← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 4901–4918 · переход к 4906.

стр. 4901

وفي مستهل جمادى الأولى ولى قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فتحت بدرب القلبي، وكانت دارا لوافقها جمال الدين عبد الله بن محمد بن عيسى التدمري، الّذي كان أستاذا للأمير طاز، وجعل فيها درس للحنابلة، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن قيم الجوزية، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة بالدرس، ثم جرت أمور يطول بسطها. واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدرس واستفرد كلا منهم وسأله كيف شهد في أصل الكتاب - المحضر - الّذي أثبتوا عليهم، فاضطربوا في الشهادات فضبط ذلك عليهم، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا به في أصل المحضر، وشنع عليهم كثير من الناس، ثم ظهرت ديون كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التدمري الواقف، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي، فتوقف في ذلك. وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين منه، قرئ كتاب لسلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا. وفي شهر جمادى الآخرة توفى الشيخ شمس الدين شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالبيرى يوم الخميس ثامنه، صلى عليه بالجامع المظفري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين. وفي الرابع عشر منه عقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة وجماعة من المفتين، وطلبت فحضرت معهم بسبب المدرسة التدمرية وقرابة الواقف ودعواهم أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم ودافعهم عن ذلك أشد الدفاع. وفي العشر الأول من رجب وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الأمر بسببه، وسد الأرض كثرة وعاث يمينا وشمالا، وأفسد شيئا كثيرا من الكروم والمقانى والزروعات النفيسة، وأتلف للناس شيئا كثيرا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفي يوم الاثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كيسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرج الناس به. وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. فتح باب كيسان بعد غلقه نحوا من مائتي سنة وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب كيسان، وشرع الصناع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية، وأمر نائب السلطنة وإذن القضاة في ذلك، واستهل رمضان وهم في العمل فيه. وفي العشر الأخير من شعبان توفى الشريف شمس الدين محمد بن على بن الحسن بن حمزة الحسيني المحدث المحصل، المؤلف لاشياء مهمة، وفي الحديث قرأ وسمع وجمع وكتب أسماء رجال

стр. 4902

بمسند الامام أحمد، واختصر كتابا في أسماء الرجال مفيدا، وولى مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر، داخل باب توما، وختمت البخاريات في آخر شهر رمضان. ووقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارئ البخاري عند محراب الصحابة، وبين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشريشنى، وتهاترا على رءوس الاشهاد بسبب لفظة «يبتز» بمعنى يدخر، وفي نسخة يتير، فحكى ابن السراج عن الحافظ المزي أن الصواب «يبتز» من قول العرب عزبز، وصدق في ذلك، فكأن منازعة خطأ ابن المزي، فانتصر الآخر للحافظ المزي، فقاد منه بالقول ثم قام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية، فكأن ابن السراج لم يلتفت إليه، وتدافعوا إلى القاضي الشافعيّ فانتصر للحافظ المزي، وجرت أمور، ثم اصطلحوا غير مرة وعزم أولئك على كتب محضر على ابن السراج، ثم انطفأت تلك الشرور. وكثر الموت في أثناء شهر رمضان وقاربت العدة مائة، وربما جاوزت المائة، وربما كانت أقل منها وهو الغالب، ومات جماعة من الأصحاب والمعارف، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وكثر الجراد في البساتين وعظم الخطب بسببه، وأتلف شيئا كثيرا من الغلات والثمار والخضراوات، وغلت الأسعار وقلت الثمار، وارتفعت قيم الأشياء فبيع الدبس بما فوق المائتين القنطار، والرز بأزيد من ذلك. وتكامل فتح باب كيسان وسموه الباب القبلي، ووضع الجسر منه إلى الطريق السالكة، وعرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجارى لأجل عمل الباسورة جنبتيه، ودخلت المارة عليه من المشاة والركبان، وجاء في غاية الحسن، وسلك الناس في حارات اليهود، وانكشف دخلهم وأمن الناس من دخنهم وغشهم ومكرهم وخبثهم، وانفرج الناس بهذا الباب المبارك. واستهل شوال والجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، ورعى الخضروات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار، واستمر الفناء وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا كثيرا من الأصحاب والأصدقاء، فلان مات. وقد تناقص الفناء في هذه المدة وقل الوقع وتناقص للخمسين. وفي شهر ذي القعدة تقاصر الفناء ولله الحمد، ونزل العدد إلى العشرين فما حولها، وفي رابعه دخل بالفيل والزرافة إلى مدينة دمشق من القاهرة، فأنزل في الميدان الأخضر قريبا من القصر الأبلق، وذهب الناس للنظر إليهما على العادة. وفي يوم الجمعة تاسعه صلى على الشيخ جمال الدين عبد الصمد بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخضرى، محدث بغداد وواعظها، كان من أهل السنة والجماعة ﵀ انتهى. تجديد خطبة ثانية داخل سور دمشق ولم يتفق ذلك فيما أعلم منذ فتوح الشام إلى الآن اتفق ذلك في يوم الجمعة الثالث، ثم تبين أنه الرابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة

стр. 4903

بالجامع الّذي جدد بناءه نائب الشام سيف الدين منكلى بغا، بدرب البلاغة قبلي مسجد درب الحجر، داخل باب كيسان المجدد فتحه في هذا الحين كما تقدم، وهو معروف عند العامة بمسجد الشاذورى، وإنما هو في تاريخ ابن عساكر مسجد الشهرزوريّ، وكان المسجد رث الهيئة قد تقادم عهده مدة دهر، وهجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل، فوسعه من قبليه وسقفه جديدا، وجعل له صرحة شمالية مبلطة، ورواقات على هيئة الجوامع، والداخل بأبوابه على العادة، وداخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقى وغربي، بأعمدة وقناطر، وقد كان قديما كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمائة، وعملت مسجدا، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين، فلما كمل كما ذكرنا وسيق إليه الماء من القنوات، ووضع فيه منبر مستعمل كذلك، فيومئذ ركب نائب السلطنة ودخل البلد من باب كيسان وانعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور، وقد استكف الناس عنده من قضاة وأعيان وخاصة وعامة، وقد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس الناجية وإمام الحنفية بالجامع الأموي، فلما أذن الأذان الأول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة، قيل لمرض عرض له، وقيل لغير ذلك من حصر أو نحوه، فخطب الناس يومئذ قاضى القضاة جمال الدين الحنفي الكفري، خدمة لنائب السلطنة. واستهل شهر ذي الحجة وقد رفع الله الوباء عن دمشق وله الحمد والمنة. وأهل البلد يموتون على العادة ولا يمرض أحد بتلك العلة، ولكن المرض المعتاد، انتهى. ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة استهلت هذه السنة والسلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان، والدولة بمصر والشام هم هم، ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الاثنين الرابع والعشرين منه، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمالين، وقدم مع الركب ممن خرج من الديار المصرية قاضى القضاة بدر الدين بن أبى الفتح، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله تاج الدين يحكم فيما يحكم فيه مستقلا معه ومنفردا بعده. وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهم مشعرا وتلبتاثا، وسبب ذلك أنهما عاصيان وأهلهما مفسدان في الأرض، والبلدان والأرض حصينان لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقى إليهما إلا فارس فارس، فخربتا وعمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين ابن الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة أيام. وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد الصلاة صلى على قاضى القضاة جمال الدين يوسف بن قاضى

стр. 4904

القضاة شرف الدين أحمد بن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين، ولى قضاء قضاة الحنفية، وخطب بجامع يلبغا، وأحضر مشيخة النفيسية، ودرس بأماكن من مدارس الحنفية، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة. وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، وقاضى الحنابلة بها، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا مبرحا، كان سبب موته سريعا ﵀، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الروافض وغيرهم من أهل البدع ﵀، وبل بالرحمة ثراه. وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند، وحضر عنده قاضى القضاة تاج الدين وجماعة من الأعيان، وأورد حديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أسنده عن قاضى القضاة المشار إليه. وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضى القضاة تاج الدين إلى هناك، فسير أهله قبله على الجمال، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة وركب على البريد. وفي يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضى القضاة تاج الدين السبكى من الديار المصرية على البريد وتلقاه الناس إلى أثناء الطريق، واحتفلوا للسلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى. والله أعلم. قتل الرافضيّ الخبيث وفي يوم الخميس سابع عشره أول النهار وجد رجل بالجامع الأموي اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي، وهو يسب الشيخين ويصرح بلعنتهما، فرفع إلى القاضي المالكي قاضى القضاة جمال الدين المسلاتي فاستتابه عن ذلك وأحضر الضراب فأول ضربة قال لا إله إلا الله على ولى الله، ولما ضرب الثانية لعن أبا بكر وعمر، فالتهمه العامة فأوسعوه ضربا مبرحا بحيث كاد يهلك، فجعل القاضي يستكفهم عنه فلم يستطع ذلك، فجعل الرافضيّ يسب ويلعن الصحابة، وقال: كانوا على الضلال، فعند ذلك حمل إلى نائب السلطنة وشهد عليه قوله بأنهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبحه الله، وكان ممن يقرأ بمدرسة أبى عمر، ثم ظهر عليه الرفض فسجنه الحنبلي أربعين يوما، فلم ينفع ذلك، وما زال يصرح في كل موطن يأمر فيه بالسب حتى كان يومه هذا أظهر مذهبه في الجامع، وكان سبب قتله قبحه الله كما قبح من كان قبله، وقتل بقتله في سنة خمس وخمسين.

стр. 4905

استنابة ولى الدين ابن أبى البقاء السبكى وفي آخر هذا اليوم - أعنى يوم الخميس ثامن عشره - حكم أقضى القضاة ولى الدين بن قاضى القضاة بهاء الدين بن أبى البقاء بالمدرسة العادلية الكبيرة نيابة عن قاضى القضاة تاج الدين مع استنابة أقضى القضاة شمس الدين العزى، وأقضى القضاة بدر الدين بن وهيبة، وأما قاضى القضاة بدر الدين بن أبى الفتح فهو نائب أيضا، ولكنه بتوقيع شريف أنه يحكم مستقلا مع قاضى القضاة تاج الدين. وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين منه استحضر نائب السلطنة الأمير ناصر الدين بن العاوي متولى البلد ونقم عليه أشياء، وأمر بضربه فضرب بين يديه على أكتافه ضربا ليس بمبرح، ثم عزله واستدعى بالأمير علم الدين سليمان أحد الأمراء العشراوات ابن الأمير صفى الدين بن أبى القاسم البصراوي، أحد أمراء الطبلخانات، كان قد ولى شد الدواوين ونظر القدس والخليل وغير ذلك من الولايات الكبار، وهو ابن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم التميمي الحنفي. وبأيديهم تدريس الأمينية التي ببصرى والحكيمية أزيد من مائة سنة، فولاه البلد على تكره منه، فألزمه بها وخلع عليه، وقد كان وليها قبل ذلك فأحسن السيرة وشكر سعيه لديانته وأمانته وعفته، وفرح الناس ولله الحمد. ولاية قاضى القضاة بهاء الدين أبى البقاء السبكى الشافعيّ «لقضاء القضاة بالديار المصرية بعد عزل عز الدين بن جماعة نفسه» ورد الخبر مع البريد من الديار المصرية بأن قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة عزل نفسه عن القضاء يوم الاثنين السادس عشر من هذا الشهر، وصمم على ذلك، فبعث الأمير الكبير يلبغا إليه الأمراء يسترضونه فلم يقبل، فركب إليه بنفسه ومعه القضاة والأعيان فتلطفوا به فلم يقبل وصمم على الانعزال، فقال له الأمير الكبير: فعين لنا من يصلح بعدك. قال ولا أقول لكم شيئا غير أنه لا يتولى رجل واحد، ثم ولوا من شئتم، فأخبرني قاضى القضاة تاج الدين السبكى أنه قال لا تولوا ابن عقيل، فعين الأمير الكبير قاضى القضاة بهاء الدين أبا البقاء فقيل إنه أظهر الامتناع، ثم قبل ولبس الخلعة وباشر يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الاخرة، قاضى القضاة الشيخ بهاء الدين بن قاضى القضاة تقى الدين السبكى قضاء العساكر الّذي كان بيد أبى البقاء. وفي يوم الاثنين سابع رجب توفى الشيخ على المراوحي خادم الشيخ أسد المراوحي البغدادي، وكان فيه مروءة كثيرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدخل على النواب ويرسل إلى الولاة

