← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تشكو المحبّ وتلفى الدّهر شاكية ... كالقوس تصمي الرّمايا وهي مرنان «١» فإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: يلدغ ويصي، ويضرب ذلك لمن يبتديء بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني أخر غير ما ذكرته، وليس الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة، بل الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. والذي عندي في السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى من المعاني، ولو لفظة واحدة؛ فإن ذلك من أدلّ الدليل على سرقته. واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا، وكنت ألفت فيه كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا. أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب. أما السلخ فهو: أخذ بعض المعنى، مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ. وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة. وههنا قسمان آخرن أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته؛ فأحدهما: أخذ المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده؛ وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ.

стр. 737

وكل قسم من هذه الأقسام يتنوّع ويتفرّع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. ومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا؛ فإنه لا يظفر منها إلا بالحواشي والأطراف؛ وكنت سافرت إلى الشام في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق؛ فوجدت جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها «١» : خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ويزعمون أنه من المعاني الغريبة، وهو: أغار إذا آنست في الحيّ أنّة ... حذارا عليه أن تكون لحبّه فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله «٢» :

стр. 738

لو قلت للدّنف المشوق فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه «١» وقول أبي الطيب أدق معنى، وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي. وسافرت الى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة، وكان حديث عهد بزماننا هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو «٢» : فهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلّا إلى حرم فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض الخلفاء في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات حسنة: يا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم ثم قلت في نفسي: بالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما؟

стр. 739

وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينهما، ولمّا نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب الى الصدور والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور: ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلّا ما حواه الصّدر ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وانفدت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله، فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم، في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم؛ إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل، وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة الوليد وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزّاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء. أما أبو تمام فإنه ربّ معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر؛ فهو غير مدافع عن مقام الإغراب، الذي برز فيه على الأضراب، ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير؛ فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام؛ فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلّم ففوق كل ذي علم عليم. وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنّى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن نفسه؛ فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في

стр. 740

حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه؛ فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية. وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختصّ بالإبداع في وصف مواقف القتال، وأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضلّ بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدّى إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرّط، وهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة «١» : لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتّى أحمد الصّمم ولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة؛ خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من

стр. 741

وجودها، ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها هي التي ألبسته لباس الملام، وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لم عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم؟ فأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها. وقد أوردت في هذا الموضع من السرقات الشعرية ما لم يورده غيري، ونبهت على غوامض منها. وكنت قدمت القول أني قسمتها ألى خمسة أقسام؛ منها الثلاثة الأول، وهي: النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنها القسمان الآخران، وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها؛ فأقول: فأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان: الأول: يسمى وقوع الحافر على الحافر ، كقول امريء القيس «١» : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمّل وكقول طرفة «٢» :

стр. 742

وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد وقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امريء القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق: أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا إنّي إلى الله راجع وكقول جرير: أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إنّي إلى الله راجع ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ، كقول الفرزدق: وغرّ قد نسقت مشهّرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا «١» بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغر ... غرائبهنّ تنتسب انتسابا بلغن الشّمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا وكذلك قال جرير من غير أن يزيد. وقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها «ليلى» كان يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني؟ فقال: ذاك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك! والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان- يعني جريرا- وقد بلغه خبري فقال يهجوني: جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون

стр. 743

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شدّ جربان الدّلاص قيون قال: فو الله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه. ويقال: إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. وهذا عندي مستبعد؛ فإن ظاهر الأمر يدلّ على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى. وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة، المتداولة؛ فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغها الألفاظ؟. ومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها: دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء دارت على فتية ذلّ الزّمان لهم ... فما يصيبهم إلّا بما شاءوا وهذا من عالي الشعر، ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد، وهو: لهفي على فتية ذلّ الزّمان لهم ... فما أصابهم إلّا بما شاءوا وما أعلم كيف هذا. الضرب الثاني من النسخ: وهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء: أجاد طويس والسّريجيّ بعده ... وما قصبات السّبق إلّا لمعبد ثم قال أبو تمام: محاسن أصناف المغنّين جمّة ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد

стр. 744

وهذه قصيدة أولها: غدت تستجير الدّمع خوف نوى غد «١» فقال: وقائع أصل النّصر فيها وفرعه ... إذا عدّد الإحسان أو لم يعدّد فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن ممّا فعلت مردّد محاسن أصناف المغنين جمة البيت. وأما السلخ: فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه. فالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه ، ولا يكون هو إياه، وهذا من أدقّ السرقات مذهبا، وأحسنها صورة، ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة: لقد زادني حبّا لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امريء غير طائل أخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، فقال: وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشّهادة لي بأنّي فاضل والمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني، وبيانه أن الأول يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلى: أي جمّلها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي والمتنبي يقول: إن ذمّ الناقص إياي شاهد بفضلي؛ فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك الرجل، وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده.

стр. 745

ومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام: رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه أخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها بقومه: شيخان قد ثقل السّلاح عليهما ... وعداهما رأي السّميع المبصر ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر فأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته: أي أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم؛ فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه: أي يتوكأ منه على عصا، كما يفعل الشيخ الكبير. وكذلك ورد قول الرجلين أيضا؛ فقال أبو تمام: لا أظلم النّأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النّوى عندي نوى قذفا أخذه البحتري فقال: أعاتك، ما كان الشّباب مقرّبي ... إليك فألحى الشّيب إذ هو مبعدي وهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا. الضرب الثاني من السلخ: أن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا قليلا. فمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:

стр. 746

فتى مات بين الضّرب والطّعن ميتة ... تقوم مقام النّصر إذ فاته النّصر فعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح، وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد، غير أن اللفظ مختلف. وهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها، وأغربها، وأبعدها مذهبا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار اليها؛ كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة: فقد جرّ نفعا فقدنا لك؛ أنّنا ... أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع وجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال: وقد عزّى ربيعة أنّ يوما ... عليها مثل يومك لا يعود وهذا من البديع النادر. وههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية؛ وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك الاعتداد به لمكان وضوحه، لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف لا الاسم نفسه، فيكون حسنا، كقول جرير: ولا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال: ومن في كفّه منهم قناة ... كمن في كفّه منهم خضاب الضرب الثالث من السلخ: وهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على السارق.

стр. 747

فمن ذلك قول البحتري في غلام. فوق ضعف الصّغير إن وكل الأمر إليه ودون كيد الكبار سبقه أبو نواس فقال: لم يخف من كبر عمّا يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصّغر وكذلك قوله أيضا: كلّ عيد له انقضاء؛ وكفّي ... كلّ يوم من جوده في عيد أخذه من علي بن جبلة [في قوله] : للعيد يوم من الأيّام منتظر ... والنّاس في كلّ يوم منك في عيد وكذلك قوله: جاد حتّى أفنى السّؤال؛ فلمّا ... باد منّا السّؤال جاد ابتداء أخذه من علي بن جبلة [في قوله] : أعطيت حتّى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها وقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن مثلها، وقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها؛ فممن فعل ذلك أبو تمام؛ فإنه قال: قد قلّصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من التّعبيس مبتسما سبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال: وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رئبال فالقه غير أنّما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر عال تلق ليثا قد قلّصت شفتاه ... فيرى ضاحكا لعبس الصّيال

стр. 748

وكذلك قال أبو تمام: فلم أمدحك تفحيما بشعري ... ولكنّي مدحت بك المديحا أخذه من حسان بن ثابت في مدحه للنبي ﷺ حيث قال: ما إن مدحت محمّدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمّد ولا شك أن أبا بكر ﵁ سمع قول حسان حيث استخلف عمر ﵁؛ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر ﵁: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك. وهكذا فعل ابن الرومي؛ فمما جاء له قوله: جرحته العيون فاقتصّ منها ... بجوى في القلوب دامي النّدوب سبقه أبو تمام فقال: أدميت باللّحظات وجنته ... فاقتصّ ناظره من القلب وكذلك قول ابن الرومي: وكّلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا سبقه أبو تمام فقال: وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التّقاضي وكذلك قال ابن الرومي: ومالي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنّني من بعده لا أخلّد سبقه منصور النمري فقال: قد كدت أقضي على فوت الشّباب أسا ... لولا تعزّي أنّ العيش منقطع

