوائد وكان يكتب من حفظه، وكان اشتغاله على ابن الدخوارى، وتوفى بمصر في ذي القعدة.
الشيخ بدر الدين
عبد الله بن الشيخ جمال الدين بن مالك النحويّ، شارح الألفية التي عملها أبوه، وهو من أحسن الشروح وأكثرها فوائد، وكان لطيفا ظريفا فاضلا، توفى في يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير. والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وستمائة
فيها كان فتح مدينة طرابلس: وذلك أن السلطان قلاوون قدم بالجيوش المنصورة المصرية صحبته إلى دمشق، فدخلها في الثالث عشر من صفر، ثم سار بهم وبجيش دمشق وصحبته خلق كثير من المتطوعة، منهم القاضي نجم الدين الحنبلي، قاضى الحنابلة، وخلق من المقادسة وغيرهم، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول، وحاصرها بالمجانيق حصارا شديدا، وضيقوا على أهلها تضيقا عظيما، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقا، فلما كان يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة، وشمل القتل والأسر جميع من فيها، وغرق كثير من أهل الميناء وسبيت النساء والأطفال، وأخذت الذخائر والحواصل، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة إلى هذا التاريخ، وقد كانت قبل ذلك في أيدي المسلمين من زمان معاوية، فقد فتحها سفيان بن نجيب لمعاوية، فأسكنها معاوية اليهود، ثم كان عبد الملك بن مروان جدد عمارتها وحصنها وأسكنها المسلمين، وصارت آمنة عامرة مطمئنة، وبها ثمار الشام ومصر، فان بها الجوز والموز والثلج والقصب، والمياه جارية فيها تصعد إلى أماكن عالية، وقد كانت قبل ذلك ثلاث مدن متقاربة، ثم صارت بلدا واحدا، ثم حولت من موضعها كما سيأتي الآن. ولما وصلت البشارة إلى دمشق دقت البشائر وزينت البلاد وفرح الناس فرحا شديدا ولله الحمد والمنة.
ثم أمر السلطان الملك المنصور قلاوون أن تهدم البلد بما فيها من العمائر والدور والأسوار الحصينة التي كانت عليها، وأن يبنى على ميل منها بلدة غيرها أمكن منها وأحسن، ففعل ذلك، فهي هذه البلدة التي يقال لها طرابلس، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا مسرورا محبورا، فدخلها يوم النصف من جمادى الآخرة، ولكنه فوض الأمور والكلام في الأموال فيها إلى إلى علم الدين