стр. 4906

فتقبل رسالته، وله قبول عند الناس، وفيه بر وصدقة وإحسان إلى المحاويج، وبيده مال جيد يتجر له فيه تعلل مدة طويلة ثم كانت وفاته في هذا اليوم فصلى عليه الظهر بالجامع، ثم حمل إلى سفح قاسيون ﵀. وفي صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر الّذي كان نائب الشام فنزل بداره عند مئذنة فيروز، وذهب الناس للسلام عليه بعد ما سلم على نائب السلطنة بدار السعادة، وقد رسم له بطبلخانتين وتقدمة ألف وولاية الولاة من غزة إلى أقصى بلاد الشام، وأكرمه ملك الأمراء إكراما زائدا، وفرحت العامة بذلك فرحا شديدا بعوده إلى الولاية. وختمت البخاريات بالجامع الأموي وغيره في عدة أماكن من ذلك ستة مواعيد تقرأ على الشيخ عماد الدين ابن كثير في اليوم، أولها بمسجد ابن هشام بكرة قبل طلوع الشمس، ثم تحت النسر، ثم بالمدرسة النورية، وبعد الظهر بجامع تنكز، ثم بالمدرسة العزية، ثم بالكوشك لأم الزوجة الست أسماء بنت الوزير ابن السلعوس، إلى أذان العصر، ثم من بعد العصر بدار ملك الأمراء أمير على بمحلة القضاعين إلى قريب الغروب، ويقرأ صحيح مسلم بمحراب الحنابلة داخل باب الزيارة بعد قبة النسر وقبل النورية، والله المسئول وهو المعين الميسر المسهل. وقد قرئ في هذه الهيئة في عدة أماكن أخر من دور الأمراء وغيرهم، ولم يعهد مثل هذا في السنين الماضية، فلله الحمد والمنة. وفي يوم الثلاثاء عاشر شوال توفى الشيخ نور الدين على بن أبى الهيجاء الكركي الشوبكى، ثم الدمشقيّ الشافعيّ، كان معنا في المقري والكتاب، وختمت أنا وهو في سنة إحدى عشرة، ونشأ في صيانة وعفاف، وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سيحان للسبع، ولم يكمل عليه ختمة، واشتغل في المنهاج للنواوى فقرأ كثيرا منه أو أكثره، وكان ينقل منه ويستحضر، وكان خفيف الروح تحبه الناس لذلك ويرغبون في عشرته لذلك ﵀، وكان يستحضر المتشابه في القرآن استحضارا حسنا متقنا كثير التلاوة له، حسن الصلاة يقوم الليل، وقرأ على صحيح البخاري بمشهد ابن هشام عدة سنين، ومهر فيه، وكان صوته جهوريا فصيح العبارة، ثم ولى مشيخة الحلبية بالجامع وقرأ في عدة كراسي بالحائط الشمالي، وكان مقبولا عند الخاصة والعامة، وكان يداوم على قيام العشر الأخير في محراب الصحابة مع عدة قراء يبيتون فيه ويحيون الليل، ولما كان في هذه السنة أحيا ليلة العيد وحده بالمحراب المذكور ثم مرض خمسة أيام، ثم مات بعد الظهر يوم الثلاثاء عاشر شوال بدرب العميد، وصلى عليه العصر بالجامع الأموي، ودفن بمقابر الباب الصغير عند والده في تربة لهم، وكانت جنازته حافلة وتأسف الناس عليه، ﵀ وبل بالرحمة ثراه، وقد قارب خمسا وستين سنة، وترك بنتا سباعية اسمها عائشة، وقد أقرأها شيئا من القرآن لي تبارك، وحفظها الأربعين النواوية جبرها ربها ورحم أباها آمين.

стр. 4907

وخرج المحمل الشامي والحجيج يوم الخميس ثانى عشره، وأميرهم الأمير علاء الدين على بن علم الدين الهلالي، أحد أمراء الطبلخانات. وتوفى الشيخ عبد الله الملطي يوم السبت رابع عشره، وكان مشهورا بالمجاورة بالكلاسة في الجامع الأموي، له أشياء كثيرة من الطراريح والآلات الفقرية، ويلبس على طريقة الحريرية وشكله مزعج، ومن الناس من كان يعتقد فيه الصلاح، وكنت ممن يكرهه طبعا وشرعا أيضا. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة قدم البريد من ناحية المشرق ومعهم قماقم ماء من عين هناك من خاصيته أنه يتبعه طير يسمى السمرمر أصفر الريش قريب من شكل الخطاف من شأنه إذا قدم الجراد إلى البلد الّذي هو فيه أنه يفنيه ويأكله أكلا سريعا، فلا يلبث الجراد إلا قليلا حتى يرحل أو يؤكل على ما ذكر، ولم أشاهد ذلك. وفي المنتصف من ذي الحجة كمل بناء القيسارية التي كانت معملا بالقرب من دار الحجارة، قبلي سوق الدهشة الّذي للرجال، وفتحت وأكريت دهشة لقماش النساء، وذلك كله بمرسوم ملك الأمراء ناظر الجامع المعمور ﵀، وأخبرنى الصدر عز الدين الصيرفي المشارف بالجامع أنه غرم عليها من مال الجامع قريب ثلاثين ألف درهم انتهى. طرح مكس القطن المغزول البلدي والمجلوب وفي أواخر هذا الشهر جاء المرسوم الشريف بطرح مكس القطن المغزول البلدي والجلب أيضا، ونودي بذلك في البلد، فكثرت الدعوات لمن أمر بذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا ولله الحمد والمنة. ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة استهلت وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من الأقاليم الملك الأشرف بن الحسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمره عشر سنين فما فوقها، وأتابك العساكر ومدبر ممالكه الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكى، وقاضى قضاة الشافعية بمصر بهاء الدين أبو البقاء السبكى، وبقية القضاة هم المذكورون في السنة الماضية، ونائب دمشق الأمير سيف الدين منكلى بغا، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنه الشيخ جمال الدين بن السراج شيخ الحنفية، والخطابة بيد قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ، وكاتب السر وشيخ الشيوخ القاضي فتح الدين بن الشهيد، ووكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرهاوي. ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة بعد العصر قريب الغروب، ولم يشعر بذلك أكثر أهل البلد، وذلك لغيبة النائب في السرحة مما يلي ناحية الفرات، ليكون كالرد للتجريدة التي تعينت لتخريب الكبيسات التي هي إقطاع خيار بن مهنا من زمن السلطان أويس ملك العراق انتهى.

