بقلبه وفعله، وكل إليه، أي: وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلقت نفسه بالله، وأنزل حوائجه بالله، والتجأ إليه، وفوض أمره كله إليه، كفاه كل مؤنة، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن
إلى علمه وعقله ودوائه وتمائمه، واعتمد على حوله وقوته، وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ١. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد المؤدب، ثنا من سمع: "عطاء الخراساني، قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز. قال: "نعم، أوحى الله ﵎ إلى داود: يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجًا، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي واد هلك".
قال: وروى الإمام أحمد: "عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه" ٢.
ش: الحديث رواه الإمام أحمد عن يحيي بن إسحاق، والحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن ابن لهيعة، وفيه قصة، فاختصرها المصنف، وهذا لفظ الحسن. قال: حدثنا ابن لهيعة: ثنا عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان قال: ثنا: "رويفع بن ثابت قال: كان أحدنا في زمان رسول الله ﷺ يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل
стр. 142
والريش، والآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ "يا رويفع لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه". ثم رواه أحمد عن يحيى بن غيلان، ثنا المفضل، حدثني عياش بن عباس أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان القتباني يقول: استخلف مسلمة بن مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على أسفل الأرض، قال: فسرنا معه، فقال: قال لي رسول الله ﷺ ... الحديث.
وفي الإسناد الأول ابن لهيعة، وفيه مقال، وفي الثاني شيبان القتباني قيل فيه: مجهول، وبقية رجالهما ثقات. ورواه أبو داود من طريق المفضل به مطولاً وسكت عليه، ثم قال: حدثنا يزيد بن خالد، أنا مفضل عن عياش أن شييم بن بيتان أخبره أيضًا بهذا الحديث عن أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو يذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليون.
قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل. قلت: وهذا إسناد جيد. رواه النسائي من رواية شييم عن رويفع، وصرح بسماعه منه ولم يذكر شيبان، فإن كان ذكر شيبان وهمًا فالإسناد صحيح، وحسنه النووي، وصححه بعضهم. قال الحافظ أبو زرعة [بن العراقي] في "شرح أبي داود": ورواه الطحاوي مختصرًا فذكر منه الاستنجاء برجيع دابة أو عظم فقط. ورواه محمد بن الربيع الجيزي في كتاب من دخل مصر من الصحابة أولاً، وفيه أن من عقد لحيته في الصلاة.
قوله: "فأخبر الناس". دليل على وجوب إخبار الناس بذلك على رويفع، وليس هذا مختصًا به، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس، وجب عليه تبليغه للناس، وإعلامهم به فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك، فالتبليغ فرض كفاية. هذا كلام أبي زرعة.
قوله: "لعل الحياة تطول بك". علم من إعلام النبوة، لأنه وقع
стр. 143
كما أخبر به ﷺ ، فإن رويفعًا طالت حياته إلى سنة ست وخمسين، فمات فيها ببرقة من أعمال مصر أميرًا عليها، وهو من الأنصار. وقيل: مات سنة ثلاث وخمسين، قاله ابن يونس.
قوله: أن من عقد لحيته. بكسر اللام لا غير، قاله في "المشارق" والجمع لحى، بالكسر والضم، قاله الجوهري.
قال الخطابي: وأما نهيه عن عقد اللحية، فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه من ذلك في الحروب، كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها.
قلت: كأنهم كانوا يفعلونه تكبرًا وعجبًا، كما ذكره أبو السعادات.
قال: ثانيهما: أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث.
وقال أبو زرعة بن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة كما دلت عليه رواية محمد بن الربيع المتقدم ذكرها، فهو موافق للحديث الصحيح في النهي عن كف الشعر والثوب فإن عقد اللحية فيه كفها وزيادة.
قوله: "أو تقلد وترًا". أي: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته ونحو ذلك.
وفي رواية محمد بن الربيع: أو تقلد وترًا، يريد تميمة،
فهذا يدل على أنهم كانوا يتقلدون الأوتار من أجل العين، إذ فسره بالتميمة وهي تجعل لذلك.
قوله:"أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه". قال النووي: أي: بريء من فعله. وقال بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر.
قلت: فيه النهي عن الاستنجاء برجيع الدواب والعظام.
وقد ورد في ذلك أحاديث، منها: ما في "صحيح مسلم" عن ابن
стр. 144
مسعود مرفوعًا: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن" ١. وعلى هذا فلا يجزئ الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد، واختار شيخ الإسلام وجماعة الإجزاء وإن كان محرمًا.
قالوا: لأنه لم ينه عنه لكونهما لا ينقيان، بل لإفسادهما. قلت: الأول أولى، لما رواه ابن خزيمة، والدارقطني من طريق الحسن بن الفرات، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ "نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران". وهذا إسناد جيد.
قال: وعن سعيد بن جبير، قال:"من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة". رواه وكيع.
ش: هذا عند أهل العلم له حكم الرفع، لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون على هذا مرسلاً، لأن سعيدًا تابعي، وفيه فضل قطع التمائم، لأنها من الشرك.
ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي،
ثقة إمام، صاحب تصانيف منها "الجامع" وغيره.
روى عنه الإمام أحمد وطبقته. مات سنة سبع وتسعين ومائة.
قال: وله عن إبراهيم، كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
ش: إبراهيم: هو إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران، ثقة إمام، من كبار فقهاء الكوفة.
قال المزني: دخل على عائشة ولم يثبت له سماع منها، مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة ونحوها.
قوله:"كانوا يكرهون التمائم ... " إلى آخره.
مراده بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني، ومسروق والربيع بن خيثم وسويد بن غفلة وغيرهم من أصحاب ابن مسعود وهم من سادات التابعين، وهذه الصيغة يستعملها
стр. 145
إبراهيم في حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحفاظ كالعراقي وغيره.
стр. 146
[٣- باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما]
ش: كبقعة وغار وعين وقبر ونحو ذلك مما يعتقد كثير من عباد القبور وأشباههم فيه البركة فيقصدونه رجاء البركة.
ويعني بقوله: تبرك أي: طلب البركة ورجاها واعتقدها، أي: ما حكمه هل هو شرك أم لا؟ .
[ذكر صفة الأوثان التي كانت تعبد من دون الله]
قال: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
ش: هكذا ثبت في خط المصنف الآيات يعني إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ . قال القرطبي لما ذكر الوحي إلى النبي ﷺ وذكر من آثار قدرته ما ذكر، حاج المشركين، إذ عبدوا ما لا يعقل وقيل: أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أوحَيْنَ إليكم شيئًا كما أوحي إلى محمد ﷺ ؟ وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال. وقال ابن هشام [بن الكلبي في الأصنام] : كانت مناة لهذيل وخزاعة.
ذكر صفة هذه الأوثان.
ليعرف المؤمن كيفية الأوثان، وكيفية عبادتها، وما هو شرك العرب الذين كانوا يفعلونه حتى يفرق بين التوحيد والإخلاص وبين الشرك والكفر.
فأما اللات فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب: اللات
стр. 147
بتشديد التاء.
١- فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله والعزى من العزيز.
قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من الله تعالى، فقالوا: اللات مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال: وكذا العزى من العزيز.
قال ابن كثير: وكانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة١، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.
قال ابن هشام [بن الكلبي] : وكانت في موضع مسجد الطائف اليسرى، فلم يزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار.
٢- وعلى الثانية قال ابن عباس: كان رجلاً يَلُتُّ٢ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره. ذكره البخاري.
وقال ابن عباس كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويلته عليها، فلما مات ذلك الرجل، عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظامًا لصاحب السويق. وعن مجاهد نحوه، وقال: فلما مات عبدوه. رواه سعيد بن منصور والفاكهي، وكذا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنهم عبدوه.
وقال ابن جُريج: كان رجل من ثقيف يَلُتُّ السويق بالزيت، فلما توفي جعلوا إلى قبره وثنا،. وبنحو ذلك قال
стр. 148
جماعة من أهل العلم، ولا تخالف بين القولين، فإن من قال: إنها صخرة لم ينف أن تكون صخرة على القبر أو حواليه فعظمت وعبدت تبعًا لا قصدًا، فالعبادة إنما أرادوا بها صاحب القبر، فهو الذي عبدوه بالأصالة; يدل على ذلك ما روى الفاكهي عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لُحَيْيّ: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها، وبنوا عليها بيتًا، فتأمل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور والعكوف عندها ودعائها، وجعلها ملاذًا عند الشدائد.
وأما العزى فقال ابن جرير: كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: "لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم" ١. وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات٢ فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى يا عزى فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحفن التراب على رأسها فعمّمها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: تلك العزى" قال هشام [بن الكلبي] : وكانوا يسمعون منها الصوت. وقال أبو صالح [با ذام مولى أم هانئ] : "العزى نخلة كانوا يعلقون عليها السيور والعهن". رواه عبد بن حميد وابن جرير.
فتأمل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين ما يفعله عباد القبور من دعائها، والذبح عندها، وتعليق الخيوط وإلقاء الخرق في ضرائح الأموات ونحو ذلك، فالله المستعان.
стр. 149
وأما مناة، فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها، ويهلون مهنا للحج إلى الكعبة وأصل اشتقاقها من اسم الله المنان،
وقيل: من منى الله الشيء: إذا قدره. وقيل: سميت مناة لكثرة ما يمنى، أي: يراق عندها من الدماء للتبرك بها.
قال هشام [بن الكلبي] : فبعث رسول الله ﷺ عليًا فهدمها عام الفتح.
قال ابن إسحاق في "السيرة": وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده.
قلت: هذا الذي ذكره ابن إسحاق من شرك العرب هو بعينه الذي يفعله عباد القبور، بل زادوا على الأولين.
إذا تبين هذا فمعنى الآية كما قال القرطبي: إن فيها حذفًا تقديره: أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله؟!.