стр. 749

وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي؛ فمما جاء منه قوله: فدى نفسه بضمان النّضار ... وأعطى صدور القنا الذّابل أخذه من قول الفرزدق: كان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار وكذلك قوله أيضا: أين أزمعت أيّهذا الهمام ... نحن نبت الرّبا وأنت الغمام أخذه من بشار حيث قال: كأنّ النّاس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار وكذلك قوله: فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا لأصبح آمنا فيك الرّزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا أخذه من ابن الرومي حيث قال: أسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب والذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بدّ من مخالفة المتأخر المتقدم: إما بأن يأخذ المعنى فيزيده معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته. ومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو: أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية؛ فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو صاغها في سوار أو خلخال؛ ليكون أكتم لأمرها.

стр. 750

وممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها: غيري بأكثر هذا النّاس ينخدع لم يسلم الكرّ في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشّيع وهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها: أيّ القلوب عليكم ليس ينصدع وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخود من بيت منها، وهو: ما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الرّوع إذ غابت الأنصار والشّيع وليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة؛ فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه. الضرب الرابع من السلخ: وهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة. فمن ذلك قول أبي نواس: قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبّة لؤلؤ لم تثقب فقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك: إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتّى تذلّل بالزّمام وتركبا والحبّ ليس بنافع أربابه ... حتّى يفصّل في النّظام ويثقبا ومن هذا الباب قول ابن جعفر: ولمّا بدا لي أنّها لا تريدني ... وأنّ هواها ليس عنّي بمنجلي تمنّيت أن تهوى سواي لعلّها ... تذوق صبابات الهوى فترقّ لي

стр. 751

وقال غيره: ولقد سرّني صدودك عنّي ... في طلابيك وامتناعك منّي حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التّمنّي أما ابن جعفر فإنه تداءب وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو. وكذلك ورد قول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني الّلوّم أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال: أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إنّ الملامة فيه من أعدائه وهذا من السرقات الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة. وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا؛ فمن ذلك قولي: لولا الكرام وما سنّوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح أخذته من قول أبي تمام: لولا خلال سنّها الشّعر ما درى ... بناة العلى من أين تؤتى المكارم الضرب الخامس من السلخ: وهو أن يؤخذ بعض المعنى؛ فمن ذلك قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان: عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... ببذل وما كلّ العطاء يزين وليس بشين لامريء بذل وجهه ... إليك كما بعض السّؤال يشين أخذه أبو تمام فقال: تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا

стр. 752

ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتّى رأيت سؤالا يجتني شرفا «١» فأمية بن أبي الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة: وآثل ما لم يحوه متقدّم ... وإن نال منه آخر فهو تابع فقال أبو الطيب المتنبي: ترفّع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلّا عذاريا فعليّ بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة. ومن ذلك قول أبي تمام: كلف بربّ المجد يعلم أنّه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم «٢» فقال البحتري: ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمّما فأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه: أي يستديمه، ويعلم أنه إذا لم يستدمه فما ابتدأه، والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غير، وذلك بعض ما ذكره أبو تمام.

стр. 753

وكذلك قال البحتري: ادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف أخذه ممن تقدمه حيث قال: انتج الفضل أو تخلّ عن الدّنيا ... فهاتان غاية الهمم فالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه. وكذلك ورد قول ابن الرومي: نزلتم على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسّلالم أخذه أبو الطيب المتنبي فقال: فوق السّماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا وهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله «فوق السماء» فإنه يغني عنه قول ابن الرومي «نزلتم على هام المعالي» ؛ إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلوّ مطلقا. الضرب السادس من السلخ: وهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر. فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب «١» : إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب أخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه، وهو قوله: إن قصّر الرّمح لم يمش الخطا عددا ... أو عرّد السّيف لم يهمم بتعريد وكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره:

