← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23757

مقارنة بين شروح كتب السنة الستة

عبد الكريم الخضير

Полный текст (137 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[مقارنة بين شروح كتب السنة الستة]ـ المؤلف: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير [الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٥ دروس]

стр. 2

مقارنة بين شروح كتب السنة الستة (١) الشيخ/ عبد الكريم الخضير إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: الكتب الستة: فقد طلب مني الإخوة القائمون المرتبون لهذا اللقاء، وهذه الدورة، الحديث عن شروح الكتب الستة، والمراد بالكتب الستة كما هو معلوم، صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، والخلاف في السادس معروف، فمنهم من جعل السادس موطأ الإمام مالك -رحمه الله تعالى-، كابن الأثير في جامع الأصول، ورزين العبدري في تجريد الأصول، ومنهم من جعل السادس سنن الدارمي، وهو خليق بذلك، والأكثر على أن السادس سنن ابن ماجه، وأول من جعل السادس سنن ابن ماجه هو أبو الفضل بن طاهر في أطرافه وفي شروطه، شروط الأئمة الستة، جعل السادس سنن ابن ماجه، ثم تبعه على ذلك من كتب في الشروط، وفي الأطراف وفي رجال الكتب، فتبعه على ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي -رحمه الله تعالى- في الكمال، ثم تبعه على إثره الحافظ المزي -رحمه الله تعالى- في الأطراف تحفة الأشراف، وفي تهذيب الكمال أيضاً، ثم الذهبي، ثم الحافظ ابن حجر ومن جاء بعدهم. المقصود أن الكتاب السادس مختلف فيه بين أهل العلم، وهذه الكتب الستة التي هي كتب أصول الإسلام التي قال عنها الحافظ السلفي -رحمه الله تعالى-: "أن الأمة تلقتهما بالقبول، واتفقوا على صحة أصولها"، أما بالنسبة للصحيحين فلا خلاف في صحة ما جاء فيهما، قد تلقتهما الأمة بالقبول، واتفقوا على العمل بما جاء فيهما، وما عداهما إطلاق الصحة عليه فيه نظر، كقول الحافظ أبي طاهر آنف الذكر، ومنهم من أطلق على سنن النسائي الصحيح، وأطلق أيضاً على سنن أبي داود الصحيح بمفرده، وقيل في جامع الترمذي الجامع الصحيح، وعلى كل حال فهذا تساهل ممن أطلقه، ولهذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

стр. 3

ومن عليها أطلق الصحيحا ... فقد أتى تساهلاً صريحا لا شك أن إطلاق الصحيح على ما عدا الصحيحين فيه تساهل؛ لأن فيها الصحيح والحسن والضعيف، ومثله أيضاً إطلاق الحسن عليها، كاصطلاح البغوي في (مصابيح السنة)، حيث قسم الكتاب إلى قسمين: إلى الصحاح والحسان، يرى أن الصحاح ما رواه الشيخان، والحسان ما رواه أهل السنن، وهذا الكلام لا شك أنه مردود؛ لأن في السنن غير الحسن من الصحيح والضعيف، ولهذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: والبغوي إذ قسم المصابحا ... إلى الصحاح والحسان جانحا أن الحسان ما رووه في السنن ... رُد عليه إذ بها غير الحسن الكتب الأربعة فيها غير الحسن، فيها الصحيح وهو كثير، وفيها الحسن وهو كثير جداً أيضاً، وهي من مظانه، وفيها أيضاً الضعيف، فيها أيضاً شديد الضعف، وفي بعضها لا سيما آخرها وهو ابن ماجه ما قيل بوضعه. قد يقول قائل: لماذا لم يجعل الأئمة مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في الكتب الستة؟ لا سيما وأن شرط الإمام أحمد في مسنده قوي جداً، ولا يقل عن شرط أبي داود، إن لم يكن أعلى منه وأرفع، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما هو واقع الكتاب؟ أولاً: رتبة المسانيد كمسند الإمام أحمد، ومسند الطيالسي، ومسند أبي يعلى، وغيرها من المسانيد اصطلح الأئمة على جعلها في المرتبة دون السنن، والسبب في ذلكم أن المؤلف في السنن يترجم بأحكامٍ شرعية، فيقول في الترجمة: باب وجوب كذا، باب تحريم كذا، باب ما جاء في الرخصة بكذا .. الخ، فالذي يترجم بحكمٍ شرعي، والأحكام إنما يتطلب فيها أقوى ما يجده الإنسان، لا شك أنه سوف ينتقي أقوى ما عنده من المرويات، بخلاف من يترجم باسم راوٍ من الرواة، صحابي من الصحابة كما يفعله أصحاب المسانيد، فيترجم باسم أبي بكر، وباسم عمر ﵄، وبغيرهما من الصحابة، ثم يسوق ما وقف عليه من مرويات هذا الصحابي، وحينئذٍ لا يلزمه الانتقاء؛ لأنه لا يستدل بما رواه على حكمٍ شرعي، كما يصنعه صاحب السنن، بل يثبت ما وصل إليه من الأحاديث من طريق ذلك الصحابي، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: ودونها في رتبة –يعني دون السنن-.

стр. 4

ودونها في رتبةٍ ما جُعلا ... على المسانيد فيدعى الجفلا المؤلف في المسانيد يدعو الأحاديث الجفلا من غير نظر إلى أي شرط، يقول: كمسند الطيالسي وأحمدا ... وعده للدارمي اُنتقدا ذكر أمثلة على المسانيد بادئاً بمسند الإمام أحمد (كمسند الطيالسي وأحمدا) مسند أبي داود الطيالسي؛ لأنه قبل الإمام أحمد -أعني أبا داود-، هذا إن كان المسند من صنيعه، وإن كان من صنيع من روى عنه، وهو يونس بن حبيب فلا ينبغي أن يقدم على مسند الإمام أحمد، (وعده للدارمي انتقدا) (وعده) الضمير يعود على من؟ أين الذين يحفظون الألفية؟ (وعده للدارمي انتقدا) أين؟ طالب: ابن الصلاح. نعم، ابن الصلاح؛ لأن الضمير إذا جاء لمفرد فهو يعود إلى ابن الصلاح. وحيث جاء الفعل والضميرُ ... لواحدٍ ومن له مستورُ كقال أو أطلقت لفظ الشيخ ما ... أريد إلا ابن الصلاح مبهما (وعده للدارمي انتقدا) ابن الصلاح عدّ الدارمي في المسانيد، ولا شك أنهم انتقدوا عليه إن كان يريد بذلك الموجود المتداول؛ لأنه ليس على ترتيب المسانيد، وإنما هو على الأبواب كالسنن، كالجوامع، هو على الأبواب، فهو محل انتقاد، وإن كان ابن الصلاح يقصد المسند للدارمي غير السنن الذي أشار إليه الخطيب وغيره في ترجمته فلا انتقاد عليه، نعم يطلق المسند على غير المألوف، أعني الكتاب المرتب على أسماء الصحابة، وهو الكتاب الذي رويت فيه الأحاديث بالأسانيد كصحيح البخاري مثلاً، سماه مؤلفه (الجامع الصحيح المسند)؛ لأنه ذكرت فيه الأحاديث بالأسانيد، من هذا الباب تصح تسمية سنن الدارمي مسنداًً، إلا أنه لا يقصد هذا؛ لأنه عده في المسانيد المرتبة على أسماء الصحابة، فلا يرد هذا الجواب. أول الكتب الستة (صحيح البخاري): أول هذه الكتب وأعلاها وأغلاها، وهو أصح ما جمعه البشر على الإطلاق، أصح كتابٍ بعد كتاب الله صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وهو المرجح عند جماهير العلماء، وإن زعم أبو علي النيسابوري أنه لا يوجد تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم، وفضل بعض المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري لكنه قول مرجوح. أول من صنف في الصحيحِ ... محمد وخصّ بالترجيحِ

стр. 5

ومسلم بعد وبعض الغرب معْ ... أبي عليٍ فضلوا ذا لو نفعْ إذا تقرر هذا فأول هذه الكتب الستة صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وهو مقدم على غيره من الكتب لصحة أحاديثه وقوة أسانيده وعلوها ودقة استنباطه، فلا يضاهيه كتاب، ولا يقاربه مصنف، ولذا كثرت العناية به، من قبل أهل العلم، فأحصيتُ من شروحه أكثر من ثمانين شرحاً، والذي فاتني من ذلك أضعاف، والعلم عند الله ، وهو حري بذلك وجدير وخليق به، ولا غرو أن تهتم الأمة بسنة نبيها ﵊؛ لأنها هي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، أكثر من ثمانين شرح لصحيح البخاري، قد يقول قائل: لماذا كل هذه العناية؟ يذهب العجب حينما نعرف أن على تفسير البيضاوي أكثر من مائة وعشرين حاشية، تفسير البيضاوي، وهو من تفاسير الخلف، ليس من التفاسير التي يعتمد عليها أهل العلم، ومع ذلكم عليه أكثر من مائة وعشرين حاشية، منها التام ومنها الناقص، المقصود أنه عني بها أهل العلم عنايةً فائقة، وفي بعض الجهات يكاد لا يعرف غيره. أشهر شروح صحيح البخاري: نذكر هنا أشهر الشروح على صحيح الإمام البخاري فأولها: (أعلام الحديث أو أعلام السنن) لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي وسوف نفصل الكلام في هذا الكتاب.