стр. 4908

استيلاء الفرنج لعنهم الله على مدينة الاسكندرية وفي العشر الأخير من شهر الله المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق وأودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، واشتهر أن سبب ذلك أن مدينة الاسكندرية محاصرة بعدة شواين، وذكر أن صاحب قبرص معهم، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الاسكندرية حرسها الله تعالى وصانها وحماها، وسيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي، فإنه وضح لنا فيه، ومكث القوم بعد الاسكندرية بأيام فيما بلغنا، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له ماميه، واستعان بطائفة من الفرنج ففتحوها قسرا، وقتلوا من أهلها خلقا وغنموا شيئا كثيرا واستقرت عليها يد ماميه ملكا عليها. وفي يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفى الشيخ برهان الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ببستانه بالمزة، ونقل إلى عند والده بمقابر باب الصغير، فصلى عليه بعد صلاة العصر بجامع جراح، وحضر جنازته القضاة والأعيان وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة، وقد بلغ من العمر ثمانيا وأربعين سنة، وكان بارعا فاضلا في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده رحمهما الله تعالى، وكان مدرسا بالصدرية والتدمرية، وله تصدير بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان، وترك مالا جزيلا يقارب المائة ألف درهم. انتهى. ثم دخل شهر صفر وأوله الجمعة، أخبرنى بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم - يوم الجمعة مستهل هذا الشهر - الكواكب السبعة سوى المريخ في برج العقرب، ولم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة، فأما المريخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس فيه. ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الاسكندرية من الفرنج لعنهم الله، وذلك أنهم وصلوا إليها في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر الله المحرم، فلم يجدوا بها نائبا ولا جيشا، ولا حافظا للبحر ولا ناصرا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار بعد ما حرقوا أبوابا كبيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادا، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلى الكبير المتعال. وأقاموا بها يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج لعنهم الله عنها، وقد أسروا خلقا كثيرا يقاومون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبا وحريرا وبهارا وغير ذلك ما لا يحد ولا يوصف، وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين، ما قطع الأكباد، وذرفت له العيون وأصم الأسماع، فانا لله وإنا إليه راجعون ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر يتباكى [الناس] كثيرا، فانا لله وإنا إليه راجعون، وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى

стр. 4909

نائب السلطنة بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الاسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى وطلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب، ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعا، وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسا كثيرا، ورأيته كامل الرأى والفهم، حسن العبارة كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، فقال إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعا، ولا يجوز لأحد أن يفتى بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد - الفرد - فوق ما يبذلونه من الجزية، ومثل هذا لا يخفى على الأمير. فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك ولا يمكنني أن أخالفه؟ وذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الإرهاب ووعيد العقاب، وأنه يجوز ذلك وإن لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سليمان بن داود ﵉: «ائتوني بالسكين أشقه نصفين» كما هو الحديث مبسوط في الصحيحين، فجعل يعجبه هذا جدا، وذكر أن هذا كان في قلبه وأنى كاشفته بهذا، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجيء حتى تقف على الجواب، وظهر منه إحسان وقبول وإكرام زائد ﵀. ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول فبشرني أنه قد رسم بعمل الشواني والمراكب لغزو الفرنج ولله الحمد والمنة. ثم في صبيحة يوم الأحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه وهم قريب من أربعمائة فحلفهم كم أموالهم وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم، ووالى البر قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك، وجردت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الأموال من النصارى في القدس وغير ذلك. وفي أول شهر ربيع الأول كان سفر قاضى القضاة تقى الدين السبكى الشافعيّ إلى القاهرة. وفي يوم الأربعاء خامس ربيع الأول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة وسألته عن جواب المطالعة، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشواني والمراكب لغزو قبرص، وقتال الفرنج ولله الحمد والمنة. وأمر نائب السلطنة بتجهيز القطاعين والنشارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت، وأن يشرع في عمل الشواني في آخر يوم من هذا الشهر، وهو يوم الجمعة. وفتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التعادانى إلى جانب حمام الكاس، شمالي المدرسة البادرائية، وعمل فيها وظيفة حديث وحضر واقفها يومية قاضى القضاة تاج الدين السبكى انتهى والله أعلم.