стр. 754

غرائب آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما أخذه أبو تمام فزاد عليه؛ إذ قال في وصف قصيد له وقرن ذلك بالممدوح: غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك: أذلّ الحياة وكره الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرا جميلا أخذه أبو تمام فقال: مثّل الموت بين عينيه وال ... ذّلّ وكلّا رآه خطبا عظيما ثمّ سارت به الحميّة قدما ... فأمات العدا ومات كريما فزاد عليه بقوله: فأمات العدا ومات كريما ويروى أنه نظر عبد الله بن علي ﵁ عند قتال المروانية ألى فتى عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد، فقال: إلّا أكنه فلست بدونه، قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين. وكذلك ورد قول أبي تمام: يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سودد ... ولو برزت في زيّ عذراء ناهد أخذه من قول المعذل بن غيلان: ولست بنظّار إلى جانب العلا ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله:

стр. 755

ولو برزت في زيّ عذراء ناهد ومما يجري هذا المجرى قول البحتري: خلّ عنّا فإنّما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد أخذه من قول أبي نواس: قل لمن يدّعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر إنّما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو إلا أن البحتري زاد على أبي نواس في قوله «أو كالحديث المعاد» . هكذا ورد قول البحتري أيضا: ركبوا الفرات إلى الفرات وأمّلوا ... جذلان يبدع في السّماح ويغرب أخذه من مسلم بن الوليد في قوله: ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر إلا أن البحتري زاد عليه بقوله: جذلان يبدع في السماح ويغرب وكذلك ورد قول أبي نواس: وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «١» وهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا

стр. 756

تمام، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا أبا تمام؟ قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا المعنى ليس لأبي نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم عضابا إلا أنّ أبا نواس زاده زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ. ومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق: علام تلفّتين وأنت تحتي ... وخير النّاس كلّهم أمامي متى تأتي الرّصافة تستريحي ... من الأنساع والدّبر الدّوامي أخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال: وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام فالفرزدق قال: «تستريحي من الأنساع والدبر الدوامي» وليس استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى: وأما أبو نواس فإنه حرّم ظهورهن على الرجال: أي أنها تعفى من السفر إعفاء مستمرّا، ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السّائبة والبحيرة. وعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي: وملمومة زرد ثوبها ... ولكنّه بالقنا مخمل أخذه من أبي نواس في قوله: أمام خميس أرجوان كأنّه ... قميص محوك من قنا وجياد فزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى.

стр. 757

وكذلك قال أبو الطيب المتنبي: وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنّك في الكرم الأوّل فأخذته أنا وزدت عليه؛ فقلت: أنت في الجود أوّل وقضى اللّ ... هـ بألّا يرى لك الدّهرثان وهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره. الضرب السابع من السلخ: وهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة؛ فمن ذلك قول أبي تمام: جذلان من ظفر حرّان إن رجعت ... مخضوبة منكم أظفاره بدم أخذه البحتري؛ فقال: إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها ومن هذا الأسلوب قولهما أيضا؛ فقال أبو تمام: إنّ الكرام كثير في البلاد وإن ... قلّوا كما غيرهم قلّوا وإن كثروا وقال البحتري: قلّ الكرام فصار يكثر مدّهم ... ولقد يقلّ الشّيء حتّى يكثرا «١»

стр. 758

وعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس: يدلّ على ما في الضّمير من الفتى ... تقلّب عينيه إلى شخص من يهوى أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: وإذا خامر الهوى قلب صبّ ... فعليه لكلّ عين دليل ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي: إذا ما ازددت من بعد التّناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد «١» أخذه ابن نباتة السعديّ؛ فقال: إذا كان نقصان الفتى من تمامه ... فكلّ صحيح في الأنام عليل وكذلك ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية: وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنّها في وجهه أثر اللّطم «٢» أخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال: وأهوى الّتي أهوى لها البدر ساجدا ... ألست ترى في وجه أثر التّرب وكذلك قول ابن الرومي: إذا شنئت عين امريء شيب نفسه ... فعين سواه بالشّناءة أجدر أخذه من تأخر زمانه عنه؛ فقال: إذا كان شيبي بغيضا إليّ ... فكيف يكون إليها حبيبا