стр. 6

من الشروح أيضاً شرح أبي جعفر أحمد بن سعيد الداودي، وهذا شرح معروف متداول ينقل عنه أهل العلم كثيراً، وأيضاً شرح المهلب بن أبي صفرة ينقل عنه الشراح كالحافظ والعيني والقسطلاني وغيرهم، وشرح أبي الحسن علي بن خلف المالكي المعروف بابن بطال، شرح أبي حفص عمر بن الحسن بن عمر الأشبيلي، شرح أبي القاسم أحمد بن عمر التيمي، قال القسطلاني: "وهذا واسع جداً"، وشرح عبد الواحد بن التين السفاقسي، ولزين الدين ابن المنير شرح ينقل عنه الشراح ووصف بأنه في نحو عشر مجلدات، وشرح قطب الدين عبد الكريم الحلبي، وشرح مغلطاي التركي، وإن قال عنه الكرماني في شرحه: "إنه بتتميم الأطراف أشبه، وبصحف تصحيح التعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه من مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان" هذا وصف الكرماني لشرح مغلطاي، ولا شك أن الكتاب عليه انتقادات وملاحظات، وفيه قصور، لكنه أيضاً شرح من الشروح، ومن ذلكم بل من الشروح المشهورة شرح الكرماني، وسيأتي الحديث عنه مفصلاً -إن شاء الله تعالى-، وشرح سراج الدين ابن الملقن، وشرح شمس الدين البرماوي، وهذا الشرح غالبه مأخوذ من الكرماني ومقدمة فتح الباري، شرح برهان الدين الحلبي اسمه (التلقيح لفهم قارئ الجامع الصحيح) وشرح الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر المشهور بـ (فتح الباري) وهو معروف، يأتي تفصيل القول فيه -إن شاء الله تعالى-، وشرح بدر الدين محمود بن أحمد العيني المسمى (عمدة القاري) ونذكره -إن شاء الله تعالى- بعد ذلك، شرح مواضع منه بدر الدين الزركشي، شرحه أيضاً بدر الدين الدماميني، ولجلال الدين السيوطي تعليق لطيف اسمه (التوشيح على الجامع الصحيح) السيوطي له حواشي على الكتب الستة، وهي مختصرة جداً، البخاري في مجلد، مسلم في مجلد، إلى آخر الكتب الستة، شروح مختصرة جداً يغني عنها غيرها، وهذه الشروح المختصرة مختصرة، اختصرها أحد المغاربة، وهذه المختصرات للكتب الستة كلها مطبوعة، النووي -رحمه الله تعالى- شرح قطعةً من الصحيح، من أوله إلى آخر كتاب الإيمان، وكذلك الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- شرح قطعةً من أوله أيضاً، وللحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي شرح من أول الكتاب

стр. 7

إلى الجنائز في كتابٍ أسماه (فتح الباري) ابن حجر موافق له؛ لأن ابن رجب متقدم عليه. شرح الفيروز أبادي (منح الباري في شرح البخاري):

стр. 8

وممن شرحه مجد الدين الفيروز أبادي صاحب القاموس، سمى شرحه (منح الباري في شرح البخاري) كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلداً، وعلى هذا لو كمل يمكن يصير خمسين أو ستين مجلداً، قال التقي الفاسي: "لكنه يعني الفيروز أبادي ملأه بغرائب المنقولات لا سيما لما اشتهر باليمن مقالة ابن عربي -يعني في وحدة الوجود، القول بوحدة الوجود- وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل في شرحه من فتوحاته -يعني الفتوحات المكية لابن عربي- الكثير، ما كان سبباً لشين شرحه عند الطاعنين فيه"، والمجد الفيروز أبادي لا يقول بهذه المقالة كما هو معروف؛ لكنه من أجل أن يروج الكتاب نقل عن ابن عربي هذه المقالة، وأشان كتابه بما نقله من الفصوص والفتوحات من أجل رواج الكتاب؛ لأن هذه المقالة اشتهرت وانتشرت في اليمن، واعتنقها كثير من الناس، كما يفعله من يصنّف في أي بلاد من البلدان الذي اشتهر فيها مذهب من المذاهب، من أجل أن يروج الكتاب يذكر ما لا يراه، المذاهب التي لا يعتد بها في الإجماع والخلاف مثل مذاهب الشيعة والزيدية، منهم الهادوية، كتب الصنعاني والشوكاني وغيرهم من أهل تلك النواحي مملوءة بهذه المذاهب، وإن كان لا يعتمد بأربابها وأصحابها، لكن لما كان غالب سكان اليمن في زمن الصنعاني من الهادوية شهر أقوالهم وذكرها من أجل أن يروج الكتاب، وقد يكون الأمر بالعكس فقد يطوى بعض الشيء وإن كانت الحاجة إليه قائمة وماسة من أجل رواج الكتاب، كما فعل ابن أبي العز لشرح الطحاوية في نقوله الكثيرة عن شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما الله تعالى- من أجل أن يروج الكتاب، نقل كثيراً من كتب شيخ الإسلام بل اعتمد عليه اعتماداً كلياً في غالب مباحثه، وعلى تلميذه ابن القيم، ولم يذكر ولم يصرح باسمهما من أجل أن يروج الكتاب، فهذا لا شك أنه فيه نوع من التماس المصلحة فلا مانع من أن يكنى عن الشخص أو ينسب أو يعمى أو لا يذكر اسمه إذا خشي على الكتاب من عدم الرواج، وإن كان فيه شبه مما يسمى في مصطلح الحديث بتدليس الشيوخ؛ لكن مثل هذا لا يترتب عليه عمل، ولا حكم من الأحكام فلا مانع من أن ينسب الكتاب إلى شخصٍ لا يكون في نسبته إليه كذب، كثير من كتب شيخ الإسلام محمد

стр. 9

بن عبد الوهاب التي وزعت في الأقطار يقال: تأليف محمد بن سليمان التميمي، سليمان جده، مفتي نجد قبله، سليمان بن علي، فعلى كل حال ما فعله وما صنعه المجد الفيروز أبادي لا مبرر له، وإن اشتهرت هذه المقالة لأن هذه المقالة أمرها خطير وعظيم، تفوق مصلحة رواج الكتاب، يعني لو لم يؤلف الكتاب أصلاً، الناس ليسوا بحاجةٍ إليه، نعم قد يكون فيه فوائد لكن ضرره أكثر من نفعه، وحينئذٍ إذا كان الكتاب بهذه المثابة يحذر عنه، بخلاف ما إذا كان نفعه أكثر من الضرر المترتب عليه، كما هو مع الأسف الشديد غالب التفاسير التي يعتمد عليها المتأخرون، وغالب شروح الحديث على ما سيأتي عند الكلام على شرح الخطابي. يقول ابن حجر أنه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلفه -يعني الفيروز أبادي- قد أكلتها الأرضة بكمالها، هذه العشرين المجلدة أكلتها الأرضة من الأول إلى الأخير، بحيث لا يقدر على قراءة شيءٍ منها، فلله الحمد والمنة، أكلتها الأرضة وانتهى الإشكال. ممن شرح الصحيح زكريا الأنصاري وشرحه مطبوع، والمعاصرون لهم شروح مطولة ومختصرة من ذلكم (لامع الدراري) للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي هذا هندي، وأيضاً (فيض الباري) لمحمد أنور الكشميري، فيهما فوائد وفيهما لطائف ولفتات، ولا تخلو أيضاً من مؤاخذات وملاحظات، (فيض الباري) هذا لأنور الكشميري وصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بما لا يليق به. وعلى كل حال الشروح كثيرة واستقصاؤها قد يكون فيه شيء من الطول، والوقت قصير وكانت النية أن نخصص كل يوم لكتاب، لشرح من الشروح، لكن الظاهر أن هذا غير متيسر؛ لأن شروح البخاري كثيرة ومهمة، وفيها نفائس وفوائد لا يستغنى عنها، وسوف نتكلم على ستةٍ منها فقط: الخطابي، الكرماني، ابن رجب، ابن حجر، العيني، القسطلاني، وكل واحد من هذه الكتب يحتاج إلى مدةٍ طويلة لإظهار فضله واستخراج كنوزه ونفائسه، وإن كانت الطريقة المثلى في هذا قراءة الكتاب كاملاً؛ لأنه ليس الخبر كالعيان، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، أو ما يقدر عليه.

стр. 10

هذه الشروح الستة هي أهم شروح البخاري في الجملة، وإن كانت متفاوتة، وفيها كلام طويل يحتاج إلى ... ، وأنا أتصور أن لو فتح الباري فقط خصص له أسبوع لما كفى، لكن مثلما ذكرت نقتصر على أهم المهمات ولعل البخاري وشروحه يكفيه اليوم مع الغد، وإن احتجنا إلى شيءٍ من يوم الاثنين، وإلا هو مخصص لصحيح مسلم -إن شاء الله تعالى-. شرح الخطابي (أعلام السنن): فأولاً: أعلام الحديث، أو أعلام السنن، نعم شهرة الكتاب بأعلام السنن، وإن كان المحقق رجح من خلال النسخ الخطية أعلام الحديث أعلام السنن لأبي سليمان حمد كذا ضبطه (حمد) سماه أهله حمد كما يقول عن نفسه، وإن قال كثير من الناس أنه أحمد، وليس محرك الميم كما هو الاستعمال الشائع الآن (حَمَد) لا، هو (حَمْد) ولذا يقول الحافظ العراقي في تعريف الحسن: والحسن المعروف مخرجاً وقد ... اشتهرت رجاله بذاك حد حَمْد وقال الترمذي: ما سلم ... من الشُّذوذِ معَ رَاوٍ ما اتُّهِمْ حَمْد –يعني الخطابي- بذاك حد، وقال الترمذي ما سلم .. الخ.

стр. 11

المقصود أن ضبطه (حَمْد) أبو سليمان حَمْد ابن محمد بن إبراهيم الخطابي نسبةً إلى زيد بن خطاب البستي الشافعي المتوفى سنة ثمانٍ وثمانين وثلاثمائة، هذا الكتاب مختصر جداً، يقول عنه القسطلاني: "هو شرح لطيف فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة"، واعتنى الإمام محمد التيمي بشرح ما لم يذكره الخطابي مع التنبيه على أوهامه، الكتاب يعتبره مؤلفه مكملاً لكتابه معالم السنن؛ لأنه صنف معالم السنن لشرح سنن أبي داود قبل أعلام السنن أو أعلام الحديث، فجعل أعلام الحديث أو أعلام السنن مكملاً لما ذكره في معالم السنن، يقول في المقدمة: "وقد تأملت المشكل من أحاديث هذا الكتاب فوجدت بعضها قد وقع ذكره في معالم السنن مع الشرح له والإشباع في تفسيره، فرأيت الأصوب أن أخليها من ذكر بعض ما تقدم شرحه، وبيانه هناك متوخياً الإيجاز فيه مع إضافة إليه ما عسى أن يتيسر في بعض تلك الأحاديث من تجديد فائدة، وتوكيد معنىً زيادةً على ما في ذلك الكتاب ليكون عوضاً عن الفائت وجبراً للناقص منه"، يقول: "ثم إني أشرح بمشيئة الله الكلام في سائر الأحاديث التي لم يقع ذكرها في معالم السنن"، نعم في البخاري أحاديث زائدة على ما في سنن أبي داود والعكس عند أبي داود من الأحاديث ما ليس في الصحيح، "ثم إني أشرح بمشيئة الله الكلام في سائر الأحاديث التي يقع ذكرها في معالم السنن، وأوفيها حقها من الشرح والبيان، فأما ما كان فيها من غريب الألفاظ اللغوية فإني أقتصر من تفسيره على القدر الذي تقع به الكفاية في معارف أهل الحديث الذين هم أهل هذا العلم، وحملته دون الإمعان فيه والاستقصاء له على مذاهب أهل اللغة من ذكر الاشتقاق والاستشهاد بالنظائر ونحوها من البيان لئلا يطول الكتاب.