وقال غيره: ومناة الثالثة الأخرى، ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله: ﴿وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف، من الآية: ٣٩] ، أي وضعاؤهم لرؤسائهم.
وقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ . قال ابن كثير: أي أتجعلون له ولدًا وتجعلون ولده الأنثى، وتختارون لكم الذكور؟! وقال غيره: بجوز أن يراد اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم، أو ينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسمونهن آلهة؟!. قلت: ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية؟!
وقوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ، أي: جور وباطلة، فكيف. تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا، فتنْزهون أنفسكم عن الإناث، وتجعلونهن لله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؟!.
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾ .
قال ابن كثير،
стр. 150
ثم قال منكرًا عليهم فيما ابتدعوه، وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام، وتسميتها آلهة: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ، أي: من تلقاء أنفسكم. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ، أي: من حجة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنّ﴾ ، أي: ليس لهم
مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ أنفسهم في رياستهم، وتعظيم آبائهم الأقدمين! .
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١.
ش: قال ابن كثير: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له.
قلت: في هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت، وأشباهها بما لا مزيد عليه، فسبحان من جعل كلامه شفاء وهدى ورحمة، وبشرى للمسلمين.
منها: أنها أسماء مؤنثة دالة على اللين والرخاوة، وما كان كذلك فليس بإله, ومنها: أنكم قاسمتم الله بزعمكم فجعلتم له هذه الأسماء المؤنثة شركاء ودعوتم له الأولاد، ثم جعلتموهم بنات واختصصتم بالذكور، فجعلتم له المكروه الناقص، ولكم المحبوب الكامل: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
ومنها: أنها أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ابتدعتموها.
ومنها: أنها ما أنزل الله بها من سلطان، أي: حجة وبرهان، ومنها أنكم لم تستندوا في تسميتها إلى علم ويقين، وإنما استندتم في ذلك إلى الظن والهوى اللذين هما أصلا الهلاك دنيا وأخرى.
ومنها: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ، أي: بإبطال عبادتها، وما كان كذلك، فهو عين المحال البين البطلان، وكل واحد من هذه الأدلة كاف شاف في بطلان عبادتها.
стр. 151
فإن قلت: فأين دليل الترجمة من الآيات؟ قيل: هو بيّن بحمد الله، لأنه إن كان التبرك بالشجر والقبور والأحجار من الأكبر فواضح، وإن كان من الأصغر، فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر.
قال:"وعن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: فقال رسول الله ﷺ الله أكبر إنها السنن، قلتم: والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إِلهًا كما لهم آلهة. قال: إِنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم" ١. رواه الترمذي وصححه.
ش: الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف: ولفظه: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي "أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم" ٢ هذا حديث حسن صحيح.
وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي هريرة، هذا لفظ الترمذي بحروفه.
وفيه مخالفة لما في الكتاب لفظًا ومعنى، وقد اتفق اللفظان على المقصود هنا. وقد رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه. وروى ابن أبي
стр. 152
حاتم وابن مردويه والطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف [بن زيد] عن أبيه عن جده نحوه أيضًا.
قوله: "عن أبي واقد الليثي". اسمه الحارث بن عوف، كما قال الترمذي، وقيل: الحارث بن مالك، صحابي مشهور. مات سنة ثمان وستين وله خمس وثمانون سنة.
قوله: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين) . في حديث عمرو بن عوف، قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف". ولا مخالفة بينهما في المعنى، فإن غزوة الفتح وحنين كانتا في سفر واحد.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر". أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادات الباطلة، ذكره المصنف.
قوله:"يعكفون عندها". الاعتكاف: هو الإقامة على الشيء بالمكان، ولزومها، ومنه قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ١. وكانوا يعكفون عند هذه السدرة تبركًا بها. وفي حديث عمرو بن عوف قال،: كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله ﷺ صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها. الحديث فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها.
قوله: "وينوطون بها أسلحتهم"، أي: يعلقونها عليها للبركة
قوله: يقال لها: ذات أنواط.
قال أبو السعادات: سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك.
وأنواط جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط.
قوله: (فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط) . أي. شجرة
стр. 153
مثلها نعلق عليها، ونعكف حواليها، ظنوا أن هذا أمر محبوب عند الله فقصدوا التقرب إلى الله بذلك، وإلا فهم أجل قدرًا، وإن كانوا حديثي عهد بكفر عن قصد مخالفة النبي ﷺ .
قوله: "فقال النبي ﷺ الله أكبر". هكذا في بعض الروايات. وفي رواية الترمذي "سبحان الله" والمقصود باللفظين واحد، لأن المراد تعظيم الله، وتنْزيهه عن الشرك، والتقرب به إليه، وفيه تكبير الله وتنْزيهه عند التعجب، أو ذكر الشرك، خلافًا لمن كرهه.
قوله: "إنها السنن". بضم السين،- أي: الطرق.
قوله: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها. إلخ". أخبر ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركاً كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى ﵇ حيث قالوا: (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) ، فإذا كان اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والذبح، والنذر لهم، والطواف بقبورهم، وتقبيلها، وتقبيل أعتابها وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟! وأي نسبة بين هذا، وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا؟!