стр. 759

ومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم: مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها أخذه أبو تمام؛ فقال: كأنّ عليها كلّ عقد ملاحة ... وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد ثم أخذه البحتري؛ فقال: إذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها ... فإنّ عناء ما توخت عقودها أمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع. الضرب الثامن من السلخ: وهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا. وذلك من أحسن السرقات؛ لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، وسعة باعه في البلاغة؛ فمن ذلك قول بشار: من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج أخذه سلم الخاسر، وكان تلميذه، فقال: من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز بالّلذّة الجسور فبين البيتين لفظتان في التأليف: ومن هذا الأسلوب قول أبي تمام: برّزت في طلب المعالي واحدا ... فيها تسير مغوّرا ومنجّدا عجب بأنّك سالم في وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردا «١»

стр. 760

أخذه ابن الرومي؛ فقال: غرّبته الخلائق الزّهر في النّا ... س وما أوحشته بالتّغريب وكذلك ورد قول أبي نواس: وكّلت بالدّهر غير غافلة ... من جود كفّك تأسو كلّ ما جرحا أخذه ابن الرومي؛ فقال: الدّهر يفسد ما استطاع وأحمد ... يتتبّع الإفساد بالإصلاح وعلى هذا ورد قول ابن الرومي: كأنّي أستدني بك ابن حنية ... إذا النّزع أدناه من الصّدر أبعدا أخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي، فقال: فهو كالسّهم كلّما زدته منك دنوّا بالنّزع زادك بعدا ولقيت جماعة من الأدباء بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، وإنما هو لابن الرومي. ومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية: وإنّي لمعذور على فرط حبّها ... لأنّ لها وجها يدلّ على عذري أخذه أبو تمام؛ فقال: له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز. ومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام: كانت مساءلة الرّكبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر

стр. 761

حتّى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز؛ حيث قال: وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر وكذلك قولهما في موضع آخر؛ فقال أبو تمام: كم صارما عضبا أناف على قفا ... منهم لأعباء الوغى حمّال سبق المشيب إليه حتّى ابتزّه ... وطن النّهى من مفرق وقذال أخذه أبو الطيب فزاد وأحسن؛ حيث قال: يسابق القتل فيهم كلّ حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم ومن هذا الضرب قول بعض الشعراء؛ أمن خوف فقر تعجّلته ... وأخّرت إنفاق ما تجمع فصرت الفقير وأنت الغنيّ ... وما كنت تعدو الّذي تصنع أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: ومن ينفق السّاعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالّذي فعل الفقر الضرب التاسع من السلخ: وهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما. وهو من السرقات التي يسامح صاحبها؛ فمن ذلك قول الأخطل «١» :

стр. 762

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم أخذه أبو تمام؛ فقال: أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا؟ ساء ذاك صنيعا وهذا من العام الذي جعل خاصا؛ ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه؛ وأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق. وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام: ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدّرّ والضّرع حافل أخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول: وما يؤلم الحرمان من كفّ حارم ... كما يؤلم الحرمان من كفّ رازق الضرب العاشر من السلخ: وهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى؛ وذلك بأن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه، فمما جاء منه قول أبي تمام: هو الصّنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللّريث في بعض المواطن أنفع أخذه أبو الطيب فأوضحه بمثال ضربه له، وذلك قوله: ومن الخير بطء سيبك عنّي ... أسرع السّحب في المسير الجهام وهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال المناسب له!. وكذلك قولهما في موضع آخر؛ فقال أبو تمام «١» :