стр. 12

لا شك أن شرح الخطابي بهذه الصفة كما وصفه مؤلفه يذكر الغريب على وجهٍ موجز خشية أن يطول الكتاب، يقول: "ومن طلب ذلك وجد العلة فيه مراضةً بكتاب أبي عبيد ومن نحا نحوه في تفسير غريب الحديث"، يعني من أراد الاستقصاء في شرح الغريب –غريب ما يقع في الصحيح- فعليه بغريب أبي عبيد، غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهو من الأئمة الثقاة المعروفين المشهورين في الغريب في اللغة وفي الحديث أيضاً، إمام أبو عبيد القاسم بن سلام إمام من أئمة المسلمين، وهو موثوق في نقله، وهو أيضاً سليم من حيث اعتقاده، فكتابه من أنفس الكتب، كتب الغريب أُلف فيه من معاصريه ألف أبو عبيدة معمر بن مثنى لكنه دونه في الثقة والمرتبة، وأيضاً غريب الحديث للنضر بن شميل، والفائق في غريب الحديث للزمخشري، والدلائل لقاسم بن ثابت، وكتب الغريب كثيرة جداً كما ذكرت، ومن أراد أن يقتصر على كتابٍ واحد في الغريب فعليه بكتاب ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، لكن من أراد أن يجمع فهذه أشهر كتب الغريب، في غريب الحديث للخطابي أيضاً صاحب هذا الكتاب، وغريب الحديث لابن الجوزي، مجموعة من أهل العلم صنفوا في غريب الحديث. شرحه للأحاديث متفاوت، شرح الخطابي للأحاديث متفاوت طولاً وإيجازاً حسب أهمية الحديث وما يستنبط منه، وحسب غموض ألفاظه ووضوحها، فمثلاً: حديث (الدين النصيحة) شرحه في سبع صفحات، وحديث ابن مسعود في تخول النبي ﷺ أصحابه بالموعظة شرحه بأربعة أسطر، تفاوت، لكن يرى أن ذلك الحديث مهم، والحاجة إلى إيضاحه وبيانه قائمة بخلاف حديث التخول بالموعظة؛ لأنه واضح ولا يحتاج إلى إطالة، المؤلف الخطابي شافعي المذهب، يرجح في الغالب مذهب الإمام الشافعي، قد يرجح غيره إذا كان الدليل لا يحتمل التأويل لا سيما إذا كان القول الثاني له وجه عند الشافعية. الكتاب أعني البخاري –صحيح البخاري- بالنسبة للخطابي مروي من طريق إبراهيم بن معقل النسفي إلا أحاديث من آخره فرواها من طريق الفربري، رواية النسفي في الكتاب تنتهي في صفحة (١٧٩٥) من الجزء الثالث.

стр. 13

مسائل الاعتقاد في الكتاب فيها خلط، وفيها أيضاً خبط عجيب، سلك فيه مسلك الخلف في التأويل، وفي نفي الصفات، في صفحة (٥٢٩) من الجزء الأول قال: "فالذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن نعلم أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيأة، فإن الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله وعن صفاته منفية، قد يتأول معناها على وجهين فذكرهما" سلك مسلك التأويل في كثير من الصفات، أوّل صفة (الضحك) بما لا يتلائم مع مذهب السلف كما في صفحة (١٣٦٥و١٣٦٧و١٣٦٨) من الجزء الثاني، وفي الجزء الثالث قرر أن الأسماء والصفات لا تثبت، وضع قاعدة، قرر أن الأسماء والصفات لا تثبت إلا بكتاب ناطق، لا بد أن يكون دليلها من القرآن، أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فيما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصلٍ، فإن لم يكونا يعني إن لم يكن نص من القرآن أو من الخبر المقطوع بصحته ويقصد بذلك المتواتر، يقول: إن لم يوجد من القرآن أو من المتواتر فبما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصلٍ في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها، أو بموافقة معانيها، يعني أن الأسماء والصفات لا تثبت إلا بالنصوص القطعية، ويقصد بذلك الآيات والأحاديث المتواترة، أما أحاديث الآحاد وأخبار الآحاد وهي عنده لا تفيد إلا الظن فلا تثبت بها العقائد، ومنها الأسماء والصفات، يقول: وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب، ويتأول حينئذٍ على ما يليق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقاويل أهل الدين والعلم مع نفي التشبيه فيه، يقول: هذا هو الأصل الذي نبني عليه الكلام، ونعتمده في هذا الباب، يقول -لأن الكلام بمناسبة حديث الأصابع- يقول: "وذكر الأصابع لم يوجد في شيءٍ من الكتاب ولا من السنة التي من شرطها في الثبوت ما وصفناه" يعني ثبوتها ليس بقطعي وإن كانت في صحيح البخاري، هذا القول يقول به كثير من المتأخرين الذين يسمون الخلف، وهم بإسكان اللام أحرى، في صفحة (٢٢٣٨) تأول صفة (الفرح) بالرضا بالتوبة وقبولها، يقول: "والفرح الذي تعارفه الناس في نعوت بني آدم غير جائز على الله " نعم، الفرح الذي يشبه فرح المخلوق لا يقال به بالنسبة لله ، وإنما يثبت الفرح على ما يليق

стр. 14

بجلاله وعظمته كما هو معروف من منهج أهل السنة والجماعة. التردد، قوله سبحانه: ((ما ترددت في شيء ... )) هذا في الحديث الصحيح –حديث قدسي- صفحة (٢٢٥٩) قال: "التردد في صفة الله غير جائز"، ثم تأوله على وجهين فذكرهما، هذا منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد في هذا الكتاب، وفي معالم السنن أيضاً، لكن الذي نقل عنه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الجزء الخامس صفحة (٥٨ و٥٩) بواسطة رسالته في الغنية عن الكلام وأهله، نقل عنه شيخ الإسلام ما يخالف هذا الكلام، ولعله رجع عن مسلكه السابق. يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- نقلاً عن الخطابي: يقول: "فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجرائها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريق المستقيم بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي والجافي والمقصر عنه، والأصل في هذا –كلام نفيس- والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات -هذا كلام الخطابي- ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري –سبحانه- إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجودٍ لا إثبات تحديدٍ وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: أن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: أنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات" هذا كله كلام الخطابي مما نقله عنه شيخ الإسلام.

стр. 15

فنقول: لعل الإمام الخطابي -رحمة الله عليه- رجع عن قوله في مسائل الأسماء والصفات إلى هذا، ولذا نقله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- مقرراً له، ولا يخفى عليه ﵀ ما سطره في كتبه الأخرى، يقول في الغنية عن الكلام وأهله، كتاب اسمه (الغنية عن الكلام وأهله) للخطابي ما أعرفه وجوده. أقول: مثل هذا الكلام الذي نقلناه عن الخطابي في الأسماء والصفات والتأويل هو موجود مع الأسف الشديد في غالب الشروح، إذ لا يسلم منها إلا القليل النادر، وحبذا لو انبرى لهذه الكتب من التفاسير والشروح من يوثق بعلمه وعقيدته وفهمه وعلق عليها تعليقات تكون مختصرةًً نافعة، كما فعل شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في تعليقه على أوائل فتح الباري، تعليقات نفيسة بأسطر قليلة جعل الله فيها من البركة ما جعلها تدور في الأقطار، وتصحح كثيراً من المفاهيم، الكتاب حتى فتح الباري على ما سيأتي الحديث عنه لم يسلم من نقل أقوال المأولة في الصفات، ومع ذلك ينقل أقوال السلف وينقل أقوال غيرهم ويسكت ولا يرجح، المقصود أن مثل هذه الأقوال تحتاج إلى تعليق لطيف يبين الحق في هذه المسائل. هناك من الكتب ما يسلم -وإن كان قليلاً- من هذه الملاحظات كشرح الحافظ بن رجب -رحمه الله تعالى-؛ لكنه لم يكمل كما سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله تعالى-. شرح النووي لصحيح البخاري:

стр. 16

نظراً لضيق الوقت نعرض بسرعة للقطعة التي شرحها النووي من الصحيح، شرع أبو زكريا يحيى بن شرف النووي في شرح الصحيح؛ لكن المنية اخترمته قبل أن يقطع فيه شوطاً كبيراً، فلم يشرح من الصحيح سوى بدء الوحي وكتاب الإيمان فقط، وهو شرح كما وصفه مؤلفه بأنه متوسط بين المختصرات والمبسوطات، لا من المختصرات المخلات، ولا من المبسوطات المملات، يقول: "ولولا ضعف الهمم، وقلة الراغبين في المبسوط لبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات" الكلام صحيح، العمر ينتهي قبل أن يقرأ الإنسان الشروح التي كتبت على الصحيح فضلاً عن أن ينتقي منها ما يراه مناسباً، ويستطرد في الشرح ويذكر كل ما يحتاج إليه من فوائد البخاري، يقول: "ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين في المبسوط لبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات مع اجتناب التكرير والزيادات العاطلات، بل ذلك لكثرة فوائده، وعظم عوائده الخفيات والبارزات". ابتدأ النووي -رحمه الله تعالى- شرحه بمقدمة ذكر فيها أهمية علم الحديث، ومنزلة الإمام البخاري وصحيحه ورواته، وذكر فيها أيضاً سبب تصنيفه، ثم ذكر فهرساً لكتب الصحيح وعدد أحاديث كل كتاب، ثم ذكر فصلاً عن أبي الفضل بن طاهر في طبقات من روى عنهم البخاري، ثم ذكر أسانيده إلى الإمام البخاري ثم أشار إلى بعض المسائل الاصطلاحية، يعني ذكر طبقات من روى عنهم الإمام البخاري مهم جداً، حينما تعرف أن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- روى عن المكي بن إبراهيم بدون واسطة، وهذا غالب الثلاثيات من طريقه، ثلاثيات الصحيح من طريق المكي ابن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، أعلى ما في الصحيح، حينما تنظر في الصحيح تجد البخاري روى عن المكي بن إبراهيم بدون واسطة، تجده في موضعٍ آخر روى عن المكي ابن إبراهيم بواسطة ثلاثة أشخاص، فإذا عرفت طبقات الرواة سلمت من توهّم سقوط راوٍ أو أكثر حينما يروي عن مثل المكي ابن إبراهيم بدون واسطة، ويروي عنه في مواضع بواسطة، فعلمك بهذه الطبقات يجنبك مثل هذا الوهم، ختم المقدمة بضبط جملةٍ من الأسماء المتكررة في الصحيحين من المشتبه.