стр. 4910

صفة عقد مجلس بسبب قاضى القضاة تاج الدين السبكى الشافعيّ ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول عقد مجلس حافل بدار السعادة بسبب ما رمى به قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ ابن قاضى القضاة تقى الدين السبكى، وكنت ممن طلب إليه، فحضرته فيمن حضر، وقد اجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الأربعة، وآخرون من غيرهم، بحضرة نائب الشام سيف الدين منكلى بغا، وكان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الأبواب الشريفة، واستنجز كتابا إلى نائب السلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس، وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان أحدهما له والآخر عليه، وفي الّذي عليه خط القاضيين المالكي والحنبلي، وجماعة آخرين، وفيه عظائم وأشياء منكرة جدا ينبو السمع عن استماعه. وفي الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثناء عليه، وفيه خطى بأنى ما رأيت فيه إلا خيرا. ولما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس، فصارت كل طائفة وحدها، وتحاذوا فيما بينهم، وتأصل عنه نائبة القاضي شمس الدين الغزى، والنائب الآخر بدر الدين بن وهبة وغيرهما، وصرح قاضى القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه، وأجابه بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ، فبادر القاضي الغزى فقال للحنبلى: أنت قد ثبتت عداوتك لقاضى القضاة تاج الدين، فكثر القول وارتفعت الأصوات وكثر الجدال والمقال، وتكلم قاضى القضاة جمال الدين المالكي أيضا بنحو ما قال الحنبلي، فأجيب بمثل ذلك أيضا، وطال المجلس فانفصلوا على مثل ذلك، ولما بلغت الباب أمر نائب السلطنة برجوعى إليه، فإذا بقية الناس من الطرفين والقضاة الثلاثة جلوس، فأشار نائب السلطنة بالصلح بينهم وبين قاضى القضاة تاج الدين - يعنى وأن يرجع القاضيان عما قالا - فأشار الشيخ شرف الدين بن قاضى الجبل وأشرت أنا أيضا بذلك فلان المالكي وامتنع الحنبلي، فقمنا والأمر باق على ما تقدم، ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة، ففعل ذلك وسار البريد بذلك إلى الديار المصرية، ثم اجتمعنا أيضا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من ربيع الآخر بدار السعادة، وحضر القضاة الثلاثة وجماعة آخرون، واجتهد نائب السلطنة على الصلح بين القضاة وقاضى الشافعية وهو بمصر، فحصل خلف وكلام طويل، ثم كان الأمر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك على ما سنذكره في الشهر الآتي. وفي مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلم داود الّذي كان مباشرا لنظارة الجيش، وأضيف إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت، فاجتمع له هاتان الوظيفتان ولم يجتمعا لأحد قبله كما في علمي، وكان من أخبر الناس بنظر الجيش وأعلمهم بأسماء رجاله، ومواضع الاقطاعات، وقد كان والده نائبا لنظار

стр. 4911

الجيوش، وكان يهوديا قرائيا، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها، وقد كان ظاهره جيدا والله أعلم بسره وسريرته، وقد تمرض قبل وفاته بشهر أو نحوه، حتى كانت وفاته في هذا اليوم فصلى عليه بالجامع الأموي تجاه النسر بعد العصر، ثم حمل إلى تربة له أعدها في بستانه بحوش، وله من العمر قريب الخمسين. وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن، وإن كان الجميع ظلما، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم، والله أعلم. وفي يوم الاثنين الخامس عشر منه أمر نائب السلطنة أعزه الله بكبس بساتين أهل الذمة فوجد فيها من الخمر المعتصر من الخوابي والحباب فأريقت عن آخرها ولله الحمد والمنة، بحيث جرت في الازقة والطرقات، وفاض نهر توزا من ذلك، وأمر بمصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل، وهم تحت الجباية، وبعد أيام نودي في البلد بأن نساء أهل الذمة لا تدخل الحمامات مع المسلمات، بل تدخل حمامات تختص بهن، ومن دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يعرفون بها من أجراس وخواتيم ونحو ذلك، وأمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفها مخالفين في اللون بأن يكون أحدهما أبيض والآخر أصفر أو نحو ذلك. ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر - أعنى ربيع الآخر - طلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين: فمن ناحية الشافعيّ نائباه، وهما القاضي شمس الدين الغزى والقاضي بدر الدين بن وهبة، والشيخ جمال الدين بن قاضى الزبدانى، والمصنف الشيخ عماد الدين بن كثير والشيخ بدر الدين حسن الزرعى، والشيخ تقى الدين الفارقيّ. ومن الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي والحنبلي، والشيخ شرف الدين بن قاضى الجبل الحنبلي، والشيخ جمال الدين ابن الشريشنى، والشيخ عز الدين بن حمزة بن شيخ السلامية الحنبلي، وعماد الدين الحنائى، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا فمن يصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنع على الشافعيّ بما تقدم ذكره من تلك الأقوال والأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق وغيرها، وأن هذا يشفى الأعداء بنا، وأشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض فصمم بعضهم وامتنع، وجرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم، ثم حصل بحث في مسائل ثم قال نائب السلطنة أخيرا: أما سمعتم قول الله تعالى ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ فلانت القلوب عند

стр. 4912

ذلك وأمر كاتب السر أن يكتب مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية، ثم خرجنا على ذلك انتهى والله أعلم عودة قاضى القضاة تاج الدين السبكى إلى دمشق المحروسة في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم من ناحية الكسوة وقد تلقاه جماعة من الأعيان إلى الصمين وما فوقها، فلما وصل إلى الكسوة كثر الناس جدا وقاربها قاضى قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج، فلما أشرف من عقبة شحورا تلقاه خلائق لا يحصون كثرة وأشعلت الشموع حتى مع النساء، والناس في سرور عظيم، فلما كان قريبا من الجسورة تلقته الخلائق الخليفيين مع الجوامع والمؤذنون يكبرون، والناس في سرور عظيم، ولما قارب باب النصر وقع مطر عظيم والناس معه لا تسعهم الطرقات، يدعون له ويفرحون بقدومه، فدخل دار السعادة وسلم على نائب السلطنة، ثم دخل الجامع بعد العصر ومعه شموع كثيرة، والرؤساء أكثر من العامة. ولما كان يوم الجمعة ثانى شهر جمادى الآخرة ركب قاضى القضاة السبكى إلى دار السعادة وقد استدعى نائب السلطنة بالقاضيين المالكي والحنبلي، فأصلح بينهم، وخرج من عنده ثلاثتهم يتماشون إلى الجامع، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك، وضيفهما الشافعيّ، ثم حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة، ثم خرجوا ثلاثتهم من جوا إلى دار المالكي، فاجتمعوا هنالك وضيفهم المالكي هنالك ما تيسر. والله الموفق للصواب. وفي أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للأمير من إقطاعه النصف خاصا له، وفي النصف الآخر يكون لأجناده، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند، وعدل كثير ولله الحمد، وأن يتجهز الأجناد ويحرصوا على السبق والرمي بالنشاب، وأن يكونوا مستعدين متى استنفروا نفروا، فاستعدوا لذلك وتأهبوا لقتال الفرنج، كما قال الله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية. وثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال على المنبر «ألا إن القوة الرمي». وفي الحديث الآخر «ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلى». وفي يوم الاثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضى القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك، وذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب، وإثبات إعسارات أيضا كذلك وغير ذلك انتهى. الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية وفي العشر الأخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الأمير الكبير يلبغا الخاصكى خرج عليه