стр. 763

قد قلّصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدّة التّعبيس مبتسما أخذه أبو الطيب المتنبي؛ فقال: وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يد فرّاسة وفم إذا رأيت نيوب الّليث بارزة ... فلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام: وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتّى يجاورها الزّمان بحال أخذه أبو عبادة البحتري؛ فقال: وقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب وحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الّليل غيهب فإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا. الضرب الحادي عشر من السلخ: وهو اتّحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقا واحدة، فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر. فمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين: مجد تأوّب طارقا حتّى إذا ... قلنا أقام الدّهر أصبح راحلا نجمان شاء الله ألّا يطلعا ... إلّا ارتداد الطّرف حتّى يأفلا إنّ الفجيعة بالرّياض نواضرا ... لأجلّ منها بالرّياض ذوابلا لهفي على تلك الشّواهد فيهما ... لو أخّرت حتّى تكون شمائلا إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا قل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه يريب الحادثات حلاحلا إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا

стр. 764

فالثقل ليس مضاعفا لمطيّة ... إلّا إذا ما كان وهما بازلا لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبريّة آكلا «١» إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّب ... منه اتمهلّ ذرا وأثّ أسافلا شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكّر ناسيا أو غافلا إلّا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبّك سامعا أو قائلا هل تكلف الأيدي بهزّ مهنّد ... إلّا إذا كان الحسام القاصلا وقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير: فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل ومثلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر الفراسة والأصل ألست من القوم الّذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل بمولودهم صمت اللّسان كغيره ... ولكنّ في أعطافه منطق الفصل تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثّناء عن الشّغل عزاءك سيف الدّولة المقتدى به ... فإنّك نصل والشّدائد للنّصل تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أمّ لا تطرّق بالحمل بدا وله وعد السّحابة بالرّوى ... وصدّ وفينا غلّة البلد المحل وقد مدّت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل وريع له جيش العدوّ وما مشى ... وجاشت له الحرب الضّروس وما تغلي فتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟.

стр. 765

وسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال: لهفي على تلك الشّواهد فيهما ... لو أخّرت حتّى تكون شمائلا وأما أبو الطيب فإنه قال: بمولودهم صمت اللّسان كغيره ... ولكنّ في أعطافه منطق الفضل فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي المطابقة في قوله «صمت اللسان» و «منطق الفصل» . وقال أبو تمام: نجمان شاء الله ألّا يطلعا ... إلّا ارتداد الطّرف حتّى يأفلا وقال أبو الطيب: بدا وله وعد السّحابة بالرّوى ... وصدّ وفينا غلّة البلد المحل فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وصدّ فينا غلّة البلد المحل لأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته. وأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، وربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا الموضع؛ وبيان ذلك أنه قد تقدّم القول على ما اتفقا فيه من المعنى، وأما الذي اختلفا فيه فإن أبا الطيب قال: عزاءك سيف الدّولة المقتدى به ... فإنّك نصل والشّدائد للنّصل

стр. 766

وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما: إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلا بلا فالثقل ليس مضاعفا لمطيّة ... إلّا إذا ما كان وهما بازلا فإن قول أبي الطيب «والشدائد للنصل» أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام: إن الثقل إنما يضاعف من المطايا، وقوله أيضا: تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرّجل وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما: لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبريّة آكلا إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّب ... منه اتمهلّ ذرا وأثّ أسافلا وكذلك قال أبو الطيب: ألست من القوم الّذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثّناء عن الشغل وهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذان هما: شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكّر ناسيا أو غافلا إلّا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبّك سامعا أو قائلا واعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين المعنيين المختلفين. وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك بأن قالوا: المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى؛ فإن اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة تحتها؛ فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى حتى يعلم مواقع النظم في قوة ذلك المعنى

стр. 767

أو ضعفه واتّساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلّا فكلّ كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من الخل؛ فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها. وهذا القول فاسد؛ فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال، وإنما خفي عليهم ذلك لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، سواء اتفقت المعاني أو اختلفت، ومن ههنا وقع لهم الغلط. وسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهما؛ فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل. وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية، لكن عذرتهم في ذلك؛ فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب. فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا. وهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، وفيه ما فيه، ولو [لا] أن أبا عمرو عندي بالمكان العلى لبسطت لساني في هذا الموضع. وسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعة من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدّنا اجتراء وأرمانا للقرائض، وأما أنا فمدينة الشعر. وهذا القول في التفضيل قول إقناعيّ لا يحصل منه على تحقيق، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء. وسئل الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: فمن ذاك؟ قال: الأعشى، قيل: ثم من؟ قال: طرفة. وهذا قول فيه بعض