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي من أئمة المالكية: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها.
وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة في كتاب "البدع والحوادث": ومن هذا القسم
стр. 154
أيضًا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحما خارج باب توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث! ثم ذكر الحديث المتقدم، وكلام الطرطوشي الذي ذكرنا، ثم قال: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني رحمه الله تعالى أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد ابن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها وأذن الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن.
قلت: أبو إسحاق الذي هدمها إمام مشهور من أئمة المالكية زاهد اسمه إبراهيم بن أحمد بن علي بن أسلم، وكان الإمام أبو محمد ابن أبي زيد يعظم شأنه، ويقول: طريق
стр. 155
أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، وكان القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به. مات سنة تسع وستين وثلاثمائة.
وذكر ابن القيم نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له.
وسيأتي شيء يتعلق بهذا الباب عند قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" ١. وفي هذه الجملة من الفوائد:
أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها، هو الشرك، ولا يغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون هذا شركًا، ويقع في هذه الأمة. فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنًا، وطلبوه من النبي ﷺ حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلهًا، فكيف بغيرهم مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟ .
وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم والنذر ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس على ذلك.
وفيها: أن من عبد فهو إله، لأن بني إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ ،لم يريدوا من الأصنام والشجرة الخلق والرزق، وإنما أرادوا البركة، والعكوف عندها، فكان ذلك اتخاذًا له مع الله تعالى.
وفيها: أن معنى الإله هو المعبود، وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهي عن ذلك فانتهى لا يكفر. وأن لا إله إلا الله
стр. 156
تنفي هذا الفعل مع دقته وخفائه على أولئك الصحابة. ذكره المصنف، فكيف بما هو أعظم منه؟ ففيه رد على الجهال الذين يظنون أن معناها الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وأن ما سواه مخلوق ونحو ذلك من العبارات، والإغلاظ على من وقع منه ذلك جهلاً.
قوله: "لتركبن"، بضم الموحدة، أي: لتتبعن أنتم أيها الأمة سنن من كان قبلكم بضم السين، أي: طرقهم ومناهجهم وأفعالهم، ويجوز فتح السين، وهذا خبر صحيح وجد كما أخبر ﷺ ففيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية من أهل الكتاب والمشركين، وأنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيها التنبيه على مسائل القبر، أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلهًا إلى آخره، قاله المصنف. وفيه أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة كما وقع فيمن قبلها، ففيه رد على من قال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وفيه سد الذرائع والغضب عند التعليم، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى، فإنه لنا لنحذره، ذكر ذلك المصنف.
تنبيه: ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك أبو زكريا النووي في "شرح مسلم" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئًا من ذلك مع النبي ﷺ وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ .
وهذا خطأ صريح لوجوه: منها: عدم المقاربة فضلاً عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة. ومنها: عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين،
стр. 157
ومن شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم، فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم. ومنها: أنا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلاً للتبرك بآثاره.
ومنها: أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وكذلك التابعون، هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني، والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ .
ومنها: أن فعل هذا مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم.
стр. 158
[باب ما جاء في الذبح لغير الله]
أي: من الوعيد، وهل يكون شركًا أم لا؟ .
قال وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ... ﴾ ١.
ش: قال ابن كثير: يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢. أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمر الله بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية، والعزم على الإخلاص لله تعالى.
قال مجاهد في قوله: ﴿صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ .
стр. 159
قال: النسك الذبح في الحج والعمرة، وقال الثّووي عن السدي عن سعيد بن جبير: ﴿وَنُسُكِي﴾ : ذبحي، وكذا قال الضحاك. وقال غيره: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ ، أي وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خالصة لوجهه، ﴿لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ﴾ من الإخلاص ﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، لأن إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته كما قال قتادة: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، أي: من هذه الأمة.
قال ابن كثير: وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. وأخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه
قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢. وذكر آيات في هذا المعنى.
قلت: وفي الآية دلائل متعددة على أن الذبح لغير الله شرك، كما هو بين عند التأمل، وفيها بيان العبادة، وأن التوحيد مناف للشرك مضاد له.
قال وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٣. قال شيخ الإسلام: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما: الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار، وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر. ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية. والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه، فإنها أجل ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب، لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر، وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة
стр. 160
لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية.
وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين، وحسن الظن أمر عجيب. وكان النبي ﷺ كثير الصلاة، كثير النحر.
وقال غيره: أي: فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك، من منن الخلق مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان. انتهى. وهذا هو الصحيح في تفسيرها.
وأما ما رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا أحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع" الحديث. فهو حديث منكر جدًا، في إسناده إسرائيل بن حاتم، قال ابن حبان: يروي عن مقاتل الموضوعات والأوابد والطامات من ذلك خبر يرويه عمر بن صبح عن مقاتل، وظفر به إسرائيل فرواه عن مقاتل عن الأصبغ بن نباته عن علي لما نزلت: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الحديث.