стр. 17

يمتاز شرح النووي -رحمه الله تعالى- بالإطالة في تراجم الرواة، يترجم لرواة الأحاديث، ويطيل فيها إطالةً نسبية بالنسبة إلى الشروح الأخرى فيذكر سيرهم وما يستحسن ويستطرف من أخبارهم، ولا شك أن في هذا فائدة للقارئ وتنشيط لهمته والأخبار في الجملة محببة إلى النفوس، فيكون فيها متعة واستجمام من جهة، لكن هذه الإطالة في تراجم الرواة صارت على حساب معاني الأحاديث، وما يستنبط منه من أحكام وآداب وفوائد، فمثلاً الحديث الرابع، استغرق عند النووي صفحات جلها في تراجم الرواة من (٦٦) إلى صفحة (٧٠) من الشرح من (٦٦) إلى (٧٠) بدأ بشرح الحديث الرابع، ترجم لابن عباس في صفحة ونصف، بعده سعيد بن جبير في صفحة .. الخ، ثم في منتصف صفحة (٧٠) منتصف الصفحة الأخيرة فصل في معنى الحديث: قول ابن عباس ﵄ .. الخ، منتصف الصفحة الأخيرة هو بيت القصيد، نعم تراجم الرواة مهمة لكنها في مثل هذا الكتاب الذي التزم مؤلفه الصحة، وانتقى من الرواة أعلاهم، ومن رواياتهم أثبتها، تكون فائدة التراجم أقل؛ لأن للتراجم كتب مستقلة، لكن بيت القصيد معاني الحديث، ألفاظه وما يستنبط منه من أحكام وآداب، النووي -رحمه الله تعالى- قصر في هذا الجانب، شرحه لذيذ وممتع لكنه في هذا الجانب فيه قصور، ووصفه بأنه شرح مختصر، والنووي كما يلاحظ من كتبه يعتني بالتراجم لا سيما بتراجم من عرف بالزهد والعبادة فيذكر تراجم هؤلاء بإسهاب، ويذكر من أخبارهم ما يستلذ ويستطاب، تنشيطاً لهمم القراء، وإشادةً وإفاءً لبعض حقوق هؤلاء؛ لأنه هو ﵀ من هذا النوع، صاحب علم وأيضاً عبادة وزهد وورع، وهو مشهور بذلك، وبهذا يكون الوقت تمت الساعة المتفق عليها، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: الأسئلة المطلوبة الإجابة عليها كثيرة، لكن نقتصر منها بما له صلة بموضوع هذه الدروس. يقول: يتميز صحيح البخاري بكثرة الروايات، وبعض الروايات تزيد وبعضها تنقص، فهل تبينون لنا روايات البخاري لا سيما الروايات التي عليها الشروح المشهورة؟

стр. 18

أما بالنسبة لروايات الصحيح، كما أشار الأخ كثيرة، قد روى الصحيح عن مؤلفه ما يقارب التسعين ألفاً من الرواة، لكن الروايات التي اتصلت بالأسانيد إلى وقتنا معروفة ومحصورة، ولعل من أشهرها وأوفاها رواية أبي ذر التي اعتمد عليها الحافظ ابن حجر في شرحه، ومن الروايات ما اعتمده الخطابي وأشرنا إليه بالأمس رواية إبراهيم بن معقل النسفي، من الروايات المشهورة أيضاً رواية حماد بن شاكر، وهي تنقص قليلاً عن رواية أبي ذر، والروايات كثيرة، والله المستعان، لكن أوفى الروايات رواية أبي ذر، وهي أشهر الروايات وأتقنها، والحافظ اليونيني -رحمه الله تعالى- اعتنى بهذه الروايات، وقابل بينها، ورمز لكل رواية بحرف، وأثبت فروق هذه الروايات، على هامش نسخته بدقة وإتقان، ومن أراد صورة ما كتبه اليونيني وأتقنه وحرره وهذا الكلام سابق لأوانه فعليه بإرشاد الساري للقسطلاني، الذي يعتني بذكر جميع الفروق، سواء ترتب على هذه الفروق فائدة أو لم يترتب عليه فائدة، بخلاف الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- فقد اعتمد على رواية أبي ذر فقط، وأشار إلى ما عداها عند الحاجة، فلم يستقصي جميع الروايات، ولم يذكر جميع الفروق، إنما أشار إلى ما يحتاج إليه. يقول: أسماء الطبعات الجيدة والمحققة لكتب الشروح حيث لا يخفى عليكم انتشار الكتب التجارية؟.

стр. 19

هذه الشروح الكبيرة في نشرها وطباعتها والعناية بها ما يحتاج إلى نيّةٍ خالصة؛ لأن مجرد قصد التجارة لا يوفي هذه الكتب حقها؛ لأنه إذا كان النشر بنية التجارة فقط فالناشر يحاول أن يسدد ويقارب فلا يمضي فيها وقتاً يخسر فيه من جهةٍ أخرى، وإن كسب سمعةً وشهرة؛ لكن تأخير الطبع الذي يقتضيه أو تقتضيه العناية يكلفه أشياء من أشياء مادية أخرى، على كل حال الشروح أما بالنسبة لشرح الخطابي فهو لم يطبع إلا مرة واحدة، وهو بتحقيقٍٍ جيد لا بأس به في رسالة دكتوراة، وشرح النووي القطعة التي شرحها النووي طبعت مرة واحدة في المطبعة المنيرية، وهي طبعة جيدة ولم يعد طبعه بعد، بعد ذلكم الشروح التي يتحدث عنها فيما بعد تذكر طبعاتها أثناء الحديث عنها، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- نقل عن الخطابي ما ذكرناه عنه في كتاب الغنية عن الكلام وأهله في مجموع الفتاوى في الجزء السادس صفحة (٥٩ و٦٠ أو ٥٨ و٥٩) بهذا الحدود. طالب:. . . . . . . . . يمكن الخامس، نعم الخامس، هو موجود عندي، مدون حتى على الفتاوى نفسها. يقول: هل هناك شرح (مختصر البخاري) للزبيدي، وشرح (مختصر مسلم) للمنذري مطبوع موجود في السوق الآن؟ نعم، هناك شروح للمختصرات، منها شرح الشرقاوي المسمى (فتح المبدي) على الزبيدي، أقول: هذا الكلام وكانت النية أن نتحدث عن هذه المختصرات وشروحها، لكن أتصور أن الوقت لا يكفي، مناسبة هذا السؤال نقول باختصار: الزبيدي له مختصر جيد لصحيح البخاري وعليه شروح منها (فتح المبدي) للشرقاوي، وهو شرح تحليلي جيد في الجملة إلا أنه لا يسلم من المخالفات، فمما قاله في كتاب الطلاق: "وقال ابن تيمية التابع للروافض والخوارج"، هذه تنبئ عن شيء، لا يسلم الكتاب من مخالفات، لكنه يحلل الكتاب تحليلاً لفظياً، أنفس منه بالنسبة لمختصر الزبيدي شرح الشيخ صديق حسن خان واسمه (عون الباري) هذا شرح نفيس وجيد، ويستفيد منه طالب العلم الذي لا يحتاج إلى ما في البخاري من تكرار وأسانيد، شرح صديق مأخوذ في الجملة -في جملته- من إرشاد الساري، ويتميز شرح صديق بنقده للقسطلاني فيما يخالف فيه من مسائل الاعتقاد، وهذه ميزة يمكن أن يستفاد منه فيها.