стр. 4913

جماعة من الأمراء مع الأمير سيف الدين طيبغا الطويل، فبرز إليهم إلى قبة القصر فالتقوا معه هنالك، فقتل جماعة وجرح آخرين، وانفصل الحال على مسك طيبغا الطويل وهو جريح، ومسك أرغون السعردى الدويدار، وخلق من أمراء الألوف والطبلخانات، وجرت خبطة عظيمة استمر فيها الأمير الكبير يلبغا على عزه وتأييده ونصره ولله الحمد والمنة. وفي ثانى رجب يوم السبت توجه الأمير سيف الدين بيدمر الّذي كان نائب دمشق إلى الديار المصرية بطلب الأمير يلبغا ليؤكد أمره في دخول البحر لقتال الفرنج وفتح قبرص إن شاء الله، انتهى والله تعالى أعلم. مما يتعلق بأمر بغداد أخبرنى الشيخ عبد الرحمن البغدادي أحد رؤساء بغداد وأصحاب التجارات، والشيخ شهاب الدين العطار - السمسار في الشرب بغدادي أيضا - أن بغداد بعد أن استعادها أويس ملك العراق وخراسان من يد الطواشى مرجان، واستحضره فأكرمه وأطلق له، فاتفقا أن أصل الفتنة من الأمير أحمد أخو الوزير، فأحضره السلطان إلى بين يديه وضربه بسكين في كرشه فشقه، وأمر بعض الأمراء فقتله، فانتصر أهل السنة لذلك نصرة عظيمة، وأخذ خشبته أهل باب الأزج فأحرقوه وسكنت الأمور وتشفوا بمقتل الشيخ جمال الدين الأنباري الّذي قتله الوزير الرافضيّ فأهلكه الله بعده سريعا انتهى. وفاة قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن حاتم الشافعيّ وفي العشر الأول من شهر شعبان قدم كتاب من الديار المصرية بوفاة قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة بمكة شرفها الله، في العاشر من جمادى الآخرة ودفن في الحادي عشر في باب المعلى وذكروا أنه توفى وهو يقرأ القرآن، وأخبرنى صاحب الشيخ محيي الدين الرحبيّ حفظه الله تعالى أنه كان يقول كثيرا: أشتهى أن أموت وأنا معزول، وأن تكون وفاتي بأحد الحرمين، فأعطاه الله ما تمناه: عزل نفسه في السنة الماضية، وهاجر إلى مكة، ثم قدم المدينة لزيارة رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى مكة، وكانت وفاته بها في الوقت المذكور، فرحمه الله وبل بالرحمة ثراه. وقد كان مولده في سنة أربع وتسعين، فتوفى عن ثلاث وسبعين سنة، وقد نال العز عزا في الدنيا ورفعة هائلة، ومناصب وتداريس كبار، ثم عزل نفسه وتفرغ للعبادة والمجاورة بالحرمين الشريفين، فيقال له ما قلته في بعض المراثي. فكأنك قد أعلمت بالموت حتى … تزودت له من خيار الزاد. وحضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال البترك بشارة الملقب بميخائيل، وأخبرنى أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضا عن البترك بأنطاكية، فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة بالإسكندرية وبالقدس وبأنطاكية وبرومية، فنقل بترك

стр. 4914

رومية إلى إسطنبول وهي القسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الّذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية، وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الاسكندرية، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول وقرأها على من لفظه لعنه الله ولعن المكتوب إليهم أيضا. وقد تكلمت معه في دينهم ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة، وهم الملكية واليعقوبية ومنهم الافرنج والقبط، والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء، ولكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار لعنه الله. وفي هذا الشهر بلغنا استعادة السلطان أويس ابن الشيخ حسن ملك العراق وخراسان لبغداد من يد الطواشى مرجان الّذي كان نائبة عليهما، وامتنع من طاعة أويس، فجاء إليه في جحافل كثيرة فهرب مرجان ودخل أويس إلى بغداد دخولا هائلا، وكان يوما مشهودا. وفي يوم السبت السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر من الديار المصرية على البريد أمير مائة مقدم ألف، وعلى نيابة يلبغا في جميع دواوينه بدمشق وغيرها، وعلى إمارة البحر وعمل المراكب، فلما قدم أمر بجمع جميع النشارين والنجارين والحدادين وتجهيزهم لبيروت لقطع الأخشاب، فسيروا يوم الأربعاء ثانى رمضان وهو عازم على اللحاق بهم إلى هنالك وبالله المستعان. ثم أتبعوا بآخرين من نجارين وحدادين وعتالين وغير ذلك، وجعلوا كل من وجدوه من ركاب الحمير ينزلونه ويركبوا إلى ناحية البقاع، وسخروا لهم من الصناع وغيرهم، وجرت خبطة عظيمة وتباكى عوائلهم وأطفالهم، ولم يسلفوا شيئا من أجورهم، وكان من اللائق أن يسلفوه حتى يتركوه إلى أولادهم. وخطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يلبغا عن تقى الدين ابن قاضى القضاة شرف الدين الكفري، بمرسوم شريف ومرسوم نائب صفد استدمر أخى يلبغا، وشق ذلك عليه وعلى جده وجماعتهم، وذلك يوم الجمعة الرابع من رمضان، هذا وحضر عنده خلق كثير. وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه قرئ تقليد قاضى القضاة شرف الدين بن قاضى الجبل لقضاء الحنابلة، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين المرداوي، عزل هو والمالكي معه أيضا، بسبب أمور تقدم نسبتها لهما وقرئ التقليد بمحراب الحنابلة، وحضر عنده الشافعيّ والحنفي، وكان المالكي معتكفا بالقاعة من المنارة الغربية، فلم يخرج إليهم لأنه معزول أيضا برأي قاضى حماة، وقد وقعت شرور وتخبيط بالصالحية وغيرها.