[حديث علي: لعن الله من ذبح لغير الله]
قال عن علي ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض" ٢. رواه مسلم.
ش: الحديث رواه مسلم من طرق بمعنى ما ذكره المصنف، وفيه قصة ورواه الإمام أحمد كذلك. وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي ﷺ . وزوج ابنته
стр. 161
فاطمة الزهراء -واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي- كان من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه كثيرة ﵁. قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين.
قوله:"لعن الله". قالوا: اللعنة: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها. فيل: واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها قال أبو السعادات: أصل اللعنة، الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السّبّ والدعاء.
قوله:"من ذبح لغير الله". قال النووي. المراد به أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى، كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم، أو للكعبة ونحو ذلك، وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له، كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا. ذكره في "شرح مسلم" ونقله غير واحد من الشافعية وغيرهم.
وقال شيخ الإسلام قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ١. ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقال: هذه الذبيحة لكذا. وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحنا للحم، وقلنا عليه: بسم الله. فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره. والنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل
стр. 162
فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا، فلو ذبح لغير الله متقرّباً إليه لَحَرُم َ، وإنْ قال فيه: باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.
ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن ولهذا روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن ذبائح الجن" قلت: هذا الحديث رواه البيهقي عن الزهري مرسلاً، وفي إسناده عمر بن هارون، وهو ضعيف عند الجمهور إلا أن أحمد بن سيار روى عن قتيبة أنه كان يوثقه ورواه ابن حبان في الضعفاء من وجه آخر عن عبد الله بن أذينة عن ثور بن يزيد، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال ابن حبان: وعبد الله يروي عن ثور ما ليس من حديثه. قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة خوفًا أن تصيبهم الجن، فأضيفت الذبائح إليهم، لذلك قال النووي: وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله. قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة المولود. قلت: إن كانوا يذبحون استبشارًا كما ذكر الرافعي فلا يدخل في ذلك، وإن كانوا يذبحونه تقربًا، إليه فهو داخل في الحديث.
قوله:"لعن الله من لعن والديه". قال بعضهم: يعني أباه وأمه
стр. 163
وإن علوا وفي "الصحيح" أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الكبائر شتم الرجل والديه". قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه" ١ فإذا كان هذا حال المتسبب فما ظنك بالمباشر؟ .
قوله: "ولعن الله من آوى محدثًا". أما "آوى" بفتح الهمزة ممدودة أي: ضم إليه وحمى، وقال أبو السعادات: يقال: أويت إلى المنْزل وآويت غيري وأويته، وأنكر بعضهم المقصور المتعدي. وقال الأزهري: هي لغة فصيحة.
وأما "محدثًا" فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح: هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر عليها فاعلها، ولم ينكر عليه، فقد آواه. قلت: الظاهر أنه على الرواية الأولى يعم المعنيين، لأن المحدث أعم من أن يكون بجناية أو ببدعة في الدين، بل المحدث بالبدعة في الدين شر من المحدث بالجناية، فإيواؤه أعظم إثمًا، ولهذا عده ابن القيم في كتاب "الكبائر" وقال: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر، كانت الكبيرة أعظم
قوله:"ولعن الله من غير منار الأرض". قال المصنف: هي المراسيم التي تفرق بينك وبين جارك. وقال النووي: منار الأرض -بفتح الميم- علامات حدودها، والمعنى واحد. قيل: وتغييرها أن يقدمها أو يؤخرها، فيكون هذا من ظلم الأرض الذي قال فيه ﷺ : "من ظلم شبرًا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين". رواه البخاري ومسلم.
стр. 164
وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق، كقوله:"لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" ١. ونحو ذلك، فأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: ذكرهما شيخ الإسلام أحدهما: أنه جائز اختاره ابن الجوزي وغيره. والثاني: لا يجوز، اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام. قال: والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين كالحجاج وأمثاله، وأن يقول كما قال الله تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
قال: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئًا. فقالوا لأحدهما: قرب. قال: ما عندي شيء. قالوا: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله . فضربوا عنقه، فدخل الجنة". رواه أحمد
ش: هذا الحديث. ذكره المصنف معزوًا لأحمد، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه لأحمد.
قال ابن القيم: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب". الحديث.
وقد طالعت "المسند" فما رأيته فيه، فلعل الإمام رواه في كتاب الزهد٣ أو غيره.
قوله: (عن طارق بن شهاب) . أي: البجلي الأحمسي أبو عبد الله رأى النبي ﷺ وهو رجل، ويقال: إنه لم يسمع منه شيئًا. قال البغوي: ونزل الكوفة. قال أبو حاتم: ليست له صحبة. والحديث الذي رواه مرسل. وقال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا.
стр. 165
قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عن مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح. وقد أخرج له النسائي عدة أحاديث، وذلك مصير منه إلى إثباتِ صحبته. وكانت وفاته على ما جزم به ابن حبان سنه ثلاث وثمانين.
قوله: "دخل الجنة رجل في ذباب". أي: من أجل ذباب.
قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله". سألوا عن هذا الأمر العجيب؛ لأنهم قد علموا أن الجنة لا يدخلها أحد إلا بالأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿دْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. وأن النار لا يدخلها أحد إلا بالأعمال السيئة. فكأنهم تَقَالُّوا ذلك وتعجبوا واحتقروه، فبين لهم النبي ﷺ ما صَيَّرَ هذا الأمر الحقير عندهم عظيما يستحق هذا عليه الجنة، ويستحق الآخر عليه النار، ولعل هذين الرجلين من بني إسرائيل، فإن النبي ﷺ . يحدثهم عن بني إسرائيل كثيرًا.
قوله: "فقال: مر رجلان على قوم لهم صنم". الصنم: ما كان منحوتًا على صورة. قوله: "لا يجاوزه". أي: لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب له شيئًا وإن قل.
قوله: "قالوا: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار".
في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار، لإشراكه في عبادة الله، إذ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٢. وفيه الحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان، كما قال أنس: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات". رواه البخاري.
стр. 166
قال المصنف ما معناه: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده، بل فعله تخلصًا من شرهم.
وفيه أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
قوله: "وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله " إلى آخره. في هذا بيان فضيلة التوحيد والإخلاص. قال المصنف: وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين،. كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر، وفيه شاهد للحديث الصحيح: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" ١.
قلت: وفيه التنبيه على سعة مغفرة الله وشدة عقوبته، وأن الأعمال بالخواتيم.
стр. 167
[٥- باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله]
ش: أي أن ذلك لا يجوز لما سيذكره المصنف.
قال: وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١.
ش: "حاصل كلام المفسرين في الآية أن الله نهى رسوله ﷺ أن يقوم في مسجد الضرار في الصلاة فيه أبدًا، والأمة تبع له في ذلك، ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني فيه على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله ﷺ وجمعًا لكلمة المؤمنين، ومعقلاً ومنْزلاً للإسلام وأهله بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح "أن رسول الله ﷺ قال: صلاة في
стр. 168
مسجد قباء كعمرة" ١. وفي "الصحيح: "أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبًا وماشيًا" ٢. وقد صرح بأن المسجد المؤسس على التقوى هو مسجد قباء.
ذكره جماعة من السلف، منهم: ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغير واحد. وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ لحديث أبي سعيد قال: "تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ "هو مسجدي هذا" ٣ رواه مسلم. وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم. قال ابن كثير: وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى. وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤. فلهذه الأمور نهى الله نبيه ﷺ عن القيام فيه للصلاة، وكان المنافقون الذين بنوه جاءوا إلى النبي ﷺ قبل خروجه إلى تبوك فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره. وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله" فلما قفل ﵇ راجعًا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى المدينة" ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس، لأنه إذا منع الله رسوله ﷺ عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله، لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به، يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي.
стр. 169
وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ روى الإمام أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم في ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا" ١. وفي رواية عن جابر وأنس مرفوعًا "هو ذاك فعليكموه" رواه ابن ماجة وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ . أي: الذين يتنزهون من القاذورات والنجاسات بعد ما يتنَزهون من أوضار الشرك وأقذاره. قال أبو العالية. إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب.
قال ابن كثير: وفيه دليل على استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المتنَزهين عن ملابسة القاذورات، المحافظين على إسباغ الوضوء. قلت: وفيه إثبات صفة المحبة.
قال: عن ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل أن ينحر إِبلًا ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢. رواه أبو داود وإِسناده على شرطهما.
ش: هذا الحديث رواه أبو داود، فقال: حدثنا داود بن رشيد قال: ثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك. "قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ "هل كان فيها وثن." الحديث.
وهذا إسناد جيد، وروى أبو داود أيضًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده "أن
стр. 170
امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال: "لصنم"، قالت: لا. قال: "لوثن؟ " قالت: لا قال: "أوف بنذرك" ١. مختصر. ومعنى قوله: "لصنم" إلى آخره. هل يذبحون فيه لصنم أو وثن فيكون كحديث ثابت.
قوله: (عن ثابت بن الضحاك) ، أي: ابن خليفة الأشهلي، صحابي مشهور، روى عنه أبو قلابة وغيره ومات سنة أربع وستين. قوله: نذر رجل. يحتمل أن يكون هو كردم بن سفيان والد ميمونة لما روى أبو داود عنها، "قالت: خرجت مع أبي في حجة رسول الله ﷺ فرأيت رسول الله ﷺ "قالت: فدنا إليه أبي. فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن وُلِدَ لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من النعم. قال: لا أعلم إلا أنها قالت خمسين. فقال رسول الله ﷺ هل بها من هذه الأوثان شيء؟ قال: لا قال: فأوف بما نذرت لله" وذكر الحديث.
قوله: "أن ينحر إبلًا في حديث ميمونة، قال: فأوف بما نذرت لله قال: فجمعها فجعل يذبحها، فانفلتت منه شاة فطلبها. وهو يقول: اللهم أوف بنذري فظفر بها فذبحها". فيحتمل أن يكون نذر إبلاً وغنمًا ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين! .