стр. 20

مختصر صحيح مسلم للمنذري له أيضاً شرح للشيخ صديق حسن خان اسمه (السراج الوهاج) طبع قديماً بالهند ثم صور وطبع أخيراً في قطر، هو شرح جيد نفيس فيه مباحث لا توجد في شروح مسلم. يقول: عندما يريد الطالب المبتدي في دراسة شروح الكتب الستة فما هي الكتب التي تراها مناسبة لدراستها؟ سواء شروح البخاري أو غيره من الكتب الستة؟ حقيقةً شرح الكرماني الذي نتحدث عنه الآن مناسبة للبداية إلا أنه لكثرة المخالفات فيه سواء كانت مما يتعلق بالكتاب نفسه المشروح أو في المسائل الحديثية عموماً أو في مسائل الاعتقاد لا ينبغي للمبتدئ أن يقرأ فيه، لكن طالب العلم المتوسط ينصح به، لكن أولى ما يبدئ به بالنسبة لصحيح البخاري شرح الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-، أما البدء بفتح الباري، كما قال السائل: بحر لا ساحل له، صحيح، والحديث عنه طويل ولعلنا نبدأ في الحديث عنه في نهاية الدرس إن أمكن، الفتح بحر كما قيل، وله مختصرات سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-، لكن ما يمنع أن يستفاد منه ويراجع عند الحاجة، أما بداءة طالب العلم المبتدئ فيه فلا أراها، لأنه كتاب طويل، وفيه مباحث قد يصعب عليه فهمها، فلا يؤمن أن يترك الطالب؛ لأن أول ما يقدم للطفل بعد الفطام الأشياء الخفيفة، السهلة الهضم، أما أن يؤتى له بلحم جملٍ كبير وهو بعد الفطام مباشرة هذا ما يناسبه، فتح الباري كتاب نفيس ومملوء بالفوائد ومشحون بالفرائد في جميع الفنون إلا أنه بالنسبة للصغار قد يحملهم على ترك القراءة، فالطالب في بداية الأمر ينبغي أن يبدأ بالأسهل ثم الأسهل ثم يترقى بعد ذلك، يبدأ بالأسهل ثم يترقى، فلو قرأ قبل فتح الباري شرح النووي على مسلم، على ما سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله- مع ما فيه من المخالفات إلا أنه شرح نفيس لا يستغني عنه طالب العلم. يقول: هل يحسن بمن قرأ اختصار علوم الحديث وكرره ينتقل إلى ألفية العراقي مع شرحها؟

стр. 21

نعم إذا بدأ الطالب بالنخبة ثم قرأ في اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ما يلزم أن يقرأ لابن الصلاح حواشيه، له أن يحفظ ألفية العراقي ويراجع شروحها، وإن قرأها على شيخٍ معتبر معتمد في هذا الباب فهو أفضل وأجود، منزلة (الموقظة) بين كتب المصطلح منزلة لا بأس بها إلا أنها غير شاملة لجميع أبوابه، ومؤلفها وإن كان إماماً في الصنعة إلا أنه لم يرتب الترتيب الذي اعتمده المتأخرون ترتيباً منطقياً بحيث يبني الأبواب على بعضها، طريقة الزبيدي في اختصاره حذف المكرر واختصار الأسانيد. يقول: هل من الأفضل بالنسبة للمبتدئ أن يقرأ في كتاب الجمع بين الصحيحين للشامي قبل البدء بالقراءة في الصحيحين نفسيهما؟ لا، إذا قرأ المتون وتدرج فيها قرأ الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ، وقرأها قراءة بحث وتنقيب، وحفظها إن أمكن، ترقى إلى الأصول مباشرة، يبدأ في البخاري ثم مسلم، وأما كون هذه الكتب فيها المكرر، وفيها الأسانيد، هذه هي زينتها، لا شك أن التكرار مما يعين على الحفظ، يعين على الاستنباط؛ لأن في كل طريق، وفي بعض الطرق ما ليس في بعض، ما يعين على الفهم؛ لأن أحياناً الإمام البخاري يختصر الحديث في موضع بحيث يستغلق على القارئ، فإذا اطلع عليه في الموضع الآخر والثاني والثالث إلى آخر المواضع ينجلي له، فالأفضل أن يقرأ في الأصول. والأسئلة ما تنتهي. يقول: أنا اقتراحي لو يبدأ الدرس في الساعة الرابعة والنصف مثلاً يعني يقدم نصف ساعة؟ على كل حال اقتراح جيد، لكن لو قدمنا نصف ساعة الكتب هذه ما ينتهي الحديث عنها بحيث لو خصص هذا الأسبوع لكتابٍ واحد ما أتصور أن نوفيه حقه، وأكثر الإخوان الذين يحضرون إما طلبة أو موظفين فيشق عليهم البداءة المبكرة، الساعة الخامسة مناسبة بحيث يصلي كل شخص في حيه ثم يحضر بعد ذلك على راحته. شرح الزركشي لصحيح البخاري (التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح):

стр. 22

بعد هذا نبدأ بالشرح الثالث وهو شرح الزركشي، شرح الزركشي اسمه (التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح) مؤلفه الشيخ محمد بن عبد الله بدر الدين الزركشي الشافعي المتوفى سنة أربعة وتسعين وسبعمائة، الشرح ناقص لم يكمل، وصل فيه مؤلفه إلى آخر باب الشروط في الوقف، ومع ذلكم مختصر جداً، هذا نصف الشرح، يعني ثلاثة أجزاء في مجلد واحد نصف الشرح، ولولا أن المتن مطبوع بحرف كبير لجاء الشرح كله بهذا الحجم، قصد مؤلفه فيه كما ذكر في مقدمته: إلى إيضاح ما وقف في الصحيح من لفظٍ غريب أو إعرابٍ غامض أو نسب عويص، أو راوٍ يخشى في اسمه التصحيف، أو خبرٍ ناقص تعلم تتمته، أو مبهم تعلم حقيقته، أو أمرٍ وهم فيه، أو كلام مستغلق يمكن تلافيه، أو تبيين مطابقة الحديث للتبويب، والمشاكلة على وجه التقريب، يقول: "منتخباً من الأقوال أصحها وأحسنها، ومن المعاني أوضحها وأبينها، مع إيجاز العبارة والرمز بالإشارة، فإن الإكثار داعية الملال، وذلك لما رأيت من ناشئة العصر حين قرأته من التقليد للنسخ المصححة، ربما لا يوقفون لحقيقة اللفظ فضلاً عن معناه، وربما يتخرص خواصهم فيه، ويتبجح بما يظنه ويبديه، وربما لو أن المنصف لو كشف عما أشكل لا يجد ما يحصل الغرض إلا ملفقاً من تآليف، أو مفرقاً من تصانيف، وأرجو أن هذا الإملاء يريح من تعب المراجعة والكشف والمطالعة مع زيادة فوائد تحقيق المقاصد، ثم يقول: ويكاد يستغني به اللبيب عن الشروح؛ لأن أكثر الحديث ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وإنما يشرح ما يشكل"، يقول: "وسميته بـ (التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح) ومن أراد استيفاء طرق الشرح على الحقيقة فعليه بالكتاب المسمى بـ (الفصيح في شرح الجامع الصحيح) أعان الله على إكماله".

стр. 23

هذا (التنقيح) مختصر جداً، وهو بالألغاز أشبه، يكتب على الحديث سطر أو سطرين، أحياناً يكتب ثلاثة لا تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، عليه نكت من الحافظ ابن حجر، وعليه أيضاً نكت أخرى للقاضي محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وأما (الفصيح) الذي ذكره فذكر القسطلاني أنه رأى منه قطعة بخط مؤلفه، هذا التنقيح المختصر للزركشي، وإن زعم صاحبه أنه يكاد يستغني به اللبيب عن الشروح؛ لأن أكثر الحديث ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وإنما يشرح ما يشكل فهو كلام صحيح بحد ذاته، الذي يقرأ في صحيح البخاري من أوله إلى آخره بغض النظر عن مناسبة الحديث للترجمة، وهو متوسط الفهم، متوسط التحصيل يخرج بفائدة طيبة، كثير منه لا يشكل، يعني إذا استثنينا المناسبة بين الحديث والترجمة التي هي قد عجز الفحول عن استنباطها، إذا استثنينا الرابط بين الحديث والترجمة وبعض الألفاظ المشكلة، طالب العلم متوسط التحصيل متوسط الذكاء يخرج بفائدة كبيرة بمجرد قراءة المتن، هذا الكلام صحيح لكن الشروح المطولة التي يرى الشارح هذا أنه يمكن أن يستغني بكتابه عنها الوافية لا يمكن أن يستغني عنها طالب العلم أبداً؛ لأنها تولد فيه ملكة يتمكن بواسطتها من محاكاة العلماء في الاستنباط من النصوص وكيفية معالجتها من جميع النواحي، وبهذا يتفتّق ذهن الطالب، تجتمع له العلوم في كتابٍ واحد، فالمطولات كالروضات ينتقل فيها الطالب من فنٍ إلى آخر، ففيها ما يتعلق بالقرآن وعلومه، والحديث وفنونه، ومذاهب العلماء والآداب والفوائد المستنبطة من الحديث من قربٍ أو بعد. على كل الشروح المطولة لا يمكن أن يستغنى عنها، وكم من حديث بحث عنه في عشرة شروح، ولم يصل الباحث فيه إلى حلٍ يشفي، وكم من آية روجع عليها والقرآن بأفصح عبارة، وأوضح بيان، روجع على بعض الآيات التفاسير الكثيرة، ومع ذلكم يبقى الإشكال، وإن كان الإشكال نسبياً بين شخصٍ إلى آخر، فالمطولات سواء كانت من كتب التفسير أو الشروح لا يمكن أن يستغنى عنها بحال. (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لابن رجب:

стр. 24

من الشروح المهمة فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي نزيل دمشق المتوفى سنة خمسٍ وتسعين وسبعمائة، بعد الزركشي بسنة، وهو شرح لم يكمل وصل فيه مؤلفه إلى كتاب الجنائز، وهذا القدر الذي أتمه الحافظ ابن رجب ﵀ من عجائب الدهر، ولو قدّر تمامه لاستغنى به طالب العلم عن غيره لا سيما ما يتعلق بنقل أقوال السلف وفهمهم للنصوص، عناية الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- بأقوال السلف، بينما عناية أكثر الشرح بنقل أقوال المتأخرين، وهذه ميزة للحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-؛ لأن فهم السلف للنصوص أولى ما يعتمد، وأجدر ما يعتنى به من غيره، الكتاب مملوء –مشحون- بالفوائد الحديثية والفقهية واللغوية، ففي الجانب الحديثي يعتني الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- بعلل الأحاديث، عنايةً فائقة ويستطرد في ذكر الاختلاف على الرواة سالكاً في الترجيح طريقة المتقدمين في العمل بالقرائن من غير نظرٍ إلى الأحكام المطردة، وبالمناسبة تكثر الدعوة إلى محاكاة المتقدمين في طريقتهم، ونبذ قواعد المتأخرين، كثرت الدعوة هذه وسبقتها سنين الدعوة إلى نبذ كتب الفقه وتقليد الأئمة إلى الأخذ من النصوص مباشرة، هذا الكلام صحيح لا إشكال فيه إلا أنه لا ينبغي أن يلقى على جميع طبقات المتعلمين؛ لأن المبتدئ في العلم سواء كان في علم الحديث أو في الفقه، المبتدئ حكمه حكم العامي، عليه أن يقلد أهل العلم ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٧) سورة الأنبياء] فالذي ليست لديه أهلية النظر في النصوص والموازنة بينها لا يمكن أن يستنبط من الكتاب والسنة، إنما عليه أن يقلد أهل العلم، يتفقه على مذهب ثم بعد ذلك ينظر في هذه المسائل التي حصلها من هذا المذهب، ينظر فيها واحدةً بعد الأخرى، موازنة بين أقوال الأئمة وأدلتهم، والخلوص إلى الراجح من أقوالهم، مثله أيضاً ما يتعلق بالأحاديث من حيث التصحيح والتضعيف، الأصل في هذا كلام المتقدمين بلا شك، والمتأخرون إنما قبسوا من أنواع المتقدمين، فلولا المتقدمون ما صار للمتأخرين شيء، إنما المتأخرون حاولوا أن يضبطوا القواعد

стр. 25

وينظروا المسائل ليسهل فهمها وحفظها على الطلبة ليتعلموا ويتمرنوا عليها، فإذا تأهلوا وصارت لديهم أهلية النظر في أقوال المتقدمين عليهم أن يقتدوا بهم ويسلكوا مسلكهم، وإلا إذا قلنا للطالب المبتدئ: عليك بتقليد المتقدمين وانبذ قواعد المتأخرين، ثم وقف على حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) الإمام أحمد له رأي، الإمام البخاري له رأي، أبو حاتم له رأي، الدارقطني له رأي، يقلد مَن مِن المتقدمين؟ يتبع مَن مِن المتقدمين؟ أحكام المتقدمين مبنية على القرائن، لا يحكمون بأحكامٍ عامة مطردة، الإمام البخاري حكم بوصل حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) بناءً على القرائن التي قامت وأدت إلى ترجيح الوصل على الإرسال، غيره حكم بالإرسال؛ لأن من أرسله كما يقول الحافظ العراقي كالجبل شعبة وسفيان، متى يصل الطالب المبتدئ إلى الحكم بالقرائن؟ هذا دونه خرط القتاد، حتى يتأهل، إذا تأهل هو المطلوب، يعني تقليد الرجال في الدين أمر غير مرغوب فيه، نعم هو فرض العوام وأشباه العوام، لكن طالب العلم المتأهل عليه أن يربى بنفسه عن هذا. على كل هذه لفتة يسيرة فالحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- عنايته بتعليل الأحاديث، والترجيح بين اختلاف الرواة بالقرائن على طريقة المتقدمين، وهو أهل لذلك، بل هو من أئمة هذا الشأن، ومن مقعديه ومنظريه، ويعتني أيضاً بفروق الروايات بين رواة الجامع الصحيح، وينبه عليها، لا سيما ما يترتب على ذكره فائدة، وقد وقفت على ألفاظٍ نبه عليها الحافظ ابن رجب اختلفت فيها الرواة مما فات اليونيني رغم عنايته بالصحيح ورغم إتقانه لرواياته، وبهذا يمتاز شرح الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-، يُعنى الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- بتخريج الأحاديث من المصادر الحديثية المختلفة، الصحاح والمسانيد والأجزاء والفوائد والمستخرجات والمشيخات والفوائد وغيرها.

стр. 26

يُعنى أيضاً بذكر مذاهب أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من فقهاء الأمصار مع الاستدلال والترجيح من غير تعصبٍ لمذهب، مع أنه حنبلي المذهب، والكتاب -أعني فتح الباري للحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- من مصادر ابن حجر، فقد اطلع عليه الحافظ ابن حجر، ونقل منه مصرحاً باسم مؤلفه في موضعين، في الجزء الأول صفحة (١٧٦) وفي الجزء الحادي عشر صفحة (٣٤٠).

стр. 27

الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يعتني بالمسائل الأصولية كثيراً، ويحرر المسائل الشائكة في هذا الباب فمثلاً في الجزء الثاني صفحة (٦٩) يقول: "والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كان عليه عند كثيرٍ من الفقهاء" نعم المشهور عند جمع من أهل العلم أن الأمر بعد الحظر للإباحة، لكن المحقق عند أهل العلم أنه يعيد الأمر إلى ما كان، أو يعيد الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، في صفحة (٢١٠) وهذه من الدقائق، يقول في حديث: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)) والكلام في هذه اللفظة كثير لأهل العلم، وتخصيص التيمم بالتراب أو تعميمه بجميع ما على وجه الأرض مسألة طويلة الذيول، شائكة المباحث عند أهل العلم، فهذه اللفظة: ((وجعلت تربتها)) لا شك أن الحديث من الخصائص، ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) هذا من الخصائص، وأحاديث الخصائص يرى ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- وبقوله يقول ابن حجر: أن أحاديث الخصائص لا تحتمل التخصيص، يعني إن جاءت عامة فلا تحتمل التخصيص، وإن جاءت مطلقة لا تحتمل التقييد؛ لأن هذه الخصائص إنما جاءت تشريفاً للنبي ﵊، وتخصيص الخصائص تقليل لهذا التشريف، ولذا لا مانع عند ابن عبد البر أن يصلي الشخص في المقبرة، وإن ورد المنع منها؛ لأن حديث: ((جعلت لي الأرض مسجدا ًوطهوراً)) والأرض يشمل الأرض بجميع أجزائها بما في ذلك المقبرة، ولو قلنا: بالتخصيص فأخرجنا المقبرة قللنا هذا التخصيص وهو من الخصائص التي لا تقبل التخصيص عنده، فالتخصيص تقليل لهذه الخصائص، لا شك أن شرف النبي ﵊ وشرف أمته بسببه، وبركة اتباعه ﵊ أمر معلوم من الدين بالضرورة، هو أشرف الخلق على الإطلاق، نعم إذا تعارض حقه ﵊ مع حق غيره قدم حقه ﵊، لكن إذا تعارض حقه ﵊ مع حق الله ، لا شك أن المقدم هو حق الله ، والمنع من الصلاة في المقبرة حماية لجناب التوحيد فهو من حق الله ، وعلى هذا يكون التخصيص هو الوجيه في مثل هذه المسألة.

стр. 28

يقول -رحمه الله تعالى- في هذه اللفظة: ((جعلت تربتها)) وقد ظن بعضهم أن هذا من باب المطلق والمقيد وهو غلط، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، إيش معنى هذا الكلام؟ عندنا: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)) مع حديث: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) هل الأرض ذات أفراد والتراب فرد من أفرادها؟ فيكون من باب الخاص والعام، أو الأرض ذات أوصاف والتراب وصف من أوصافها فيكون من باب الإطلاق والتقييد؟ وما الذي يترتب على القولين؟ إذا قلنا: أنه من باب الإطلاق والتقييد، والمطلق يحمل على المقيد لا سيما في مثل هذه الصورة حينما يتفق المطلق مع المقيد في الحكم والسبب لا شك أنه يحمل المطلق على المقيد، نقل بعضهم الإتفاق على ذلك، إذا اتفقا في الحكم والسبب بخلاف ما إذا اختلفا في الحكم والسبب أو في السبب دون الحكم أو العكس، فالصور أربع، لكن هنا الحكم والسبب متفق، فإذا قلنا: أنه من باب الإطلاق والتقييد وقلنا: أن الأرض ذات أوصاف والتربة وصف من أوصافها قلنا: يحمل المطلق على المقيد للاتفاق في الحكم والسبب، فإذا قلنا: بحمل المطلق على المقيد قلنا: أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب، وهو مقتضى قول الحنابلة فلا يجوز التيمم إلا بالتراب، وإذا قلنا: أن الأرض ذات أفراد والتراب فرد من أفرادها قلنا: أنه من باب الخاص والعام، قد يقول قائل: الخاص مقدم على العام، فيكون مثل التقييد والإطلاق، نقول: لا، الخاص إذا ذكر بحكمٍ مخالف لحكم العام يخصص به العام، لكن إذا كان الخاص مذكوراً بحكمٍ موافق لحكم العام فإنه حينئذٍ لا يخصص به ...

стр. 29

مقارنة بين شروح كتب السنة الستة (٢) الشيخ/ عبد الكريم الخضير ﴿نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [(١٦٣) سورة النساء] يعني نوح داخل في النبيين، هذا من ذكر العام بعد الخاص للاهتمام بشأن نوح والعناية به، وعكسه أيضاً وهو وارد النصوص كثيراً، المقصود أن الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يعتني بمثل هذه المسائل الأصولية، مما يجعله كتاباً نفيساً ينبغي أن يعض عليه بالنواجذ، إذا اقترن بذلك خلوه من المخالفات العقدية، استطرد في ذلك قال: "وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافاً لما حكي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم، فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتربة لقب واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له" لا شك أن مفهوم اللقب لا يعتد به عند جماهير العلماء؛ لأن القول به له لوازم باطلة، كما هو معروف، الأمثلة على ذلك كثيرة والفوائد لا يمكن حصرها بالنسبة لهذا الكتاب، لكن مما يستطرف أنه قال في صفحة (١١) في حديث ذكره قال: "أول من اتخذ الكعب العالي نساء بني إسرائيل يتطاولن بها في المساجد، ليس باللفظ، لكن هو ذكر عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: "إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل؛ لأنهن كن اتخذن أرجلاً من خشب يتطاولن بها في المساجد"، فعلى هذا استعمال هذا الكعب العالي سنة بني إسرائيل.

стр. 30

أيضاً المفاضلة بين الشافعي وأحمد وابن قتيبة والخطابي في غريب الحديث لفتة من الحافظ ابن رجب ﵀ يقول: إذا اختلف مثلاً الشافعي وأحمد في جهة، إذا كان الشافعي وأحمد في جهة وابن قتيبة والخطابي في جهةٍ أخرى مثلاً، يقول: "وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته من مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة"، نعم اللفظة الواحدة يكون لها معاني في اللغة كثيرة، فقد ينتقي مثل ابن قتيبة والخطابي معنىً من المعاني ينزع به ويرجحه فيظن أنه هو المراد في الحديث أو في الآية، لكن إذا وجد من يجمع بين اللغة وبين الفن المخصوص كالسنة مثلاً لا شك أن اختيار الإمام أحمد لبعض الألفاظ دون بعض، أو الإمام الشافعي لما تحتمله اللغة من معاني لا شك أنه يكون أرجح مما يختاره الذي علمه خاص باللغة. محمد بن سلام شيخ الإمام البخاري يقول: الصواب بالتشديد معروف عند أهل المصطلح قاطبةً أن كل ما جاء في الصحيحين من سلام فهو بالتشديد إلا خمسة، فذكروا منهم هذا أنه بالتخفيف، ذكروا منهم محمد بن سلام وعبد الله والد عبد الله بن سلام قالوا: أنهما بالتخفيف ومعهم ثلاثة، لكن ابن رجب -رحمه الله تعالى-يصوب التشديد، وله فيه مصنف في رسالةٍ خاصة. يقول: "لا يجوز تفسير الحديث إلا بما قاله أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم" .. إلى غير ذلك من الفوائد التي لا يمكن استيفاؤها واستقصاؤها، والكتاب مطبوع في عشرة أجزاء في إحدى طبعتيه، والأخرى في سبعة، والطبعة الثانية، طبعة المجموعة ثمانية أشخاص قاموا بتحقيقه طبعة جيدة لا بأس بها، الطبعة الأخرى طبعة طارق عوض الله أنا ما اطلعت عليها، إنما رأيتها لكن لم أعتنِ بها لسبق هذه فقرأتها كلها هذه، وعرفت قيمتها، وأنها جيدة في الجملة، وإن كان طارق عوض الله له يد في هذا الشأن، وهو من أهل التحري في التحقيق. شرح الكرماني (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري):

стр. 31

بعد هذا شرح الكرماني، مؤلفه شمس الدين محمد بن يوسف بن علي الكرماني المتوفى سنة ستٍ وثمانين وسبعمائة، سماه كما نص على ذلك في نهاية المقدمة (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) الكرماني بكسر الكاف، وإن كان الدارج على ألسنة الكثير، وقاله النووي وغيره أنه بفتح الكاف الكَرماني، لكن الكِرماني نفسه ضبطها بكسر الكاف، ولما ورد ذكر كِرمان في الجزء التاسع صفحة (١٥٩) قال: "كرمان بكسر الكاف، وقال النووي: بفتحها، أقول: هو بلدنا وأهل البلد أعلم ببلدهم من غيرهم، وهم متفقون على كسرها"، وفي الجزء الرابع والعشرين صفحة (٢٠٥) قال: "المشهور عند المحدثين بفتح الكاف، لكن أهلها يقولون: بالكسر، وأهل مكة أدرى بشعابها". على كلٍ شرح الكرماني شرح متوسط ليس بالطويل مثل فتح الباري وعمدة القاري ولا بمختصر مثل شرح الخطابي، شرح متوسط مشهور بالقول يعني يأتي باللفظة المراد شرحها فيقول: قوله، وهو جامع لفرائد الفوائد، وزوائد الفرائد، افتتحه بمقدمةٍ أشاد فيها بعلم الحديث وأهله، وأن صحيح البخاري أجلّ الكتب الصحيحة نقلاً وروايةً وفهماً ودراية، وأكثرها تعديلاً وتصحيحاً وضبطاً وتنقيحاً واستنباطاً واحتياطاً، قال: وفي الجملة هو أصح الكتب المؤلفة فيه على الإطلاق.

стр. 32

ثم تحدث باختصار عن الشروح السابقة كابن بطال والخطابي ومغلطاي، ثم ذكر منهجه في كتابه، وأنه يشرح المفردات، الألفاظ غير الواضحة، ويوجه الإعرابات النحوية غير اللائحة، يتعرض لبيان خواص التراكيب بحسب علوم البلاغة، ثم يذكر ما يستفاد وما يتعلق بالحديث من المسائل الكلامية على حد زعمه، ثم يذكر ما يتعلق بأصول الفقه من الخاص والعام والمجمل والمبين وأنواع الأقيسة، ثم يذكر ما يتعلق بالمسائل الفقهية والمباحث الفروعية، ثم يذكر ما يتعلق بالآداب والدقائق، ثم ما يتعلق بعلوم الحديث واصطلاحات المحدثين، ثم يذكر اختلاف النسخ، فيرجح بعضها على بعض ثم يتعرض لأسماء الرجال، ثم يوضح الملتبس ويكشف المشتبه، ويبين المختلف والمؤتلف من الأسماء والأنساب وغيرها، ثم بعد ذلك يؤلف بين الأحاديث المتعارضة حسب الظاهر، ثم يبين مناسبة الأحاديث التي في كل باب، ثم بعد ذلكم ذكر في المقدمة رواة الصحيح كالسرخسي والكشميهني وأبي ذر الهروي وترجم لهم، ثم ترجم للإمام البخاري ترجمةً متوسطة، ثم ختم المقدمة بموضوع علم الحديث وحده، وعدد كتب الجامع وأحاديثه.

стр. 33

الكتاب لا شك أنه جيد ومفيد في الجملة، واشتمل على غالب ما يحتاج قارئ الصحيح بأسلوبٍ واضح شيق، يهتم بالرواة فيذكر اسم الراوي كاملاً وما يستطرف من أخباره بإيجاز، يعني الشرح لا شك أنه ممتع، يذكر من أخبار الرواة ما يستطرف بإيجاز ليس مثل انتقاء وانتخاب النووي لا، لكنه فيه طرافة، ينبه على لطائف الأسانيد كالعلو والنزول وأوطان الرواة وصيغ الأداء وغير ذلك، يقول الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "هو شرح مفيد على أوهامٍ فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذه إلا من الصحف"، يقول العيني بعد أن تعقب الكرماني في الجزء الأول صفحة (١٠١) قال: "وهذا إنما نشأ منه لعدم تحريره في النقل، واعتماده من هذا الفن على العقل"، ولا شك أن الكتاب عمدة لمن جاء بعده من الشراح، لا تكاد تخلو صفحة واحدة من فتح الباري أو عمدة القاري أو إرشاد الساري من نقل عن هذا الكتاب، الكتاب عمدة بالنسبة لمن جاء بعد الكرماني، الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- نقل عنه كثيراً في مئات المواضع، وتعقبه أيضاً في كثير من المواطن، وأوهام الكرماني نبه عليها الحافظ لا سيما ما يتعلق بعلم الحديث وما يتعلق بالصحيح نفسه، لكنه لم يتعقبه فيما يتعلق بالعقيدة؛ لأن الحافظ أيضاً منتقد في هذا الباب على ما سيأتي، من انتقادات الحافظ، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى- في الجزء الأول صفحة (٥٧): "الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي جوز أن يكون تعليقاً أو معطوفاً على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئاً من علم الإسناد" نعم هذا كلام الحافظ بعد أن نقل عن الكرماني وتعقبه بهذا.

стр. 34

في الفتح أيضاً في الجزء الأول صفحة (٧٩ و٨٠) قال: "هذا تعقب مردود" ثم بيّن وجه رده، وفي صفحة (٨٢) قال: "هذا ليس بطائل" ثم ذكر علة قوله، وفي الفتح صفحة (١٩٣) من الجزء الأول قال: "هذا مردود لأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلاً لا لهذا الحديث ولا لغيره"، لكن أكثر الهفوات أو كثير منها وقع من الكرماني في الربط بين الحديث والترجمة، وقد تهجّم الكرماني على البخاري في مواضع، الكرماني في الجزء الثاني صفحة (١٨٣) يقول: "البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد"، البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد.

стр. 35

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "العجب من دعوى الكرماني أن البخاري لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحدٍ من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره، حتى قال جمع من الأئمة: فقه البخاري في تراجمه"، هناك هفوة من الكرماني، قال في الجزء العاشر صفحة (١٨٣) يقصد كلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يقول: "لا يخفى ما في هذا التركيب من التعجرف"، يقول الحافظ في الجزء الرابع صفحة (٤٨٥): "التعجرف من عدم فهم المراد"، إذا قصر الفهم ولم يعترف صاحبه بالقصور نشأ عنه مشاكل، حينما يقصر فهم الكرماني عن إدراك الرابط بين الحديث والترجمة يقول: لا يحسن ترتيب الأبواب، أو يقول: هذا تعجرف؟ لا شك أن سببه القصور، وقد أبدى العلماء من المناسبات ما يبهر العقول وألفت في تراجم البخاري الكتب المستقلة في بيان الرابط بين الحديث والترجمة في كل باب، وأحياناً في ذكر الرابط قد يخفى حتى على ابن حجر والعيني ومن جاء بعدهم، وأحياناً يقولون: المناسبة ظاهرة، وهي في الحقيقة ليست بظاهرة، وأخشى أن يكون هذا من التخلص، الشارح مع كل ما ذكر من هذه الملاحظات، وما قيل قبل ذلك من أن هذا الشرح نفيس، ولا يستغنى عنه، واعتمد عليه من جاء بعده من الشراح أيضاً الشارح في باب الاعتقاد جرى على طريقة الأشاعرة، ونكب عن طريقة السلف، قال في الحادي عشر صفحة (٧٢): "إطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز، إذ المراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب"، وقال في الثاني عشر صفحة (١٢٣): "فإن قلت: ما معنى الضحك ها هنا؟ قلت: أمثال هذه الألفاظ إذا أطلقت على الله يراد بها لوازمها مجازاً، ولازم الضحك الرضا"، وقال في الجزء (٢٢) صفحة (١٢٤): "والاعتراف بالصفات السبع التي هي الصفات الوجودية" ثم ذكرها، والصفات السبع المراد بها ما يثبته الأشاعرة من صفات الله وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر.

стр. 36

أيضاً هو في توحيد العبادة عنده شيء من الخلل، يقول في الثاني والعشرين صفحة (١٤٩): "وقد كنت متشرفاً عند شرح هذا الباب بابتداء مجاورة قبره المبارك -يعني قبر ابن عباس- بالحرم المحرم بوج الطائف"، نقل عن الأشعرية في مواضع مقراً لأقوالهم ففي صفحة (١٩٧) من الجزء الأول وصفحة (٨٨) من الجزء الثاني والعشرين، صفحة (١٠٦) من الجزء الرابع والعشرين يقول: "يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس ولا يرى ما حولها". على كلٍ الكلام في الكتاب كثير جداً، أيضاً من الناحية الاصطلاحية قرر أن شرط البخاري في صحيحه أن لا يروي إلا ما رواه اثنان عن اثنين .. إلى آخره، تابعاً في ذلك الحاكم فيما يفهم من كلامه والبيهقي وغيرهم، من العرب أيضاً زعموا أن شرط البخاري أنه لا يقبل رواية الواحد، بل لا بد من التعدد في الرواية؛ لكن لا شك أن هذا جهل بالكتاب الذي يشرحه، أول حديث في الصحيح من رواية فرد عن فرد عن فرد .. الخ، فيه أربع من طبقات، حديث (الأعمال بالنيات) تفرد به عمر ﵁ في بروايته عن النبي ﵊، ثم تفرد به عنه علقمة بن وقاص، ثم تفرد به عنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثم تفرد به عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومثله آخر حديث في الصحيح، حديث: ((كلمتان خفيفتان على اللسان)) .. الخ، تفرد به أبو هريرة، وعنه أبو زرعة ابن عمرو بن جرير البجلي، وعنه عمارة بن القعقاع وعنه محمد بن فضيل، وعن محمد بن فضيل انتشر الحديث، كما أن الحديث الأول انتشر عن يحيى بن سعيد، المقصود أنهما من الغرائب التي لم يروها إلا الواحد عن الواحد، وهما كفيلان بالرد على من يزعم أن العدد شرط للصحة مطلقاً، أو شرط للبخاري في صحيحه، وغير ذلك من المسائل التي يمكن مناقشته فيها، ولو ذهبنا نستطرد ونذكر كلما لوحظ على الكتاب لطال بنا المقام جداً. ونقف على فتح الباري للحافظ ابن حجر ومعه أيضاً عمدة القاري مع ذكر ما بينهما من المناقشات الطويلة والردود، ثم نختم الكلام بالنسبة لما يتعلق بصحيح البخاري بإرشاد الساري غداً -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 37

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا السائل يقول: ما المقصود بقولكم: بالربط بين الحديث والترجمة؟ الرابط بين الحديث والترجمة المراد به المناسبة والعلاقة بين الحديث والترجمة، قد يكون الرابط بينهما والعلاقة واضحة، كقوله: "بعض قول الرجل: ما صلينا" فجاء في الحديث ما وقع في غزوة الخندق من قوله ﵊: ((وأنا والله ما صليتها)) هذه ظاهرة، علاقة ظاهرة، لكن مثل باب القسامة في الجاهلية، ثم ذكر تحت هذه الترجمة القصة التي ذكرها عمرو بن ميمون من أن قردةً في الجاهلية زنت فاجتمع عليها قردة فرجموها، القسامة في الجاهلية، الرابط لا يكاد يدرك في مثل هذا. يقول: ذكر أحد المختصين في علوم الحديث أن فتح الباري لابن رجب -رحمه الله تعالى- والمطبوع بتحقيق ثمانية من المحققين يوجد فيها سقط في عدة مواضع. نعم المطبوع من فتح الباري فيه سقط بلا شك، فيه خروم في أثنائه، اعتمدوا على نسخ وتتفق هذه النسخ على كثيرٍ من المواضع التي فيها الخروم، أما أنه يقول: يوجد فيها سقط في عدة مواضع مع العلم بأن المخطوط لا سقط فيه. هذا الكلام ليس بصحيح، جميع النسخ الموجودة الآن فيها خروم. موسوعة الأطراف لزغلول تحيل على الفتح، يقول: فما الرأي بطريقة زغلول بالإحالة عليه؟ أولاً: الفتح لنعرف كما سيأتي قريباً أنه ليس فيه متن، الحافظ لم يذكر المتن، والمتن المطبوع معه ملفق كما ستأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-. يقول: يحتج بعض الأخوة عندما ينصحون بدراسة علم مصطلح الحديث بأنه من علوم الآلة لا من العلوم الأساسية التي يحتاجها الفرد؟ نعم، هو من الوسائل التي تخدم هذا العلم العظيم، فالهدف من مصطلح الحديث معرفة المقبول والمردود من السنة، ووسيلة إلى معرفة ما يقبل وما يرد من السن، لكن كيف نعرف المقبول لنعمل به والمردود لنجتنبه إلا بواسطة هذا العلم؟! فهو من أهم المهمات، يقاربه مصطلح أو قواعد التفسير أو أصول الفقه كذلك، كلها تخدم وإن كانت من علوم الآلة ومثلها علوم العربية بفروعها، إلا أنها مما يضطر إليه طالب العلم.

стр. 38

يقول: الرجاء ذكر ما تميّز به كل شرح من شروح البخاري عن غيره، فمن المعلوم أن هناك من تميّز بضبط أسماء الرواة وآخر في الأحكام وآخر في جمع الطرق .. الخ؟ هذا هو المقصود من هذه المحاضرات ومن هذه الدروس، وما تقدم بُيّن ووضّح، الكتب التي عرضت سابقاً بيّن فيها ما يمتاز بها كل كتاب، وكذلك الكتب اللاحقة، واليوم عن ثلاثة كتب هي في الحقيقة أهم شروح البخاري، ولعل الوقت يسعف بإكمال الحديث عنها. شرح ابن حجر (فتح الباري شرح صحيح البخاري): فأولها: (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، هذا الكتاب هو أعظم شروح البخاري، اللهم إلا أنه لو كمل شرح ابن رجب لكان منافساً له، يقع الكتاب في ثلاثة عشر مجلداً كباراً إضافةً إلى مقدمةً وافية في مجلد كبير أسماها مؤلفها (هدي الساري) المقدمة مرتبة على عشرة فصول. الأول: في بيان السبب الباعث على تنصيف البخاري لكتابه. والثاني: في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه، والكلام على تحقيق شرطه، وتقرير كونه من أصح الكتب المصنفة في الحديث، ويلتحق بذلك الكلام على تراجمه البديعة المنال، المنيعة المثال التي انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه. الثالث: في بيان الحكمة في تقطيعه للحديث واقتصاره وفائدة إعادته للحديث وتكراره. المعذرةً للإخوان يمكن يصير في السرد شيء من السرعة؛ لأن الكلام طويل، وهذه الكتب إن لم تكن هي بيت القصيد فهي من أهم المهمات. الرابع: في بيان السبب في إيراده الحديث أو الأحاديث المعلقة والآثار الموقوفة مع أنها تباين أصل موضوع الكتاب، نعم أصل موضوع الكتاب للأحاديث المرفوعة لا للآثار الموصولة، لا للمعلقة ولا المقطوعة، المقصود أن هذا أصل موضوع الكتاب؛ لكن أردف ما جاء في أصله بما أثبته تبعاً لذلك من الموقوفات والمعلقات. الخامس: في ضبط الغريب الواقع في متونه، مرتباً له على حروف المعجم بألخص عبارة وأخلص إشارة، لتسهل مراجعته ويخف تكراره. السادس: في ضبط الأسماء المشكلة التي فيه، وكذا الكنى والأنساب.

стр. 39

السابع: في تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كانت يكثر اشتراكها كمحمد، لا من يقل الاشتراك فيه كمسدد، وفيه الكلام على جميع ما فيه من مهملٍ ومبهمٍ على سياق الكتاب مختصراً. الثامن: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليها حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني، والجواب عنها حديثاً حديثاً وإيضاح أنه ليس فيها ما يخل بشرطه الذي حققناه. التاسع: في سياق جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعض من يقوى جانب القدح فيه، إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه. العاشر: في سياق فهرسة الكتاب باباً باباً، وعدة ما في كل باب من الحديث، ومنه تظهر عدة أحاديثه بالمكرر أوردته تبعاً للنووي، أورده الحافظ تبعاً للنووي، والعيني أورده تبعاً للنووي، وكلهم يقولون: تبركاً به، ومعلوم ما في هذي الكلمة من المخالفة، يقول: ثم أضفت إليه مناسبة ذلك مما استفدته من شيخ الإسلام أبي حفصٍ البلقيني، ثم أردفته بسياق أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم كتابه من غير تكرير، ثم ختمت المقدمة بترجمةٍ كاشفة عن خصائص الإمام البخاري ومناقبه جامعةً لمآثره ليكون ذكره واسطة عقد نظامها، وسر مسك ختامها.

стр. 40

هذه الفصول العشرة التي اشتملت عليها مقدمة فتح الباري، ويمكن للطالب في الأسفار أن يقتصر على هذه المقدمة لطول الكتاب، فإذا قرأ في المتن ومرّ عليه اسم مهمل يحتاج إلى تمييز يرجع إلى هذه المقدمة، مر عليه حديث مقدوح فيه يرجع إلى هذه المقدمة، مرّ عليه راوٍ متكلم فيه يرجع إلى هذه المقدمة، فهي كالشرح المختصر أفردها الحافظ -رحمه الله تعالى- لأهمية مباحثها، ثم في آخر المقدمة ذكر الحافظ منهجه في شرح أحاديث الكتاب فقال: "أسوق الباب وحديثه أولاً"، يذكر الترجمة ثم يذكر الحديث، وهذا عدل عنه على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، يقول: "ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتماتٍ وزيادات وكشف غامضٍ وفصيح مدلسٍ بسماعٍ ومتابعة سامعٍ من شيخٍ اختلط قبل ذلك، منتزعاً ذلك كله من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك" يعني الحافظ إذا أورد حديثاً في الشرح وسكت عليه، ولم يتعقبه بضعف شرطه في ذلك الصحة أو الحسن، وسيأتي ما يخل بهذا الشرط، "ثالثاً: أصل ما انقطع من معلقاته وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد"، يقول: "أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماءً وأوصافاً مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية، تنبيه على النكت البيانية ونحو ذلك، أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية"، يقول: "مقتصر على الراجح من ذلك متحرياً للواضح دون المستغلق في تلك المسالك، مع الاعتناء بالجمع بينما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه، والظاهر بمؤوله، والإشارة إلى نكتٍ من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية، ونخبٍ من الخلافات المذهبية، بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة، واتسع له فهمي من المقاصد المهمة، وأراعي في هذا الأسلوب -إن شاء الله تعالى- في كل باب، فإن تكرر المتن في بابٍ بعينه غير باب تقدم نبهت على حكمة التكرار، من غير إعادة له؛ إلا أن يتغاير لفظه
следующие страницы →