стр. 4915

وفي صبيحة يوم الأربعاء الثلاثين من شهر رمضان خلع على قاضى القضاة سرى الدين إسماعيل المالكي، قدم من حماة على قضاء المالكية، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين المسلاتي، عزل عن المنصب، وقرئ تقليده بمقصورة المالكية من الجامع، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي صبيحة يوم الأربعاء سابع شوال قدم الأمير خيار بن مهنا إلى دمشق سامعا مطيعا، بعد أن جرت بينه وبين الجيوش حروب متطاولة، كل ذلك ليطأ البساط، فأبى خوفا من المسك والحبس أو القتل، فبعد ذلك كله قدم هذا اليوم قاصدا الديار المصرية ليصطلح مع الأمير الكبير يلبغا، فتلقاه الحجبة والمهمندارية والخلق، وخرج الناس للفرجة، فنزل القصر الأبلق، وقدم معه نائب حماة عمر شاه فنزل معه، وخرج معه ثانى يوم إلى الديار المصرية. وأقرأنى القاضي ولى الدين عبد الله وكيل بيت المال كتاب والده قاضى القضاة بهاء الدين ابن أبى البقاء قاضى قضاة الشافعية بالديار المصرية، أن الأمير الكبير جدد درسا بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرسين للحنفية، وجعل لكل فقيه منهم في الشهر أربعين درهما، وأردب قمح، وذكر فيه أن جماعة من غير الحنفية انتقلوا إلى مذهب أبى حنيفة لينزلوا في هذا الدرس. درس التفسير بالجامع الأموي وفي صبيحة يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شوال سنة سبع وستين وسبعمائة حضر الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير درس التفسير الّذي أنشأه ملك الأمراء نائب السلطنة الأمير سيف الدين منكلى بغا رحمه الله تعالى من أوقاف الجامع الّذي جددها في حال نظره عليه أثابه الله، وجعل من الطلبة من سائر المذاهب خمسة عشر طالبا لكل طالب في الشهر عشرة دراهم، وللمعيد عشرون ولكاتب الغيبة عشرون، وللمدرس ثمانون، وتصدق حين دعوته لحضور الدرس، فحضر واجتمع القضاة والأعيان، وأخذ في أول تفسير الفاتحة، وكان يوما مشهودا ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعفة انتهى. (١) [ثم دخلت سنة ثمان وستين وسبعمائة استهلت وقاضي] [¬*] قضاة الحنابلة الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن بن قاضى الجبل المقدسي، وناظر الدواوين سعد الدين بن التاج إسحاق، وكاتب السر فتح الدين بن الشهيد، وهو شيخ الشيوخ أيضا، وناظر الجيوش الشامية برهان الدين بن الحلي، ووكيل بيت المال القاضي ولى الدين بن قاضى القضاة بهاء الدين أبى البقاء. انتهى. سفر نائب السلطنة إلى الديار المصرية لما كانت ليلة الحادي والعشرين قدم طشتمر دويدار يلبغا على البريد، فنزل بدار السعادة، ثم

стр. 4916

ركب هو ونائب السلطنة بعد العشاء الأخيرة في المشاعل، والحجبة بين أيديهما ولخلائق يدعون لنائبهم، واستمروا كذلك ذاهبين إلى الديار المصرية، فأكرمه يلبغا وأنعم عليه وسأله أن يكون ببلاد حلب، فأجابه إلى ذلك وعاد فنزل بدار سنجر الإسماعيلي، وارتحل منها إلى حلب، وقد اجتمعت به هنالك وتأسف الناس عليه، وناب في الغيبة الأمير سيف الدين زبالة، إلى أن قدم النائب المعز السيفي قشتمر عبد الغنى على ما سيأتي. وتوفى القاضي شمس الدين بن منصور الحنفي الّذي كان نائب الحكم ﵀ يوم السبت السادس والعشرين من المحرم، ودفن بالباب الصغير، وقد قارب الثمانين. وفي هذا اليوم أو الّذي بعده توفى القاضي شهاب الدين أحمد ابن الوزوازة ناظر الأوقاف بالصالحية. وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر نودي في البلد أن لا يتخلف أحد من أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المزة، وخرج ملك الأمراء أمير على كان نائب الشام من داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة وتجمل هائل، وولده الأمير ناصر الدين محمد وطلبه معه، وقد جاء نائب الغيبة والحجبة إلى بين يديه إلى وطاقه وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي هاهنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر، وخرج خلق من الناس متبرعين، وخطب قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ بالناس يوم الجمعة على العادة، وحرض الناس على الجهاد، وقد ألبس جماعة من غلمانه اللأمة والخوذ وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت ولله الحمد والمنة. ولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التي رئيت في البحر إنما هي مراكب تجار لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم ولله الحمد. وفي ليلة الأحد خامس صفر قدم بالأمير سيف الدين شرشى الّذي كان إلى آخر وقت نائب حلب محتاطا عليه بعد العشاء الآخرة إلى دار السعادة بدمشق، فسير معزولا عن حلب إلى طرابلس بطالا، وبعث في سرجين صحبة الأمير علاء الدين بن صبح. وبلغنا وفاة الشيخ جمال الدين بن نباتة حامل لواء شعراء زمانه بديار مصر بمرستان الملك المنصور قلاوون، وذلك يوم الثلاثاء سابع صفر من هذه السنة رحمه الله تعالى. وفي ليلة ثامنه هرب أهل حبس السد من سجنهم وخرج أكثرهم فأرسل الولاة صبيحة يومئذ في أثرهم فمسك كثير ممن هرب فضربوهم أشد الضرب، وردوهم إلى شر المنقلب. وفي يوم الأربعاء خامس عشره نودي بالبلدان أن لا يعامل الفرنج البنادقة والحبوبة والكيتلان واجتمعت في آخر هذا اليوم بالأمير زين الدين زبالة نائب الغيبة النازل بدار الذهب فأخبرني أن