стр. 768

التحقيق؛ إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها. وسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر، وأما المتنبي فقاتل عسكر، وهذا كلام حسن واقع في موقعه؛ فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل. ويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: ولم ذاك؟ فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت؛ وقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم له منه بيت واحد؟! لكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنتا عشرة ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهم ما يسقط؛ فإنه لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إليّ ما في أيدي الناس من شعره مقصّدا ومقطّعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئة، وتندر له الأبيات اليسيرة. وبلغني عن الأصمعي وأبي عبيد وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري، وهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، أو شاعر مفلق؛ فإنّ أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل أيضا النحوي عن مسألة طيبة فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره. على أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، ما من أحد إلّا ويحبّ أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخطّ بيده

стр. 769

ورأيت أغتام الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض في فن الكتابة والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم فإنه بلغني عن ابن الأعرابي وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها: وعاذل عذلته؟ في عذله وقيل له: هذه لفلان، من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال: هذا هو الديباج الخسرواني، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له: هذه لأبي تمام؛ فقال: من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة، ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا غلام، خرّق، فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أيّ طرفيه أطول في هذا الفن ولا يعلم أين يضع يده فيه ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد الشنيع الذي هذا غايته فما الذي يقول غيره؟! وما الذي يتكلم فيه سواه؟! والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولا وآخرا، ومن وقف على الأشعار ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة علم ما أشرت اليه، ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امريء القيس وزهير والنابغة والأعشى؛ فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب؛ وأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا من المعاني المختلفة، وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون، وهم: أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي؛ فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء، أما أبو تمام وأبو الطيب فربّا المعاني، وأمّا أبو عبادة فربّ الألفاظ في ديباجتها وسبكها. وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك؟ قال: لأن حوكه شبيه بحوكك، قال: ثكلتك أمك! أو في الحكم عصبية؟ قال: يا أبت، فمن أشعر؟ قال: الفرزدق، قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور على أربعة أشياء: هي القين، والزنا، وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ولا يهجو الفرزدق بسوى

стр. 770

ذلك، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر؛ وأنا أستكذب راوي هذه الحكاية، ولا أصدقه؛ فإن البحتري عندي ألبّ من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل: لمّا وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل «١» فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد. ولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا ربّ تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله: وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما «٢» وإنّي لقوّال لكلّ غريبة ... ورود إذا السّاري بليل ترنّما خروج بأفواه الرّواة كأنّها ... شبا هندوانيّ إذا هزّ صمّما «٣» غرائب آلاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء. وسأذكر من هجاء الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها؛ فمن ذلك قوله: وقد زعموا أنّ الفرزدق حيّة ... وما قتل الحيّات من أحد قبلي

стр. 771

ألم تر أنّي لا أنبّل رميتي ... فمن أرم لا تخطيء مقاتله نبلي «١» رأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد ... قتالا فما لاقيت شرّ من القتل «٢» وقوله: أبلغ هديّتي الفرزدق إنّها ... عبء تزاد على حسير مثقل «٣» إنّي انصببت من السّماء عليكم ... حتّى اختطفتك يا فرزدق من عل وقوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع ورأيت نبلك يا فرزدق قصّرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع إنّ الفرزدق قد تبيّن لؤمه ... حيث التقت خششاؤه والأخدع وقوله: أحارث؛ خذ من شئت منّا ومنهم ... ودعنا نقس مجدا تعدّ فضائله «٤» لبست سلاجي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرّج وجلاجله فلست بذي عزّ ولا ذي أرومة ... وما تعط من ضيم فإنّك قابله وقوله: لا يخفينّ عليك أنّ مجاشعا ... لو ينفخون من الخؤرة طاروا قد يؤسرون فلا يفكّ أسيرهم ... ويقتّلون فتسلم الآثار

стр. 772

وقوله: بني مالك؛ إنّ الفرزدق لم يزل ... يلقّي المخازي من لدن أن تيفّعا «١» مددت له الغايات حتّى تركته ... قعود القوافي ذا علوب موقّعا «٢» وقوله: ألا إنّما كان الفرزدق ثعلبا ... ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم «٣» وقوله: مهلا فرزدق إنّ قومك فيهم ... خور القلوب وخفّة الأحلام «٤» الظّاعنون على العمى بجميعهم ... والنّازلون بشرّ دار مقام وقوله: إذا سفرت يوما نساء مجاشع ... بدت سوأة ممّا تجنّ البراقع مباشيم عن غبّ الهرير كأنّما ... تصوّت في أعفاجهنّ الضّفادع رأت مللا مثل الفرزدق قصّرت ... عن العلو لا يأبى عن العلو بارع أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إنّي إلى الله راجع إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة ... وأعظم عارا قيل تلك مجاشع

стр. 773

وقوله: علق الأخيطل في حبالي بعد ما ... عثر الفرزدق؛ لا لعا للعاثر! لقي الفرزدق ما لقيت وقبله ... طاح التّعيس بغير عرض وافر وإذا رجوا أن ينقضوا لي مرّة ... مرست قواي عليهم ومرائري ولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه؛ ولولا خوف الإطالة لاستقصيتها جميعها، ولو سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك المعاني الأربعة لاعترضت عليه بأنه قد أقرّ لجرير بالفضيلة، وذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحد تصرّف فيه بوجوه التصرفات، وأخرجه في ضروب الأساليب، وكذلك فعل جرير؛ فإنه أبرز من هجاء الفرزدق بالقين كلّ غريبة، وتصرف فيه تصرّفا مختلف الأنحاء؛ فمن ذلك قوله: ألهى أباك عن المكارم والعلا ... ليّ الكتائف وارتفاع المرجل قوله: وجد الكتيف ذخيرة في قبره ... والكلبتان جمعن والمنشار «١» يبكي صداه إذا تصدّع مرجل ... أو إن تفلّق برمة أعشار قال الفرزدق رقّعي أكيارنا ... قالت وكيف ترقّع الأكيار وقوله: إذا آباؤنا وأبوك عدّوا ... أبان المقرفات من العراب «٢»

стр. 774

فأورثك العلاة وأورثوني ... رباط الخيل أفنية القباب وسيف أبي الفرزدق فاعلموه ... قدوم غير ثابتة النّصاب فانظر أيها الواقف على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرّف فيها جرير وأدارها على هجاء الفرزدق بالقين؛ فقال أولا: إن أباه شغل عن المكارم بصناعة القيون، ثم قال ثانيا: إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل والبرمة الأعشار التي يصلحها، ثم قال ثالثا: إن أباك أورثك آلة القيون، وأورثني أبي رباط الخيل؛ وقد أورد جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب الذي ذكرتها، ولا حاجة إلى التطويل بذلك ههنا، وهذا القدر فيه كفاية. وحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره، وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد؛ فمما جاء منه قول النابغة: إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب وهذا المعنى قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا، وأوردوه بصروب من العبارات؛ فقال أبو نواس: تتمنّى الطّير غزوته ... ثقة بالّلحم من جزره وقال مسلم بن الوليد: قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل وقال أبو تمام: وقد ظلّلت أعناق أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدّماء نواهل أقامت مع الرّايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل وقد ذكر في هذا المعنى غير هؤلاء، إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم

стр. 775

فيه، إلا من جهة حسن السبك، أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال: أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور فهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى؛ وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي؛ فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدّمه «١» ، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره، فمما جاء من قوله: يفدّي أتمّ الطّير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم وما ضرّها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم ثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعره؛ فقال: سحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه وهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجاب؛ وقال في موضع آخر: وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم تمرّ عليه الشّمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم إذا ضوؤها لاقى من الطّير فرجة ... تدوّر فوق البيض مثل الدّراهم وهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم. ومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي في وصف الأسد، وقصيدتاهما مشهورتان؛ فأول إحداهما:
следующие страницы →