قوله: "ببوانة". بضم الباء وقيل بفتحها. قال البغوي: موضع في أسفل مكة دون يلملم، وقال أبو السعادات: هضبة من وراء ينبع.
قوله: "فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ = " قال [الحرالي] في "عروة المفتاح" الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة. قلت: هذا هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك. وفيه المنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن من أوثانهم، ولو بعد زواله. ذكره المصنف.
стр. 171
قوله: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع الجاهلية، فالعيد يجمع أمورًا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا، فالزمان: كقول النبي ﷺ في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدًا" ١. والاجتماع والأعمال "كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ".
والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا "٢. وقد يكون لفظ العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب " كقول النبي ﷺ لأبي بكر: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا" ٣. انتهى. وفيه استفصال المفتي، والمنع من الوفاء بالنذر إذا
كان في المكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله، والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. ذكره المصنف.
قوله: "فأوف بنذرك". هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغيره، أو في محل أعيادهم معصية، لأن قوله: فأوف بنذرك تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء وجود النذر خاليًا عن هذين الوصفين، فيكونان مانعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به، ولأنه عقبه بقوله: فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله. فدل أن الصورة المسئول عنها مندرجة في هذا اللفظ العام؛ لأن العام إذا أورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجًا فيه، ولأنه لو كان الذبح فيما ذكر جائزًا لسوغ ﷺ للناذر الوفاء به كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به؛ لأنه ﵇
стр. 172
استفصل. فلما قالوا: لا. قال له: "فأوف بنذرك".
وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانًا لعيدهم، أو بها وثن من أوثانهم مانع من الذبح بها وإن نذر، وإلا لما حسن الاستفصال، هذا معنى كلام شيخ الإسلام.
وفيه أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
قوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله". دليل على أن هذا نذر معصية، لا يجوز الوفاء به لما تقدم١. وعلى أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
وقد أجمع العلماء على ذلك لهذا الحديث، وحديث عائشة الآتي وما في معناهما، واختلفوا هل تجب به كفارة يمين؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، أحدهما: تجب وهو المذهب المشهور عن أحمد. وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لحديث عائشة مرفوعًا: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" ٢. رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد وإسحاق. والثاني: لا كفارة عليه. روي ذلك عن مسروق والشعبي، والشافعي لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي. ولم يذكر فيهما كفارة، وجوابه أن عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها.
قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال في "شرح المصابيح": يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه ونحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره، مثاله إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإذا شفي ثبت النذر في ذمته.
стр. 173
قوله: (رواه أبو داود وإسناده على شرطيهما) ، أي: شرط البخاري ومسلم، وأضمرهما للعلم بذلك. وأبو داود اسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر بن شداد الأزدي السجستاني، صاحب الإمام أحمد، ومصنف "السنن" وغيرها ثقة إمام حافظ من كبار العلماء. مات سنة خمس وسبعين ومائتين.
стр. 174
[٦- باب من الشرك النذر لغير الله]
ش: أي إنه من العبادة، فيكون صرفه لغير الله شركًا، فإذا نذر طاعة وجب عليه الوفاء بها وهو عبادة، وقربة إلى الله. ولهذا مدح الله الموفين به، فإن نذر لمخلوق تقربًا إليه ليشفع له عند الله، ويكشف ضره ونحو ذلك فقد أشرك في عبادة الله تعالى غيره ضرورة، كما أن من صلى لله وصلى لغيره، فقد أشرك، كذلك هذا، لقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١ وجه الدلالة من الآية على الترجمة أن الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة، فمن فعل ذلك لغير الله متقربًا إليه فقد أشرك.
قال: وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٢.
وجه الدلالة من الآية على الترجمة أن الله تعالى أخبر بأن ما أنفقناه من نفقة، أو نذرناه من نذر متقربين بذلك إليه أنه يعلمه، ويجازينا عليه. فدل ذلك أنه عبادة. وبالضرورة يدري كل مسلم أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك.
قال ابن كثير: يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات. وتضمن ذلك مجازاته على
стр. 175
ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك، ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده. إذا علمت ذلك فهذه النذور الواقعة من عباد القبور وأشباههم لمن يعتقدون فيه نفعًا أو ضرًا فيتقرب إليه بالنذر، ليقضي حاجته أو ليشفع له. كل ذلك شرك في العبادة، وهو شبيه بما ذكر الله عن المشركين في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١. روى ابن أبي حاتم في الآية. يعني: جعلوا لله جزءًا من الحرث ولشركائهم ولأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا: الله عن هذا غني، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه.
وعباد القبور يجعلون لله جزءًا من أموالهم بالنذر والصدقة، وللأموات والطواغيت جزءًا كذلك، وقد نص غير واحد من العلماء، على أن النذر لغير الله شرك.