стр. 4917

البريدي أخبره أن صاحب قبرص رأى في النجوم أن قبرص مأخوذة، فجهز مركبين من الأسرى الذين عنده من المسلمين إلى يلبغا، ونادى في بلاده أن من كتم مسلما صغيرا أو كبيرا قتل، وكان من عزمه أن لا يبقى أحدا من الأسارى إلا أرسله. وفي آخر نهار الأربعاء خامس عشره قدم من الديار المصرية قاضى القضاة جمال الدين المسلاتي المالكي الّذي كان قاضى المالكية فعزل في أواخر رمضان من العام الماضي، فحج ثم قصد الديار المصرية فدخلها لعله يستغيث فلم يصادفه قبول، فادعى عليه بعض الحجاب وحصل له ما يسوءه، ثم خرج إلى الشام فجاء فنزل في التربة الكاملية شمالي الجامع، ثم انتقل إلى منزل ابنته متمرضا، والطلابات والدعاوي والمصالحات عنه كثيرة جدا، فأحسن الله عاقبته. وفي يوم الأحد بعد العصر دخل الأمير سيف الدين طيبغا الطويل من القدس الشريف إلى دمشق فنزل بالقصر الأبلق، ورحل بعد يومين أو ثلاثة إلى نيابة حماة حرسها الله بتقليد من الديار المصرية، وجاءت الاخبار بتولية الأمير سيف الدين منكلى بغا نيابة حلب عوضا عن نيابة دمشق وأنه حصل له من التشريف والتكريم والتشاريف بديار مصر شيء كثير ومال جزيل وخيول وأقمشة وتحف يشق حصرها، وأنه قد استقر بدمشق الأمير سيف الدين اقشتمر عبد الغنى، الّذي كان حاجب الحجاب بمصر، وعوض عنه في الحجوبية الأمير علاء الدين طيبغا أستاذ دار يلبغا وخلع على الثلاثة في يوم واحد. وفي يوم الأحد حادي عشر ربيع الأول اشتهر في البلد قضية الفرنج أيضا بمدينة الاسكندرية وقدم بريدى من الديار المصرية بذلك، واحتيط على من كان بدمشق من الفرنج وسجنوا بالقلعة وأخذت حواصلهم، وأخبرنى قاضى القضاة تاج الدين الشافعيّ يومئذ أن أصل ذلك أن سبعة مراكب من التجار من البنادقة من الفرنج قدموا إلى الاسكندرية فباعوا بها واشتروا، وبلغ الخبر إلى الأمير الكبير يلبغا أن مركبا من هذه السبعة إلى صاحب قبرص، فأرسل إلى الفرنج يقول لهم: أن يسلموا هذه المركب فامتنعوا من ذلك وبادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ستة شوانى مشحونة بالمقاتلة، فالتقوا هم والفرنج في البحر فقتل من الفريقين خلق ولكن من الفرنج أكثر وهربوا فارين بما معهم من البضائع (١) فجاء الأمير على الّذي كان نائب دمشق أيضا في جيش مبارك ومعه ولده ومماليكه في تجمل هائل، فرجع الأمير على واستمر نائب السلطة حتى وقف على بيروت ونظر في أمرها، وعاد سريعا. وقد بلغني أن الفرنج جاءوا طرابلس غزاة وأخذوا مركبا للمسلمين من المينا وحرقوه، والناس ينظرون ولا يستطيعون دفعهم ولا منعهم؛ وأن الفرنج كروا راجعين، وقد أسروا

стр. 4918

ثلاثة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى والله أعلم. مقتل يلبغا الأمير الكبير جاء الخبر بقتله إلينا بدمشق في ليلة الاثنين السابع عشر من ربيع الأخر مع أسيرين جاءا على البريد من الديار المصرية، فأخبرا بمقتله في يوم الأربعاء ثانى عشر هذا الشهر: تمالأ عليه مماليكه حتى قتلوه يومئذ، وتغيرت الدولة ومسك من أمراء الألوف والطبلخانات جماعة كثيرة، واختبطت الأمور جدا، وجرت أحوال صعبة، وقام بأعباء القضية الأمير سيف الدين طيتمر النظامى وقوى جانب السلطان ورشد، وفرح أكثر الأمراء بمصر بما وقع، وقدم نائب السلطنة إلى دمشق من بيروت فأمر بدق البشائر، وزينت البلد ففعل ذلك، وأطلقت الفرنج الذين كانوا بالقلعة المنصورة فلم يهن ذلك على الناس وهذا آخر ما وجد من التاريخ والحمد لله وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم *** الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار آيتين من آياته وليعلم بهما العباد عدد السنين والحساب، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد النبي المصطفى، والحبيب المجتبى الذي كان ميلاده آية من آيات ربه، تنكست به الأصنام، واندك له إيوان كسرى، وغار به ماء ساوة، وكانت رسالته نورًا للعالمين، وإظهارًا للدين الحق، وسحقا للأديان الباطلة التي نُسخت بدينه، كما كانت هجرته مبدأ تاريخ المسلمين، وإبطالا للعمل بالتواريخ السالفة في الأمم الماضية. (أما بعد) فيقول العبد الفقير، الذليل الحقير، خادم العلم وعلماء الملة الحنيفة المرضية المصحح بالمطبعة الآتى ذكرها: لقد تم بحمد الله تعالى طبع الجزء الرابع عشر من كتاب "البداية والنهاية" للعلامة ابن كثير، وبه تم القسم الأول من كتابه وهو المسمى بالبداية، إذ أن المصنف ﵀ جعل كتابه قسمين الأول في الكلام على الخلائق والكائنات من بدء الخلق إلى الهجرة النبوية، ورتب ما بعد ذلك على السنين الهجرية إلى قبيل وفاته، وسمى هذا القسم "البداية" والقسم الثاني في الكلام على الفتن والملاحم في آخر الزمان وسماه "النهاية" وسيكون أول الجزء الخامس عشر. وذلك بالمطبعة السعيدة العامرة "مطبعة السعادة" لصاحبها ومديرها الحاج محمد إسماعيل، أقر الله عينه بنجله العزيز إسماعيل وبقية أولاده وأبقاه لهم وحفظهم عليه، ومتعه وإياهم بالصحة والرفاهية، وأعانه على عمل الخيرات وطبع مثل هذا الكتاب من المهمات التي يحتاجها كل مسلم ومتعلم وعالم. كان الفراغ من طبع هذا الجزء في يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة من سنة ١٣٥٨ هجرية، وكان يوم خروج المحمل المصرى إلى البلاد الحجازية على ساكنها المصطفى أتم الصلاة وأزكى التحية. اهـ المصحح عبد الحفيظ سعد عطية