قال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنْزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد ويقول ما قال النبي ﷺ حيث قال: "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" ٢. وقال أيضًا فيمن نذر للقبور ونحوها دهنًا لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقول بعض الضالين. فهذا النذر معصية باتفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالاً من النقد أو غيره للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت للات والعزى ومناة يأكلون ﴿أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
стр. 176
والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال فيهم إبراهيم الخليل ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ١. والذين اجتاز بهم موسى ﵇ وقومه؛ قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ ٢. فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل للشريعة في المجاورة فيها نذر معصية، وفيه شبه من النذر للسدنة الصلبان المجاورين عندها، أو لسدنة الأبدال التي في الهند والمجاورين عندها، ثم هذا المال إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع مثل أن يصرفه في عمارة المساجد أو للصالحين من فقراء المسلمين، يستعينون بالمال على عبادة الله كان حسنًا.
وقد تقدم كلام ابن القيم في قوله: ويقولون إنها تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة. إلى آخره.
وقال الإمام الأذرعي " في شرح منهاج النووي": وأما النذر للمشاهد التي بنيت على قبر ولي أو شيخ، أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة من الأنبياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك وهو الغالب أو الواقع من قصود العاقد تعظيم البقعة والمشهد والزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسها، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب به النعماء، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل: إنه جلس إليها أو استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض، وقدوم غائب، وسلامة مال، وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة.
فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقًا، من
стр. 177
ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل ﵇، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء، فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركًا وتعظيمًا، ظانًا أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه. والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به هناك منتفع أم لا إلى آخر كلامه.
وقال الشيخ قاسم [بن قُطُلُبُغَى] الحنفي في "شرح درر البحار": النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية، فيأتي إلى بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء ومن الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه. منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.
ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك.
ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر، إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم فحرام بإجماع المسلمين. نقله عنه ابن نجيم في "البحر الرائق" في آخر كتاب الصوم. ومنه نقله المرشدي أيضًا في "تذكرته" ونقله غيرهما عنه وزاد: وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد أحمد البدوي.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء، وأثبت الأجر في ذلك: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان وفلان فهو لغير الله، فيكون باطلاً.
وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ١. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. أي: صلاتي وذبحي لله، كما فسر به قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٣. وفي
стр. 178
الحديث: "لا نذر في معصية الله" ١. رواه أبو داود وغيره.
والنذر لغير الله إشراك مع الله، إلى أن قال: فالنذر لغير الله كالذبح لغيره. وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين. قال: والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور؟ انتهى ملخصًا.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي: قد نهي عن النذر، وندب إلى الدعاء، والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجه إلى الله تعالى، والتضرع له، وهذا بخلاف النذر فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة.
فقد نص أبو بكر على أن الدعاء والنذر عبادتان، ولا يمتري مسلم أن من عبد غير الله فقد أشرك، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
قال: وفي " الصحيح " " عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ٣.
ش: قوله في "الصحيح" أي: "صحيح البخاري".
قوله: "عن عائشة". هي أم المؤمنين، وزوج النبي ﷺ . وبنت أبي بكر الصديق ﵄، تزوجها النبي ﷺ . وهي بنت سبع سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وهي أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيهما خلاف كثير. وماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح، قاله الحافظ [في التّقريب] .
قوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" أي: فليفعل ما نذره من طاعة الله وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة بشرط يرجوه كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه أن يوفي بها مطلقًا إذا حصل الشرط، إلا أنه حكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء بما لا أصل له في الوجوب،
стр. 179
كالاعتكاف، وعيادة المريض. والحديث حجة عليه، لأنه لم يفرق بين ما له أصل في الوجوب وما لا أصل له، فإنّ نذر ابتداء كقوله: لله تعالى علي صوم شهر فالحكم أيضًا كذلك في قول الأكثرين. وعن بعضهم أنه لا يلزم، والحديث حجة عليه أيضًا، لأنه لم يفرق بين ما علقه على شرط وبين ما نذره ابتداء قوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ١. زاد الطحاوي "وليكفر عن يمينه". قال ابن القطان: عندي شك في رفع هذه الزيادة، أي: لا يفعل المعصية التي نذرها وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية.
قال الحافظ في "الفتح": واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، وتنازعوا هل ينعقد موجبًا للكفارة أم لا؟ وقد تقدم ذلك في الباب قبله.
وقد يستدل بقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" بصحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره. يؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه أحمد والترمذي عن بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: "أوف بنذرك" ٢ وإذا صححناه فحكمه حكم الحلف على فعله، فيخير بين فعله وكفارة اليمين.
وأما نذر اللجاج والغضب، فهو يمين عند أحمد، فيخير بين فعله وكفارة اليمين، لحديث عمران بن حصين مرفوعًا: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" ٣. رواه سعيد [بن منصور] وأحمد، والنسائي، وله طرق، وفيه كلام، فإن نذر مكروها كالطلاق، استحب أن يكفر ولا يفعله.
стр. 180
[باب من الشرك الاستعاذة بغير الله]
الاستعاذة: الالتجاء، والاعتصام، والتحرز، وحقيقتها: الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذًا،